مريم الخفاجي

النَّبأ العَظیم

بقلم: مريم الخفاجي كان موكبه المهيب يشقّ صحراءَ جرداءَ تلتهب من حرارة الشّمس، عاد و عادت معه قلوب ملآى بندُبة الفراق الذي تحسّسونه وهو يوضّح لهم مناسك حَجِّهِم، ألا هَاهُنا مناكُم، و هَاهُنا عَرَفَتُكم، قَصّروا، طُوفوا، اعتَمروا، واكمِلوا الهَديَ، ثم بعدها نعى لهم نفسه الزكيّة. إنها حَجّة الوَداع، وليسَ أقسى على القلب من وداعٍ طويل. نعم؛ هم على موعد يجهلونه لكنّه ليس لناظره ببعيد لوداع رحمة الله الكبرى، وعينه في خلقه، وخليفته... إنّ وعد الله نافذٌ في غضون عامٍ لا يُعلم في أيّ يوم منه تُنكَب الأُمّة وتُثلم ثلمتها العُظمى. والمؤمنون حيارى إذا ما أُغلقت باب محمد (صلى الله عليه وآله)، فمن الملاذ و من يتوجه إليه الأولياء؟ ترى هل ستوصدُ باب الله؟ هل ستتفرّق الأمّة وتتشَتّت الأقوال؟ هل ستبقى دون مرشدٍ ولا هادٍ يرجعون له في شؤونهم؟ "ليت أبا الزهراء يتلطّف فينا، يتمهّل، يُوجّه، ويُعلمنا أين المأوى بعده... فقد اعتادت نفوسنا على أنّه الآخذ بأحوالنا، المراعي لأوضاعنا المشحونة بالضغينة". هذا كان حال المريدين للدّين الثبات والبقاء، و المتوقعين من النبي خيرًا وافرًا، فما محمدٌ إلا رسولٌ استنقذهم الله به من الجّهل والضّلال، وبعيدٌ على الله أن يُفلت أيادي عباده ليرجعوا القهقرى، أو أن يُترك أمر الوصي ّ دون بيانٍ واضح جليّ، فيبقى مخفياً لا يعلمه إلا الله، إنّه مخالف لقواعد اللّطف والحُب الالهي، ولا يشبه قانون الحجّة المفترضة على الخلق، فإنّ الحاقدين سُرعان ما سيُزوِّرون حقيقة الأنبياء، التي لا تخفى على المُتَّقين، لكنّها على عوامّ الناس سريعة النفوذ. بعضهم كانت أقدامه لا تحمله من شدة التفكير والخوف من المستقبل الآتي، و بعضهم كان يقطع المَسافات يشبه التائه الذي هام على وجهه لا يدري أفي بر هو أم في بحر، ولا يحرّك له ساكنًا حال الأمة مهما عصفت بها رياح البلاء، وبعضٌ، كاد أن يجزم من شدّة سروره أنّ عهد محمد (صلى الله عليه وآله) الذي قضّ مضاجعهم و سلب نفوذهم سيؤول إلى الزّوال، إنّها سِنيّ سترحل معه، وسيُنسَى ذكره و لن يُرفع له عَلَمٌ بعد ذلك، كانوا يُمنّون النّفس طويلاً طويلاً.. و ينتَشون فرحةً وسروراً، و ينشدون أمجادَ جهالتهم الغابرة التي سحقتها رسالة السّماء منذ عشرين و نيّف من الأعوام منذ أن بُعث محمد (صلى الله عليه وآله) رسولًا للعالمين. حتى قَطعت جميعَ الأفكار أصواتُ رُسُل قافلة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فُرسانٌ تفرقوا وتوزّع شملهم وهم ينادون بأمرِه للحجيج أن يجتمعوا... لقد كان أمرًا نافذًا على كل الحَجيج، لم يكن لأحد منهم حق التّراجع والتّذمر والعصيان... هو مُفترق الطّرق، والصحراء الخالية من كل شيء، لا مِنبر، لا مَسجد، لا مَكان يُظلّلهم ويقيهم أشعة شمس ظهيرة لاهبة. ومحمد (صلی الله علیه وآله) سيّد الخلق يشقّ الزّمن، بجسده الذي ناهَزَ الثّالثة والسِّتين، يمشي الهوينة على رمالٍ حارّة هَشّة، تَتَفتّتُ تحت قدميه المباركتين تَذللًا، يحمل في قلبه قنديل نُور يكفي لأن يضيء للعالمين حياة. ارتقى منبرًا صنعوه من سُرُج الدّواب بعد أن صلّى فيهم، كان يسعى بذلك أن يَشق للأمّة ظلام أرواحهم الدّامس، ليعيدها حيث نشأتها الأولى، لا يلوّثها صخب الدنيا.. وكأنّه بدأ يفتح بابًا من الهداية جديدًا لم يدخلوه من قبل. ولمّا يتكلم بعد، حتى شُدّت الأبصار إليه، وكأنّها تتزاحم لتُلامس نور المحيّا الذي يُستسقى به الغمام. سبق قولَه صمتٌ ثقيل مَهيب، لا يشقه صوتٌ وكأنّ على رؤوسهم الطّير، ولن يتكلّم "إلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَن وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا" (1). حمد الله، وأثنى عليه، فلقد كانت تلك سنّة الأنبياء، أرباب التّوحيد، وأهل الحَمد لإله السّماء، وانبرى يخطب فيهم، وكلّما طال الخطاب يزداد الهدوء فيصبح أعمق، وعلى نسقٍ لم يعهدوه، قرّب اليه صِهره وليد بيت الله، نظر في وجهٍ فيه نضرةُ النعيم، أخذ يرنو إليه بودٍ حتى أشرق وجهه المستدير حُبورًا، وأخذ بيده ثم رفعها عاليًا عاليًا لتراها أنظار البعيد والقريب، فبان بياض إبطيهما، ثم قال بلسان المرسلين الذي يُلامس حرفهم شغاف الروح: -يا أيّها النّاس؛ من أولى النّاس بالمُؤمنين من أنفسهم؟ فتلعثَمت العقول، وتساءلت الأذهان، وتضاربت أقوال أفكارهم، ثم سرعان ما أوكَلوا جميعهم لسيد الخلق الجواب، ليهتدوا بطيب القول فقالوا: الله ورَسوله أعلَم. لقد كانوا على يقينِِ من أنّ قوله فصل وحكم وعلم. حينها انساب الوحي كنهرِِ عذبِِ يروي ظمأ العطاشى بصوت لطيف كلطف المطر إذا ما هطل على أرضٍ جدباء ليُحييها: -إنّ الله مولاي، و أنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه، فعلي مولاه. فخطفت الحروف أسماع الجميع، واعترت أرواح بعضهم رعدة ورجفة اصفرّت لها وجوههم، وبعض آخر باغته الأنس والبهجة. كررّ ثم كررّ حتى بلغ ثلاثًا... ثم أكمل يسقي بيدٍ من حنان زائحًا عن العقول كل ستائر العمى والآذان تلتقط النبأ العظيم جيدًا: - "اللهم والِ مَن وَالَاهُ، وَعَادِ من عَادَاه، أحِبّ من أحَبَّه، وابغض من أبغَضَه، وانصُر من نَصَره، واخذل من خَذَلَه، وأدِر الحَقَّ مَعَه حيث دار"... وأتمّ آمرًا لهم: - "ألا فليُبلغ الشّاهد الغائب" (2)... فبُهت الذي كَفَر، و يئست قلوب المنافقين المتربصين، وباءت كل أمانيهّم بالتهاوي، وكان وعد الله مفعولاً حين قال: "الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ".(3). وخلّد الكون لحظة من صِنف الأبد، ورسالة أُكملت ونعمة أُتِـمّت، حين أصبح وجهُ عليٍّ مقصد الراجين النّجاة، والراغبين إلى الله، فقد زهق الباطل وتسربت إليه حشرجات موتٍ لمخططات سنين وأعوام. وانبثق من عنان السّماء صوت جبريل يصدح ببشرى من الله: " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا" (4). لقد رفع الله عن قلب أبي القاسم (صلى الله عليه وآله) غمًّا ثقيلًا، وجعل على مد ناظريه فرحًا، حتى غمرت الحجیج فرحة التنصيب، وتهافت جمعهم مبايعًا، ماسكًا يد أبي الحسن وقد تقدمهم أبو بكر وعمر قائلين: "بخٍ بخٍ لك يا أبا الحسن أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن و مؤمنة" (5)، بعد أن أمرهم سيّد الخلق (صلى الله عليه وآله) بمبايعة الوليّ الناصح، ولم يكن يُسمع في تلك الظهيرة إلّا قول: "سمعنا وأطعنا لما أمرنا الله ورسوله بقلوبنا وأنفسنا والسنتنا و جميع جوارحنا" (6). لم تکن المرّة الأولى التي أفصح محمد (صلى الله عليه وآله) بها عن أمر الربّ الجلیل، لكنّها المرّة الأولى التي أبلغ فيها دستورًا لا مناص منه ولا فرار. فما زالت في ذاكرة بعض المُسلمين حوادث متعددة، مازالوا يذكرون حين كان يحكي لهم رسول الله (صلی الله علیه وآله) عن رجل قاسه بثلاثة أنبياء حين كان يقول: - "أُرِيكُمْ آدَمَ فِي عِلْمِهِ وَ نُوحاً فِي فَهْمِهِ وَ إِبْرَاهِيمَ فِي حِكْمَتِه‏"؟ فتعجب الصحب والحاضرون، فأيّ رجل ذاك الذي يحوي صفات الأنبياء؟ وما كان أسرع أن طلع عليهم فتى، فاشرأبّت له أعناقهم، فكان عليًّا. حينها تساءلَ أَبُو بَكْرٍ: - يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَ قِسْتَ رَجُلًا بِثَلَاثَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، بَخْ بَخْ لِهَذَا الرَّجُلِ مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ الله؟ فاستنکر النبي (صلى الله عليه وآله) علیه سؤاله: أَلَا تَعْرِفُهُ يَا أَبَا بَكْر؟ َ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِب‏. فلم یجد أبو بكرٍ غير أن يقول: - بَخْ‏ بَخْ‏ لَكَ‏ يَا أَبَا الْحَسَنِ‏ وَ أَيْنَ مِثْلُكَ يَا أَبَا الْحَسَن. (7) ومَضت قرون، وحلّت قرون، وافئدة من الناس تهوي إليه، وليسَ كلّ الناس، فمن ينظر بعين الله فقط هو من يستشعر ولايته، أمّا حاقد وناصب للعداء، فذاك لعله يتمنى أن يُمحى من كونٍ نُصّبَ فيه علي أميرا. وها هما "محمد" و "علي" قد أوسع الله عليهما، وشرح صدريهما فانشرحت صدور المؤمنين، وبذا كانت أوسع شيء فيهم (8) بمحمد وعلي، ولا تنقشع غمائم الجور إلا بمحمد وعلي (صلوات الله عليهم أجمعين) ________ (1) سورة طه، آية 9 (2) كتاب سليم بن قيس، ج2، ص758/ قرب الاسناد، ص57/ المسترشد، ص470/ الكافي،ج2،ص24/ دعائم الاسلام، ج۱،ص۱٦ (3) سورة المائدة/ آية 3 (4) سورة المائدة/ آية 3 (5) رجال الکشي، ج [4]، ص86 / بحار الأنوار، ج37،ص251/ في رحاب الغدير، ص389 (6) في رحاب الغدير، ص389. (7) كشف الغمّة، ج1ص115 (8) الکافي، ج٢،ص٢٢٦ "المؤمن أوسع شيء صدراً"

اخرى
منذ شهر
155

رِسَالةٌ توجيهيةٌ مِن بيتِ عِمرَان

بقلم: مريم الخفاجي إنّ تهيئة السُّبُل الصَّحيحة، والسَّعي لبناء بيئةٍ نموذجيةٍ صالحة للأبناء، لا شكّ أمرٌ يتكفله الآباء والأمّهات في الدّرجة الأولى، ولعلّ الأمّ هي من تلعب الدّور الأساسي في ذلك أكثر من الأب، فالقرآن الكريم يُشيد بدورها المفصلي وصعوبة المرحلة التي تتبناها وتتحملها قبل الجميع، فتقول الآية الشريفة مشيرة لذلك: "حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً" (1)، فتكون الأمّ هي المُرابطة للطّفل في أدقّ وأخطر وأهمّ مراحل حياته، كيف لا وهي الحاضنة الأولى له، وبطبيعة الحال فإنّ الوعاء يشكّل عادة الحماية الأوليّة لما فيه، فإن كان فاسدًا فسد ما فيه، وإن كان صالحًا صَلُح ما فيه. ولأهميّة هذه الفترة، وما يخصّ الجانب الروحي بالتحديد وحاجة ضخّ المفاهيم الأساسيّة فيه بشكلٍ سليمٍ تنبئ الآيات الشّريفة على لسان زوجة عمران (عليها السلام) مبيّنة أهمّ ما يجب على المرأة النظر فيه لحصادٍ مثمرٍ: "إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في‏ بَطْني‏ مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّميعُ الْعَليمُ فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى‏ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى‏ وَ إِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَ إِنِّي أُعيذُها بِكَ وَ ذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجيم" (2) مما يلاحظ من الحكاية القرآنية أنّ زوجة عمران (عليها السلام) لم تفكّر تفكيرًا انتفاعيًا أنانيًا كما يفعل كثير من البشر بتفكيرهم الماديّ الشّخصيّ المحدود، كأن تتأمل في الطفل الموعودة به أن يحقّقَ لها منفعة ذاتية كوجاهةٍ أو سمعةٍ أو ما شابه، بل كان همّها الأول أن تجعله خادمًا لله بقولها: "مُحَرَّراً ً" وهو مفهوم يحقّق للطّفل جانب العبودية لله، فيضمن له فيما بعد عدم انصياعه لأيّ سيطرة بشريّة. ثم انتقلت إلى العمل على جانب التّسمية، فأحسنت لولیدتها انتقاء الاسم المتضمّن لمفهوم عميق فقالت: "وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ" (3) وهي بلغتهم العابدة (4). وقد انعكس هذا الاسم انعكاسًا إيجابيًا على ابنتها، حتى وصلت إلى مرحلة تكلّم عنها القرءان الكريم قائلاً: "وَ إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفاكِ عَلى‏ نِساءِ الْعالَمين" (5) وهذا يبيّن أهمية اختيار الاسم للطّفل وتأثيره على سلوكيّاته وشخصيته، إذا ما وافقت تربية الأبوين للطفل المفاهيم الموجودة في التّسمية. ثم في تتمة الآيات تنطق والدة مريم (عليها السلام) بطلبٍ يكمّل شخصية وليدتها حيث قالت: "إِنِّي أُعيذُها بِكَ وَ ذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجيمِ" (6)، فقد طلبت من اللَّه أن يعيذ مريم وذريتها من الشيطان الرجيم، فيجيرهم من وسوسته وتثبيطه ومكره وخدعه ومكائده، ليستطيعوا إثر هذه العناية السَّير في خط الطَّاعة من دون أيّ انحراف أو تعثّرٍ، فهو في الحقيقة تعويذ للثبات والصمود على العبودية لله، مقابل الخطّ المنحرف المتربّص بأهم مفهومٍ يجب ترسيخه عند بني البشر. وعلى هذا الأساس فإنّ من أعظم المهام التي تقوم بها الأم -والأب أيضًا- في تربية الطفل من المنظار القرآني هو البناء الرّوحي الذي تتكئ عليه فيما بعد متبنيات الطفل العقائدية، وتنطلق منه أهدافه التي تُقوّم شخصيته تقويمًا يوصله إلى المبدأ الأساس وهو الله سبحانه وتعالی، فتكون قد حمت بذلك فطرته التي فطره الله عليها، وأنشأته منشأ الصَّالحين، ويتكوّن نتيجة ذلك مجتمع صالح بصلاح تلك التربية السَّليمة المبنية على محور العبودية الخالصة، البعيدة عن الماديات التي أصبحت في يومنا هذا منطلقًا لكل الرذائل، ومنشأ لتهتك الأجيال، ومن زوجة عمران (علیه السلام) ورؤيتها التوحيدية يمكن أن تنطلق نساء الأمّة انطلاقًا منهجيًا نبويًّا، لا شكّ فيه ولا شُبهة. ____________________ [1] سورة الأحقاف:15 [2] سورة آل عمران: 35/36 [3] سورة آل عمران: 36 [4] الطبرسي، الفضل بن الحسن, مجمع البيان في تفسير القران,ج2, ص,738 [5] سورة آل عمران: 42 [6] سورة آل عمران: 36

اخرى
منذ شهرين
313

وقفَة مَعَ الخَفِرَة

بقلم: مريم الخفاجي ينقل التاريخ عن حذيم بن بشير الأسدي قوله وهو يحكي حال عقيلة الهاشميين (عليها السلام) في السبي: "لَمْ أَرَ خَفِرَةً قَطُّ أَنْطَقَ مِنْهَا، كَأَنَّهَا تُفْرِغُ‏ عَنْ‏ لِسَانِ‏ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ‏ (عليه السلام)، وَ قَدْ أَوْمَأَتْ إِلَى النَّاسِ أَنِ اسْكُتُوا فَارْتَدَّتِ الْأَنْفَاسُ وَ سَكَتَتِ الْأَصْوَات‌‏" (١) لقد عبر حذيم بتعبير دقيق، وصف به كيان وشخص السيدة زينب الأنثوي الممزوج بقوتها القاهرة التي سيطرت على كل من كان يتواجد في تلك الحادثة، على اختلاف المكان والزّمان والظّروف، وتطرق إلى جوانب متعددة منها ما استهلّ به کلامه حیث قال: "لم أَرَ خَفِرَة" فما معنى (الخفرة)؟ أصل الكلمة في اللُّغة من "خفر" وقد أتت على عدة معانِِ منها: المرأة شديدة الحياء (۲)، والمُتعَبة (۳)، ويقال: خفير القوم أي مجيرهم (٤). ولابد من الوقوف عند كل معنى من المعاني: أولها: وأشهرها "شِدّة الحَياء" لو افترضنا أن حذيم أراد بقوله هذا المعنى والذي هو مما لاشكّ فيه، فهو معنى يتبادر للذّهن كلما جيء بذكر بنت أمير المؤمنين (علیهما السلام) فهي لاشك سيّدة الحياء فهذا يعني أمور: ▪️أن السّمة الغالبة على شخصيّة السيدة زينب بنت علي (علیهما السلام) هي شدة الحياء، رغم أنها كانت قد ناهزت الخمسين ونيّف من العمر. ▪️أن شدّة الحياء عند السيدة زينب (علیها السلام) لم يتناف مع قول الحق، ونقل الرسالة السّماوية إلى النّاس، والوقوف بوجه الظالم، فهو نوع من القوة الإيمانية، وبذلك بیّنت (سلام الله عليها) كيف يمكن للحياء أن يتجانس مع الحق و الدفاع عنه، وأنه لا يعني السكوت والخنوع والصمت. ▪️ أن شدة الحياء لا يعني الانكسار أو الضعف كما يحاول البعض أن يصوّره، بل هو معنى يكمن في داخله عدم الانكسار، وقد أثبتت (سلام الله عليها) أنه جانب من جوانب الشخصية القوية، الذي تحتاجه المرأة لتكون فاعلة في المجتمع، ممهدة لمولاها، ومنتجة لمن يأتي بعدها. ثانيها: "المتعبة". وإن كان المراد بالقول "المُتعَبة" بافتراض أنه تكلم عنها في وقت قد أُنهکت قواها، بعد قتل أهلها وسبيها وضربها، فهو دلالة واضحة على أنها ورغم شدة التّعب والألم والأسر والوحدة وثقل المسؤولية، إلا أنها دافعت وبيّنت ووضحت وجاهدت ولم يثنها التعب عن أداء تكليفها. فضلًا عن أن هذا المعنى يبين طبيعة مصابها (سلام الله عليها) فهي الثكلى، الفاقدة، الأسيرة، المضروبة بالسياط، المحامية والمتفانية في ذلك من أجل إمام زمانها، مع كل ذلك بقيت صامدة تتكلم بلسانِِ فصيح يشبه لسان علي بن أبي طالب (عليه السلام) البطل الشجاع المقداد الكرار في الحروب المُهين للظَلَمة، ولم تتأثر شخصيتها بتعبِِ و إنهاك، ولهف نفسي أي تعب! بل بقيت متوازنة طوال المسير، وهو درس عظيم تستلهمه المرأة لتجابه به كل متاعب هذه الحياة، وأن لا تتحجج بقسوة الظروف فتستهين بمبادئها وأهدافها وحجابها وسترها. ثالثها: "مجيرة القوم": ولو افترضنا أن الواصف أراد بقوله المعنى الثالث، فسيكون بيانًا عن عظم المسؤولية التي كانت تتحملها زينب (سلام الله عليها)، وبشاعة ما حصل لها في كربلاء، حيث إنها بعد ذاك العز الذي كانت فيه، فقدت رجالاتها وأعمدة أسرتها، فأصبحت في ظهيرة مؤلمة هي المجير لأرامل وثكالى وأيتام، والحامية لوليّ من أولياء الله من كيد الأعداء، وهي مهمّة جبّارة، تحتاج للقيام بها إلى وعي وصبر وحكمة وإحكام في التصرفات، فكيف لامرأة مفجوعة أن تتولى هذا المنصب الحساس و الخطير؟ ومع ما تعرضت له (سلام الله عليها) يبدو أن كل المعاني تصدق عليها في آن واحد، فهي المرأة ذات الحياء الشّديد والمتعبة، والمحامية للرسالة والولاية والنهضة الحسينية، التي لم يثنها أو يقف أي حال من الأحوال التي مرت بها دون فضح بشاعة ما حصل في كربلاء، وبشاعة ما ارتكبه أعداء الله، وعن إزاحة الستار عن كل جرائمهم، فضلًا عن توبيخهم وتصغيرهم وتقريعهم بوقفة قوية وبلُغة بَلِيغة. وكأن حذيم يرسم صورة من صُوَر التأثير القوي الذي كانت تمتلكه السيدة زينب بنت علي (علیهما السلام) على الرغم من الحالة التي تعيشها والوضع المتردّي والسيء الذي كانت فيه، فليس لهذه الشهادة لزينب (سلام الله عليها) معنى إلّا معنى القوة ورباطة الجأش، خصوصًا أنها لم تكن تخرج للناس من قبل، فهي المخدرة المُصانة التي کان يتسابق آل هاشم على خدمتها، فمن أين لها كل هذا التأثير الذي تعاملت به مع الناس؟ فتمتلك بإيمائة وحركة بسيطة من يدها الشريفة قُدرة إسكات كل الحاضرين حيث قال واصفًا الحال: "قَدْ أَوْمَأَتْ إِلَى النَّاسِ أَنِ اسْكُتُوا فَارْتَدَّتِ الْأَنْفَاسُ وَسَكَتَتِ الْأَصْوَات" لتفصح هي عن ما تحمل بلسان فصيح صادق ينطق بالحق، وبوقفة تحمل كامل الصمود والثبات؟! لكنها حصلت على كل ذلك التأثير من خلال: ▪️التأييد والتسديد الإلهي. ولا شك أن شيئًا من هذا التأييد والتسديد الإلهي هو تمكين للسيدة زينب (عليها السلام) من قلوب وعقول البشر من خلال ولاية تكوينية خصّت بها دون غیرها من کثیر من النساء ▪️الإيمان الراسخ بأحقيّة القضیة التي كانت تدافع من أجلها. ▪️العمل والإرادة المنطلقة من التوكل على الله والمعرفة بدينه، والثقة بأوامره، وعدم التزلزل الذي يصدر من كلام المشككين. ومن هذا الموقف بحد ذاته نستنتج عنصر القوة الذي امتلكته والذي امتزج ونمّ عن إيمان راسخ، وهي رسالة لكل امرأة، بل لكل إنسان يريد إقامة الحق الإلهي في العالم على مرور الأزمنة، وكأنها (سلام الله عليها) تعطي شفرات ذكية فعّالة من خلالها يمكن التعامل مع المواقف مهما كانت شديدة ومؤلمة، بل وتربّي النّفس المؤمنة على أن تصنع من الألم والظلم الذي تتعرض له آفاق نور تضيء بها العالم والأرواح، وتكتسب قوة إضافية تصل من خلالها حيث الحقيقة. ________________ [1] المفيد، محمد بن محمد، الأمالي، تحقيق: استاد ولي,غفاري علي اكبر, مؤتمر الشيخ المفيد، قم،١٤١٣هـ، الأولى، ص٣٢٠/المجلسي، محمد باقربن محمد تقي، بحار الأنوار، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٤٠٣ه، الثانية، ج٤٥، ص١٦٤. [2] البدري, عادل عبد الرحمن، نزهة النظر في غريب النهج والأثر،ط الاولى، ١٤٢١هـ، مؤسسة المعارف الإسلامية، قم، إيران،ص١٩٩. [3] المقري الفيومي، أحمد بن محمد، المصباح المنير، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ج١،ص١٧٥. [4] الفراهيدي، خليل بن أحمد، كتاب العين، منشورات الهجرة، ١٤١٠ه، الثانية، قم، ج٤،ص٢٥٣.

اخرى
منذ شهرين
175