كيف تحفز ولدك على الدراسة

الحلقة السادسة التركيز على التعلم بدل المنافسة. إن تحفيز الأطفال نحو الدراسة يحتاج إلى أساليب ومهارات يجب على الأهل والتربويين تعلمها والعمل على امتلاكها لو لم تكن موجودة عندهم، من أجل معرفة الأسلوب الأمثل للوصول إلى تحفيز الطفل وتهيئته للدراسة والتعلم. تطرقنا في حلقات سابقة إلى عدة محفزات منها الإيمان بالذات، والتركيز على النجاح بدل العلامات، واللعب، والتفكير الإيجابي، وتعزيز إيمان الطفل بقيمة المدرسة، واليوم نتعرف على المحفز السادس وهو: التركيز على التعلم وليس على المنافسة. يجهل البعض من الآباء والأمهات مخاطر المنافسة التي يثيرها الأهل في نفوس أبنائهم ظناً منهم أنها الأسلوب الأمثل في حث الأبناء نحو التفوق، فيستخدمون أسلوب المقارنة مع أبنائهم لزيادة الهمة والحماس في نفوسهم ولا يعلمون أنهم يثيرون مكامن الحقد والضغينة والغيرة في نفوسهم ضد أصدقائهم. ولهذا الأمر مخاطر عديدة منها: ١/ إن المقارنة تدفع بالطالب إلى التركيز على مستوى زميله مما يولد ضغطاً نفسياً عليه من أجل الوصول إلى مستوى أصدقائه في الصف ويكون همه وشغله هو الحصول على أعلى تقييم. ٢/ التنافس والذي يكون أساسه المقارنة تدفع بالطالب إلى عدم التركيز على الهدف والغاية الأسمى للمدرسة ألا وهي التعّلم وإنما ينجرّ الطالب إلى التركيز على كيف أتغلب على اصدقائي في الصف وأكون الأول. ٣/يحاول الطفل هنا ارضاء والديه ومعلميه ولا يحاول ارضاء نفسه فهو ينظر إلى النجاح بصورة مغلقة على أنه يجب أن يكون الأول بين زملائه. ٤/تدفع المقارنة بين الطلاب إلى بروز مشاعر الكراهية والحقد والغيرة، فالمنافسة الإيجابية صعبة التحقق والفهم للأطفال ولا تخلو من مشاكل عديدة. ٥/التركيز على المنافسة من أجل تحفيز الأبناء تؤدي إلى عدم الرضا عن النفس في أغلب الأحيان مما يفقد الحياة رونقها لأنها تولد ضغطاً نفسياً مستمراً. ٦/ في كثير من الأوقات فإن المنافسة تؤدي إلى التسبب في إحباط الطلاب فإذا حاول الطالب أن ينافس صديقه ولم ينجح في ذلك ولم يصل لما يريد فإنه غالباً يشعر بالإحباط وبمشاعر سلبية تكمن في عدم الرضا عن الذات. لذلك يجب على الأهل والتربويين التركيز على التعلم بدل إثارة المنافسة والتي غالباً لا تصب في صالح الطلاب. فيمكن أن نركز على بعض الخطوات العملية من أجل أثارة حب التعلم في نفوس الأبناء ومن هذه الخطوات: أ/ مقارنة الطالب مع مستواه السابق: فهذا هو الأسلوب الأنجع من أجل الوقوف على الأخطاء ومعالجتها، فهذه مقارنة إيجابية تدفع بالطلاب إلى التركيز على انجاز المهمة المطلوبة. ب/ أثارة أسئلة محفزة: فإذا كان الأهل والمعلمون يمتازون بثقافة جيدة في إثارة أسئلة من شأنها أن تدفع بالطلاب إلى البحث والتقصي عن الحل والمناقشة العلمية فإننا سنجعلهم يركزون على التعلم من أجل الشعور بمتعة التعلم وهذا أمر مستحسن ومطلوب. ج/ تفعيل حب الاستطلاع: يجب على الآباء والأمهات والأخوة التربويين إثارة وتحفيز الأطفال على البحث بأساليب مميزة، فالاستفادة من المعلومات المتوفرة في المنهج بشكل إيجابي من شأنها رفع الحافز لدى الطلاب، فإذا جعلنا التعلم مجرد شيء روتيني ومجبورين على فعله فإننا قد نخفق في إثارة الرغبة الدفينة في نفوس الأبناء، فحب الاطلاع على معلومات إضافية لها علاقة في إكمال وتعزيز عملية الفهم لدى الطلاب شيء ضروري يعزز من تحفيز الطلاب باتجاه الهدف المقصود... لذلك فالمطلوب منا أن يشعر أبناؤنا وطلابنا أثناء تدريسهم بالإثارة التي تدفعهم نحو مزيد من الإبداع والمثابرة. ولا يخفى علينا أننا مهما فعلنا فإنه لا يمكننا أن نمنع أبناءنا من مقارنة أنفسهم مع زملائهم، ولكن تركيزنا نحن كآباء وتربويين على المقارنة والمنافسة تعزز لديهم المنافسة السلبية التي من شأنها ابعادهم عن متعة التعلم. فإذا حصل الطفل على علامة حسنة، فإنه يجب علينا أن نمدحه ونعزز ذلك بنفسه، ولا نعني بتركيزنا على التعلم هو اهمال العلامات الممتازة التي يحصل عليها الطفل، وإنما عدم إثارة التبعات والآثار السلبية المترتبة على المقارنة المستمرة والسلبية، فإثارة عبارة (أخوك أفضل منك أنه يحصل على درجات مرتفعة وأنت لا تحصل إلا على درجات متوسطة) من شأنها أن تسبّب إحباطاً للطفل، وتبعده عن الدراسة بشكل نهائي، وتسبّب له رابطاً سلبياً مع عملية التعليم والتعلم. فيجب علينا أن ننظر إلى شيئين مهمين في عملية المذاكرة: أولهما: مقدار الجهد الذي يبذله الطفل في الدراسة: فإذا كان يبذل كل مجهوده في عملية الدراسة، فهذا الشيء هو المهم، فهو يقدم ما يستطيع أن يفعله ولا يوجد تقصير عنده، أما إذا كان مقدار الجهد ليس بالأمر المطلوب، فيجب إثارته لتقديم أفضل ما عنده من طاقة مخزونة. الثاني: الاستراتيجية التي يتبعها الطفل في الدراسة والمذاكرة: فطريقة تنظيم وقته وتقسيمه بين الدروس من الأشياء الأساسية التي تدفع بالطفل إلى التفوق فمقدار الوقت الذي يحتاجه لفهم مادة الرياضيات، يختلف عن الوقت الذي يبذله مع مادة الاجتماعيات، والأسلوب المتبع للقراءة يختلف مع كليهما. وتتضمن الاستراتيجية المتبعة مقدار وقت الراحة والاستمتاع واللعب الذي يخصصه الطفل للترفيه عن نفسه من أجل إعادة شحن طاقته بشكل إيجابي من جديد... قاسم المشرفاوي

اخرى
منذ سنتين
4720

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
101410

الاختيار السديد مفتاح العيش الرغيد (3)

المبحث الأول /الهدف من الزواج المطلب الثاني /الأهداف السقيمة هناك أهداف يمكن التنبؤ بفشل العلاقة الزوجية فيما لو بُنيت عليها، نضعها بين يدي المقبلين على الزواج والمقبلات، ومن يهمهم ذلك من الآباء والأمهات للحؤول دون خوض تجربة زواج فاشلة وما يترتب عليها من أعباءٍ ومعاناة... أولاً: السعادة المبنية على أمور سطحية: أن يهدف الإنسان إلى السعادة في الحياة الزوجية لهو أمرٌ مشروعٌ ولا غبار عليه، لكن ان تكون السعادة المستهدفة مبنية على أمور سطحية فقط كالثراء والجمال والمنصب والجاه بقطع النظر عن سائر الأمور الهامة في شخصية من يروم الاقتران به أو تروم، فيه كل الإشكال؛ وذلك لأن العلاقة الزوجية أعمق من أن تقتصر على الجانب الجسدي فقط، بل للجانب الروحي والنفسي الأثر الأكبر فيها بحيث يمتد ليشمل الجانب الأول وما سواه.. ثانياً: تضميد جراح علاقةٍ فاشلةٍ: مما لاشك فيه أن خوض علاقةٍ فاشلةٍ سواء كانت مجرد خِطبة فضلاً عن الزواج يترك آثاراً وخيمة وذكرياتٍ أليمة، قد يتمكن البعض من مواجهتها والتكيف معها، ولكن البعض الآخر قد تؤثر في نفسه، وتُدمي قلبه، وتنغص عيشه، وتقضّ مضجعه، ويعجز عن مواجهتها بنفسه، فيحاول أن يسعى إلى من يعينه على حل مشكلته، وما إن يجد إلى الزواج سبيلاً حتى يتصور أنه المنقذ الأمثل بقطع النظر عن سمات من سيرتبط به، وإذا به كمن يستجير من الرمضاء بالنار.. لأن غالباً ما يكون خياره خاطئاً، ولا غرو في ذلك؛ إذ لم يكن مدروساً، فيعيش بقية عمره في سلسلة من التعاسة والندم والحزن والألم، قد لا تنتهي حلقاتها إلى آخر العمر، وإن انتهت فلاشك بضرر وإن كان أهون الشرين.. ثالثاً: الهروب من الوحدة: قد يعيش الإنسان الشعور بالوحدة لسببٍ أو لآخر، فيشعر أنه يواجه الحياة بصعوباتها وتحدياتها بمفرده، يفتقد إلى من يشجعه على الإنجاز أو يشاركه سروره وفرحه. والشعور بالوحدة قد يتكيف معه البعض ويتحمل شدة وطأته، ولكن قد لا يقوى البعض الآخر على ذلك حتى يصير الهروب من الوحدة كل هدفه وبغيته، وقد يتخذ البعض من الزواج وسيلةً إلى تحقيق ذلك الهدف، دونما التحقيق في شخصية من يروم الاقتران به أو بأي الصفات يتصف، ولذا يكون قد حققّ هدفه ظاهراً، وأما حقيقةً فغالباً لا؛ لأن الوحدة ليست وحدة الجسد كما قد يُتصوّر ولكنها وحدة الروح التي تضج ألماً لانعدام شريكها الموافق، ووحشة النفس التي تنزف وجعاً ولا تجد من يخفف عنها حزناً أو يشد عضداً أو لفرحها يعانق.. رابعاً: وصال الحبيب: من الأهداف السقيمة التي تسهم في فشل الحياة الزوجية هو أن يكون الهدف من الزواج الوصول إلى الحبيب فقط وفقط!!، حيث يرون تحقق سعادتهم بتحقق رغبةٍ جامحة عصفت بهم، وبعثرت لبّهم، وأثارت غرائزهم، فأصبحوا ينظرون إلى الحبيب بمنظارها، ويحكمون عليه بميزانها، ومعلومٌ أن حكم العاشق ليس واقعياً كما روي عن الإمام علي (عليه السلام):"ومن عشق شيئا أعشى (أعمى) بصره وأمرض قلبه، فهو ينظر بعين غير صحيحة، ويسمع بأذن غير سميعة، قد خرقت الشهوات عقله، وأماتت الدنيا قلبه"(1). خامساً: الهروب من النظرات المجتمعية السيئة: لكل مجتمع نظرته العامة لمختلف الأمور التي يلتزم بها سائر أفراده، فإن أحدهم نأى عنها أو خالفها أو تمرد عليها قوبل بقسوة بالغة من قبلهم وبمختلف الوسائل التعبيرية من كلام جارح، وهمزٍ ولمزٍ قادح، ونظرٍ بريبة، ومعاملةٍ فظة مقيتة، ومن بين نظراته الجائرة نظرته بريبةٍ أحياناً ودونيةٍ أخرى إلى من تقدّمت في السن ولم تتزوج بعد، وتؤثر تلك النظرة على نفسية الفتاة أيّما تأثير بحيث يجعلها تشعر بالذنب وكأنها قد اقترفت ذنباً عظيماً أو ارتكبت جرماً جسيماً، وللتخلص من هذه النظرة الظالمة والشعور المهين قد تلجأ وبدون تدبرٍ وروية وتخطيط رصين إلى الاقتران بأي زوج يتقدم لخطبتها، وهو قرار محفوف بالكثير من المخاطر.. فإن اكتشفت هذه الفتاة بأنها قد تسرّعت في قرارها، وأن من ارتضته زوجاً لا يناسبها، فمن العقل والمنطق بل والشرع أيضاً أن تفسخ خطبتها أو حتى تطلب الطلاق، ولكن نجدها غالباً تكمل الإجراءات وتخوض تجربة زواج فاشلة رغم علمها المسبق بذلك لا لشيءٍ سوى أن تتجنب مواجهة نظرات أخرى تنظر إليها بريبة وشك فيما أقدمت على الفسخ أو الطلاق.. المبحث الثالث: أهم المعايير في اختيار الزوج... تأتي إن شاء الله تعالى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) نهج البلاغة خطبة 109 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
1497

الاختيار السديد مفتاح العيش الرغيد (2)

المبحث الثاني الهـــدف مـــــن الــــــزواج يتباين الهدف من الزواج بين الناس بتباين مستوى الوعي لديهم والظروف التي تحيط بهم، ولذا فالأهداف متعددة ومتنوعة ولا يمكن حصرها في حد معين، ولكن إجمالاً يمكن تقسيمها إلى قسمين: أولاهما: أهداف سليمة تساهم في متانة أساس الزواج ورصانته، وبالتالي استمراره وديمومته. وثانيهما: أهداف سقيمة تؤسس العلاقة الزوجية على أساس هش ركيك، مما تؤدي إلى تعاسته وربما انتهائه.. ولأهمية توضيح كل من القسمين من الأهداف ارتأينا أن نفرد للحديث عن كل منهما مطلباً خاصاً.. المطلب الأول أهداف الزواج السليمة مما لاشك فيه أن لا أحد يمكنه معرفة الهدف من ايجاد جهازٍ ما وما يناسبه من ظروف مما لا يناسبه منها، وما يصلحه من أمور مما يفسده منها أكثر من صانعه؛ ولذا يرفق مع كل جهاز المعلومات الخاصة به والتعليمات لكيفية استخدامه والحفاظ عليه. وهذا بالضبط ما فعله الله (تعالى) وهو غاية الحكمة ومنتهى الرحمة، فما أن خلق الانسان حتى أوضح له كل ما من شأنه إسعاده وبيّن له ما يؤدي إلى تعاسته، لذا كان أهم الأهداف المرجوة من الزواج هو الهدف الذي بيّنه الله (تعالى) إذ قال: "وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)"(1). فالهدف الأساسي من الزواج هو حصول الاطمئنان القلبي والسكينة الروحية والهدوء النفسي، ومنشأ كل ذلك يعود إلى كون الزوجين يكمل بعضهما بعضاً، أي إن يكون كل منهما أساس النشاط والنماء لصاحبه، بحيث يعد كل منهما ناقصاً بغير صاحبه، ولذا تكون بين الزوجين جاذبيّة قوية(2). وبالإضافة إلى ذلك هناك هدفٌ هامٌ لا يقل عنه أهميةً أشارت إليه بعض النصوص الشرعية وهو: صناعة جيل صالح، فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "تزوجوا فإني مكاثر بكم الامم غداً في القيامة"(3)، ومن المعلوم أن غريزتي الأبوة والأمومة غالباً ما تُشبع كيفما تمّ الزواج، ولكن ما نعنيه هو صناعة الجيل بما هو صالح لا مطلقاً. ولعل هذين الهدفين هما أهم الأهداف في الزواج الحقيقي ــ إن صحّ التعبير ــ وإلا فقد يهدف طرفان في زواجهما إلى هدفٍ آخر مشروع وينجح زواجهما رغم عدم توفر الهدفين الآنفي الذكر، كما لو تزوجا لأجل أن يكتسب أحدهما جنسية دولةٍ ما، أو لأجل قيام أحدهما بمراعاة الطرف الآخر فيما لو كان مريضاً مثلاً أو مقعداً.. وقد يتبادر إلى الذهن سؤال مفاده: طالما كان الزواج أمراً شخصياً فلِمَ يحسن بالإنسان أن يراعي الهدفين الأساسيين الذين ذكرتهما الشريعة؟ ولِمَ لا يحق له الاعتماد على هدفه الشخصي وحسب وإن كان مخالفاً لهما، أو متعارضاً معهما حتى؟ ويمكن الرد على هذا التساؤل بتساؤلٍ آخر: فليتذكر السائل أعلى أمنياته وأهم احتياجاته وأجمل رغباته في مرحلة طفولته، وليقارنها مع ما هو عليه الآن، هل يا ترى يجدها مناسبة له؟! فالإنسان تتغير رغباته من مرحلة عمرية إلى أخرى وتختلف وربما تتخلف أيضاً، فما يشكل له حاجةً مُلِّحة في مرحلةٍ ما قد لا يكون كذلك في مرحلةٍ أخرى، والعكس صحيحٌ أيضاً فما لا أهمية له ما في مرحلةٍ ما قد تكون له بالغ الأهمية في مرحلةٍ أخرى، فالفتى مثلاً قد يجد في مرحلة ما أن الجمال في الزوجة وحده كفيلٌ بإسعاده السعادة القصوى، وقد تجد الفتاة أن الهدايا والأموال كفيلتان بأن تجعلا منها اسعد زوجة على وجه البسيطة ولكن ما أن تشبع الرغبة حتى يتضح الخطأ جلياً، ولات حين مناص.. وبما أن الحياة الزوجية يُفترض بها السكينة والاستقرار والدوام والاستمرار، فمن غير الصحيح أن نعتمد في تأسيسها على أهداف مرحلية تخف أهميتها بعد حينٍ وتقل أو ربما تنعدم وتضمحل، على حين أن الهدف الأساسي يجدر به أن يفتقر إليه الزوجان دائماً وأبداً في حياته الزوجية وفي جميع مراحله العمرية وإن كان قد لا يبدو له كذلك في بدايتها.. وبالإضافة إلى ما تقدم فإن القصص الواقعية قد أثبتت هي الأخرى أن الزواج المبني على أهداف مرحلية غالباً ما يفشل بعد مدة زمنية سواء طالت أو قصرت. المطلب الثاني: الأهداف السقيمة.. تأتي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الروم 21 (2) أنظر التفسير الأمثل ج12 ص495 (3) من لا يحضره الفقيه ج1 ص384 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
1063

كيف أتعامل مع ابني إذا كان كثير العناد؟

العناد ظاهرة معروفة في سلوك بعض الأطفال، تتميز بحالة الرفض المتكرر التي يبديها الطفل نحو الاستجابة لقوانين الأهل التي يفرضونها دون سبب مقنع، ويتميز العناد بالإصرار والمجادلة والمماطلة وعدم التراجع حتى عندما يتعرض الطفل للإكراه أو الضغط من قبل الأبوين، وقد يحدث لفترة وجيزة أو مرحلة معينة ، وهنا تعتبر من الخصائص الطبيعية في المرحلة المبكرة من عمر (2-5) سنوات لأن الطفل يحاول أن يعبر عن استقلاليته وإثبات ذاته، أما إذا كان نمطاً متواصلاً وصفة وسلوكاً ثابتاً في شخصية الطفل فهنا إنذار بالخطر، ولابد من الملاحظة السريعة والمعالجة من قبل الأبوين ومعرفة الأسباب التي جعلته يستخدم أسلوب العناد لأن معرفة الأسباب تساهم بشكل كبير بسهولة العلاج، فالعناد هو سلوك مكتسب وليس فطرياً أو موروثاً. إن مسألة معاملة الطفل العنيد ليست بالأمر البسيط والسهل، بل هي مسألة تربوية صعبة تتطلب الصبر والحكمة وفهم سلوكيات الطفل وطرق التعامل معها وعدم الاستسلام للأمر الواقع واليأس. وعند محاولة مساعدة الطفل ليكون طفلاً عادياً وغير عنيد يجب على الأم أن تتدرب على بعض المهارات في كيفية التعامل معه. في بداية الأمر لابد للأبوين من معرفة أنهم ربما يكونون هم السبب في تعميق هذا العناد لدى الطفل، فالطفل ورقة بيضاء لا يعرف شيئاً عن العناد، لكن بعض الأساليب الخاطئة من قبل الأبوين في تربية هذا الطفل مما تجعله شخصاً عنيداً. إن للعناد أنواعاً عديدة نذكر منها التالي: أولاً: العناد السلبي، ويتفرع لعدة أنواع منها: ١- العناد مع النفس ومعاقبتها: هذا العناد من الأنواع التي يصبح الطفل فيها يعاقب نفسه ويعذبها ويعاندها بالامتناع عن الأكل وهو جائع، رغم محاولات أمه إليه وطلبها بتناول الطعام إلا أنه يرفض ويعاند. ٢- العناد اللا واعي: وهذا عناد أرعن، يكون بتصميم الطفل على رغبته دون النظر إلى العواقب المترتبة على هذا العناد. ثانياً: عناد لإثبات إرادته: وهذا العناد من النوع المحبب، ويجب تشجيعه ودعمه، لأنه نوع من أنواع التصميم، وذلك بمحاولة الطفل الإصرار على تكرار محاولته حتى وإن تعرض للفشل عدة مرات. ثالثاً: عناد الطفل نتيجة الاضطرابات السلوكية: هذا النوع من العناد يحتاج لاستشارة متخصص، لأن الطفل يعتاد العناد وسيلة متواصلة ونمطاً راسخاً وصفة ثابتة في شخصية. رابعاً: العناد الفسيولوجي: وهذا نتيجة بعض الأمراض العضوية التي تصيب الدماغ مثل التخلف العقلي وهذه تحتاج معالجة طبية. أما الأسباب التي تؤدي بالطفل لسلوك العناد فمنها: - استخدام مبدأ القسوة الزائدة على الطفل من العنف والشتم والضرب. -عدم التوازن والاتساق والتناقض والذبذبة في معاملة الأبوين للطفل واختلاف أسلوبهم التربوي. - وجود الصراعات والمشاكل بين الأبوين وحدوث المشاكل من ارتفاع أصواتهم بالمشاجرة أو حصول الطلاق أو ظلم أحد الطرفين مما يؤدي بالطفل إلى التمرد ليعبر عن وجوده، أو ردة فعل لتصرفهم ورفضه لهم. - قد يكون الأبوان هم السبب بسلوك العناد بتقليده لتصرفات أحدهما أو كليهما كالتسلط والفوضوية أو التحدي. - استخدام أسلوب إطلاق الأوامر نحو الطفل بدون إيضاح للطفل. - وهناك أسباب أخرى مثل الإفراط في حرص الوالدين بحماية طفلهم، ورغبة الطفل بتحقيق ذاته، وتعزيز الأهل لسلوك العناد عن طريق وصف الطفل بالعنيد، أو مقارنته بأطفال آخرين. ويظهر العناد لدى الطفل بأشكال متعددة ومختلفة من طفل لآخر منها: -رفض صريح للأوامر وعدم تنفيذها. - رفض غير مباشر ثم التنفيذ. - استخدام أسلوب المماطلة والتسويف مع عدم التنفيذ. - الرفض الصريح وعدم تنفيذ رغبة الوالدين. كيفية المعالجة: هناك عدة أساليب منها: - الابتعاد عن إرغام الطفل على اتباع الأوامر والطاعة العمياء، واللجوء إلى اللين والمرونة في المواقف واستخدام أسلوب التغاضي عن بعض الأمور البسيطة من العناد مادام تحقيق رغباته لن يأتي بضرر وفي حدود المعقول. - من المهم أن يعرف الأبوان كيف يتجاوبان برفق في وقت الرفق وبحزم في وقت الحزم. - كما ينبغي أن تكون معاملة الوالدين وفق مبادئ ثابتة، وأن يحرصوا على حب أطفالهم ولكن بحكمة. - الابتعاد عن الصراخ ورفع الصوت بوجه الطفل لأن ذلك يجعله أكثر عناداً. - ينبغي على الأم أن لا تعتمد علي سلطنة الأب وهيمنته في تهديد أولادها وعقابهم، فيصبح الأب كما قال بعض اخصائي التربية (في نظر ابنه كالشرطي للمجرم لا صلة بينهما إلّا عند الاختلاف في الرغبات) - محاولة بناء علاقة صداقة مع الطفل ومحاولة فهمه، ومعرفة سبب العناد، وكسب ثقته، وقضاء وقت لسماعه مما يجعله يكتسب خبرات تجعله قادراً على التصرف وتؤهله لبناء شخصية قوية . - اشغال الطفل بشي آخر والتمويه عليه إذا كان صغيراً ومناقشته والتفاهم معه إذا كان كبيراً ويفهم. - استخدام أسلوب الحوار المقنع غير المؤجل من انجح الطرق عند ظهور العناد لأن إرجاء الحوار إلى وقت لاحق يشعر الطفل أنه قد ربح المعركة. - تقديم الأوامر له بهدوء وبلطف وبدون تسلط وعنف، والاجتناب عن اعطاء الأوامر الكثيرة في آن واحد. - كن قدوة حسنة لطفلك ولا تفعل أمامه سلوكيات خاطئة وبعد ذلك تطلب منه عدم فعلها. - ينبغي على الأبوين أن لا يظهروا خلافاتهم أمام أبنائهم، فإن ذلك قد يضعف نفوذهما أمام أولادهما وقد يستثمره الولد لمصلحته فيتمادى في أخطائه. - استخدام مبدأ العقوبة عند وقوع العناد مباشرة ، ولكن مع معرفة نوع العقاب الذي ينفع مع هذا الطفل بالذات، لأن نوع العقاب يختلف تأثيره بين طفل وآخر، ولا نقصد العقاب بالضرب والشتائم، فإنها لن تنفع وقد تشعره بالانكسار والإهانة، لكننا نقصد استخدام العقاب مثلاً بحرمانه من ممارسة بعض الأشياء المحببة لديه قد تعطي ثماراً نافعة مع بعض الأطفال. - عدم اشعار الطفل أننا نتوقع منه الرفض والعناد، لأن ذلك يفتح أمامه الطريق لعدم الاستجابة والإصرار بالعناد. - عدم وصفه بالعناد أمامه، وعدم مقارنته بأطفال آخرين. - المدح من الأساليب المشجعة للطفل اذا اظهر تصرفات حسنة، واستخدام مبدأ المكافأة على أفعاله الصحيحة فإنه يعزز من السلوك الايجابي لديه. - يجب أن تترسخ لدى الطفل فكرة أن سلطة أبويه هي سلطة واحدة تتبادل الأدوار حسب الظرف الموضوعي. حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
11836

المشكاة مَن هي؟

حينما ترى أشعة الشمس الهادئة، وهي تخترق الأشجار المتشابكة، وتهب نسمات الهواء بروائحه العليلة، وتصادم مع وريقات الأشجار الجميلة، فيصدر صوت حفيفها يأخذ بالألباب، كأنه سلم موسيقي، تعزف يد القدرة على أوتاره، إنه صوت الطبيعة، صوت الهدوء، وأنت في قمة الخشوع والناس في جموع، وأنت عنهم في هجوع، أعلم أنه صوت تسبيح أنفاس فاطمة، لأنها جمال الرب في الوجود، وهي سيدة كل موجود. وحيدة العصور وفريدة الدهور قدوة النساء وسيدتهن، فهي كالقمر في ليلة البدر، أو كالشمس كفر غماماً، إذا خرج من السحاب، عالمة غير معلمة، وفاهمة غير مفهمة، وهي بضعة النبي صلى الله عليه وآله، وخزانة الأسرار، ووالدة الأئمة الأطهار، تبلغ الأحكام وتدرس علوم الدين والقرآن، كان علمها من الله لا يقبل الشك والخطأ والشبهات، وكيف لا وهي بضعة المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وروحه التي بين جنبيه. هي الصديقة والمباركة والطاهرة والزكية والراضية والمرضية والمحدثة والزهراء وفاطمة القدسية بنت سيد الكائنات وفخر العالمين محمد صلى الله عليه وآله. ولدتها أم المؤمنين خديجة الكبرى، سيدة مكة وعظيمة عصرها، وأرضعتها من مصدر العفاف والشرف ينبوع الطهر والنقاء، فتربت في هذين الحجرين الطاهرين، هي مشكاة نور الله جل جلاله زيتونة عم الورى بركاتها، هي عنصر الشجرة الطيبة التي هي رسول الله صلى الله عليه وآله وفرعها علي عليه السلام. ولكنها ما لبثت حتى تفاجأت بالانقلاب وتبدل الأوضاع وأفاقت من نومة العز والرأفة والحنان في ظل حامل القرآن، ومشرع دستور الحكم والأديان وحامل لواء العدل والإيمان على هول مصيبة فظيعة وأمر مفجع مؤلم ألا وهو وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكانت بداية الأيام السود، وبدأ حالها بالجمود وأمورها بالركود وكان الذين يطلبون القرب منها وينشدون رضاها بالأمس من أشد خصومها بل هتكوا سترها وأحرقوا دارها وكسروا بابها وعصروها فكسرت أضلاعها وأسقط ما في احشائها وبدء زمن الانقلاب وظهور سلطنة المنقلبين... نعم هذه هي حالة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) من بعد العز والشموخ تستصرخ وتستغيث برب العالمين. وفي نهاية كلماتنا الباسقات على أنهر الجمال نقول: عندما تعتريك هيبة وخضوع، من هذا المنظر المهيب البديع، ولا يجالسك في تلكم اللحظات سوى الغفار السميع، فتعوم في بحار الأفكار، تناغي وتناجي الجبار، ثم تقول له: يا جابر العظم الكسير بكسر فاطمة، يا جابر الهم العظيم بحق الفاهمة، يا جبار القلوب المنكسرة بحق القائمة، ويا أنيس النفوس المتعسرة بحق أم الائمة، أنت للقلب روح وللروح قلب، وأنت للعقل فكر وللفكر عقل ولب، وانت للنفس تنفيس وللتنفيس نفس وحب ، وأنت للبدن مهجة وللمهج بئر وجب، فالسلام على مهجة المختار، وحبيبة علي وصي الجبار. حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
2327

الاختيار السديد مفتاح العيش الرغيد (1)

سنواتٌ من العناء النفسي لا يُعلم أمدها، وزفراتٌ من الاحتراق الداخلي لا يُحصى عددها، قد تتباين في حدتها وشدتها، قد يختلف الموقف الذي يُتخذ إزاءها، فبعضٌ يتألم ويصبر؛ خشيةً من العرف أو لمصلحة الأبناء يؤثر، وبعضٌ يتظاهر بالسلام وفي السر ينفر، حفظاً للتوازن بين ما يبتغيه المجتمع والظروف الحاكمة وبين التنفيس عن مشاعر الرفض الذي يتمثل بالنفور العاطفي، وبعضٌ قد تنفذ بطارية صبره ولا يجد إلى الشحن مجدداً سبيلاً، فيلجأ إلى الطلاق باعتباره حله الأمثل.. وبالرغم من تسليط الأضواء باتجاه ارتفاع نسب الطلاق، إلا أن الحالتين السابقتين (الحياة الزوجية المفعمة بالمشاكل، الطلاق العاطفي) لا تخلوان من الآثار الوخيمة على الأسرة بشكل عام والطرف الضعيف في المعادلة والأطفال بشكل خاص. وعند الرجوع إلى الأسباب والعلل، ومراجعة المشاكل والخلافات، ومتابعة الأقوال فيها والأفعال، نجد أنّ الكثير الكثير منها ما هي إلا تفرعات عن سبب رئيسي واحد وهو: سوء الاختيار. ولا نقول إن حُسن الاختيار يمثل العصا السحرية في الحياة الزوجية، بحيث يحيلها إلى حياة وردية لا مشاكل فيها البتة ولا خلافات؛ وذلك لأن المشاكل والخلافات إنما هي ملح الحياة، إذ من دون طعم الفراق المر لا يُستعذب حلو اللقاء، ومن دون الشعور بالألم لا قيمة لمعنى الراحة، ومن دون الشعور بالقلق لا يُلتفت إلى نعمة الأمان والاطمئنان، وبالتالي وجود الاختلافات بالمعدل الطبيعي في العلاقات بشكل عام ومنها العلاقة الزوجية علامة صحية لأنها تشير إلى أنها على قيد الحياة، بل إن بعض الاختلافات تسهم في أحيان كثيرة في تعرّف الزوجين أكثر على شخصية بعضهما، وبالتالي قد تكون عاملاً بنّاءً إذا أحسن الطرفان استثمارها. فإذا كانت الاختلافات أمراً طبيعياً في العلاقة الزوجية كما تقدم وكان الزوجان قد أحسنا اختيار بعضهما البعض فإنها تبني علاقتهما وتزيد من توطيدها وترابطهما فضلاً عن انسجامهما وتفاهمهما. فينعمان بالحبور القلبي والسعادة فضلاً عن الهدوء النفسي والسكينة، مما ينعكس ذلك بلا أدنى شك على جميع مجالات الحياة الأخرى فيعمها الاستقرار والتقدم والنجاح والابداع؛ ولذا كان حقاً: الاختيار السديد مفتاحاً لعيش الانسان الرغيد. وعلى النقيض من ذلك بالنسبة لمن أساء الاختيار فإنه غالبا ما لا يتفقان على الاسلوب الأمثل لحل المشاكل، بل قد لا يتفقان على كونها مشكلة ويختلفان حتى في تشخيصها ، وبذا غالباً ما ستكون معولاً هداماً يدق صرح حياتهما الزوجية حتى يتشوّه ذلك الصرح أو قد ينهدم. وبما أنّ الزواج علاقة شراكة بين طرفين كأية شراكة أخرى، كان لابد من وجود هدفٍ ما يدفعهما إليها رغم ما تكتنفها من التزامات، ولأن الهدف من شراكةٍ ما لابدّ وأن يُلقي بظلاله على الشريك المرتقب، فيحدد مواصفاته التي لابد أن تتوفر فيه طبقاً لما يتناغم معه ويسهم في تحقيقه، لأجل ذلك، كان من الأهمية بمكان التحدّث عن الهدف من الزواج، والتعرّض إلى الصحيح منها لتؤدي إلى أن تكون المعايير المتخذة في اختيار الشريك صائبة. كما يحسن بنا التطرّق إلى تلك الأهداف التي تمهر الزواج بمهر الفشل بصورة غالبة. فإذا وضحت الأهداف السليمة، واتضحت الأهداف السقيمة، تناولنا بشيءٍ من الايجاز أهم المعايير التي يجب وضعها نصب الأنظار في عملية الاختيار. وقبل تناول هذا وذاك يحسن بنا التعرض إلى أصل مسألة الاقتران بشخصٍ ما، هل هي مسألة اجبارية تعتمد على القضاء والقدر كما هو المتعارف بين الكثير من الناس أو أنها مسألة اختيارية تعتمد على الانسان وما يبذله من جهد وما يحمله هدف؟ ولأجل ذلك كانت هيكلية بحثنا كالتالي: المبحث الأول: هل الإنسان مخيّر في التزوج بمن أو أنه مسيّر؟؟ المبحث الثاني: الهدف الصحيح من الزواج. المبحث الثالث: أهم المعايير في اختيار الزوج. المبحث الأول هل الاقتران بشخصٍ ما، قدرٌ من الله (تعالى) أو أنه اختيارٌ ؟ يعتقد الكثير من الناس أن لا دخل للشاب في اختيار زوجته، وهو مجبر ومسيّر على الزواج بهذه الزوجة دون تلك، والزوجة كذلك، على حين أن هذا الاعتقاد عارٍ عن الصحة؛ لأن الإنسان مختارٌ في أفعاله كلها ومنها اختيار الزوج. وقد دلت على ذلك العديد من الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) منها ما رويَ عن الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله):"إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير"(1) وفي حديث أبي عبيدة عنه (صلى الله عليه و آله) أنه قال: "إياكم و خضراء الدمن! فقيل: يا رسول الله و ما خضراء الدمن؟ فقال:(صلى الله عليه وآله): المرأة الحسناء في منبت السوء"(2) فقد اشتملت الرواية الأولى على أمرٍ، فيما اشتملت الرواية الثانية على نهي، ومن المعلوم أنه لا يؤمر أو يُنهى إلا المختار؛ لأن من لا يملك حرية الاختيار فمن العبث أمره أو نهيه، والرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) منزه عن كل ذلك بشهادة أصدق الصادقين "وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)"(3). وعليه فالإنسانُ مخيّرٌ في اختيار الزوج وليس مسيّراً، ولا ندَّعي بأن الانسان له الاختيار المطلق في ذلك بحيث يخرج عن دائرة القضاء والقدر الإلهيين ــ والعياذ بالله ــ، فإن في ذلك من المحاذير العقدية الكثير ليس من المناسب التعرض إليها في هذا المختصر، بل نقول بما روي عن إمامنا جعفر الصادق (سلام الله عليه):" لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين"(4). إذ كما أن هناك آيات كريمة تنص على أن العلم الإلهي قد كان منذ الأزل، وأن الأمور تجري حسبما قُدّرت في اللّوح المحفوظ من غير تخلّف ولا تبديل، كما في قوله (تعالى):"مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا"(5)، وقوله (عز من قائل):"وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ"(6)... فإن هناك آياتٍ كريمةٍ أخرى تدل على كون الانسان مختاراً ومسؤولاً عن اختياراته في الحياة كما في قوله (تعالى):"وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا"(7). ويمكن فهم القسمين من الآيات الكريمة من خلال قوله (تعالى):"يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ"(8) فالله (تعالى) يقدر للإنسان تقديرين: أحدهما: في لوح المحو والإثبات الذي يمكن للإنسان تغييره بالدعاء وبمقدار ما يبذله من جهد وسعي في سبيل توفير شرائطه، كأن يقدّر الله (تعالى) له الغنى فيما لو اجتهد وسعى. وأما التقدير الآخر ففي اللوح المحفوظ وهو قدر الانسان الواقع فعلاً في الحياة كأن يكتب الله (تعالى) على ذلك الإنسان الفقر؛ لعلمه السابق بأنه سيترك الجهد والعمل وسيركن إلى الراحة والكسل، فهو تقديرٌ بما سيقع وحسبما يقع، من غير أن يكون العِلم السابق مؤثراً في تحقّق المعلوم. وهكذا بالنسبة لمسألة الاقتران بزوجٍ ما دون سواه ــ بشكلٍ عام ــ فإن للإنسان تأثيراً كبيراً في اختياره صالحاً أو طالحاً، مناسباً أو غير ذلك. نعم، قد تقتضي الحكمة الإلهية أحياناً أن يقترن الإنسان بالزوج الذي لا يتوافق معه كما حصل في بعض زيجات بعض الأنبياء والأئمة (عليهم الصلاة والسلام). كما قد تقتضي المصلحة الشخصية للإنسان في بعض الأحيان ذلك أيضاً انطلاقاً من قوله (جل وعلا):" وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)"(9) بيدَ أن ذلك يبقى هو الاستثناء الوارد على القاعدة العامة التي تقدمت.. المبحث الثاني .. يأتي إن شاء الله تعالى.... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الكافي ج5 ص495 (2) عوالي اللآلي ج1 ص87 (3) النجم 3و4 (4) الكافي ج1 ص161 (5) الحديد: 22 (6) فاطر: 11 (7) الإسراء: 13 (8) الرعد 38 (9) البقرة 216 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
3512

الزهراء تزرع الحب في نفوس أبنائها للمجتمع

إن الإسلام يعطي الأولوية في نظامه التربوي للأسرة، لأنها أساس لوحدة للمجتمع، فكما أن الجسم البشري يتكون من خلايا حية، كذلك فإن المجتمع يتكون من خلايا هي مجموع الأسر فيه. وإذا أصيبت هذه الخلايا بالضعف والمرض، فإن مجموع الجسم يتهدم ويفسد، كذلك إذا انهارت الأسرة أو فسدت فإن المجتمع بكامله ينهار ويتحطم. لاسيما المرأة في طيب أصلها وعراقته، لأن المجتمع سوف ينهل من هذه الأسرة أسباب ديمومته أو دماره، لأنها عماد الأسرة، لا تقوم للأسرة قائمة بدونها. لذلك يقول الإمام علي (عليه السلام) (كرم الأخلاق يدل على أصالة الأعراق). إنه يضع المرأة في رأس القائمة لأن الأم إذا لم تكن صالحة بالمفهوم الإسلامي أدى ذلك إلى انحراف الأسرة وشقائها. إن لم تكن المرأة صالحة لن تنتج الصالح. والإسلام عندما يقف هذا الموقف إنما يريد الحفاظ على كيان المرأة، لأنه يريد أن يصون المجتمع برمته من الانحراف والفساد. فهو يضع على عاتق الزوجة مسؤولية كبيرة، بل يعتبرها في بعض شؤون الأسرة أكثر من الرجل، ولاسيما في مجال تربية الأولاد، فالإسلام عندما جعل المرأة مديرة للأسرة لم يهضم حقها أو ينتقص من قيمتها، وإنما رفعها إلى مقام الأنبياء. فمهمة التربية هي مهمة الأنبياء. لذلك على الأم أن تعي مهمتها المقدسة في تربية الأجيال. ولاشك أن السيدة الزهراء (سلام الله عليها) قد أرادت هذا المعنى. وهذا معنى قولنا دائماً: إن الزهراء مدرسة كبرى. لأنها بعمرها القصير مدرسة في العطاء والمعرفة والعلم والأخلاق، فهي لا تغذي أبناءها الغذاء المادي من الأكل والشرب فقط، بل غذّت أبناءها بالغذاء المعنوي والروحي وزرعت في نفوسهم حب الخير للناس جميعاً بلا استثناء. فهي الأم الجليلة والمربية القادرة، لم تكن سيدة النساء امرأة عادية لذا فكان كل ما يصدر عنها يعد نبراساً للخلق السامي ودروساً تتأسى بها الأجيال لتحذو حذوها بالتقى والإيمان. كانت السيدة فاطمة (عليها السلام) خلوقة، خليقة، متخلقة، مؤدِّبة، متأدبة، مؤدَّبة أدبها الله تعالى ورسوله، فأنشأت السيدة فاطمة (عليها السلام) عائلة مليئة بالحب والود والحنان متبعة في تربيتها وإنشائها تعاليم منزل القرآن ومشرع الحكم والتبيان، تسود هذه العائلة الألفة متعلقة بالله ورسوله (صلى الله عليه وآله) تأملوا هذه الرواية عن الامام الحسن (عليه السلام) أنه قال: "رأيتُ أمي فاطمة قائمةً في محرابها ليلة الجمعة، فلم تزل راكعة ساجدةً حتى انفلق عمودُ الصبح.. سمعتُها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتُسمّيهم وتُكثر الدعاءَ لهم، ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت: يا أمّاه، لَمْ تدعي لنفسِكِ كما تدعين لغيرِكِ؟ قالتْ: يا بُنيّ، الجار، قبل الدار....." . وقد كان بيت السيدة الزهراء (عليها السلام) بيت خير وعطاء وعطف على الفقراء والمساكين. وكانت (صلوات الله عليها) تبيت على الطوى مع زوجها وأولادها حتى يبين على وجوهم أثر الجوع، لأنهم كانوا يؤثرون الفقراء والمساكين بطعامهم، وهناك آيات كثيرة نزلت في حق السيدة الزهراء (عليها السلام) وهي تدل على عظم شأنها وكبر شخصيتها وارتفاع مقامها، وإيثارها ومنها ما جاء في سورة (الإنسان) نزلت في أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام). قال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)) سورة الإنسان. إن السيدة الزهراء (سلام الله عليها) مدرسة كبرى، فلماذا لا نتعلم دروسها؟ لقد كانت السيدة الزهراء (سلام الله عليها) وزوجها وأولادها نموذجاً فذاً للأسرة المسلمة للصالحة، ولا غرو في ذلك فنبعهم الذي ينهلون منه هو رسولنا الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله). إن معاملة السيدة الزهراء (عليها السلام) لأبنائها هي حجة على كل الأمهات، فكل أم مسؤولة أمام الله عن تربية أبنائها، كما إن الأب مسؤول فهي مسؤولة، فالإسلام متميز بحرصه على تحقيق التوازن في الفرد، ومتى تحقق هذا في الأسرة تحقق في المجتمع، فيشيع الأمن والأمان والسعادة داخله، وهذا ما لا يتوفر في المجتمعات التي تحللت من الروابط الأسرية، ولذلك فإنها تتخبط في مشاكل فردية واجتماعية لها بداية وليس لها نهاية. إن هذه المناهج التربوية لن تجدها إلا في الإسلام لأن الهدف منها بناء الإنسانية الطيبة الطاهرة . حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
5746

المودة والصفاء في الحياة الزوجية

مفاهيم في الأخلاق والعقيدة المودة والصفاء في الحياة الزوجية وقانون الاختيار في أفعال البشر قال تعالى : [من عمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها، وما ربك بظلام للعبيد]، هذه تنفي عقيدة الجبر الفاسدة، وتصرح بأن الله تعالى لا يجبر الناس على ارتكاب الذنوب ولا أن الإنسان غير مختار في أفعاله، فهذه الآية تنفي تلك العقيدة الفاسدة وتثبت ان الانسان مختار في أفعاله وقادر على الفعل والترك، ببيان: إن هذه الآية المباركة وقعت في سياق الكلام حول محاربة الكفار والمشركين وتكذيبهم للنبي صلى الله عليه وآله وكفرهم بآيات الله، ليختم جل وعلا هذه الفقرة بقانون عام، وهو قانون الاختيار في أفعال البشر، وان الله قد بين لهم أحكامه عبر إرسال الأنبياء بالكتب السماوية، وبعد كونهم مختارين، فإن عملهم هو الذي سيحدد مصيرهم من سعادة وشقاء...(انا هديناه السبيل أما شاكرا واما كفورا.) فالإنسان كائن حر، بالإرادة مخير. فبالعقل يختار فعله دون إجبار فهو من يحدد فعل هذا الشيء او تركه وفي قوله تعالى : [ من عمل صالحا فلنفسه ]، بيان إلى أن الإنسان أولا هو الذي يعمل، فهو مختار، فإن كان عمله صالحا موافقا لما يحبه المولى وما يأمر به، فهو الذي سيستفيد من آثار ونتائج هذا العمل الصالح والحسن في الدنيا والآخرة، وبالتالي هو من سيرسم طريق سعادته من خلال عمله.... فهو اما يسلك طريق الرشد والتكامل او طريق الشرير والقبائح. الإنسان إذا لم يمتثل أمر الله فهو الذي سيتكبد آثار وتبعات عمله، وبالتالي سيخط بذلك مسيره إلى جهنم.....لأن الله يجازي العبد وفقا لما يستحق فيعاقب المسئ على اعماله وافعاله وفي قوله تعالى : [ وما ربك بظلام للعبيد ]، ، تصريح بأن المولى جل وعلا عادل يعطي كل ذي حق حقه، ولا يظلم أحدا، فلا يضيع عنده أجر المحسنين العاملين، ويعاقب العاصين والمسيئين، ويكون عمل كل إنسان هو الذي يحدد مصيره الأخروي من النعيم أو الجحيم فالله عادل لم يكلف الانسان فوق طاقته بل سهل عليه أموراً كثيرة، قال تعالى (لا يكلف الله نفسها الا وسعها) ما هي المودة؟ المودة هي المحبة والميل النفسي الذي يشكل قاعده للانسجام والتفاهم بين الزوجين في محل كلامنا. ينبغي أن تسود الحياة الزوجية علاقة المودة والصفاء فان الحياة الخالية من الحب لا معنى لها، والمودة من وجهة قرآنية هي الحب الخالص المتين الذي يكوّن بين الزوجين علاقه قويه ذات رباط قوي يضرب بجذوره في الاعماق، والأسرة التي تتوفر فيها المودة سوف يشملها الله بعطفه ورعايته قال تعالى (وجعل بينكم مودة ورحمة) إن الجو الاسري الذي يسوده التفاهم والمحبة والاهتمام يساعد الابناء على النجاح في حياتهم وفي دراستهم. إن الطفل يحتاج إلى النمو والتعلم في جو أُسري دافئ ومستقر، أما الرحمة فهي نوع من الرقة والتعاطف، فلم يكتف الله تبارك وتعالى بالمودة بل عطف عليها الرحمة، أي الرقة بين الزوجين والتعاطف في ما بينهما. والتعاطف يظهر بين الزوجين في الأعمال على شكل عطاء لا ينتظر مقابلاً فقد ورد في الحديث: ما من امراه تسقي زوجها شربة ماء خير لها من عبادة سنه صيام نهارها وقيام ليلها. ورغم كل ما أمر الله به من وجوب وجوب المودة والرحمة، نجد في زمانا هذا عكس ما يطلبه الله منا فنجد الكثير من العوائل في مجتمعاتنا تفتقر الى أجزاء العطف والمودة والرحمة حيث ينشغل الرجل بعالمه الخاص، وكذلك المرأة تنشغل بعالمها وصديقاتها، فيقضي الأولاد أكثر اوقاتهم امام التلفاز والكمبيوتر او مع أترابهم من خارج العائلة. يجب الانتباه الى خطر هذا الإهمال الاسري والانتباه الى باقي افراد الاسرة وهم الاولاد واشباعهم مودة وعطفاً حتى لا ينحرفوا وينزلقوا الى الهاوية إن أهل البيت عليهم السلام يبينون لنا مدى اهمية الجلسات العائلية الودية التي تملأ نفوس افراد العائلة بالمحبة والحنان والاحترام ويتيح لهم الفرصة بتبادل المشاعر والاحاسيس ليزداد التماسك الاسري. والحمد لله رب العالمين

اخرى
منذ سنتين
3364

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
101410

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
97829

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ سنتين
55379

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
52827

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 3 سنوات
51873

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
50740