إثــباتُ إسـمِ ونبـوّةِ وموطِنُ النبيّ مُـــحمّـد (מַחֲמַדִּים) (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) مِــن كتاب الإنـجيل (1), (2)

بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرحيم قال تعالى: ( وإذ قال عيسى بنُ مريمَ يابني اسرائيلَ إنّي رسولُ اللهِ إليكم مصدّقاً لِما بينَ يديّ مِنَ التوراةِ ومبشّراً بــــرسولٍ يأتي مِن بعدي اسمُهُ أحــــمد) [الصف/6]. لـو لـم يرد هذا النصّ لا نفتح باب لمنكري نبوّة النبي الأكرم محمّد صلّى الله عليه وآله. إلاّ إنّ الحقَ أماطَ عن لثامه وأبى إلاّ أنْ يعلو، فبين يديكم كيفيّة الاستدلال على إثبات نبوّة نبيّنا الأكرم من كتاب الإنجيل، ضمنَ مباحثٍ عديدة. الـمبحثُ الأول: بــئر شيـع هو بـئر زمزم الموجود في مكّة بحسب سفر التكوين تنصّ النصوص التالية على أنّ اللهَ تعالى قد أمرَ النبيّ ابراهيم (عليه السلام) بتركِ زوجته هاجر و طفلهما اسماعيل في الصحراء (صحراء باران) حيث لا يوجد ماء، و عند عطش الطفل وبكاء هاجر فجّـر الله تحت أقدامه بــئراً للماء، ما اسم هذا البئر؟ وأين موضعه؟ وبمَ سينفعنا في هذا البحث؟ هـذا ما يجيـبنا عليه سـفر التـكوين: لـنقرأ ماذا نصّ الإنجيل على البئـر الموجود في بـكة (بـئر شيع) كما يُسميـه الإنجيل الذي تفجّر تحت قدميّ اسماعيل ابـن هاجر. وهذا النص باللغتين العربيّة والإنجليزيّة؛ توثيقاً للقارئ، ومنعاً من الاتهام بالتحريفِ والتدليس. 14 ((Early the next morning Abraham took some food and a skin of water and gave them to Hagar. He set them on her shoulders and then sent her off with the boy. She went on her way and wandered in the desert of Beersheba. 15 When the water in the skin was gone, she put the boy under one of the bushes. 16 Then she went off and sat down nearby, about a bowshot away, for she thought, "I cannot watch the boy die." And as she sat there nearby, she began to sob. 17 God heard the boy crying, and the angel of God called to Hagar from heaven and said to her, "What is the matter, Hagar? Do not be afraid; God has heard the boy crying as he lies there. 18 Lift the boy up and take him by the hand, for I will make him into a great nation." 19 Then God opened her eyes and she saw a well of water. So she went and filled the skin with water and gave the boy a drink)) (1) . وبـترجمة النص: 14 فبكر ابراهيم صباحاً وأخذ خبزاً وقربة ماء واعطاهما لهاجر واضعاً إياهما على كتفها والولد وصرفها. فمضت وتاهت في برية بئر سبع. 15 ولمّا فرغ الماء من القربة طرحت الولد تحت إحدى الأشجار. 16 ومضت وجلست مقابله بعيداً نحو رمية قوس؛ لأنّها قالت لا أنظر موت الولد. فجلست مقابله ورفعت صوتها وبكت. 17 فسمع الله صوت الغلام. ونادى ملاك الله هاجر من السماء وقال لها ما لكِ يا هاجر. لا تخافي لأنّ الله قد سمعَ لصوت الغلام حيث هو. 18 قومي احملي الغلام وشدّي يدك به. لأنّي سأجعله أُمَّة عظيمة. 19 وفتح الله عينيها فأبصرت بــــئر مــاء. فذهبت وملأت القربة ماء وسقت الغلام. 20 وكان الله مع الغلام فكبَر. وسكن في الـــبرية وكان ينمو رامي قوس. 21 وسكن في برية فــــاران)) (2) . الــــنتيـجة: •أنّ البئرَ التي تفجّرت تحت أقدام اسماعيل هى البئر التي يطلق عليها المسلمون الآن (بـئر زمــزم)، وهى بئر الشبع والتي لم تنضب حتى الآن ويشرب الحجاج منها والعمار طوال هذه السنون والقرون. •أنّ اسماعيلَ وهاجرَ قد عاشوا في أرض باران. وهـي مكّة المكرمة. حيث إن: فارن=باران= مـكّة= بكّـة= وادي البيلسان=وادي البـكاء. ليسمّوها ما شاؤوا مِن تسميات، فالمـهم هو إثبات أنّها مديــنة محمّد (صلى الله عليه وآله) التي تلألأ النور فيها بتلك الشريعة كما نصّ سفر التثنية: ((1 وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني اسرائيل قبل موته 2 فقال. جاء الرب من سيناء وأشرق لهم من سعير وتـــلألأ من جبل فـــاران واتى من ربوات القدس وعن يمينه نار شريعة لهم)) (3). الـــــمبحثُ الــــــــثاني: مـحاولةُ طمسِ اسم بكّة في الإنجيل مِن المعروف أنّ النبيَّ الخاتم (محمّد صلّى الله عليه وآلهِ) قد ظهر في مدينة (مكة) ولادةً ودعوةً، وما زال ذلك اسمها: (مكة) أو (بكة)، حيث (بكة): هي أرض الحرم من (مكة). وهي التي يتوجّه إليها المسلمون في صلاتهم: مِن مشارِق الأرض ومغارِبها. وقد ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم باسم: " بكة " فقال سُبحانه : ((إنَّ أوّلَ بَيْتٍ وُضِعَ للنّاسِ للّذِي بــِ(بَــكَّةَ) مُبَارَكاً وَهدُىً لِلعَالَمِين)) (4) . والآن لــنر ماذا فعل المترجمون باسم " بكة " في ترجمتهم للعهد القديم؟ نقــرأ النــص: إنّ النص الأصلي في سفر المزامير كان يُقرأ هكذا: " عابرين في وادي بكة يُصيرونه يــــنبوعا " (5) . وباللغة الإنجليزية: " through the valley of Ba'ca make it a well " (6). فقام بعضهم باستبدال كلمة: (بكة) أو (وادي بكة) بـ: (وادي الـــبُكاء أو (وادي البلــــسان)! في حين أنَّ شجرَ (البلسان): هو شجرٌ (لا يظهر في هذه المنطقة إلاّ بمكة) وأنّ له مادة صمغية تشبه بالفعل (دموع الإنسان في البكاء)(7). _________________________________________ (1) Genesis 21. (2) سفـر التكوين/ إصحاح 21. (3) سفر التثنيـة: اصحاح 33. (4) آل عمران : 96. (5) سفر المزامير 84- 6. (6) المصدر نفسه. (7) موقع الأنبا تكلاهيمانوت القبطي الأرثوذكسي، الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر، قاموس الكتاب المقدس | دائرة المعارف الكتابية المسيحية شرح كلمة- وادي البُكاء. يتبع في الحلقة التالية لإثبات اسم النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) من الانجيل. والحمد لله ربّ العالمين, والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين محمد وآله الطاهرين. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنتين
2924

التنمية البشرية في الفكر المحمدي

في ظل تهافت شعوب العالم حول مفاهيم التنمية البشرية في عصرنا الحاضر ومحاولة اكتساب المهارات وتطوير الذات ومراجعة الكتب والمؤلفات والدراسات وإقامة الدورات والندوات والمحاضرات الكثيرة في هذا المجال، إلا إن هذه المفاهيم والسبل لتطوير الموارد البشرية قد جاء بها رسول الإنسانية محمد (صلى الله عليه وآله) ووضح مبادئها وأسسها وعمل على إرساء قواعدها في المجتمع الجاهلي منذ مئات السنين وبأساليب بسيطة جدا تحاكي حركة الوعي في المجتمع آنذاك وإن كانت المسميات مختلفة بعض الشيء إلا إنها تصب في نفس المعنى. علم التنمية البشرية يسمى أيضا بعلم تنمية الموارد البشرية مع وجود فارق بسيط، وعلى العموم فالتسميتان واحدة لأنهما تعتمدان على التنمية بشكل أساسي فعلم التنمية البشرية عام يشمل جميع جوانب الحياة لمختلف فئات المجتمع ويعتني باﻹنسان لكونه جوهر عملية التنمية، أما علم تنمية الموارد البشرية فهو متخصص أكثر ويهتم بفئات محددة من أجل زيادة الإنتاج وتحسينه كالموظفين والمدراء وغيرهم . والاصطلاح اللغوي للتنمية البشرية فيه لبس لغوي على العامة فأصل التنمية من الفعل (تنمّى) بتشديد النون وهو من النميمة ونمّيت -بتشديد الميم- الحديث تنمية: إذا بلغته -بتشديد اللام- على جهة الإفساد ونمَيته -بفتح الميم- نمْيا -بسكون الميم-: على جهة الإصلاح(1) ولجهل العامة بألفاظ اللغة العربية الفصيحة توهموا أن المصدر (تنمية) من الفعل (نما) من الزيادة والنمو والرفعة والذي مصدره نموا ونماءً(2) وليس تنمية كما تقدم. وعلى كل حال لا يهمنا المعنى اللغوي الدقيق بقدر ما يهمنا المعنى الاصطلاحي المعاصر للتنمية البشرية وهو تحفيز وتدريب قدرات الإنسان من خلال توفير البيئة الملائمة لتنمية القدرات والخبرات والسلوكيات والطموحات لكل فرد من أفراد المجتمع من جميع جوانبه بما يضمن وعي المجتمع لإمكانياته الفردية والجماعية ورقيه حاضرا ومستقبلا. وقد عمل على ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) من خلال اعتماده على أهم مادة أساسية في دينه وهو الإنسان، فدين اﻹسلام هو دين اﻹنسانية يهدف في اﻷساس إلى صناعة الإنسان بما هو إنسان وتطوير قابلياته وقدراته وتسخير كل إمكانياته المتاحة لخدمة المجتمع -كالمجتمع الجاهلي مثلا- الذي ارتقى كثيرا بهذه الخطوات الجبارة والتي أحدثت فيه تغييرا ملحوظا في النهج والفكر والسلوك عن طريق استخدام رسول الله (صلى الله عليه وآله) عدة محاور منها: تطوير الذات واستثمار القدرات والطاقات البشرية في عملية زيادة الإنتاج. فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : اشتدت حال رجل من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) فقالت له امرأته: لو أتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسألته؟ فجاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فلما رآه النبي (صلى الله عليه وآله) قال: من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله. فقال الرجل: ما يعني غيري فرجع إلى امرأته فأعلمها فقالت: إن رسول الله بشر فأعلمه. فأتاه فلما رآه رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله. حتى فعل الرجل ذلك ثلاثا ثم ذهب الرجل فاستعار معولا ثم أتى الجبل فصعده فقطع حطبا ثم جاء به فباعه بنصف مد من دقيق فأكله، ثم ذهب من الغد فجاء بأكثر من ذلك فباعه، فلم يزل يعمل ويجمع حتى اشترى بكرين وغلاما ثم أثرى حتى أيسر. فجاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فأعلمه كيف جاء يسأله وكيف سمع النبي (صلى الله عليه وآله) فقال النبي (صلى الله عليه وآله) قلت لك: من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله. (3) نلاحظ في هذا الحديث كيفية تحفيز رسول الله (صلى الله عليه وآله) الرجل للتفكير واستثمار الطاقات البشرية الكامنة فيه بالاعتماد على النفس، وبالتالي زيادة الإنتاج والعطاء والانطلاق من حالة الاكتفاء الفردي إلى الاكتفاء المجتمعي العام، مغيرا بذلك النظرة العامة لمجتمع ما قبل الإسلام الذي كان مجتمعا تسوده الطبقية. فالمقدرات الاقتصادية من التجارة وغيرها كانت تدار من قبل طبقة الأثرياء والوجهاء ويعمل عليها الرقيق والعبيد لتحقيق مصالح تلك الطبقة، أما طبقة الفقراء من الرعية فقد كانت ترزح تحت نير الفقر والعوز، ولهذا كان المجتمع استهلاكيا لا يقدر قيمة العمل والانتاج ، فكانت أرزاق الطبقة الفقيرة المعدمة تأتي إما من تسخيرهم للعمل لصالح الأثرياء مع الرقيق والعبيد، أو من خلال الحروب وشن الغارات على القبائل الأخرى لأجل الحصول على الغنائم. بينما حاول الرسول (صلى الله عليه وآله) بناء مجتمع إسلامي على أسس رصينة باستثمار الطاقات البشرية وتقدير قيمة العمل والجد والاجتهاد لا بالإغارة والسرقة ولا بالقعود وبذل ماء الوجه بالسؤال والاستعطاء مهما كانت الظروف صعبة على الأفراد عليهم مواجهتها بالعمل والصبر والتقوى وفي السيرة النبوية شواهد كثيرة في هذا المجال. ومن محاور التنمية البشرية التي عمل عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لتعزيزها في أفراد أمته هي مسألة تهذيب الإنسان لملكاته النفسية وضبط نفسه عن الهوى. ولعل أهم ما يرمز لذلك هو (حفظ اللسان) فاللسان يوضح أول ردة فعل للإنسان من غضب أو حزن أو فرح. ولأن الكلمة في الإسلام لها وزن وقيمة وحساب، جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): يعذب اللسان بعذاب لا يعذب به شيئا من الجوارح فيقول :أي رب عذبتني بعذاب لم تعذب به سيئا من الجوارح قال: فيقال: خرجت منك كلمة بلغت مشارق الأرض ومغاربها فسفك بها الدم الحرام وانتهك بها الفرج الحرام وعزتي لأعذبنك بعذاب لا أعذب به شيئا من جوارحك.(4) وعنه (صلى الله عليه وآله): (نجاة المؤمن في حفظ لسانه)(5)، وجاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله أوصني فقال: احفظ لسانك فقال: يا رسول الله أوصني فقال: احفظ لسانك فقال: يا رسول الله أوصني فقال : احفظ لسانك ويحك وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم.(6) وفي هذه الأحاديث تذكرة نبوية عظيمة لمن طلب النجاة في الدنيا والآخرة فهو (صلى الله عليه وآله) يؤسس بذلك إلى منهج ضبط النفس وعدم الانفلات، فالانضباطية هنا ليست سهلة على الفرد مطلقا وإنما يحتاج حفظ اللسان إلى مهارات وتدريبات مستمرة لاستحصال هذه الملكة وبالتالي تعزيز هذه القيمة لدى الفرد، وهو عينه ما يدعو إليه بعض مدربي التنمية البشرية في عملية تطوير المهارات الفردية عن طريق التحكم بالحواس والسيطرة عليها. وفيما يخص حاسة النطق (حفظ اللسان) فحفظه عن الكذب والغيبة والنميمة وكل ما هو شائن ويستحب إطلاقه في الكلمة الطيبة التي تعتبر في الإسلام صدقة والاصلاح بين الناس وغيرها والتي تقابلها في مصطلحات التنمية البشرية الحديثة فن الحوار والتفاوض والإقناع، وفي انضباط الحديث بهذه الأمور وتطوير القابليات على التحلي بها سنصل إلى ما يسمى بمعرفة الأنماط التمثيلية للبشر- وتسمى الانظمة التمثيلية أيضا وهي آلية استقبال المعلومات عن طريق الحواس الخمس ومعالجتها ومن ثم برمجتها على هيئة إما صور (نظام بصري) أو أصوات (نظام سمعي) أو مشاعر وأحاسيس(نظام حسي)- ومحاولة اعتمادنا عليها في تطوير قابلياتنا في الحوار مع الطرف الآخر بما يتناسب ونمطه التمثيلي فنحفظ بذلك ألسنتنا من الزلل والخطأ ،ولا يخفى التأثير الإيجابي لصفة حفظ اللسان بهذه الكيفية من الفهم والدقة في تحليل المعلومات قبل النطق بها على المجتمع وأفراده. وركز رسول الله (صلى الله عليه وآله) كثيرا في مسيرته التنموية لأمة الإسلام على نقطة مهمة جدا للفرد وهي مسألة (مداراة الناس) ويقصد بها في الإسلام: ملاينة الناس وحسن محبتهم واحتمال أذاهم، فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ثلاث من لم يكن فيه لم يتم له عمل: ورع يحجزه عن معاصي الله وخلق يداري به الناس وحلم يرد به جهل الجاهل.(7) وقال (صلى الله عليه وآله): من عاش مداريا مات شهيدا.(8) وعنه (صلى الله عليه وآله): مداراة الناس صدقة.(9) وقال (صلى الله عليه وآله): مداراة الناس نصف الإيمان والرفق بهم نصف العيش.(10) وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس في غير ترك حق...)(11) وقوله (صلى الله عليه وآله): (.... أعقل الناس أشدهم مداراة للناس.....).(12) وبالتأمل قليلا في كمِّ الأحاديث أعلاه عن مداراة الناس وغيرها الكثير التي حفلت بها مصادر الكتب الحديثية يتبين لنا التأكيد النبوي على أهمية هذه الصفة عند الفرد، ومن الواضح ان اكتساب هذه الصفة ليس بالأمر الهين، وكما قيل: رضا الناس غاية لا تدرك . ومن هنا يتبين أن على اﻹنسان أن يعمل على نفسه ويطور من قدراته وإمكانياته في ملاينة الناس وتحمل أذاهم. إنه لعمري من أعظم جهاد النفس خاصة في عصرنا الحالي في زمن اختلطت به الايديولوجيات وتعددت فيه اﻷفكار والتوجهات داخل المجتمع الواحد مع الأخذ بنظر الاعتبار اانفتاح الكبير على المجتمعات وتأثير العولمة في تغيير الأفكار والسلوكيات في المجتمع، وفي مداراة الناس بالإضافة إلى عظيم أجره وجزيل ثوابه الذي ذكرته الأحاديث النبوية المتقدمة. إلا إنه ينظم المجتمع من خلال تدريب الأفراد على التحلي بالذكاء الاجتماعي لخلق مجتمع متعاون متراحم وانعكاسه الإيجابي على اﻷمة من هدوء وانسجام بين الأفراد بعيدا عن الصراعات واانقسام الداخلي. إننا لا ننكر وجود الخلاف في التوجهات والأفكار داخل المجتمع الواحد ولكن بمداراة الناس فيما بينهم نستطيع احتواء هذا الخلاف كل ضمن دائرته مع احترام الرأي الآخر، فإن هذا حتما لا يؤدي الى الفرقة والتناحر والاختلاف، ومن خلال صقل مهارات الأفراد وإنجازات التنمية البشرية على ضوء السيرة النبوية نصل بأفراد المجتمع ككل إلى هذه الحالة من التنظيم الذاتي التي ستدفع بدورها عملية التنظيم المجتمعي الواعي. وبلحاظ ما تقدم نستطيع القول: بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ارتكز في عملة التنموي لأفراد اﻷمة على عدة أسس منها: 1-تمهيد الأرضية الصالحة للعمل التنموي في المجتمع من خلال نبذ الايديولوجيات والأفكار الجاهلية المقيتة البعيدة عن روح الإنسانية والفطرة وزرع الأفكار والمفاهيم الصحيحة وتثبيتها شرعا وخلقا وسلوكا وتطبيقا. 2-العمل على ركنين مهمين في تركيبة الإنسان : أ-الركن المادي : ويعمل أساسا على العقل البشري بتطوير الأفكار فيه إلى مشاريع وأعمال مادية على أرض الواقع تضمن تقدم المجتمع وازدهاره مع التأكيد على قيمة العمل وإتقانه والإنجاز في أحاديث وسلوكيات الرسول (صلى الله عليه وآله). ب-الركن المعنوي : ويعمل أساسا على إصلاح سريرة الإنسان وتهذيب صفاته النفسية وبالتالي خلق فرد متوازن نفسيا يستطيع السيطرة على حواسه وانفعالاته الداخلية ويستطيع تصحيح اخطاءه. 3- توفير بيئة مثالية للأفراد في التعايش مع اﻵخر لتحقيق اهدافهم وصناعة جيل واعي يتحمل مسؤوليته في بناء المجتمع وعلى كافة الصعد. 4- التفكير الاستراتيجي لرسول الله (صلى الله عليه وآله) لأبعاد هذه التنمية البشرية لأمة الإسلام واستمراريتها مستقبلا ما بقيت محاولات اكتساب تلك المهارات والملكات النفسية والتحلي بالفضائل قائمة في المجتمع كإيديولوجيات تنموية لها جذورها الدينية والعقائدية والفطرية والإنسانية. وكنتيجة منطقية لما سبق فان التنمية البشرية في الاسلام التي جاء بها الرسول (صلى الله عليه وآله) لو طبقت بحذافيرها والتزمت بها الأمة سنصنع أمة تعتمد على التطوير الذاتي والاجتماعي ونصنع مجتمعا منتجا لا استهلاكيا ، مجتمعاً يقدر جيدا استثمار تلك الطاقات البشرية في زراعة الوعي في الأمة وصناعة الحضارة وهو ما نحتاج إليه في هذا المقطع الزمني الذي تمر به أمة الإسلام. ____________________________ (1) المحيط في اللغة ج2 ص477 (2)راجع العين للخليل الفراهيدي ج2 ص201 (3)الكافي ج2 ص139 ح7 (4)مستدرك الوسائل ج9 ص15 (5)الكافي ج2 ص114 ح9 (6)الكافي ج2 ص115 ح14 (7)الكافي ج2 ص116 ح1 (8)روضة الواعطين ص454 (9)مشكاة الأنوار ص218 (10) الكافي ج2 ص117 ح2 بحار الأنوار ج72 ص440 (11)بحار الأنوار ج74 ص145 (12)الأربعون حديثا للعاملي الجرني ص47 عبير المنظور

اخرى
منذ سنتين
7710

ابنة الامير

انحازت عن النساء متنكرة بزيها الفضفاض يجللها البهاء والنور ويسير معها الوقار حيث تسير ، استنكرها قومها فتاهت أفكارهم في معرفتها وتساءل آخرون عنها ، من هذه المرأة؟ انها ابنة الأمير يا أمير.. وهل يوجد أمير غيري ؟! قالها والغضب على وجهه يلفح بقية السكون الذي يجتهد في تصنعه ، ويندفع مع زفرة منخريه وقد دق حنكه على نحره يسدد نظراته نحوها وقد جحظت عيناه ، فزم شفتيه وقبض قبضتيه. عرفها فأراد أن يحرق قلبها ويبدي ما خفي تحت خدرها فراح يذكّرها بقتل أخيها متشمتا " الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم". لكنها كجبل شامخ مرت به ريح، فما أوقرت منه بقدر جناح بعوضة، تخطت كأمها تدفع الظلم عن العترة الطاهرة ، وقفت في قصر الامارة والكل يرتقب ما ستفعل ، يتهامسون ويتساءلون، ترى ما تحسن هذه السبية من القول؟ والاخوة صرعى مجزرين كالأضاحي، لم تبق منهم باقية سوى عليل قيدته السلاسل وحبسته الحواجب ؟! وهنا تفجر الفجر من مكمنه ،فصاح الصبح: لم أقتل كما توهموا ، فغار الليل مندحرا في جوف قاتله .. نما فرع النبوة ينطق على لسان حفيدته فقالت والصوت يهدر في المسامع، يرعب كآلة الحرب حين تقرع زلزلتها صدور الرجال: "الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد وطهرنا من الرجس تطهيرا إنَّما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا" سمع الجمع صوتها فتسمر الصمت على السنتهم، وراح صوتها يتسلل الى القلوب ، يجلجل الحرف بين ثناياها جملا تقبس من نور القرآن حديثها ، هزمتْ بقولها داعية الباطل فتزاور عنه جلساؤه وقرضت نظراتهم خيبته ،فعلى بين القوم لغط وازدراء ، وتساءلوا مَنْ هؤلاء؟! آلَ بيت المصطفى جاء الجواب، فتشتتَ في الفضاء أنين وبكاء. شق الغضب شدقي طاغية العصر والتاث فيه ببعض ما فيه.. حينها رفعت يدها ، فسكتت الاصوات ، فقالت "سيجمع الله بينك وبينهم فتحاجّ وتخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ"، "ثكلتك أمك يا ابن مرجانه" . استشاط الطاغية غضبا وهم بقتلها ولكن التاريخ قتله.. مات ابن زياد ، وعاشت الحوراء زينب. ام محمد باقر الاعرجي

اخرى
منذ سنتين
818

هل إنّ جميع اصحاب النار خالدون فيها؟

من أسئلتكم السائل: هل إنّ جميع اصحاب النار خالدون فيها؟ أم يعذبون ويخرجون منها؟ وهل يتساوى العقاب في النار درجةً بين السارق والقاتل مثلاً؟ المجيب: حياكم الله تعالى, بدايةً لابد من التفرقة بين العاصي الكافر, والعاصي غير الكافر, فالأول خالدٌ في النار بلا شك, والثاني فيمكن أن يخلّد في النار ويمكن أن يخرج منها, وسيكون الجواب ضمن مطلبين يسلط كل مطلب منهما الضوء على قسم من قسمي العاصي. المطلب الأول: العاصي الكـافر: لاشك في أنّ العاصي الكافر مصيره جهنم خالداً فيها؛ لدلالة الآيات الكريمة على ذلك, حيث أعطت قواعد عامة كلية ما إن انطبقت على أحد مصاديقها فيتحقق حكم الخلود بحقهم, فالخالدون في النار منهم(1): 1- الكفّار والمشركون. حيث قال تعالى : {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون}(2). 2- قاتل المؤمن. حيث قال تعالى : {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيما}(3). 3. آكل الربا. حيث قال تعالى : {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون}(4). المطلب الثاني: العاصي غير الكافر: تعتقد الشيعة الإمامية أنّ الخالد في النار هو مرتكب الكبيرة -العاصي- غير الكافر, إلاّ أنّه يجوز أن يعفو عنه الله سبحانه, حيث قال الشيخ الصدوق (رضوان الله تعالى عليه) في عقائده: " أمّا النار فهي دار من جهل الله سبحانه, وقد يدخلها من عرفه بمعصية الله غير أنه لايخلد فيها بل يخرج منها إلى النعيم المقيم, وليس يخلد فيها إلاّ الكافرون"(5). فالعاصي غير الكافر قد يخلّد في النار وقد يخرجه الله تعالى منها فيعفو عنه كما هو ظاهر من النص, وما سيؤيده, وهو قول المحقق البحراني (رضوان الله تعالى عليه) في قواعده: " المكلف العاصي إما أن يكون كافراً أوليس بكافر، أما الكافر فأكثر الأمة على أنه مخلد في النار، وأما من ليس بكافر، فإن كانت معصيته كبيرة فمن الأمة من قطع بعدم عقابه وهم المرجئة الخالصة، ومنهم من قطع بعقابه وهم المعتزلة والخوارج، ومنهم من لم يقطع بعقابه إما لأن معصيته لم يستحق بها العقاب وهو قول الأشعرية، وإما لأنه يستحق بها عقابا إلا أنّ الله تعالى يجوز أن يعفو عنه، وهذا هو المختار"(6). فالعاصي في محل سؤالكم، إن كان كافراً فهو خالدٌ في النار بلا أدنى شك, أمّا إذا لم يكن كافراً بالله تعالى فيمكن أن يناله عفو الرحمن الرحيم؛ لإيمانه بربّه -رغم عصيانه- على أن العقلاء يستقبحون استدامة عقابه. وإلى ذلك أشار المحقق الطوسي (رضوان الله تعالى عليه) قائلاً: " وعذاب صاحب الكبيرة ينقطع؛ لاستحقاقه قلة الثواب بايمانه, وقبحه عند العقلاء"(7). فهنا أمران: 1- عذاب العاصي غير الكافر ينقطع لاستحقاقه الثواب بإيمانه. فمن عدل الله تعالى أنّه يثيب على طاعته, ويعاقبه على معصيته, فهنا نكون أمام احتمالين لا ثالث لهما(8): أ) يقدّم الله تعالى اثابة مرتكب الكبيرة على عقوبته: وهذا باطل؛ لأنّ الإثابة تكون بالدخول إلى الجنة, والداخل فيها لا يخرج منها لامحالة بنص القرآن الكريم, حيث قال تعالى: { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ* أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِين}(9). فاذا أثابه الله تعالى على ما كان من ايمانه ثم عاقبه بالدخول إلى النار فانّه يكون مخالفاً لصريح الآية الكريمة. ب) يقدّم الله تعالى عقوبة مرتكب الكبيرة على إثابته: وهذا هو المطلوب, فيدخله النار فترة من الزمن إلى أن يشاء, ثم يخرجه منها, ويدخله الجنة استحقاقاً لإيمانه في غيـر المورد الذي عصى ربّه به وارتكب الكبيرة. 2- عذاب العاصي غير الكافر ينقطع لقبح خلوده في العذاب عند العقلاء. إنّ ذلك العاصي لو قدّم أنواع الطاعات لله تعالى في حياته ثم ارتكب أحد الكبائر ومات ولم يتب منها, فإذا أخلده الله تعالى في النار لــكان نظير مَن أشرك بالله تعالى طيلة عمره؛ لاشتراكهما في وحدة العذاب, وهذا قبيح عقلاً صدوره من الله تعالى؛ لعدالته التامة, واعطاءه كل ذي حقٍ حقه ومنزلته. فالعقل إذن يحكم بعدم تخليد مثل هذا العاصي في النار، وهو المطلوب. وأما الشق الثاني من سؤالكم حول تساوي أو عدم تساوي عقوبة القاتل والسارق في النار, فجوابه عقلاً أنّ الله سبحانه عادلٌ لا يحيف في حكمه, فكما يثيب كل عبدٍ على قدر طاعته, كذلك يعاقب كلاً منهم على قدر معصيته. _________________ (1) ظ: الخلود في جهنم: محمد عبد الخالق كاظم. (2) الأعراف: 36. (3) الأعراف: 40. (4) البقرة: 275. (5) شرح عقائد الصدوق, 55. (6) قواعد المرام, 160. (7) ظ: كشف المراد, المقصد 6، المسألة 8. (8) ظ: محاضرات في الإلهيات, 474. (9) آل عمران: 135. اللّهم إنّا نعوذ بك من النار فأعذنا بحق محمدٍ والآل الأطهار. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنتين
7751

زائر من عالم البرزخ..

هل تسمعونني؟ هل آذانكم الواعية تلتقط انفاسي؟ هل تحسون بوقع خطواتي الوئيدة وانا اطلقها فوق اديم الارض او بين لفحات الهواء؟ لاشك بأنكم تسمعون، فصدى صوتي تردده الاودية البعيدة وتحمله الرياح كلما سقطت ورقة بشري ما من اغصان الحياة في بركة الموت. فأنا جزء من الحياة الرابضة تحت اطباق الثرى. الارض تجذب جسمي لأنه صنع من مادتها... سنوات عمركم تتساقط يوما بعد يوم كأوراق الشجر حينما يداعبها حسيس الرياح في فصل الخريف. كنت مثلكم تماما امشي فوق اديم الارض وامشي بين الفنن وانا الآن في قلب الارض تنبت فوق قبري او بالقرب منه الاشجار وتتقوت على بقايا تفسخات جسمي... وهذا النسيم الذي يداعب انفاسكم، يوماً ما كان يداعب انفاسي... والآن خرجت لأتلصص بنظراتي علني أجد بصيص أمل ليخرجني من زنزانتيّ الابديتين ( وان كنت لا اميز الليل من النهار فالظلام الدامس هو رهين عمري) زنزانة نفسي وزنزانة قبري مثواي الاخير. وأنا الآن أريد ان أقضم جميع ذنوبي وآثامي لألفظها بين طيات التراب. كنت انا والرذيلة توأمين لذات واحدة... لذا فمئات السلاسل تقيدني وآلاف الاسئلة تنهال على هامتي: من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟ من هو إمامك؟ ... وينعقد لساني عن النطق وتتكلم اطرافي وتشهد جوارحي فأُضرب بقضبان من حديد لأغور في اعماق الارض من شدة وقعه. وانا الان في إجازة قصيرة لزيارة أموالي وعيالي لأرى الى اين صيّرتهم الحياة. ولربما أجد بصيصاً من نور الأمل يبرق امامي في دعوة ولد يدعو لي او صدقة جارية او غير ذلك من حسنة فعلتها. اقتربت من منزلي وامل يدفعني نحوه، كان الباب موصداً إلا اني اخترق الجدار والباب دون عائق! خيمت عليّ غمامة من الحيرة والخذلان. فها هي زوجتي قد عانقت انفاسها الكرى وهي تحلم بما سيؤول إليه الارث، ذهبت لأُلقي نظرة على ولدي ربما سيذكرني بدعوة صالحة، رأيته قد توسد الاحلام وسادة له وتربعن ربات الجمال في مخيلته، كان يغط في نوم عميق واميرة الاحلام كانت تلقي بظلالها على أجفانه لتستدرجه في نومته.. طيلة هذه الفترة كان هناك شخصان يتبعاني اتباع الفصيل لأمه... احدهما كان يردعني كلما نظرت اليه والآخر كان وسيما لكنه مازال يحبو ويعثر! لا شيء ينفعني سوى اعمالي، لذا اصبحت مسرعاً نحو سجادة صلاتي فهويت عليها ألثم آثار اقدامي وموضع جبهتي وامتص رحيق تلاواتي مثل النحلة حينما تمتص رحيق الازهار الفياحة. في عالم كل شيء فيه، يتحدث نطقت سجادتي وقالت: انت كنت تعلم بأن النفس سائرة نحو الموت قهراً ومع ذلك كنت تصلي صلاة رياء! اذهب لا شيء لك عندي. صرخت بأعلى صوتي (اين صلاتي اين صومي؟ اين جوعي؟ اين أموالي؟ اما من معين لي يعينني في مصيبتي؟) احدثت اموالي جلبة عالية وقالت فيما قالت (كان عليك ان تطهرني بالصدقة والزكاة لاطهرك من الرذائل والخطايا) رجعت منكسرا متألما اكثر مما يؤلمني وقع قضبان الحديد، صرخت بأعلى ( أيا ايها النائمون الميتون ولكن الحياة تدب فيكم، أليس لكم عبرة فينا؟ الا ترون ان الموت قد اودع الاجسام والخلود الندية الغضة التراب؟ الا ترون ان الارض فاغرة فاها لتلتهم ملايين الاجساد من آدم وحتى الآن! انهضوا وزكوا نفوسكم قبل ان تعقم وتشيخ... ولا يغرنكم الشيطان واعوانه كما غرنا... ولكن الناس في العالم المرئي لم يسمعوا ندائي، فقد البست الخطايا اعينهم الغشاوة... توجهت نحو زنزانتيّ الابديتين وروح الامل يحتضر في عمق روحي، لا مناص... دخلت زنزانتيّ مستسلما لواقع الحال، وفي الرمق الاخير للأمل وقبل ان يلفظ انفاسه الاخيرة ولم يرعني...الا...و... انبثق نور كوميض البرق... انار القبر بنوره خط به على لحدي وكفني: (عتيق ولاية آهل البيت عليهم السلام)… واصبح الامل يبتسم ابتسامة الاشجار بغيث السماء... سماهر الخزرجي

اخرى
منذ سنتين
9700

من أسئلتكم

هل ترون من الضروري مراقبة الأولاد عند استخدامهم الانترنت ؟ وما هي الطريقة المثلى لمراقبتهم والتي تنصحون بها؟ الجواب لقد اقتحم عالم الانترنت حياتنا بحيث لا يكاد يخلو بيت منه ، فلابد من تقبّل وجوده في هذه الحياة. لكنه سلاح ذو حدين يمكن ان يستخدم في الجوانب الايجابية منها والسلبية، وهذا يعني أن خوف الوالدين على الأبناء من الانجرار والخوض في الجانب السلبي منها في محله، لأن المترصدين للإسلام يعملون ليل نهار لإفساد أروح واخلاق وعقائد الأبناء وزرع اخلاقهم المبتذلة التي تطمس شخصية الفرد المسلم . فعلى الوالدين اتباع منهجية وآلية تحول دون تأثر أبنائهم بهذا العالم المتموج . لعل من الأسباب التي تجعل انجرار الأبناء خلف السلبي منها هو اعتقادهم بأنها ليست سلبية ! وهذه مشكلة بحد ذاتها، هذا من جانب. ومن جانب آخر الفراغ الروحي وانعدام الوعي الفكري وعدم تحديد أهداف وغايات يسعون الى تحقيقها، فلهذا نجدهم يخوضون في هذا المضمار ويتسابقون فيه مع كل من هَبَّ وَدَبٌّ ليقضوا على اوقات فراغهم . أن هذه المسؤولية الكبيرة تقع على الوالدين بشكل كبير وهم المنطلق الأساسي لجعل أبنائهم قادرين على الالتفات الى الجيد منها لا السلبي، من خلال التوعية الفكرية ، وزرع الثقة داخل نفوسهم ، ودفعهم لاختيار الصديق الجيد الذي يكون عوناً لهم ، وجعلهم يحددون اهدافاً وطموحات يسعون الى تحقيقها من خلال تشجيعهم وتذكيرهم بها بين فترة واخرى وجعلها من محاور حياتهم لتأخذ جزءً من وقتهم وتفكيرهم . وكذلك ينبغي مراعاة أمر مهم، وهو: جعل الأبناء يدركون أن الانسان في هذه الحياة بشكل عام وعالم الإنترنت بشكل خاص يتعرض ويخوض عدة أمور ومواقف منها إيجابي ومنها سلبي . فالخطأ في اتخاذ القرار المناسب في المواقف السلبية وارد، والإنسان ليس معصوماً، وعليه فلا بد من تعليمهم كيفية التصرف مع هذه المواقف وحلها وجعلها درساً يتعلمون منه . إن التجريح الدائم والضرب واستخدام الكلام البذيء هو ما يجعل في الأبناء في رهبة من عدم اخبار والديهم بما يجري في حياتهم وخاصة السلبي منها خوفا من ردة فعلهم ، مما يجعلهم مستمرين عليها بشكل دائم . وهنا يخسر الوالدان العلاقة فيما بينهم وبين ابنائهم الأمر الذي يجعل من الأولاد يتقمصون دورين . فلذا من الضروري التأكيد على علاقة المحبة والصداقة بين الوالدين وابنائهم بحيث تجعل الوالدين بنظر أبنائهم مخزن أسرارهم وقدوة في حياتهم وكَهفاً يرتادون إليه ويتزودون منه في جميع المواقف التي يتعرضون لها . وأن اهم وأفضل داعم تربوي ورقابي يمكن ان يحول ما بينهم وبين انجرارهم نحو الرذيلة، هو أن ينغمس في ذاتهم استشعار الرقابة الإلهية والارتباط الروحي مع الله سبحانه وتعالى وأهل البيت (سلام الله عليهم) وكيف اكون نافعا لنفسي ولمجتمعي للإسهام بالإصلاح. وبذلك أزداد قربا ورضا لله، وأكون بمثابة نور يمهد لدولة الظهور، لدولة العدل الإلهي. تكلموا معهم عن جمال الحياة في عصر الظهور، وكيف يمكن أن يكون له دور عظيم فيها من خلال ما ينجزه الان . لقد ذكرنا الرقابة الإلهية والارتباط الروحي في أخر المضمار على الرغم من أنها الداعم الكبير والاهم، لأن هذه الامور تجنى ثمارها بعد تفعيل علاقة المحبة و الصداقة بين الوالدين وأبنائهم ، ويكون تأثيرها عظيماً في ذواتهم وتستقبلها نفوسهم بشكل كبير عندما يجدون هذه المفاهيم الإلهية مكرسة في حياة والديهم . ولعل من الأساليب التي يمكن أن تتبع من قبل الوالدين للحد من الاستخدام الكثير لعالم الأنترنت هو تقوية العلاقة الأسرية وبناء الشخصية من خلال : _قيام الأسرة بالنزهة لمعالم أثرية او زيارة الاقرباء بين فترة واخرى . _ زيارة المراقد الشريفة لأهل البيت (سلام الله عليهم) والتزود المعنوي منهم والارتباط الإلهي والدعاء بمحضرهم وجعلهم بمثابة ملجأ يلتجؤون إليهم في كل أمور حياتهم للتقرب الى الله سبحانه وتعالى . _تشجيعهم على المثابرة والاجتهاد في دراستهم وتزوديهم بهدايا مادية من جهة ومعنوية من جهة اخرى بشكل لا يجعل الهدايا هي الدافع الأساسي للمثابرة . _الجلسة العائلية الأسبوعية تقام في كل اسبوع ولتكن نهاية الاسبوع مثلا ، ولمدة ساعة او ساعتين . يترأسها الأب بالتعاون مع الأم، لأن الاب هو بمثابة عمود الأسرة والقدوة ، ولتحاول الأم أن تزرع هذه الفكرة في نفوس أبنائها مهما قدمت لهم من عطاء، وإن انشغل الأب تكون هي البديل . هذه الجلسة تضم كل الأفراد مع وضع بعض الورود وترتيب الجلسة بشكل محبّب ومؤثر في نفوسهم وبعض الحلويات إن توفرت، وتبدأ بقراءة سورة قصيرة من أحد الابناء ، وفي كل أسبوع يقوم أحد الأولاد بهذا الدور، بعدها يتم طرح امور مختلفة ومن ضمنها القصص التي تناسب عقولهم والتي تحتوي على المعاني الاخلاقية والعقائدية التي تبني سلوكياتهم والمرتبطة بحياة الأئمة المعصومين (سلام الله عليهم) ، وفي نهاية الجلسة يقوم الوالدان بإجراء مسابقة وطرح أسئلة تحتوي على ما ذكر في القصص من معلومات ودروس أخلاقية وطرح مشكلة أو موقف والاخذ بآرائهم، ومن ضمنها مسألة عالم الانترنت وكيف نستفيد منه ونفيد الأخرين، وبإعطائهم بعض الجوانب التي يمكن أن يستغلوها فيه، ويقوم الوالدان بسؤالهم عن: ماذا قدمتم في عالم الأنترنت هذا الأسبوع ، فهذا يعزز من شخصيتهم ويشجعهم .. وأن هذه الجلسة سيكون لها تأثير بشكل مباشر أو غير مباشر في جميع نواحي حياتهم وبشكل اكبر على نفوسهم .. إن كل هذه الأمور التي ذكرت إذا توفرت فإنها بمثابة حصن لهم، وتجعل الوالدين يأمنون على أبنائهم ولا تكون عملية الرقابة مطلوبة بشكل كبير، لأنهم زرعوا فيهم الرقابة الإلهية والسعي الدائم لإنجاز الأشياء النافعة . وتكون الرقابة من خلال السؤال عن أحوالهم تارة وسؤال الاصدقاء بشكل غير مباشر عنهم والتعرف على أخلاقياتهم في المدرسة من خلال متابعة تقدمهم أو تراجعهم الدراسي .. حوراء مالك

اخرى
منذ سنتين
1646

لماذا عليك أن تكون أنساناً؟

منذُ صِغَري أرى الشرور في العالم، وأتساءل: لماذا يجب على الأنسان أن يستقيم؟ لماذا عليه أن يتمسك بإنسانيَّته؟ منذ أن خُلِقَ الإنسان وقد أختارَ أَنْ يتركَ طريق الحق، وجدت الشرور في هذا العالم، من أنانية وكذب وانعِدام الرحمة.. وغيرها من الصفات التي من شأنها أن تجعل الفرد مجرَّداً من إنسانيته.. ولِدنا ورأينا بأعيننا إلى أي مدى يمكن أن يصل الفرد من انعدام الإنسانية في نفسه.. كل هذا يجعلني أتساءل في قبال ذلك: ما هو الدافع الذي يجعل الفرد ملتزماً بالأخلاق الحسنة؟ لماذا عليه أن يسمو بنفسه ليكون إنساناً؟ هل هو مجرد شعور فطري؟ أو هو بفعل التربية، أو قانون المجتمع، أو أمر السماء؟ وأثناء بحثي عن الإجابة، رأيت مشاهد ومواقف بينت لي ما كنت أريد.. حيثُ كنتُ أراها بوضوحٍ في أعينِ يتيم فقد أحد والديه أو كلاهما.. في دمعةِ أُمٍ فقدت ولدها.. في اشتياق زوجةٍ فقدت زوجها، لعله خرج ليعمل او يشتري طعاما لعائلته، لكن تلقفّتهُ يد الشر فلم يعد! وفي بيتِ فقير ليس فيه من الطعام، ولا من مقومات المعيشة من شيء، وترى فيه أماً مجاهدة تصبِّرُ أولادها، وأباً قد أخذَ منهُ الدهرُ مأخذاً حتى جلسَ في زاوية البيت متحيراً كيف يطعم أهله؟! رأيتُها في قلب أبٍ يحترقُ من حسراته على ولدهِ الذي ربّاه، سهر الليالي وعمل أياماً طويلة حتى يراه شاباً ليعينه في كِبرِ سِنّهِ، فإذا بهذا الولد يأخذُ بيد أبيه ليرميه في دار المسنين، ويتخلص من مسؤوليته، وقد نسيَ أن هذا الأب قد أفنى عمره في تربيته، وهذه اليد طالما مسحت على رأسه بعطف وهو نائم من دون أن يشعر.. عندما رأيتُ كل تلك المشاهد القاسية وغيرها مما لا يُعدُ ولا يُحصى.. علمتُ لماذا على كل فرد أن يكون إنساناً.. لأنك إذا ما اخترت أن تتجرد من إنسانيتك ولو بالقدر القليل، فستكون ظالماً لنفسك ولغيرك.. لأنك شئتَ أم أبيت، لديك روح متعطشة للشعور بالمحبة والخير، فما إن تنحرف عن مساركَ الطبيعي(تكرهُ أحداً او تظلمُ نفساً) فإنها ستحاربك من الداخل، ولن تعيش بسلام أبداً.. كما أنك ستجعل غيرك يعاني من ظلمك، وليس لك أي حق في ذلك!! فاعمل جاهداً أن تحافظ على إنسانيتك، وصلاحك.. وما أجملَ شعور الصلاح! لعلكَ رأيتَ الصالحين كيف تعلو وجوههم الابتسامة اللطيفة، فترتاحُ لهم الأنفس وتنجذب القلوب.. لأنهم اختاروا أن يكونوا في قمة الإنسانية. (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) نقاء

اخرى
منذ سنتين
3610

كيف تحفز ولدك على الدراسة

الحلقة الرابعة: اللعب. تعرضنا في الحلقات السابقة إلى محفزين للأطفال وهما: 1- الإيمان بالذات 2- التركيز على النجاح وليس العلامات والآن سنتناول اللعب كمحفز ثالث لحث الأطفال وترغيبهم بالمدرسة والتعليم بشكل عام. نرى ونشاهد ونسمع كثيراً من الآباء والأمهات وهم يسألون عن فوائد اللعب، وهذه التساؤلات تأتي أغلبها من عدم معرفتهم بأهمية اللعب وفوائده في ما يتعلق تشكيل شخصية الطفل الاجتماعية وتطوير مهاراته الابداعية وارتباط اللعب بحياته المدرسية وتحفيزه نحو الدراسة وترغيبه بها. يرغب الأطفال وخصوصاً أطفال المرحلة الابتدائية باللعب لأوقات طويلة من أجل الاستمتاع والترويح عن أنفسهم ليشعروا بالسعادة فاللعب حاجة بيولوجية طبيعية يشعر بها كل الأطفال. لذلك يجب على الأهل أن يهتموا بالجانب الترفيهي لأطفالهم لأنه ضروري جداً في عملية التوازن النفسي للطفل، فالطفل يقضي ساعات طويلة في المدرسة ويجب أن تتخلل هذه الساعات فترات استراحة أو دروس ترفيهية كدرس التربية الفنية والتربية الرياضية أو تخصيص وقت لقراءة القصص التربوية الهادفة، ولا يخفى على الجميع أن أغلب المدارس لا تهتم بهذا الجانب الترفيهي بل ان البعض منها يتبرع بالوقت ارخاص لهذه الدروس لمعلم القراءة والرياضيات من أجل اكمال المادة. وهذا ما يسبب نفور الكثير من الأطفال من المدرسة لإهمال الجانب الترفيهي الذي يشعرهم بالمتعة والسعادة ويدفعهم نحو التقدم والتطور. يمكن استخدام اللعب كأداة لتحفيز الأطفال في البيت لإكمال واجباتهم البيتية، فإعطاء الطفل فترة استراحة أثناء ممارسة الطفل لواجباته البيتية تدفعه إلى الرغبة وتحفزه نحو الدراسة لأنها تجعله أكثر استقراراً وهو يؤدي واجباته بدون ضغط نفسي. ويمكن أن يشارك الأب و الأم أولادهما اللعب بمختلف الأساليب كمشاهدة فيلماً تربوياً قصيراً يحثهم على الدراسة ويرغبهم فيها، أو قراءة قصة قصيرة تكون ذات احداث جذابة، أو الرسم معهم وعمل مسابقات في ذلك.. ووو، وينفع أيضاً استعمال الوسائل البسيطة التي تكون ذات أثر إيجابي على شخصية الطفل. لذلك يجب على الآباء والأمهات عدم الضغط على طفلهما في كتابة واجبه البيتي بشكل متواصل بل يجب اعطاءه فرصة للراحة بين الفينة والأخرى. لأن الضغط يسبب نفوراً ورابطاً سلبياً مع الدراسة، فالطفل يدرس ما يقارب (٤ ساعات) كل يوم ويرجع للبيت ويدرس (٤ ساعات) أو أكثر بين ما يكتب وما يقرأ مما يجعله يعيش حالة من القلق والتوتر والضغط النفسي تجعله يشعر بالتعب والإرهاق. هذا المنهج الذي وضعته وزارة التربية يعاني من ركاكة وهشاشة وضعف واضح من هذا الجانب، لأنه لم يراع نفسية الطفل ولم يحسب لها ادنى حساب. إن الاهتمام بالمدارس والمناهج والتعليم يجب أن يكون من اولويات الحكومات التي تنظر للأجيال على أنها أمل المستقبل، فبناء الأجيال هو بناء للأوطان. إننا نرى أن الدولة المتخلفة فكرياً والتي ابتعدت عن منهج آل محمد الكرام (صلوات الله عليهم أجمعين) لم تعر أي اهتمام لجانب البناء الفكري والنفسي للأطفال واليافعين ولم توفر لهم ادنى نشاطات فكرية او بدنية لسد الفراغ النفسي الذي يعانون منه مما دفع بالكثيرين منهم إلى الخروج عن جادة الصواب. دعوة من أعماق القلب إلى كل الأهل من الآباء والأمهات والمعلمين والمدرسين أن يأخذوا دورهم التربوي في انتشال الجيل من الضحالة الفكرية التي نعيشها اليوم في ظل إهمال واضح من الحكومات التي تخلت عن مسؤوليتها... قاسم المشرفاوي

اخرى
منذ سنتين
1526

حرية الإنسان لاختيار الجنة أو النار

ارتباط الآخرة دار الخلود مع الدنيا دار الزوال كيف ترتبط الحياة الآخرة والنشأة الدائمة مع الحياة الدنيا الزائلة المتقطعة بالزمان والمكان؟ وكيف تتحول الأعمال المؤقتة إلى أثر دائم من ثواب أو عقاب؟ للإجابة عن هذا التساؤل لا بد من تقديم مقدمة تصورية وهي: أن الوعي والحياة في هذه الدنيا تبدو متقطعة فلا نشعر فيها إلا بحضور المشهد الآني الذي نحن فيه، ثم يمضي المشهد إلى مشهد آخر ويصبح الأول من الماضي، ثم يمضي هذا الأخير ويأتي مشهد جديد، وهكذا. ولكن الوعي الحقيقي هو الوعي الممتد عبر الزمان فلا يفرق عنده الماضي من الحاضر بل كلها حاضرة عنده. ونحن نعيش التقطع في الوعي نتوجه في الدنيا إلى أشياء متقطعة من ظواهرها، فحالنا في العمل ولذتنا عند التذوق والشم ورؤيتنا للأشياء المتحركة تزول بزوالها. ولكن هناك وعياً ممتداً يبقى منها لفترة أطول في مستوى أعلى يترك أثره كالذاكرة والملكات النفسية التي تثبت بسبب التعرض لذلك الموقف المؤقت. وفي النفس مستويات متدرجة كلما كانت أعلى كلما كانت ثابتة وممتدة وباقية، وصولاً إلى النفس التي تبقى مع الإنسان وتمثل وحدته رغم تغير كل شيء دونها حتى الجسد والذهن والذاكرة. والثواب والعقاب هو من سنخ هذه الأشياء الباقية أو الطويلة الأمد، ومنه ثابت أبداً ومنه ما يبقى لفترة طويلة ومنه ما يمضي سريعاً، ومراتب نشأة النفس في الدنيا والآخرة تناسب مراتب النفس فنشأة الجسد من طفولته إلى كبره تناسب المستوى الأدنى من الإنسان، بينما النشآت الأخرى تكون أطول بكثير حتى يصل إلى الأفق الدائم منه. وإذا حللنا الأعمال التي يعملها الإنسان في أيام حياته ستجدها تعود إلى أصول في نفسه مختلفة المراتب فالجسد ليس هو من يفعل عملية التصدق، بل هناك دوافع تحرك الجسد وتلك الدوافع تحركها رغبات في النفس وتعلقات بأهداف تحبها النفس وتنجذب إليها، فتفعل الفعل للوصول إليها، وإذا فعلت الفعل تعززت تلك الأمور التي تعلقت بها النفس وثبتت في النفس بل تكون أظهر في الإنسان من نفسه لأنه عمل لها وقدمها على نفسه وإرادته فيكون ثوابه مما عمل لأجله، بل هو ثوابه وهو ما ظنه كمالاً وسعادة؛ وشعر أنه هو ما يعطيه الوجود، فيبقى مقترناً به حتى يزول فيسقط في الهاوية التي تحته بعد فنائه. هدى الحسيني

اخرى
منذ سنتين
2240

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
101410

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
97831

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ سنتين
55379

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
52827

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 3 سنوات
51874

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
50740