تشغيل الوضع الليلي

ومضاتٌ فاطمية لإنارة غياهب الجاهلية (٥)

منذ 7 سنوات عدد المشاهدات : 3883

بقلم: علوية الحسيني
"وأشهد أن أبي محمداً عبده ورسوله، اختاره وانتجبه قبل أن اجتباه، واصطفاه قبل أن ابتعثه، إذ الخلائق بالغيب مكنونة، وبستر الأهاويل مصونة، وبنهاية العدم مقرونة؛ علماً من الله تعالى بمآئل الأُمور، وإحاطة بحوادث الدهور، ومعرفة بمواقع المقدور".
بعد الشهادة بالألوهية لله تعالى في العبارات السابقة عطفت السيّدة الزهراء (عليها السلام) كلامها بالنبوة لمحمد (صلى الله عليه وآله)، وعرّفت الناس بها؛ لأن المخاطبين جاحدون، فهم على دراية بشخص فاطمة المتكلمة (عليها السلام) بدلالة مَن قال (وإنْ) حين إرادة الشروع بإحراق الدار، فهُم على معرفة بها وبأبيها (عليهما السلام) إلاّ أنّها أرادت كشف الحجب التي رانت على قلوبهم.
فقالت (عليها السلام): (وأشهد أنّ أبي محمداً عبده ورسوله) نسبةً لها منه إليه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم بدأت التعريف بشخص النبي(صلى الله عليه وآله)؛ فأول سمة وسمته بها هي العبودية فقالت (عبده)، فهو (صلى الله عليه وآله) عبد من عبيد الله تعالى قبل أن يصطفيه للنبوة.
وعطفت وقالت (ورسوله) وربما كان هذا منها إشارة إلى الفارق بين النبي والرسول، "ومعنى الرسول حامل الرسالة، ومعنى النبي حامل النبأ، فللرسول شرف الطاعة بين الله سبحانه وبين خلقه والنبي شرف العلم بالله وبما عنده"(١).

(اختاره وانتجبه قبل أن اجتباه)
سياق الجملة واحد، إلاّ أنّ هناك فارقًا بين الاختيار والانتجاب.
فالمنتجب: هو "المختار من كل شيء، وقد انتجب فلاناً إذا استخلصه، واصطفاه اختياراً على غيره"(٢) أي إنّ الله تعالى اختار محمداً (صلى الله عليه وآله) قبل أن يصطفيه.

(واصطفاه قبل أن ابتعثه)
الاصطفاء: "...أخذ صفوة الشيء وتخليصه مما يكدره فهو قريب من معنى الاختيار، وينطبق من مقامات الولاية على مقام الإسلام، وهو جري العبد في مجرى التسليم المحض لأمر ربه فيما يرتضيه له"(٣).
نعم، يبقى مقام الأفضلية للنبي محمدٍ (صلى الله عليه وآله) على سائر المصطفين الذين أشار إليهم القرآن الكريم في هذه الآية {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ وغيرها؛ بلحاظ اختلاف درجات الاصطفاء.
وقد أشار العلاّمة الطباطبائي (قدس سره) إلى اختلاف درجات الاصطفاء بقوله:
"من الدليل على ما ذكرناه من اختلاف الاصطفاء قوله تعالى: ﴿وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين﴾ آل عمران: 42، حيث فرق بين الاصطفاءين فالاصطفاء غير الاصطفاء.
وقد ذكر سبحانه في هؤلاء المصطفين آدم ونوحًا، فأما آدم فقد اصطُفى على العالمين بأنه أول خليفة من هذا النوع الإنساني جعله الله في الأرض، قال تعالى: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾ البقرة: 30، وأول من فتح به باب التوبة... .
فأما آل إبراهيم فظاهر لفظه أنهم الطيبون من ذريته كإسحاق وإسرائيل والأنبياء من بني إسرائيل وإسماعيل والطاهرون من ذريته، وسيدهم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)"(٤).

(إذ الخلائق بالغيب مكنونة، وبستر الأهاويل مصونة، وبنهاية العدم مقرونة)
تطرّقت السيّدة الزهراء (عليها السلام) إلى ذلك الظرف الذي كان النبي محمد (صلى الله عليه وآله) عبداً لله تعالى، ورسولاً له، مختاراً، منتجباً، مصطفىً، من قبَل الله تعالى، وذلك الظرف هو عالم ما قبل الدنيا، ربما هو عالم الذر؛ بقرينةٍ سياقيةٍ كلاميةٍ متصلةٍ وهي قولها: "إذ الخلائق بالغيب مكنونة" فعالم الذر عالمٌ غيبي لا يعلم به إلاّ الله عزّ وجل، فجميع الخلائق مستورة بعالمٍ غيبي.
(وبستر الأهاويل مصونة)
ثم عطفت (عليها السلام) على مكنونية الخلائق بالغيب مصونيتها بستر الأهاويل، إشارةً منها إلى أنّ أهاويل الأمور المقدّرة بالعلم الإلهي محفوفة بالخلائق جميعها.
(وبنهاية العدم مقرونة)
وهذه الجملة -مقرونية الخلائق بنهاية العدم- كسابقها، معطوفة على مكنونية الخلائق بالغيب، ومصونيتها بأهاويل مستورة.
فالجمل الثلاثة مفسرة لمعنى واحد، وهو ظرفية الاختيار، والانتجاب والاصطفاء لنبيّ الله محمد (صلى الله عليه وآله).
*فائدة:
العالم الذي تتحدث عنه السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) هو عالم الذر، عالم خلق الأرواح، حيث أول ما خلق الله تعالى نور نبيّه، بدليل ما روي عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله): "أول ما خلق الله روحي"(٦).
وهنا سؤال: كيف اختار الله تعالى واجتبى واصطفى محمداً (صلى الله عليه وآله) قبل أن يجتبيه ويصطفيه -قبل عالم الدنيا-؟
ولماذا فضّل الله تعالى محمداً (صلى الله عليه وآله) على غيره؟
جوابه سيتضح في العبارة التالية:
(علماً من الله تعالى بمآيل الأُمور، وإحاطة بحوادث الدهور، ومعرفة بمواقع المقدور)
فجاء الجواب منقطاً بالنقاط الثلاثة التالية:
١-لعلم الله تعالى الواسع بخواتيم الامور.
٢-لقيومية الله تعالى وإحاطته وهيمنته.
3- لمعرفة الله تعالى بمواقع المقدورات.
ولعلها (عليها السلام) تريد الإشارة إلى أنّ علم الله تعالى بالكليات والجزئيات معاً؛ لقرينة كلمة (مآيل، حوادث، مواقع).
وبعبارةٍ منطقية: أنّ الله تعالى يعلم بالمفاهيم والمصاديق.
"فالمفهوم: هو الصورة الذهنية الحاصلة عندك حينما تقول اسم محمد مثلاً، والمصداق: هو فرد تلك الصورة المرتسمة في الذهن"(٧).
والخلاصة: أنّ علم الله تعالى واسع يتعلّق بجميع الجزئيات –المعلومات-، والجزئيات ممكنات، فيتعلّق علمه تعالى بها؛ لانتفاء مانعية تعلّقه بها.
وهذا ما سار عليه متكلموا الإمامية (أعزهم الله) استدلالاً بعبارة العلاّمة الحلّي (قدس سره): "وكل حي يصح أن يعلم كلّ معلوم فيجــب له ذلك"(٨) كما قال المقداد السيوري في شرحه.
أي إنّ العلم بما أنّها هي صفة ذاتية فيجب وقوعها آناً، ووقوعها هو تعلّقها بالمعلومات، وإلاّ لو لم يتحقق القوع الآني للزم افتقاره تعالى إلى غيره ليفيض عليه العلم ثم يجعله متعلّقاً بالمعلومات.
والافتقار محال على الغني المطلق، فبطل.
______________
(١) تفسير الميزان: السيد الطباطبائي، ج٢، ص١٣٩.
(٢) لسان العرب: ابن منظور، ج١، ص٧٤٩. تاج العروس: الزبيدي، ج٢، ص٤١٨.
(٣)الميزان
(٤) المصدر نفسه.
(٥) المصدر نفسه.
(٦) شرح أصول الكافي: المازندراني، ج١٢، ص١٢.
(٧) ظ: منطق المظفر: الشيخ محمد رضا المظفر، ج١، ص٦٣.
(٨) النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر: الشيخ المقداد السيوري، ص٣٤.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الرسول المصطفى المسدد، أبي القاسم محمد، وأهل بيته اولي الشرف والسؤدد.

اخترنا لكم

عتاب بين السماء والأرض

بقلم: نورا العبودي قالت نجمة: عشت عمري كله صغيرة الحجم يجهل بني البشر اسمي، موقعي لكني كنت أعطي ضوئي كله للقمر، لم أتوان في عملي قط، أما أنتِ أيتها الأرض، فقد وطأتك قدم أشرف خلق الله، رسوله (صلى الله عليه وآله). لكنك تكبرت، تماديت، شربت دماء السبط بن بنت رسول الله جاحدة حقه ناكرة له غير مبالية. مرت سحابة قابلت الأرض وقالت: كنت أرتجف دومًا عند سماع البرق، وهو يأمرني أن أتبخر وأهطل على سفوحك وسطوحك وأنهرك؛ كي أرويكِ وأنتِ التي قضى على أرضك الحسين (عليه السلام) وبنيه وأصحابه عطاشى، تعسًا وألف تعسٍ. نطقت الشمس بغضب ملتهبة قائلة: كنت أخفف أشعتي عنك؛ عطفًا عليك وعلى أشجارك وتربتك، وأنتِ بكل جرأة أخرجت كل حرارة السنين في جسد الحسين (عليه السلام) الطاهر وأصحابه، أمقتُك الآن حقًا أيتها الأرض. أعقبها القمر باكيًا يقول: كم تمنيت أن يكون سطحي صالحاً لعيش بني البشر لتشرفت أن يسكنني سبط النبي (صلى الله عليه وآله). نادت السماء بصوت جريح: يا أرض، لو أن طبقاتي السبع سبيت، عطشت، لوّعت، ضربت بالسياط، تمزقت، تناثرت كالذرات في الكون، كان أهون عليّ أن أرى نساء رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبايا، ويجول بهم من بلد إلى بلد. وا مصيبتاه... وا مصيبتاه...

اخرى
منذ 6 سنوات
1879

أمير البلغاء علي بن أبي طالب (عليه السلام)

نُقل هذا الكلام في بعض وسائل التواصل الاجتماعي ونُسب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، ونصه هو التالي: (قال علي: انا خالق السماوات والارض بأمر ربي انا مسيرها انا مرسيها انا مدمر النشأة الاولى انا الريح الصفراء انا مدمر قوم عاد وثمود انا معذبهم انا ممن كلم موسى انا الايام ودهر الدهور). بداية نقول: إن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لا يحتاج إلى مدح أو إطراء من عند أنفسنا أو من جراب النورة، فهو ولي الله تعالى ووصي رسوله الكريم، ولا يحتاج أن يغالي فيه أحدهم فضلا عن الجميع ، وإذا كانت هناك كلمات تدل على عظمته ومكانته فهو باب علم مدينة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد اعتنى به النبي الأكرم (صلى الله عليه واله) عناية خاصة ، وكان كثير الأسئلة للنبي (صلى الله عليه وآله)، فكان إذا سأل أجابه، وإذا سكت ابتدأه، حيث علمّه ألف باب من العلم وأرتبط بالقرآن الكريم ارتباطاً وثيقاً ابتداءً من النداء الأول (اقرأ باسم ربك الذي خلق ) (1)، إذ رافق نزول القرآن على النبي (صلى الله عليه وآله) في كل المراحل، وقد شهد له النبي (صلى الله عليه وآله) بأعلميته بالقرآن وعلاقته مع القرآن كما جاء في قوله: "علي أعلم الناس بالكتاب والسّنة"2. وقوله (صلى الله عليه واله): "علي مع القرآن والقرآن مع علي"3. وقال عبد الله بن عباس: "والله ، لقد اعطي علي بن أبي طالب( عليه السلام ) تسعة اعشار العلم ، وأيم الله لقد شارككم في العشر العاشر"4. ونحن الشيعة الامامية لا نعتقد في أئمتنا (عليهم أفضل الصلاة والسلام) ما يعتقده الغلاة والحلوليون ﴿كَبُرتْ كَلِمةً تَخرُجُ مِنْ أفواهِهِمْ﴾ بل عقيدتنا الخاصّة: أنَّهم بشر مثلنا، لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، وإنما هم عباد مكرمون، اختصّهم الله تعالى بكرامته، وحباهم بولايته؛ إذ كانوا في أعلى درجات الكمال اللائقة في البشر من العلم، والتقوى، والشجاعة، والكرم، والعفّة، وجميع الاَخلاق الفاضلة والصفات الحميدة، لا يدانيهم أحد من البشر فيما اختصوا به. وبهذا استحقّوا أن يكونوا أئمة وهداة، ومرجعاً بعد النبي في كلّ ما يعود للناس من أحكام وحكم، وما يرجع للدين من بيان وتشريع، وما يختص بالقرآن من تفسير وتأويل. استنادا الى قول مولانا العسكري عن آبائه الطاهرين عن جدّه أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) أنه قال: ”لا تتجاوزوا بنا العبودية، ثم قولوا ما شئتم ولن تبلغوا“4. فهذا هو حدّ الغلو، وهو أن يتجاوز الإنسان بأهل البيت (عليهم السلام) مقام العبودية، ولا حدّ سواه، أما أن يثبت لهم العبودية ويثبت في الوقت نفسه لهم مقاماتهم ومراتبهم الشريفة وقدراتهم التشريعية والتكوينية ومعاجزهم وما أشبه ذلك؛ فليس من الغلو في شيء. في حين نجد أن النص المذكور في بداية كلامنا هنا ينص على أنّ الخلق بأمر أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثم أنه لابد من التأويل حتى نسلم من الشرك المنسوب لنا، فمراد الامام بخلقه السماوات والارض وتسيير امرها أي تصرفه فيها لما له من ولاية تكوينية في الكون وما فيه. ومراده من سائر الخطبة هو انه قسيم الجنة والنار فليس من البعيد أن يقع بين يديه عقاب عاد وثمود اعداء النبي عليه السلام. "وخلاصة ما يعتقده الشيعة الإمامية في الولاية التكوينية للأئمة عليهم السلام هو أنه ليس معناها أنّ أحداً من أولياء الله عز وجل بما فيهم الأنبياء والأئمة المعصومين (عليهم السلام) مفوضين باستقلال عن الله عز وجل في إدارة شؤون هذا العالم ، ولا غيره من العوالم . وليس معناها أنّ لهم سيطرة تامة على الكون بحيث يكون جميع ما في الوجود إنما يسير بإرادتهم . وإنما المقصود أنه نتيجة لقربهم من الله عز وجل وعلو شأنهم عنده تبارك وتعالى ، فإنّ الله تعالى جعل الكائنات تستجيب لهم ، فأي شيء يريدوه فإنه يتحقق لهم بإذن الله تبارك تعالى . ولذا يمكنهم إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله عز وجل ، ومخاطبة الملائكة متى ما أرادوا ، ويمكنهم أنْ يطلعوا على بعض المغيبات بإذن الله عز وجل . ويمكنهم أنْ يأمروا الكائنات فتستجيب لهم بإذن الله تعالى . ويمكن أنْ تُطوى لهم الأرض . ويمكن أنْ تكون لهم جميع ما كان للأنبياء (عليهم السلام) كما حصل للنبي سليمان (عليه السلام ) من تسخير الرياح وغيره . وأنه يمكنهم ما أمكن لآصف بن برخيا (عليه السلام ) حيث كان بإمكانه أنْ يأتي للنبي سليمان (عليه السلام ) بعرش بلقيس قبل أنْ يرتد إليه طرفه كما هو صريح القرآن الكريم . وعقيدتنا في الائمة (عليهم السلام) انهم عباد الله بحقيقة العبودية، هم مخلوقون وليسوا أرباباً ولا آلهة، فقد ورد عنهم في احاديث كثيرة ما معناه: ((نزلونا -أو نزهونا- عن الربوبية وقولوا فينا ما شئتم ولن تبلغوا)).. فكل ما نتصوره من منزلة ومقام عظيم لعبد من عباد الله فهو لهم وهم أولى به، بل إن الله تعالى قد أعطاهم ما لم يعط أحداً من العالمين لا نبي مرسل ولا ملك مقرب، كما يدل عليه ما ورد في الزيارة الجامعة الكبيرة. إذ كل شيء في الكون يدين الله تعالى بطاعتهم؛ لأنهم العلة لغائية لخلق الاشياء، ونورهم هو أول صادر من المشيئة الالهية، وحقيقتهم هي أول كائن دخل عرصة الوجود، وبهم ولأجلهم خلق الله تعالى كل شيء، كما هو مضمون عدد من الاحاديث ومنها حديث الكساء الشريف. وأما الخلق والرزق بإذن الله تعالى فإذا كان معقولاً من مثل جبرائيل وميكائيل كما هو صريح عدد آخر من الأخبار، فلماذا لا يعقل ممن هو خير منهما وأفضل؟! مع أنا لا نقول بأنهم يخلقون ويرزقون وانما ننسب إليهم الولاية التكوينية التي تقتضي الخلق والرزق لكن بإذن الله سبحانه وتعالى اي بالتسبيب5. _________________ 1. سورة العلق. 2. حلية الاولياء ١/٦٨. 3. المعيار والموازنة،١٠٢. 4.تفسير الامام العسكري عليه السلام ص٥٠. 5. مركز الابحاث العقائدية. بقلم: علوية الحسيني ورشا عبد الجبار ناصر

اخرى
منذ 7 سنوات
32644

أنا الغديرُ

بقلم :العهد عرفتُ الله (تعالى) منذ أنْ عرفتك يا علي، وعشقتُ الله (جل وعلا) منذ أنْ عرفتك يا علي. جاء الغديرُ معلنًا عن حدثٍ عظيم، تنساب منه الكلمات مثل صفاء مائه وعذوبته، يختالُ ضاحكًا، ويترنمُ بحديثِه ويقول: السلام عليك يا أيُّها النبأ العظيم "الذي هم فيه مختلفون"، وعنه يسألون.. ويتمتمُ بكلماتِ العشق: السلامُ عليك يا أمير المؤمنين، وينسج منها حديثَ العشق الأزلي الذي تربّع على قلبه، فهو يهواهُ لسنين، (آمنتَ بالله وهم به مشركون، وصدّقتَ بالحقِّ وهم له مُكذِّبون، عبدتَ الله مخلصًا له الدين، صابرًا محتسبًا حتى أتاك اليقين). فزاد تعلقًا بهواه وبعشقه المُبين، وصار ينتظر قدومه ليحيا حياة العاشقين ويخلد تخليد الذاكرين على مرِّ السنين. شاء الله (سبحانه) أنْ أكون تاريخًا عظيمًا، وذكرًا خلّده تخليدًا على لسان النبي العظيم (صلى الله عليه وآله)، بأنْ جعلني موضع حادثةٍ اسمُها في السماء (اليوم المعهود)، وبالأرض (يوم الغدير). إذ كنتُ منذ كنتُ ولم أكن إلا حينما حلَّ بقربي رسولُ الإنسانية النبي محمد (صلى الله عليه وآله) حيث قام صادحًا بأمر ربه، فأوجب على أمته فرض وطاعة الولاية لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) بعد عودته من حجّة الوداع، والتوقّف في منطقة غدير خم - بإبلاغ المسلمين بالأمر الإلهي الصادر بتنصيب علي بن أبي طالب إمامًا للمسلمين، وخليفةً له عليهم، والتي انتهت بمبايعته من قبل كبارِ الصحابة وجميع الحجاج الحاضرين هناك. سأروي لكم ما جرى: مثلُ عذبِ مائي كنتُ أرى النّاس مجتمعين، فنودي لصلاة الظهر، فصلى النبي (صلى الله عليه وآله) بهم، ولمّا انصرف من صلاته قام خطيبًا وسط القوم على أقتاب الإبل وأسمعَ الجميع، قائلًا: الحمد لله ونستعينه ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا الذي لا هادي لمن ضلّ، ولا مُضلّ لمن هدى. وأشهد أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: أيُّها الناس، إنّي أوشك أنْ اُدعى فأجيب. وإنّي مسؤولٌ وأنتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهدُ أنّك قد بلّغت ونصحت وجهدت فجزاك الله خيرًا. قال: ألستم تشهدون أنْ لا إله الا الله، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأنّ جنته حق، وناره حق، وأنّ الموت حق، وأنّ الساعة آتية لاريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور؟ قالوا: بلى نشهد بذلك. قال: فإنّي فرط على الحوض، وأنتم واردون عليَّ الحوض. فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين؟ الأكبر كتاب الله طرفٌ بيدِ الله وطرفٌ بأيديكم فتمسكوا به لا تضلّوا، والآخر الأصغر عترتي. وإن اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لنْ يتفرّقا حتى يردا عليّ الحوض، فسألتُ ذلك لهما ربّي. فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ثم أخذ بيدِ عليٍ فرفعها حتى رؤي بياضَ آباطهما وعرّفه القوم أجمعون. فقال: أيُّها الناس مَنْ أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: اللهُ ورسولُه أعلم، قال: إنّ الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه. "يقولها ثلاث". ثم قال : اللهم والِ من والاَهُ، وعادِ من عادَاهُ، وأحب من أحبَّه، وأبغضْ من أبغضه، وأنصرْ من نصره، وأخذلْ من خذله، وأدِرْ الحقَّ معه حيث دار. ألا فليبلّغ الشاهد الغائب. وكان هذا التنصيبُ إثرَ نزولِ آيةِ التبليغ حيثُ أمر الله (تعالى) نبيه بتبليغ ما اُنزل إليه فإنْ لم يفعل فما بلّغ رسالته، قال (تعالى): "يَا أيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وَإن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس" فوضع على نفسه أوزار المسير، في رمضاء الهجير، فخطب فاسمع، ونادى فابلغ، وبعدما قام النبي (صلى الله عليه وآله) بإبلاغ الأمر وتنصيب علي (عليه السلام) نزلت آية الإكمال ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. وأخبر الله (سبحانه) عن إكمال الدين، وإتمام النعمة، وقد احتج المعصومون بهذه الواقعة على ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام). ومنذُ تلك اللحظة كان لسان حالي يترنم بكلماته ويُشنِّفُ أسماع الواقفين ويقول: "ألا لعنة الله على الظالمين". وصرتُ أطرِبُ لكلِّ من يحذو بحذو غديري، وأقول: اشرب على حبِّ علي عشق "الولاية العلوية والنور المحمدي السرمدي فكنتُ من ذي وذا عذبًا منذ أنْ عرفتُ حب علي". ما أدراكم ما علي؟! فيا أيها النازحون بأرضي قفوا، وارفعوا أيديكم بالدعاء، واشكروا الله شكرًا أبديًا؛ لتتم النعمة الإلهية على جميع شيعةِ أمير المؤمنين (عليه السلام). فالسلام عليك يا سيد المسلمين، ويعسوب المؤمنين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين ورحمة الله وبركاته.

اخرى
منذ 5 سنوات
1505

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
88117

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
79483

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
60427

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 7 سنوات
51337

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 8 سنوات
48520

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
44214