تشغيل الوضع الليلي

دور علماء الحوزة العلمية في الحفاظ على اللغة العربية من التتريك السيد المجدد الكبير انموذجًا (الحلقة الثالثة)

منذ 8 أشهر عدد المشاهدات : 764

بقلم: دينا فؤاد
المبحث الثاني
السيد المجدد الكبير والحفاظ على اللغة العربية
نبذة تعريفية عن المجدد الشيرازي
هو آية الله العظمى الحاج ميرزا محمد حسن بن السيد ميرزا محمود ابن السيد ميرزا إسماعيل الحسيني الشيرازي. (1)
لقب بالمجدد الشيرازي، والشيرازي الأول، والشيرازي الكبير (2)، وصاحب فتوى التنباك الشهيرة (3) والتي كان لها الدور البالغ في تعزيز قيادة الأحداث الكبيرة من قبل العلماء (4)، حيث استخدم السيد لموجهة الاستعمار الإنجليزي سلاح الفتوى (5)، ولقب أيضاً بالمدد الكبير من قبل الذين قاموا بترجمته في مؤلفاتهم مشيرين إلى حديث معروف بأن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها. (6)
ولد السيد محمد حسن في مدينة شيراز في الخامس عشر من جمادي الأولى من عام 1230هـ، الموافق لشهر نيسان من عام 1815م، وقد تمتع بزعامة زمنية بارزة في مدينة شيراز. (7)
هاجر إلى العراق بعد هجرته إلى اصفهان وأقام في النجف الأشرف وتتلمذ على يد الأعلام من مدرسيها وخاصة الشيخ مرتضى الأنصاري، وبوفاته استغنى عن الحضور عند المدرسين لنبوغه وتوفر الملكات المودعة فيه ففتح باب التدريس على مصراعيه في النجف، وحضر بحثه العلماء وأهل الفضيلة، ورُجع إليه في التقليد، وأخذت مرجعيته بالاتساع على الرغم من أن النجف كانت فيها أقطاب العلماء والمراجع. (8)
وقد عُرف أن السيد الشيرازي (أعلى الله مقامه) بأنه أعقل أهل زمانه، وأشهر علماء أوانه، وكان صاحب معرفة بأمور السياسة والحزم والعزم والكياسة، قد أقبلت الدنيا في عصره إليه وواكبت الطلاب عليه حتى أصبحت سامراء بفضله مركزًا علميًا كبيرًا (9)، وهذا بعد أن هاجر إليها في سنة 1293هـ وانتقال الحوزة العلمية من النجف الأشرف إلى سامراء بعد أن انتهت إليه رئاسة أكثر الإمامية من سائر الأمصار، وقد حدثت في أيامه الكثير من الفتن من قبل الساسة الأجانب، ولكنه تغلب عليها بفضل فراسته ومحاولته الحفاظ على وحدة المسلمين وحمايتهم، وبقي في مدينة سامراء حتى وفاته في الرابع والعشرين من شعبان سنة 1312هـ، وقد حمل على الرؤوس من سامراء إلى النجف والقبائل العربية تستقبل جثمانه الطاهر وتحمله إلى حد القبيلة الثانية ، وهكذا حتى استقر إلى مأواه الأخير أسكنه الله فسيح جنانه. (10)

اللغة العربية والفترة المظلمة
لقد أطلق البعض على الفترة التي عاشها العراق في ظل السيطرة العثمانية اسم الفترة المظلمة، ولا يعد هذا تجنيًا ولا ظلمًا نظرًا لما طال الفكر والعلم من الإهمال والتردي في تقديم الخدمات لهما من قبل السلطة الحاكمة للعثمانيين، وهذا ما دعا إلى قيام العشائر والعلماء من ذوي الوعي الديني المتحفز بالثورات التي تناهض هذه الأساليب، ويعتبر الميرزا محمد حسن الشيرازي عملاق هذه الفترة. (11)
لقد شمل الظلم اللغة العربية في كافة مجالاتها، حيث كان هناك أصرار من قبل الاتحاديين في تنفير العناصر العربية وكل ما يمت بصلة إلى تلك اللغة الأصيلة، فأصروا أن تكون لغة التخاطب الرسمي والتعليم والدواوين وغير ذلك باللغة التركية، وكان هناك سعي حثيث لإبعاد أحد الوزراء العرب في الحكومة العثمانية بسبب لجوئه إلى قراءة دعاء باللغة العربية في نهاية الخطاب الذي ألقاه باللغة التركية أمام مجلس المبعوثان (12)، وهكذا أصبحت لغة التدريس هي اللغة التركية في المدارس المختلطة، حتى أن تدريس قواعد اللغة العربية كان باللغة التركية (13)
الهجرة إلى سامراء والحفاظ على اللغة العربية
لقد عدت الهجرة إلى سامراء من قبل المجدد الشيرازي نقلة نوعية في تاريخ سامراء نفسها لما طالتها من الأثار الإيجابية نتيجة تلك الهجرة المباركة، ومن تلك الأثار روجان بضاعة الأدب نتيجة اهتمام السيد الشيرازي بالأدباء والشعراء والصلة الوثيقة بهم (14)، وكان يجيز الشعراء على قصائدهم، وكان يجلس إليهم ويستمع لهم، ويستحسن الجيد من تلك الأشعار، ولهذا قصده الشعراء من سائر البلاد (15)، ولعل الغرض من إحياء المجالس الأدبية هو الحفاظ على اللغة العربية، وقد تكون هذه هي إحدى الأسباب التي دفعت المجدد الكبير إلى الهجرة، وعلى الرغم من أن الكثير من الكتّاب قد طرح أسباباً لهجرة السيد الشريفة، لكن لم يذكر أحد منهم السبب الذي قد يكون مهماً في نظر ذلك المرجع العظيم، وهو الحفاظ على اللغة العربية من الاندثار والضياع بين اللغات الهجينة، وخصوصاً أن أغلب أصول سكان سامراء من الأتراك وغيرهم كما هو معروف.
لقد عزز الميرزا الشيرازي حركة الوعي الإسلامي داخل الأمة الإسلامية ورعى نموها الطبيعي بمبادراته، وحافظ على أم اللغات وهي اللغة العربية بعد محاولة العديد من المغرضين بجعل اللغة المعتمدة والمتداولة هي اللغة التركية. ومن أعماله المهمة تشييد المدارس (16) واستمرت مدرسته في السير على خطاه عبر تلامذته الذين حملوا أفكاره ورؤاه (17)، وكان يؤكد على تلامذته المجتهدين الأعاظم أن يتدرجوا في مدارج الأخلاق والتهذيب، حتى يكونوا دعاة إلى الله بأفعالهم قبل أقوالهم، وكان يؤمر بتلاوة شيء من نهج البلاغة كل يوم قبل الدرس، فكان يعدّهم ليكونوا خلفائه من بعده. (18) وكان السيد المجدد الشيرازي رضوان الله عليه مثالاً يحتذى به في حفظ الحرمات ورعاية مقتضيات الأخوة بين اتباع المذاهب المختلفة، وله في ذلك مواقف مشهودة تذكر فتشكر. (19)

موقف الحوزة العلمية في الحفاظ على اللغة العربية من التتريك
لقد شعر جماعة من أهالي النجف بضرورة تأسيس مدارس تعني بالعلوم الحديثة لزيادة الوعي الفكري والثقافي لأبنائها، وخاصة أثر الفتاوى التي صدرت من العلماء بتحريم الدخول إلى المدارس، وذلك بعد أن اعتمدت اللغة التركية لا في إجراء المعاملات والمخابرات فحسب بل تم اعتمادها لتكون لغة التعليم في المدارس أيضاً (20)، فانحسرت معرفة العلوم على التعليم الأهلي الذي تركز في المساجد والمدن كالنجف وكربلاء والعديد من المدن الأمر الذي أدى إلى إسهامة إضافية في حفظ اللغة العربية (21)، وهذا ما دعا الكثير من العلماء إلى تأييد وتشجيع الجماعات التي دعت إلى تأسيس المدارس الحديثة كأمثال آية الله الملا كاظم الأخوند (وهو أحد تلامذة السيد المجدد الشيرازي) وغيره، وقد تأسست لهذا الغرض هيأة علمية ضمت الكثير من العلماء والتجار فأسفرت عن تأسيس مدرستين أولهما العلوية التي افتتحت أبوابها للطلبة سنة 1326هـ، والثانية تسمى الرضوية. (22)
وبلغ تأييد العلماء لإنشاء المدارس أن المجتهد الأكبر الملا كاظم الأخوند أجاز صرف الحقوق الشرعية على أمثال هذه المدارس، ولم يقتصروا على ذلك بل أنهم كانوا يحثون مقلديهم أينما وجدوا على الارتشاف من منابع الثقافة الحديثة. (23)
وهكذا أصبح من الواجب الشرعي على علماء الدين المحافظة على اللغة العربية من أي مدخول أجنبي، فقد حافظت الحوزة العلمية طوال حياتها على سلامة اللغة من الرطنات الأجنبية الدخيلة، وكانت هي الوسيلة لتوحيد القوميات التي جمعها الإسلام (24)، وتم اعتبار التتريك تيارًا معاديًا للإسلام في النتائج والأهداف، ولهذا تمت مواجهته بكافة الوسائل والطرق الممكنة، وبالفعل تم القضاء عليه بفضل الوحدة التي جُمعت بين علماء الدين من الحوزة العلمية والشعب الحر المؤمن بلغته العريقة، لغة القرآن الكريم.
الخاتمة وأهم النتائج
ترى الباحثة ان للسيد المجدد الشيرازي الفضل الكبير في الحفاظ على اللغة العربية من خلال هجرته المباركة وطريقته في مواكبة الأحداث وزرع الوعي الفكري الإسلامي وحبه للشعر وتقريبه للشعراء، وقد خلف أجيالاً حملت أفكاره ورؤاه وطبقوها على ساحة الواقع.
وأن لعلماء الحوزة العلمية من تلامذة السيد الشيرازي دوراً كبيراً في حماية اللغة العربية من التتريك والتي تمثلت بالأمور الأتية:
1/ الإفتاء بحرمة دخول أبنائها الإمامية إلى المدارس الحكومية العثمانية.
2/ تأسيس المدارس الحديثة لتوفير فرص التعليم لأبنائها.
3/ جعل اللغة المعتمدة في التدريس هي اللغة العربية وبكافة المراحل.
4/السعي والحث على دخول أكبر عدد ممكن من الطلاب إلى المدارس.
5/جواز صرف الحقوق الشرعية على المدارس.
________________________
1ـ ينظر، القمي، عباس، الكنى والألقاب، ج3، ص222.
2ـ ينظر، الشجيري، أحمد عبد الرسول جبر عباس، الموسوعة الشاملة لشخصيات عراقية معاصرة، ص686.
3ـ مهدي عبد المهدي، شيعة العراق بعيداً عن الطائفية، ص251.
4ـ ينظر، ماجد الغرباوي، الشيخ محمد حسين النائيني، ص41.
5ـ ينظر، محمد الحسيني الشيرازي، تلك الأيام، ج1، ص3.
6ـ ينظر، الأمين، محسن، أعيان الشيعة، مج5، ص305.
7ـ ينظر، عبد الكريم آل نجف، مجلة التوحيد، العدد 75، السنة 13، ص164.
8ـ ينظر، محمد حرز الدين، معارف الرجال، ج2، ص233.
9ـ ينظر، الأصفهاني الكاظمي، محمد مهدي، أحسن الوديعة، ج1، ص129.
10ـ ينظر، محمد حرز الدين، مصدر سابق، ص234ـ237.
11ـ ينظر، غالب الشابندر، التحولات الفكرية والسياسية في العراق خلال القرنين الأخيرين، مجلة الفكر الجديد، مجلة فصلية، العدد الأول، السنة الأولى، ص167ـ173.
12ـ ينظر، زكريا سليمان بيومي، قراءة إسلامية في تاريخ الدولة العثمانية، ص188.
13ـ ينظر، شكري محمود نديم، العراق في عهد السيطرة العثمانية، ص91.
14ـ ينظر، عبد الكريم آل نجف، الإمام المجدد السيد محمد حسن الشيرازي، مجلة التوحيد، العدد 75، السنة13، 1995م، ص169.
15ـ علي الروزدري، تقريرات آية الله المجدد الشيرازي، ج1، المقدمة، ص43.
16ـ ينظر، كلمة المرجعية العليا في النجف الأشرف، إعادة افتتاح المدرسة الجعفرية في سامراء، HTTPS://IRAQ.SHAFAQNA.COM. 17ـ ينظر، محمد جواد مالك، شيعة العراق وبناء الوطن، ص191.
18ـ ينظر، الأوردبادي، محمد علي الغروي، موسوعة العلامة الأوردبادي، ج11، ص38.
19ـ ينظر، كلمة المرجعية العليا في النجف الأشرف، إعادة افتتاح المدرسة الجعفرية في سامراء، HTTPS://IRAQ.SHAFAQNA.COM
20ـ ينظر، توفيق علي برور، العرب والترك في العهد الدستوري العثماني، ص81.
21ـ ينظر، يوسف عز الدين، الشعر العراقي أهدافه وخصائصه في القرن التاسع عشر، ص23.
22ـ عبد الله فياض، الثورة العراقة الكبرى، ص86.
23ـ ينظر، ن.م، ص88.
24ـ ينظر، حسن الحكيم، المفصل، ج7، ص36.

اخترنا لكم

النهوة وأثرها السلبي على واقع المجتمع

تعاني كثيرٌ من المجتمعات من سلوكيات جمعية سلبية ترثها الاجيال أباً عن جد وتدخل ضمن الاطر العرفية للعشيرة ولا يمكن أو يصعب كثيراً على أحد افراد العشيرة الوقوف امامها ومقاومتها ، لأنه قد يواجَه بأن يتم استبعاده وطرده من العشيرة ، وهذه الاعراف والعادات الموروثة تكون في اغلب الاحيان ظالمة ومجحفة في حق مجموعة معينة من البشر وخصوصا النساء ، ويكون هذا الظلم منذ اول ساعة تخرج فيه الى عالم الدنيا متمثلة بالنظرة الدونية اتجاهها وعدم الرغبة بها. فاغلب الاهل ينتظرون المولود الذكر ولا يرغبون بالأنثى ( واذا بشر احدهم بالأنثى أسود وجهه وهو كظيم ) والتباهي بالذكور سمة الكثير من الناس اصحاب المفاهيم الخاطئة. والرفض وعدم القبول الذي تلاقيه بعض الفتيات منذ سنيّها الاولى يجعلها تنظر لنفسها على انها كائن ناقص ويدفعها الى احتقار المجتمع الذكوري وأعرافه الجائرة. واذا صدر خطأ بسيطا منها فإنها ستلاقي اقسى العقوبات فالخطأ الذي يصدر منها يختلف عن الخطأ الذي يصدر من الرجل وان كان من نفس النوع. فنرى كثيرا من العادات الاجتماعية والظواهر السلبية التي تدل على التخلف الاجتماعي وتردى مستواه الثقافي كظاهرة ( النهوة ) على الفتاة من قبل اولاد عمها ، وهي منع الفتاة من الزواج الا بموافقة اولاد العم ، والهدف هو إخضاعها واذلالها من اجل القبول والزواج بأحد اولاد عمها وان كانت لا ترغب بالزواج منه، واذا رفضت ذلك فان مصيرها العنوسة الى الأبد، ليكون التسلط الذكوري يمنعها من التمتع بأبسط حقوقها الانسانية والشرعية. والسبب الاول في انتشار هذه الظواهر المنحرفة هو قلة الوعي والثقافة وقلة التدين والبعد عن الله تعالى. والحل هنا هو بالرجوع الى الفطرة السليمة والاحتكام الى قانون الله عز وجل الذي يحفظ حقوق الافراد نساءً ورجالا... وهذا التسلط سيخلق جيلا من النساء العوانس مما يؤدي الى اشاعة التخلف ورسوخه عبر الاجيال، وعدم حفظ خصوصية الاسرة بسبب تدخل اولاد العم والعشيرة فيما لا يعنيهم. ومن الأسباب الي تدفع ببعض الافراد في فرض تسلطهم وجهلهم هو ضعف شخصية الاباء وخضوعهم لقانون العشيرة وسطوتها، واذا ما حاولوا المقاومة والمواجهة فانهم يقعون تحت سلسلة جلد تبدأ بعدم قبولهم من قبل افراد العشيرة، لذلك يستسلم الاغلب منهم مضحيا بحقوق بناته في تقرير مصيرهن ويرضخ تحت مظلة جبروت العشيرة وقوانينها! ويستمر سلب حقوق المرأة تحت راية النهوة وعادات العشيرة الخاطئة من اجل السيطرة على المرأة وتسييرها وفقا لرؤيتهم ورغبتهم من اجل استغلالها والتلاعب بها كيفما يشاؤون ويشتهون. ويتم التعامل مع ذلك الكائن -الذي اوصانا به امير المؤمنين علي عليه السلام عندما قال: المرأة ريحانة وليست بقهرمانة- بهذا الشكل الذي يؤدي الى ظهور مشاكل نفسية عديدة في شخصيتها، ابرزها: فقدانها لثقتها بنفسها وعدم استطاعتها على قيادة اسرتها لأنها تفتقد التقدير الذات وتعاني من عدم احساسها وشعورها بقيمتها الذاتية مما يفقدها مركزها ومكانتها المهمة في اتمام عملية التوازن المجتمعي. وتخضع الكثير من النساء الى اساليب القهر والاستسلام وتصدق بانها مخلوق خلق من اجل تقديم الخدمات للرجل فهي مجرد خادمة وعاملة ليل نهار من اجل إسعاد الرجل دون إسعاد نفسها ، ودون الحصول على حقوقها من الاحترام والتقدير فهي كائن مقهور لاحول له ولا قوة! هذه الاساليب التسلطية تخلق جيلا متسلطا ضد الأم والزوجة والأخت مما يضعف كيانها ويبدد احلامها...

اخرى
منذ سنة
450

ميلادُ عِلمٍ

بقلم: أم قنوت أجهزةٌ جذابةُ الملمس بكبر حجم كف اليد، تلامسها الأصابع بلا انقطاع، نتسمّر أمام شاشاتها بحثاً عن علمٍ، أو عن ما يجلب الندم! إن هذه الأجهزة التي بين أيدينا ستشهد علينا في يوم الحساب، فيا تُرى هل ستكون حجةً لنا أم علينا؟ كبسةُ زرٍ واحدة كفيلةٌ بتعليمنا ما نجهله، وما أكثر ما نجهله!! لقد روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قوله: "العلمُ أكثرُ من أن يُحاط به فخذوا من كلّ شيء أحسنه" (١). سطورنا هذي تحاول أن تنقلك إلى عالمٍ تقني قد خفي عنك في زحام ضجيج عالم التواصل الاجتماعي، بما يحويه من مشاحنات وصخب... أنتَ، وأنتِ؛ يا من تجلسان في الصفوف الخلفية تتفرجان على موت عِلْمِكما السريري، ما زال الوقت في صالحكما، فأنتما تستطيعان أن تبدآ في أي عمرٍ كان ومن داخل حجرتكما الصغيرة البسيطة، لا تستصعبا الطريق؛ فتحسنٌ بسيط مستمر سيثمر ما يحلو لكما من العواقب. سنقسم العلوم في هذا المقال الى فرعين فقط وهما: العلوم الدينية، وغيرها؛ ويندرج تحت الفرع الأخير مئات التخصصات، وسنستخدم مفهوم التعلّم الذاتي، وهو عملية أخذ المعلومات، ومعالجتها وفَهمها، والاحتفاظ بها، ثم المداومة عليها دون الحاجة إلى شخص يقوم هو بمعالجتها عوضًا عنك وشرحها إليك (٢) لا شك أن أول سؤال سيتبادر إلى ذهن القارئ هو: من أين أبدأ؟ أو ماذا أختار؟ وهنا لكَ ولكِ نصيحة: لا يوجد من هو أعلم منك بنفسك؛ فخلوةٌ صغيرة مع قلمٍ وورقة تُنزل فيها كل ما تتمنى تعلمه على هيئة عصفٍ ذهنّي كافية لتعرف ما تجهله. نعم اكتب واكتب ولا تخجل من جهلك: أريد أن أتفقه في ديني، أن أتعلم القراءة الصحيحة للقرآن الكريم، أن أفهم معانيه، أن أتعلم سيرة أهل البيت (عليهم السلام)... أن أطور من لغتي الإنجليزية، أن أتعلم المحاسبة، أن أتعلم كتابة مقال... اكتب واكتب وستندهش، ثم اهدأ واسترح استراحة المقاتل، ثم أجب عن هذا السؤال: وهل يُعقَل أن تتعلم كل هذا الكم من المعلومات في فترةٍ وجيزة؟ بالطبع لا، راجع ما كتبت مرة ومرتين وثلاثًا، ثم اختر ثلاثة أمور فقط تود أن تتعلمها في فترة وجيزة تحددها أنت، وبعد الانتهاء خذ ثلاثة غيرها، وهكذا... ستجد نفسك قد تعلمت الكثير خلال فترة قصيرة وستجد أن الهمة والنشاط والإنجاز ملازمك على الدوام، فضلاً عن فتح أبواب جديدة لرزقك. الآن، بعد أن حدّدت أولوياتك التعليمية، انطلق متعلمًا بالطريقة التي تحب أن تتعلم بها، استغل كل الأجهزة التي سخرها الله سبحانه وتعالى لك؛ هاتفك وجهازك اللوحي وجهاز الحاسوب وكل ما تملك... اقرأ مقالاً أو كتاباً، اسمع محاضرة، لخّص ولخّص، فرّغ من وقتك وأخلِص، استعن بالمنصات التعليمية المجانية والمدفوعة، فهي تحتوي على دروس في أغلب العلوم، كل ما عليك هو أن تبحث عنها في محرك البحث... أما العلوم الدينية، فاتبع من هو أمين عليها، واطلب النصيحة ولا تخجل، واستعن بالله العلي العظيم قبل البدء بتعلّم أي علم مما سبق ذكره، ثابر وابذل الجهد، كن زيناً لأئمتك، وسفيراً لدينك، فأنت قادر على ذلك، فقط ابدأ اليوم واجعل من يوم ميلاد أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم ميلاد لعلمٍ ينفعك. ___________________ ١- عيون الحكم والمواعظ، علي الواسطي. ٢- https://www.sasapost.com/self-learning/

اخرى
منذ 10 أشهر
306

نجوم عاشورائية (9)

بقلم: يا مهدي أدركني أسرار الدعاء يوم عاشوراء لما نظر الإمام الحسين (عليه السلام) إلى جيش يزيد يوم العاشر من محرم، رفع يده الى السماء وقال: اللهمّ، أنت ثقتي في كلّ كرب، ورجائي في كلّ شدّة، وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة وعدّة، كم من همٍّ يضعف فيه الفؤاد وتقلّ فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدوّ، أنزلته بك وشكوته إليك، رغبةً منّي إليك عمَّن سواك فكشفته وفرّجته، فأنت ولي كلّ نعمة ومنتهى كلّ رغبة. لو وقفنا نتأمل قليلًا في كلمات الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) لطال الوقوف عليها، ففي كل كلمة بحر من المواعظ والدروس والعبر، هكذا هو خط الرسالة، رضا وتسليم وعشق لذات الله المقدسة، فما هو سر تمسك الأنبياء والأولياء بالدعاء؟ ابتداءً علينا أن نفتش في كتب اللغة عن معنى الدعاء. الدعاء مصدر من مادة (دعو) فيقال: دعوتُ الرجلَ، وهو الميل له بصوت وكلام. أما الدعاء في الدين، فهو بمعنى بالميل والرغبة الى الله تعالى، ويكون أما لنزول الخير أو لكشف الضُر. وقد أمر الله تعالى عباده بالدعاء في كتابه الكريم فقال (عز من قائل) (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (1)، وقال (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ، أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ، فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (2) ونهى عباده عن الدعاء والطلب من غيره (جل وعلا) فقال (وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ، فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ) (3). نخلص الى أن الدعاء هو من الأمور المحمودة إذا كان العبد يميل ويتذلل ويرغب الى خالقه، وفي الطرف المقابل نجد أنه من الأمور المَعيبة التي نهى الله تعالى عنها عباده فيما إذا كانت لغيره (جل وعلا)، وفي هذا الأمر فائدتان -أخلاقية وعقائدية- في آن واحد. أما الأخلاقية: فإن الله تعالى أودع في داخل الإنسان قوى متعددة، فإن أحسن استعمالها ارتفع في سلم الكمالات، وإلّا فإنه يقع في شراك إبليس، ومن أخطر هذه الأمور هو (الكبر) الذي هو في قبال الذل، فإن دعاء الرجل لغير الله (عز وجل) مذلة له، حيث إن من يدعوه إن كان صالحًا فقد كان عليه أن لا ينتظر من أخيه المسلم أن يريق ماء وجهه وعندها فلا حاجة للدعاء والتوسل بل يبادر فورًا في قضاء حجاته قبل أن يسأله، وأما إن كان غير ذلك فعندها سيذل ذلك الرجل، وهو سلوك غير أخلاقي، فإن الله تعالى كرم النفس الإنسانية بصورة عامة والمؤمنين بصورة خاصة. أما العقائدية: فهي التأكيد على أنه ليس هناك موجود قادر على تلبية أو تحقيق مطلبك غير الله تعالى، فمهما بلغ ذلك الشخص الذي تدعوه من القوة والسلطة إلّا أنه في ذاته محتاج الى الله تعالى بل هو غير قادر على دفع المرض عن نفسه فكيف يدفع عنك، ففرعون -الذي ادعى الربوبية- لم يستطع أن يشفيَ ابنته الوحيدة التي كانت تعاني من مرض عضال، فنحن محتاجون في أصل وجودنا واستمراره الى الله (جل وعلا)، أما ما نقوم به من قضاء حوائج الناس فما نحن فيها إلا أسباب وضعها الله تعالى، وقد أمر الله تبارك وتعالى أن نتمسك بالأسباب، فنحن مجرد أسباب تسخر لقضاء حوائج الآخرين ولا يمكن أن نستغني عن هذه الأسباب ولكن يجب أن نثبّت بأن هذا السبب هو بتسخير منه (جل وعلا). فالدعاء هو أمر متعلق بالذات المقدسة فقط ومنحصر بها، وهو أمر قد أكد عليه القرآن الكريم من خلال سرد قصص الأنبياء والصالحين وكيف أن الإنسان بعد أن تُغلق عليه الأبواب جميعها لن يجد أمامه سوى هذا الباب الذي لا يغلق أبدًا، وهو باب الرحمة الإلهية والرجاء به (جل وعلا)، وأعتبر أن القنوط من رحمته إثمًا عظيمًا، وذلك لما ينطوي تحته من اعتقاد ملوث بكون الله تعالى غير قادر على تحقيق مراد هذا الفرد وحاشا الله تعالى، فإنه (جل وعلا) هو القادر على كل شيء، ولكن قد يمسك الله تعالى الدعاء ويؤخر الإجابة وذلك لمصلحة وحكمة لا يعلمها العبد، فعن الإمام زين العابدين (صلوات الله وسلامه عليه) قال: المؤمن من دعائه على ثلاث: إما أن يدخر له، وإما أن يعجل له، وإما أن يدفع عنه بلاء يريد أن يصيبه. (4) فقد يمنع الله تعالى الإجابة لعدة أسباب منها: الأول: حيث إن الدعاء هو خطاب موجه من العبد الى ربه فلا بد له من آداب على من يريد أن يحصل على الإجابة أن يلتزم بها، وقد ذكرتها روايات أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم) ونذكر البعض منها على نحو العجالة: 1- البسملة أي أن يبتدأ المؤمن بقول (بسم الله الرحمن الرحيم). 2- الصلاة على النبي محمد وعلى آله الطاهرين والختم بها أيضًا، فإنها مجابة، وإن الله سبحانه وتعالى يستجيب ما بينهما كما ذكر في الروايات الشريفة. 3- الحمد والثناء على الله تعالى، وهذا ما نجده في أغلب أدعية المعصومين (صلوات الله وسلامه عليهم). 4- التوسل بالصالحين. 5- الإقرار بالذنب، والتضرع والتذلل له (جل وعلا). 6- اختيار الأزمنة والأمكنة التي هي من مظان إجابة الدعاء. 7- تقديم الدعاء للآخرين على الدعاء للنفس. 8- وحسن الظن بأن الله تعالى سيستجيب الدعاء. وهناك أمور أخرى كثيرة يطول المقام فيها، فإن التزم العبد بهذه الأمور فقد حقق بعضًا من شروط إجابة الدعاء. (5) الثاني: هناك بعض الأمور التي تحجب الدعاء وتمنع الإجابة فتكون عائقًا من إيصال الدعاء ومنها: أولًا: الذنوب، فإن أذنب العبد بعد أن دعا الله تعالى أمسك الله عنه لذنبه فعن أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) أنه قال: "لا تستبطئ إجابة دعائك وقد سددت طريقه بالذنوب" (6) وفي دعاء كميل المروي عن أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) يقول: (اللهم اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء) فهنا إشارة منه (صلوات الله وسلامه عليه) على أن هناك ذنوبًا معينة تكون كالأغلال التي تقعد بالدعاء وتمنع من ارتفاعه واستجابته، وقد سُئل الإمام الصادق (صلوات الله وسلامه عليه) عن تلك الذنوب فقال: "سوء النية والسريرة، وترك التصديق بالإجابة والنفاق مع الإخوان وتأخير الصلاة عن وقتها". وهنا لا بد أن نشير إلى أن المؤمن يجب أن لا يستصغر الذنوب وإنما عليه أن ينظر إلى من يعصي وإلى عظمته، فمهما كان الذنب صغيرًا إلّا أنه قد يتحول إلى ذنب عظيم لعظمة الخالق، وعلى المؤمن أن يجنب نفسه من الصغائر لأنها مع الإصرار والتكرار ستكون كبيرة كما هو مشار إليه في روايات أهل البيت (عليهم السلام). ثانيًا: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: إن الدين الإسلامي متكون من ثلاثة محاور أساسية وهي: أصول وفروع وأخلاق، وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروع الدين ولكن للأسف نجد الكثير ممن يتهاون ويستخف بهما، على الرغم من أن لهما ذات الأهمية التي لبقية الفروع الأخرى، ومن يتركهما وهو قادر على الإتيان بهما فإن له عقوبة معجلة في الدنيا قبل الآخرة، فقد روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "إذا لم يأمروا بمعروف ولم ينهوا عن منكر ولم يتبعوا الأخيار من أهل بيتي، سلط الله عليهم شرارهم، فيدعوا عند ذلك خيارهم فلا يستجاب لهم" (7) لذلك فإن الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) وقف بوجه المنكر وأمر بالمعروف وبذل في ذلك نفسه وأولاده وأصحابه حفاظًا منه على الدين من الاندثار. فالدعاء إذن هو الصلة الرابطة بينه وبين خالقه، وإن له أثرًا في نفس العبد حتى وإن لم يستجب منه، إذ سيستشعر وجود الرب قريبًا منه، فهو ليس بحاجة إلى رفع صوته بل تكفي المناجاة في عتمة الليل لينسج من تلك الهمسات المختلطة بدموع الاستغفار كلمات يستنير بها قلبه وتقوّيه على الثبات في طريق الحق، كما قال الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) في دعائه يوم عرفه (ما ذا وجد من فقدك؟ وما الذي فقد من وجدك؟ لقد خاب من رضي دونك بدلًا)، فبتأمل بسيط لهذا المقطع من دعاء الإمام (عليه السلام) نجد السبب المهم الذي كان وراء وقوفه (عليه السلام) بقوةٍ وإباء لم يخشَ ضخامة الجيش أمامه لأنه على يقين من أنه مع الله (جل وعلا)، وأنه على الحق، فمهما اشتدت الظروف وكثر الظلم والجور عليه، إلا أنه كان يعلم بأن كل ذلك بعين الله تعالى، لذا نجده في كل حركاته وسكناته، ابتداءً من انطلاقه من المدينة وحتى عند لفظ أنفاسه الأخيرة ظهيرة عاشوراء كان لسانه يلهج بالدعاء، هائمًا بذكر الله تعالى منشغلًا عن آلامه شوقًا لملاقاته. إن قوة العبد المؤمن تكمن في قربه الدائم من ربه وخالقه، فلو كان للإنسان شخص يحبه ويمتلك من القوة الجسدية والاجتماعية التي تجعل الناس تهابه وتخشاه، تجد ذلك الإنسان يستمد القوة منه فيما إذا تعرض لموقف ما، كما هو الحال عندما يتوجه الطفل الصغير الى حضن والديه عند تعرضه لأمر ما، فكيف إذا كان المؤمن على علاقة متينة مستمرة بالقوي العزيز، لذا نجد هناك تأكيدًا على الدعاء وأنه سلاح الأنبياء والصالحين، وأن الله تعالى ليحب صوت عبده المؤمن حين يناجيه، وملائكة السماء تستأنس بصوته وتألفه لأنه يدعو الله تعالى في الشدة والرخاء، فإن الحاجة الى الدعاء ليست فقط لقضاء حاجة أو رفع بلاء، بل إن الحاجة إليه أعظم من ذلك فإن أردت -أيها المؤمن- أن تدوم النعم عليك فلا تنقطع عن مناجاة ربك. في الختام نقول: ليس هناك إلزام بأن يكون الدعاء بصيغة معينة خاصة، بل لك أيها المؤمن أن تدعو بما شئت، وكلما اقترب العبد من ربه وعرفه حق معرفته دعاه بلسان أجمل، إلا أن الدعاء حيث إنه مفتاح الإجابة، فينبغي أن يكون من حيث مصدره المعصوم، وليس هناك من يعرف الله تعالى أفضل من أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم)، لذا فمن أراد أن يتقن الدعاء ويضمن الإجابة ويستلذ بتلك المناجاة فليغرف من ينابيعهم وينهل منها، فإن كلامهم نور يضيء القلوب حتى وهم في أحلك الظروف وفي أصعبها، فما أجملها من كلمات ختم بها سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه) حياته: اللهم متعال المكان عظيم الجبروت شديد المحال غني عن الخلائق عريض الكبرياء قادر على ما تشاء، قريب الرحمة، صادق الوعد، سابغ النعمة، حسن البلاء، قريب اذا دُعيت، محيط بما خلقت، قابل التوبة لمن تاب إليك، قادر على ما أردت، تدرك ما طلبت شكور إذا شُكرت، ذكور إذا ذُكرت، أدعوك محتاجًا وأرغب إليك فقيرًا، وأفزع إليك خائفًا وأبكي مكروبًا، وأستعين بك ضعيفًا وأتوكل عليك كافيًا، اللهم أحكم بيننا وبين قومنا فإنهم غرونا وخذلونا وغدروا بنا وقتلونا ونحن عترة نبيك وولد حبيبك محمد بن عبد الله الذي اصطفيته بالرسالة وائتمنته على الوحي، فاجعل لنا من أمرنا فرجًا ومخرجًا يا أرحم الراحمين. _______________ 1- سورة غافر، آية (60). 2- سورة البقرة، آية (186). 3- سورة يونس، (106). 4- تحف العقول-ابن شعبة الحراني- ص280. 5- منقول من شرح الشيخ حسين الأسدي لدرس عقائد الإمامية، (عقيدتنا في الدعاء). 6- غرر الحكم. 7- آمالي الصدوق، 254/2.

المناسبات الدينية
منذ 3 أشهر
206

التعليقات

يتصدر الان

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
26517

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
26230

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
26043

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
25907

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ سنة
11953

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
11279