تشغيل الوضع الليلي

آمنة بنت الهدى .. رمزٌ لامرأة نصرت حسين عصرها

منذ سنة عدد المشاهدات : 643

بقلم: حنان الزيرجاوي
كانت الطالبات في داخل الصف بانتظار مدرستهن المحبوبة لديهن.
نعم، مدرسة التربية الإسلامية التي اعتادت الطالبات على بسمتها الجميلة وكلماتها الدافئة وهي تنصح هذه وتلاطف تلك وتغضب أحيانًا ولكن حتى غضبها محبب لديهن لأنها تعرف ما تعاني كل واحدة وتساعد من تحتاج المساعدة في رأي أو مشورة.
كُنّ في الانتظار وأعينهن تربو صوب باب الصف، فدخلت عليهن وأدّت تحية الإسلام التي دأبت عليها مع طالباتها.
ولكن هناك شيئاً غريبا يحدث اليوم!
فالحزن والوجوم قد وشح وجهها.
هنا بدأت كل واحدة تهمس مع الأخرى.
وإذا بصوتها الحنون الذي ينساب إلى أسماعهن كماء رقراق عذب يوقف الهمسات، يوقف كل حركة داخل الصف.
بناتي العزيزات...
حبيباتي الغاليات...
أعلم بما تتهامسن به، نعم أعلم
ولكن لأقطع عليكن تلك السلسلة من الأفكار والتساؤلات واشبع لديكن هذا الفضول.
من منكن تعرف أي ذكرى أليمة تمرّ علينا اليوم؟
أجابت فاطمة وهي تكاد تنزل الدموع من عينيها: اليوم ذكرى استشهاد سيدة نساء العالمين مولاتي فاطمة الزهراء (عليها السلام).
أحسنتِ عزيزتي أحسنتِ.
إذن هذا سبب حزني، سبب وجومي، سبب ألمي
إذن سنجعل درس هذا اليوم عن سيرة فاطمة الزهراء (عليها السلام).
عن عبادتها عن زهدها عن عفتها عن جهادها ونبحث ونقلب صفحات التاريخ ونسبر أغواره لنقتدي بمن سارت على نهجها لنعرف من ارتبطت بها.
لقد كانت مولاتنا الزهراء (عليها السلام) مثالًا في كل شيء لمن تبحث عن القدوة.
وهنا سألت إحدى الطالبات: اسمحي لي...
تفضلي عزيزتي.
كيف تجرأ القوم على ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ كيف، وكيف؟
إنه النفاق عزيزتي، إنه الانقلاب على الأعقاب.
أستاذتي.
نعم: زينب، تفضلي.
آه، آه…
اسمك يا زينب بهيج آلامًا
اسمك زينب واسم أبيك علي، أليس كذلك؟
نعم... نعم أستاذتي.
فنزلت دمعة من عين المدرسة وهي تحاول أن تخفيها عن طالباتها، ولكن اختناق صوتها فضح ما أرادت أن لا تظهره، فشاركتها بعض الطالبات بأن انسابت دموعهن كاللؤلؤ يتناثر صفائح بيضاء نقية.
حاولت أن تعيد جو الصف الطبيعي... فأشارت إلى زينب، قائلة: نعم زينب تفضلي يا بنتي...
ماذا كنتِ أن تريدين قوله؟
استاذتي...
نعم...
هل هناك نساء في عصرنا شابهت مولاتنا الزهراء (عليها السلام) أو مولاتنا زينب (عليها السلام) في بعض مواقفها؟
بوركتِ عزيزتي...
بوركت من تتخذ الزهراء أو زينب قدوة لها لابد أن يظهر ذلك على كل مواقفها.
عزيزاتي...
سمعتن سؤال زينب؟
من تذكر لنا مثالًا لامرأة شابهت الزهراء (عليها السلام) أو مولاتنا زينب (عليها السلام)؟
مَن مِن نساء عصرنا تركت أثرًا؟
أجابت سندس: نعم استاذتي نعم...
تفضلي عزيزتي...
إنها بنت الهدى شقيقة الشهيد الصدر.
وكيف عرفتِ ذلك؟
ومن هي هذه المرأة؟
استاذتي...
لقد جمعنا أبي يومًا أنا وأخواتي الثلاث، وبدأ يحدثنا ويسدي لنا النصائح، ومن ضمن كلامه قال: من تريد أن تنجح في حياتها وتفوز بآخرتها لابد أن تقتدي بمولاتنا زينب (عليها السلام) أو تقتدي ببنت الهدى.
فاستغربنا من ذكر هذا الاسم الذي لم نألفه.
فبادرت أختي لسؤاله: ومن هي بنت الهدى؟
فتنهّد أبي طويلًا وقال: رحمك الله رحمك الله يا بنت الهدى.
عزيزاتي...
إنها شقيقة السيد محمد باقر الصدر، هذه المرأة المجاهدة العابدة الزاهدة التي آلت على نفسها إلا أن تشابه موقفها موقف زينب مع الحسين...

اخترنا لكم

قمرٌ وشمس

بقلم: آمال الفتلاوي يقول (قمر) ليلة الحادي عشر من المحرم: على أجنحة الليل المشؤوم... لملمَ خُطاها الحُزن الأليم... بثقل المُصاب قادتهُ أقدامها... مشت، فكبت، قامت، وهوت... تصدّع الليل لشكواها الحزينة: (هل صار حلمًا يا تُرى؟ هل فارقتُ عبادتي قسراً؟) (1) تحدّر الدمع من خدي على وجلٍ... لئلا أعكر صفو مَن لأحزانها تحمل... قالت لي بعد أن سقطت مني عليها دمعة بلون الدم لم تزل: (أيا قمرًا، كن شاهدًا على ليلي البهيم...وظلامه الذي به أُشغل...إني أفتش عن شمس إلى أرض الطفوف هوت... لا تغيب أنوارها ولا تأفل... وعن قمر يشبه طلّتك، ولكن عذراً فهو الأجمل.. في كفيه خبا وهج الماء وانطفأ)... بعد هنيهة عادت تسألني: كيف لشمس أن تشرق على أرض بلا حسين؟! ألا تخجل؟! ألا تأفل؟! ألا تأمل شفاعة المختار جدّي ساعة المحشر؟! .............................. (1) (إن النظر إلى الإمام عبادة) (الشمس): بدتْ خجلى، بدتْ حسرى، بدت بدموعها ثكلى... تلاحق الأفلاك في عجل، تبغي الأفول عن الدنيا... بعد الطف لم تطلع ولم تشرق على أرض... يمشي عليها للمصطفى ولدٌ... عشق الصلاة صبابة، وهوى القرآن تهجدا... أقام للدين أعمدة، حليف البرّ والتقوى... تقول الشمس في وجل، وفي خجل، وطرفها في الأرض ما رُفِعا: تعاتبني بنت الزكية، يا ويلتي، واخجلتاه، وا خجلا... يا بنت الطيبين، اسمعي مني، لست للأعذار مختلقة... قلبي تصدّع للمصاب تأسفًا وتألمًا وتفجعًا... إذ قلت للمذبوح: يا سيّدي ائذن لي بالأفول مجدّدا... فلا أحمل هموم مصاب الطف، وأحرق قلبك بالجوى... أبى، وقال لي: يا شمس، أحرقي بشعاعك ما ترين من جسدي... فلقد آليتُ أن أفتدي شيعتي من اللّظى...

اخرى
منذ سنة
1789

اليميــــن

اليمين هو الحلف، وسمّي كذلك لأن من يُقسم غالباً ما يستخدم يده اليمين فسمي الفعل و هو الحلف باسم الآلة و هي اليد اليمين. والحلف أو اليمين من العادات المعروفة في ألسنة الناس و الموروثة جيلا بعد جيل، ولا يقتصر الحلف على لغة دون لغة . وتُبنى على اليمين الكثير من الأمور كدفع التهمة والحكم ببراءة الشخص مثلا. ويُركن إليه في موارد متفرقة كتطييب النفس وتأييد الخبر وما شابه. ولأهمية اليمين في الفصل في النزاعات فقد اعتنت بأمره القوانين المدنية، ولم تقصر استخدامها على ذلك وحسب، بل وأعطتها وجهة قانونية في بعض الموارد كحلف الرؤساء والوزراء والنواب بل وسائر الوظائف والمهن الأخرى كالطب والمحاماة وغيرها عند تقلد المناصب الهامة في الدولة. و أما الشريعة المقدسة فقد اهتمت به كثيراً، وقد وردت في تشريعه وبيان ماهيته وأحكامه الآيات الكريمة والروايات الشريفة. ولابد في اليمين من القصد وعقد العزم عليه لأن الأعمال بالنيات أولاً ولقوله (عز من قائل): " لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ " (1) , ولما روي عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال (الراوي): "سألته عن رجل حلف وضميره على غير ما حلف، قال: اليمين على الضمير" (2). وعليه فإذا تلفّظ شخص بلفظ اليمين دون قصد مسبق ودون وعي كاف، لم يكن ملزماً بتنفيذه… أقســــام اليميـــن: وقد اعتنى الإسلام بشأن اليمين اعتناءً خاصاً فشرع له تشريعاً خاصاً وسنّ للحنث ببعض أقسامه كفارة إذا كان القسم بالذات المقدسة خاصة؛ وذلك لرعاية حرمة المقام الربوبي، وأنواع اليمين هي : الأول: اليمين الغموس، وسمّي بهذا الإسم لأنه يغمس صاحبه بالنار ، و هو الحلف بالله (تعالى) كاذباً على أحداث ووقائع قد وقعت في الماضي . و من أقسامه شهادة الزور إن كانت مقترنة بالحلف، ويترتب على هذا الحلف الإثم فقط ولا كفارة فيه . الثاني : يمين المنعقد ، و هو الحلف على عدم فعل شيء معين، ويشترط في هذا الشيء أن يكون راجحاً عقلاً وشرعاً، وإذا حنث المكلف به -أي فعل ما حلف الامتناع عنه أو امتنع عما حلف القيام به- ثبتت عليه الكفارة والإثم معاً . الثالث : يمين المناشدة: وهو أن يحلف المكلف على قيام غيره بفعل، كأن يحلف على أن يدخل صديقه داره، أو أن يأكل من طعامه وشرابه، ولا يترتب على تخلف المقسوم عليه عن موضوع القسم أثم ولا كفارة لا عليه ولا على الحالف، وإن كان يستحب للمقسوم عليه الاستجابة والبر بقسم أخيه المؤمن، ويعتبر هذا النوع من اليمين من أكثر أنواع اليمين تداولاً بين الناس. الرابع : يمين اللغو: وهو اليمين الشائع بين الناس، كأن يقول الحالف به: والله ذهبت إلى المدرسة ، أو كأن يجيب من يسأله هل امتحنت؟ فيقول: والله إمتحنت ولكن يشترط فيه أن لا يكون بقصد اليمين، ولا كفارة على هذا اليمين، نعم يترتب عليه الإثم إن كان مخالفاً للواقع من باب الكذب. الأيمان المنهي عنها: نهى الدين الاسلامي المسلمين عن استخدام اليمين بالله (سبحانه) و ذلك توقيراً لله (جل شأنه)، إذ قال (سبحانه) : " وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لإيمانكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ "(3). ولايُفهم من سياق الآية الكريمة بالإضافة إلى سبب نزولها أن النهي مطلقٌ بل هو مختصٌ في: إولاً: اليمين الكاذبة سواء كانت في المحاكم لغرض الحكم في الدعاوى أو خارجها فقد روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) إنه قال: " اليمين الفاجرة تخرب الديار وتقصر الأعمار "(4) ، وعنه (صلى الله عليه وآله) أيضاً : " من حلف يمينا كاذبة ليقطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان "(5) ثانياً: ما كان مرجوحاً من الأمور، ولم يكن فيه بر أو تقوى أو إصلاح، كإن يحلف الزوج بعدم مقاربة زوجته، حيث يجب عليه نكث يمينه وإعطاء الكفارة والعودة إليها أو الطلاق، ويسمى هذا الحلف بالإيلاء، أو كالحلف على قطيعة رحم فقد سُئل الإمام (عليه السلام) عن امرأة جعلت مالها هدياً، وكل مملوك لها حراً، إن كلمت اختها أبداً؟ فقال (عليه السلام): "تكلمها وليس هذا بشيء، انما هذا وأشباهه من خطوات الشيطان" (6) ثالثاً: التألي على الله (تعالى)، فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه و آله): " أن رجلا قال يوما : والله لا يغفر الله لفلان . قال الله (عز وجل) : من ذا الذي تألى على أن لا أغفر لفلان ؟.. فإني غفرت لفلان ، وأحبطت عمل المتألي بقوله : لا يغفر الله لفلان "(7). رابعاً: كما ورد النهي عن اليمين (بغير ضرورة) ، كما روي عن الامام الصادق (عليه السلام) أنه قال: " لو حلف الرجل أن لا يحك أنفه بالحائط، لابتلاه الله حتى يحك أنفه بالحائط" (8) خامساً: وردت أحاديث في النهي عن اليمين صادقاً بالله إلاّ لضرورة كما روي عن الامام الصادق (عليه السلام)، أنه قال: "من حلف بالله كاذباً كفر، ومن حلف بالله صادقاً أثم، إن الله يقول: { وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ } ". (9) *أهم الشبهات في باب اليمين والقسم: وإتماماً للفائدة لا بد من التعرض إلى أهم الشبهات التي طرحت في موضوع اليمين و توضيح مفادها والرد عليها، حيث يتهم البعض من يحلف بغير الله (تعالى) بالشرك بالله (جل جلاله) مستنداً في حكمه هذا الى أمرين: الأمر الأول: إن الحلف بغير الله (تعالى) شركٌ به (عز و جل) ؛ لأن اليمين بغير الله (تعالى) إعظاماً للمُقسَم به و إجلالاً لأمره لابتناء معنى القسم على ذلك، وبالتالي ففيه نوع خضوع و عبادة له و هو شرك بالله (عز وجل) و قبل الرد على هذه الشبهة لا بد من توضيح حقيقة و هي إن اليمين الشرعي الذي له آثار شرعية في باب اليمين أو القضاء لا ينعقد بغير الله (سبحانه) كما هو مفصل في الفقه، وعليه ليس كلامنا فيه، وإنما كلامنا عن مطلق القسم بغيره (جل شأنه)، وللرد نقول: أولاً: إن التعظيم له درجات، فالمؤمن ينبغي عليه أن يعظم والديه ويجلهما، كما ينبغي عليه تعظيم معلمه وتعظيم الصالحين وتعظيم الأئمة والأنبياء (عليهم السلام) وأعلى درجات التعظيم التي لا يدانيها تعظيم مطلقاً هو تعظيم الربوبية المستقلة التي يستغني بها الرب عما سواه، وعليه فكل تعظيم لمخلوق لا يصل إلى هذه الدرجة الأخيرة الرفيعة هي جائزة طالما كانت تناسب شأنيته، وبالتالي فليس كل إعظام هو شرك بالله (تعالى). الثاني: إن الله (عز وجل) قد أقسم بكثير من خلقه كالسماء والأرض والشمس والقمر والكنس الخنس من الكواكب وبالنجم إذا هوى، و أقسم بالجبل والبحر والتين والزيتون والفرس وأقسم بالليل والنهار والصبح والشفق والعصر والضحى ويوم القيامة، وأقسم بالنفس، وأقسم بالكتاب والقرآن العظيم وحياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبالملائكة إلى غير ذلك في آيات كثيرة، ولا يخلو قسم من إعظام، فإن كان إعظام المقسوم به شركاً لكان كلامه (سبحانه) أولى بالتحرز منه وأحرى برعايته. الثالث: إن الله (تعالى) قد عظّم أموراً كثيرة في كلامه كالقرآن الكريم والعرش وخلق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال تعالى: "و القرآن العظيم"(10) ، وقال: "وهو رب العرش العظيم" (11)، وقال : " و إنك لعلى خلق عظيم" (12). بل و جعل للمؤمنين حقوقا على نفسه (سبحانه و تعالى) و عظمها واحترمها، قال (تعالى): "وكان حقا علينا نصر المؤمنين"(13)، فما المانع من أن نعظمها نحن و نجري على ما جرى عليه كلامه في مطلق القسم. الأمر الثاني: إن الإقسام بحق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و سائر الأولياء (عليهم السلام) يعد من الشرك بالله (تعالى) لسببين هما : السبب الأول: لأنه بمثابة إعطاء سلطة غيبية للمقسوم بهم على الله (تعالى) . و للرد على خصوص هذا السبب من الشبهة نقول : مما لا شك فيه أن إسناد السلطة الغيبية المستقلة عن الله (تعالى) إلى مخلوق من المخلوقات مهما عظم شأنه وإرتفعت مكانته لا يذعن بها مسلم موحد لله (تعالى) مؤمن بكتابه، وأما مطلق السلطة غير المادية التي لا تتم إلا بإذن الله فما الدليل على امتناع اتصاف بعض عباد الله بها كأوليائه مثلا. وقد نص القرآن الكريم على أن الله (تعالى) قد أسند فعلاً الكثير من السلطات الغيبية إلى الملائكة، كما في قوله (تعالى) : "حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون"(14) ، وقال أيضاً: " قل يتوفاكم ملك الموت"(15) ، بل وأسند أمر التدبير الى بعض الملائكة إذ قال : " والنازعات غرقا، والناشطات نشطا، والسابحات سبحا، فالسابقات سبقا، فالمدبرات أمرا "(16). و لم يقتصر الله (تعالى) في إعطاء السلطة الغيبية إلى الملائكة فقط بل وحتى إلى إبليس إذ قال (جل شأنه): "إنه يراكم هو وقبيله من حيث لاترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون"(17). ثم إن كانت الآثار المادية ثابتة لغير الله (تعالى) بإذنه فما الفرق بينها وبين الآثار غير المادية؟ فإن كان إثبات التأثير لغير الله ممنوعاً فلا فرق بعدئذ بين الأثر المادي وغيره، وإن كان جائزاً بإذن الله (عز وجل) جاز كل منهما بلا فرق. السبب الثاني : إنَّ المحلوف به يجب أن يكون أعظم من المحلُوف عليه، فلازم الحلف بالمخلوق على اللّه كونه أعظم من اللّه. و للرد على السبب الثاني نقول : أولاً : إنما يقسم المسلمون بشيء على اللّه (تعالى) لكون المقسوم به مُحترماً عند اللّه ومقبول الشفاعة والدعاء عنده، ولا يعني فيه إطلاقاً كونه أعظم من المقسوم عليه. ومن أطلق هذه الشبهة لم يفرق بين كون المقسوم به أكرم عند اللّه وبين كونه أعظم من اللّه. ثانياً : قد ورد في الصحاح والمسانيد طائفة من الروايات تضمنت القسم على الله (تعالى) بالنبي الأكرم (صلى الله عليه و آله) كما في : أ ـ ما رواه أبو سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) : «من خَرَج رجلٌ من بيته إلى الصلاة، فقال: اللهم إنّي أسألك بحقّ السائلين عليك وحقّ ممشاي ...» (18). ب ـ ما رواه البيهقي عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللّه ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) : «لمّا اقترف آدم الخطيئة قال: يا ربّ أسألك بحقّ محمّد إلاّ ما غفرت لي...»(19). *إحذروا كثرة الحلف: كثيرٌ من هم يقسمون على كل صغيرة وكبيرة في شؤون حياتهم، وكثرة الحلف والأقسام في كل أمر صَغُر شأنه أم عَظُم إذا دل على شيء إنما يدل على عدم احترام الحالف شيئاً مما يقسم به، وإذا كان حلفه بالله (تعالى) فهو لا يستشعر عظمة الله (جل جلاله) مهما كانت الأسباب، وقد حذّر الإمام الحسين (عليه السلام): عن كثرة الأقسام موضحاً الاسباب الداعية إلى ذلك حيث قال: "احذروا كثرة الحلف فإنه يحلف الرجل لخلال أربع: إما لمهانة يجدها في نفسه تحثه على الضراعة إلى تصديق الناس إياه، وإما لعي في المنطق فيتخذ الإيمان حشوا وصلة لكلامه، وإما لتهمة عرفها من الناس له فيرى أنهم لا يقبلون قوله إلا باليمين، وإما لإرساله لسانه من غير تثبيت "(20) و قد نهى الله (تعالى) عن أن يكون المسلم حلّافاً، قال (تعالى): " وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) " (21) . والحلّاف صيغة مبالغة من الحلف أي كثير الحلف، وغالباً ما لا يتسم هذا النموذج بسمة الصدق، ولذا فهو يحاول أن يطمئن من حوله بصدق حديثه من خلال توكيده بالحلف والقسم، ومن لا يتسم بالصدق فهو بلا شك مُهان و مُحتقر في نظر نفسه وفي نظر من حوله لذا وصفه (عز و جل) بـالــ" مهين " من ( المهانة ) و تعني الحقارة والضعة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) البقرة 225 (2) وسائل الشيعة، ج16، ص179 (3) البقرة224 (4) عوالي اللآلي ج1 ص88 (5) المصدر السابق (6) مستدرك الوسائل ص43، ح6. (7) ثواب الاعمال ج10 ص15 (8) مستدرك الوسائل ج16 ص35و36 (9) ثواب الاعمال ج10 ص15 (10) الحجر 87 (11) ن 4 (12) التوبة 192 (13) الروم 47 (14) الأنعام 61 (15) السجدة 11 (16) النازعات 5 (17) الأعراف 27 (18) سنن ابن ماجة 1: 256، الحديث : 778 (19) مستدرك الصحيحين 2: 615 ، والدر المنثور 1:59 (20) مجموعة ورام ج2 ص122 (21) القلم 10 ــ 13

اخرى
منذ سنتين
8114

اعلموا أني فاطمة...

بقلم: رضا الله غايتي ما أن نغوص في التاريخ الإسلامي وما تضمنه من أحداث جسام، وما أن نطالع صفحاته وما جرى فيها من ظلاماتٍ على خير الأنام، من رزية الخميس إلى ما ارتكب من جرائم بحق سيدة النساء وبعلها إمامنا الهمام، حتى تكاد تتمزق قلوبنا ألماً وتمتلأ نفوسنا أسىً ونتساءل عجباً: أنّى لأفواههم أن تنسب الهجر إلى الرسول؟! أولم يقرؤوا "إن هو إلا وحيٌ يوحى"؟! وأنّى لأيديهم أن تجترح ما اجترحت من جرائم بحق الزهراء البتول؟! أولم يعلموا أن رضا الله مرهون برضاها؟! وأنّى لسائر المسلمين أن يصمتوا إزاء كل ذلك؟! أولم يفقهوا القرآن أن من عقر ناقة صالح واحدٌ ولكن الله (تعالى) عمّهم بالعذاب لما عمّوه بالرضا؟! وبينما القلب والهٌ محزون، والنفس قد عُجنت بمشاعر الحيرة والشجون، قادني حبي لها وأسفي لما جرى عليها إلى مطالعة ما ألقاه قلبها المكلوم، من خطاب تاريخي في مسجد أبيها لكل من القاصي والداني معلوم، علّني أجد جواباً لتساؤلاتي وردّاً على ما أثار عجبي وحيرتي وألْهبَ آهاتي، وما أن قرأت كلمات سيدتي ومولاتي المعصومة بنت المعصوم، حتى لاح لي الردُّ بنور كلامها الساطع الذي بدّد سحب العجب وأزال حيرتي: "اعلموا أني فاطمة".. عجباً سيدتي ومولاتي!! وهل يخفى البدر في الليلة الظلماء؟! وهل هناك مَن تدانيكِ بالشجاعة والبلاغة في جميع النساء؟! قرأتُ إنها قالت ذلك إلقاءً للحجة على القوم لئلا يتذرعوا بجهلهم بهوية المتحدثة! ربما.. فلطالما أنكروا البديهيات وخالفوا أوضح الواضحات.. ولكن أولم تكن مطالبتها بحقها في ميراث أبيها وفي فدك كفيلةً بتحديد هويتها؟!.. فهل نتعقل أن تأمر حجة الحجج بأمرٍ غير ذي بال أو ليس ذا شأنٍ عظيم؟ وأخيراً.. وجدتُ ضالتي، فبقولها: (اعلموا أني فاطمة) تأمر بمعرفتها تلك المعرفة التي تنفع العارف أيّما نفع وتضر التارك لها والمخالف. معرفة مؤثرة لازمة للإيمان وموجبة للطاعة والالتزام. آخذة بأعناق العارفين بها إلى جادة الصواب وتطبيق الشريعة بإحكام. كفيلة بحفظ المسلمين من الفرقة فضلاً عن حفظ الإسلام.. من هنا يتضح أن السيدة الزهراء (عليها السلام) حينما قالت: "اعلموا اني فاطمة" لم تكن قاصدة التعريف بنفسها ونسبها من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتلك معرفة واضحة للعيان ولا تحتاج إلى بيان أو برهان، وإنما كانت قاصدة تذكيرهم بسمو مقامها ورفعة شأنها وعلو منزلتها، تريد أن تذكرهم بما ورد عن مجاهد حين قال: خرج النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وهو آخذ بيد فاطمة، فقال: "من عرف هذه فقد عرفها، ومن لم يعرفها فهي فاطمة بنت محمّد، وهي بضعة منّي، وهي قلبي، وهي روحي الّتي بين جنبي، من آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله"(1) ويطلق على هذه المعرفة في حال وقوفها على الذهن فقط بالمعرفة التحقيقية النظرية وهي المعرفة المتحصلة من البحث عن ذاتها من خلال التعرف على سماتها والاعتقاد بأنها معصومة بالاستناد إلى ما قاله المعصومون في حقها، لاسيما سيدهم الخاتم (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين). وبما أن العصمة تدل على الحجية، واتباع الحجة مؤداه دخول الجنة وخلافه دخول النار، فإن هذه المعرفة النظرية لا تضمن الاتباع وإن كانت تدعو إليه؛ لأنها توجب على من وقف عليها الطاعةَ والالتزام عقلاً، ولكن قد يخالف ذلك سلوكاً في حال عدم الانقياد للعقل، وبالتالي فلا تعصمه من ارتكاب الذنوب والخطل عند القول والزلل عند الفعل. قال (تعالى):" وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْـمُفْسِدِينَ "(2) على حين أن المرتبة الأخرى من المعرفة تفعل ذلك؛ لأن الانسان يتلبسها ويتشرب بها فتنتقل من مجرد التحقيق الذهني إلى التشرب الروحي. أي تكون علاقة العارف بمن يعرف علاقة قلبية أو فؤادية لا مجرد علاقة ذهنية؛ ولذا كان لها الأثر الواضح في السلوك فضلاً عن الاعتقاد؛ لأنها تحوّل الإنسان العارف بها إلى وجود قويّ خيريّ محرّك لطاقاته باتجاه الكمالات ملتزماً جادة السداد، وبذا تستبطن الاتباع وتأخذ بعنق العارف بها نحو الطاعة والانقياد. وبالتالي تعصم صاحبها بالعصمة الصغرى(3) من الذنوب والعصيان، وتنقذه من العذاب والنيران، وتقوده إلى حيث النعيم والجنان. ويطلق على هذه المرتبة من المعرفة بالمعرفة التحققية وقد بلغها المخلَصون كسلمان المحمدي وأبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر والمقداد وأصحاب الإمام الحسين (عليه السلام). فإذا كانت معرفتها (سلام الله عليها) توجب هذه الدرجة من التقوى العالية والثبات على الحق ونصرته والاستشهاد دونه ونبذ الباطل ومقارعته، يتضح لنا مدى غربتها بين المسلمين يومئذٍ (روحي وأرواح العالمين لها الفداء). فقد روي عن فضة (رضوان الله عليها) عنها (عليها السلام):"رفعت قوتي، وخانني جلدي، وشمت بي عدوي، والكمد قاتلي، يا أبتاه بقيت والهة وحيدة، وحيرانة فريدة، فقد انخمد صوتي، وانقطع ظهري، وتنغص عيشي، وتكدر دهري، فما أجد يا أبتاه بعدك أنيساً لوحشتي، ولا راداً لدمعتي ولا معيناً لضعفي، فقد فني بعدك محكم التنزيل، ومهبط جبرائيل، ومحل ميكائيل. انقلبت بعدك يا أبتاه الأسباب، وتغلقت دوني الأبواب"(4) فإن كنا نعجب من التاريخ ونتحرّق ألماً لما جرى فيه، فإن فيه لعبراً يجدر بنا الالتفات اليها؛ لأنه ما انفك يعيد نفسه. فما أشبه اليوم بأمسه، وما أشبه ظلامة إمام زماننا المنتظر (عجل الله فرجه) بظلامة جدته الزهراء (عليها السلام). فهما معاً بالرغم من أنهما حجج الله على العباد فقد عاشا بغربة بسبب جهل المسلمين بمقامهما الرفيع السامي. وبالرغم من أن لهما الولاية على جميع الكون فضلاً عن البلاد فقد غُصِبَ حقهما ظلماً وجوراً وتجاوزاً على الحكم الإلهي. فما أشبه من أحرق الدار فقيل له: إن في الدار فاطمة فقال: وإن، بمن يتجاهر بالذنوب والمعاصي وهو يعلم أن إمامه ناظرٌ إليه محزون يئن!! ولم تكتفِ بضعة المصطفى وروحه (سلام الله عليها) بإلقاء الخطب، بل استنصرت المسلمين. ولكن لجهلهم بمقامها الشريف وشأنها المنيف لم تجدهم إلا عن نصرة الحق متخاذلين. كما روى ابن قتيبة إذ قال: "وخرج علي كرم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله على دابة ليلاً في مجالس الأنصار تسألهم النصرة، فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر، ما عدلنا به، فيقول علي كرم الله وجهه: أ فكنتُ أدع رسول الله صلى الله عليه وآله في بيته لم أدفنه. وأخرج أنازع الناس سلطانه؟ فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم"(5) موقفٌ تكلّ عن وصفه الأقلام، وتعجز عن استيعابه الأفهام، أ فميزان رضا الله (جل وعلا) يدعوهم فلا يستجيبون؟! ويستنصرهم فلا ينتصرون؟! أ فبالركون إلى أمانٍ مزيف لسخط الله (جل جلاله) يتعرضون؟! أم بالقليل من متاع الدنيا لأخراهم وحياتهم الأبدية يضيعون؟! ألمي عليكِ سيدتي.. ألمي عليكِ وعلى بعلكِ مولاي ومولى المؤمنين. ولأن العاقل لابد أن يجمع بين العَبرة والعِبرة، فإننا نعيش الغيبة الكبرى لإمامنا صاحب العصر والزمان(عجل الله فرجه)، فهل نحن ممن عرفنا مقامه العظيم وأدخل السرور على قلبه المقدس بالخير والإحسان؟ أم أننا ممن جهل قدره الجليل وأحزن قلبه المفجوع بمصاب جدته وآبائه (عليهم السلام) ــ والعياذ بالله ــ بالذنوب والعصيان؟ ومن المعلوم أن من المتوقع ظهوره المبارك بغتةً، فهل تُرانا أعددنا العدة لنصرته بمعرفته المؤثرة وبالتقرب إليه في كل آن؟! سؤالٌ لا بدّ له من جواب وكل منا " عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ . وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ "(6) [القيامة 14و15] "اللهم عرفني نفسك فانك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف رسولك اللهم عرفني رسولك فانك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك اللهم عرفني حجتك فانك إن لم تعرفني حجتك ظللت عن ديني ، اللهم لا تمتني ميتة جاهلية ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني" ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الفصول المهمة ص 146 (2) النمل 14 (3) العصمة الصغرى هي العصمة التي تكتسب بالتقوى العالية المتولدة من دوام الالتزام بالأحكام الشرعية مع مراعاة الاحتياط والابتعاد عن الشبهات. وهي غير العصمة الواجبة: عصمة الأنبياء والأوصياء وسيدة النساء (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين). (4) بحار الانوار ج43 ص175 (5) الإمامة والسياسة ج1 ص19

اخرى
منذ سنة
2298

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
61019

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
39828

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
36342

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
31279

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
30952

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
29522