تشغيل الوضع الليلي

عبس وتكبر

منذ سنتين عدد المشاهدات : 424

عبس وتكبر .
وفيه اعتلى الكبر ..
وفينا الوجع يا بشر ..
صغر أم كبر ..أقبل أم أدبر..
إنها حكايا لا تسر ..
.بين ثنايا فكاك الأشر ..
لحمهم من طين مسنون لحجر . .
نضج في رحم بشر ..
أعمى وبعدها أبصر ..
.وكل عينيه لاتبصر لتبصر ..
وتهاوت بين آل البشر ..
وأصبح جمعهم لا يسر ..
وللرحمة سجن كبير قفله كبر ..
.ومفتاحه فُقد كمثل ضياع ماء وجه البشر ..
وهي قابعة لوحدها نوُمها السهر ..
وقولها حكايا لا تسر ..
تقبع بين أكف لئيمة فلا باب للمفر ..
وأي مفر وعدوى الشر تشر ..
سليلة طليلة لسانها أشر..
تتحدث بمهلها وكلا مهدها وهزيز ركبها جمع كثر ..
سليمة جليسة كرسي عتيد من صنع الكفر ..
تجالس أناساً هم ليسوا من جنس البشر ...
إن في جنسهم قال إبليس ما له المسر ..
فأشرى نفوسهم والجسم فقط لبشر. .
.إنها حكايا بفاه بعض البشر ..
طويت مطية لكبر من أصغر الصغر ...
لوليد ماء بشر ..
وتوالي فنائها تحت أقدام البشر..
إنها قافية حكاها الزمان بعين البصر ..
كالطائر كلما ارتفع صغر في عين الناس الكبر ..
قالها أمير المؤمنين ولنصحه هل من معتبر ..

اخترنا لكم

آراءٌ ووجهاتُ نظر الجزء الأول: التفككُ الأسري رصاصةٌ في قلبِ المجتمع

بقلم: دعاء الربيعي من المعروفِ جيدًا لدى الجميع أنّ الأسرةَ هي عمادُ المجتمع، وهي اللبنةُ الأولى لبنائه، كما أنّها تُعدُّ العامل الرئيسي في صلاحِ الأمّة؛ فإنْ صَلُحت الأسرة صلُح المجتمع، وإنْ فسُدت فسُد المجتمع وانهار وتفكك. ومع بالغ الأسفِ نرى اليومَ أنّ الأسرةَ المسلمةَ المحافظة هبّتْ عليها رياحٌ غربيةٌ غزتها ودمرتْ موروثها الحضاري وألغت أعرافها وتقاليدها؛ مما أدّى إلى زحزحتها عن خصائصِها وقيمِها؛ ففقدتْ ريادتَها للمجتمع، فلم تَعُدْ كما كانت تجمعُ أفرادَها قيمُ الترابطِ والتراحم. ومن هنا ظهرت مشكلةُ التفككِ الأسري، التي باتتْ تنذرُ بشرٍّ مستطيرِ إذا لم يسعَ أهلُ الفكرِ والذكرِ والعقلاء إلى وضعِ الحلولِ الناجعة لها، حتى تجتاز الأسرةُ المسلمةُ مرحلةَ التذبذبِ والحيرةِ بين القيمِ الإسلامية والقيمِ الوافدةِ بما تحتويه من أعرافٍ وأفكارٍ ومفاهيمَ غريبةٍ اجتاحتِ الأسرة، وهدّدت كيانها، وعرّتْها عن هويتها وأصالتها الإسلامية؛ لذلك فإنّ من الواجبِ على الشريحةِ المثقفةِ الواعية أنْ تتصدّى لهذا الأمر الخطير، وعليهم أنْ يُسارعوا في إيجادِ الحلولِ والعلاجات الصحيحة التي من شأنِها أنْ تحدَّ من ظاهرةِ التفككِ الأسري. وقبلَ البدء بإيجاد العلاجاتِ لابُدَّ من معرفةِ السببِ الرئيسِ الذي يقفُ وراءَ هذا المرضِ الخطير، ومعرفةِ الأيادي الآثمة التي لعبتْ دورًا كبيرًا في زعزعةِ الكيانِ الأسري الآمن. وحتى نتعرفَ على مُسبباتِ الأمر، وجّهنا السؤالَ التالي إلى شريحةٍ متنوعةٍ من المجتمع لمعرفةِ آرائهم: يُعدُّ التفككُ الأسري من أهمِّ أسبابِ تفكك المجتمع، فمن وجهةِ نظركم من أين ينشأ التفكك الأسري وما هو المُسبِّب الرئيسي له؟ فكانت الإجاباتُ كالتالي: * أوضحتِ الحقوقيةُ المتقاعدةُ في محكمةِ النجف نادية شلاش: أنَّ التفككَ الأسري أساسُه المشاكلُ التي تعاني منها الأسرة، وخصوصًا المُشاحنات التي تقع بين الأبوين، وكذلك تبادل الإهانات والشتائم، وقد تصلُ في بعضِ الأحيان إلى الاعتداء الجسدي من قبل أحد الطرفين؛ مما يؤدي إلى فقدان الاحترام بين أفراد الأسرة، وتجعل الأبناء يهربون من الواقع الذي يعيشون فيه، فيكثرُ التباعدُ وتقلُّ صلاتِ الرحم، وتتشتت العائلة، وتنحلُّ الأواصرُ التي تربطها، وبذلك ينشأ التفكك الأسري. على حين أوضحتِ مدربةُ التنميةِ البشريةِ في كُليةِ الكفيلِ الجامعة الاستاذة سجى الطريحي قائلة: إنّ التفككَ الأسري ينشأُ ويستشري في الأسرة بسببِ عدمِ الوعي الكافي، وانعدامِ الثقافة الأسرية للأب وللأم. ونحنُ في مجالِ التنميةِ البشرية نعملُ على آليةِ اتخاذِ شريكِ الحياة وفقَ معاييرَ معينةٍ توضع في اختيار شريك الحياة؛ فغالبًا ما يغلبُ على الرجلِ عاطفته فيختار وفقَ ميولِه ومشاعره، وبمجردِ حصولِ الارتباط تتلاشى شيئًا فشيئًا، ويبدأ النزاع والصراع بين الزوجين؛ لذلك يتوجبُ أنْ ننتبهَ إلى قضيةٍ مهمةٍ جدًا تُساهمُ بشكلٍ فعّالٍ في إدامةِ الودِّ والمحبةِ في أجواءِ الأسرة، وهي قضيةُ اختيارِ شريكِ الحياة المناسب لتجنب المشاكل الأسرية فيما بعد. أمّا وجهةُ نظرِ الدكتورة آمال آل حيدر رئيسةُ قسمِ ضمانِ الجودةِ والأداء الجامعي في كُليةِ الإمامِ الكاظم (عليه السلام) الجامعة، فكانت: التفككُ الأسري هو تفككٌ للمجتمع؛ حيث إنّ الأسرةَ هي عمادُ المجتمع، وكيفما تكونُ يكون المجتمع، فإن كانت ذات أسسٍ رصينة كان المجتمعُ قويًا متماسكًا يشدُّ بعضُه بعضًا، وإنْ كانت ضعيفةً خاويةً على عروشِها نتجَ عنها مُجتمع يحملُ ذات الصفات. ونرى في الآونةِ الأخيرة شيوعَ ظاهرةِ التفكك الأسري التي نشبت أظفارها في جسدِ الأسرةِ وعاثت فيها فسادًا، ولعلَّ الأسبابَ متعددةٌ لنشوءِ هذه الحالة التي ما برحت طويلًا، حتى أضحت ظاهرةً واضحةً أشدّ الوضوح. ومن أبرزِ أسبابها ادعاءُ الحريةِ الشخصية بدلًا من التكاتفِ والتعاضدِ الأسري، فكُلُّ فردٍ في الأسرة يحرصُ على الحفاظِ على خصوصيتهِ بعدمِ إشراكِ باقي أفرادِ أسرته بما لديه من أفكارٍ ومقترحات. وأخيرًا بيّنتِ الأستاذةُ الكاتبةُ زينبُ النصراوي: إنّ من أهمِّ أسبابِ التفكك الأسري هو غيابُ الوعي الثقافي والديني في كيفيةِ إدارةِ الأسرة، وتخلي أفراد الأسرة عن مسؤولياتهم تجاه بعضهم البعض. وبلا شك أنَّ هناك الكثير من الأسباب والدواعي التي تؤدي إلى ابتعاد أفراد الأسرة عن بعضهم البعض؛ ففقدُ أحد الأبوين عن الأسرة هو أحدُ مسبباتِ التفكك. وليس بالضرورةِ أنْ يكونَ الغيابُ جسديًا، فلربّما يكونُ الغيابُ المعنوي أشدَّ تأثيرًا على الأسرة؛ فهناك الكثير من الآباء الحاضرين الغائبين عن أسرهم. كما أنّ صراع الأدوار بين الرجل والمرأة هو أحدُ المسبباتِ الرئيسية للتشتت الأسري، ولا ننسى أيضًا ثورةُ الاتصالاتِ والتطوّر التكنلوجي الذي ساهمَ مُساهمةً فعًّالة في تفككِ الأواصر الأسرية وبعد الأفراد عن بعضهم البعض. ختامًا أقول: إنّه مهما تعددت أسبابُ التفكك، فإنّ النتيجةَ واحدةٌ وهي خرابُ الأسرة ودمارها وبالتالي خراب المجتمع. وبما أنّ هذه الظاهرة هي مرضٌ خطيرٌ يفتكُ بالروابطِ الأسرية، فلا بُدّ من السعي لإيجاد حلٍ لهذهِ الظاهرة. ولا ننسى دور الأب والأم في أن يسعيا جاهدين لحلِّ النزاعاتِ الأسريةِ خصوصًا التي تحدثُ بينهما؛ لأنّها المدخلُ الأولُ للتفكك. كما يتوجب على الأسرةِ ككُلّ أنْ تكونَ واعيةً لما يحدثُ لها، وأنْ يعمل أفرادُها مجتمعين على تنميةِ روحِ الانتماء فيما بينهم، وأنْ تسعى إلى تهيئةِ الجو الأسري المناسب الذي يُحقِّقُ حياةً سعيدةً وهانئةً وهادئةً لأفرادِها، وأنْ يشاركَ الأبوان لغرسِ بذورِ التعاون والإخاء بين أولادهم ويُروّونها جيدًا لتُعطيَ ثمارًا يانعةً وأزهارًا فوّاحةً يرتوي من عطرها المجتمع بأجمعه.

اخرى
منذ يوم
66

رجل في حضرة إمام القلوب وهاديها...

بقلم: فاطمة الركابي كان هناك رجل من اصفهان فقير الحال، ذا لسان كثير اللجاج، وذا جرأة لا يَهاب، فقدرت له الاقدار أن يُخرجه أهل مدينته على أثر ذلك من دياره في سنة من سني حياته، وقد أوقفته الاقدار في باب من ابواب من هم أشد أذى وطغيانًا، في باب طاغية زمانه المتوكل، ولكن كان يومها قد وقف وقفة المتظلمين الذين اتوا ليبدوا شكواهم إليه! وهكذا مرت أيام وهو لا زال على ذلك الباب واقفاً، فليس غريباً أن يطول وقوفه هناك، فقد أخطأ المقصد، وغفل عن الباب الذي عليه ان يَطرق، واليه يَلجأ. بلى! مَمن مِنهم تُطلب المطالب، وبهم الى الرب تكون المقاصد، بل هم من يَقصدون المحتاج قبل أن يَقصدهم، ويُعطون قبل أن يَسألهم المعوز. وبينما هو على هذا الحال واقفاً، وقفة الذليل على باب من هو في الذلة مرتكز، وبطغيانه لم يَكن بالله متوكلًا ومعتزًا، وإن كان اسمه المتوكل! إذ جاء مَن عِزة الله فيه قد تجلت، إذ خرج الأمر بإحضار علي بن محمد بن الرضا (عليه السلام)، فقال هذا الرجل لبعض من حضـر: من هذا الرجل الذي قد أُمر بإحضاره؟ فقيل: هذا رجل علوي تقول الرافضة بإمامته، ثم قال: ويقدر أن المتوكل يحضره للقتل! هنا يبدوا أن ذكر الإمام الهادي (عليه السلام) قد أوقد مصباح قلب ذلك الرجل المفتقر للنور قبل المال! حيث يُقال: إن الله تعالى لا يُخلي قلب أحد من نافذة ليَنفذ منها شعاع نوره متى ما حضر حامله ليُضيء لأمثال هؤلاء بعد أن عاشوا ظلمات الدنيا الغرور، بلى أنه ربنا صاحب اللطف الخفي، والرحمة التي وسعت كل شيء. وفي هذه اللحظات التي وصل شيء من شعاع نور الامام (عليه السلام) لقلبه -حصل الاتصال- فقال في نفسه: لا أبرح من ههنا حتى أنظر إلى هذا الرجل أي رجل هو؟ فرأى الامام حيث: أقبل راكباً على فرس، وقد قام الناس يمنة الطريق ويسرتها صفين ينظرون إليه - وعندها بلغ الوصل – حتى وقع حب الامام في قلبه، فأصبح يلهج بالدعاء اليه؛ بأن يدفع اللـه عنه شر المتوكل، كيف لا! أوليس هو وجه الله تعالى ونوره الهادي النقي؟! وهكذا أقبل الامام يَسير بين الناس وهو ينظر إلى عُرف دابته لا ينظر يمنة ولا يسرة، وهو لا يزال مداوماً على الدعاء، فلما صار إليَّه أقبل الامام بوجهه إليَّه، وقال : استجاب اللـه دعاءك، وطَوّل عمرك ، وكثر مالك وولدك! نعم! هكذا قصده الامام قبل أن يقصده، وسمع مبتغاه قبل أن تنطق شفتاه، لأنه باب الله الذي لا يُغلق، وإمام القلوب الذي ما دخل حبه فيها حتى استغنت، ونالت العزة، عندها أخذته هيبة إمامه وشغله بهاه، وأخجله كرمه وتلطفه وحنانه، فأرتعد ووقع بين أصحابه فسألوه وهم يقولون: "ما شأنك ؟ فقال: خيرًا... وأسرّ الامر في نفسه وكأنه كان يُردد في نفسه: بل كل الخير، فقد نال نظرة ممن هو أصل كل خير. وهكذا قُدر له أن يكون مخرجه بتلك الصفة من مدينته سبباً لبلوغه لهدايته، وتغير حاله الى أحسن حالة، فقد اهتدى لإمام زمانه، ووجّه بوصلة قلبه نحو السبيل الذي فيه حصول ثباته، وتزود نوراً وعزاً ليَسير فيه بدنياه، وليُنير به ظلمة أخراه. وبهذا اليقين وهذه البصيرة أنصرف إلى أصفهان، ففتح اللـه عليّه وجوهاً من المال، حتى أنه كان يصف حاله أنه باليوم يغلق بابه على ما قيمته ألف ألف درهم،...، ورزق عشرة من الأولاد، وقد بلغ من عمره نيفاً وسبعين سنة وهو يقول بإمامة امامنا الهادي الذي علم ما في قلبه، واستجاب اللـه دعاءه فيه وإليه.. (١). ______________________ (1) بحار الانوار: ج49، ص( 141 - 142).

اخرى
منذ سنة
1475

يوميات علي وزهراء (مولود مبارك)

بقلم: قلم زهرائي حسيني زهراء: في زاوية من دارنا المتواضع يوجد المكان الأحبّ لقلبينا "المُصلىٰ" هو محل العبادة والمناجاة والخُطط والمناقشات، أمّا عن وصفه فجدرانه مَطلية بلون أبيض ومزيّنة بزخارف أنيقة لونها كأوراق نبات الياس، على أحد رفوفه وُضِع القرآن الكريم، وقد تعاهدنا على أن لا يمر يوم دون أن يقرأ فيه كلانا أو أحدنا نيابة عن الآخر، وعلى الثاني الرسالة العملية وكتاب مفاتيح الجنان، وبعض الكتب العقائدية والأخلاقية والقصصية الهادفة، على طاولة صغيرة تقف قارورة عطر فوّاح توزع شذاها هنا وهناك، أعلاها مَتربة تحمل منافستها في العطر الأجمل والمنتصرة عليها دائما: تُربة كربلاء ومسبحتين منها. في كلّ فجر حيث النسمات العذبة وهمهمات علي يقرأ مناجاة المُريدين أسند ظهري إلى أحد جدران المصلىٰ لأتحدث إلى نرجستي... ابنتي الحبيبة ستولدين بإذن اللّه تعالىٰ بعد أيام قليلة.. ما أشوقني لرؤيتكِ.. زهرتي التي سقيتها كلّ صباح بآيات من الذكر الحكيم وكل مساء بزيارة آل ياسين، أتساءل: تُرى كيف سيكون تأثير لقمة الحلال عليكِ؟ فأنا لم أكن أتناول إلا الحلال الطيّب، بل حتى أنّي امتنعت عن الأكلات المشبوهة والمُصنّعة، واهتممت بتغذيتي كثيرًا ماديًا ومعنويًا، واثقة أنه سيكون واضحًا وكبيرًا، وأحبّ أن أطمئنكِ بنيتي سوف لن أطعمكِ إلّا وأنا على وضوء. وكيف سيكون شكلُكِ يا ترى؟ لا شكّ أنّكِ ستكونين جميلة وتّامة الخلقة فكم دفعتُ ووالدكِ الصدقات لأجل سلامتكِ. علي: زهراء، لمَ أنتِ شاردة الذهن؟ هل أكملتِ تعقيباتك؟ زهراء: نعم.. كنتُ أتحدث مع سَميّة أمّ إمام الزمان. علي: فداها أبوها.. قرّة عيني. زهراء: بسم الله عليك.. قرّة عينك؟ علي: نعم، وكيف لا تكون ذلك وأنتِ أمّها الخلوقة المؤمنة؟! زهراء: سلمتَ يا عزيزي علي: لفت انتباهي تساؤلكِ عن "قرة العين" وهذه أمنية كل أب وأم صالحين؛ أن تكون ذريتهم قرة عين لهم، أن تكون على هدى ورشاد متخلقة بأجمل الأخلاق وأرقاها.. أتعلمين يا زهراء؟ زهراء: ماذا؟ تفضل وأخبرني.. علي: أنا أتمنى أن تكون ذريتنا مباركة، بحيث تكون مصداقًا لقوله تعالى «وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا» وقد قرأت في حياة الأنبياء والأئمة (عليهم السّلام) والعلماء ما أبهرني عمله وأعجبني أثره فأحببت تطبيقه، كنت كلما دعوت وطلبت زوجة صالحة طلبت ذرية تكون كذلك ووعدت أن أحرص على أن تكون تربيتها على أتم وجه. وأنتِ لي نعم العون على طاعة اللّه تعالىٰ و تنفيذ ذلك الوعد. زهراء: بإذنه تعالى، وهل هنالك أسعد من هذا لقلبي؟ تفضل أكمل. علي: أحبّ أن يستمر تعاملنا مع اللقمة بحرص فلا يدخل بيتنا الطعام المشبوه أو الحرام. وأحب أن أعرض عليكِ هذه الفكرة وليس عندي شك أنك سترحبين بها، و هي أن نجعل طعامنا في كل يوم نذرًا للمعصوم الذي يكون اليوم باسمه مثلًا: يوم الأحد وهو باسم الإمام علي والسيّدة الزْهراء (عليهما السّلام). - كذلك مشاهدة الحرام أو الاستماع إليه، فقد نشأ كلانا في بيئة قد حفظت روحيتنا وطهارة قلوبنا، وهذه نعمة نحمد اللّه تعالىٰ عليها وتوفيق نسأله دوامه.. أتعلمين؟ كنت أواجه الكثير من التحديات في السيارة التي تقلني إلى الجامعة وفي الأخيرة أيضا فقد كان من حولي يسخرون مني لأني لا أستمع إلى الغناء وأخرج من قاعة المحاضرات حالما أسمع ذلك، ولكن ذات مرة سمعت عبارة جعلتني قويًا مطمئنًا قادرًا على الرد بأدب علىٰ من يعترضني أو يسخر مني.. زهراء: أحقّا؟ ما هي؟ علي: سأخبركِ بها مضمونًا : لو كان عندنا حقلان فارغان، كتب فوق أحدهما عبارة [الحق] وعلى الآخر [الباطل] وكانت عندنا مجموعة من الأفعال والأقوال من ضمنها "الغناء" ففي أي حقل سنضعه؟ في حقل الحقّ أم الباطل؟. فأسماعنا يا زهرا أمانة و قلوبنا كذلك فيجب أن نختار ونستمع لما يحافظ عليها ويليق بها. زهراء: هذا صحيح، وهنا يتضح دور الأصدقاء في التأثير على عقيدة الأبناء وسلوكياتهم "فالصاحب ساحب" إما إلى الخير أو إلى الشرّ، وهنا يأتي دورنا؛ سنحرص لئلا يختاروا الّا خيرة الأصدقاء، ونكون نحن أولهم، فمتى ما كان الأبوان لطيفين في التعامل قريبين من أبنائهم سيكون ظل والديهم بالنسبة إليهم الأول عندهم والأقرب لهم. علي: بإذنه تعالى؛ وسنحبب لهم العبادة منذ الصغر، فعندما تقفين بين يدي اللّه تعالىٰ أشركي نرجس معكِ، وأنا قد فكرت بأن تكون أول هدية لها مني: إحرام وسجادة للصلاة بألوان جميلة وأشكال جذّابة يقول الإمام زين العابدين عليه السّلام في رسالة الحقوق: "وأمّا حقّ ولدك... وإنّك مسؤول عما وليته من حسن الأدب، والدلالة على ربّه، والمعونة على طاعته..." فما أجمل أن نسعى لتضع بمعيتنا أول خطواتها في طريق طاعة اللّه عزّ وجل. زهراء: لقد فكرت في ذلك أيضًا، وكم دعوت اللّه تعالى في كل قنوت أن «رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ» قد فكرت أن أصلي أولًا قريبًا من سريرها، وعندما تكبر قليلًا أجلسها قربي وأضعُ لها العابًا، وعندما تبدأ بالمشي ستشاركني الصلاة ولو بحركاتها التي تقلدني فيها. علي: نعم.. وسنعلمها أن تحترم وجود الكبار وتطلب الإذن قبل الكلام، وتعتذر إن بدر منها تصرف غير صحيح، وتقول الحقيقة دائما ونشجعها عليها، فالطفل يكذب لأنه يخاف، أمّا إذا طمأنه والداه وساعداه سيقول الحقيقة ويعتاد على الصدق. زهراء: ولا ننسى مكافأتها على قولها الصدق، وعلى أداء واجباتها المدرسية، وعند التصرف الصحيح، والعمل الحسن، وعند تقدمها في حفظ القرآن الكريم، وعند أداء الصلاة وفي نهاية كل يوم من شهر رمضان أتمت صيامه كلّه أو بعضه. علي: إذًا سلامًا على أموالنا سلاما... زهراء: [ضحكت زهراء ضحكة خفيفة مؤنسة لقلب علي ثم قالت] : طبعًا لا أقصد أن تكون الهدية ثمينة في كلّ مرّة، فلعل كلمة لطيفة، نزهة، هدية بسيطة نصنعها بأيدينا أو عبارة على ورقة تفي بالغرض وتؤتي بنتائج سارّة. علي: نعم نعم.. أحببت ملاطفتكِ يا درّتي... وهل فكرتِ ماذا ستحفظ أولًا؟ زهراء: اسمح لي أن أسألك قبل ذلك سؤالًا: ماذا لو أخطأت نرجس التصرف يومًا، أو قالت ما لا ينبغي قوله، كيف نتعامل معها؟ وكيف نوجهها لئلا تكرر ذلك؟ علي: لعلّك تفكرين أني سأقول الحل هو الضرب مثلا؟ كلا.. فللضرب آثار نفسية على الطفل، ويدفعه غالبا للتمرد أكثر، والحل السليم هو: أن يتعرف الطفل منذ نعومة أظفاره الى الفعل الصحيح فيفعله و غير الصحيح فيتجنبه، أما إذا خالف ذلك، فيجلس إليه أحد أبويه بودٍّ ليفهما منه سبب تصرفه وبعدها يتفقان معه على عدم تكراره ويتعاونان على تجاوزه معًا، ويبينون له بأسلوب مبسط خطأ ما قاله أو فعله وأنه لا يليق ذلك به مع عبارات المدح والثناء عليه. كان أحد العلماء: لا يؤدب أولاده إن قصروا أو أساءوا التصرف بالضرب أو التوبيخ اللامقبول، بل كان يكتفي بليِّ ثوبه علامة على استيائه مما قام به وذلك كي لا يقع في المكروه أو الحرام! زهراء: أحسنت كثيرًا.. أحببت ذلك. أما عن سؤالك حول ما ستحفظ.. فنعم... فكرت في ذلك وهو: أسماء المعصومين الأربعة عشر (صلوات الله تعالى عليهم) نرددها على مسامعها بحبّ وابتسامة في كلّ يوم حتى تحفظها، ثم أصول الدين وفروعه، ومتى رأينا استعدادها نقوم بتحفيظها السور القصار، ثم كل القرآن، كم أتمنى أن تتم حفظه قبل بلوغها التاسعة من عمرها، و أيضًا بعض القصص النافعة التي نضعها لها في مكتبة صغيرة خاصة بها مع كراسات رسم و تلوين تناسب المرحلة العمرية التي تكون فيها. علي: هنالك أمر قد قرأت عنه، وهو أن الطفل يتأثر كثيرًا بما يرى ويسمع، فأحب أن ألفت انتباهك مع ثقتي بوعيك وحرصك أن لا تسمع نرجس ما يلوث فطرتها سواء من التلفاز أو المجتمع. وأن نحرص على أن لا نتناقش في بعض الأمور أمامها، وإن حصل سوء فهم فلا تكون شاهدة عليه بل نحلّه بيننا فلا يتجاوز المكان الذي نكون فيه. زهراء: لا تقلق بشأن هذا ياعلي فأنا مذ قرأت هذه العبارة وهي لزوجة أحد العلماء: "أتعجب على اللاتي ينتقدن أزواجهن في مجالس النساء، فأنا بعد كل مشكلة أقوم بعمل (حذف) لما جرى" و مذ ذلك الوقت بل وقبله و أنا أقوم بالفعل نفسه. والآن يا عزيزي، إن أكملت تعقيباتك بإمكانك أن تعود إلى النوم ريثما أعد الفطور ويقترب وقت ذهابك للعمل. علي: يبدو أن زوجتي المؤمنة قد نسيت أن النوم بين الطلوعين مكروه؟ لا... سأقوم لأساعدكِ في إعداد الفطور، أم تريدين أن يتكرر ما حدث من سوء فهم في المرّة السابقة؟ زهراء: آه.. لا تُذكرني أرجوك، كان يومًا صعبًا، لا أدري كيف مرّت تلك الساعات ونحن على خلاف.. كنت أشعر أن روحي تخرج مع كلّ نفس أتنفسه.. علي: "إنّه أمر طبيعي يا قرّة عيني فنحن حتى مع والدينا قد يحصل سوء فهم، لكن حياة المؤمنين هي استغلال سوء الفهم لانطلاقة جديدة ومتانة في الحب أكبر، وعدم تذكر أي مثلبة، فحياتهم يغلب عليها التفاهم وما سوء الفهم الا شيء طارئ".

اخرى
منذ 9 أشهر
636

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
61035

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
39831

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
36364

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
31282

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
30953

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
29530