تشغيل الوضع الليلي
شبهة نسبة ضلال النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) قال تعالى ((وَوَجدَكَ ضَالا فَهَدَى))
منذ 7 سنوات عدد المشاهدات : 5895
يذهب البعض إلى الاعتقاد بأن الله تعالى يصف نبيه نبي الرحمة (صلى الله عليه وآله) في الآية التي ذكرناها بأنه كان على ضلال وأن الله من عليه بالهداية.
نقول: ليس في العالم كله كتاب دقيق في التعبير والأداء كالقرآن الكريم، ولا عجب في أن يكون القرآن كذلك ليس كمثله شيء لأنه جاء من لدن خالق (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) سورة الشورى الآية ١١.
فسبحانه وتعالى يقول في محكم كتابه :(مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ) سورة النجم آية (٢).
وهذه الآية تعد من الأدلة التي تنفي شبهة الضلال عن رسولنا الكريم (صلى الله عليه وآله).
وهنا للرد على هذه الشبهة المتقدمة نذكر بعض اجابات العلماء عليها:
أولاً: الضلالة بمعنى العزلة أو التوحد.
إن من المعاني اللغوية لكلمة (الضلالة) هي العزلة والتوحد .
ومن هنا يُطلق على الشجرة المنفردة وسط الصحراء ((الشجرة الضالة))
ولما كان النبي (صلى الله عليه وآله) يعيش الوحدة واليتم والعزلة بين أبناء قومه ومجتمعه. بل قد جمع إلى اليتم من جهة الأب والأم اعتزل الناس وعدم مشاركتهم في عباداتهم الوثنية، فقد كان مثل الشجرة الوحيدة، يمضي حياته المتوحدة حتى شملته الألطاف الإلهية وأخرجته من هذه الحالة.
ثانياً الضلالة بمعنى الشخص الضائع في قومه، وهذا المعنى اللغوي الثاني للضلالة، وهو بمعنى ضياع منزلة الفرد المرموق وشخصيته بين أفراد قومه، كأن يكون الفرد متصفاً بأعلى المراتب من الناحية العلمية والأخلاقية والروحية ومع ذلك لا يوليه قومه المكانة اللائقة به. بل ويتجاهلونه، من هنا فإن هذا الفرد سيعيش حالة من الضياع، وقد عدّ اللغويون هذا المعنى من المعاني الرئيسة لكلمة (ضل).
وعليه يكون مراد الآية محل البحث: أن الله تعالى قد أعاد إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) مكانته التي تجاهلها قومه وأضاعوها وبذلك يكون الله قد أعاد منزلة النبي إلى نصابها الصحيح.
وعليه فيمكن القول:
لما كانت هذه الآية المشتملة على كلمة (ضالاً) لم تكن مسبوقة بأي ذكر للمعاصي والذنوب، فلا تتناسب كلمة (ضالاً) هنا مع اقتراف المعاصي. وإنما هي تتحدث عن يتم النبي (صلى الله عليه وآله) وغربته في قومه، وعليه فهي تدل على الضلالة بمعنى (الضياع) أو (الغربة بين أبناء قومه).
ثالثاً: ما ذهب إليه الفخر الرازي، من أن المعنى هو الابتعاد عن مقام النبوة:
إن من بين معاني الضلال هو الانصراف عن الأمر، فالمراد من ضلال النبي (صلى الله عليه وآله) هو ابتعاده وانصرافه عن أمر النبوة، وإن الله سبحانه وتعالى هو الذي هداه إليها، وإلا فإن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) لم يكن ملتفتاً إليها (١).
وقد استدل الفخر الرازي لهذا المعنى بقوله تعالى: (ماكنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) سورة الشورى الآية ٥٢.
ففي هذه الآية الكريمة تم افتراض النبي (صلى الله عليه وآله) بعيداً عن حقيقة الكتاب السماوي.
وبعبارة أخرى بعيداً عن وثيقة النبوة. وكذلك عن ماهية الإيمان ، وإنه لم يلتفت إلى هذه الأمور إلا بتوفيق وهداية من الله سبحانه وتعالى.
ولكن هذا المعنى لا يتوافق مع المباني الإيمانية لشيعة أهل البيت (عليهم السلام) الذين يعتقدون بعصمة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) من لدن أن كان فطيماً، فلا يُعقل أنه كان جاهلاً بأمر الإيمان وحاشاه، وإنما ذكرنا هذا الجواب من باب الإلزام للآخر.
رابعاً: عدم معرفة الدين والشريعة:
إن من بين معاني الضلالة في اللغة العربية هو الجهل وعدم المعرفة. فلما كان النبي (صلى الله عليه وآله) لم يكن يستطيع الاقتناع بما عليه المجتمع الجاهلي والوثني من الشرك، وكان بسبب فطرته الطاهرة تسوؤه عبادة الأصنام، ومن ناحية أخرى لم يكن هناك دين خالص، حيث كان العالم في تلك المرحلة يعيش ما يصطلح عليه بـ (عصر الفترة) حيث خلت تلك المدة الزمنية من بين ارتفاع عيسى بن مريم (عليه السلام) إلى السماء وظهور الإسلام من أي رسالة سماوية، فكان النبي (صلى الله عليه وآله) في تلك الفترة جاهلاً ومتحيراً في اختيار دينه .
من هنا فإن هذه الآية تعبر عن تلك المرحلة بمرحلة الضلالة بمعنى الجهل بالشريعة، والارتباك في اختيار الدين، وإنه إنما اهتدى إلى المعبود الحقيقي بلطف وهداية من الله، وكان من نتائج ذلك تعبد النبي (صلى الله عليه وآله) في غار حراء، وقد تكلل واكتمل هذا اللطف والهداية الإلهية فيما بعد بمقام النبوة والرسالة.
وهذا المعنى كسابقه نذكره من باب الإلزام للآخر لا من باب أننا نؤمن به.
خامساً: الضلالة بمعنى عدم الهداية :
ذهب البعض إلى القول بأن الضلالة المنسوبة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ليس بمعنى الضلال الفعلي. وإنما بمعنى عدم الهداية، بمعنى أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يكن مهدياً قبل شمول اللطف الإلهي له، وبعبارة أخرى إن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وسائر الناس بالالتفات إلى ذات الوجود الإنسان الممتزج بعنصر النفس والمادة لا يمكنهم السير بمفردهم في طريق الهداية الحقيقية (العصمة) مائة بالمائة إلا إذا شملهم اللطف الإلهي. وفي الحقيقة فإن الإنسان بالالتفات إلى عنصره المادي والنفساني فهو كائن ضال بالقوة.
وإنه يمتلك أرضية الضلال بالفعل. وإن النبي (صلى الله عليه وآله) غير مستثنى من هذه القاعدة، إلا أنه قد هدي إلى طريق الحق والعصمة بهداية ولطف من الله سبحانه وتعالى.
وهذا المعنى يحتاج إلى العديد من المقدمات الكلامية والفلسفية العميقة، بحيث يمكن تصوير هذا المعنى بما لا يتعارض مع العصمة التي يعتقد بها شيعة أهل البيت (عليهم السلام).
وهناك بعض الآراء الأخرى أعرضنا عنها بغية الاختصار.
والكلام اطول من ذلك جدا والبحث أوسع من نحيط بشخصية النبي العظيم ..
حنان الزيرجاوي
اخترنا لكم
عالمية القضية المهدوية
بقلم: صفية الجيزاني إنّ عدداً من الكُتّاب غير المسلمين والمسلمين غير الشيعة وجماعة من الباحثين عندما يمرون بقضية الإمام المهدي (عليه السلام) يقولون: إنّ هذه القضية مصدرها اجتماعي، فإنّ بعض الشعوب عاشت حالات من الفقر والعوز والظلم والطغيان، ولم تتمكن أن تُعبّر عن إرادتها بشيء غير أنها تتصور بأنّ هناك منقذاً ومخلصاً سوف يظهر ويعيد لها حريتها وكرامتها، فنشأت عندهم فكرة الإمام المهدي. إنّ قضية المهدي الموعود هي عقيدة إلهية متجذرة في الشرائع السماوية بدليل أنّ المسيحية واليهودية عندهم مهدي موعود.. حيث آمن أبناء الديانة المسيحية بظهور المخلّص والمنقذ الذي يعمل على اجتثاث جذور الظلم ويحقق دولة الإنسان التي يسودها الأمن والأمان. ورد في انجيل لوقا ((وسيقول لكم بعضهم ها هو هنا، فلا تذهبوا وتتبعوهم، فكما أنّ الذي يلمع تحت السماء من احدى الجهات يضن في جهة اخرى فهكذا يكون ابن الإنسان يوم يعود ولكن لابد اولا من ان يعاني الآما ،وان يرفضه هذا الجيل وكما حدث في زمن نوح هكذا سوف يحدث في زمان ابن الانسان)) (١). فالإنسان الذي تحدث عنه المسيح (عليه السلام) هو النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وهو الإنسان الكامل الذي وصفة القرآن (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) ق4. و(ابن الإنسان) هو ابن النبي (صَلَّى الله عليه وآله) وهو المهدي (عليه السلام).. وهناك العديد من الاشارات الواردة أيضًا في كتاب التوراة (كما في سفر اشعياء وكما جاء في المزمور 72 من مزامير نبي الله داوود (عليه السلام)). حول المهدي الموعود، حيث نجد أنها تنسجم تمامًا مع احاديث وروايات أهل البيت (عليهم السلام) التي بشرت بظهور الإمام الموعود. ورد في البحار عن تفسير علي بن ابراهيم: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر قال: "الكتب كلها ذكر" إنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون، قال: القائم (عليه السلام) واصحابه). وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله: (ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين. قال (عليه السلام): هم آل محمد يبعث الله مهديهم بعد جهدهم فيعزهم ويذل اعدائهم) (٢). إذاً: إنّ فكرة وجود الإمام الموعود مصدرها ليس اجتماعياً أو سياسياً أو لطائفة معينة، بل هي قضية عالمية مصدرها الكتب السماوية التي انزلها الله تعالى على انبيائه ورسله كما أنّ مصدرها إسلامي أصيل أخذناه من القرآن والسنة النبوية، وهذه الأحاديث والروايات غير مقتصرة على الشيعة فقط وإنما جميع كتب العامة يروونها بالنص وهناك من يرويها بالمعنى لا بالنص، من قبيل: روي احمد بن حنبل في مسنده عن زر بن حبيش عن عبد الله قال: قال رسول الله (صَلَّى الله عليه وآله): لا تنقضي الأيام ولا يذهب الدهر حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي اسمه يواطئ اسمي) (٣). وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صَلَّى الله عليه وآله): (لا تذهب الدنيا ولا تنقضي حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي) (٤). وغيرها الكثير من الأحاديث المتواترة التي تحدثت عن قضية المهدي المنتظر الذي بظهوره يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا. والمكذب لهذه الأحاديث يكون مُكذبًا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي لا ينطق عن الهوى وهو الصادق الأمين. ____________________________ ١-انجيل لوقا ١٧ ٢-اثبات الهداية ١٠:٧ ٣-مسند احمد بن حنبل ٣٧٦-٣٧٧ ٤-سنن الترمذي ٣رقم الحديث ٢٣٣١
اخرى
طفولة مذبوحة
بقلم: حوراء رضا عندما أوجد الله (جل وعلا) الإنسان منذ لحظات حياته الأولى زرع في روح هذا الكائن الحي براءة وعفوية، فامتازت روح الطفل بالحب الصادق والاخلاص وابتعدت غريزته عن الخبث والأغلال بفطرة ذاك النقاء الروحي الذي يحمله في قلبه الصغير الأبيض كبياض الثلج الناصع، الذي دائمًا ما تكون نظرته للحياة نظرة ايجابية، فنرى ثغره دائمًا باسمًا في وجه الحياة، لا يعرف لها حقدًا ولا كرهًا، فتكمن تصرفاته على اختلافها تصرفًا فطريًا عفويًا. وللحفاظ على هذه الفطرة وهذه البراءة من محطات الحياة أعطى الإسلام أولوية كبرى في التعامل مع الطفل، باحترام عالمه الخاص الذي تحتويه أحلام بسيطة، ومخيلات نيرة، فكان له احترامه وتقديره لأجل الأخذ بيده ومراعاة مشاعره المرهفة لما لها من دور فعّال في بناء المستقبل المشرق. هذه الأرض الطيبة الخالية لابد أن تزرع فيها بذور الصلاح والإيمان وحب الرحمن ليكون في داخله منشأ السلام والحفاظ على القيم والمبادئ، فيزدهر ويثمر في مرحلة الشباب، ولا يخفى أن الطفل كتلة من الإحساس تؤثر فيه أقل العبارات، فللمشاعر والحب دور كبير في تنشئته واخضراره في سلوكه وتصرفاته، فمن احتياجات الطفل هو الحب الذي يجب أن يشعر به. كان أهل البيت (عليهم السلام) السابقين في كيفية التعامل بحب مع أبنائهم (عليهم السلام)، فالإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام) كان يقول لولده الحسن (عليه السلام): (وجدتك بعضي بل وجدتك كلي حتى كأن الموت لو اتاك اتاني) (1) الطفولة بروعتها ونقائها وبراءتها تحتاج رعاية واهتمام كبيرين لينشأ الولد طفلًا قويًا معطاءً... كم من الأطفال نراهم في واقع حالنا ونبهر من بعض ما يقدمون، كم من طفل للقرآن حافظ، في حين عجز عن حفظ القرآن كثير من الكبار، وكم طفل للمبادئ التي تربى عليها محافظ. كل هذا يكمن في طريقة التربية الممزوجة بروح الإيمان وزرع ثمار الحق في نفسه، فكلما كانت أكبر كلما كانت أقوى في مواجهة حياته. إذن، مرحلة الطفولة مرحلة اساسية في بناء وتكوين شخصية الطفل، ولا يخفى ايضا ان للبيئة التي يعيشها الطفل دورًا ذا اهمية بالغة في بنيته وتأسيسه. وكلما تحلّت تلك التربية بروح الإيمان، كلما اعطت رمزًا كبيرًا بالعطاء والتضحية، ويمكن أن نتذكر هنا شهادة محمد وابراهيم أبناء مسلم بن عقيل (عليه السلام)، هما طفلان رسمت على وجهيهما براءة مزجت بحزن جُسّد في كربلاء، وطبعت في ذكراهم صور لأجساد قتلى ورؤوس مقطعة وخيل ونار وبكاء وعطش الفؤاد، وما هذا العذاب إلّا لطيب النسل وعلاوة الشرف وهم نسل رسول الله (صلى الله عليه وآله). وبعد المجريات التي حدثت بكربلاء، تابعت الأيادي الحاقدة على أهل البيت (عليهم السلام) جرائمها وكانت الضحية هذه المرة ملاكين ملأتهما البراءة، يحملان -كباقي الأطفال- أمنيات وأحلامًا تناسب عمريهما، وطهارة قلبيهما العيش والسلام والامان، لتلقي يد ابن زياد بمحمد وأخيه في سجن الحياة. رسمت عيونهما البريئة على جدار الظلم أحلامًا قد دمرتها أيادي اللئام، وقاسا أشد أنواع العذاب، في حين أن أعمارهما الصغيرة لا تتحمل الظلم والعناء، وحبست الاحلام، وبقت الذكريات وبكلمات تملأها العبرات، عرّفا بنفسيهما للسجّان واخبراه بأنهما من نسل رسول الله (صل الله عليه وآله) رقّ قلب السجّان وطأطأ الرأس خجلًا من النبي المختار، فضرب قفل الحياة وقال: سيرا بأمان، واحذرا يا قرة عيني من القساة الفجار... لكن إلى أين وهذه الدنيا يا صغيريّ تلاحقكما وتلاحق طفولتكما البريئة، حتى وصلا طريقًا علّه يكون الأمان لقلبيهما على باب امرأة، وعندما سألتهما: من أنتما؟ أخبراها بنسبهما، رحبت تلك المرأة بهما وبنسبهما ولكن في قلبها خوفًا ممن لا يخشون الله ولا يراعون له حرمة... ابن أختها الذي شهد أحداث كربلاء وشارك في حربه ضد ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ها هو يبحث عن أيتام مسلم بن عقيل في أزقة الكوفة بعد أن أعلن ابن زياد عن مكافئة مادية لمن يعثر عليهما، وبعد جهد كبير وتعب من هذا الشخص الذي أغرته الدنيا وانتشلت الرحمة من قلبه وفشل في العثور عليهما. أقبل نحو الدار وبعد تقديم النصح من هذه المرأة وتحذيره من انتهاك حرمة أولاد رسول الله (صلى الله عليه وآله). عثر على الأيتام وهم في الغرفة نيام... احبائي أكنتم حقًا نيامًا؟ أم تراودكم أحداث النار والخيام؟ وأي أحلام بريئة كنتم تحلمون بها أهو حلم البراءة التي قتلت معالمها؟ أم حلم الحياة المستمد من النور المحمدي... نفسي لنفسيكما الفداء... أيقضهما... سألهما من أنتما؟ أما رأى نظرة الحب والصفاء أما رأى عين الاجلاء؟ فأخذ الطفلان منه الأمان... أمان الله ورسوله إن هم أخبروه بنسبهم، فأعطاهم الأمان... أمان الله ورسوله ... وعندما أخبراه أنهما أيتام مسلم بن عقيل... مهلًا صغيري، لا تتعجل فقدر الموت بسهام الغدر لن يتأجل، في الصباح أمر غلامًا له أسود أن يأخذهما الى شاطئ الفرات ويذبحهما ويأتيه برأسيهما. فلما أخذهما الغلام قالا له: يا أسود ما أشبه سوادك بسواد بلال مؤذن رسول الله، أتقتلنا ونحن عترة نبيك، وقصّا عليه قصّتهما في السجن وما لاقياه من النصب حتى أضافتهما العجوز. فرقّ الغلام لهما واعتذر منهما ورمى السيف وألقى بنفسه في الفرات وعبر إلى الجانب الآخر فصاح به مولاه: عصيتني؟ فأجابه: أنا في طاعتك ما دمت لا تعصي الله فاذا عصيت الله فأنا بريء منك. فلم يتّعظ الرجل ولا رقّ لهما بل دعا ابنه وقال له: إن ما أجمع الدنيا حلالها وحرامها لك، فاضرب عنقي الغلامين لأحظى برأسيهما عند ابن زياد، ولما وقف عليهما الولد قالا له: يا شاب أما تخاف على شبابك من نار جهنم ونحن عترة رسول الله، فرقّ الولد لهما وفعل مثل العبد. فقال الرجل: أنا أتولى ذبحكما، فقال له الغلامان: إن كنت تريد المال فانطلق الى السوق وبعنا ولا تكن ممن يخاصمك محمد (صلى الله عليه وآله) في عترته، فما ارعوى عن غيّه ، قالا له: انطلق بنا الى ابن زياد ليرى فينا رأيه، فأبى، قالا: ألم ترع حرمة رسول الله في آله، فأنكر قرابتهما من النبي، فاستعطفاه لصغر سنهما فلم يرقّ قلبه. فطلبا منه أن يصليا لربهما سبحانه فقال: صليا إن نفعتكما الصلاة، وبعد أن فرغا رفعا أيديهما الى الله سبحانه وهما يقولان: يا حي يا حليم يا أحكم الحاكمين، احكم بيننا وبينه بالحق. فقتل الأول، وتمرغ الأخ بدم أخيه ثم تجرأ وذبح الآخر، وقطع رأسيهما الشريفين وذهب إلى ابن زياد ليروي الذي جرى، فخرًا منه بما اقترفت يداه اللتان تلوثتا بدماء أطهر خلق الله ... مات الحلم متأثرًا بجراح النصر والعز والإباء بسكين القدر الغادر ... أين ابتسامات ثغرهم الباسم؟ أين حكاياتهم وقصصهم التي تنشقت عبير كربلاء؟ مات الحلم وضل القلب ينزف لجروح لن تندمل على مر الزمان... _______________ 1 - نهج البلاغة ص 643
اخرى
هل الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بدعة؟
البَدع: معناه إحداثُ شيء لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر ولا معرفة(1). وعليه فالبدعة في اللغة: هو الشيء الذي يبتكر ويخترع من دون مثال سابق ويبتدأ به بعد أن لم يكن موجوداً في السابق. وأما اصطلاحاً فقد عرفها السيد المرتضى بأنها: (الزيادة في الدين أو نقصان منه من غير إسناد إلى الدين..)(2) ومن التعريف أعلاه يتضح أن هناك شرطين يلزم تحققهما لتحقق عنوان البدعة على الأمر الحادث وهما : أولاً: أن يكون الأمر الحادث مختصاً بالأمور الدينية. لابد أن يكون الأمر الحادث هو أمر مختص بالأمور الدينية سواء كان زيادة في الأحكام الشرعية أو نقصان فيها. وأما سائر الاَمور الحياتية والمباحات والعادات والاَعراف المختلفة لدى الناس والتي تطرأ عليها الكثير من التغييرات كما هو معلوم فلا يمكن أن يطلق عليها يوماً عنوان البدعة، وإن أحدثت أو أُنشأت أو ابتُكرت بعد عهد الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله) طالما أنها لم تكن جزءً من الشريعة. فمثلا المسلمون اليوم يستخدمون الكثير من وسائل النقل والاتصالات المتطورة والتي قد أحدثت وأُنشأت جميعها بعد عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا أنها مع ذلك لا يمكن أن تعد بدعة لأنها ليست من الأمور الدينية .. ثانياً: عدم وجود دليل شرعي على ذلك الاَمر الحادث. ويعتبر هذا القيد –مع الأول- الحد الفاصل الذي يفصل البدعة عما سواها، ويشخصها عن غيرها وعليه لا يمكن إطلاق عنوان البدعة على أي أمر حادث في الدين إلا إذا كان غير مستند الى أصل شرعي لا على نحو الخصوص ولا على نحو العموم حتى .. وتشبث بعض العلماء بشرط ثالث مفاده: ضرورة أن يكون هذا الأمر الحادث متداولاً في زمن التشريع وإلا كان بدعة. وهو شرطٌ يفتقر إلى العلمية؛ وذلك لأن هناك من الأمور التي لم تحدث في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله) ولكن وجود نص شرعي يستند عليه فيها سواء بالحلية أو الحرمة يكفي لإخراج حكمها من تحت مظلة البدعة، كما في حرمة أن يتزيَّ الرجال بزي النساء والعكس، فبالرغم من عدم وقوع هكذا فعل في زمن التشريع إلا أن وجود قوله (صلى الله عليه وآله):«ليس منّا من تشبّه بالرجال من النساء، ولا من تشبّه بالنساء من الرجال»(3) كفيل بأن يبعد حكم تحريم هذا الفعل عن عنوان البدعة .. وقد أدى الخلط بين المعنى اللغوي للبدعة وبين معناها الشرعي الذي قيّدناه بالشرطين السابقين إلى اتساع دائرة الموضوعات التي أطلق عليها عنوان البدعة، فيما اُتهم من يأتي بتلك الأمور بالضلالة والتكفير والحكم عليه بالخلود في النار وما الى ذلك ... ومن القضايا التي ادعى البعض أنها من البدع هو الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، ولو ناقشنا هذه المسألة يتضح جلياً عدم صحة ذلك المدعى لما يأتي: أولاً: الاحتفال بمولد النبي محمد (صلى الله عليه وآله) لا يمكن أن يعد إدخالاً في الدين ما ليس منه؛ لأنه يُعبّر عن الحبّ والولاء والمتابعة له (صلى الله عليه وآله) وهو بالتالي تعظيم للرسالة الاِسلامية الغرّاء، وقد تقدم أن الأصل الشرعي الذي يستند عليه الفعل الحادث لإخراجه من قائمة البدع يكفي أن يكون أصلاً على نحو العموم ولا يشترط فيه أن يكون دليلاً خاصاً، ومن المعلوم أن المسلمين قاطبةً يُقرّون أن هناك أدلة كثيرة أكدت على ضرورة احترام النبي (صلى الله عليه وآله) وتوقيره وتبجيله حيّاً وميتّاً، وقد ورد الشيء نفسه في حق آل البيت (عليهم السلام). ثانياً : واضحٌ جداً أن من أدخل الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في دائرة الابتداع إنما خلط بين المعنى اللغوي لكلمة البدعة والمعنى الشرعي الاصطلاحي لها، والبون شاسعٌ بين الاثنين كما تقدم. ثالثاً: استند آخرون في إدخالهم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في دائرة البدعة إلى خلو زمن التشريع من الاحتفال، وقد تقدم الرد على ذلك سابقا فلا داعي للتكرار. رابعاً : من الأسباب التي استندوا إليها لعدِّ الاحتفال بدعة هو قولهم: إن الاحتفال ترافقه بعض الاَعمال المُبتدعة، من قبيل قول (ابن الحاج): «ومن جملة ما أحدثوه من البدع مع اعتقادهم أنَّ ذلك من أكبر العبادات، وإظهار الشعائر، ما يفعلونه في شهر ربيع الاَول في يوم المولد، وقد احتوى على بدع ومحرّمات جمة» (4). ومع أننا نستنكر أي عمل محرم يرافق الاحتفال، إلا أننا نؤكد غرابة قولهم هذا !! إذ ما علاقة احتواء الاحتفال على محرمات في إسباغ سمة الابتداع على الاحتفال برأسه؟ ثم لو أن عبادةً واجبةً كالحج مثلاً في زمن من الأزمنة قام البعض بتضمينها شيئاً من المحرمات، أ فهل يسوّغ لنا ذلك أن نعدّ الحج بدعة؟ّ! رابعاً: روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي»(5). ولهذا فمن حق المسلم أن يُعبّر عن حبه له (صلى الله عليه وآله) بأي صورة كانت شريطة أنْ لا تتعارض مع الشريعة الاسلامية.. خامساً: أيد بعض علماء السُنّة الاحتفال بيوم مولده (صلى الله عليه وآله) وعدّوه عملاً حسناً أو (بدعة حسنة) بمعناها اللغوي، نظير ما قاله ابن حجر: «عمل المولد بدعة، لم تُنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنَّها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدّها، فمن تحرّى في عملها المحاسن، وتجنَّب ضدها كان بدعةً حسنةً، وإلاّ فلا» (6). وقول السيوطي: «عندي أنّ أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس، وقراءة ما تيسّر من القرآن ورواية الاَخبار الواردة في مبدأ أمر النبي صلى الله عليه وآله ، وما وقع في مولده من الآيات، ثم يمدّ لهم سماط فيأكلون وينصرفون من غير زيادة على ذلك، هو من البدع الحسنة التي يُثاب عليها صاحبها، لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وآله وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف..»(7). وهذا يؤكد ما قلناه من أن المقصود من البدعة المحرمة هو ما لزم منه ابتداع شيء جديد لا أساس له في الدين وإدخاله في الدين. وهل اجتماع أتباع أهل البيت (عليهم السلام) في الاحتفالات بمواليد المعصومين ومنها المولد النبوي الشريف إلا تلاوة القرآن الكريم وإنشاد الشعر في مدحهم و التذكير بالدروس والعبر التي نستلهمها من سيرهم العطرة؟! ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) العين للفراهيدي 54:2 (2) الرسائل، للشريف المرتضى 3: 83. (3) كنز العمّال، لعلاء الدين الهندي 8: 324 / 41237. (4) المدخل، لابن الحاج 2: 2. (5) سنن الترمذي: 622 / 3789 تحقيق أحمد محمد شاكر. (6) المواسم والمراسم، لجعفر مرتضى العاملي: 62 عن رسالة المقصد المطبوعة مع (النعمة الكبرى على العالم) و (التوسل بالنبي وجهلة الوهابيين: 114). (7) كي لا نمضي بعيداً عن احتياجات العصر، لسعيد حوّى. السيرة بلغة الحب والشعر: 42 رضا الله غايتي
اخرىالتعليقات
يتصدر الان
لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع
يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي
اخرىبين طيبة القلب وحماقة السلوك...
خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي
اخرىلا تقاس العقول بالأعمار!
(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي
اخرىالمرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)
بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.
اخرىالطلاق ليس نهاية المطاف
رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي
اخرىهَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ
عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي
اخرى