تعلمتُ مِنْ نقَاء

بقلم: قلم زهرائي حسيني نقاء.. من خيرة الفتيات اللاتي تعرفتُ عليهن وأحسنتُ اختيارهن، فتاة خلوقة ومتديّنة، روحها خضراء وثغرها باسم لا يحكي إلّا الصدق وطيب الكلام، رافقتها طويلًا، وكان هذا رزقًا وتوفيقًا أحمدُ الله تعالى عليه، كنت أراها مخلصةً في العمل مجتهدة في طلب العلم، خدومةً تحبّ الخير ومساعدة الآخرين، إلى جانب ذلك كنتُُ أراها قدوة في تربية النفس وتأديبها بأجمل الآداب، فكانت لا تشارك المغتاب، ولا تشجع على النميمة، وكل من عرفها يشهد لها بذلك... حظيَت نقاء باحترام جميع الفتيات، لأنها كانت تحترمهنّ جميعًا وتحسن إليهن، وكثيرًا ما رأيتُ تأثرهنّ بها وثقتهن برأيها، فكنّ يرجعْن إليها للاستشارة أو النصيحة، وكانت تقابلهن بكل حبّ وترحاب، كنت أعجبُ من طبعها وأتساءل: كيف وصلت إلى هذه المرحلة من حسن الخلق وطيبة النفس ونقاء السريرة؟ فكانت تجيبني بقول الإمام الصادق (صلوات الله تعالى عليه): "إِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ إِذَا وَرِعَ فِي دِينِهِ وَصَدَقَ الْحَدِيثَ وَأَدَّى الْأَمَانَةَ وَحَسُنَ خُلُقُهُ مَعَ النَّاسِ، قِيلَ: هَذَا جَعْفَرِيٌّ، فَيَسُرُّنِي ذَلِكَ وَيَدْخُلُ عَلَيَّ مِنْهُ السُّرُورُ، وَقِيلَ: هَذَا أَدَبُ جَعْفَر" (١). أتذكرها على الدوام... وأحد المواطن التي أتذكرها عنده؛ خطبة النبي الأعظم محمّد (صلى الله عليه وآله)، ولعلّها كانت تقرأها كثيرًا وجاهدت واجتهدت طويلًا لتعمل بما جاء فيها، ليس في شهر رمضان فقط، بل في كل الشهور. فعند قراءَتي لقول النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) "وَتَصَدَّقُوا عَلَى فُقَرَائِكُمْ وَمَسَاكِينِكُمْ" أتذكر كيف أنها كانت تخصص من مصروفها جزءاً وتضعه في محفظة خاصة، وعندما كنتُ أراها وأسألها تجيب: إني أجمع ما أوفقُ لجمعه لأقوم بإهدائه للفقراء والمحتاجين أو أشتري به شيئًا ينفعهم. وكانت تشجع والدتها وتساعدها في إعداد طبق من الطعام وإرساله إلى الجيران وتقول: ما أجمل أن نشارك ا لآخرين طعامنا وإن لم يكونوا من المحتاجين. وعند قوله (صلى الله عليه وآله): "وَوَقِّرُوا كِبَارَكُمْ، وَارْحَمُوا صِغَارَكُمْ" أتذكرها أيضًا، فقد كانت تحترمُ والديها أيّما احترام، فكانت تنهض احترامًا إذا دخلا، وكانت تتأخر في المشي عنهما خطوات، وتحرص على ألا يعلو صوتُها صوتَهما، وكانت تسرُّ بخدمتهما ولا تتململُ من ذلك، ما جعلها ذلك محبوبةً لدى الجميع، وليس عند والديها فقط، وهذا بفضل برها بهما ورضاهما عنها ودعائهما لها... ولم تكن تأمر أحدًا بعمل شخصيّ، وحتى الصغار، فلا تقول لهم: اجلبوا لي هذا أو ذاك، بل كانت تخدم نفسها بنفسها، وتعاملهم بمنتهى اللُطف والمداراة؛ لذا كانت تحظى بحبهم أيضًا، و كنت أمازحها أن: يا نقاء، كأنك الحلوى أينما كنتِ اجتمع حولكِ الأطفال! وفي قوله (صلى الله عليه وآله)" أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ حَسَّنَ مِنْكُمْ فِي هَذَا الشَّهْرِ خُلُقَهُ، كَانَ لَهُ جَوَازًا عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الأَقْدَامُ" أتذكرها كذلك، فقد كانت حريصة على التحلي بمكارم الأخلاق وجميل الطباع، كانت تقول لي: هذه الصفة جميلة وسيفخر بنا نبينا (صلى الله عليه وآله) وعترته وإمام زماننا إن تحلينا بها، وكانت تشجعني على الالتزام بها حتى تصير مَلكة لا تتغير مع تغير الظروف أو تبدل الأحوال. ذات يوم ذهبتُ إليها فرأيتها ترتدي الحجاب والعباءة والجوارب فتعجبت من ذلك وقلتُ: أفي هذا الحرّ الشديد وأنت صائمة! كيف تحتملين ذلك؟! فابتسمت وأخذتني من يدي وقالت: اخفضي صوتك، فلدينا ضيوف وقد اضطررت لمجالستهم مع عائلتي، ولأجل ذلك ارتديت هذه! وذات يوم، وبينما كنت أتجوّل معها في حديقة الجامعة، توقفتُ فجأةً ونظرت إليها وقلت: ها؟ أبشري، كم حبة رملٍ قد أحصيتِ؟ قلت ذلك لأنها كانت تغضُ بصرها كثيرًا وكأن عيونها تراقبان الأرض. لم تكن تقابل الإساءة بالإساءة بل كانت كثيرة العفو والصفح، وعندما كنت أستفهم عن سرّ ذلك تجيبني: لا ينبغي لأتباع آل محمد (صلى الله عليه وآله) أن يحملوا في صدورهم غلًا أو حقدًا، فماذا نخسر إن عفونا وصفحنا؟! ذلك يوجب قرب الله تعالى ورضاه، وإن هذه لمنزلةٌ عظيمة. ذات يوم دخلتُ مصلى الكليّة فوجدتها تجلس بمفردها، وعندما اقتربت منها حسبت أنها شاردة الذهن، ولكنها –وقتها- كانت تذكر الله تعالى بتسبيح السيّدة الزهراء (صلوات الله تعالى عليها)، ولكن لم أكن لأعلم بذلك إلا بعد حين مصادفة لأنها كانت تخفي المسبحة تحت عباءتها! ولعل السبب لئلا يدخلَ شيء من الرياء قلبها. كانت نقاء مصدر الأمان في مجموعتنا، فكُنّا نُسرُّ بوجودها ونحزن لغيابها، لقد كانت مصداقًا لقول سيد الأوصياء (صلوات الله تعالى عليه): «خالطوا الناس مخالطة إن متم معها بكوا عليكم، وإن عشتم حنوا اليكم» (٢). لقد كانت نقاء مثالًا للمرأة الواعية المثقفة، فرغم أننا وإياها كنّا في السنّ نفسه، ولكننا كنّا نتعلم منها وكأنها تكبرنا بسنوات! عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال رسول الله عليه وآله:« قالت الحواريون لعيسى: يا روح الله من نجالس؟ قال من يذكركم الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغبكم في الآخرة عمله» (٣). ونقاء كانت كذلك. ـــــــــــــــــ (١) وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج١٢، ص ٢. (١) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (صلوات الله تعالى عليه)، ج٤، ص٤. (٣) الكافي، الشيخ الكليني، ج١، ص ٣٩.

اخرى
منذ سنتين
3362

ومضات بمناسبة قرب موعد الامتحانات

بقلم: علوية الحسيني إنّ العلم كمال، وكل كمال لابد له من مسلك يعرج إليه، وسبيل العروج إلى تحصيل العلم ورسوخه في الذهن يتمحور ضمن مراحل من خلالها يتم تأسيس قواعد رصينة تفيد في ترسيخ، وسهولة حفظ، وتدبر العلم، نسرد بعض منها: 1- الغذاء لابد من تغذية الروح أولاً؛ إذ للنفس اقبالٌ وادبار، وتطبّع بالآثار، فقد تتراجع نفس الطالب نتيجة تأثرها بالابتعاد عن الله تعالى، أو بحسد الآخرين، أو بكثرة مراقبته لدرجات زملائه، مما يعطّل عليه عملية تحصيل العلم ورسوخها في الذهن. فلا بد من الارتباط الروحي الوثيق بالله سبحانه وتعالى؛ من خلال الدعاء، وأداء الصلاة، والتقرّب إليه بالوسيلة. ومن الأدعية المجربة التي تساعد على الحفظ ما روي عن النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) أنه قال لأمير المؤمنين (عليه السلام): إذا أردت أن تــحفظ كل ما تسمع وتقرأ فادع بهذا الدعاء في دبر كل صلاة، وهو (سبحان من لا يعتدي على أهل مملكته، سبحان من لا يأخذ أهل الأرض بألوان العذاب، سبحان الرؤف الرحيم، اللهم اجعل لي في قلبي نورا وبصرا وفهما وعلما إنك على كل شيء قدير)(2). كما لابد من تغذية الجسد أيضًا بالغذاء الصحي؛ لتنشيط الذاكرة، وكتب الأطعمة كفيلة ببيان نوع الأغذية ذات الفيتامينات المساعدة على تنشيط الذاكرة، والحفاظ على حيوية الخلايا. 2- الكتابة. أي تقرير الدرس في دفترٍ خاص بأسلوب الطالب، على أن لا يخرج عن المفاهيم العلمية، مستعينًا بشرح الاستاذ، أو معتمدًا على كتب اخرى. وكثيرًا ما نجد الروايات تؤكد على كتابة العلم؛ حفاظًا على المعلومات من الفرار والنسيان؛ روي عن النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله): "قيّدوا العلم. قيل: وما تقييده؟ قال كتابته"(2)، فالتقييد إنما هو لأجل المنع من فرار المعلومة. ولا بد من الإشارة إلى ضرورة اطلاع استاذ المادة على كتابة الطالب –تقريره-؛ للتصحيح والتدقيق بصورةٍ دورية؛ حفاظًا على قلم الطالب من الخروج عن صلب الموضوع، أو خلط المطالب. 3- المباحثة وتتحقق باجتماع مجموعة من الطلاب، وقيام أحدهم بدور الأستاذ، فيشرح لهم الدرس، ويصغي إليه زملاؤه. ولهذه الوسيلة دور كبير في بث روح التعاون، ونبذ البخل العلمي؛ وتبادل المعلومات بين الطلبة، واستغلال الوقت بما هو نافع لهم كطلبة، وبناء شخصيتهم العلمية؛ حيث تؤهلهم للتدريس مستقبلاً، خصوصًا فيما إذا كان الطلاب قد قرروا درسهم؛ فيكون ما يشرحه لهم زميلهم مراجعةً لكن بطريقةٍ حتمًا مختلفة. 4- الدراسة. وهي أن يتولى الطالب دراسة كتابه بنفسه -بعد شرح الاستاذ، والتباحث فيها-، وقد تكون الدراسة شفوية -وذلك بقراءة الموضوع أكثر من مرّة-، وقد تكون تحريرية -بكتابة النقاط والتعريفات في مسودة لغرض الحفظ-. نعم، لابد من تهيئة ظروف مناسبة للدراسة تساعد الطالب على التركيز، وعدم التفكير بشيء سوى درسه، والوعد ببعض الهدايا التي تناسب مقامه وعمره، على أن لا تخرج عن حد النفع والحلال. 5- الـسؤال. بعض المطالب العلمية قد لا يرتفع الغموض عنها بمجرد شرح الاستاذ، إذ قد تنقدح في ذهن الطالب أسئلة لم يجد جوابًا لها بعد أن كتب درسه، وتباحث به، ودرسه، فيأتي دور السؤال ليحصل على جوابٍ يكون بمثابة المفتاح لفتح قفل المسألة الغامضة، روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "إن هذا العلم عليه قفل، ومفتاحه السؤال" (3). ولابد أن يكون السؤال تعلّمًا، لا لمجرّد السؤال، أو لإحراج الاستاذ، إذ ليس من أخلاقيات الإسلام ذلك. كما ويجب أن يوجّه الطالب سؤاله للأستاذ في الوقت المناسب، وهو بعد الانتهاء من شرح الدرس؛ فمن غير اللائق مقاطعة الاستاذ؛ فلعل جواب السؤال يأتيه آخر شرح الدرس، فلينتبه لذلك، وليحترم مقام استاذه. _______________________ (1) بحار الأنوار: 83/ 9. (2) منية المريد: 340. (3) بحار الأنوار: 1/ 198. وفق الله تعالى طلبتنا وطالباتنا للنجاح الباهر

اخرى
منذ سنتين
2366

الإعاقة ليست عجزًا

بقلم: إيمان صاحب ليس من الصعب على الإنسان أن يكون معاقًا حينما يعتاد على ما هو عليه، بحيث يشعر وكأنه شخص سليم يمارس حياته بشكل طبيعي، ولكن الصعوبة تكمن في تقبّل هذا الشيء عند بعض الأصحاء أصحاب النظرة المحدودة التي ترى أن الشخص المعاق عاجز لا يتمكن من أي عمل، فعليه أن يلازم البيت ولا يخرج منه إلّا للضرورة، وكأن الإعاقة ذنب عظيم يحاسب عليه مدى الحياة. أما النظرة الثانية: ترى في الإعاقة نقصًا لا ينفك عن صاحبها، ولذا حينما يتحدث عنه لا يذكر اسمه، بل يسمّيه بما فيه من عوق كقوله: أتى الأعرج أو الأعمى، وحتى في التعامل يشعره بأنه لا يقدر على عمل شيء وأنه دومًا يحتاج إليه حتى في أبسط الأمور. وبين هذه النظرة وتلك، ذات تتحلى بثقة عالية وإرادة قوية، تتخطى جميع العقبات رغم ما بها من ألم وحرمان، فهذا لا يعني أن لا يتقدم إلى الامام بأي شكل من الأشكال، فكم من معاق أبدع بمجالات متعددة حينما منح فرصة من الفرص، وكم من مبدع أشاد بأعماله من أهل الاختصاص، وحتى من يرى أبداعهم يقول: هذه العبارة (الله يأخذ شيئاً ويعطي شيئاً)، وذلك ناشئ من إرادة قوية والاعتماد على الله تعالى ثم الثقة بالنفس، مع التحلي بالصبر في مواجهة كل ما يخدش المشاعر، لأن عجز أحد الأعضاء عن الحركة أو تعطيل طرف من الأطراف لا يعني توقف كل شيء وعدم القيام به، مادام يملك فكرًا نيرًا يضيء لنفسه ولمن حوله لا أن يكون فردًا عاجزًا وناقصًا، بل العجز هو حالة الجمود التي يعيشها الإنسان حينما يتأثر بنظرة أو بكلمة إن خذله الدعم الذاتي واستسلم لليأس دون مقاومة المصاعب والتصدي لهكذا أمور، فلو بذل كل الناس الدعم والتشجيع لذات من ذوي الاحتياجات الخاصة وهو لم ينهض بنفسه ويدعمها الدعم الذي يحركها نحو الأمام لا يكتب لها النجاح مدى الحياة وإن كان العكس يبلغ ما يتمناه كما يبلغه غيره من الأصحاء.

اخرى
منذ سنتين
689

عصبية الأمهات وآثارها السلبية

بقلم: قاسم المشرفاوي هل تبحث عن حلول سحرية؟ أو وصفة طبية يمكن أن تتناولها وينتهي كل شيء وتصبح هادئاً؟ هل تفكر هكذا الآن وتنتظر منا أن نعطيك حلولًا أسرع من البرق؟ أو أننا نمتلك عصا موسى ونغير من طبيعتك وسلوكك؟ أنا أقول لكما أختي وأخي الكريم، لا توجد حلول سريعة ولا وصفة طبية يمكن أن تجعلنا هادئين، لأن الموضوع متشعب وفيه تفاصيل كثيرة. إذن ما الحل يا ترى؟ الكل يبحث عن حلول، ولكن البعض يريدها سريعة وفورية، ولا توجد هكذا حلول على أرض الواقع، وما نكتبه يمكن أن يفيد بعضكم ولا يفيد الآخر! لماذا ؟ لأن موضوع التغيير يعتمد أولًا وبالذات على قدرتك واستعدادك الداخلي للتغيير، فالله تعالى يقول (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الرعد ١١] أنا أستطيع أن أتحكم بأفكارك أو أن أُغير من طبيعة حياتك، فهذه الأشياء تخصك أنت. إنما الحل يكمن بداخلك. نعم بداخلك. وأكررها وأُعيدها وأتمنى أن تفهمها وتستوعبها وتهضمها جيدًا: بداخلك أنت. كل شخص لديه ظروف مختلفة عن الآخر، فمن الممكن أن يكون هناك سبب يجعلني أن أتعصب وأصبح عصبيًا ولا يدفعك أنت للعصبية؟ إن التأثيرات مختلفة، وهي تختلف وفقًا لفكرك ومنهجك في الحياة. إذن أسلوب العصبية وإن كانت نتيجته واحدة -وهي كونك عصبي المزاج- ولكن أسبابه متعددة وكثيرة، وعلينا أن نفهمها ونعرفها لكي نتجنبها ونعمل على تركها. فهذا هو الحل يا إخوتي الكرام. لو سألت نفسك، ما هو الشيء الذي يثيرني ويستفزني ويجعلني عصبيًا ومتوترًا؟ طفلي عنيد، لا يسمع الكلام، لا يقرأ، غير منظم، يتحرك كثيرًا، يركض ويتشاجر مع إخوته، لا يهتم لدراسته، يشاكس الأطفال، لا يقبل أن يتناول طعامه، ولا ينام بوقته، دائمًا أركضُ وراءه من أجل فعل واجباته المدرسية! أليس هذه الأشياء هي ما تثيركم وتستفزكم؟ يا إلهي! نسيت شيئاً مهمًا وهو: أن زوجي لا يشاركني في كل هذه الأشياء، فهو لا يبالي بما يدور في البيت لا من قريب ولا من بعيد! وبعد، هل توجد مثيرات أخرى؟ إنها أم زوجي ووالده، يوفرّان كل شيء لأطفالي مما يسبب تعارض آرائهم مع وجهات نظري في التربية! نعم، وبعد هل يوجد من المثيرات شيء آخر؟ البيئة الخارجية والظروف وصعوبة الحياة، كل ذلك سبب رئيسي يزيد من عصبية الأمهات ويرفع من توترهن وقلقهن! كل الأشياء التي ذكرتها هي أسباب رئيسية ترفع معدل العصبية لدى الأمهات والأخوات. ولكن، هل يكمن الحل بأن نتعصب ونصرخ ونضرب؟ بالتأكيد لا، هل تحاول التنفيس عن غضبك بهذه الطرق الخاطئة (الضرب، الصياح، العصبية)؟ نعم، أغلب الأمهات تستخدم هذه الأساليب لتفريغ توترها ولتغطي في الحقيقة على عدم قدرتها على مواجهة مشاكلها وحلها! إذن يجب أن تفكر بطريقة منطقية تجعلك تتوقف عن هذا السلوك البغيض والمزعج لك ولأولادك. أغلب الأمهات تعزو سبب عصبيتها إلى سلوك وتصرف أطفالها، وتلقي باللائمة عليهم. وأنا أقول: إن طفلك ليست له مدخلية في ذلك إطلاقًا! ذلك لأنه طفل، هل تعقلان هذه الكلمة يا أخي ويا أختي الكريمة؟! إنه طفل، ويريد أن يعيش طفولته، وإدراكه غير مكتمل وغير ناضج بعد. فلماذا تتعامل معه على أنه كبير ويدرك ويفهم كل شيء؟ هو يدرك ويفهم بشكل يتناسب مع مستوى فهمه و (دماغه). فكيف تطلب منه أشياءً أنت لا تستطيع فعلها؟! كيف يستطيع الطفل أن يسيطر على انفعالاته ويتحكم بأموره وأنت تفقد أعصابك على أمور تافهة وبسيطة؟ هل من الممكن أن يتعلم الطفل بسهولة، أو أنه يحتاج وقتًا وجهدًا لكي يتم بناء شخصيته بشكل صحيح؟ إذا كنت عصبيًا، وكان طفلك عصبيًا، هل تستطيع أن تغير عصبية طفلك وأنت عصبي المزاج وتقول: ابني عصبي ماذا أفعل؟ لا يمكن ذلك إطلاقًا. تخلَّ عن عصبيتك أولًا، وسيطر على أعصابك، بعدها سيتعلم ابنك منك كيف تتعامل مع الأمور. بإمكانك أن تفعل ذلك بشرط: ١- أن يكون لك هدف واضح يكمن في تعديل سلوكك الخاطئ، وهذا يتضمن إيمانك بنفسك. ٢- أن تقرر وتعتزم على التغيير والخلاص من أسلوب العصبية، وتبتعد عن إلقاء اللوم على الأطفال وتقول: عصبيتي من أطفالي، فأنت الكبير وهو الصغير. وهو يقلدك في كل شيء. ٣- بعض العصبية يُعزى سببها إلى صفة متجذرة في النفس منذ أيام الطفولة، فالأب الذي تعرض إلى التعنيف والضرب في أيام طفولته يمكن أن يعكس ذلك الآن بشكل لا واعي، فيتصرف بأسلوب عدواني استفراغًا لرسائل سلبية قديمة تستفز ذاكرته من حيث لا يشعر. والأم في ذلك مع الأب سواء. على أنه: إذا كانت صفة العصبية متوارثة منذ الطفولة فباستطاعتك التخلص منها إذا عزمت بصدق على ذلك، فالأمر منوط بإيمانك فالتغيير يبدأ من داخلك. 4- أحد أسباب العصبية والتوتر والاكتئاب هو نقص عنصر المغنسيوم والزنك في الجسم، مما يجعل هرمون السيروتونين منخفضًا، فالنواقل العصبية هي من تسيطر على ذلك. 5- باستطاعتك تنظيم وقتك في البيت وتخصيص وقت لنفسك، يمكن من خلاله أن تسترخي بعملية التأمل الذي يجعل أعضاءك تأخذ تمددها بشكل انسيابي من أجل الشعور بالراحة الداخلية. 6- الاستماع إلى القران الكريم من الحلول التي تجعلك مستقرًا نفسيًا.. 7- كلما شعرت بأنك ستصبح عصبيًا، حاول أن تردد: (استغفر الله ربي وأتوب إليه) وكرره كثيرًا، إلى أن تشعر بالاستقرار. 8- أخذ قسطٍ كافٍ من النوم، ولعب الرياضة، من الأسباب التي تجعلك هادئاً، لأنها ترفع من معدل السيروتونين في الجسم... 9- الابتعاد عن الهاتف النقّال وذلك بقفل النت في البيت وخصوصًا إذا كنت تقوم بتدريس أطفالك، فالأنترنت أحد أسباب التوتر في البيت... 10- الابتعاد عن الخلافات الزوجية وحلها بأسلوب هادى بعيدًا عن التوتر والصياح... 11- تناول المكسرات وخصوصًا اللوز؛ لأنه يرفع من معدل السيروتونين في الجسم... 12- المواظبة على الصلاة في أول أوقاتها يجعلك تشعر بالراحة والاستقرار. 13- زيادة المعرفة بفنون التربية النفسية والدينية للطفل لأنها تجعلكم تميزون بين الطبيعي وغير الطبيعي من سلوك أبنائكم. 14- قراءة كتب تتحدث عن كيفية التخلص من العصبية ومعرفة أسبابها ومتابعة برامج تخص هذا الأمر... 15- لا ننسى أن الإنسان الذي اعتاد على صفة العصبية والصراخ منذ سنوات، فإن هذه الصفة قد تجذرت وترسخت في شخصيته وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من أسلوبه في الحياة، فالخلاص منها يحتاج إلى جهد جهيد ومستمر في مراقبة النفس ومحاسبتها باستمرار، وإعادة برمجتها بشكل إيجابي للتخلص من برمجتها السلبية السابقة، وبالتالي تتغير أفكارنا وطريقة تفكيرنا، وهذا التغيير يحتاج إلى خطوات عديدة بعضها ذكرناها في المنشور والبعض الآخر لا يسعنا ذكرها هنا. وأُذكركم: أنه لا يوجد شيء صعب في الحياة ما دامت الإرادة موجودة. وأخيرًا... فإن كل ما ذكرناه يمكن أن يساعدكم للتخلص من عصبيتكم المفرطة بشرط أن يكون لديكم الاستعداد لذلك...

اخرى
منذ سنتين
3887

يقينٌ لا يُجدي..

بقلم: رضا الله غايتي رأيته مغبر المظهر رثَّ اللباس أشعث الشعر، قد طمس الحزن ملامحه، وغيّم الأسى على هيأته، حاملاً فأسه يضرب به على جدران ذلك القصر الجميل بكل قوته، وكأنه يريد أن ينتقم منه! شككت في كونه الشخص الذي أعرفه، أمعنت النظر وإذا به هو.. رباه ماذا يفعل؟ وما الذي حمله على ذلك؟ أوليسَ هو الذي خلّفتُهُ بالأمس القريب وهو أحرص الناس على أن يملك أفخم قصرٍ وفي أروع منظرٍ وأرقى مظهرٍ؟! عجباً ها قد تحقق ما كان يتمنى، فما باله اليوم يروم هدمه؟! رفعت صوتي لأُسمِعه؛ لأنه على ما يبدو مشغولاً بهمٍّ قد أصمَّ أذنيه وشلَّ ذهنه، وكأن كل ما يشغله هو التفاني لنوال شيء، لكنه يعجز عنه. ناديته: أن يا فلان ما الذي تصنع؟ أتهدم ما كنتَ بالأمس تتمنى؟ وتحطم بيديك ما كنت تبني؟ فأجابني بكلمات تصطبغ بالندم وبنبرات صوت قد مزّقتها حسرات الألم: نعم.. سألته بتعجب: ولماذا؟! أجاب: قد كنت أرى هذا القصر كما تراه أنت الآن. وأما بعد إن أرقدني المرض في السرير، ورأيت بأمِّ عيني كم أصبحتُ ثقيلاً على أولادي الذين لم أُشعرهم يوماً بحرمان أو تقصير، وغدا كلٌّ منهم يرمي بي على الآخر ضَجراً من سماع آهاتي، متثاقلاً من قضاء حاجاتي، هارباً من تلبية طلباتي.. حينها أدركتُ مدى قبح ذلك القصرِ الذي من أجله أهلكت عمري، ومدى تفاهة أمنياتي التي في سبيل تحقيقها أفنيت حياتي.. أتعلم، بالرغم من سعة هذا القصر وجماله كان يضيق عليّ حد الاختناق، فكان يبخل عليّ بهوائه إلا النزر اليسير.. ولم يمضِ على مرضي إلا أيام حتى حُرِمت منه حيث نقلني أولادي إلى دار المسنين.. أثار كلامه عجبي وألمي معاً: أ فهل ضاق عليك هذا القصر المترامي الأطراف لتنقل إلى دار المسنين؟! أجاب بحسرة بالغةٍ: بل ضاقت صدورهم التي حشوتُها بالمال الحرام.. آهٍ.. آه.. لكم قرأت وسمعت وقيل لي: إن إطعام الأولاد المال الحرام من الرشوة والغش والمعاملات الربوية له الكثير من الآثار الوخيمة والنتائج السقيمة. لكني لم أكن آبه لكل ذلك حتى تذوقت مرارة ما كنت أطهوه بكلتا يديّ على نار جشعي وطمعي. سألته: ولكن يا صاح، إن لم يضِق عليك هذا القصر فما ذنبه لتهدمه؟! أجاب: لا يغرنّك ظاهره الجميل يا صاح، فقد تحوّلت أسسه وجدرانه إلى حطب نار عظيمة تحرقني ليل نهار.. آهٍ.. آهٍ.. لغفلتي واغتراري ببهارج الدنيا الخدّاعة.. فكم ضيّعتُ من فروض صلوات وخمس وصدقات لأتمَّ بنائي وأنعم فيه مرتاح البال، وإذا بأركانه الشاهقة وزخارفه البرّاقة تزيدني الآن اشتعالاً فوق اشتعال.. وكم سمعت أن الحقوق والأموال المغصوبة تفعل ذلك، ولكن لم أكن أصدق حتى أيقنت الآن بكل ذلك حق اليقين.. ذُهِلتُ من الصور التي رسمها بكلماته فلم أنطق ببنت شفة. وأما هو فيبدو عليه أنه قد استسلم للطريق الذي مَهدَتْه عقيدته وأفعاله، بعد أن يئس من إمكانية التخلص من أليم تبعاته، رمى بفأسه على الأرض وهمَّ بالابتعاد.. مشى خطوتين ثم التفت قائلاً بنبرة يأس: أبلغ أولادي عني السلام وارجُهم ليخففوا عني ما أنا فيه من حريق، فوالله لم أعد أحتمله الآن وأنا في أول الطريق، فكيف بي لو خُلِّدتُ فيه يا صديق؟ ارجُهم .. فلعلهم.. مع إني أعلم بأنْ قد أثملتهم ملذات الدنيا كما أثملتني من قبلُ ومن يثمل بحبها فمن الصعب أن يُفيق.. استيقظت من النوم فزعاً وصورته لا تفارق مخيلتي، وما أن أرسلت الشمس أولى أشعتها معلنةً بدء النهار لتلملم شيئاً فشيئاً بقايا الظلام، حتى أسرعت إلى قصره لأخبره بما رأيت لعله يتوب، ويمحو قبل حلول أجله ما عليه من ذنوب.. ولكن قيل لي: إنه في دار المسنين. رُحماك يا رب.. ازداد قلقي فقد أصاب جزءٌ من الرؤيا.. اتجهت صوب الدار مسرعاً خائفاً من فوات الأوان، راجياً أن يتمكن من محو تبعات العصيان، وبينما أنا أتّجه إلى سريره الذي قيل لي إنه مازال فيه نائماً حتى الآن، وإذا بي أجده جثة هامدةً، فلقد مات وحيداً فريداً في عتمة الليل وظلمة الذنوب، لم يحظَ ولو بشخصٍ واحدٍ لتوديعه من بين كل من يعرفهم من الأهل والأصحاب والجيران! فكم هو مؤلمٌ أن يعيشَ المرءُ في الحياة الدنيا مكذباً ما يسمع من أحكام شرعية من دون دليل أو بحث أو تقصي.. مشتغلاً بتلبية ما تهواه نفسه من ملذات وظلم وطغيان وتعدي، فإذا مات أيقن صدقها، ولكن يقينه حينئذٍ لا ينفع ولا يُجدي.. إذ لا مجال للعودة إلى الوراء لتصحيح ما فات، وليس أمامه سوى الهلاك والعذاب الأبدي.. إلا ما رحم ربي.

اخرى
منذ سنتين
2771

شهرُ رمضان والدراما العراقيّة

بقلم: نرجس إبراهيم صافي أصبحت الدراما من متطلبات العصر الراهن؛ فهي تحكي الواقع الماثل بين أيدينا محاولةً فكّ شيفرة الزمن لتختصرهُ في عدة حلقات، وتجعل المتابع قادرًا على مشاهدة حياة الشخوص الديناميكية فيه والتنصّت على أفعالها وأقوالها عن كثب والحكمُ عليها، وتجنّب السير على خطى الشخصيّة السيئة –مثلًا- واتّباع آثار من نجحوا طوال هذهِ المسيرة التصويرية التي تحاكي الحياة. وهذا كلهُ يرجع إلى مدى تفوّق السيناريست في كتابة نصّ السيناريو والفكرة التي يحاول إظهارها من خلال الدراما، والشخصيّة التي يحاول التركيز عليها كأن تكون شخصيّة علميّة أو دينيّة ...إلخ. فالفن هو الواجهة التي يمكن من خلالها الدفاع عن الشعوب وإبرازها بصورة فاضلة. وكما نعلم أنه باتَ الشهرُ الفضيل مؤخرًا عبارة عن سوق للدراما يزداد شراسةً في كل عام وتتزايد معه أعداد المسلسلات العربيّة فضلًا عن تلك المستوردة التي تفتقرُ إلى أدنى معاني الذوق والنُبل! لكن الغريب في الدراما العراقيّة -على وجه الخصوص- هو التخلّي عن كل ما سبق ومحاولة جذب المشاهد بأعمالٍ وتصرفات طفوليّة لا تمتُّ للفنّ بأي صلة. والأغرب -كما عهدناه- هو تسليط الضوء على تصرفات فرديّة غير لائقة -أقل من أن ننعتها بالظاهرة- ووصفها بأنها ظاهرة تجتاح الشعب العراقي معممةً بذلك صورة غير منتشرة بين أوساط هذا الشعب ذا الحضارة العريقة. الدراما التي نراها تدعو إلى شعب منفتح، منحلّ أخلاقيًا، مضمحلّ الآداب والسلوك، لا يراعي حلالًا ولا حرامًا. نعم للفكاهة والكوميديا الأثر في جذب المُشاهد، ولا ننكر أن كثيرًا من الحكماء قد عوّلوا على جانب الطرفة في التأثير ولفت الانتباه، ولكن لا أن تصل إلى المستوى الذي تتحول فيه الكوميديا بل وحتى التراجيديا إلى استهزاءٍ محضٍ لا يحملُ بين معانيه شيئاً من الحكمة والعقل... كما كان ذلك في الزمن الجميل -كما يطلق عليه آباؤنا- رغمَ أن هذا الفن كان في بداياته آنذاك إلا أنه لم يكن يخلو من الحكمة. هذا وناهيك عن الإسفاف والابتذال والتهتك... إلى غياب العقل الذي -حسب التتبع الأولي- نرى أنه قد لا تخلو دراما عراقيّة حديثة من أحد الممثلين وهو يمارسُ دور المجنون هذا إن لم يكن سائر الممثلين يتقمصون ذلك الدور! ومن ثم تنتهي الدراما وتنتهي معها لحظاتٌ كان من الأجدى صرفها في أشياء أنفع خصوصًا فيما يتعلقُ بهذا الشهر الفضيل؛ أوليس شهرُ رمضان هو بمثابة المحطة السنويّة التي يضعها لنا الرّب كي نزكي أنفسنا من درن الذنوب إلى سنةٍ أخرى، فهل -والحال هذهِ- نضعُ كل فضائل هذا الشهر وراء ظهورنا ونسري خلفَ ما يُمليهِ علينا الفراغ وسط هذا الخضمّ المتلاطم.

اخرى
منذ سنتين
1106

استعباد المرأة بدعوى تحريرها

بقلم: رضا الله غايتي تعد وسائل الإعلام من أهم الروافد الرئيسية المغذية لرؤى الجماهير وأفكارها، والعامل المؤثر في تحديد أولوياتها وأهدافها، والموجّه في غرس عاداتها بل والمساهم في رسم نمط حياتها. فهي تقوم باجتثاث أصول معرفية قائمة واستبدالها بأخرى، وهدم قيمٍ معتدٍ بها وبناء قيمٍ أخرى. من خلال ما تعرضه من الأخبار أو البرامج أو الدراما والمسلسلات والأفلام، بل حتى البرامج الفكاهية؛ وذلك لأن محتوى كل ذلك لا يخلو من رسالةٍ يستهدف القائمون على تلك الوسائل إيصالها إلى المتلقّي. وبما أن المرأة أكثر من الرجل متابعةً لوسائل الإعلام عادةً؛ فهي الأكثر عرضةً للتأثر بما تبثه تلك الوسائل من رسائل، سلبيةً كانت أو إيجابية. ولعل من أخطر الرسائل التي أثرت على المرأة بشكلٍ خاص والمجتمع بشكلٍ عام والتي كثيراً ما تؤكد عليها أغلب وسائل الإعلام إلا ما ندر هي: الدعوة إلى التفلُّت من الدين والأخلاق النبيلة والاستخفاف بالعفاف والقيم الجليلة بدعوى التحرر من القيود! فأُتخِمت البرامج بمفاهيم وأحكام خاطئة عن الحريات، وسُوِّقت في الأفلام والمسلسلات عبر مشاهد فاضحة وصور وإيحاءات تشير إلى ذلك بصورة واضحة. وفي الوقت الذي يدعو فيه القائمون على وسائل الإعلام تلك إلى تحرير المرأة، فإنهم يستعبدونها بشكلٍ صريح وفي وضح النهار! فهم يستعبدونها تحقيقاً لشهواتهم عندما يحثونها على التبرج للجميع ــ وكأنها مملوكة لهم ــ والتخلي عن حيائها الفطري. هم استعبدوها عندما يُشبعون ميولهم وميول الرجال في التمتع بالنظر إلى مفاتنها دونما أيِّ مسوِّغ شرعي، ويستعبدونها تحقيقاً لأرباحهم عندما يسوّقون بضائعهم في الإعلانات مستخدمين جسدها المُغري، ويستعبدونها حفاظاً على تقدمهم الفكري عندما يصورونها بصورة المرأة العاشقة التي لا هدف لها في الحياة سوى الفوز بقلب رجلٍ ما والتفاني من أجله، وعندما يغرسون فيها أن كل قيمتها تكمن في جاذبية جسدها المثير، فإن تحقق فلا أهمية بعدئذٍ للسعي والاجتهاد وصولاً إلى عقل منير. ولا ندّعي تأثير الإعلام برسائله المفسدة هذه على جميع النساء؛ وذلك لأن التأثر بالإعلام يختلف في مداه بين الأفراد بحسب الظروف الخارجية التي يخضعون لها والظروف النفسية التي يمرون بها والأهم من هذا وذاك مدى قابليتهم للانفعال والتأثر به. فضلاً عن طبيعة المحتوى المقدم ومدى إقناعه وجاذبيته والوسيلة التي يتم إيصاله عبرها. وهو أمرٌ مطمئنٌ لو تميّزت الجماهير بالوعي اللازم. إلا أن ما يقلق حقاً هو أن أغلب شعوبنا العربية قد أثبتت وبشكل عام أنها شعوب استهلاكية بامتياز، لا للبضائع المادية فحسب، بل و حتى للأفكار المعلبة والثقافات المستوردة. و أدل دليل على ذلك الحال الذي أصبح عليه أغلب المسلمين اليوم. لذا نجد الكثير من النساء قد تأثرن بتلك الرسائل سلباً، فخالف بعضهن الأحكام الشرعية أو تمردن على التقاليد الصحيحة. واقتصرت أهداف بعضهن على الفوز بقلب رجلٍ يملأ حياتها سعادة فارتكبت ما قد تشربت به من أدوار ومشاهد، فخانت صديقتها وكذبت على أهلها والتقته سراً، لتنتهي قصة البعض منهن بفاجعة مريعة.. وخلت محفظات نقود بعضهن نتيجة توجه بوصلة أهدافهن نحو الجسم المنحوت والشفاه الممتلئة ووو. فيما تراجعت الثقة بالنفس لدى أخريات لعدم استطاعتهن الحصول على خدود منتفخة أو بطون خاوية.. فإن كانت الحال على هذه الدرجة من الخطورة في الوقت الحاضر، فكيف يا ترى يكون المستقبل؟ لاسيما أن أغلب وسائل الإعلام متوجهة نحو تغريب المجتمعات وتذويب الهويات وأمركة الثقافات. من هنا، لا بد أن يدق رجال الدين والمثقفين عموماً -لا سيما النساء الواعيات المؤمنات خصوصاً- أجراس الخطر للفت الأنظار إلى هذه الرسائل السقيمة، وتوضيح آثارها الوخيمة، وتنبيه المربين إليها وتوعية النساء إلى سوء عواقبها وتحذير المراهقات من الوقوع في شراكها. بالإضافة إلى ضرورة تسليط الأضواء على القدوات من النساء من سيدتهن الزهراء (سلام الله عليها) إلى من هن على خطها المبارك من النساء المعاصرات. وتقديم سيرهن بقراءات حديثة تلبي طموح النساء وتلامس مشاعر الفتيات وتستنهض فيهن الغيرة على الدين والعفة والحرص على كسب العلم والتحلي بالفضائل وبكل همة. فضلاً عن ضرورة تكاتف وسائل الإعلام الدينية لتقديم البدائل عن المحظورات من أفلام وبرامج ومسلسلات، وهو ما قدمته وتسعى إليه ــ أيدها الله ــ بعض القنوات. ولكن نأمل المزيد منها كماً ونوعاً لتستغني به شرائح المجتمع عن مواد الإعلام الفاسد..

اخرى
منذ سنتين
1046

جريمةٌ بحصانةٍ مجتمعية!

بقلم: عبير المنظور وُجِدَتْ الجريمة منذ بداية الخليقة، وقصة ابنيّ آدم (عليه السلام) هي قصة الجريمة الأولى على هذه البسيطة، حيث قتل قابيل أخاه هابيل لنوازع نفسية ومصلحية في قصة مفصّلة، ولا زلنا حتى يومنا هذا -وبعد فترات زمنية سحيقة- نتعاطف مع الضحية وندين القاتل وهو أول مجرم في التاريخ، وهذه الجريمة يستنكرها الجميع ويحاربها ويرفضها إنسانيًا وأخلاقيًا ودينيًا، كما يرفض كل الجرائم من قتل وسرقة وتزوير واختطاف وغيرها لكونها تمثّل التعدي على حقوق الآخرين وسلبها منهم. ومنذ فجر التاريخ والبشرية تقنّن التشريعات وتسنّ القوانين للحفاظ على نظام المجتمعات من التخبط والفوضى وللحد من معدل الجريمة، وكان العراق القديم مهد الحضارات أول من شرّع القوانين وسنّها، ومسلّة حمورابي المؤلفة من ٢٨٢ مادة قانونية شاهدة على دقة التشريعات خاصة فيما يتعلق بقوانين الأسرة حيث يحتوي القسم الثامن منها على المواد من 127-195 والتي تتعلق بشؤون العائلة وحقوق أفرادها. ويا للعجب! في بلد عريق وسبّاق لتنظيم المجتمع وسنّ القوانين لحفظ حقوق أفراد الأسرة والمجتمع وبعد آلاف السنين يفتقر لقانون يُجرّم من يقوم بالعنف الأسري وكأنها ليست بجريمة تستحق الردع بالعقاب والمحاكمة في زمن التطور والتكنولوجيا والتشدّق بحقوق الانسان! فالعنف الأسري في العراق جريمة تحظى بحصانة مجتمعية! الأسرة منظومة مهمة في البناء الاجتماعي وسلامته من سلامتها، وهذه المنظومة -شأنها شأن أي منظومة أخرى- قد تتعرض أحيانًا إلى التصدع، وأن لم يعالج هذا التصدع منذ البداية ويرمّم، فقد يسبب انكسارات عميقة قد تؤدي في النهاية إلى تضعضع كيان الأسرة وانهدامها. إن من أهم الأمور التي تسبّب تصدّع الأسرة هو العنف الأُسري، ويعني اصطلاحًا: استخدام القوة المفرطة ماديًا أو معنويًا في الإساءة لفرد أو أفراد من الأسرة أو إلحاق الأذى والضرر به لإجباره على أمر معين أو للسيطرة عليه تمامًا. وبرأيي فإن العنف الأُسري هو جريمة أيضًا ككل الجرائم لأنها تعتمد على سلب الأخرين حقوقهم بطرق غير مشروعة وبالإكراه. تختلف حدة العنف الأسري من مجتمع لآخر ومن منطقة لأخرى بحسب طبيعة المجتمع ودرجة الوعي فيه، إضافة إلى الفروق الفردية والثقافية بين أفراد الأسرة ذاتها. وللعنف الأسري أشكال متعددة هي: أ- العنف المادي: ويشمل الاساءة أو إلحاق الأذى بشكل مادي ملموس، وله عدة صور أيضًا: ١- العنف الجسدي: كالضرب واللّكم والركل والحرق والخنق والغرق والصعق والدفع أو استخدام آلات حادة أو تجويع أو حرمان من أدوية معينة وغيرها، وقد يتسبب هذا النوع في إعاقة جسدية وأحيانًا قد يؤدي إلى الموت. ٢- العنف الجنسي: والغرض منه ممارسة الجنس بإكراه الطرف الآخر. ٣- العنف الاقتصادي: حيث يُحرم أحدهم من المال أو يُستحوذ على أمواله كنوع من التحكّم وفرض السيطرة على الضحية. ٤- العنف العشائري: حيث يتم إهداء بعض نساء العائلة لحلّ لعض النزاعات العشائرية بسبب رعونة وطيش وإجرام أحد أفراد الأسرة. ب-العنف المعنوي: ولا يقل خطورة عن العنف المادي، فهو يعمل على تحطيم نفسية ومعنويات الضحية من خلال: ١- العنف اللفظي: كالسباب والشتائم والتحقير والاستهزاء أمام أفراد الأسرة أو خارجها. ٢- عزل الضحية اجتماعيًا: من خلال حبسه في البيت ومنعه من التواصل مع الأهل والأصدقاء. ولا يخفى أن جميع أنواع العنف الأسري المذكورة سابقًا تحدث بكثرة في مجتمعنا العراقي، ولكن مع الأسف لا يُعرف منها إلّا القليل، وحتى وإن عُرف فإنه يتم التعاطف مع الضحية قلبيًا فقط، لأنها لا تستطيع مجابهته وإيقافه في ظل الأعراف والتقاليد المجتمعية البالية التي لا تجرّم من يقوم بالعنف الأسري ولا تتدخل أحيانًا كثيرة بحجة أنها أمور عائلية، وأن للرجل حق القوامة على المرأة، أو أن للأب سلطة على الأبناء، وهو يربيهم بمعرفته، في حين نجد أن المعنفّين من النساء والأطفال لا حيلة لهم سوى التحمل وعدم الكلام عن الموضوع لأنه يعتبر إفشاءً لسر العائلة! نعم يجب أن تكون للعائلة خصوصية، لكن في حدها المعقول، وإلّا فما ذنب الزوجة التي تتحمل العنف الأسري المستمر أمام أولادها كي لا يُطلق عليها لقب (مطلقة) مثلًا، أو محاولة منها للّم شمل الأسرة، خاصة إذا كان هناك أطفال (ضحايا) بين الزوجين، أو مثلًا أب يحرم طفله من الدراسة ليعمل في الشوارع، أو طفل يتعرض للتعذيب على يد أبيه أو أمه أو أخيه أو زوجة أبيه... والغالبية العظمى من المجتمع يفهم أن العنف الأسري يقع بين الزوج والزوجة فقط، بينما تشير الاحصائيات إلى أن ٧٥% من حالات العنف الأسري تكون ضد الأطفال! فتأملوا خطورة هذه الجريمة. وعمومًا فان نسبة ضحايا العنف الأسري في العراق كبيرة جدًا في ظل مجتمع ذكوري في الغالب، يشجّع على السلطة المطلقة للرجل على النساء (أم، زوجة، أخوات) والأطفال حتى وإن كانت خارج سلطته الشرعية التي منحتها الشريعة له، والتي قد يفرط الرجل في استخدامها مع تأييد المجتمع لما يقوم به، وأنه ضرب من الرجولة والالتزام الديني، خاصة في ظل غياب القانون الذي يجرّم ويحاسب من يقوم بذلك، إن ذلك مما يزيد من حالات التفكك الأسري وازدياد معدل تسرب الأطفال من المدارس وهروبهم إلى الشارع، وبالتالي ازدياد معدل الجريمة واختلال القيم والمعايير الأخلاقية في المجتمع، وفي أحسن الحالات نجد الأمراض النفسية وعدم الاستقرار داخل المنظومة الأسرية، وهذا يمثل الاتجاه الاجتماعي لأسباب نشوء العنف الأسري الذي تعود أسبابه أيضًا إلى أسباب فردية ونفسية، منها ضعف الوازع الديني وعدم اختيار شريك الحياة على أسس صحيحة، إضافة إلى الاهمال وعدم تحمل المسؤولية. وبلحاظ ما تقدم يكون علاج العنف الأسري على مستويين: ١- مستوى فردي: ويكون ضمن إطار الأسرة نفسها من خلال تعميق الوازع الديني والتحلي بالأخلاق الحميدة والسير على نهج محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم)، بالإضافة إلى مسؤولية الأهل في إعداد البناء لمرحلة الزوجية ومعرفة أسسها وتعزيز مفهوم الشراكة فيها، ورسم حدود الحقوق والواجبات لكل فرد من أفراد الأسرة وفق الدساتير الدينية والإنسانية. ٢- مستوى اجتماعي: من خلال تفعيل الدولة للدوائر والمؤسسات ذات الصلة بحماية الأسرة، وتشريع القوانين التي تجرّم العنف الأسري والتشديد على إجراءات تلك القوانين، إضافة إلى توجيه الإعلام توجيهًا صحيحًا لبناء الأسرة والعمل على زيادة وعي المجتمع والنهوض به ثقافيًا وإنسانيًا، ولا يخفى دور مؤسسات المجتمع المدني ومراكز الإرشاد الأسري في توجيه الأسرة نحو مسارها الصحيح لنضمن بذلك سلامة المجتمع وأفراده.

اخرى
منذ سنتين
583

أنا دائمةُ الشجارِ مع زوجي

بقلم: أم قنوت سألتني سيدةٌ: أنا دائمة الشجار مع زوجي، فهل يعد هذا الأمر طبيعياً؟ فأجبتها: نعم، ولا! الخلاف أمرٌ طبيعي؛ فكلنا يعارضُ شريكَ حياته بين الحين والآخر، فعندما يعبّرُ كلا الشريكين عن أفكارهما ومشاعرهما الحقيقية ستطفو على السطح بعض الخلافات، إذن لنواجه الأمر ونقول: لا يهم كم من الحب والانسجام الذي تحمله لشخصٍ ما، فبالنهاية أنتما شخصان مختلفان يحملُ كلٌّ منكما أفكاره وآراءه الخاصة به؛ وفي الحقيقة هذا كان جزءًا أحببتماه في بداية علاقتكما، لذلك؛ نعم الخلاف والخصام الذي يحدث بين الحين والآخر هو أمرٌ طبيعي. ولكن لسوء الحظ قد تكثر خلافات بعض الأزواج بصورة تفوق خلافات الأزواج الآخرين، ولا يُفترض أن يصبح الأمرُ سيئاً عندما يتحول الخلاف إلى جدل، وإنما تكون المشكلة الحقيقية هي عندما يتحول الخلاف الى شجار، فأنت تقولين: أنا دائمة الشجار مع زوجي، وهذه مشكلة كبيرة؛ فمن الممكن أن يكون الشجار الدائم علامة على وجود مشاكل أكبر في العلاقة نفسها. لقد حضرت هذه السيدة مع زوجها لغرض الاستشارة الزوجية، رأيتهما يتشاجران على كل صغيرة وكبيرة في حياتهما عدا موضوع العمل، أما أي مجال آخر كتربية الأطفال، أو إدارة البيت والمال، أو الاحترام ... فقد كان شعلةً لبداية الجدال واستمراره حتى الموت فقط لإثبات من منهم المحق ومن المخطئ، لذا كان من المنطقي معرفة أن المشكلة التي بين يدي هي ليست إلّا مشكلة لإثبات عنوان "هذا على حق" ضد "هذا على باطل"، ولا عجب أبدًا بأن الزوجين تعيسان في هذا الزواج، فكلاهما -وبحسب كلماتهما- يحملان الكره الشديد لبعضهما البعض. يحطم الشجار الدائم بين الزوجين العلاقة الزوجية، لذا يعد من الضروري تعلّم كيفية إنهاء الشجار وإيقافه في مرحلة الخلاف، أو على الأكثر عند مرحلة الجدل؛ فهذا الأمر جوهري لاستمرار العلاقة الصحية، ويعد الغضب هو الشعور الأصلي ما وراء الجدل الذي يتحول إلى شجار، وهذه مشكلة بحد ذاتها؛ لأن الغضب سيكون هو المتحكم بالتفكير المنطقي وبطريقة المعاملة تجاه الآخر مما يؤدي إلى النطق بكلمات والقيام بأفعال شديدة الضرر على الطرف المقابل، فسيطرة الغضب على التفكير سيبعد الطرفين عن إيجاد حلٍّ للمشكلة، بل سيفتش الطرفان حينها عن أية طريقة يؤذي أحدهما بها الآخر، وتكرار الأمر بهذه الصورة سيحطم العلاقة الزوجية. ذكرتُ في منشورٍ سابقٍ: أن المفتاح لأي علاقة جيدة ليس هو في أن يتجنب الطرفان الخلاف، بل معرفة كيف يتعاملان معه؛ فالعلاقات الزوجية الصحية الناجحة لا تتجنب الصراع والخلاف والخصام المصاحب لهما، وإنما فيها يعلّم الشريكان أنفسهما كيفية التعامل مع الطرف الآخر ويبذلان الجهد بأن لا يتحول هذا الصراع إلى حرب منتجة لإساءاتٍ لفظية، كما يجب أن يعي الزوجان بأنه في حال حدوث ذلك يجب عليهما بذل الجهد لتقليل حدة الصراع، كأن يغادر أحدهما المكان، أو يلتمس بعض الوقت للتهدئة، كما توجد طرق أخرى لترويض الغضب، ويعرف كلا الطرفين في العلاقة الناجحة آلية التهدئة المناسبة لشريك حياته ويحترمان الحاجة لاستخدام هذه الآلية في علاقتهما. نوهّتُ في نفس المنشور المذكور بأنك ستفوز عندما تكون ناضجًا بالشكل الكافي لتختار العلاقة نفسها على أن تختار كونك على حق، ولكن يتخوف بعض الأزواج في حال التزامه بهذه الطريقة أن يظهر على باطل على الدوام، وستطفو معاناة السيطرة أو السلطة على السطح حيث إن كلًا من الزوجين يوّد إثبات كونه الطرف المتحكم. كان هذا التخوّف عقبةً في طريق الزوج المذكور في هذا المقال، حيث توّهم بأنه سيفقد سلطته إذا ما تبع الأسلوب المذكور، وهذا التخوف خاطئ، وسأذكر السر الذي لا يعلمه هذا الزوج: عندما تختار العلاقة نفسها على أن تظهر دائمًا على حق ستجد أن الخلافات ستصبح أقل وكنتيجة لذلك هناك احتمال أن يتبع شريك حياتك نفس الأسلوب ومن ثم ستصلان حال التعادل: فوز لفوز. يحدث الشجار بين الزوجين لأسباب أخرى غير المذكورة في هذا المقال، ولكن العلل النفسية المسببة لهذا الشجار ليست بأهمية معرفة كم يدمر شجاركما العلاقة الزوجية، وسيشعر الجميع بسعادة ورضى، وسيكون أنجح في مجالات أخرى إذا ما تمسك بالحقيقة التي تفرض أن الأشخاص غير الناضجين يختارون الاستبداد بآرائهم حتى لو كلفهم ذلك العلاقة نفسها، بينما يختار الناضجون أن يظهروا مخطئين في سبيل الحفاظ عليها. ماذا ستختار؟ هل ستختار أن تكون ذلك الشخص الناضج في شجارك القادم أو العكس؟ ستختار الفشل أو الفوز؟ جرّب طريق النضج وستفاجئك النتائج الإيجابية والتغييرات التي ستحدث في حياتك وفي علاقتك الزوجية. أصل المقال: https://www.guystuffcounseling.com/counseling-men-blog/bid/91711/i-m-fighting-with-my-husband-constantly _________________________ تقتضي الأمانة العلمية ذكر الآتي: ١- تم حذف أسماء أصحاب الاستشارة المذكورين في هذا المقال. ٢- الترجمة ليست حرفية وتم حذف كل مالا يتناسب مع الثقافة الشرقية وتعاليم الإسلام، وهو عبارة عن فقرة قصيرة وكلمة واحدة. ‏ Dr. kurt Smith, LMFT, LPCC, AFC

اخرى
منذ سنتين
6815

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
101409

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
97821

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ سنتين
55375

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
52822

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 3 سنوات
51872

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
50740