الأجل مساق النفس

الأجل مساق النفس الأجل هو المدى الذي ضربه الله للإنسان في هذه الحياة، ليتكامل ميزان عقله بما يكفي لمحاسبته بعد الموت، وقد يُزاد في الأجل وقد ينقص. وقد يكتمل ميزان العقل ولكن لا ينسجم عمل الإنسان مع ذلك الميزان فيتحول إلى سوط عذاب على صاحبه في البرزخ، وكلنا يلاحظ أنه مع زيادة عقله تصبح ذنوبه الماضية أكثر إيلاماً عليه حين يتذكرها حتى لكأنها لسعات عقارب لا سيما في الظلامات، ولكنها عند المحاسبة يلتذ الإنسان بها لتعذيب ذاته لكي تبرد عليه بعد الموت. والنفس مستويات مثل ما بين الأرض والسماء، ومركز الإنسان قد ينزل إلى الأرض ويخلد إليها وينسجم معها فلا يجيب نداء السماء، وقد يعرج إلى سماء النفس فيكون منقطعاً عن جاذبية الأرض. ومع المحاسبة والمراقبة يزداد سلطان السماء، ومع الندم والتواضع ينسحب المؤمن إلى أهل السماء حتى يكون ضد نفسه الأرضية، ولذا ورد الحديث (ليس منا مَن لم يحاسب نفسه كل ليلة محاسبة الشريك شريكه). ويحصل في أنفس المعاندين انفصام بين مستوى العقل والضمير ومستوى الأرض فيتعذبون كثيراً إذا ماتوا لانقطاعهم عن النفس، وإذا وصل الإنسان إلى ذلك التناقض ينقطع أجله ويصبح الموت خيراً له من البقاء في هذه الدنيا. يحدثنا القرآن الكريم في سورة النمل عن حال أقوام وصلوا إلى هذه الحالة من التناقض فيذكر فرعون وجنوده فيقول: [وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ] (النمل : 14) ففرعون كان يعلم بصدق نبوة موسى ويعلم أن ما أنزل إليه من ربه، ومن قبل كان مصدقاً بالنبوءة التي تبشر به ولكن الظلم والاستكبار هو الذي جعله يعيش خوفاً من ضميره خائفاً من الرجوع إلى عقله. وعن ثمود [قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ] (النمل : 49) فهم حين يريدون إلزام بعضهم البعض يقسمون بالله، ولكنهم يناقضون أنفسهم ليقتلوا نبي الله صالحاً، لكي تختفي حجته من أمامهم فلا يحرجون منها، وهذا المكر للهرب من تأنيب الضمير إهلاك للنفس، فلينتبه الإنسان إذا مرّ به وليعلم أنه قريب من الموت [وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ] [النمل:50-51). وعن قوم لوط قولهم: [فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ] (النمل : 56) فإنهم كانوا يعلمون أن لوطاً على طهارة وأن آله يتطهرون ولكنهم لا يريدون أن يروا شخصاً طاهراً أمامهم فيذكرهم بالحق. وهذه الحالات هي عذاب حقيقي يهرب الإنسان منه بالانصراف إلى الدنيا والمكابرة والجحود، ويستمر عذابهم طيلة دفاعهم عن أنفسهم وعدم اعترافهم بالحق، وتطول المسيرة بهم لكي يعترفوا بالحق حتى أنهم في النار ولا زالوا متعلقين بشركائهم [وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ] (القصص : 64)، ومنهم من لا يزال مستمراً بالكذب، [يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ] (المجادلة : 18) وبالحسد واحتقار المؤمنين وتمني شمول الشر [وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الْأَشْرَارِ] [ص:62). وملائكة النار يستمرون في تفهيمهم ذنوبهم واستحقاقهم للعذاب حتى يعترفوا به فيسكن ضجيجهم.. وقبيل الموت يسبق كمال العقل غلبة الشهوات كفرصة للإنسان ليتراجع، فمنهم من يتواضع ويتوب ومنهم من انسجم مع الشقاء ويئس من الرحمة وكرهها. هدى الحسيني

اخرى
منذ سنتين
2633

النهوة وأثرها السلبي على واقع المجتمع

تعاني كثيرٌ من المجتمعات من سلوكيات جمعية سلبية ترثها الاجيال أباً عن جد وتدخل ضمن الاطر العرفية للعشيرة ولا يمكن أو يصعب كثيراً على أحد افراد العشيرة الوقوف امامها ومقاومتها ، لأنه قد يواجَه بأن يتم استبعاده وطرده من العشيرة ، وهذه الاعراف والعادات الموروثة تكون في اغلب الاحيان ظالمة ومجحفة في حق مجموعة معينة من البشر وخصوصا النساء ، ويكون هذا الظلم منذ اول ساعة تخرج فيه الى عالم الدنيا متمثلة بالنظرة الدونية اتجاهها وعدم الرغبة بها. فاغلب الاهل ينتظرون المولود الذكر ولا يرغبون بالأنثى ( واذا بشر احدهم بالأنثى أسود وجهه وهو كظيم ) والتباهي بالذكور سمة الكثير من الناس اصحاب المفاهيم الخاطئة. والرفض وعدم القبول الذي تلاقيه بعض الفتيات منذ سنيّها الاولى يجعلها تنظر لنفسها على انها كائن ناقص ويدفعها الى احتقار المجتمع الذكوري وأعرافه الجائرة. واذا صدر خطأ بسيطا منها فإنها ستلاقي اقسى العقوبات فالخطأ الذي يصدر منها يختلف عن الخطأ الذي يصدر من الرجل وان كان من نفس النوع. فنرى كثيرا من العادات الاجتماعية والظواهر السلبية التي تدل على التخلف الاجتماعي وتردى مستواه الثقافي كظاهرة ( النهوة ) على الفتاة من قبل اولاد عمها ، وهي منع الفتاة من الزواج الا بموافقة اولاد العم ، والهدف هو إخضاعها واذلالها من اجل القبول والزواج بأحد اولاد عمها وان كانت لا ترغب بالزواج منه، واذا رفضت ذلك فان مصيرها العنوسة الى الأبد، ليكون التسلط الذكوري يمنعها من التمتع بأبسط حقوقها الانسانية والشرعية. والسبب الاول في انتشار هذه الظواهر المنحرفة هو قلة الوعي والثقافة وقلة التدين والبعد عن الله تعالى. والحل هنا هو بالرجوع الى الفطرة السليمة والاحتكام الى قانون الله عز وجل الذي يحفظ حقوق الافراد نساءً ورجالا... وهذا التسلط سيخلق جيلا من النساء العوانس مما يؤدي الى اشاعة التخلف ورسوخه عبر الاجيال، وعدم حفظ خصوصية الاسرة بسبب تدخل اولاد العم والعشيرة فيما لا يعنيهم. ومن الأسباب الي تدفع ببعض الافراد في فرض تسلطهم وجهلهم هو ضعف شخصية الاباء وخضوعهم لقانون العشيرة وسطوتها، واذا ما حاولوا المقاومة والمواجهة فانهم يقعون تحت سلسلة جلد تبدأ بعدم قبولهم من قبل افراد العشيرة، لذلك يستسلم الاغلب منهم مضحيا بحقوق بناته في تقرير مصيرهن ويرضخ تحت مظلة جبروت العشيرة وقوانينها! ويستمر سلب حقوق المرأة تحت راية النهوة وعادات العشيرة الخاطئة من اجل السيطرة على المرأة وتسييرها وفقا لرؤيتهم ورغبتهم من اجل استغلالها والتلاعب بها كيفما يشاؤون ويشتهون. ويتم التعامل مع ذلك الكائن -الذي اوصانا به امير المؤمنين علي عليه السلام عندما قال: المرأة ريحانة وليست بقهرمانة- بهذا الشكل الذي يؤدي الى ظهور مشاكل نفسية عديدة في شخصيتها، ابرزها: فقدانها لثقتها بنفسها وعدم استطاعتها على قيادة اسرتها لأنها تفتقد التقدير الذات وتعاني من عدم احساسها وشعورها بقيمتها الذاتية مما يفقدها مركزها ومكانتها المهمة في اتمام عملية التوازن المجتمعي. وتخضع الكثير من النساء الى اساليب القهر والاستسلام وتصدق بانها مخلوق خلق من اجل تقديم الخدمات للرجل فهي مجرد خادمة وعاملة ليل نهار من اجل إسعاد الرجل دون إسعاد نفسها ، ودون الحصول على حقوقها من الاحترام والتقدير فهي كائن مقهور لاحول له ولا قوة! هذه الاساليب التسلطية تخلق جيلا متسلطا ضد الأم والزوجة والأخت مما يضعف كيانها ويبدد احلامها...

اخرى
منذ سنتين
1652

من اسئلتكم

السؤال: لماذا نكثر من الدعاء ولا نجد الإجابة من اله تعالى؟ الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم: وقال ربك ادعوني استجب لكم .. إن الله تعالى سبحانه وتعالى أمرنا بالدعاء وطلب حوائجنا منه، وتعهّد على نفسه بالإجابة (واذا سالك عبادي عني فاني قريب اجيب دعوة الداع اذا دعان)... ومما لاشك فيه ان الله اقرب الينا من حبل الوريد وهو يسمع ويرى تقلب عبده ومناجاته له وإلحاحه في طلب حوائجه دنيوية كانت او أخروية ولكن تأخر الاستجابة قد يصيبنا بخيبة أمل ويأس إن كنا قليلي الصبر، ولم نكن نعي او نتأمل مع من نتكلم. وفي الحقيقة أن هناك آداباً وشروطاً يجب توفيرها حتى ننال المبتغى، وان من شروط استجابة الدعاء هي التالي: 1- البدء بالبسملة أي قل قبل الدعاء : ( بسم الله الرحمن الرحيم )،فعن الامام الحسن بن علي عليهما السلام :" بسم الله الرحمن الرحيم اقرب الى اسم الله الاعظم من سواد العين الى بياضها "0 2- الثناء على الله لقوله تعالى : ( ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها ). 3- الصلاة على محمد وآل محمد قبل وبعد الدعاء 0 4- اليأس مما في ايدي الناس وطلب الفضل والخير من الله وحده0 5- حضور القلب عند الدعاء لقوله تعالى : ( امّن يجيب المضطر اذا دعاه ويكشف السوء )0 6- الثقة بإجابة الدعاء لقول النبي صلى الله عليه وآله: " ادع الله وانت موقن بالإجابة "0 7- الالحاح في الدعاء فاذا طبقنا هذه الشروط ولم تتحقق الاجابة هنا يجب علينا التيقّن إلى الحكمة الالهية من عدم الاستجابة ففي دعاء الافتتاح نقرأ للإمام عليه السلام: فان ابطأ عني عتبت بجهلي عليك ولعل الذي ابطا عني هو خير لعلمه بعاقبة الامور ان عدم الاجابة قد يعود الى أن الإجابة قد تلحق ضرراً بالعبد لجهله بمصلحته والله سبحانه اعلم وارحم على عبده من نفسه فان أجابه فهذا مخالف لحكمته. وقد يحبسه عنه ويؤخره ويثيبه عليه في يوم الحساب حتى يقول العبد: يا ليت لو لم تستجب لي دعوة، كما أخبرت الروايات بذلك. وقد يكون التأخير بسبب حب الله لعبده وهو يرى تقلبه ومناجاته وإلحاحه، فعن الامام الصادق عليه السلام قال: ان العبد ليدعو فيقول الله عز وجل لملائكته احبسوه بحاجته فاني احب ان اسمع صوته. بقلم: رجاء الأنصاري

اخرى
منذ سنتين
1226

من أسئلتكم

عالم البرزخ السؤال: عندما يرتكب الانسان الذنوب هل سيكون الحساب في عالم البرزخ أم يوم القيامة؟ وإذا حاسبه الله في عالم البرزخ على ذنوبه إذاً يوم القيامة على ماذا سيحاسب؟ هل ينتهي حسابه في البرزخ ويوم القيامة يدخل الجنة؟ الجواب: لا يقتصر حساب الله (تعالى) للإنسان على يوم القيامة فقط، وإنما يمر بعدة مراحل منذ نزع الروح وحتى انتهاء حسابه النهائي في يوم الآخرة وتقرير مصيره إما إلى الجنة أو النار؛ لما ورد عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله):"إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته، فاعبدوا الله كأنكم ترونه، واستغفروه كل ساعة"(1) وعنه (صلى الله عليه وآله) أيضاً: "إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته، يرى ما له من خير وشر"(2). من هُنا يُعلَم أن الإنسان بلا شك يُحاسب في عالم البرزخ، فيُثاب على عمله الصالح ويعذّب على عمله الطالح ــ كما سيتضح ــ. وعالم البرزخ هو عالمٌ بين عاَلَمي الدنيا والآخرة، وقد ذُكِر في كل من الكتاب الكريم والسنة المطهرة، قال (تعالى):"وَمِن وَرَائِهِم بَرزَخٌ إِلَى يَومِ يُبعَثُونَ"(3) وقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام):"والله ما أخاف عليكم إلّا البرزخ, فأمّا إذا صار الأمر إلينا, فنحن أولى بكم"(4)،يقصد (سلام الله عليه) الشفاعة يوم القيامة. وقد ذكرت بعض الروايات مراحل يتجلى فيها حساب الإنسان في عالم البرزخ، منها: ما روي عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: قيل للصادق (عليه السلام):"صف لنا الموت؟ قال: للمؤمن كأطيب ريح يشمه فينعس لطيبه وينقطع التعب والألم كله عنه، وللكافر كلسع الأفاعي ولذع العقارب أو أرشد. قيل: فإن قوماً يقولون: إنه أصعب من نشر بالمناشير وقرض بالمقاريض ورضخ بالأحجار وتدوير قطب الأرحية في الأحداق. قال: كذلك هو على بعض الكافرين والفاجرين بالله (عز وجل)، ألا ترون منهم من يعاني الشدائد فذلكم الذي هو أشد من هذا ألا أن من عذاب الآخرة فإنه أشد من عذاب الدنيا. قيل: فما بالنا نرى كافراً يسهل عليه النزاع فينطفئ وهو يحدث ويضحك ويتكلم، وفي المؤمنين أيضا من يكون كذلك وفي المؤمنين والكافرين من يقاسى عند سكرات الموت هذه الشدائد. فقال: ما كان من راحة للمؤمن هناك فهو عاجل ثوابه وما كان من شديدة فتمحيصه من ذنوبه ليرد الآخرة نقياً مستحقاً لثواب الأبد لا مانع له دونه وما كان من سهولة هناك على الكافر فليوفَ أجر حسناته في الدنيا ليرد الآخرة وليس له إلا ما يوجب عليه العذاب وما كان من شدة على الكافر هناك فهو ابتداء عذاب الله له بعد حسناته ذلكم بان الله عدل لا يجور"(5). فالرواية المتقدمة تشير بوضوح إلى إن كيفية نزع الروح ترتبط بكيفية الإنسان نفسه وما عليه من اعتقاد وعمل صالح أو طالح، فإن كان مؤمناً لا ذنب عليه سهّل الله (تعالى) عليه النزع وذلك عاجل ثوابه، وإن كان عليه بعض الذنوب شدّد الله (تعالى) عليه الموت تنقيةً له منها، وأما إن كان كافراً فإن كان له بعض الحسنات سهّل الله (تعالى) عليه النزع وفاءً لأجر حسناته وإن لم تكن لديه حسنات شدّد عليه الموت وذلك أول العذاب. كما أن لذنوب الإنسان أثراً واضحاً في سؤال منكر ونكير له كما روي عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: "إن المؤمن إذا اخرج من بيته شيعته الملائكة إلى قبره يزدحمون عليه حتى إذا انتهى به إلى قبره قالت له الارض: مرحباً بك وأهلاً أما والله لقد كنت أحب أن يمشي عليّ مثلك لترين ما أصنع بك فتوسع له مدّ بصره ويدخل عليه في قبره ملكاً القبر وهما قعيدا القبر منكر ونكير فيلقيان فيه الروح إلى حقويه فيقعدانه ويسألانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: الله، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: الاسلام، فيقولان: ومن نبيك؟ فيقول: محمد (صلى الله عليه وآله)ـ فيقولان: ومن إمامك؟ فيقول: فلان، قال: فينادي مناد من السماء: صدق عبدي افرشوا له في قبره من الجنة وافتحوا له في قبره بابا إلى الجنة وألبسوه من ثياب الجنة حتى يأتينا وما عندنا خير له، ثم يقال له: نم نومة عروس، نم نومة لا حلم فيها، قال: و إن كان كافراً خرجت الملائكة تشيعه إلى قبره يلعنونه حتى إذا انتهى به إلى قبره قالت له الارض: لا مرحباً بك ولا أهلاً أما والله لقد كنت أبغض أن يمشي علي مثلك لا جرم لترين ما أصنع بك اليوم فتضيق عليه حتى تلتقي جوانحه، قال: ثم يدخل عليه ملكا القبر وهما قعيدا القبر منكر ونكير. قال أبو بصير: جعلت فداك يدخلان على المؤمن والكافر في صورة واحدة؟ فقال: لا، قال: فيقعدانه ويلقيان فيه الروح إلى حقويه فيقولان له: من ربك؟ فيتلجلج ويقول: قد سمعت الناس يقولون، فيقولان له: لا دريت ويقولان له:ما دينك؟ فيتلجلج، فيقولان له: لا دريت، ويقولان له: من نبيك؟ فيقول: قد سمعت الناس يقولون، فيقولان له: لا دريت ويسأل عن إمام زمانه، قال: فينادي مناد من السماء: كذب عبدي، افرشوا له في قبره من النار وألبسوه من ثياب النار وافتحوا له بابا إلى النار حتى يأتينا وما عندنا شر له، فيضربانه بمرزبة ثلاث ضربات ليس منها ضربة ألا يتطايرقبره ناراً لو ضرب بتلك المرزبة جبال تهامة لكانت رميماً"(6) ومن الجدير بالذكر أن للكافر مصاديق كثيرة سوى الكافر المعهود والذي نعرفه، ولذا فإن لفظ الكافر في الرواية المتقدمة لا يقتصر عليه، ومن تلك المصاديق ما جاء في قوله (تعالى):"وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)"(7)، ومنها قوله:" وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)"(8) فمن لا يشكر الله (تعالى) ومن لا يؤدي فريضة الحج رغم وجوبها عليه هما من مصاديق الكافر وإن كان المسلمون يعاملونهم معاملة المسلمين، وبالتالي فلا نظن أنّنا بمنجاة عن هذا اللون من العذاب في البرزخ طالما كنّا نقترف تلك الذنوب. ومن البديهي أن عذاب البرزخ لا يكون بمستوىً واحد لجميع الناس وإنما يختلف ويتفاوت بين بعضهم البعض حسبما يقتضيه استحقاق كل منهم لعدالة الله (تعالى) وحكمته، بل قد تقتضي عدالته وحكمته أن يستحق بعضهم العذاب في البرزخ والآخرة، على حين لا يستحق البعض الآخر العذاب إلا في البرزخ فقط، فيما يستحق سواهم العذاب في الاخرة فقط, وكل هذا راجعٌ الى حكمته وتقديره, فهو (سبحانه) جعل لكل نوعٍ من العصيان نوعاً من العذاب, فعقوبة عالم البرزخ تكون على ذنوب تختلف عن الذنوب التي أوعد الله عليها العذاب في يوم القيامة. فقد روي عن الإمام علي (عليه السلام) قال: "عذاب القبر يكون من النميمة والبول وعزب الرجل عن أهله"(9). وعن الإمام الصادق (عليه السلام):"ان جل عذاب القبر في البول"(10). ومن الجدير بالذكر أن عالم البرزخ وإن كان عالم حسابٍ ولا عمل وهو بهذا يختلف عن عالم الدنيا، إلا أنه في الوقت نفسه هو عالمُ تكاملٍ، وهو بهذا يشابهها، غير أن التكامل فيه لا يكون بالعمل مباشرةً وإنما بآثاره كما ورد ذلك في بعض الروايات منها ما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله):"من سنَّ سنة حسنة عمل بها من بعده كان له أجره ومثل اجورهم من غير أن ينقص من اجورهم شيئا"(11)، وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: "ست خصال ينتفع بها المؤمن بعد موته : ولد صالح يستغفر له ، ومصحف يقرأ فيه ، وقليب يحفره ، وغرس يغرسه ، وصدقة ماء يجريه، وسنة حسنة يؤخذ بها بعده "(12). وبما أن آثار عمل الإنسان تسهم في تكامله في عالم البرزخ، إذن من الممكن جداً أن تسهم في رفع عذاب ذلك العالم عنه، كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام)، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):"مرّ عيسى بن مريم بقبر يعذّب صاحبه، ثم مرّ به من قابل فاذا هو ليس يعذب، فقال على نبينا وآله وعليه السلام : يا ربّ مررت بهذا القبر عام أول فكان صاحبه يعّذب ، ثم مررت به العام فاذا هو ليس يعذّب، فأوحى الله (عزّ وجل) إليه :يا روح الله أنه أدرك له ولد صالح، فأصلح طريقاً، وآوى يتيماً فغفرت له بما عمل ابنه ...."(13) بل ورد في بعض الروايات أن هناك أعمالاً تخلِّص الانسان من عذاب القبر، كما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: "سورة الملك هي المانعة تمنع من عذاب القبر"(14). ولا يقتصر التكامل في عالم البرزخ على رفع العذاب وتخفيفه بل وتشمل رفع درجات المؤمن كما في تقوية المسكين في دينه، فالمسكين تارةً يكون مسكيناً مادياً وأخرى يكون مسكيناً معنوياً، ومن أخطر المسكنة: المعنوية المسكنة في الدين أي الضعف فيه، ولذا كان العمل على تقوية هذا الجانب هو الأفضل اثراً في عالم البرزخ، فقد روي عن الإمام على بن أبي طالب (عليه السلام):"من قوى مسكيناً في دينه، ضعيفاً في معرفته على ناصب مخالف، فأفحمه لقنه الله (تعالى) يوم يدلى في قبره أن يقول: الله ربي، ومحمد نبيي، وعلي وليي، والكعبة قبلتي، والقرآن بهجتي وعدتي والمؤمنون إخواني. فيقول الله: أدليت بالحجة، فوجبت لك أعالي درجات الجنة، فعند ذلك يتحول عليه قبره أنزه رياض الجنة"(15) وكما أن هناك تكاملاً للإنسان في عالم البرزخ، فإن هناك تسافلاً أيضاً نتيجةً لآثار الأعمال السيئة في الحياة الدنيا فقد ورد عنه (صلى الله عليه وآله):" ومن سنَّ سنة سيئة فعمل بها بعده كان عليه وزره ومثل أوزارهم من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا "(16) فتزيد عذاب الميت أو قد تؤبده إلى قيام الساعة كما في بعض الفتاوى التي يصدرها بعض وعاظ السلاطين من الجهلة الذين يدّعون العلم والتي تحصد على مر الزمن النفوس البريئة تلو النفوس، وتدمر الأواصر الاجتماعية جيلاً بعد جيل، وتفتت الشعوب القوية وتحيلها إلى فريسةٍ سهلة لأعداء الإسلام. من كل ما تقدم يتضح تجلّي اللطف الإلهي للإنسان إذ منَّ عليه بعالم البرزخ؛ لأنه يتيح له فرصة التكامل من جهةٍ وهي فرصة لتنقية بعض المؤمنين مما اقترفوه من ذنوبٍ ليكونوا مؤهلين برحمة الله (تعالى) لدخول الجنة من جهةٍ أخرى. كما يتضح فيه تجلّي العدل الإلهي، إذا يُبقي على سجل الظالمين الطغاة مفتوحاً ليُسجّل فيه كل نتيجةٍ لأعمالهم الطالحة، وكل أثرٍ من آثار جرائمهم الفادحة في الحياة الدنيا وعلى مر العصور والأزمان. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) ميزان الحكمة ج4 ص244 (2) المصدر السابق (3) المؤمنون 100 (4) بحار الأنوار ج6 ص214 (5) علل الشرائع ج1 ص374 (6) الكافي ج3 ص240و241 (7) إبراهيم 7 (8) آل عمران 97 (9) وسائل الشيعة ج1 ص340 (10) المصدر السابق (11) ميزان الحكمة ج3 ص470 (12) تسلية الفؤاد ص 134 (13) الخصال ج1 ص331 (14) الكافي ج6 ص4 (15) المصدر السابق ج2 ص851 (16) بحار لأنوار ج6 ص229 (17) ميزان الحكمة ج3 ص470 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
4227

الــقرائن الــحاليّة والــمقاليّة في حديث الغدير

حديثُ الغدير حديثٌ تواترت به السنة النبوية, حتى رواه (110 صحابيّاً)و (84تابعيّاً), مضمون الحديث: أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خرج إلى حجّ بيت الله الحرام في السنة العاشرة للهجرة وأتم مناسكه, وحين رجوعه إلى المدينة ووصوله تحديداً إلى غدير خم في الثامن عشر مِن شهر ذي الحجة هبطَ عليه جبرائيل (عليه السلام) مبلّغاً إيّاه آية كريمة مِن الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)(1). وأوّل اجراءٍ اتبعه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو مناداة الحجّاج للاستماع لخطبته, وأمر بردِّ مَن تقدموا عن الغدير, وما إن اجتمع الجميع خطبَ بهم (صلوات الله عليه وآله) فحمدَ الله وأثنى عليه وأخذ إقرار الحاضرين بأصول الدّين توحيداً, ونبوّةً, ومعاداً, وإيصاءً بالثقلين, ثم أخذ بيد قالع الباب ومفرّق الأحزاب عليّ بن أبي طالب (عليه سلام الملك الوهّاب), وقال ثلاث مرّات (مَن كنتُ مولاه فعليٌ مولاه) وسنقرأ الحديث في مصادر أبناء العامة: "عن ‏ ‏البراء بن عازب ، قال : أقبلنا مع رسول الله ‏ (ص[صلّى الله عليه وآله وسلّم]) ‏ ‏في حجته التي حج فنزل في بعض الطريق فأمر الصلاة جامعة فأخذ بيد ‏ ‏علي ‏(ر[عليه السلام]) ،‏ ‏فقال :‏ ‏الست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، قالوا : بلى ، قال : الست أولى بكل مؤمن من نفسه ، قالوا : بلى ، قال : فهذا ‏ ‏ولي ‏ ‏من أنا مولاه ‏، ‏اللهم ‏ ‏وال ‏ ‏من والاه ، اللهم عاد من عاداه"(2). "وعن ‏ ‏زاذان أبي عمر، ‏قال سمعت ‏ ‏علياً ‏ ‏في ‏ ‏الرحبة ‏ ‏وهو ‏ ‏ينشد ‏ ‏الناس من شهد رسول الله ‏ (ص[صلّى الله عليه وآله وسلّم]) ‏ ‏يوم ‏ ‏غدير خم ‏ ‏وهو يقول : ما قال : فقام ثلاثة عشر رجلا فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله ‏ (ص[صلّى الله عليه وآله وسلّم]) ‏ ‏وهو يقول : ‏مَن كنت ‏ ‏مولاه ‏ ‏فعلي ‏ ‏مولاه"(3). نستشف مِن هذا الحديثين قرائن تجعلهما كالنص في أنّ المراد من (المولى) هو الأولى بالتصرّف في شؤون المؤمنين, وليس الناصر أو المحب, كما أُريد تصويره من البعض، والقرائـن هي: أولاً: الــقرائن الــحاليّة: 1- تحمّل هجير الحر ووعثاء السفر. 2- حبس الحجّاج وإرجاع المتقدّم منهم. 3- حشرهم في أرض صحراء ليسمعوا الخطاب جيداً دون تأثيرات حفيف الأشجار. وجميع هذه القرائن لا يعقل معها أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يريد أن يقول للناس: هذا ابن عمي هذا محبٌ أو ناصرٌ لي فأحبّوه! بـــل المراد بالولي هو الخليفة المتصرّف في شؤون العباد بـعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم). ثانياً: القرائـن المقالـيّة: 1- قول النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): " ألستُ أولـــى بكم مِن أنفسكم" ثم نقل الأولوية هذه إلى عليّ (عليه السلام) " فعليٌ مـــولاه" أي إنّ علياً أولـــى بكم مِن أنفسكم, فهو المتصرف في شؤون العباد, وبدلالة ما أخرجه الطبراني في المعجم: " عن جرير البجلي : قال : شهدنا الموسم في حجة رسول الله صلى الله عليه[وآله] وسلم وهي حجة الوداع ، فبلغنا مكانا يقال له غدير خم . فنادى الصلاة جامعة فاجتمع المهاجرون والأنصار، فقام رسول الله صلى الله عليه[وآله] وسلم وسطنا ، قال : يا أيها الناس بم تشهدون ؟ قالوا: نشهد أنّ لا إله إلا الله . قال : ثم مه ؟ قالوا: وأنّ محمدا عبده ورسوله . قال : فمن وليكم ؟ قالوا: الله ورسوله مولانا . ثم ضرب بيده إلى عضد علي[عليه السلام] فأقامه فنزع عضده فأخذ بذراعيه فقال: من يكن الله ورسوله مولاه فإن هذا مولاه . اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. اللهم من أحبه من الناس فكن له حبيبا ومن أبغضه فكن له مبغضا. اللهم إنّي لا أجد أحدا استودعه في الأرض بعد العبدين الصالحين فاقض فيه بالحسن."(4). فهذا الحديث يدل على أن المولويّة هي التصرّف في الشؤون, من خلال عدّة وجوه، نذكر منها: (5): الأول: إنّ المتبادر من (الولي) كما يظهر من جواب القوم لسؤال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إياهم "فمن وليكم ؟ " بقولهم " الله ورسوله مولانا " هو " ولـي الأمر " وإلا لما خصوا ذلك وحصروه في " الله ورسوله " . وعليه فيجب حمل ( الولي ) على " ولي الأمر " في الأحاديث التي وردت هذه اللفظة بحق أمير المؤمنين بعين ما حمل الصحابة هذه اللفظة في قول النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم): " فمَن وليكم " تدل على الـمتصرف في الأمور . الثاني: إنّ هذا الحديث ظاهر في أنّ ( المولى ) في قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): " فإنّ هذا مــولاه " وفي قوله: " مَن يكن الله ورسوله مولاه " بمعنى واحد، وقد علم من جواب الأصحاب - حيث حصروا هذا المعنى في الله ورسوله - أنّه لــــيس المراد المحب أو الناصر أو المحبوب - لعدم كون هذه المعاني منحصرة لله ورسوله - بل المراد هو الولاية في التصرف فإنّها الثابتة لله ولرسوله ولا يستحقه إلا الله ورسوله . وأيضا : فإنّ جواب الأصحاب ظاهر في اتحاد (المولى) و (الولي) في المعنى؛ لأنّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) سألهم : " فمَن وليكم ؟ " فأجابوا قائلين : " الله ورسوله مــولانا " . _______________________________ (1) المائدة: 67. (2) سنن ابن ماجه - كتاب المقدمة - أبواب في فضائل أصحاب رسول الله (ص[صلّى الله عليه وآله وسلّم]) - باب فضل علي بن أبي طالب (ر[عليه السلام]), ح 116. (3) مسند الإمام أحمد بن حنبل - مسند العشرة المبشرين بالجنة - مسند الخلفاء الراشدين- ومن مسند علي بن أبي طالب (ر[عليه السلام]), ح 642. (4) كنز العمال: 15/12 . (5) خلاصة عبقات الأنوار: 327. علوية الحسيني.

اخرى
منذ سنتين
3060

حــقوق الإنسان مـابين القانون والشريعة

شهدَ العراق انتهاكات كبيرة بحق أبنائه منذ سنين مضت ولازال، وآخر انتهاكٍ لحقوق أفراده اليوم هو عـدم توفير ماءٍ صالحٍ للشرب في بعض محافظاته وعلى رأسها البصرة الفيحاء. [في شهري آب وأيلول من عام 2018م] ولا أملك للأهالي الكرام فيها سوى الدعاء, وما تسطره حروفي اليوم موضحة للجميع حــق المواطن في توفير مقومات الحياة. للإنسان حق في أن يعيش في وطنه حياة كريمة، وفي أن تتوفر متطلباته الأساسية من طعام وشراب ومسكن, ولابدّ لكلّ دولةٍ من توفير تلك المتطلبات لشعوبها. وسوف أسرد الموضوع ضمن مطالب أربعة, أتناول في الاول منها التعريف بحقوق الإنسان, وفي الثلاثة منها استعراض رأي القانون الدولي, والدّين الإسلامي, ثم المرجعيّة العليا. المطلب الأول: المراد بحقوق الإنسان هي المعايير الأساسية التي لا يمكن للناس من دونها أن يعيشوا بكرامة كبشر, فهي ضمانات عالمية تحمي الأفراد والجماعات من الإجراءات الحكومية التي تمسّ الحريات الأساسية والكرامة الانسانية. وتعد حضارات وادي الرافدين من أقدم الحضارات البشرية وأولها اهتماماً بحقوق الأنسان، إذ تعتبر الوثائق السومرية من أقدم الوثائق التي اهتمت بحقوق الإنسان، من خلال اهتمامها بالقانون والعدالة والحرية، والتي كانت من أساسيات الفكر العراقي القديم من بدأ التدوين (الكتابة) في الألف الثالث قبل الميلاد. الـمطلب الثاني: رأي المواثيق الدولية نصّت المواثيق والاتفاقيات والعهود الدولية على ضرورة احترام حقوق الإنسان وشمولية تطبيقها, فعند انتهاء الحرب العالمية الثانية أُنشئت منظمة دولية تدعى (منظمة الامم المتحدة)، وبفضل ميثاق هذه المنظمة دخلت مسألة حقوق الانسان دائرة القانون الدولي الوضعي، إذ تضمّن ميثاق المنظمة عدّة نصوص بشأن حقوق الانسان. وقد استهلت الامم المتحدة ميثاقها بالعبارات التالية: "نحن شعوب الامم المتحدة قد آلينا على أنفسنا ان ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب...التي جلبت على الانسانية مرتين احزانناً يعجز عنها الوصف وان نؤكد من جديد ايماننا بالحقوق الانسانية للإنسان ولكرامته وقدرته وكما للرجال والنساء والامم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية"(1). كما وأنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي نشر في 10/كانون الأول/1948نصّ على التالي: "لكل شخص الحق في مستوى كافٍ للمعيشة وفي المساعدة الطبية اذا مرض"(2). فها هي النصوص القانونية الدولية كفيلة بتوفير حقوق الإنسان أبسطها وأعظمها، فأين السلطات المختصة مِن الانقياد لذلك وتحقيق سبل العيش لأبناء البصرة الكرام وغيرها من المدن؟! أم إنّها تلجأ للنصوص القانونيّة فقط حال تزامن الانتخابات لتحاول إكساء العملية الانتخابية بثوب المشروعية والأولوية ؟! فـكما أنّ للمواطن حق الانتخاب، فلــه حق الانتفاع مِن ثروات بلده. المـطلب الـثالث: رأي الدِّين الإسلامي: لما كان الاسلام خاتم الأديان السماوية وأنّ الرسول محمد(صلّى الله عليه وآله) هو خاتم الأنبياء والمرسلين، فيعد الاسلام دين البشرية جمعاء, وأنّ حقوق الانسان التي أقرها الاسلام للإنسان هي حقوقاً ليست طبيعية فحسب، بل إنّها نعمة من الله تعالى, اذ لم يترك القرآن الكريم والأحاديث الشريفة امراً يتعلق بحقوق الأنسان الاّ وتحدثا عنه . والموارد الطبيعية هي من حقوق الله تعالى التي وهبها لعباده ، وليست هي حقاً خاصاً لفرد أو فئة أو لجيل عن جيل آخر, بل هي حق عام للبشرية كافة. فقد دعا الإسلام إلى آداب سلوكية عند الانتفاع من تلك الموارد التي من المؤكد أنها تؤثر على الكمية المستهلكة منه. لقد عالج الإسلام مشاكل المياه في التلوث والإسراف وسوء الاستخدام منذ 14 قرناً من الزمان بما قرره من آداب وقواعد وأحكام للمحافظة على الماء وترشيد استهلاكه، فالماء هو مصدر الحياة، والمحافظة عليه تعني المحافظة على الحياة بأشكالها المختلفة. ولو تأملنا في الآيات البينات والأحاديث الشريفة لوجدنا القيم والآداب والأسس والقواعد للمحافظة على الماء وحمايته من التلوث، منها ما يلي: 1- نهى الإسلام عن الإفساد في الأرض، فقال الله تعالى: {كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين}(3), وقال تعالى: {وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض}(4). ومعلوم أنّ تلويث الماء بشتى طرق التلويث المختلفة هو إفساد في الأرض لما يترتب عليه من أضرار جسيمة لكل من يستخدم هذا الماء الملوث من كافة المخلوقات. 2. أقر الإسلام مبدأ (لا ضرر ولا ضرار)، فكل ما يضر بالمسلمين في رزقهم ومأكلهم ومشربهم فقد نهى الإسلام عنه، وتلوث الماء من أكبر أشكال الضرر، حيث يتسبب في حالات كثيرة من إزهاق الأرواح وقتل الأحياء ونشر الأوبئة والأمراض، ودرء هذا التلوث واجب ودافع للضرر. 3- قال أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) في اشارة إلى وجوب المحافظة على الكرامة الإنسانية بما فيها من حقوق مخاطباً الحكّام: "اتقوا الله في عباده وبلاده، فإنّكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم..."(5). المطلب الرابع: رأي المرجعية العليا بالأوضاع الراهنة في محافظة البصرة قال سماحة السيد السيستاني على لسان وكيله : "إنّ محافظة البصرة الفيحاء هي الاولى في رفد البلد بالموارد المالية, وهي الاولى في عدد الشهداء والجرحى الذين قدمتهم في معركة الدفاع ضد عصابات داعش الارهابية ولا تزال تمتلئ شوارعها وازقتها بصور آلاف الشهداء الذين بذلوا أرواحهم في سبيل انقاذ العراق وحماية أهله ومقدساته، فليس من الإنصاف بل ولا من المقبول أبداً أن تكون هذه المحافظة المعطاء من أكثر مناطق العراق بؤساً وحرماناً، يعاني الكثير من أهلها شظف العيش وقلّة الخدمات العامة وانتشار الامراض والاوبئة ولا يجد معظم الشباب فيها فرصاً للعمل بما يناسب امكاناتهم ومؤهلاتهم. وإنّ المسؤولين في الحكومتين المركزية والمحلية مطالبون بالتعامل بجدية وواقعية مع طلبات المواطنين, والعمل على تحقيق ما يمكن تحقيقه منها بصورة عاجلة، ووضع برنامج واضح ومدروس لحل بقية المشاكل القائمة بوتيرة متصاعدة. ويتطلب ذلك اتباع سياسة حازمة وشديدة مع الفاسدين ومنع استحواذهم على موارد البلد بأساليبهم الملتوية" ____________________ (1) ميثاق منظمة الامم المتحدة, الديباجة. (2)الإعلان العالمي لحقوق الإنسان, الحق 28. (3) البقرة: 60. (4) القصص: 77. (5) نهج البلاغة: ج2، ص8. اللّهمّ اكشف هذه الغمّة عن هذه الأمة بظهور وليّك, وعجّل لنا ظهوره, فإنّهم يرونهم بعيدا, ونراهُ قريبا. علوية الحسيني.

اخرى
منذ سنتين
3193

مِن أسئلتكم

تساؤلات حول آية الغار. السؤال: قال تعالى: (إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) * من هو المتكلم بهذه الآية ومن هو المخاطب ؟ * وعلى من نزلت السكينة ؟ * ومن هو الاول ومن هو الثاني في ( ثاني اثنين ) ؟ * ومن صاحب الرسول الذي كان معه في الغار ؟ * وأين اختفت ناقة الرسول العضباء ؟ هل دخلت معهم للغار ؟ الجواب: إنّ المتكلم هو الله تعالى حيث يخاطب نبيّه الأكرم (صلّى الله عليه وآله) وبدوره (صلوات الله عليه) يخاطب مَن صاحبَه في الغار، لكن من هو هذا الصاحب؟ ومَن هو ثاني اثنين؟ هذا ما سوف نعرفه مِن كتب الفريقين إن شاء الله تعالى. أثارت هذه المسألة لغطاً كبيراً بين الفريقين، فمهم مَن أصاب في إرجاع ضمائر الآية الكريمة إلى موضعها الصحيح فخرجَ بنتيجةٍ سليمة، ومنهم مَن أرجعها إلى غير موضعها تعنتاً وعناداً. لـكن لو دققنا في كتب أبناء العامة التفسيرية والتاريخية لوجدنا نـفي مقام الصاحب عن أبي بكر للنبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، كما إنّ هناك مِن علماء الشيعة مَن أثبت ذلك المقام له مع ملاحظة عدم كون مقام الصاحب مقام أفضلية على غيره؛ فلا يلزم منها أي نوع من أنواع التكريم لأبي بكر ، خصوصاً إذا كان حزن أبي بكر لا مبرر له ، بعد أن رأى المعجزات الإلهية التي توجب التصديق بأن الله تعالى حافظ لنبيه (صلى الله عليه وآله). وإذا كانت كتب ذلك المذهب تنفي كون أبي بكر في الغار، فلماذا نحن نحاول اثبات ذلك ؟! وعليه سيكون الجواب في نقطتين: الاولى تفسير الآية في كتب أبناء العامة. والثانية في كتب الشيعة. الـنقطة الاولى: تفسير الآية من كتب أبناء العامة ( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم ) . 1/يقول تعالى : ( إلا تنصروه ) أي : تنصروا رسوله ، فإن الله ناصره ومؤيده وكافيه وحافظه ، كما تولى نصره ( إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين ) [ إذ هما في الغار ] ) أي : عام الهجرة ، لما هم المشركون بقتله أو حبسه أو نفيه ، فخرج منهم هاربا صحبة صديقه وصاحبه أبي بكر بن أبي قحافة ، فلجأ إلى غار ثور ثلاثة أيام ليرجع الطلب الذين خرجوا في آثارهم ، ثم يسيرا نحو المدينة ، فجعل أبو بكر - رضي الله عنه - يجزع أن يطلع عليهم أحد ، فيخلص إلى الرسول - عليه السلام - منهم أذى ، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يسكنه ويثبته ويقول : يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا همام ، أنبأنا ثابت ، عن أنس أن أبا بكر حدثه قال : قلت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن في الغار : لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه . قال : فقال : يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله ثالثهما . أخرجاه في الصحيحين . ولهذا قال تعالى : ( فأنزل الله سكينته عليه ) أي : تأييده ونصره عليه ، أي : على الرســول في أشهر القولين : وقيل [وتدل على القلّة] : على أبي بكر ، وروي عن ابن عباس وغيره ، قالوا : لأن الرسول لم تزل معه سكينة ، وهذا لا ينافي تجدد سكينة خاصة بتلك الحال ؛ ولهذا قال : ( وأيده بجنود لم تروها ) أي الملائكة ، ( وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا ). [فإذا كانت السكينة قد نزلت على أبي بكر دون النبي الأعظم (صلّى الله عليه وآله) فمعنى ذلك أنّ أبا بكر هو الذي قد أيّده الله بجنود لم نرها؛ لأن قوله: (وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا) معطوف على قوله: (فَأَنْـزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ) ، وحيث إنّ هذا معلوم البطلان؛ فيتعيّن المعنى الأول وهو انّ السكينة قد نزلت على النبي (صلى الله عليه وآله) وحده، وقد حُرم منها أبو بكر]. قال ابن عباس : يعني ( كلمة الذين كفروا ) الشرك و ( كلمة الله ) هي : لا إله إلا الله . وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ... قال : سئل رسول الله - صلى الله عليه [وآله] وسلم - عن الرجل يقاتل شجاعة ، ويقاتل حمية ، ويقاتل رياء ، أي ذلك في سبيل الله ؟ فقال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله . وقوله : ( والله عزيز ) أي : في انتقامه وانتصاره ، منيع الجناب ، لا يضام من لاذ ببابه ، واحتمى بالتمسك بخطابه ، ( حكيم ) في أقواله وأفعاله(2) . 2/وجاء في صحاح أبناء العامة أنّ ابا بكر لم يكن بالغار انما كان يصلي مع سالم في المدينة، بدليل الجمع بين الحديثين التاليين: *"لمَّا قَدِمَ المهاجِرونَ الأوَّلونَ العُصْبَةَ ، موضِعٌ بِقُبَاءٍ ، قَبْلَ مَقْدِمِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، كانَ يؤُمُّهُم سالمٌ ، مولَى أبي حذيفَةَ ، وكانَ أكثرَهُم قرآنًا"(3). رواية اخرى: "كان سالمٌ مَولى أبي حُذَيفَةَ يَؤمُّ المُهاجِرينَ الأوَّلينَ وأصحابَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في مسجدِ قُباءَ ، فيهم أبو بكرٍ وعُمَرُ وأبو سَلَمَةَ وزيدٌ وعامرُ بنُ رَبيعَةَ"(4) . إذاً صاحب النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليس أبا بكر كما قرأنا في أصح الكتب عند القوم. النقطة الثانية: تفسير الآية في كتب الشيعة الامامية يقول الشيخ ناصر الشيرازي: "هناك كلام طويل بين مفسّري الشيعة وأهل السنة في شأن صحبة أبي بكر النّبي(صلى الله عليه وآله) في سفره وهجرته، وما جاءت من إشارات مغلقة في شأنه في الآية آنفاً. فمنهم مَن أفرط، ومنهم من فرّط. فالفخر الرازي في تفسيره سعى بتعصبه الخاص أن يستنبط من هذه الآية اثنتي عشرة فضيلة لأبي بكر! ومن أجل تكثير عدد فضائله أخذ يفصّل ويسهّب بشكل يطول البحث فيه ممّا يتلف علينا الوقت الكثير. وعلى العكس من الفخر الرازي هناك من يصرّ على استنباط صفات ذميمة لأبي بكر من سياق الآية. وينبغي أن نعرف ـ أوّلا ـ هل تدل كلمة «الصاحب» على الفضيلة؟ والظاهر أنّها ليست كذلك، لأنّ الصاحب في اللغة تدلّ على الجليس أو الملازم للمسافر بشكل مطلق، سواء كان صالحاً أم طالحاً، كما نقرأ في الآية (37) من سورة الكهف عن محاورة رجلين فيما بينَهما، أحدهما مؤمن والآخر كافر (قال له صاحبه أكفرت بالذي خلقك من تراب)؟! كما يصرّ بعضهم على أنّ مرجع الضمير من «عليه» في قوله تعالى (فأنزل الله سكينته عليه) يعود على أبي بكر؛ لأنّ النّبي(صلى الله عليه وآله) لم يكن بحاجة إِلى السكينة، فنزول السكينة إِذن كان على صاحبه، أي أبي بكر. إِلاّ أنّه مع الالتفات إِلى الجملة التي تليها (وأيّده بجنود لم تروها) ومع ملاحظة اتحاد المرجع في الضمائر، يـتّضح أن الضمير في «عليه» يعود على النّبي(صلى الله عليه وآله)أيضاً، ومن الخطأ أن نتصور بأنّ السكينة إنّما هي خاصّة في مواطن الحزن والأسى، بل ورد في القرآن ـ كثيراً ـ التعبير بنزول السكينة على النّبي(صلى الله عليه وآله)وذلك حين يواجه الشدائد والصعاب، ومن ذلك ما جاء في الآية (26) من هذه السورة أيضاً في شأن معركة حنين (ثمّ أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين). كما نقرأ في الآية (26) من سورة الفتح أيضاً (فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) مع أنّه لم يَرِدْ في الجمل والتعابير المتقدمة على هاتين الجملتين أي شيء من الحزن وما إِلى ذلك، وإنّما ورد التعبير عن مواجهة الصعاب والتواء الحوادث. وعلى كل حال، فإنّ القرآن يدلّ أن نزول السكينة إنّما يكون عند الشدائد، وممّا لا ريب فيه أنّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يواجه اللحظات الصعبة وهو في (غار ثور)!. والأعجب من كل ما تقدم أن بعضاً قال: بأنّ التعبير (وأيده بجنود لم تروها)يعود على أبي بكر. مع أنّ جميع المحاور في هذه الآية تدور حول نصرة الله نبيّه(صلى الله عليه وآله)، والقرآن يريد أن يكشف أنّ النّبي ليس وحده، وإذا لم ينصره أحد من أصحابه وجماعته، فإنّ الله سينصره. فكيف يمكن لأحد أن يترك الشخص الذي تدور حوله بحوث الآية، ويتّجه نحو شخص ثانوي وتبعي في منظور الآية ؟! وهذا يَدلّ على أن التعصب بلغ حدّاً بأصحابه، بحيث منعهم حتى من الإِلتفات إلى معنى الآية"(5). وأمّا الناقة العضباء فهناك من قال باختفائها كمعجزة. ________________________________ (1) تفسير ابن كثير: اسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي, ص155. (2) فتح الباري شرح صحيح البخاري : ابن حجر العسقلاني, باب استقضاء الموالي واستعمالهم, ص 179. (3) طبقات الكبير لابن سعد، الجزء الثاني، ص 303 (4) صحيح البخاري - الأحكام - استقضاء الموالي واستعمالهم, ح6640 . بقلم: علوية الحسيني

اخرى
منذ سنتين
7260

خَليفةٌ نُصِّب وثلةٌ تستعجلُ القِطا

هناكَ في غديرِ خم، السنةُ العاشرة بعد هجرةِ الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ وحيث طريق الحجّ آنذاك، كانت القوافل في طريقها للرجوع من مكّة بعد أداء المناسك ... في تلك المنطقة أتى الأمر الإلهي يقتضي تنصيبَ خليفةٍ بعدَ الرسول، بل كانَ مشخصًا من قبلِ السماءِ حيثُ لا يمكنُ التحكمُ في هذا الامر من قبلُ ومن بعدُ، حينها أمرَ الرسولُ بإبلاغِ القوافل بالمكوثِ ريثما يلقي عليهم خطابًا... اجتمع الحجاج فصعد الرسول (صلى الله عليه وآله) على الأقتاب ثم أوصاهم ببضع وصايا أخيرة فهو راحلٌ عما قريب عنهم، ثم قال لهم : أيها الناس ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا : بلى. قال :فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه .... حينها تسمّرت تلك الثلة في مكانها وهي غير مستوعبة لما قيل قبل قليل، كان ذلك الخبر بمثابةِ الصاعقة... فمن هنا بدأت رحلةٌ جديدة من التحدياتِ التي كانوا يعتقدون بانتهائها برحيل النبي وكم خططوا لاغتياله ليسبقوا الزمن بذلك والآن نُصب عليٌ –عليه السلام- وأمام جموعِ الحجيج، وحيث لا مفر من الإنكار .. صاروا يتهامسون فيما بينهم: كيف لهم أن يتخلصوا من ذلك؟! وهناك في البعيد يحملق الشيطان بهم ثم وسوس في صدورهم: أن يوم الرحيل قريب، فتشبثوا بسقيفتكم ! وألقى إليهم شر الحسد... نجمَ عنهُ تلك الصحيفةُ السوداء التي تعاهدوا فيها على أن يَقبروا أهل ذلكَ البيت، وإن تمّ ذلك فسوف تخلو لهم الخلافة ..! تبًا لهم... يظنون أن من جلس على العرش يصبح خليفة الرسول فقط! أليس عليٌّ ملك الدنيا وإلى هذا اليوم ولم يكن يملك من حطام الدنيا شيئا ! ألم يطلّق الدنيا ثلاثا لا رجعةَ فيها! أليس هو القائل: إليك عني يا دنيا غري غيري ! ألم يقل ذات مرة :ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز ! ألم نسمعه يرددُ : والله ما كنزت من دنياكم تبرا ولا ادخرت من غنائمها وفرا ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا ! وقال أيضا :والله لقد رقعتُ مدرعتي حتى استحييت من راقعها ولقد قال لي القائل انبذها عنك ...فقلتُ :اغرب عني فعند الصباح يحمد القوم السرى ! لذلك شاءت إرادةُ الله تنصيبَ خليفةٍ يرثُ الأرضَ خلفًا للنبي ويكون مطابقًا له في فكره ونهجه، ومجسدا له تجسيدا واقعيا في العصمة والطهارة ... مكملًا رسالة محمد النبي (صلى الله عليه وآله) مقاتلًا على التأويل كما قاتل محمد (صلى الله عليه وآله) على التنزيل ..! وأيضا يستمر على ما بدأه النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله) من هداية المجتمع ونشر الايمان والفضيلة. وقد تم ذلك في اليوم الموعود وهو يوم الغدير. وعلى النقيض شاء الشيطان أن يغري تلك الطغمة لتطغى وتحول بين ذلك ولتنشر الكفر الرذيلة في أوساط المجتمع حينئذ وقد تم ذلك في اليوم المشؤوم يوم السقيفة ! ليبعدوا علياً عن خلافة الرسول ظاهرًا ..! ولكن بقيَ عليٌ منارًا ومشعلاً يحتذي بهِ كلُّ مسلمٍ في البقاع ... وسيبقى الدهر وهو ألسنة ثناءٍ عليك يا أبا الحسن... ستبقى لأن الله أرادَ بقاءك. ستبقى لأنكَ اخترت أن تكون مع الله. ستبقى لأن كل من كان مع الله باق ٍ! وستبقى رغماً عن كل من أراد إطفاء نورك ولم يدر أن اللهَ متمُ نورهِ ولو كرهوا ذلك ! وللأسف كان كما قال العقاد في علي عليه السلام: "ما اتسعتْ مساحة للأخذِ والرد كما اتسعت مساحةُ علي بن ابي طالب فمنهم من يرى أنه إله ويعبده ومنهم من يرى أنه كافر مطرودٌ من رحمة الله ..!" والعياذ . وصدق الشاعر حين قال : غالى يسارٌ واستخفَ يمينُ *** بكَ يا لكنهكَ لا يكادُ يبينُ تجفى وتعبدُ والضغائنُ تغتلي *** والدهرُ يقسو تارةً ويلينُ وتضلُ أنتَ كما عهدتك نغمةً *** للآنَ لم يرقَ لها تلحينُ نرجس ابراهيم محمد الصافي

اخرى
منذ سنتين
1894

الوفاء المقتول

دخلت عليها امها فوجدتها في حال يرثى له. وهي في نشيج شديد وعبرات متكسرة وعيون غائرة . خاطبتها بصوت رقيق ينبعث منه الحنان ينطلق في فضاء الحب: ما بكِ ؟! ما هذا الذي تفعلينه بنفسك وانتِ لم تقترني به؟ وبدت الام الخائفة على ابنتها، تُكثر من هذه الاسئلة التي كانت تزيد في قلب البنت الألم والغصة وكأي أم يملأ قلبها الحنان ولكن لا تعرف الكثير. نعم لا تعلم ان ذلك الشاب المؤمن الخلوق الذي كان زميلا لابنتها في الجامعة منذ سنوات قد احب هذه الفتاة المؤمنة لحشمتها وادبها واخلاقها. فهي ليست كباقي الطالبات فهي والقليل جدا من زميلاتها يرتدين العباءة داخل الجامعة ولا يختلطن بالآخرين ولا يضعن المساحيق على وجوههن . وكان هو يبحث عن من تشابهه بأخلاقه فوجد تلك الفتاة واخذ يراقبها من بعيد دون ان تشعر به . اما هي، فكانت لا تهتم كثيرا بهذه الاشياء، جل اهتمامها كانت الدراسة، ولكن لسمو اخلاقه بين اقرانه وكان دائما يُذكر اسمه داخل القاعة مرة لأمانته ومرة لشهامته ومرة لتفوقه انسلت الغريزة الى قلبها بهدوء وبدأت تحدث نفسها فقط انه الشاب الذي ابحثه عنه . وانتهت السنة الاولى والثانية والثالثة من الدراسة وهما على هذا الحال لم يكلم احدهما الاخر ولم يبح احدهم للآخر او للزملاء وللزميلات ما بداخله. وفي يوم التخرج اقترب منها مطأطأ الراس وبادرها بالسلام . السلام عليكِ اختي الكريمة فردت التحية بأحسن منها وهي لم ترفع نظرها لتراه لأنها تراه في قلبها . استميحك عذرا هل لي ان اكلمك بعض الكلمات. فأجابته والخجل اخذ منها مأخذا والعرق يتصبب منها تفضل: اخي قل ما عندك. لا اطيل عليكِ هل تقبلين ان اتي لأهلك خاطبا ؟ ادارت بجسمها سريعا وهي تلفظ كلمة: نعم. وغادرت مسرعة. عاد الى اهله يحمل شهادة التخرج في الهندسة والكل فخور به وبأخلاقه لم يمض الا يومان او ثلاث الا وقد صدرت فتوى الجهاد فقرر الالتحاق بالمجاهدين للدفاع عن الوطن والمقدسات. وبعد مرور شهر منح اجازة لمدة ايام قليلة . جلس الى جنب ابيه بخجل وأدب وقصّ عليه قصته وطلب منه ان يخطب له تلك الفتاة. فرح الاب ووافق فورا لان ابنه البكر الذي يريد ان يرى احفاده من خلاله وذهب الى زوجته فرحا ليخبرها بما دار بينهما... فرحت الام ومُلئ البيت فرحا. وفي اليوم الثاني ذهبت الام مع بعض النسوة كالعادة المتبعة لأهل الفتاة لخطبتها. وكان الرد امهلونا ايام لنرد عليكم. كان متلهفا لسماع ما هو الرد . استقبل والدته وهي ابتسمت بوجهه وأمّلته خيرا انتهت ايام الاجازة وعاد الى اخوته المجاهدين وكان يكثر من الاتصال باهله. وفي احد الايام اتصلت به والدته مزغردة: مبارك بني وافق اهلها! لم يصدق واخذ يطير من الفرح... بينما هو يكلم والدته واذا بداعشي نتن يفجر جسده المتعفن عليه وعلى اخوته وهو في انفاسه الاخيرة قال لامه اماه اخبريها اني احببتها. لينطق بعدها بالشهادة وتغتال امنيته. حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
1059

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
96106

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
93832

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ سنتين
50463

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
49784

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
49645

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ سنتين
49360