مُختصراتٌ عقليّة باللغتَين العربيّة والإنجليزيّة (1) م/ إثـبات حـدوث الكون Proof of the occurrence of the universe

يقولُ الملحد: انّ الكون أزليٌّ قديم نشأ من خلال انفجارٍ عظيم. وفي مقام الجواب نقول: هناك طريقان نثبت مِن خلالهما حــدوث الكون ولاينكرهما عاقل، وهما: 1-الـــطريقُ العلميّ حيث يستند هذا الطريق إلى مُعطيات الفيزياء والعلوم الطبيعيّة والتجريبيّة التي أثبتت انّ الكونَ يـسيرُ بإتجاهِ موتٍ حـراريّ انتروبيّ، وقـد توصّل نيوتن إلى نتيجة معضّدة لهذا الطريق مفادها انّ الكونَ يتجّه نحو التفكّك، وسيأتي اليوم الذي تتساوى فيه درجات حرارة الأجسام وتترك الحياة مكانها للموت. كما تمّ اكتشاف نتائج متحصّلة مِن قانون الطاقة -الديناميكا الحراريّة- بأن هناك انتقالاً حراريّاً مـستمراً مِن الأجسام الحارّة إلى الباردة منها، وبذلك تتساوى درجات حرارة جميع الموجودات عندئذٍ ولاتبقى طاقة مفيدة للحياة فتنتهي العمليات الكيميائيّة الطبيعيّة وتنتهي الحياة، انتهاء الحياة دليلٌ على حــدوث الكون طالما له نهاية، وحدوثه دليل احتياجه إلى علة أوجدته. 2- الــطريقُ الفلسـفيّ حيث يعتمد على البراهين العقليّة الفلسفيّة، فـلو كانَ العالمُ أزليّاً لــلزم أن تبرد فيه الحرارة منذ زمنٍ بعيدٍ، لفقده الكميات الكبيرة الهائلة مِن الحرارة نتيجة الإنفجارات المتلاحقة في ذراته، وبذلك تتوقف العمليات الكيميائيّة والطبيعيّة، وتـنعدم الحياة في العالَم بوصولها إلى الـصفر المُطلق، ومـعنى ذلك حدوث الكون، وحـدوثه دليلٌ على وجود علّة أوجدتهُ وهذا ماعليه بـرهان الإمكان. ويُعضّد هذا الطريق قول العالِم (روبرت كار): انّ هذا الكون لايمكن أن يكون أزليّاً، ولـو كان كذلك لما بقيَت فيه أيّ عناصرٍ اشعاعيّة. __________________ المُــختصر باللغة الإنجليزيّة English Manual The atheist says: The ancient Azale universe arose through a great explosion. In the answer, we ●say: There are two ways through which we prove the existence of the universe and deny them sane, namely: 1-Scientific way This path is based on the data of physics and the natural and experimental sciences that proved that the universe is moving towards an interopaneous heat death, and Ntoten came to the opposite conclusion of this path that the universe is heading towards disintegration. The day will come when the body temperatures are equal and leave life to die. ))) Results from the energy law were also discovered - Thermodynamics - that there is a constant thermal transfer from hot objects to cold, so that the temperature of all the assets then and remain a useful energy for life, ending natural chemical processes and ending life, the end of life evidence of the occurrence of the universe as long as it has an end. 2- The philosophical way It depends on philosophical mental proofs. If the world was ever to be cooled by the heat long ago, it would lose huge amounts of heat as a result of the successive explosions in its atoms, thereby encircling chemical and natural processes, and no life in the world by reaching absolute zero. The universe, and its occurrence is evidence of the existence of a bug created by this proof of possible. This way is reinforced by the saying of the world (Robert Carr): that this universe can not be eternal, even if it remains where any radioactive elements. والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمدٍ وآله الطاهرين. علوية الحسيني

اخرى
منذ 3 سنوات
1473

إثبـات بعض مناسك الحـج مِن كتاب الانـجـيل

لـم ينفرد المسلمون بأداء تلك الفريضة المقدّسة، بل لو تتبع القارىء تاريخ الأديان لوجد تجسّد تلك العبادة إلى مناحٍ مختلفة. ولا يخفى إنّ لبعض العباد مكاناً وزمانً تختص بهما؛ للشرفيّة، كاختصاص الكعبة المشرّفة بعبادة الحج، وكاختصاص شهر رمضان بعبادة الصوم، وما ذلك إلاّ تعبّداً بالنص الوارد عن الله تعالى. ومِن السذاجة عدّ تلك الأمكنة أو الأزمنة آلهة تُعبد دون الله تعالى؛ إذ هو سبحانه مَن شرّعها لذلك, فأنّى له بأن يدلّنا على الشرك ؟! وهو سبحانه بقول في كتابه الكريم: (وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ)(1). ولإيصال الجواب نضرب مثالاً عقليّاً، ونقول: لـو أقامت أحدى الدول تمثالاً لشخصية مهمّة كـتذكار له ومواقفه، هـل يعني أنها تحث على عبادة ذلك التمثال؟! العقل يجيب هاتفاً: "كلا"، فكذلك نصب الكعبة المشرّفة. إنّ الكعبة هي بيت الله الحرام الذي بني لتُقام فيه وعنده الصلوات لله وحده لاشريك له، وقد قيل لإبراهيم وهو يؤسسه: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)(2). فها هي الكعبة أول بيت بني في الدنيا لتوحيد الله عزّ وجل، وما يؤدّى فيها مِن مناسك فإنّه مذكورٌ على الأغلب في كتب بعض الأديان, ومنها الإنجيل. فبحسب سفر التكوين – أحد أسفار العهد القديم في الانجيل- تنصّ النصوص التالية على أنّ اللهَ تعالى قد أمرَ النبيّ إبراهيم (عليه السلام) بتركِ زوجته هاجر وطفلهما اسماعيل فى الصحراء (صحراء باران) حيث لا يوجد ماء، فتترك هاجر ابنها باحثة عن الماء لمسافة رمية قوس – وهو ماعليه المسلمون اليوم مِن السعي ركضاً بين الصفا والمروة-، وعند عطش الطفل و بكاء هاجر فجّـر الله تحت أقدامه بــئراً للماء, ما اسم هذا البئر؟ وأين موضعه؟ وبمَ سينفعنا في هذا المبحث؟ هـذا مايجيـبنا عليه سـفر التـكوين: لـنقرأ ماذا نصّ الإنجيل على البئـر الموجود في بـكة (بـئر شيع) كما يُسميـه الانجيل الذي تفجّر تحت قدميّ إسماعيل النبي، إليكم النص باللغتين العربيّة والإنجليزيّة؛ توثيقاً للقارئ، ومنعاً من الاتهام بالتحريف والتدليس. "Early the next morning Abraham took some food and a skin of water and gave them to Hagar. He set them on her shoulders and then sent her off with the boy. She went on her way and wandered in the desert of Beersheba. When the water in the skin was gone, she put the boy under one of the bushes. 16 Then she went off and sat down nearby, about a bowshot away, for she thought, "I cannot watch the boy die." And as she sat there nearby, she began to sob. God heard the boy crying, and the angel of God called to Hagar from heaven and said to her, "What is the matter, Hagar? Do not be afraid; God has heard the boy crying as he lies there. 18 Lift the boy up and take him by the hand, for I will make him into a great nation. Then God opened her eyes and she saw a well of water. So she went and filled the skin with water and gave the boy a drink."(3). وبـترجمة النص: فبكّر إبراهيم صباحاً وأخذ خبزاً وقربة ماء وأعطاهما لهاجر واضعاً اياهما على كتفها والولد وصرفها.فمضت وتاهت في برية بئر سبع. ولما فرغ الماء من القربة طرحت الولد تحت إحدى الأشجار. ومضت وجلست مقابله بعيداً نحو رمية قوس.لأنها قالت: لا أنظر موت الولد. فجلست مقابله ورفعت صوتها وبكت. فسمع الله صوت الغلام.ونادى ملاك الله هاجر من السماء وقال لها: ما لك يا هاجر، لا تخافي، لأن الله قد سمع لصوت الغلام حيث هو. قومي احملي الغلام وشُدّي يدك به. لأني سأجعله أمة عظيمة. وفتح الله عينيها فأبصرت بــــئر مــاء. فذهبت وملأت القربة ماءً وسقت الغلام. وكان الله مع الغلام فكبر.وسكن في الـــبرية وكان ينمو رامي قوس. وسكن في برية فــــاران(4). والنتيـجة: •أنّ البئر التى تفجّرت تحت أقدام إسماعيل هى البئر التى يطلق عليها المسلمون الآن (بـئر زمــزم), وهي بئر الشبع –أو شيع- و التى لم تنضب حتى الآن, و يشرب الحجاج منها والعمار طوال هذه السنين والقرون. وبشأن ذبح ابراهيم النبي لولده (عليهما السلام) فقد أشار الانجيل إلى ذلك في سفر التكوين، الإصحاح 22: 13 "Abraham looked up and there in a thicket he saw a ram caught by its horns. He went over and took the ram and sacrificed it as a burnt offering instead of his son. 14 So Abraham called that place The LORD Will Provide. And to this day it is said, "On the mountain of the LORD it will be provided."(5) وتم تفصيل ذلك في الفقرات التالية من نفس الاصحاح: 1 وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم، فقال له: «يا إبراهيم!». فقال: «هانذا [ها أنا ذا]». 2 فقال: «خذ ابنك وحيدك، الذي تحبه، إسماعيل، واذهب إلى أرض المريا، واصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك». 3 فبكر إبراهيم صباحاً وشدّ على حماره، وأخذ اثنين من غلمانه معه، وإسماعيل ابنه، وشقق حطباً لمحرقة، وقام وذهب الى الموضع الذي قال له الله. 4 وفي اليوم الثالث رفع إبراهيم عينيه وأبصر الموضع من بعيد، 5 فقال إبراهيم لغلاميه: «اجلسا انتما ههنا مع الحمار، وأما أنا والغلام فنذهب إلى هناك ونسجد، ثم نرجع إليكما». 6 فأخذ إبراهيم حطب المحرقة ووضعه على إسماعيل ابنه، وأخذ بيده النار والسكين. فذهبا كلاهما معاً. 7 وكلم إسماعيل إبراهيم أباه وقال: «يا أبي!». فقال: «هانذا يا ابني». فقال: «هوذا النار والحطب، ولكن أين الخروف للمحرقة؟» 8 فقال إبراهيم: «الله يرى له الخروف للمحرقة يا ابني». فذهبا كلاهما معاً. 9 فلما اتيا الى الموضع الذي قال له الله، بنى هناك إبراهيم المذبح ورتب الحطب وربط إسماعيل ابنه ووضعه على المذبح فوق الحطب. 10 ثم مدّ إبراهيم يده وأخذ السكين ليذبح ابنه. 11 فناداه ملاك الرب من السماء وقال: «إبراهيم! إبراهيم!». فقال: «هانذا [ها أنا ذا]» 12 فقال: «لا تمدّ يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئاً، لأني الآن علمت أنك خائف الله، فلم تمسك ابنك وحيدك عني». 13 فرفع إبراهيم عينيه ونظر وإذا كبش وراءه ممسكاً في الغابة بقرنيه، فذهب إبراهيم وأخذ الكبش واصعده محرقة عوضاً عن ابنه. 14 فدعا إبراهيم اسم ذلك الموضع «يهوه يراه». حتى إنه يقال اليوم: «في جبل الرب يرى». 15 ونادى ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء 16 وقال: «بذاتي أقسمت يقول الرب، إني من أجل أنك فعلت هذا الأمر، ولم تمسك ابنك وحيدك، 17 أباركك مباركة، وأكثر نسلك تكثيراً كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر، ويرث نسلك باب أعدائه، 18 ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض، من أجل أنك سمعت لقولي». 19 ثم رجع إبراهيم إلى غلاميه، فقاموا وذهبوا معاً إلى بئر سبع. وسكن إبراهيم في بئر سبع" (6). حيث أمر الله تعالى إبراهيم (عليه السلام) بالدعوة إلى الحج إليه والوقوف عليه عند حجّهم إلى بيت الله الحرام الذى رفع إبراهيم قواعده فى بكة، و المسلمون يقفون عند هذا الجبل كلّ عام, ولا يُعرف جبلاً غيره. ولو تمعنّا في أنّ إبراهيم النبي (عليه السلام) عرف الحق في أنّ ذريته ســـتملأ الأرض، و هل تملأ الأرض الآن سوى ذرية إسماعيل؟!. وما ذلك إلّا إشارة إلى مباركة ذلك النسل وبه تختم الرسالة السماوية – نبوّةً وإمامةً -. وما تلك إلاّ ومضات تزيد المسلمين ثباتاً على دينهم, في أنّه الدّين الخاتم فعلاً, وأنّ فرائضه منها ماهي مسنونة في كتب بعض الأديان – وإن أنكرها أصحاب تلك الكتب-. يُـذكر أنّ كتب الأديان ليست جميعها مشوبة بالتحريف كما قرأنا وجود الخطأ في اسم ابن ابراهيم النبي (عليه السلام) حيث ذكر الانجيل أنّ الذبيح هو اسحق! في حين أنّه هو اسماعيل (عليهما السلام), فمن النصوص ما هو صحيح, ومنها ما تطاولت أيدي القساوسة والرهبان لتحريفه وفقاً لمصالحهم, لـهذا يتم اعتماد الصحيح منها فقط للإستدلال. __________________________ (1) الحج: 31. (2) الحج: 26. (3) Genesis: 21. (4) سفـر التكوين: إصحاح 21. (5) سفر التكوين: اصحاح 22. (6) سفر التكوين: اصحاح 22, ف 1-19. وبهذا البحث المتواضع نكون قد سلطنا الضوء على بعض مناسك الحج كالسعي بين الصفا والمروة, والفدي والهدي, والوقوف على جبل عرفة، آملين أن نكون قد وفقنا في الإسهام بنشر معلومة تصب في صالح الإسلام والمسلمين. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين, وصلّى الله على خير خلقه محمّد وآله الطيبين الطاهرين. عـلوية الـحسيني

اخرى
منذ 3 سنوات
2971

جدل الصلح والثورة

كثيرا ما عرض على أذهان البعض التساؤل القديم الجديد حول صلح الإمام الحسن عليه السلام وثورة الإمام الحسين عليه السلام، حتى أصبح من الجدليات المتداولة والتي تجد صداها عند بعض النفوس . فترى من يميل بطبعه إلى الاستسلام والدعة يتساءل لِـمَ ثار سيد الشهداء ولم يقتد بأخيه الحسن السبط عليهما السلام؟ ومن يميل إلى الثورة والصراع يكيل الاتهامات ويوجهها على الصلح الذي عقده الإمام الحسن عليه السلام مع معاوية ويحاكم بنزعاته وما يرغب به السبط المظلوم الحسن الزكي عليه السلام، وكأن الإمامين عليهما السلام لا بد أن يفعلا بما يرغب به هذا الشخص أو ذاك. متناسين قول المصطفى (صلى الله عليه وآله) في حقهما، وأنهما إمامان قاما أو قعدا، وكذلك ما خُصّا به عليهما السلام من العصمة الإلهية بأعلى مراتبها، وأيضا متغافلين عن أنهما وبقية المعصومين عليهم السلام نور واحد، فمثلهم كمثل مشكاة فيها مصباح .... كل هذا حدا بنا إلى رسم بعض الأمور التي تسلط الضوء على الظروف الموضوعية آنذاك والتي ألجأت الإمامين عليهما السلام إلى هذه الاختيارات الصعبة التي يراها الناظر ﻷول وهلة أنها متناقضة، وسيكون الكلام ضمن عدة نقاط، فنقول : أولاً: أنّ الأئمة صلوات الله عليهم من بعد رحيل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وما حصل بعده من التآمر على حقهم الذي رسمه الباري عزو جل لهم في هذه الأمة ، كانوا على بصيرةٍ ودرايةٍ أنّ الاصلاح وارجاع السلطة في الاسلام إلى مسارها الصحيح بعد الانحراف متعذرٌ لعوامل كثيرة لسنا بصدد ذكرها . ثانياً : إنّ كثيراً من المسلمين آنذاك عندما بايعوا أمير المؤمنين عليه السلام بعد الثالث كانوا يرونه امتداداً لما يسمى بمبدأ الشورى وإجماع الأمة الذي سلكه مَن قبله ، لا لأنهم قد عادوا إلى رشدهم وايمانهم بأحقيّته صلوات الله عليه ، وهذا ما أشار إليه صلوات الله عليه بقوله (ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز).(نهج البلاغة 1: 37 خطبة (3) الشقشقية). وقوله (عليه السلام) كما ينقله ابن عباس : دخلت على أمير المؤمنين (عليه السلام) بذي قار وهو يخصف نعله, فقال لي: ما قيمة هذه النعل؟ فقلت: لا قيمة لها. فقال (عليه السلام): (والله لهي أحب إلي من إمرتكم إلا أن أُقيم حقاً أو أدفع باطلاً).(نهج البلاغة 1: 80 خطبة (33)). ويؤكد ذلك تنصلّهم عن البيعة فيما بعد حتى قتل الناكثين والقاسطين والمارقين . ثالثاً : لم يكن وضع الإمام الحسن عليه السلام بأفضل حال من أبيه عليه السلام ، فكذلك كان يُنظر إليه بأنّه الامتداد الذي جاء عن طريق هذا المبدأ ، فهو صاحب السلطة والحكومة بنظرهم وهو صاحب الشرعية إن صح التعبير، فقام عليه السلام بما يمليه عليه واقعه وظروفه، وجهز جيشاً لقتال معاوية لخروجه عن الأمة و تأمّره على رقاب المسلمين عنوة في الشام ، حتى وصل الحال إلى ما وصل إليه من خذلان أنصاره وسريان الفتنة في صفوف جيشه وتفرّقهم ، مما دعاه للحفاظ على كرامة الأمة وعزّتها وهيبتها، فركَن إلى الصلح مع معاوية للحفاظ على الكيان العام للأمة. وبعبارة أخرى: نجد أنّ هناك فئات في المجتمع الإسلامي كثيرة وغالبة ترى أنّ السلطة لا بد أنّ تكون على ضوء ما رسمه ما يسمى بمبدأ الشورى ولا يرون بأحقيّة الأئمة بمعنى تنصيبهم من قبل الله عز وجل لهذا الأمر ، وهناك فئة قليلة ترى ذلك وهم الشيعة الأتباع الذين لا يرون بأحقية غير الأئمة صلوات الله عليهم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ، فلذلك كان تصدي أمير المؤمنين عليه السلام وكذلك ولده الحسن عليه السلام لها من باب الحفاظ على الأمة بأجمعها وعدم ضياعها ، ويشهد لذلك أنهم كانوا يؤكدون على أحقيتهم وهم على رأس السلطة ليدفعوا ما سيطر على أذهان العامة من المبدأ المبتدَع . رابعاً : كان من مهمات الصلح أن يُظهر زيف معاوية وعدم أهليّته للتصدي لأنه ناقض للعهود والمواثيق ، وإنما باحث ولاهث للتسلّط على رقاب المسلمين ، فظهر للعامة ذلك من خلال نقضه للصلح ، و كذلك لقتله خيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وكذلك توليته لابنه شارب الخمور وفاعل الفجور واجبار المسلمين على مبايعته بعده بالإمارة ، فشك العامة بأحقيّته، بل عندما جاء يزيد وقام الامام الحسين عليه السلام بثورته المباركة كانت صرخة في وجه المتخاذلين والمشككين ، وأيقنوا بأنهم على ضلال ولا بد أنّ تسلب عن هذه السلطة شرعيتها في الخلافة عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأنّها كانت عبارة عن سلطة تنفيذية ظالمة ودكتاتورية ( قيصريّة وكسرويّة) ولا تمثل الشرعية والخلافة عن الله وعن رسوله. خامساً : هذه الصرخة الحسينية المدويّة التي غيّرت من عقلية الأمة وحثّتها نحو الاصلاح ، تحتاج إلى تضحيات جسام وإلى ذخيرة كبيرة ، فكانت ذخيرتها بعض من حافظ عليهم صلح الحسن عليه السلام ففي حديث له (عليه السلام ) مع حجر بن عدي قال : ( إني رأيت هوى عظم الناس في الصلح وكرهوا الحرب ، فلم أحب أن أحملهم على ما يكرهون ، فصالحت بقياً على شيعتنا خاصة من القتل ، ورأيت دفع هذه الحروب إلى يومٍ ما ، فإنّ الله كل يوم هو في شأن ) .الأخبار الطوال ص 220. واحتاجت هذه الصرخة إلى من يقوم بحفظها ورعايتها وحمايتها على طول الخط ، فجاء دور الأئمة عليهم السلام بعدها وأمروا أتباعهم وشيعتهم بالحفاظ على أنفسهم وجعلوا مبدأ التقية بارزاً في تصرفاتهم وحثوا اتباعهم عليه ، وأمروهم بالارتباط الدائم بسيد الشهداء عليه السلام من خلال حثّهم على زيارة قبره الطاهر و اقامة العزاء الدائم وخصوصا ً في ذكرى الفاجعة العظيمة ، جميع ذلك ليحفظوا ما نتج عن ثورة الحسين عليه السلام وما قام به من تضحيات جسيمة لكي تكون معلّماً إلى قيام الساعة ، وليكون المؤمنون حقاً هم أصحاب هذا الطريق والامتداد الطبيعي له ، فلا حاجة لتضحية أخرى تماثل تضحية سيد الشهداء عليه السلام بعد أن استوفت غرضها الأهم ، فكانت ثورة الحسين هي صلح الإمام الحسن وهي سجن الإمام موسى وهي جلوس الإمام الرضا في بلاط الخليفة ، وكانت هذه الثلاثة هي ثورة سيد الشهداء صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين ، فهم مع تعدد أدوارهم يحملون هدفا واحدا . وأخيراً : وبإضافة عنصر العصمة الذي كان يتحلًى به الأئمة الطاهرون عليهم السلام يتضح لنا أنّ ما قاموا به هو الصواب ، وهو الملائم لظروفهم الموضوعية ،وهم من يقوم بتحديد الأهم من المهم في ذلك الظرف ، وهذا ما نبّه عليه الإمام الحسن عليه السلام في حديث طويل له مع أبي سعيد عقيصا قال عليه السلام ( يا أبا سعيد، إذا كنت إماماً من قبل الله تعالى ذكره لم يجب أن يسفه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة وإن كان وجه الحكمة فيما أتيته ملتبسا. ألا ترى الخضر لما خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار سخط موسى عليه السلام فعله ، لاشتباه وجه الحكمة عليه حتى أخبره فرضي . هكذا أنا ، سخطتم عليّ بجهلكم بوجه الحكمة فيه ، ولولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلا قتل ) علل الشرائع ج 1 ص211 . بقلم: الشيخ مصطفى الفرهود

اخرى
منذ 3 سنوات
1291

سارق الأحلام

بينما كانت مُسنِدةً رأسها على ذراعي كنتُ أفرِّق خصلات شعرها الناعم بين أصابعي ثم أجمعها، يروق لي تحسس جمال نعومته الذي أضفى الى لونه الفاحم جمالاً آخر، كما تأسرني نظرات عينيها وهما تلمعان ببراءة الطفولة... لطالما كنتُ أهمس في أذنها صوتاً لا يسمعه إلا قلبي المكلوم: بُنيتي إياكِ أن تكبري، ابقي صغيرةً كي لا تقتحمي معترك الحياة التعيسة، ولا تُصدمي بوحشية بعض البشر، وأنانية البعض الآخر، ولا يؤرقكِ همٌ، ولا يُبكي عينيك فقدٌ، ولا يؤلم قلبكِ حزنٌ، وبينما كنتُ في الجانب المظلم من الحياة أُحيطُ ابنتي العزيزة بنسيجٍ من الخوف نسجتُه من خيوط آلامي بإبرة آهاتي مطرزاً بالقلق والوجل ومزيناً بفقدان الأمل، وإذا بنبرات صوتها الملائكي الهادئة تمزق ذلك النسيج المظلم بسؤالها المشرق: أماه ماذا تحلمين أن تكوني عندما تكبرين؟! أعجبني سؤالها، ولطالما كانت كذلك طفلتي نبهةً ذكيةً، ما إن تستمع الى مفردة حتى تفتش عن معناها، وما إن يحوم حول خاطرها سؤال حتى تسرع إليّ متلهفة للإجابة. نقلني سؤالها للحظة من عتمة الحياة إلى الخيال الزاهي والأحلام الوردية، ولكن لم يَطُل بي الأمد، فقد تذكرت سريعاً أني أصبحت في الرابعة والثلاثين من عمري، فأي مستقبل أنتظر؟ وبأي حلم يحلِّق قلبي؟ كما اعتدنا أن نفكر هكذا. فأجبتها: عزيزتي، لكل منا أحلام يسعى الى تحقيقها، وحلمي أن تصبحي طبيبة لتعالجي الفقراء من المرضى الذين أضحوا سلعةً رائجةً يتاجر بها معظم الأطباء، بل ويبرمون حولها صفقاتهم التجارية دون رحمة بهم أو رأفة أو إنسانية... ولكنها لم تكتفِ بإجابتي، وقالت: أماه أنتِ ماذا ستصبحين؟ أنتِ بماذا تحلمين؟ سبق ألمي تفكيري بالإجابة واسترسلتُ قائلةً: أما أنا يا حبيبتي، فقد سُرِقت أحلامي في هذه الحياة الدنيا، ولكن أملي بالله (تعالى) كبير أن أحقّق أحلامي في الآخرة، رضاه والجنة. سألتني وبكل براءة: أماه ومن هو سارق الأحلام؟؟ وبينما أنا أُفتِّش عن السارق وإذا بذاكرتي قد أمطرتني بوابلٍ من الصور السقيمة والمواقف الأليمة التي حُفِرت في ذاكرتي عن أحداث مرّت بي وبمن يهمني أمرهنّ من قريباتي وصديقاتي. والتي غُرِست في قلبي فصار ينبض ألماً لا دماً.. وأثمرت في واقعي أسىً وهماً، وصيّرتْ حياتي حزناً وندماً، فصورةٌ لظروفٍ قاسيةٍ تحيط بالمرء وتحجزه عن نيل مناه، وصورةُ لمخادعٍ كانت عفوية وبراءة بعض الناس معه جوازه في مصادرة حلمهم، وصورةٌ لأفكار أتُبِعت ولم تكن صائبة، وصورة لأناس يروق لهم دس المعلومات الكاذبة، وصورةٌ لأناس قدّموا النصيحة الخاطئة، وصورةٌ... وصورةٌ... وصورةٌ... وبينما أنا أغرق في صور الجُناة، الذين أحالوا أحلامنا الى رُفات، وإذا بطفلتي قد نامت بعد أن يئست من الإجابة على ما يبدو، فهممتُ بأن أضعها في وضع مريح بكل هدوء لكنها صرخت ألماً، قلقتُ عليها سائلة: صغيرتي ما بكِ؟ أجابت: أماه لقد جُرِحت يدي، وأنا أحاول إتمام بعض الأعمال اليدوية، سامحيني يا أمّاه لأني لم أستمع الى كلامك وأكفّ عن المحاولة، فرغبتي في إتمامها كانت كبيرة جداً، سألتها: وهل أكملتِها يا حبيبتي؟ أجابت: نعم، إنها على الطاولة. أسرعتُ الى الطاولة أقلِّبُ زهرية طفلتي التي صنعتْهَا بيديها الصغيرتين، ولكن بنفسٍ طموحةٍ، وروحٍ صبورة، ٍفوجدتُها من أبهى الأعمال، تسرُّ الأنظار وتمتِّعها بما تركت عليها من بصمات الإبداع والجمال... حينها فقط أدركتُ أننا نحن من نُفرِّط بأحلامنا؛ حين نُريح أنفسنا من همِّ التفكير ونعفي عقولنا من الإصرار على المحاولة والتغيير، متّهمين سوانا بسرقة أحلامنا... بل ويبرمون الآخرين على ذلك كأبنائنا مثلاً فننتزع منهم روح العزيمة والإصرار... وعليه فمن يدّعِ سرقة أحلامه إما أنه لم يكن جادّاً في حلمه بها، فأهمل سلوك سبيل الوصول إليها، ولم يحرص على السعي للحصول إليها، وأما أن يكون جادّاً في حلمه بها ولكنه ضَعُفَ عند أولى العوائق التي اعترضت سبيله، واستسلم عند أدنى العراقيل التي حالت بينها وبينه. وإلا فالإنسان الذي يروم تحقيق حلمه حقاً لا يكفُّ أبداً عن المحاولة، ولا يتوقف قط إلا بعد تجريب كافّة الطرق الممكنة.. فلقد وهبنا الله (تعالى) تلك الجوهرة السامية (العقل) التي بها بلغ الإنسان القمر، فعجباً كيف يُقنع نفسه بعجزه عن بلوغ أهداف هي أدنى من ذلك؟! بل إن بعض العراقيل قد تؤثر في الحلم إيجاباً لو صحّ التعامل معها، فتجعله يتحقق بأفضل الاحتمالات وأعلى الدرجات، كالطائرة الورقية التي لا تزيدها سرعة الرياح المعاكسة وقوتها إلا علواً وارتفاعاً. إذن ليس من يسرق الأحلام هو خداع الآخرين وأنانيتهم، أو سوء الظروف وقساوتها، وإنما عدم حكمة بعض الحالمين أنفسهم، وضعف إرادتهم، وكسلهم عن الوصول اليها، وتقاعسهم عن الدفاع عنها... ومن المفاهيم المغلوطة في مجال الطموح وتحقيق الأحلام، والتي يتمسك بها البعض هروباً من المواجهة، وركوناً الى الراحة، هو: مايروق للبعض أن يسميه توكلاً. وما هو في الحقيقة إلا تواكل؛ لأن التوكل على الله (تعالى) لا يكون إلا بعد السعي إلى المطلوب، وتهيأة الأسباب للوصول إلى الأمر المرغوب، وتمهيد السبيل ما أمكن لبلوغ المحبوب، ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه قال للرجل الذي سأله قائلاً: يا رسول الله أرسل ناقتي وأتوكل أو أعقلها وأتوكل؟ قال: "اعقلها وتوكل"(1)، أي قم بواجبك المتمثل في تهيأة المقدمات اللازمة والأعمال الواجبة ومن ثم توكل على الله (تعالى). إذن فلتحقيق أحلامنا لابُدَّ أن نعلمَ أن لا مستحيل إلا بعد استنفاذ كافة الطرق المتاحة وتجربة كل سبيل، وما أروع أن نُحيي في داخلنا ذلك الطفل الجميل، الذي شوّهته الأفكار البالية والمعتقدات الفاسدة.. أَوَ لم نُصرَّ في صغرنا على تعلم المشي رغم كل ما لحقنا من كدمات؟ ورغم كل ما آلمنا من سقطات؟ حتى تمكنّا منه، بل ولم نكتفِ به بل نزعنا إلى الأفضل ونجحنا في تعلم الركض بكل إصرار وثبات؟! فما بالنا عندما كبرنا خسرنا تلك الهمة والعزيمة، وركنّا الى التهاون والكسل، وسكنّا الى التردد والوجل؟! فلم نحصد نتيجة ذلك سوى الألم والحزن، والتحسر والشجن، وصاحبَنا الندم على ما فرطنا، ورافقتْنا الحسرة على ماخسرنا... وأخيراً لابد من الإشارة إلى أن الله تعالى قد لا يحقّق بعض أحلامنا رعاية لمصالحنا أو لحكمة هو يعلمها، فما علينا في هذه الحالة إلا الرضا بقضائه وقدره طالما أننا بذلنا كل جهدنا وقدمنا كل ما في وسعنا .... على المرء أن يبذل قصارى جهده وليس عليه أن يكون موفقا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) مشكاة الأنوار ج1 ص245 بقلم: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
2319

غذاء الجسد وغذاء الروح

سبحان الله خالق الخلق، ومدبر الأمور، عجيب الصنعة، ورائع التدبير والخلق، الذي جعل في الإنسان نوعين من الغذاء، لعله يتبصر ويتفكر فيهتدي إلى عظمة الخالق سبحانه وتعالى وهما: -الغذاء الجسدي -الغذاء الروحي إن كُلّاً من الروح والجسد يحتاج في تأمين سعادته ووصوله إلى كماله اللائق به إلى الغذاء الكامل والجامع، وإن فقدان أي عنصر من الغذاء يهيىء تربة مساعدة للإنحراف أو الضعف في الروح والجسد. قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ سورة عبس (الآية ٢٤) باعتبار أن الدين الإسلامي دين متكامل من جميع النواحي، بديهي أن الإنسان يجب أن يهتم بطعامه، فالجانب الصحي من ضمن الاهتمامات التي أمر بها الإسلام من أجل الحفاظ على الصحة، وهذا الاهتمام بالغذاء المادي الذي نأخذه عن طريق الطعام الذي نأكله، يعتبر من جهه مادية، وعلى الرغم من وجود الرقابة الجسدية على الطعام تجدنا نهتم بهذا الجانب دون أن نبدي اهتماماً بالغذاء الروحي. "عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال: في قوله تعالى: (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) قال: علمه الذي يأخذه، عمن يأخذه فلينظر الإنسان إلى طعامه" (1). نجد الأئمة (عليهم السلام) يعبرون في موارد أخرى عن التعاليم الروحية بـ (الغذاء) أو (الطعام)، ويعتبرون التعلم غذاء الروح. لا شك أن العلم غذاء الروح كما أن الطعام غذاء الجسد، فكما يجب على الإنسان أنْ يعرف أنّ الطعام الصالح والغذاء النافع كافل لسلامة الجسد وصحة البدن، كذلك يجب عليه أنْ يعلم أنّ العلم النافع والغذاء الصالح لتنمية روحه وتزكية نفسه ليرتقي سلم الكمال والقرب إلى الله. قال تعالى : [فلينظر الإنسان مما خلق] سورة الطارق (الآية ٥) فلو عرف الإنسان ممَّ خلق ولِمَ خلق وإلى أين سيذهب لما أصّر على الانحرافات. لذلك على الإنسان أن يراعي الدقة في أخذه للعلوم المتصلة بأمور العقيدة حرصاً على أن لا تتلوث روحه بمعارف هي بعيدة عن مصادر العقيدة الحقة. أي إنه ينبغي له أن يأخذ علمه من مهابط الوحي ومنابع الحكمة أهل بيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا نبالغ إنْ قلنا إن غذاء الروح أهم من غذاء الجسد في أكثر المراحل إلا الضرورة فلماذا يهتم الإنسان بجسده ويغفل عن روحه؟ إن المعدة إذا تسمّمت بالطعام الفاسد فهناك طبيب يقوم بالعلاج أما الفكر إذا تسمم بالفكر الهدّام فهل هناك من يغسله ويعالجه؟ إن الأفكار الهدامة تسمّم العقل وتؤدي بصاحبها إلى الإنحراف، والانصراف عن كل ماهو مفيد إلى ماهو ضار ومدمر. لذلك يجب أن نتخذ الطريق الصحيح المستقيم الذي ينبع بالأفكار الصحيحة، وهو الطريق الذي رسمه أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة آل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لإن التراث الفكري والمعرفي الذي وصلنا عن طريق أهل بيت العصمة( عليهم السلام )يمثل ينابيع تتدفق بغزارة، ويمكن للشارب أن يشرب منها وهو مطمئن كل الاطمئنان. إن غير المتزن هو من إذا مرض بدنه يعالجه بكل العلاجات ولكن إذا مرضت روحه وتلوثت بلوث الذنوب يتركها بلا علاج مع أن بدنه سوف يأكله التراب وروحه سوف تبقى خالدة... إذن أيها الإنسان مَنْ أولى بالعلاج هل البدن أم الروح؟ إن غذاء الجسد لابد منه، (فلو لا الخبز ما عبد الله) كما ورد لكن لا يكون على حساب غذاء الروح بل يلزم الإكتفاء بغذاء الجسد بأدنى المراتب والاهتمام بغذاء الروح غاية الاهتمام لأن الجسد يبلى ويفنى والروح باقية، فما الجسد إلا مركبة للروح، واجب علينا أن نهتم به من أجل أن تقوم الروح بواجبها في عبادة الله وطاعته والاتصال به، أما ما حدث فإننا ارتقينا بالجسد حتى لا يبقى للروح أثر. اسأل الله أن يوفقنا لإصلاح أنفسنا وأن لا نكون من الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. ---------------------------------- (١)- شرح أصول الكافي -- ج ٢ - الصفحة ١٩٥

اخرى
منذ 3 سنوات
15173

الأطفال وتكرار الأخطاء

لاشك أن الأطفال يعيشون في عالم يختلف عن عالم الكبار، فاللهو واللعب جزء أساسي من عالمهم الجميل، وهذا ما لا يمكن أن نفهمه إلا إذا تذكّرنا أيام طفولتنا، ومن ذلك أنهم يتعرضون لمواقف عديدة يعجزون عن التصرف فيها بشكل مناسب، فيقعون في الخطأ وتتكرر أخطاؤهم، فيُصاب الأهل بالإحباط وخيبة الأمل ويفقدون الشعور براحة البال وتسوء حالتهم النفسية، وهنا يجب أن يفهم الأهل أن عملية التربية وتعليم الطفل وتوجيهه تقع على عاتقهم وهي من واجباتهم الشرعية والأخلاقية، ومهما بذل الوالدان من اهتمام في هذا المجال فلا يمكنهما أن يمنعا أطفالهما من ارتكاب الأخطاء، فالأطفال كثيروا الخطأ بسبب: ١- ضعف إدراكهم ووعيهم للأمور والنتيجة عدم حساب عواقب الأفعال بشكل صحيح. ٢- عدم قدرتهم على السيطرة على نزواتهم ورغباتهم بسبب ضعف الجهاز الإدراكي (الهادئ) وسيطرة الجهاز المثير. فعملية تعليم الطفل لضبط النفس تحتاج إلى جهد جهيد ووقت طويل ومعرفة بأساليب التربية ومتطلباتها. إذن نستنتج من ذلك أن وقوع الأطفال في بعض المشاكل والأخطاء شيء طبيعي جداً، ويجب على الأبوين استيعاب ذلك والتفكير بطريقة تُعلم الأبناء لمهارة ضبط النفس! وهذه المهارة يمكن أن يكتسبها الأطفال من أخطائهم بواسطة التجربة فيتشكل لديهم مانع يمنعهم من إعادة الخطأ وتكراره بمرور الزمن، نعرف من ذلك أن وقوع الأطفال بالخطأ يُعلمهم مهارة ضبط النفس عن طريق اكتسابها بالتجربة، وأيضاً توجد طريقة تعتبر هي الأساس في تعليم الأطفال ضبط النفس وعدم وقوعهم في الخطأ وهي (أسلوب الوالدين أمام أبناءهم) فإذا كان الأبوان يمتلكان ويتمتعان بمهارة التحكم في الذات فإن هذا يولِّد انطباعاً لدى الأبناء بالسلوك الحكيم المتزن، فالمهارات الأساسية كضبط النفس وطريقة التحدث مع الآخرين والاستماع لهم يكتسبها الأبناء من آبائهم وأمهاتهم وممن يعيشون معه من أعمامهم وأخوالهم، فالتأثير يمتد عن طريق الوراثة وعن طريق التأثر بالسلوك الفعلي الذي يشاهدونه أمامهم، إذن متى نحاسب الأطفال على أخطائهم؟! في أي وقت من أعمارهم؟! ذكرنا أن بعض الأخطاء مسموح بها لأن الطفل في طور التعلم من أخطائه وهو تحت عمر السبع سنوات كما ذكره الحديث الشريف: (الولد سيد سبع سنين) فالسيادة معناها احترام شخصية الطفل وفكره والتوسيع عليه والسماح له بالحرية ليعيش طفولته، فيتم بذلك إشباع رغباته النفسية والمادية فيكون سيداً على ذاته وهذا مايرفع تقدير الذات لديه، فترتفع ثقته بنفسه وهذا هو المطلوب في بناء شخصية الطفل بشكل سليم، أما في مرحلة السبع سنوات الثانية من (٧_١٤) سنة فتكون مرحلة امتداد للسنوات السبع الأولى، فكلما حصل الطفل على احتياجاته النفسية (كالحب والأحترام والآمان والتقدير والقبول) فإن حصيلة ذلك هي دخول الطفل في الطاعة والانقياد لأوامر الوالدين في سنواته السبع الثانية (وعبد سبع سنين) وهنا يكون الطفل في هذه الفترة مستعداً للطاعة والامتثال للأوامر التي تكون في صالحه ولمستقبله، وهذه السنوات تكون مكملة للسنوات السبع الأولى والتي يكون فيها الطفل أكثر إدراكاً ومعرفة في فهم توجيهات الأهل، فالطفل في سنواته السبع الثانية يكون انعكاساً وامتداداً لسنواته السبع الأولى، فكما أعطى الأب سيُعطي الابن بنفس المقدار أو أكثر، وهنا تكون سلسلة مترابطة من الأخذ والعطاء تتمثل في سنواته الثالثة (من ال ١٤_ ٢١) والتي ذكرها الحديث الشريف (ووزير سبع سنين) ومعنى ذلك أن يؤخذ برأي الولد عن طريق الاستماع والاستشارة فيما يخص أمور البيت وأموره الخاصة ليشعر بمكانته ومنزلته في قلوب أهله، بهذه المراحل الثلاثة فإننا نقوم ببناء شخصية الولد بشكل يناسب الحياة ومتطلباتها، وبالتالي بناء جيل يواكب المرحلة بحداثتها، فالأسلوب السليم للأبوين ينتج جيلاً واعياً، يعرف مسؤولياته جيداً. وختاماً فإنه يجب على الأبوين أن لا يطلبوا المثالية من الأبناء ولايحاسبوهم على توافه الأخطاء التي يرتكبونها، فالأطفال يتعلمون من أخطائهم إذا شعروا بحرية التصرف، أما مع المراقبة الكثيرة والتربص بهم فسيقعون في المشاكل ويكررونها بسبب عدم شعورهم بالثقة من أهلهم، فيحاولون عدم اقتراف الأخطاء فيقعون فيها مما يسبب لهم شعورا بعدم الاستطاعة على فعل الصواب، لذلك توجب غض النظر عن بعض الأخطاء التي تصدر منهم وتوجيههم بشكل لايشعرهم بالتحقير والتجريح لكي يتمكنوا من النهوض من جديد.

اخرى
منذ 3 سنوات
8405

الاقتصاد في القرآن الكريم

يُروِّج أعداء الإسلام إلىٰ فكرة ضدِّ القرآن الكريم والإسلام مفادها: أنَّه ليس في الإسلام اقتصاد، وأنَّه لم يتعرَّض القرآن الكريم لبحوث اقتصادية، وهذا يُعتَبر نقصاً فيه. وهذا كلام ليس واقعياً أبداً، ويكشف عن جهل المتحدِّث به بالقرآن الكريم، فإنَّ التدبُّر في آيات القرآن الكريم وقوانين الإسلام يكشف لنا عن اقتصاد متكامل يحلُّ المشكلة الاقتصادية الإنسانية من أصلها، وسنذكر بعضاً قليلاً من قوانينه في هذا المجال. ففي مجال أساس المشكلة الاقتصادية لا يعتبر الإسلام أنَّ الأساس فيها هو التناقض المستمرُّ بين زيادة البشـر ونقص الموارد الطبيعية - كما تقول الرأسمالية -، ولا يعتبر الأساس فيها هو التعاكس بين قطاعي الإنتاج والتوزيع - كما تقول به الماركسية الاشتراكية -، بل يعتبر أساس المشكلة ومفتاح حلِّها هو الإنسان، قال تعالىٰ: (اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ 32 وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ 33 وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (إبراهيم: 32 - 34). ويُقرِّر الإسلام ثلاثة أنواع للملكية: عامَّة وخاصَّة وملكية الدول، وهذه الأنواع كلُّها تُعبِّر عن حالة طبيعية في الاقتصاد الإسلامي، لا كالرأسمالية التي تعتبر الملكية العامَّة شذوذاً، ولا كالماركسية التي تعتبر الملكية الخاصَّة شذوذاً، ومع هذا فإنَّ القرآن الكريم يعتبر ملكية الإنسان - علىٰ اختلاف أنواعها - ملكية اعتبارية، فالملكية الحقيقية هي لله تعالىٰ، قال تعالىٰ: (وَلِلهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرضِ وَإِلَىٰ اللهِ الْمَصِيرُ) (النور: 42)، وغيرها من الآيات الكثيرة في هذا المعنىٰ. وما دام الملك لله تعالىٰ فإنَّه قد كلَّفنا بحقوق معروفة في الشـرع الإسلامي، ومن تلك الحقوق: الإنفاق في سبيل الله تعالىٰ، قال تعالىٰ: (يا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة: 254). وقال تعالىٰ: (آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) (الحديد: 7). وقال تعالىٰ: (وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ ...) (النور: 33). وروي أنَّه قال الإمام الصادق (عليه السلام): لعيسىٰ بن موسىٰ: «يا عيسىٰ، المال مال الله، جعله ودائع عند خلقه، وأمرهم أن يأكلوا منه قصداً، ويشـربوا منه قصداً، ويلبسوا منه قصداً، وينكحوا منه قصداً، ويركبوا منه قصداً، ويعودوا بما سوىٰ ذلك علىٰ فقراء المؤمنين...»(1). إنَّ الإسلام يصبغ اقتصاده بصبغة واقعية تتلاءم مع طبيعة الإنسان، فلا يأمره بترك المادّيات مطلقاً، ولا يأمره بترك الروح مطلقاً، بل (وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (القصص: 77). كذلك فإنَّه يُؤطِّر اقتصاده بالأخلاق، وبتقديم المصلحة العامَّة علىٰ المصلحة الخاصَّة، فيما لو تعارضتا، (فلا ضرر ولا ضرار في الإسلام)(2). ثمّ إنَّ لدىٰ الإسلام في مذهبه الاقتصادي موارد ماليةً يروي بها خزينته، وهي باختصار: الموارد الطبيعية من أراضٍ وأنهار وعيون وآبار وعناصر وغيرها من الموارد الطبيعية، والخمس، والزكاة، والخراج، والجزية. وبعد هذا جاء الإسلام بقوانين اقتصادية تُنظِّم الحياة الاجتماعية وتُنعِش الحركة الاقتصادية وتحلُّ المشكلة الإنسانية ، يقول تعالىٰ: (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ...) (البقرة: 275)، ويقول تعالىٰ: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) (المطفِّفين: 1). وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «المحتكر ملعون»(3)، وقال: «من جمع طعاماً يتربَّص به الغلاء أربعين يوماً فقد برئ من الله وبرئ الله منه»(4). وقال تعالىٰ { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم ...النساء 29 } . وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «تعرَّضوا للتجارة، فإنَّ فيها غنىٰ لكم عمَّا في أيدي الناس، وإنَّ الله يُحِبُّ العبد المحترف الأمين»(5). ____________________ (1) أعلام الدين للديلمي: 269. (2) راجع: الكافي للكليني 5: 294/ باب الضرار/ ح 8. (3) عوالي اللئالي للأحسائي 2: 242/ باب المتاجر/ ح 3؛ مستدرك الحاكم 2: 11. (4) بحار الأنوار للمجلسي 59: 292. (5) الخصال للصدوق: 621/ حديث أربعمائة. من كتاب/ قطاف شهر رمضان/ صفحة (١٠٢ـ ١٠٤) الشيخ حسين عبدالرضا الاسدي

اخرى
منذ 3 سنوات
19254

متلازمة الصبر والصلاة في القرآن

بقلم :عبير المنظور تكرر الأمر الإلهي بالإستعانة بالصبر والصلاة في أكثر من موضع في القرآن الكريم مما يشكّل لدينا انطباعاً بأن هناك نوعاً من التلازم بين الصبر والصلاة ، فقد جاء في قوله تعالى بِسْم الله الرحمن الرحيم (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ)(١) نجد الأمر الإلهي بفعل الأمر (استعينوا) بالصبر والصلاة والضمير في (إنها) عائد للصلاة. وفِي آية أخرى ورد ذات المعنى مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ ففي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (٢). نلاحظ أيضاً الأمر الإلهي للمؤمنين بالإستعانة بالصبر والصلاة وذكرت الآية أيضاً المعية الإلهية مع الصابرين ولم تذكر المعية الإلهية مع المصلين! وبجمع الآيتين مع بعضهما بالكلمات المشتركة (استعينوا بالصبر والصلاة) نخرج بالمحصلة وهي أن الاستعانة يجب أن تكون بالصبر قبل الصلاة والاستعانة هنا هي طلب العون والمدد من الله تعالى كما ورد في المصطلحات الفقهية في المعاجم. وقد يتبادر للذهن سؤال وهو، لماذا تُقدّم الصبر على الصلاة في الاستعانة في الآيتين أعلاه؟ وبتأمل بسيط ندرك جيداً أن الدين كله عبارة عن صبر، صبر على الطاعات، صبر على المعاصي، صبر على الشهوات، صبر على المكاره والابتلاءات وما إلى ذلك، والصلاة هي عمود الدين إن قُبِلَتْ قُبِلَ ما سواها وإن رُدّت رُدَّ ما سواها وهي المقدّمة على سائر العبادات في الإسلام، ولعلّ تقدّم الصبر على الصلاة في الاستعانة لأن الصبر يهذّب النفس ويشذّبها ويحبسها عن المحرمات مما يُصفّي ساحة النفس من وساوس النفس الأمّارة ويعرج بها نحو عوالم الملكوت لتتجرّد من الأنانية والشهوات لتدخل حرم الصلاة بخشوع وحضور قلب لتكون بذلك الصلاة الحقيقية التي تنهى عن الفحشاء والمنكر وهكذا في سائر العبادات الأخرى، ولعلّه لهذه العلة ذكرت الآية المعية الإلهية مع الصابرين ومن هنا فإن تقديم الصبر على الصلاة في الاستعانة يساهم بشكل أو بآخر في تكامل الفرد فالصبر على المكاره يسبب حالة من الاستقرار والصفاء النفسي والرضا بقضاء الله وقدره وينطلق من تلك الروحية في الصلاة نحو معارج الكمال. ومن ناحية أخرى فإن الآيتين الآنفتي الذكر اللتين ذكرتا الاستعانة بالصبر والصلاة قد وردتا في سورة البقرة وهي مدنية ومن المعلوم أن حياة المسلمين في المدينة كانت تستلزم الصبر أكثر والالتزام بالصلاة لأنها رمز الإسلام وإيقونته الواضحة في العبادة ولانتشار الإسلام على نطاق أوسع مما كان عليه في المجتمع المكي ولتزايد أعداء الاسلام من قريش وحلفائها من القبائل العربية إضافة إلى يهود المدينة الذين نقضوا العهود والمواثيق مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وازدياد عدد الغزوات والمعارك وانعكاساتها على نفسية الفرد المسلم مما يستلزم منه الصبر سواء كان رجلاً أو امرأة أو طفلاً في ظل هذه المنعطفات التاريخية بالإضافة إلى مسؤوليات المسلمين في نشر تعاليم الإسلام إلى كافة الأصقاع، وكل هذه المسؤوليات الجسام تخفف حدتها الصلة بالله تعالى عن طريق الصلاة٠ وَفِي سورة طه ورد أمر إلهي آخر بشكل أمر مباشر وليس كاستعانة مقرونا الصبر بالصلاة، إلّا إن التعبير القرآني هنا تقدّمت فيه الصلاة على الصبر في قوله تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ) (٣)، نلاحظ جلياً الأمر الإلهي بالصلاة وأعقبته كلمة (واصْطَبِر عليها) والضمير في (عليها) عائد للصلاة، وهنا يرد سؤال آخر: لِمَ أمر الله تعالى نبيه الكريم (صلى الله عليه واله وسلم) أن يأمر أهله بالصلاة ويصطبروا عليها مع أن الصلاة مع مقدّماتها لا تستغرق عدة دقائق؟! وقبل الإجابة على السؤال يجب التفريق أولاً بين مفهومي الصبر والاصطبار فالصبر في اللغة حبس أو منع النفس عن شيء معين وأما الاصطبار فيعني حسن الاحتمال والصبر دون شكوى. وفحوى الآية الكريمة أن الله تعالى يأمر بالصلاة والاصطبار عليها ولا يعقل أن يكون الاصطبار عنها لقيام أو ركوع أو سجود أو أركان الصلاة وإنما الأمر أعمق من ذلك بكثير فهو لا يخص مظهر الصلاة فقط وإنما يتعلق بجوهرها وباطنها المعنوي وانعكاساتها الخارجية على سلوك المصلي وكما قلنا سابقاً إن جميع العبادات تحتاج إلى صبر وحبس النفس عن الذنوب والمعاصي والمحرمات فكذلك الصلاة تحتاج إلى صبر كبير دون شكوى أو تذمر مما يسهّل ضبط النفس لاستحصال حضور القلب والخشوع وإبعاد طائر الخيال الذي غالباً ما يفسد لنا بعض الصلاة إن لم تكن كلها ونحن لا ندرك حقيقة ذلك، فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن من الصلاة لما يقبل نصفها وثلثها وربعها وخمسها إلى العُشُر وإن منها لما تُلفُّ ما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها وما لك من صلاتك إلا ما أقبلت عليه بقلبك) (٤). وورد في هذا المعنى أيضاً عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام): (إن ما لك في صلاتك إلا ما أقبلت عليها فيها فان أوهَمها كلها أو غفل عن آدابها لُفَّت فضرب بها وجه صاحبها)(٥). وقد يسأل سائل: هل يعقل أن الصلاة وهي لا تتجاوز بضع دقائق قد يتشتت فيها ذهن المصلي فيصليها دون حضور قلب أو خشوع؟! فنقول: نعم ولا نغالي إنْ قلنا: إن من أصعب الأمور على الإنسان أن يجعل كل صلاته خاشعة وبحضور قلب ،ففي الصلاة يتجلى صبر الإنسان على الشيطان ووسوسته والتغلب عليه في حال حضور القلب وإبعاد طائر الخيال هو قهر للشيطان الذي يحاول جاهداً وقت الصلاة أن يغوي بني آدم، فالصلاة كما سائر العبادات هي محط الصراع بين القوى الرحمانية والشيطانية داخل النفس البشرية، فظاهر المصلي هو وقوفه متزناً ويؤدي ظاهر الصلاة من ركوع وسجود وقد يطيلهما ويحسن القراءة ولكن قلبه ساهٍ عن التفكر في جوهر صلاته وأهدافها أو قد يؤديها من باب العادة وليس من باب العبادة وأحياناً نجده لا يتورع عن ارتكاب المحرمات بعد الصلاة مباشرة وهذا ناتج عن الرؤية الخاطئة للدين عموماً والصلاة خصوصاً حيث يعتقد بعض المصلين أن نجاح صلاتهم وقبولها يعتمد فقط على التحلي بآداب الصلاة الظاهرية بل وحتى الباطنية منها في حال الصلاة فقط ولا يتعدى الأمر أبعد من ذلك فنجد أن شخصيتهم تتغير تماماً بعد الصلاة لأن صلاتهم لا تؤثر فيهم ولم تنههم عن الفحشاء والمنكر ، (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)(٦)، الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر هي تلك الصلاة التي يصطبر فيها المصلي على المصاعب التي تواجهه للحفاظ على جوهر تلك الصلاة والحفاظ على مكتسباتها الرحمانية وتطبيق تلك المكتسبات فكراً وسلوكاً في حركة الفرد المسلم في المجتمع ، فينقلنا الصبر على الطاعات والصبر عن المحرمات بقفزة نوعية في الصلاة الخاشعة -كما سائر العبادات- من حالة الإصلاح الفردي (للفرد في حال الصلاة) إلى حالة الإصلاح الذي ينطلق نحو المجتمع بطريقة متوازنة مما يجعل من منهج الاستعانة بالصبر والصلاة والاصطبار على الصلاة منهج حياة من حيث قبول الأعمال والطاعات الفردية والانطلاق منها بحركة إيجابية نحو المجتمع وإبقائه داخل دائرة الشريعة التي كفلت تنظيم وسعادة البشرية في المجتمع الملتزم حتى قيام الساعة . الهوامش (١) سورة البقرة الآية ٤ (٢)سورة البقرة الآية ١٥٣ (٣) سورة طه الآية ١٣٢ (٤) بحار الأنوار ج ٨١ ص ٢٦٠ (٥)وسائل الشيعة ،كتاب الصلاة ، أبواب افعال الصلاة ، باب ٣ - ح ١ (ج ٤ ص ٦٨٧) (٦) سورة العنكبوت الآية ٤٥

اخرى
منذ 3 سنوات
15705

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 3 سنوات
49016

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
104043

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
99854

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ سنتين
57477

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
54338

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 3 سنوات
53139

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
51348