كيف تتشكل الخُرافة في اذهان الأطفال؟

الدول المتقدمة التي تهتم بثقافة شعوبها تجدها تعطي أولوية لمسألة التعليم، فالتعليم يُعتبر السلاح الأكثر قوة في محاربة الجهل والتخلف، إذ التخلف والجهل أحد الأمراض الخطيرة التي تسبب تأخر الشعوب فكرياً واقتصادياً وصحياً. ومن هنا، تجد الشعوب النامية تسخر كل امكانياتها في سبيل نشر العلم بأسلوب سهل. يسهل استيعابه والانسجام معه منذ المراحل الاولى للدراسة، فأهم نقطة هنا تكمن في انسجام المنهج الدراسي نظرياً وعملياً مع الواقع المعاش، فلو كان هناك انسجام وتطابق بين المنهج الدراسي والواقع المعاش، فإن التعليم سيكون مصيره النجاح، وهذا يعكس انتشار الوعي الاجتماعي وتقليص مستوى ظاهرة الجهل والتخلف والخرافة. وما نشاهده الآن من كون التعليم مجرد عملية تلقين وسرد للمعلومات والمطالبة بحفظها ما هو إلا عملية تساعد على تأخر الوعي والثقافة وتضعف من عملية تطوير التفكير، وهذا يساعد على فقدان الرغبة بالتعلم والدراسة، وهو أحد اسباب عزوف الكثيرين من الأطفال عن الالتحاق بالتعليم. لذلك نجد أن سلوك الأطفال والشباب يناقض ماي تعلمونه في المدارس فلا أثر لما يدرسونه في نفوسهم وسلوكهم، فالمناهج تخلو من تدريس الأخلاق، والمنهج عقيم وممل، ولا يعدو كونه مجرد معلومات تاريخية وأرقام يطالب التلميذ بحفظها، وهذا ما يجعل الحياة اليومية بعيدة عن المادة التي تتناولها الكتب المدرسية، رغم أن المفروض هو أن يكون هنالك نسبة اتصال وانسجام وتفاعل بين البيئة الاجتماعية والبيئة الدراسية. لعملية انتشار الخرافة والجهل والتخلف اسباب عديدة نذكر البعض منها : 1- عدم محاسبة الاباء الذين لا يهتمون بتسجيل أبنائهم في المدارس، مما يؤدي الى انتشار ظاهرة الامية في الاوساط الاجتماعية وخصوصا القرى والارياف .. 2- عدم تطابق المنهج الدراسي مع الواقع الاجتماعي مما يشكل ضعفا في التطبيق العملي لهذه النظريات والدراسات والتي لا تعدو كونها مجرد معلومات يطالب التلميذ بحفظها . 3- الفكر الخُرافي الذي يحمله البعض من الاباء والامهات والمعلمين والذي يؤثر بشكل مباشر على الابناء فما يعتقد به الاهل يؤمن به الابناء عن طريق تأثير العقل الجمعي 4- الإكثار من سرد القصص الإعجازية والامور الخارقة للعادة للأطفال وهم في عمر غير مناسب لفهم هذه الظواهر ! مما يؤثر سلبا على قدرتهم التحليلية للأحداث التي تقع امامهم ، فكثرة الحديث عن هذا الموضوع من قبل الامهات والتي تكون غالبا متأثرة اكثر من الرجل لقوة عاطفتها بهذه الخوارق غير الطبيعية والتي تتناقلها الالسن منذ سنوات يشكل تصوراً خُرافياً في عقلية الطفل مما يدفعه إلى الاعتقاد بها وتصديقها والابتعاد عن استخدام العقل التحليلي للأحداث ، مما يزيد من انتشار ظاهرة التخلف الاجتماعي بين أوساط المجتمع . 5- البعض من الناس والذي يصاب بالفشل والإحباط يُرجع سبب فشله وضعفه والقهر الذي يعانيه إلى ( الجن والسحر والعين .وووو...ووو) فهو يريد ان يتخلص من شعوره بالإخفاق والفشل لذلك يريد أن يتخلى من مسؤوليته فيبحث عن مبررات لمواجهة اهتزازه بثقته بنفسه، وهذا ما يؤثر بشكل سلبي على الاطفال الذين يعيشون معه ويستمدون من طاقته! وبعبارة أخرى: إن من أسباب ذلك هي البيئة الملوثة فكرياً، التي ينشأ بها بعض الاطفال، ( ونقصد هنا المنهج الذي يتبناه الوالدان في حياتهما) حيث نجد ان كثيرا من الاباء والامهات متأثرون بالأمور الخرافية واغلب حديثهم يدور عن الغيبيات التي تشكل ذهنية خرافية يعيشها اطفالهم ، فاذا حدث خطب ما في البيت كمرض احد الاطفال او تعرض احدهم لحادثة معينة كخسرانه تجارته مثلا او ان احد الاطفال انكسرت رجله مثلا ، فان مثل هذه الحوادث يتم ارجاع اسبابها الى (الجن والعين والسحر) دون الرجوع الى الاسباب والمسببات الطبيعية التي كانت مقدمة لحصول الحادث ، وهذا ما يربك عملية التفكير المنطقية لدى الاطفال ويشوش اذهانهم. لذلك يجب على الاهل والمربين السعي نحو اصلاح المجتمع بنبذ مثل هذه المعتقدات المضللة، والايمان بالله تعالى والسعي نحو العمل الصالح، وهذا يتم عن طريق الايمان بالذات والذي يؤدي الى زيادة سعي الانسان لتحصيل كل ما هو مفيد له ولمجتمعه ... ومن الله التوفيق قاسم المشرفاوي

اخرى
منذ 3 سنوات
3039

لماذا يتوق الناس إلى الماضي؟

ينتابنا الحنين إلى الماضي كلما زرنا أماكن أو قابلنا أشخاصا تجمعنا بهم ذكريات خاصة، أو كلما فشلنا في التأقلم مع أوضاع أجبرتنا الظروف على القبول بها . ويعتبره علماء النفس من الحيل الدفاعية التي يلجأ إليها العقل الباطن لحماية الإنسان من التوتر والتقليل من الضغوط النفسية، إذ بمجرد أن تبدأ المشاعر السلبية في الظهور يقوم العقل لا شعوريا باستدعاء ذكريات الماضي الإيجابية فتزوده بشحنة من الدفيء والتفاؤل للتعامل مع حالة الإحباط الحالية. وقد أكدت أستاذة علم النفس الأمريكية كريستين باتشو أن التغيير والتطور سنة من سنن الحياة، لكن الإنسان برغم ذلك يبحث دوماً عن الاستقرار، ما يجعله يستذكر الماضي بشيء من الحبّ، لأنّه يعطيه أماناً نفسياً وشعوراً بالتأقلم، وقد أثبتت الدراسات أن حوالي (80%) من الأشخاص تنتابهم حالة حنين إلى الماضي مرة أسبوعيا على الأقل . من منا لم يستحضر ذكرى الترابط الأسري والعلاقات الأخوية الدافئة بين الأهل والجيران أمام منظر أفراد الأسرة المنكبّين على هواتفهم النقالة أو حواسيبهم الشخصية، والذين غالبا ما تمضي الأمسية دون أن يتبادلوا كلمة واحدة، بل قد يتحدثون مع بعضهم البعض بالرسائل النصية. كم راودتنا بشوق صورة الانضباط والاحترام الذي كان يبديه الأطفال والمراهقون لآبائهم ومدرسيهم أمام ما نراه حاليا من حالات العقوق و التمرد والعنف الذي لم تسلم منه حتى المؤسسات التربوية وأطر التدريس؟! وكيف كانت قدوة الصغار تتجلى في الآباء والأساتذة والعلماء، أما الآن فأصبح مثلهم الأعلى أبطال الرياضة ونجوم الغناء والسينما! من منا لا يتذكر صدق العلاقات الإنسانية وعمقها وكيف كان الناس يحكمون ضمائرهم ومبادئهم كلما أجبرتهم الظروف على التعامل مع أشخاص تحكمهم جيوبهم وغرائزهم . كم داعبت خيالنا ذكرى زيجات الماضي التي لا تنتهي إلا بموت أحد الطرفين، قبال ما يحصل اليوم من الارتفاع المهول لحالات الطلاق والخلع وقضايا النفقة؟! وذكريات التآخي والتسامح أمام مذابح الصراعات الطائفية والعقائدية؟! يوميا تقشعر جلودنا ونحن نسمع عن حوادث لم نكن نتخيل -ونحن أطفال- حتى إمكانية حدوثها كزنا المحارم وحالات الشذوذ الجنسي والجرائم في حق الأصول والفروع والتي أصبحت تمثل أخبارا مألوفة على صفحات الجرائد والقنوات الفضائية. لا يقتصر تعلقنا بالماضي على المشاعر فقط، بل كثيرا ما نترجم هذا الإحساس إلى تصرفات كالولع باقتناء التحف الأثرية القديمة التي تقام لها معارض ومزادات عالمية وتُدفع مقابلها مبالغ خيالية أحيانا. أو الإصرار على اختيار ديكور البيت أو المكتب بذوق كلاسيكي! وهو أمر استغلته أغلب الشركات العالمية الكبرى في إعلاناتها وأفكارها التسويقية، حيث أكدت العديد من الدراسات أن تعرّض الإنسان لحالة الحنين إلى ماضيه يرفع من رغبته في شراء أشياء تمثل ذكريات رائعة ثم يصبح شديد الاستعداد لدفع أمواله بسهولة أكبر حتى ينتشي بنفس الأحاسيس والعواطف التي عاشها في المرة السابقة، أي تصبح المسألة كالإدمان تماما. إن البحث عن السعادة المؤقتة في أشرطة الماضي ساهمت في ترسيخه السينما العربية كذلك حيث تكتفي جل المسلسلات والأفلام بعرض التقهقر والانحطاط الذي أصاب القيم الإنسانية ، بينما انهمك صناع السينما الغربيون في إخراج أفلام تصور الحياة في أزمنة مستقبلية واقتراح حلول للمشاكل التي قد تواجه الإنسانية مستقبلا كالاكتظاظ السكاني وغزو الكواكب وجفاف الموارد المائية وتحكم الآلات بالبشر . ونحن نعيش يوميا كل هذه المقارنات، فمن المنطقي أن يصبح الماضي بالنسبة إلينا هو الفردوس المفقود. لكن رغم ذلك لا يجب أن نجعله قوقعة ننعزل فيها صحبة الخذلان والمشاعر السلبية، بل فرصة للاستفادة من التجارب والخبرات السابقة تمنعنا من الوقوع في نفس الأخطاء وتساعدنا في بناء مستقبل أفضل، ولا أن نجعل منه كذلك مبررا لمقاومة التطور والتغيير وقتل روح الإبداع لدى الأفراد؛ لأن كل حضارة تنغلق على نفسها وتنهمك في اجترار ماضيها فإن مصيرها الفناء . داريا المرصاوي

اخرى
منذ 3 سنوات
7618

العــدل الإلهي في كلمات السيدة زينب (عليها السلام) (2)

ثانياً: فــي خطبتـهـــا فــي مجلـــس الإمـــارة فــي الكوفـــة قولها (سلام الله عليها ) : " ما رأيت إلا جميلاً "(1) إشارة الى أن الجمال يكمن فيما أراده الله (تعالى) وقضاه وقدَّره وإن كان لا يتناغم مع رغبات النفس البشرية ، بل وإن سبَّب لها الألم وجر إليها الحزن والهم. وقد يُقال: كيف يمكن الحكم على واقعة كربلاء وما جرى فيها من جرائم بالقبح تارةً و بالحسن أخرى؟ ألا يعد الحكم على الشيء الواحد تارةً بأنه حسن وأخرى بأنه قبيح تناقضاً؟ وبالتالي لو كان الحسن والقبح عقليين لما اختلفا؟ ولكنه يُجاب: أولاً : إن وصف الأفعال بالحسن والقبح ليس على شاكلة واحدة، وإنما هو على أشكال متنوعة، وقد أوضح السيد الطباطبائي (طيب الله ثراه) ذلك في قوله : "فمن الأفعال ما حسنه دائمي ثابت إذا كان ملاءمته لغاية الاجتماع و غرضه كذلك كالعدل، و منها ما قبحه كذلك كالظلم" الى أن قال : "و من الأفعال ما يختلف حاله بحسب الأحوال و الأوقات و الأمكنة أو المجتمعات... و ضرب أمثلة على ذلك فقال : "و أكل الطعام حسن مباح إذا كان من مال آكله مثلا، و هو بعينه سيئة محرمة إذا كان من مال الغير من غير رضا منه لفقدانه امتثال النهي الوارد عن أكل مال الغير بغير رضاه، أو امتثال الأمر الوارد بالاقتصار على ما أحل الله" (2) و مما لا شك فيه أن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يخرج بأهل بيته و أصحابه إلا امتثالاً لأمره (عز وجل) و بالتالي فإن كل ما تعرضوا له على قساوة منظر صورته الملكية ، فإنه الغاية في الحسن و الجمال في صورته الملكوتية . ثانياً : ذكر السيد الطباطبائي (قده) أيضاً : "إن الحسن موافقة الشيء و ملاءمته للغرض المطلوب و الغاية المقصودة منه " (3) وعندما ننظر الى واقعة كربلاء بهذا المنظار نجد أنها غاية في الحسن والجمال ؛ وذلك لأنها وإن أثقلت بكل ما تحمله من صورٍ تكلم الفؤاد كلماً ، ويعتصر لها القلب حزناً وألما ، فهي أيضاً أشرقت بقرابين عظيمة لله (تعالى) العظيم ، ولشرعه القويم ، كان هدفها إعادة الأمة المحمدية الى الصراط المستقيم ، حيث شرعت بالانحراف عنه منذ أن نُحّيَ عن منصبه مَن كان للرسول الأكرم (صلى الله عليه و آله) بمنزلة هارون من الكليم ، بيدَ أن مصلحة خاتم الأديان ورعايته من التحريف اقتضت من الله الحكيم أن لا يقوم بالإصلاح في الأمة إلا الذِبح العظيم ، الحسين الشهيد الذي وصفه بذلك القرآن الكريم . وعليه، فقد وصفت العقيلة زينب (عليها السلام) ما رأته بالجمال وذلك لــ (أن دين الاسلام الخاتم للأديان قد تعرض بسبب انحراف السلطة لخطر التحريف و التشويه ، بحيث تضيع معالمه ، ولا يتيسر الوصول و التعرف عليه لمن يريد ذلك ، كما حصل في الأديان السابقة ، وأن الإمام الحسين (عليه أفضل الصلاة والسلام) قد واجه ذلك الخطر ، ودفعه بنهضته المقدسة ، وما استتبعها من تضحيات جسام )(4). وقد تأكد هذا المعنى أيضاً في زيارة الأربعين للإمام الحسين (عليه السلام) حيث نقرأ فيها : " فأعذرَ في الدُّعاءِ ومنحَ النُّصحَ وبذلَ مُهجتهُ فيك ليستنقذَ عبادكَ من الجهالةِ وحيرةِ الضَّلالةِ "(5) . ثالثاً : ما جرى في واقعة الطف قبيح ، وترك الدين بيد الطغاة يحرفونه كيفما يشاؤون قبيح أيضاً ، إلا أن ترك الدين يُحرّف والشريعة تُزيّف أقبح مما جرى في الطف ، وما جرى في الطف أحسن من تحريف الدين وتزييف الشريعة ، فيحكم العقل بالتعرض لواقعة الطف قضاءً لتقديم الأرجح على الراجح ، فإن تقديم الراجح على الأرجح قبيح عند العقل(6) كما أن قولها (صلوات ربي عليها ) : " ما رأيت إلا جميلاً " شهادةٌ لها بأنها قد حازت على أرفع درجات اليقين ؛ لأنه يمثل عين الرضا بقضاء الله (تعالى) و قدره ، و قد روي عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) أنه قال : "أعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع، وأعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين، وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا "(7) وعن الإمام الصادق (عليه السلام) : " الرضا بمكروه القضاء من أعلى درجات اليقين "(8). وأما قولها (عليها السلام) : " هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم ، فانظر لمن الفلج يومئذ " (9) فقد جاء رداً على ما كان ابن مرجانة يحاول جاهداً ترسيخه في الأذهان لتبرأة ساحته و من كان معه متوسلاً بتحريف العقيدة الاسلامية -و قد كان و لازال هذا ديدن أغلب من يتخذون من دين الله الحنيف و المذهب الحق الشريف مسنداً لحكمهم- حيث قال : " كيف رأيت صنع الله بأخيك واهل بيتك؟" مُدعياً بسؤاله هذا أن ما وقع في الطف بكل ألوانه الوحشية المختلفة ، وبشتى أشكال الإجرامية المتباينة ، من قتل لصفوة البشرية ، الى تمثيل بالجثث الطاهرة الزكية ، الى رضِّ أضلع النفوس الراضية المرضية ، الى حرق الخيام على من فيها من العيال ، الى نهب التراث وسلب النساء والأطفال ، كل ذلك إنما هو (صنع الله)! وأن الجيش الأموي و من أمرهم بالخروج لم يكونوا إلا أدوات لتنفيذ ذلك الصنع الإلهي ، محاولةً منه لإسباغ الشرعية على الوحشية الأموية ، و تقديم المبرر الديني المشرعن على اقتراف تلك الجريمة النكراء ، و محاولة لتبرأة الوحوش البشرية . وقد وافق ادعاء ابن زياد هذا قول الأشاعرة بالجبر؛ وذلك لأن ادعاءه بأن الجيش الأموي لم يكن سوى أداة نفذت صنع الله هو عين القول الذي قالت به الأشاعرة من أن الانسان مجبرٌ على ما يفعل ، وأن الله (تعالى) كما خلق أعضاء الانسان فقد خلق أفعاله . وقد ثبت خطأ هذه النظرية ؛ لأنها تنسب الظلم إليه (سبحانه وتعالى) و إن لم تصرح بذلك ، و إلا فهل يمثل عقاب المُجبر على المعصية سوى الظلم؟؟ ولذا فقد ردت الحوراء زينب (عليها السلام) عليه قوله ، وهي العالمة غير المعلّمة حيث قالت: "هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم ، فانظر لمن الفلج يومئذ " فأسقطت بذلك نظرية الجبر التي حاول التمسك بها جملة وتفصيلا ، و أكدت أن فعل الانسان إنما هو مزيج من فعل الله (تعالى) و فعل الانسان نفسه ، من خلال عبارتها الموجزة المبنى و العميقة المعنى . فإن الله (عز وجل) قد كتب عليهم القتل أي الجهاد في سبيله و في سبيل إحياء دينه ، وهم (سلام الله عليهم) قد لبوا نداء الله(تعالى) ، و امتثلوا لتكليفهم بإرادتهم ، إلا أن من قتلهم هو أنت يا ابن زياد ولهذا فإن الله سيجمع بينك و بينهم يوم الحساب فتُقدم الحجج و الأدلة التي تدينك يومئذٍ ، و تخاصم من قبل من قتلتهم ، فانظر في ذلك اليوم لمن الفوز والظفر. وبقليل من التأمل نجدها (سلام الله عليها ) قد أشارت في عبارتها الى مسألتين مهمتين في العدل الإلهي وهما : أولاً : تفنيد نظرية الجبر في مسألة القضاء والقدر ، فقد أثبتت (سلام الله عليها ) بأن ابن زياد هو من قتلهم بكامل اختياره و بلا جبر من الله (تعالى) عليه بقرينة قولها : " وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم " و الله عادل بل هو العدل عينه ، و عليه لا يمكن أن يعرض للحساب فضلاً عن العقاب إلا من كان حراً مختاراً في فعله لم يجبره أحد على المعصية . ثانياً : مسألة العدل الجزائي ، أي إن كل إنسان سيجزيه الله (تعالى) بما كسب ، فيثيب المحسن على إحسانه ، ويعاقب العاصي على عصيانه ، و ذلك في قولها : " وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ " . وعلاوة على ما تقدم فقد تضمنت كلماتها تذكير الطاغية بعدم الاغترار بهذا النصر المزيف لأن النصر و الظفر الحقيقي سيكون يومئذ من نصيب الإمام الحسين (عليه السلام) وسائر شهداء الطف . وأما قولها: "واني لأعجب ممن يشتفي بقتل أئمته ، ويعلم انهم منتقمون منه في اخرته" (10) فقد تضمن هو الآخر التأكيد على العدل الجزائي لله (جل وعلا)، لأن كلمة «منتقمون» من مادة الانتقام، وتعني العقوبة والجزاء، وقد يتصور القارئ أنها العقوبة المقترنة بإخماد نار الغضب وتفريغ ما في القلب من انفعال وحب الانتقام كما هو المعنى الوارد في محادثاتنا اليومية في عصرنا الحاضر، إلا أن هذا الأمر لا وجود له في المعنى اللغوي للكلمة. (1) ابن طاووس ، اللهوف في قتلى الطفوف ص67 (2) السيد الطباطبائي ، الميزان في تفسير القرآن ج5 ص10 (3) المصدر السابق (4) السيد محمد سعيد الطباطبائي : فاجعة الطف 143 و144 (5) الطوسي : مصباح المتهجد 788 (6) أنظر محاضرات في الإلهيات : للشيخ السبحاني ص170 (7) الري شهري : ميزان الحكمة ج4 ص144 (8) المصدر السابق (9) إبن طاووس : اللهوف في قتلى الطفوف ص67 (10) المصدر السابق ص 68 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
3576

العــدل الإلهي في كلمات السيدة زينب (عليها السلام) (1)

إن من يطالع واقعة الطف أو يسمع بقصتها كاملةً وبما تبعها من أحداث لا يمكن له إلا أن يقف إجلالاً وتقديراً لتلك المرأة المثال في الصبر ، والغاية في الحكمة ، والقمة في الصمود والقوة . وما تلك المواقف التي يُشار اليها بالبنان، إلا حكاية عن تلك القوى العظيمة الخافية عن العيان، نعم، هي قوى الصبر والرضا والتسليم لقضاء الله (تعالى) وقدره النابعة من صدق اليقين وكامل الإيمان . لقد جسدت السيدة زينب (عليها السلام) بسيرتها العطرة جميع الاعتقادات الحقة ، وقد تجلى العدل الإلهي من بين كل تلك الاعتقادات ، كتجلي الشمس في رابعة النهار ، سواء فيما وقفت من مواقف وفيما نطقت من كلمات ، وفيما ألقت من خطابات . ولأن أبرز خطبها (صلوات الله عليها ) كانت لأهل الكوفة ، وفي مجلس ابن زياد ، وفي الشام حيث مجلس يزيد ، فقد ارتأيت أن أدرج تحت كل خطبة ما ورد فيها من كلمات تشير الى العدل الإلهي . أولاً: كلمات العدل فــــي خطبتها مع أهل الكوفة قولها لهم (عليها السلام) : " فلا يستخفنكم المُهل، فإنه (عز وجل) لا يحفزه البدار ، و لا يخاف فوت الثار . كلا إن ربك لبالمرصاد ، فترقبوا أول النحل و آخر صاد "(1). أي : احذروا أن يكون إمهال الله (تعالى) لكم والتأخير في انتقامه منكم لخلفكم في وعدكم للإمام الحسين (عليه السلام) في نصرته سبباً لانتعاش نفوسكم من الفرح ، و لأمان صدوركم من العذاب ، ولاطمئنان قلوبكم من العقاب . فلا التأخير في العقوبة يعني العفو عن الجريمة ، ولا التأجيل في الجزاء يعني عدم ورود الانتقام ، فإن الدنيا دار امتحان وبلاء ، لجميع الناس من الفجار والأتقياء ، وكلٌ منهم سينال عاجلاً أم آجلاً ما يناسب عمله من جزاء . فالإمهال ليس دليلاً على الإهمال ، قال تعالى : « وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43) » (1). و قد ذكرت (سلام الله عليها) سببين من أسباب تأخير العقوبة و عدم الاستعجال بها : الأول : « فإنه لا يحفزه البدار » ، أي إن الله (سبحانه) لا يعجل في الانتقام ؛ لعدم وجود الداعي الى ذلك؛ فهو لا يخشى فوت فرصة وضياعها، كما وصفه الإمام السجاد (عليه السلام) في الدعاء الثامن و الأربعون من الصحيفة السجادية : " وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي حُكْمِكَ ظُلْمٌ، وَلاَ فِي نِقْمَتِكَ عَجَلَةٌ، وَإنَّمَا يَعْجَلُ مَنْ يَخَافُ الْفَوْتَ، وَإنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى الظُّلْمِ الضَّعِيفُ، وَقَدْ تَعَالَيْتَ يَا إلهِي عَنْ ذلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً "(2). كما أنه لا يخشى انفلات المجرم من قبضته التي هي قبضة العدل الإلهي كما نقرأ في دعاء كميل : « ولا يمكن الفرار من حكومتك ». وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : " ولئن أمهل الله الظالم فلن يفوته أخذه وهو له بالمرصاد على مجاز طريقه وبموضع الشجا من مجاز ريقه " (3) بالإضافة الى ذلك فقد يؤجل الله (تعالى) العقوبة لحكمةٍ يراها ( سبحانه ) أو لمصلحة تقتضي ذلك . الثاني : " و لا يخاف فوت الثار " ، فقد ادخر الله الإمام المهدي المنتظر ( عجل الله فرجه ) لينتقم من قتلة الإمام الحسين (عليه السلام) في الدنيا ، وأما في الآخرة فإن لقتلة الإمام الحسين (عليه السلام ) عذاباً شديداً ، فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه واله) أنه قال: " إن قاتل الحسين بن علي (عليهما السلام) في تابوت من نار، عليه نصف عذاب أهل الدنيا، وقد شد يداه ورجلاه بسلاسل من نار، منكس في النار، حتى يقع في قعر جهنم، وله ريح يتعوذ أهل النار إلى ربهم من شدة نتنة، وهو فيها خالد ذائق العذاب الأليم، مع جميع من شايع على قتله، كلما نضجت جلودهم بدل الله (عز وجل) عليهم الجلود "(4). وقولها : " وإن ربك لبالمرصاد " استعارة من آية كريمة، وقد قال عنها صاحب الميزان : " وكونه (تعالى) على المرصاد استعارة تمثيلية شبه فيها حفظه (تعالى) لأعمال عباده بمن يقعد على المرصاد يرقب من يراد رقوبه فيأخذه حين يمر به و هو لا يشعر فالله سبحانه رقيب يرقب أعمال عباده حتى إذا طغوا و أكثروا الفساد أخذهم بأشد العذاب " (5) وفي عبارتها هذه (سلام الله عليها) إشارة الى عدله (سبحانه) لأن حفظه لأعمال العباد إنما هو لأجل أن يثيب المحسن ويعاقب المسيء ،وينصف المظلوم من ظالمه. وقولها (صلوات الله عليها) : " فترقبوا أول النحل وآخر صاد " هو استشهاد منها (عليها السلام) بكلام الله على ما بينت لأهل الكوفة ، فأما أول النحل فقوله (تعالى) : " أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ "(6) وأما آخر صاد فقوله (عز من قائل) : " وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88) " (7) و في كلماتها (سلام الله عليها) على إيجازها إشارة واضحة الى العدل الإلهي ــ كما أوضحنا ــ ؛ و ذلك لأن عدم إهمال جريمة دونما عقاب و لو بعد حين هو من أهم أسس العدل ، بل و ضمّنت كلماتها الموجزة استشهاداً من القرآن الكريم على صحة ما ذهبت إليه كما تقدم . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم : فاجعة الطف ص591 (2) إبراهيم 42و43 (2) الإمام السجاد (ع) : الصحيفة السجادية ص239 (3) الري شهري : ميزان الحكمة ج6 ص41 (4) المصدر السابق ص 88 (5) المجلسي : بحار الأنوار ج44 ص300 (6) الطباطبائي : الميزان في تفسير القرآن ج20 ص281 (7) النحل 1 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
6107

شبهاتٌ حول التشيّع/ في القضيّة الحسينيّة قتلوا الحسين ويبكون عليه!

مِن جملة التشنيعات التي شنّها أعداء المذهب والجهلاء هي أنّ الشيعة قتلوا الحسين ولازالوا يبكونه, ولدحض هذه الشبهة لابدّ من ترتيب الجواب وفق ثلاثة مطالب. المطلب الأول: مَن هم الشيعة؟ ومَن كتبَ للإمام الحسين من الكوفة؟ الشيعة لغةً: "هم الجماعة المتعاونون على أمر واحد في قضاياهم، يقال تشايع القوم إذا تعاونوا، وربّما يطلق على مطلق التابع، قال سبحانه: (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِى مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ)"(1). فالتشيع يعني الاتباع والطاعة، وهذا هو ما تؤكده روايات أهل البيت (عليهم السلام) وإنّ من كتبَ للإمام الحسين (عليه السلام) هم أهل الكوفة, لكن لا يعني ارسالهم برسائل إلى الحسين (عليه السلام) أنّهم شيعة الحسين (عليه السلام)؛ لقد كانوا يتعاملون معه (عليه السلام) باعتباره صحابي وسبط الرسول (صلى الله عليه وآله) لاسيما بعد انكشاف النوايا الشيئة لقادة الكوفة آنذاك. إذاً فتلبية الحسين (عليه السلام) لدعوة اهل الكوفة ليس لأنهم من شيعته, وللوقوف أكثر على شيعيّة الكوفة نقرأ المطلب التالي. المطلب الثاني: هل الكوفة كانت شيعية؟ "إن الشيعة في الكوفة يمثّلون سبع سكّانها وهم (15) ألف شخص كما نقل التاريخ وحدود (12) ألف زجّوا في السجون، وقسم منهم اعدموا، وقسم منهم سفّروا إلى الموصل وخراسان، وقسم منهم شرّدوا، وقسم منهم حيل بينهم وبين الحسين (عليه السلام) مثل بني غاضرة، وقسم منهم استطاعوا أن يصلوا الى الحسين (عليه السلام)"(2) إذاً نسبة السُبع نسبة قليلة مقارنةً بمساحة الكوفة, وهذا ما يجعل القارئ يستفهم عن سكنتها الآخرين وعقديتهم, والجواب بديهي وهو أنّ سكنتها من غير شيعة الإمام الحسين (عليه السلام) بــدليل قول السيد محسن الامين في أعيانه: "حاش لله أن يكون الذين قتلوه هم شيعته، بل الذين قتلوه بـعضهم أهل طمع لا يرجع إلى دين، وبـعضهم أجلاف أشرار، وبـعضهم اتبعوا رؤساءهم الذين قادهم حب الدنيا إلى قتاله، ولم يكن فيهم من شيعته ومحبيه أحد، أما شيعته المخلصون فكانوا له أنصاراً وما برحوا حتى قتلوا دونه ونصروه بكل ما في جهدهم إلى آخر ساعة من حياتهم وكثير منهم لم يتمكن من نصره أو لم يكن عالماً بأن الأمر سينتهي إلى ما انتهى إليه وبعضهم خاطر بنفسه وخرق الحصار الذي ضربه ابن زياد على الكوفة وجاء لنصره حتى قتل معه، أما إنّ أحداً من شيعته ومحبيه قاتله فذلك لـم يكن، وهل يعتقد أحد إن شيعته الخلص كانت لهم كثرة مفرطة ؟ كلا، فما زال أتباع الحق في كل زمان أقل قليل ويعلم ذلك بالعيان وبقوله تعالى: وقليل من عبادي الشكور"(3). المطلب الثالث: مَن هم قتلة الشيعة الحقيقيون؟ إنّ الإمام الحسين (عليه السلام) هو الذي يخبرنا مَن هم قتلته, حيث أشار إليهم (عليه السلام) اشارة واضحة في يوم عاشوراء وقال: "ويلكم يا شيعة آل أبي سفيان إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون يوم المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم هذه, وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون"(4) فالإمام (عليه السلام) قد خصّهم بشيعة –أتباع- آل أبي سفيان ودعا عليهم بالويل إن نفذوا ما يطلبه منهم القادة الظلمة. ومِن أبرز وأقسى أتباع آل أبي سفيان مِن جنود يزيد (عليهما اللعنة) هو شمر بن ذي الجوشن, فهذا اللعين حتماً ليس مِن شيعة الإمام الحسين (عليه السلام) بدليل شناعة فعله, واعتراف أبناء العامة بأنّه كان يصلي معهم, بـل لم يأخذوا برواياته فجرّدوه عن صفة الوثاقة, يقول إمامهم الذهبي في ميزانه: " شمر بن ذي الجوشن ، أبو السابغة الضبابي ، عن أبيه ، وعنه أبو إسحاق السبيعي ، لــيس بأهل للرواية ، فانه أحد قتلة الحسين (ر) ، وقد قتله أعوان المختار ، روى أبو بكر بن عياش ، عن أبي إسحاق ، قال: كان شمر يصلى معنا ثم يقول: اللهم إنك تعلم إني شريف فاغفر لي، قلتُ: كيف يغفر الله لك وقد أعنت على قتل ابن رسول الله (ص[صلى الله عليه وآله وسلم])، قال: ويحك فكيف نصنع، إن أمراءنا هؤلاء أمرونا بأمر فلم نخالفهم، ولو خالفناهم كنا شرا من هذه الحمر السقاة ، قلت: إن هذا لعذر قبيح ، فإنما الطاعة في المعروف"(5) فهذا اللعين يؤكد بلسانه على أنّ هناك مَن أمره بقتل الحسين (عليه السلام) وأعانه على ذلك, فيتضح للقارئ العصابة التي شايعت وبايعت وساعدت على قتل ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله), بـل وأمرت بذلك (عليهم اللعنة أجمعين), ووجه شمول كل من اولئك باللعنة هو: 1/ القاتل (لعن الله أمة قتلتكم). 2/ المساعد (ولعن الله الممهدين لهم بالتمكين من قتالكم). 3/ الراضون بما جرى (ولعن الله أمة سمعة بذلك فرضيت به). وتلك نصوص صريحة في زيارة عاشوراء تستنكر تعاون اولئك على الإثم والعدوان. ولتوضيح الصورة أكثر نقول: إنّ المتتبع لكتب الفريقين يجد أنّ المجرم الأول مصرّح باسمه هو يزيد بن معاوية (عليهما اللعنة), فقال الذّهبيّ فيه: "كان[يزيد] ناصبيا، فظّا، غليظا، يتناول المسكر ويفعل المنكر، افتتح دولته بــقتل الحسين، وختمها بوقعة الحرّة، فمقته النّاس، ولم يبارك في عمره"(6). بل نجده بنفسه (لعنه الله) يعترف بقتل الحسين (عليه السلام) لا بل ويندم على جريمته النكراء, وذلك كما ينقل رواة أبناء العامة, حيث قال الذهبي: "حدثنا : يونس بن حبيب ، قال : لما قتل عبيد الله الحسين وأهله ، بعث برؤوسهم إلى يزيد ، فسر بقتلهم أولا ، ثم لم يلبث حتى ندم على قتلهم ، فكان يقول: وما علي لو احتملت الأذى ، وأنزلت الحسين معي ، وحكمته فيما يريد ، وإن كان علي في ذلك وهن ، حفظا لرسول الله (ص[صلى الله عليه وآله]) ورعاية لحقه ، لعن الله ابن مرجانة يعني عبيد الله فانه أحرجه ، واضطره ، وقد كان سأل أن يخلي سبيله أن يرجع من حيث أقبل ، أو يأتيني ، فيضع يده في يدي ، أو يلحق بثغر من الثغور ، فأبى ذلك عليه وقتله ، فأبغضني بقتله المسلمون ، وزرع لي في قلوبهم العداوة"(7) بـل وهنالك العديد من الروايات عندهم تصرّح بجرأة اللعين حينما مثّل برأس الإمام الحسين (عليه السلام) ولا أعلم هل هناك عاقل يقول بأنّ قتلة الحسين هم شيعته بعد كل هذا التصريح في كتب القوم؟! نقرأ ما قاله إمامهم البخاري في صحيحه: "عن ‏ ‏أنس بن مالك ‌‏(ر) ‏أتي ‏ ‏عبيد الله بن زياد [عليه اللعنة] ‏برأس ‏ ‏الحسين ‌‏(ع[عليه السلام]) ‏ ‏فجعل في طست فجعل ‏ ‏ينكت‏، ‏وقال في حسنه شيئا ، فقال أنس‏: ‏كان أشبههم برسول الله ‏ (ص[صلى الله عليه وآله]) ‏ ‏وكان ‏ ‏مخضوبا بالوسمة"(8) فإن قال قائل: إنّ عبيد الله بن زياد هو الذي قتل الحسين (عليه السلام) وليس يزيد, وأنّ يزيد قد ندم على ذلك, كمــا يقول شيخ الوهابية ابن تيمية: "ولم يأمر[أي يزيد] بقتل الحسين[عليه السلام] ولا أظهر الفرح بقتله"(9) فنـقول له ولأمثاله باختصار: إنّ تبريركم هذا يعني أموراً، وكلها مرّة، فأيّهما تختارون: 1- أنّ ابن زياد خرج عن امرة يزيد, فيجب لعن ابن زياد بل وقتله, وحيث أنّ يزيد لم يقتله إذاً فهو حاكم ظالم فاسق, أو جبان يخشى أتباعه. 2- أنّ يزيد كان منشغلاً بالقردة والخمور والجواري ولم يهتم بمجريات الامور مع الجيش الذي أرسله لمقاتلة الحسين (عليه السلام). 3- أنّ يزيد كان سفيهاً بعدم دراسته لخططه فهو لا يصلح بذلك للحكم, وبهذا أخطأ معاوية حينما ولاّه الخلافة المزعومة. 4- تكذيب الروايات التي رواها البخاري والذهبي وغيرهم التي صرّحت بجرميّة يزيد. ترى أيّ الامور ستختارون؟! ولرسول الله غداً كيف ستواجهون؟! علماً وللأمانة، أنّ بعض علماء أبناء العامة قد خالفوا الوهابية برأيهم في يزيد (عليه اللعنة), كما قرأنا للذهبي أعلاه, بل ولابن الجوزي أيضاً رأي سديد حيث يقول: "ما رأيكم في رجل[أي يزيد] حكم ثلاث سنين : قتل في الأولى الحسين بن علي ، وفي الثانية أرعب المدينة وأباحها لجيشه ، وفي السنة الثالثة ضرب بيت الله بالمنجنيق"(10). ويقول المناوي في فيضه: " وأول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر ملك الروم يعني القسطنطينية ، أو المراد مدينته التي كان بها يوم ، قال النبي (ص[صلى الله عليه وآله]) ذلك وهي حمص وكانت دار مملكته إذ ذاك مغفور لهم ، لا يلزم منه كون يزيد بن معاوية مغفورا له لكونه منهم ، إذ الغفران مشروط بكون الانسان من أهل المغفرة ويزيد ليس كذلك ، لخروجه بدليل خاص ويلزم من الجمود على العموم إن من ارتد ممن غزاها مغفور له ، وقد أطلق جمع محققون حل لعن يزيد به ، حتى قال التفتازاني : الحق أن رضى يزيد بقتل الحسين واهانته أهل البيت مما تواتر معناه ، وإن كان تفاصيله آحادا فنحن لا نتوقف في شأنه بل في إيمانه لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه"(11). وأمّا كتب الشيعة فهي مشحونة باستنكار فعلة يزيد وشرذمته (عليهم لعنة الله), نقتصر على احدى الروايات فيها: "روى الكليني بسند صحيح عن بريد بن معاوية قال: سمعت أبا جعفر ـ الباقر ـ عليه السلام يقول: ان يزيد بن معاوية دخل المدينة وهو يريد الحج, فبعث إلى رجل من قريش فأتاه فقال له يزيد: أتقر لي أنك عبد لي, إن شئت بعتك وإن شئت استرقيتك فقال له الرجل: والله يا يزيد ما أنت بأكرم مني في قريش حسباً ولا كان أبوك أفضل من أبي في الجاهلية والإسلام, وما أنت بأفضل مني في الدين ولا بخبر مني فكيف أقر لك بما سألت؟ فقال له يزيد: إن لم تقر لي والله قتلتك, فقال له الرجل: ليس قتلك إياي بأعظم من قتلك الحسين بن علي (عليهما السلام) ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأمر به فقتل))"(12). ومسك الختام وقول الفصل رواية في وصف شيعة أهل البيت (عليهم السلام): روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "لا تذهب بكم المذاهب، فوالله ما شيعتنا إلاّ مَن أطاع الله عزّ وجلّ" (13), فلو سلّمنا جدلاً وقلنا أنّ شيعة الإمام هم مَن قتلوا إمامهم, فهل يتقربون بقل إمامهم إلى الله؟! أعتقد أنّه لا يقول بذلك إلاّ سخفاء العقول, أو يكون الإمام الباقر (عليه السلام) مخطئاً في وصف الشيعة ! وأعتقد أنّه لا يقول بذلك إلاّ الناصبة. ______________________ (1) الملل والنحل ، تأليف : الشيخ جعفر السبحاني ، ج٦ ص ۷ ـ ۱۱. (2) مركز الأبحاث العقائدية. (3) أعيان الشيعة, 1ج, ص585. (4) المصدر نفسه, ص 906. (5) ميزان الاعتدال في نقد الرجال - حرف الشين - 3742 - شمر بن ذي الجوشن, ج2, ص 280. (6) ميزان الاعتدال, ج4, ص404. (7) سير أعلام النبلاء - ومن صغار الصحابة - الحسين الشهيد[عليه السلام], ج3, ص 317. (8) صحيح البخاري - كتاب فضائل الصحابة - باب مناقب الحسن والحسين (ر[عليهما السلام]), ح3538. (9) الوصية الكبرى, ص25. (10) تذكرة الخواص, ج1, ص 261. (11) فيض القدير شرح الجامع الصغير, ج3, ص 84. (12) الكافي, ج8, ص 235. (13) الكافي, ج2, ص 73. اللّهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه, وأرن الباطل باطلاً وأعنّا على اجتنابه, والحمد لله حمداً يليق بشأنه, الصلاة على محمدٍ وآله. علوية الحسيني

اخرى
منذ 3 سنوات
5260

التفرقة بين الذكور والأناث

أوصانا الله تعالى بالعدل والإحسان في التعامل مع ابنائنا ، لإشاعة روح المحبة بين أفراد الأسرة الواحدة ، فالانحياز الى جانب الذكور من الناحية النفسية والعاطفية والمادية له آثار سلبية وخيمة تظهر نتائجها في تفكيك روابط الأسرة وبالتالي إفساد المجتمع. فتلك الفتاة التي لا تهتم بنفسيتها ستكون أماً في المستقبل! وهي ركن اساسي من اركان المجتمع ، لذلك يجب اشباع حاجاتها النفسية والعاطفية من القبول ، والاحترام ، والحب ، والتقدير ، والاحسان في معاملتها ، وعدم إشعارها بانها شخص من الدرجة الثانية كونها أنثى! فهذا الشعور يؤدي الى انكسارها ويسبب لها انخفاضا بتقدير الذات وله تبعات خطيرة جدا على تشكيل شخصية مهزوزة غير واثقة من نفسها وتنظر الى نفسها نظرة دونية. يجب هنا معرفة الاسباب التي تدفع بالأهل الى تفضيل الذكور، ونذكر منها: ١: عدم امتلاك الاهل للثقافة الدينية ،فالرجوع الى الله تعالى هو سبب سعادة الفرد لقبول الانسان بما يقدره الله تعالى له .. ٢: بعض الزوجات (تشعر بعدم القبول ) اذا أنجبت فتاة وخصوصا اذا تكررت عملية انجاب البنات لأكثر مرة وبشكل مترادف ، مما يشعرها بالضعف أمام زوجها واهله، ويزداد هذا الامر سوءا أذا كان الزوج ممن يفضل الذكور على الاناث. لذلك فعملية أنجاب الولد بعد اربع بنات تسبب في إفراط الاهل في التعامل معه بسبب اشتياقهم لانجاب الذكر مما يدفعهم إلى توفير كل شيء له وعدم رفض اي من طلباته فيتمرد عليهم ويشعر بأفضليته على اخواته. هنا يجب ان يتعامل الاباء والامهات مع هذا الامر بحذر وعدم الانجرار وراء دوافعهم العاطفية غير المدروسة لكي لا يكونوا سببا في تدمير ولدهم من حيث لا يعلمون ظنا منهم بان هذا التدليل هو حب. ٣: بعض الاباء يشعر بالضعف امام اخوته وعشيرته بسبب عدم وجود الاولاد لديه ، فهو ينظر الى الذكور كمصدر قوة له بين الناس ، وعليه يجب علينا ان نرضى بما قسمه الله لنا فهو العارف بالمصلحة لنا . أما لو تطرقنا الى الآثار السلبية المترتبة على عملية التمييز بين الذكور والاناث فنذكر منها : 1/القضاء على روح المحبة بين الاخوان والاخوات، مما يزيد من مشاعر الكراهية والحقد بينهما ويؤسس لمجتمع تسلطي ينظر للمرأة بدونية 2/شعور الفتاة بانها من الدرجة الثانية وهذا ما يسبب لها الألم النفسي والعاطفي ، وهذا ما يبعدها عن أجواء البيت فهي لا تشعر بالأمان مع إخوتها لذلك تلجأ الى إقامة علاقات محرمة مع الشباب للحصول على العاطفة ولتشعر بالقبول، فهي لا تشعر بالاحترام والتقدير من اهلها ، بل انها مجرد خادمة وطباخة ،يجب عليها ان تخدم اخوانها الذكور لانهم ذكورا. فالكل يريد منها خدمة بالمجان دون حصولها على مشاعر الامتنان والتقدير من اهلها. لو فكرنا في إيجاد حلول جذرية لتلك المشكلة الاجتماعية القديمة فإننا لا نجد حلاً مناسباً غير الرجوع الى ما أمرنا به الله تعالى وحثنا عليه رسولنا الكريم ( صلى الله عليه واله) وائمة اهل البيت عليهم السلام في التعامل بمساواة وإحسان مع الذكور والاناث على حد سواء فلا فرق بينهما الا بالإيمان والتقوى . قاسم المشرفاوي

اخرى
منذ 3 سنوات
7855

منهجية الخطاب الحسيني يوم عاشوراء

الخطاب الحسيني هو خطاب إسلامي أصيل متكامل الجوانب شرعياً وإنسانياً وأخلاقياً وقيمياً واجتماعياً وسياسياً ، إنه باختصار: منهج حياة . مرَّ الخطاب الحسيني بمراحل عديدة منذ انطلاقة النهضة واستمر لما بعدها بما رسَّخ من مبادئ وقيم لا زالت خالدة حتى يومنا هذا ، ولتشعّب مراحل الخطاب الحسيني وتنوّعها فلكل مرحلة من مراحله لها أسبابها وظروفها وواقعها الموضوعي ونتائجها التي لا نستطيع الالمام بها في هذه الأسطر، ورعاية للاختصار سنقف على أهم ما تميز به الخطاب الحسيني في يوم عاشوراء فقط، لأنه اليوم الذي ترجم بوضوح كل محطات الخطاب الحسيني وأهدافه. ولعل أول وأهم مفردات منهج الخطاب الحسيني في يوم عاشوراء هي التوكل على الله والالتجاء إليه، فقد روي عن الإمام السجاد (عليه السلام) :( لما أصبحت الخيل تُقبل على الحسين (عليه السلام) رفع يديه وقال :اللهم أنت ثقتي في كل كرب ، ورجائي في كل شدة ، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة ، كممن كرب يضعف عنه الفؤاد ، وتقلّ فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصديق ، ويشمت فيه العدو ،أنزلتُه بك وشكوته إليك ، رغبة مني إليك عمن سواك ، ففرّجته وكشفته ، فأنت ولي كل نعمة ، وصاحب كل حسنة ، ومنتهى كل رغبة)(1) يتبين من الخطاب الحسيني في هذا الدعاء أن حركة الإمام الحسين (عليه السلام) مرتبطة بالله تعالى هدفاً وسلوكا ًوغاية ووسيلة من خلال التوجه والخضوع لله تعالى والدعاء بنفس الكيفية في حالة السراء والضراء مما تعزِّز من الارتباط بالله تعالى والتسليم المطلق لحكمه وإرادته. وبدأ الخطاب الحسيني يعلن عن مبادئه في أول مواجهة صبيحة يوم عاشوراء حينما أُوقدتْ النار في الخندق الذي يحصِّن المخيم الحسيني من مباغتة الأعداء من الخلف فصاح الشمر بأعلى صوته : يا حسين أتعجّلت بالنار قبل يوم القيامة ؟ فقال الحسين (عليه السلام) :أنت أولى بها صلياً. ورام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم فمنعه الحسين (عليه السلام) من ذلك ، فقال له : دعني حتى أرميه ، فقال له الحسين (عليه السلام) : لا ترمه! فاني أكره أن أبدأهم بقتال)(2) إنها أخلاقية الحرب في الإسلام وهذه مبادئ الحسين التي لا يتخلى عنها أبداً فهي ثابتة عنده في السلم والحرب ، إنها ذات المبادئ التي منعت مسلم بن عقيل (عليه السلام) أن يفتك بابن زياد في دار هانئ بن عروة ، وهي ذات المبادئ التي تسلَّحَ بها أمير المؤمنين (عليه السلام) ضد خصومه ورفضه للغدر ، فالمنهج هو ذات المنهج ، منهج الرسالة المحمدية الأصيلة . بعد هذا الإعلان عن القيم والمبادئ الحقة التي انتهجها الخطاب الحسيني يوم عاشوراء لإبراز هوية النهضة الحسينية وأصولها، أكمل الخطاب الحسيني مسيرته في إرساء قواعد العدالة والإصلاح في هذه الأمة عن طريق النصح والإرشاد وإلقاء الحجة فحاول الإمام الحسين (عليه السلام) أن يخاطبهم، إلا إنهم أبوا حتى أن يسمعوا الحق وعلا ضجيجهم ولغطهم ورضخوا في نهاية الأمر فخطب فيهم خطبته المشهورة والتي سنقتطف جزءاً منها: (ألا لعنة الله على الناكثين الذين ينقضون الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً فأنتم والله هم ،ألا وإن الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ، ورسوله والمؤمنون ، وحجور طابت وطهرت ، وأنوف حمية ، ونفوس أبية من أن نؤثر طاعة اللئام ، على مصارع الكرام ، ألا وإني زاحف بهذه الأسرة على قلة العدد وخذلان الناصر)(3) كان الخطاب في هذه الخطبة شديد اللهجة حيث عاتبهم الامام الحسين (عليه السلام) على نكثهم الوعود وتخاذلهم عن نصرته وثباته على موقفه رغم هذا الخذلان. كما حاول زهير بن القين وبرير بن خضير بلغة العقل والمنطق ان يتحدثوا مع جيش بن سعد إلا إنهم رفضوا أن يسمعوا لهم أيضاً. وهنا بدا المشهد واضحاً أن لا جدال ولا حوار ينفع مع القوم، فهم يلهثون وراء أطماعهم وأسيادهم فاستعمل الإمام الحسين (عليه السلام) أسلوباً آخر في المحاججة فعاد على ظهر فرسه ووقف أمام الجيش وخاطبهم قائلا: (أما بعد فانسبوني فأنظروا من أنا، ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، وأنظروا هل يحل لكم قتلي، وانتهاك حرمتي، ألست ابن بنت نبيكم، وابن وصيه وابن عمّه، وأوّل المؤمنين بالله، والمصدّق لرسوله بما جاء من عند ربّه؟ أو ليس حمزة سيّد الشهداء عم أبي؟ أو ليس جعفر الشهيد الطيار ذو الجناحين عمّي؟ أو لم يبلغكم قول مستفيض فيكم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لي ولأخي: (هذان سيّدا شباب أهل الجنّة)، فإن صدّقتموني بما أقول وهو الحق، والله ما تعمّدت الكذب منذ علمتُ أنّ الله يمقت عليه أهله، ويضرّ به من اختلقه، وإن كذّبتموني، فإنّ فيكم من أن سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري، وأبا سعيد الخدري، وسهل بن سعد الساعدي، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، يخبرونكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لي ولأخي)(4) فقاطعه الشمر لعنه الله وأكمل الإمام الحسين (عليه السلام) خطابه الاحتجاجي بتغيير محور الاحتجاج الذي يطرحه في كل مرة، فقال (عليه السلام): (إن كنتم في شك من هذا القول، أ فتشكّون فيّ أنّي ابن بنت نبيكم؟ فو الله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم، ولا في غيركم، أنا ابن بنت نبيكم خاصة ، أخبروني أتطلبوني بقتيل منكم قتلته؟ أو مال لكم استهلكته؟ أو بقصاص من جراحة؟)(5) وأيضاً لم يستجب له احد فأعاد الخطاب الحجاجي مرة أخرى ولكن بمصاديق واقعية فقال: (أما ترون سيف رسول الله ولامة حربه وعمامة علي؟ قالوا نعم. قال: فلم تقاتلوني؟ أجابوا :طاعة للأمير بن زياد(6) وهنا بعد أن أجابوه بأن قتالهم لهم طاعة للحاكم الظالم واتضح أن لا رأي لهم ولا حكمة فهم مجرد أدوات قتل لمعارضي سادة الحكم، فأخبرهم الامام الحسين (عليه السلام) بمصيرهم وما سيقع عليهم بعد استشهاده وأنه عهد معهود من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو تعبير عن مشروعية ثورته واتصالها بأصل الشريعة ورسولها بقوله سلام الله عليه : (أما واللَهِ لاَ تَلْبَثُونَ إلاَّ كَرَيْثِمَا يُرْكَبُ الْفَرَسُ ، حَتَّي‌ تَدُورَ بِكُمْ دَوْرَ الرَّحَي‌ ! وَ تَقْلَقَ بِكُمْ قَلَقَ الْمِحْوَرِ ! عَهْدٌ عَهِدَهُ إِلَي‌َّ أَبِي‌ عَنْ جَدِّي‌ ؛ فَأَجْمِعُو´ا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُو´ا إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ إِنِّي‌ تَوَكَّلْتُ عَلَي‌ اللَهِ رَبِّي‌ وَ رَبِّكُم‌ مَا مِن‌ دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذُ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي‌ عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ)(7). إن أسلوب إلقاء الحجة والاحتجاج بالأدلة الشرعية والبراهين من أههم مفردات الخطاب الحسيني يوم عاشوراء واكثرها تأثيراً لمتانة الأدلة وتنوّع الأساليب الاحتجاجية والموعظة الحسنة بين ثنايا هذا الخطاب، إلا إن عمر بن سعد لعنه الله كان مصِّراً على قتال الإمام الحسين طمعاً بحكم الري ، وهنا انتهى دور الحوار والنصح بعد إلقاء الحجة، فأخبر الامام الحسين (عليه السلام) عمر بن سعد بمصيره الأسود وسوء عاقبته: (أي عمر أتزعم أنك تقتلني ويوليك الدعي بلاد الري وجرجان، والله لا تهنأ بذلك، عهد معهود، فاصنع ما أنت صانع، فإنك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة، وكأني برأسك على قصبة يتراماه الصبيان بالكوفة، ويتخذونه غرضاً بينهم فصرف بوجهه عنه مغضباً)(8) وبدأ عمر بن سعد القتال قائلا :(اشهدوا أني أول من رمى ، ثم ترامى الناس وتبارزوا)(9) وبدأت المعركة وانجلت الغبرة عن الحملة الاولى بخمسين قتيل من اصحاب الحسين سلام الله عليهم أجمعين كان الإمام الحسين يجلس فيها عند الشهداء ويدعو لهم ، وقد طغت الرحمة والرأفة على مفردات الخطاب الحسيني فيها. وفي الحملة الثانية لأصحاب الحسين (عليه السلام) كان الخطاب الطاغي على مفردات المنهج الحسيني هو خطاب التشجيع والحث على القتال واستنهاض همم بقية الاصحاب خاصة عندما اشتدت حملات جيش العدو على مخيم الحسين وأمطروه بوابل من السهام حتى لم يبقَ أحد من أصحاب الحسين إلا وأصابه سهم وتمثل ذلك بقوله (عليه السلام) :(قوموا رحمكم الله الى الموت الذي لا بدَّ منه فإن هذه السهام رسل القوم إليكم)(10) . ودارت رحى الحرب، حتى حان وقت الزوال وهو موعد الصلاة الأخيرة وموعد اللقاء الأخير مع الخالق في هذه الدنيا، فلم تمنع السهام والأسنة والرماح الإمام الحسين وأصحابه من العروج الملكوتي في الصلاة، والحرب لمّا تضع أوزارها وإنها لعمري من روائع منهج الخطاب الحسيني الالتزام بالصلاة في أصعب المواقف والظروف ، واستمرت المعركة وأقمار بنو هاشم من آل الرسول يتساقطون الواحد تلو الآخر على رمضاء كربلاء فتحول الخطاب الحسيني إلى خطاب مشحون بالعاطفة وانطلقت صرخات الاستغاثة بعد أن حز ّّفي نفسه الأبية عويل النساء وصراخ الاطفال والأيتام من آل محمد فوقف بأبي هو وأمي ينادي: (هل من ذاب عن حرم رسول الله؟ هل من موَّحد يخاف الله فينا؟ هل من مغيث يرجو الله في إغاثتنا)(11) فلم يجبه أحد غير صراخ العائلة المروِّع كما ازداد الصراخ بعد أن ذُبِحَ الرضيع بين يدي الحسين (سلام الله عليه) وهو لا زال كالطود الأشّم لم يضعف ولم يتزعزع قيد أنملة بل راح يناجي ربه وهو يرمي الدم إلى السماء(هوَّنَ ما نزل بي أنه بعين الله)(12). وبعد استشهاد أخيه وحامل لوائه العباس (عليه السلام) انكسر ظهر الإمام الحسين بأبي هو وأمي لكن لم ينكسر الخطاب الحسيني فالخطاب هو هو خطاب يملؤه القوة والإباء حتى بعد أن اقتحم الميدان ليصل إلى الفرات عند أخيه أبي الفضل أصابه سهم بحنكه فانتزع السهم وهو يقول: (اللهم إني أشكو إليك ما يُفعل بابن بنت نبيك)(13) وهنا اشتكى الإمام الحسين الى الله ما جرى عليه بعد أن ألَمَّ به الخطب وفدح به المصاب. ورغم بقاء إمامنا الحسين (سلام الله عليه) وحيداً فريداً بين الوحوش البشرية ممن لا يردعهم دين ولا حمية إلا إن الغيرة الهاشمية على حرم رسول الله كانت هي الطاغية على مفردات الخطاب الحسيني في لحظاته الأخيرة فصاح بهم (انا الذي أقاتلكم والنساء ليس عليهن جناح فامنعوا عُتاتكم من التعرض لحُرَمي ما دمت حيًا)(14) فتقدم الشمر وعشرة من رجاله نحو المخيم فصاح فيهم: ( ويلكم يا شيعة آل سفيان, إن لم يكن لكم دين, وكنتم لا تخافون يوم المعاد, فكونوا أحراراً في دنياكم [هذه]. وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون. فناداه شمر: ما تقول يا ابن فاطمة؟ فقال: أقول إني أقاتلكم وتقاتلونني, والنساء ليس عليهن جناح. فامنعوا عتاتكم وجهالكم وطغاتكم من التعرض لحرمي ما دمت حياً. فقال شمر: لك ذلك يا ابن فاطمة)(15). وقاتل الحسين وحيداً أمام هذا الجيش العرمرم وصار جسده الشريف مرتعاً للسهام والنبال والرماح وطعن السيوف وفي كل جرح كان يذكر الله في آخر مفردات الخطاب الحسيني يوم عاشوراء الذي بدأه بذكر الله وختمه بذكر الله كما عاش بينهما لله وفي الله حتى حزّوا رأسه الشريف وهو يلهج بذكر الله ، ولم ينتهِ الخطاب الحسيني في هذه اللحظات بأفول شمس الحسين (عليه السلام) بل امتدّ كشعار ومدرسة ومشروع إصلاح ونهضة أمة وجهاد وتاريخ ورسالة مؤثرة في حركة البشرية حتى قيام الساعة. _____________________________ (1)تاريخ الامم والملوك للطبري/ج4/ص321 الارشاد للشيخ المفيد/ص233 (2) راجع الارشاد للشيخ المفيد/ص217 بتصرف (3) راجع مقتل الحسين للخوارزمي /ج2/ص6_7 تاريخ ابن عساكر /ص670 (4) تاريخ الامم والملوك للطبري/ج4/ص322 الكامل في التاريخ لابن الاثير /ج4/ص61 (5) تاريخ الامم والملوك للطبري/ج4/ص323 الكامل في التاريخ لابن الاثير /ج4/ص62 (6) مقتل الحسين للمقرم /ص233_234 (7)المصدر السابق ص235 (8)الكامل في التاريخ لابن الاثير / ج4/ص241 (9) الارشاد للشيخ المفيد/ص236 (10) مقتل الحسين للمقرم/ص237 (11) مقتل الحسين لابن طاووس/ ص49 (12) مقتل الحسين لابن طاووس /ص49 تاريخ الامم والملوك للطبري/ج4/ص342 ابن كثير/ج8/ص187 (13) الارشاد للشيخ المفيد/ص240 (14) مقتل الحسين لابن طاووس/ص50 (15) اعيان الشيعة لمحسن الامين العاملي/ج1/ص609 بحار الانوار للمجلسي /ج45/ص51 عبير المنظور

اخرى
منذ 3 سنوات
7316

استحباب صيام عاشوراء المفترى (نظرة منصفة)

إلى الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه إلى كل من يدّعي أن صيام عاشوراء سُـنـّة مؤكدة ويتبادل التهاني والحث على الصيام في يوم العاشر من المحرم ...... (قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) يكثر في هذه الأيام بالذات وفي المساجد وخطب الجمعة عند العامة الحديث عن صيام هذا اليوم وبشكل عجيب جداً، ويحرص البعض على أن يؤكد عليه. لكن ما هو سبب صيام هذا اليوم ولِمَ نصومه؟! يقول الحديث : صحيح مسلم - كتاب الصيام - باب صوم يوم عاشوراء .... (وحدثني ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن أيوب عن عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قدم المدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء فقال لهم رسول الله صلى الله عليه[وآله] وسلم ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه. فصامه موسى شكرا فنحن نصومه فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: فنحن أحق وأولى بموسى منكم فصامه رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وأمر بصيامه). وفي موضع آخر : صحيح مسلم - كتاب الصيام - باب أي يوم يصام في عاشوراء ... (وحدثنا الحسن بن علي الحلواني حدثنا ابن أبي مريم حدثنا يحيى بن أيوب حدثني إسماعيل بن أمية أنه سمع أبا غطفان بن طريف المري يقول سمعت عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يقول: حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا : (يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى فقال رسول الله صلى الله عليه[وآله] وسلم: فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع قال فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم) ... وغيرها من الأحاديث لنفس السبب والمضمون .... الى كل قارئ منصف للحديثين والقصة المذكورة عن سبب الصيام، ليتأمل الحديث جيداً ولينظر الآن إلى هذه الملاحظات لنخرج بنتيجة ونترك لك الحكم بصحة هذه الأخبار .... الملاحظة الأولى : انظر إلى الحديث الأول وتأمل به جيداً، لقد غاب عن منتج هذا الحديث أن اليهود لا تعتمد في تقويمها على الهلال، وأن الاعتماد على الهلال مما أختص به المسلمون . والسؤال الذي يطرح نفسه هو : كيف كان يوم عاشوراء ( 10 محرم ) ثابتا عند اليهود على مر السنين ؟! توضيح أكثر: لو أراد أحد المسلمين أن يحتفل بميلاد المسيح عليه السلام بدعوى أننا ( أي المسلمين ) أولى بالسيد المسيح عليه السلام من المسيحيين أنفسهم ، فهل يستطيع تحديد يوم في تاريخنا الهجري بحيث يوافق دائما يوم ميلاد المسيح عند المسيحيين ؟! الجواب واضح ، فذلك أمر غير ممكن، لأن ميلاده ثابت بالنسبة لهم لأنهم يعتمدون التقويم الميلادي، ولكن بالنسبة لنا فنحن نعتمد التقويم الهجري المعتمد على الهلال، فالسنة الميلادية تزيد عن الهجرية بِـ 10 أو 11 يوم . والآن إذا أردنا أن نصوم أو نحتفل باليوم الذي نجى الله فيه موسى ينبغي أن يكون هذا اليوم متغيرا في كل عام بالنسبة للتقويم الهجري ( المعتمد على الهلال ) فما الذي ثبته في يوم ( 10 محرم )، إذ اليهوود لا يعتمدون التاريخ الهجري. ثم من المفترض أن يكون يوم عاشوراء أعظم عيد عند اليهود حيث فيه أعظم حدث عندهم وهو نجاة نبي الله موسى بانشقاق البحر له وهلاك عدوه فرعون، وهذه تشكل معجزة عظيمة ومنعطف مهم جدا في تاريخهم لا يمكن أن يهمله اليهود . ولكن السؤال المحير هو : لماذا انقرض هذا العيد عندهم ولم يبق منه عين ولا أثر ، ففي كل عيد أو مناسبة عندهم تسمع في الأخبار أن الجيش الصهيوني يشدد إجراءاته الأمنية تخوفا من وقوع عمليات استشهادية، ولكن يوم عاشوراء يمر دون إجراءات أمنية وكأنه يوم عادي ! الملاحظة الثانية: الحديث يقول: قدم النبي إلى المدينة، وبعدها برواية أخرى يقول ابن عباس قالوا للنبي إنه يوم تعظمه ... فقال النبي (صلى الله عليه وآله):فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ؟! والسؤال هنا: نحن نعلم أنه عندما قدم النبي (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة بقى بها 13 سنة بعد هجرته، فكيف مات بالسنة الأولى ؟! وإذا قال أحد إنها كانت هي السنة التي مات بها المصطفى فهذا أغرب وأعجب؟ كيف لم يلاحظ الرسول (صلى الله عليه وآله) طوال 13 عاماً صيام اليهود لهذا اليوم؟! ثم كلنا يعلم أن النبي (صلى الله عليه وآله) أمر بإخراج اليهود من المدينة ، فمتى كان ذلك إذن! الملاحظة الثالثة : هل كان رسول الله يأخذ أحكام دينه من اليهود ام ينتظر الحكم من الله والتأكد من صحة فعلهم من خطئه! فهو صلى الله عليه واله كان متبوعاً وليس تابعاً ..... الملاحظة الرابعة : اخاطب من يصوم يوم التاسع والعاشر من المحرم استحبابا ..... ماذا لو تبين أن صيام يوم التاسع والعاشر مكروه ومن سنن أعداء اهل البيت عليهم السلام؟! ماذا ستفعل حينها وماذا استفدت من صيام هذا اليوم المشكوك في استحباب صيامه وتركت باقي ايام السنة من المستحبات المؤكدة ؟! أليس الاحتياط سبيل النجاة ؟ اذن تعالوا أخوتي لنفهم هل ان يوم عاشوراء يوم حزن ومصيبة ونحيب ام يوم فرح وسرور؟ فقد رَوَى الشيخ الصدوق ( رحمه الله ) عن ابْن مَسْرُورٍ ، عَنِ ابْنِ عَامِرٍ ، عَنْ عَمِّهِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مَحْمُودٍ ، قَالَ : قَالَ الرِّضَا ( عليه السَّلام ) : " إِنَّ الْمُحَرَّمَ شَهْرٌ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ فِيهِ الْقِتَالَ ! فَاسْتُحِلَّتْ فِيهِ دِمَاؤُنَا ، وَ هُتِكَتْ فِيهِ حُرْمَتُنَا ، وَ سُبِيَ فِيهِ ذَرَارِيُّنَا وَ نِسَاؤُنَا ، وَ أُضْرِمَتِ النِّيرَانُ فِي مَضَارِبِنَا ، وَ انْتُهِبَ مَا فِيهَا مِنْ ثِقْلِنَا ، وَ لَمْ تُرْعَ لِرَسُولِ اللَّهِ حُرْمَةٌ فِي أَمْرِنَا . إِنَّ يَوْمَ الْحُسَيْنِ أَقْرَحَ جُفُونَنَا ، وَ أَسْبَلَ دُمُوعَنَا ، وَ أَذَلَّ عَزِيزَنَا بِأَرْضِ كَرْبٍ وَ بَلَاءٍ ، أَوْرَثَتْنَا الْكَرْبَ وَ الْبَلَاءَ إِلَى يَوْمِ الِانْقِضَاءِ . فَعَلَى مِثْلِ الْحُسَيْنِ فَلْيَبْكِ الْبَاكُونَ ، فَإِنَّ الْبُكَاءَ عَلَيْهِ يَحُطُّ الذُّنُوبَ الْعِظَامَ " . ثُمَّ قَالَ ( عليه السَّلام ) : كَانَ أَبِي إِذَا دَخَلَ شَهْرُ الْمُحَرَّمِ لَا يُرَى ضَاحِكاً ، وَ كَانَتِ الْكَآبَةُ تَغْلِبُ عَلَيْهِ حَتَّى يَمْضِيَ مِنْهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْعَاشِرِ كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ مُصِيبَتِهِ وَ حُزْنِهِ وَ بُكَائِهِ ، وَ يَقُولُ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ الْحُسَيْنُ ..... " السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين عليه السلام . علي جابر

اخرى
منذ 3 سنوات
1998

نـفــحاتٌ مــلكوتيــة من الــخطاب الــزينبي (١) "ما رأيتُ إلاّ جميلا"

عبارةٌ صدحت بها السيدة زينب (عليها السلام) بعدما سألها الطاغية عبيد الله بن زياد عن صنع الله بالحسين وآله، فتمنى أنّه لو لم يسألها؛ لما لاقاه مِن جوابٍ بنبرةٍ روحيّة، ورباطةٍ عقائديّة، ونبراتٍ بلاغيّة. ومن هنا سوف نسلط الضوء على هذه العبارة في ثلاث نواحي: الناحية الأولى: الناحية الرّوحيّة إنّ الوصول إلى الكمال الرّوحي يتطلب تحمل المشاق، والتسليم المطلق لله سبحانه، والذوبان في هيمنته وسلطنته جلّ شأنه، فالإنسان وإن كان مجبولاً في فطرته على حب الوصول إلى الكمال، إلاّ أنّ التعلّقات الدنيوية التي تطرأ عليه عرضاً تجعله محجوباً عن الوصول. وها هي السيّدة قد نالت ما نالت من فيوضاتٍ، وهيّمت قلبها لإرادة الواحد القهّار، وتركت التأثر بالعالم الماديّ لأهله، واعشوشب زهرها في ما فوق ذلك العالم، فأصبحت من خواص الله خلقاً، وأثمرهم عطاءً. (ما رأيتُ إلاّ جميلاً) عبارةٌ ذات أربعة عشر حرفاً دلّت عباد الله على الله، إذ أعتقد أنه لم يكُ هدف السيّدة (عليها السلام) أن تبيّن للطاغية والحاضرين مدى رضاها بقضاء الله سبحانه وحسب، بل كان لها هدف سامٍ آخر ألا وهو: أن تدلّهم على الله وترسّخ محبتهم له سبحانه، حيث نقرأ في الزيارة الجامعة الكبيرة: " اَلسَّلامُ عَلَى الدُّعاةِ اِلَى اللهِ، وَالاْدِلاّءِ عَلى مَرْضاة اللهِ، وَالْمُسْتَقِرّينَ في اَمْرِ اللهِ، وَالتّامّينَ في مَحَبَّةِ الله"(1). وجاء في مقطعٍ آخر: "اِلَى اللهِ تَدْعُونَ، وَعَلَيْهِ تَدُلُّونَ، وَبِهِ تُؤْمِنُونَ، وَلَهُ تُسَلِّمُونَ، وَبِأَمْرِهِ تَعْمَلُونَ، وَاِلى سَبيلِهِ تُرْشِدُون"(2). ومنبع تصرّفها هذا هو حبّ الله سبحانه، حيث روي أنه : "اوحـى اللّه تعالى إلى بـعـض الصدّيقين: إنّ لي عباداً مِن عبادي يحبونني واُحبهم، ويشتاقون إليّ وأشتاق إليهم، ويذكرونني وأذكرهم، ... أقل ما اُعطيهم ثلاثاً: الاول : أقذف من نوري فـي قـلوبهم فيخبرون عنّي كما اُخبر عنهم. والثاني : لو كانت السماوات والأرضون وما فيهما في مـوازيـنهم لاستقللتها لهم. والثالث : أقبل بوجهي عليهم، أ فتُرى من أقبلتُ بوجهي عليه يعلم أحد ما اُريد أن اُعطيه؟!"(3)، فقذف سبحانه في قلبها التفويض المطلق ووجدها صابرة. ويعدّ صبر السيّدة (عليها السلام) مِن صبر العارفين بالله سبحانه، إذ الصبر على مراتب، وصبر العارفين(4) معناه أنّ لبعض خلق الله التذاذاً بالمكروه لتصوّرهم أنّ معبودهم خصّهم به من دون الناس، وصاروا ملحوظين بشريف نظره (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ *أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)(5). الناحية الثانية: الناحية العقائديّة تعتقدُ السيّدة بما يعتقده آباؤها ( عليها وعليهم السلام) بأنّ الله تعالى عادلٌ لا يحيف في حكمه، حكيمٌ في تدبيره، لا يفعل عبثاً؛ لاستلزامه القبيح. ومِن هنا وصفت فعل الله سبحانه بالجميل، إذ إنّ صفات الله تعالى الثبوتية تسمى بالجماليّة، والعدل أحدها. وبهذا أعطت السيّدة (عليها السلام) درساً عقدياً للطاغية والحاضرين، حيث إنّه سلوك بني أمية عموماً كان يهدف إلى تشكيك الحضور بعدل الله سبحانه، وإلى أحقيّة تصرفه بهتك حرمة الحسين وآله (سلام الله عليه وعليهم) بـدليل قول أميرهم يزيد: "لعبَت هاشمُ بالملكِ فلا خبرٌ جاءَ ولا وحيٌ نزل" فالطاغية يُكمن في نفسه الكفر ويُظهر الإيمان، وما قوله هذا إلاّ دلالةً على أنّ الحسين على خطأ وهو وشرذمته على صواب، ولذا يقول ذنبهُ بن زياد محتجاً بما في مضمونه: لو كانَ الله عادلاً لانتصر للحسين وآله ! أمَا والله لقد أساءَ المنطق، وإلاّ فماذا يُرتجى مِن ابن الطلقاء الذي هتك حرمة الأولياء، وأبكى بفعلته السماء ! فزهق الباطل الذي به كان فرحاً بـعبارة "ما رأيتُ إلاّ جميلا". الناحية الثالثة: الناحية البلاغية استعملت السيّدة البليغة (عليها السلام) اسلوب الحصر أو ما يسمى عند البلاغيين بالقصر، ويعني: "تخصيص أمرٍ بآخر بطريقٍ مخصوص، ومِن طرقه: النفي والاستثناء..."(7). فمقصد السيّدة هو: رأيتُ الذي صنعه الله تعالى بنا جــميلا" بعد حذف أداتي النفي والاستثناء. ويدلّ استعمالها اسلوب البلاغة هذا على امور: 1- بيان أعلميتها وأنّها ليست كأيّ سبيّة، ومن هنا اشرأبت الأعناق لترى مَن المتكلم؛ لتذكرهم ببلاغة عليّ بن أبي طالب (عليه السلام). 2- تحقير الطاغية وشرذمته بتكليمهم فوق مستوى ادراكهم، فمن يقارن بين كلامَي السيّدة والطاغية يجد الإرباك الواضح، والركة المضحكة في بيانه (عليه لعنة الله). 3- توظيف ما استسقته من نمير العلوم مِن أبويها (عليهما السلام) في سبيل إعلاء كلمة الحق. ويا لجميل ما صنعَت (عليها أزكى السلام). _______________________ (1) مفاتيح الجنان، 608. (2) المصدر نفسه، 610. (3) مسكن الفؤاد: 28. (4) أوصاف الأشراف، 51. (5) البقرة: 155. (6) البلاغة الواضحة، 217. واللهُ بتُ لا أرى فيهم إلاّ جميلاً له الحمد وقبله التسبيح وبعده التهليلا ويتلوا التهليل تكبيرةً لله بكرةً وأصيلا اولئك خير خلق الله بعد محمدٍ رزقوا الثبات وكانوا أصدقُ قيلا. علوية الحسيني

اخرى
منذ 3 سنوات
5601

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
106996

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
102132

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ سنتين
60063

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
56286

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 3 سنوات
54701

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
51809