كيف تحفز ولدك على الدراسة؟

الحلقة الخامسة: تعزيز إيمان الطفل بقيمة المدرسة: من المعززات الأساسية التي تدفع بالأطفال إلى حب المدرسة والتعليم وتحفزهم بشكل إيجابي هو أن يقوم الأهل والتربويون بتعريف المدرسة وأهميتها والهدف منها، ليتم تعزيز إيمان الطفل بالمدرسة بأسلوب يدفع بالأطفال إلى الرغبة بالمدرسة أكثر بشكل لا يسبب لهم الضجر والملل عند سماعهم باسم المدرسة، فما يتبادر في اذهان الأطفال عندما يسمعون باسم المدرسة هو القلق والتوتر والانزعاج والتقييد، وهذا المفهوم هو ما لا نريده يخطر في عقل وذهن الطفل باستمرار وإنما نريد أن يخطر في ذهنه كل ما هو إيجابي يساهم ويساعد في تعزيز اعتقاد الطفل بقيمة المدرسة. تكلمنا في حلقات سابقة عن أربعة محفزات مهمة وضرورية منها: الإيمان بالذات، والتركيز على النجاح بدل العلامات، واللعب، والتفكير الإيجابي، واليوم سنتناول المحفز الخامس (تعزيز إيمان الطفل بقيمة المدرسة) الذي يعتبر من أهم المحركات التي تثير الطفل نحو تحقيق الهدف من المدرسة مع تلك المنشطات التي ذكرناها سابقاً... بعض الأطفال بل غالبيتهم لا يحبون البقاء لفترات وساعات طويلة في المدرسة، ويعتبرون ذلك أمراً مثيراً للحزن لأنه يحرمهم من اللعب وقضاء أوقات ممتعة، فأجواء المدرسة لا تتسم بالإثارة حيث لا يوجد فيها اشياء تثير اهتمامهم، بل إن الأشياء الموجودة في المدرسة تثير الملل والضجر والكآبة والتوتر لذلك نحتاج إلى أن نعزز ونُرسّخ في أبنائنا قيمة المدرسة. ومن الأمور التي تعزز إيمان الطفل بالمدرسة: قناعة ونظرة الآباء والأمهات للمدرسة والتعلم: فالطريقة التي ينظر بها الأهل للمدرسة والتعليم كفيلة بتعزيز أو تقليل أهمية المدرسة في اذهان الأبناء، لذلك يجب أن تكون نظرة الأهل واعتقادهم بالدراسة شيئاً إيجابياً وتتسم بالموضوعية والتفاؤل ليتأثر بها الأطفال وتنتقل إليهم بأسلوب التأثر بالقدوة، فقناعة الأهل بالمدرسة تؤثر بشكل مباشر على رغبة الأبناء أو عدم رغبتهم بذلك... ويعرف الأبناء أن والديهم مهتمون بأمور أبنائهم المدرسية من خلال: ١- ان يخصص الوالدان او أحدهما وقتا خاصاً مع الابناء كل يوم للحديث عن المدرسة واحوالها المختلفة، فهذا يشعر الأبناء بأهمية المدرسة في نفوس آبائهم مما يزيد الحافز الإيجابي لديهم ويعزز من إيمانهم بقيمة العلم.. ٢- أن يقدموا الدعم النفسي كالمديح والتشجيع ليرفعوا من معنويات الأبناء ويعززوا من ايمانهم بذواتهم أكثر. ٣- أن يقوموا بتوفير البيئة المناسبة للدراسة في البيت وذلك بإبعاد كل المثيرات والمشتتات كالتلفاز والاجهزة الالكترونية وتخصيص وقت مناسب لتلك الأمور بحيث لا يؤثر على الاداء الدراسي. ٤- تقديم المكافئات المعنوية كالتبسم في الوجه والربت على الكتفين والاحتضان والتقبيل والمادية أيضا والتي تكون مناسبة لعمرهم وفئتهم لتعزيز شعورهم بقيمة الدراسة وترسيخها لديهم. ٥- حضور الندوات مع المعلمين بشكل مستمر للوقوف على أهم المعوقات وحلها مع المدرسة بأسرع وقت ممكن، فهذا الأمر يرسل رسالة إيجابية مفادها أنكم ذووا أهمية في نفوس آبائكم وتستحقون الاهتمام والتقدير. كل هذه الأساليب تعتبر من المظاهر الأبوية التي تعزز من تعلق الأبناء بالدراسة لأنها تُرسخ قيمة العلم في نفوسهم وتعزز ترابطهم وانسجامهم مع التعليم وقيمته مهما كانت الصعوبات، ومن الأشياء الأخرى التي تعزز من قيمة المدرسة في نفوس الأبناء هو توضيح الهدف من المدرسة، فإذا استطعنا أن نُوضح ونُبين مقدار قيمة العلم بشكل مبسط لأطفالنا فإننا سنقوم بزيادة رغبتهم وتفعيلها للتعلم والدراسة. ومن أهداف المدرسة ما يلي: ١- تعليم مهارات القراءة والكتابة مما يعزز لدى الطفل الرضا عن الذات في الحاضر والمستقبل. ٢- إقامة علاقات وصداقات اجتماعية تزيد من الترابط الاجتماعي الفعال. ٣- زيادة مهارات الأطفال في التعامل مع مختلف مواقف الحياة وصعوباتها لأن في المدرسة سيتعلم الأطفال بأن مقابل بذل الجهد ستحصل على هدفك وغايتك، فلكي تحصل على شيء يجب أن تبذل جهداً وبمقدار ما تبذل ستحصل. ٤- ربط المعلومات المدرسية بأمور الحياة المختلفة مما يزيد من قابليتهم أكثر لفهم السبب والنتيجة.. وأمور كثيرة أخرى يتعلمها الأبناء كل وفق قدرته واستعداده للتعلم. والله ولي التوفيق قاسم المشرفاوي

اخرى
منذ سنتين
904

كن مع الله يكن معك

ماذا تعني هذه الكلمة؟ بمسح ميداني سريع، قد نلاحظ انفكاكاً في السلوك، وازدواجية في السلوك، لاحظوا مع: هناك من رفع شعار: الغاية تبرر الوسيلة! كيف؟ كان يغش في أيام الامتحان ولم يبالِ بأن الغش حرام وتصرف سيء، ورغم هذا كان ناجحاً في الاختبار! كان يستغل الناس في بيع بضاعته الرديئة وغير الصالحة ويعرف أن هذا حرام، ولم يبالِ، ورغم ذلك اصبح في النهاية من الأغنياء! كان يؤذي الناس بكلامه الجارح وتصرفاته السيئة وغير الأخلاقية ولا يهتم بما يقول ويفعل، ورغم هذا لم يحصل له شيء سيء. كانت متعددة العلاقات مع الشباب وتتكلم مع كل من هبّ ودبّ، ولم تبالِ بسمعتها وسمعت عائلتها، وفي نهاية المطاف فقد خُطبت من قبل شاب آخر غير أولئك الشباب! كانت متبرجة سافرة، وتركت الحجاب وكل ما يتعلق بالدين والتدين، ولم تهتم بما يقال عنها، وفي نهاية قد تزوجت! كان همه الوحيد هو التقدم بأي طريقة كانت، وإن كانت غير شرعية، وبأي اسلوب! كان المهم عنده أنه يرتفع ويفعل ما يريد بأي طريقة، حتى وإن كانت طريقة خاطئة ولو على حساب الغير! وهناك من عاش الازدواجية بصورة أخرى، فهو يريد أن يكون ملتزماً بالقانون الشرعي والإنساني، ولكنه يعيش في بعض الأحيان سقوطاً غير مبرر! كيف؟ ترى البعض من هؤلاء الملتزمين يقول أقوالاً لا تلائم التزامه الديني. يتأثرون بما يفعل الطرف الأخر وهو (المنحرف وغير الملتزم) رغم التزامهم وسيرهم على الطريق الصحيح. في بعض الأحياء يغبطون هؤلاء المنحرفين ، فيقولون: لماذا رغم انحرافهم عن الطريق الصحيح فهم دوماً ناجحون ومتقدمون نحو الإمام رغم معاصيهم وانحرافهم؟ فهم مرتاحون سعداء في حياتهم لم تواجههم اي مشاكل أو مصاعب في حياتهم اليومية أو الأسرية، رغم ما كانوا عليه من تصرفات غير مسؤولة وغير لائقة؟ في خضمّ هذه الرؤى، يجب أن نلتفت إلى أن الله تعالى يستدرج أهل المعاصي ويفتح لهم ابواب الخير فينسون مقصدهم في هذه الحياة وما هو سبب وجودهم فيها، لقد اعطاهم الله فرصاً كثيرة في حياتهم، ووفّر لهم سبل الراحة والحياة الهانئة، فلم يستغلوها لصالح آخرتهم، ولكن هذا الحال لن يستمر إلى الأبد، لأن الله تعالى يمهل ولا يهمل، فقد يواجههم في الموت المفاجئ وسوء الخاتمة مثلما حدث مع الكثيرين الذين باعوا آخرتهم بدنياهم! قال تعالى (فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ. فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) [الأنعام 44 – 45] أتاهم الموت بغتة! ندموا! وتحسروا على ما فعلوا في هذه الحياة الدنيا! ولم يك ينفعهم ذاك الندم! فقد حاسبهم الله، وكان كل شيء فعلوه في كتاب أُخْرِج لهم في يوم القيامة، (12 وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً . اقْرَأْ كِتابَكَ كَفىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) [الإسراء 13 – 14] (وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) [الكهف 49] فيا أيّها الإنسان المؤمن، لا تتضايق إن وجدت في حياتك بعض التقلبات والمصاعب والمشاكل المستمرة، فهذا شيء اعتيادي، فالدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، فهي دار اختبار وبلاء وفناء. إن حياة مثل رسم وتخطيط القلب، إذا كان على خط واحد فهذا يعني أنك ميت! فلا تكن الى ربك كنوداً، تعدُّ المصائب وتنسى نعم الله الكثيرة عليك. ابتعد عن معاصيه فربما يأتيك ملك الموت فجأة فيجدك عاصياً فتقابل الله وانت على معصيته! اشكر الله على كل نعمته انعم الله بها عليك، وكن من الشاكرين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين. (وكن مع الله يكن الله معك وقريب منك) . ريحانة المهدي

اخرى
منذ سنتين
8599

عباءة زينبية

عندما ارتديت العباءة الزينبية... اقتداءً بمولاتي زينب (سلام الله عليها) لم أكن أعلم أنه قرار للسير في طريق غفران الذنوب وتطهير القلوب... بل هو طريق الصعود، طريق جبلي أضع فيه قدمي على صخرة وأُمسك بالأخرى لأتشبث بها كي اواجه الرياح التي تحيطني بقوة والتي تحمل بين طياتها رذاذاً يجعل الطريق منزلقاً صعب الثبات عليه، احاول الصمود فإذا بقوةٍ داخليةٍ تدفعني لأعبر أول صخرةٍ وهكذا حتى تجاوزت البعض القليل منها فشعرت وكأني حققت إنجازاً عظيماً، حتى لو كان القدر يخبّئ لي ريحاً عاصفةً... ولكن هل سأتخلى عن عباءتي وأستسلم للرياح؟ أم سأمضي وفي قلبي صور تضيء لي دربي وتزيد من عزيمتي وقوتي؟! صور جسدتها طفلة صغيرة بدأت مسيرتها وهي في عامها الخامس، حيث فقدت والدتها، بعد أن ارتوت من عفتها وعلمها وصبرها وتقواها، لتتركها تراقب الظلم الذي نزل على أبيها وأخويها كوابل من المطر في ليلةٍ شديدة البرودة حالكة الظلام، لترى أباها الكرار حيدر مفضوخ الرأس محمولاً على الأكتاف مفارقاً للدنيا التي قد عزب عنها مراراً... حتى تتجرع مرارة السم الذي قطع كبد أخيها ليمزق قلبها حزناً وألماً... إلى أن تصل محطتها الأخيرة، ولكن هذه المرة كانت مستعدةً أكثر من السابق فقد أنجبت اولاداً لهم شجاعة الهاشميين وإيمان الطالبيين ليضحوا بدمائهم وأرواحهم من أجل الدين والعقيدة لنصرة إمامهم وخالهم، حيث غرست في قلوبهم الإيثار والولاء وهي صلبةً قويةً لم تنحن عندما رأتهم صرعى على رمضاء كربلاء، فحفظت دموعها وآهاتها في قلبها لتطلقها على مصرع أخيها بإباءٍ... لتقف على جسد أخيها المضرج فتئن بصوتٍ شجيٍ لتُذكّر من على الأرض بأنين أمها الزهراء على جدها المصطفى صلوات الله وسلامه عليهم... فتسجد الجبال وتركع النخيل وتموج البحار وتغور الرمال خجلاً من صبرها وثباتة جأشها... لترفع يدها الى السماء مخاطبةً خالقها باستحياء "اللهم تقبل منا هذا القربان" معلنةً عن بداية مهمتها بتأدية رسالتها على أتم وجه، وهي تحفظ وصية أخيها بالحجاب والعفة فلم تتخل ابداً عن قيمها ومبادئها ودينها وعقيدتها التي ملأت قلبها الطاهر... متجهةً الى قطيع الكفوف مودعةً له بدموع ونحيب لتغادر أرض الطفوف بعد ان مزق الألم ثنايا روحها... تلك هي ملهمتي ومولاتي الحوراء زينب عليها سلام الله تعالى، التي اتخذتها قدوةً لي، تلك التي جمعت بين الحياء والقوة... سأرتوي من نمير صبرها وسأتمسك بحبل من نور عفتها لأتزود منه في رحلتي وليضيء مسيري، وفي قلبي صوت يخبرني بأني سأمضي على خطاها ولن أنحني لما سيواجهني مهما كانت الصعاب، فلن أتخلى عن حلمي.. سأكمل الطريق وأتجاوز تلك العقبات متلذذةً بحلاوة النجاح التي بدأت أشعر بها وأنا في طريقي لتحصيلها... فقد امتزجت دموع الألم ودموع الفرح مع رذاذ المطر وقطرات الندى متمايلةً فوق الصخور لينعكس عليها شعاع ذهبي تارة وفضي تارة أخرى، لتطوي أياماً وليالياً من عمري مهما كانت مرارتها ستمضي... ففي قلبي قوةٌ اسمها "عباءة زينبية"٠ يا مهدي ادركني

اخرى
منذ سنتين
7043

إذا كان العمل صالحاً فلماذا العقيدة؟

إذا كان العمل صالحاً فلماذا العقيدة؟ للجواب على هذا التساؤل يحب علينا ان نعرف اولاً معنى العقيدة ولو على نحو الإجمال. العقيدة مأخوذة من العقد والشد، فهي مجموعة من الأفكار والقيم التي يرتبط بها القلب ارتباطاً وثيقاً على مستوى التصديق والتدين، وعليه يكون موقعها القلب، وقد صرحت الروايات الشريفة بأن الإيمان الحقيقي هو ما يستقر في القلب لا ما يتلفظ به اللسان فقط, فعن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن الإيمان فقال: (تصديق بالقلب, وإقرار باللسان وعمل بالأركان)(1) لكن هل البحث عن العقيدة هو أمر واجب لازم على كل إنسان أم أنه أمر اختياري؟ إن البحث عن العقيدة هو أمر ضروري واجب، ووجوبه عقلي، بمعنى أن العقل هو من يحتم البحث, وذلك للإجابة عن الأسئلة الفطرية التي تولد مع الإنسان (من خالقنا؟ من أين أتينا؟ والى أين نذهب), فإن هذه الأسئلة يجب على العقل الإجابة عليها, ومن حيث كون هذا الوجوب هو وجوب عقلي فلا بد إذاً من تحصيل أجوبة لهذه الأسئلة. والدليل على كون وجوب البحث عن العقيدة هو عقلي هو (دليل دفع الضرر المحتمل) وهذا ما يذكر في علم الكلام ومفاده يتبين بالمثال التالي: قد يقدم إلى شخصٍ ما قدح ماء وهو يشعر بالعطش الشديد لكنه يحتمل نسبة احتمالية ضئيلة جداً, بأن هذا الماء مسموم،, فمن البديهي هنا أن العقل سيبحث عن حقيقة هذا الأمر ولا يجازف قطعاً بتعريض نفسه للهلاك حتى يتأكد بالدليل القطعي من حقيقة هذا الماء, ونظير هذا الأمر يسري في مسألة البحث عن العقيدة، إذ إن العقل يعلم بوجود رسل قد جاؤوا برسالات سماوية وأن هناك خالقاً لا بد أن يُعبد وله أوامر يجب أن يطاع فيها, وأنه سيثيب من أطاعه ويعاقب من عصاه, وكلٌ من الجزاء والعقاب سيكون أبدياً، لذا يحكم العقل بوجوب البحث عن هذه الحقيقة ليكون آمناً. وهنا لابد من الإشارة الى أن هذه الأجوبة يجب أن تكون أساساتها أساسات عقلية وأدلتها يقينية قطعية لا ينفع فيها الظن ولا التقليد أبداً. وهناك أدلة من القرآن الكريم يمكن أن يرجع إليها الفرد بعد أن يحصل الأدلة العقلية فتكون أدلة إمضائية لما حصله العقل فتسنده وتقويه, وهي آيات كثيرة يحث الله تعالى عباده فيها على التأمل في خلقه جل وعلا, ومنها قوله تعالى (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ) (2) بل إن الله عز وجل يؤكد على تقديم العقيدة على العمل في آيات عديدة, حيث قال عز من قائل (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ) (3) إن الله تعالى جهز الإنسان بآلات عديدة وكرمه بالعقل, وبه يستطيع أن يميز العمل الحسن من القبيح حتى وأن خُليَّ من الشريعة السماوية, حيث أعطى الله جل وعلا قابلية استحسان الصدق ونبذ الكذب, والركون الى الحب والسلم والنفور من البغض والعدوان, والرغبة الدائمة بالعدل ومقت الظلم, وما الى ذلك من أمور مشابهة لها, وعليه نستطيع أن نجزم ونقول بأن مسألة القبح والحسن هما أمران عقليان وجاء الشارع المقدس فأكّدهما وأمضاهما. فهنا هل من الممكن أن نعتمد على العقل باعتبار أن الحسن والقبح عقليان؟ في الحقيقة لا يمكن هذا عملياً وإن أمكن نظرياً، وذلك لأن العقل قد يتعرض للمؤثرات الخارجية من أفكار خاطئة وقضايا منحرفة أو لنقل نتيجة تلبس الحق بالباطل مما يؤدي الى عدم قدرة العقل حينئذٍ من التمييز بينهما, لذا لابد له ممن يسنده ويرشده ويقومه إذا ما مال وانحرف، وليس هذا إلا الشريعة, وحيث إن الله تعالى لطيف بعباده رؤوفٌ رحيم بهم, لذا أرسل الرسل ليقوموا العقل وليأخذوا بيده ليصل العبد الى ربه مطمئناً. وإذا تدبرنا آيات القرآن الكريم نجد أن الله تعالى أشار بأن من عمل عملاً وإن كان صالحاً فما لم يكن مصاحباً للعقيدة فإنه سيكون كالهباء المنثور في يوم عاصف لا أمل له ولا فائدة ترجى منه، كما في قوله تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا ۗ لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا (22) وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا)(4) إذاً الأساس في العمل وإن كان صحيحاً أن يكون متكئاً الى عقيدة تسانده وتقومه حتى يكون هذا العمل مثمراً. ________________________________ (1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي/ج66/ص68/ ح22 (2) سورة آل عمران: آية 190 (3) سورة الرعد: آية 29 (4) سورة الفرقان: الآيات 21,22,23 يا مهدي أدركني

اخرى
منذ سنتين
2908

شبهاتٌ حول مذهب التشيّع/ في التوحيد(9) حدوث كلام الله تعالى وقدمه

ما المراد من كلام الله تعالى؟ وكيف يتكلم سبحانه؟ وهل كلامه قديم بقدمه سبحانه؟ أم حادث مخلوق؟ وهل اتفقت المذاهب على معتقدٍ واحد؟ وما هو القول الفصل؟ الجواب على هذه التساؤلات سيتضح ضمن المطالب التالية. المطلب الأول: ما هو كلام الله تعالى؟ لم تتفق المذاهب الكلامية على تشخيص ماهية كلام الله عز وجل, فمنها من قالت بأنه أصوات وحروف مركبة تركيباً مفهماً، ومنها من قالت بأنه نفساني. وعلى كل حال، فالذي ذهب إليه الشيعة الإمامية هو أن كلام الله عبارة عن "أصوات وحروف يخلقها الله ليوصل عن طريقها مقصوده إلى المخاطب، ويسمّى هذا الكلام بـالكلام اللفظي"(1). وتبعهم المعتزلة، قال القاضي عبد الجبار: " حقيقة الكلام الحروف المنظومة، والأصوات المقطعة، وهذا كما يكون منعما بنعمة توجد في غيره، ورازقا برزق يوجد في غيره، فهكذا يكون متكلما بإيجاد الكلام في غيره وليس من شرط الفاعل أن يحل عليه فعل "(2). وأما الأشاعرة فذهبوا إلى الكلام النفسي، الذي قال في تفسيره الفاضل القوشجي: " إن من يورد صيغة أمر أو نهي أو نداء أو إخبار أو استخبار أو غير ذلك يجد في نفسه معاني يعبر عنها بالألفاظ التي نسميها بالكلام الحسي، فالمعنى الذي يجده في نفسه ويدور في خلده، لا يختلف باختلاف العبارات بحسب الأوضاع والاصطلاحات ويقصد المتكلم حصوله في نفس السامع ليجري على موجبه، هو الذي نسميه الكلام النفسي"(3). المطلب الثاني: كيف يتكلم الله سبحانه؟ أجمعت المذاهب الإسلامية على أنّ الله تعالى متكلم, إلاّ أنها اختلفت في الطريق الذي أثبتت به هذه الصفة لله سبحانه, "فالشيعة الإمامية تعتقد بأنّ الطريق نقلي وهو القرآن الكريم حيث فيه قال تعالى: {وكلّم الله موسى تكليما}, ووافقهم المعتزلة في ذلك, أما الأشاعرة فطريقهم عقلي"(4). كما اختلفوا في كيفية الكلام, رغم تعدد مصاديقه التي أشارت لها الآية الكريمة:{ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء}(5). فتارةً يكون إيحاءً, واخرى إيجاداً لشيء, واخرى لفظاً. 1- الكلام إيحاء بدليل الآية الكريمة: { وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ *عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِين}(6). 2- الكلام نفس وجود الأشياء بدليل الآية الكريمة: { إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَة}(7). 3- الكلام لفظ بدليل الآية الكريمة: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين}(8). وفي كيفية التكليم اختلفت المذاهب الإسلامية، ونذكر فرعين في ذلك: الفرع الأول: كيفية تكلم الله سبحانه في معتقد الشيعة الإمامية تعتقد الشيعة الإمامية أنّ الله سبحانه تكلّم عن طريق خلق أصواتٍ في غيره مركبة تركيباً مفهماً, كما في قيام كلام الله تعالى في الشجرة حينما كلّم موسى النبي (عليه السلام). إذاً كلامه سبحانه هو فعله وإيجاده, وهو أمرٌ ممكن, والباري سبحانه قادرٌ على جميع الممكنات؛ لمقتضى اطلاق قدرته, وامتناع وجود المانع من تعلّق قدرته بجميع المقدورات"(9). ووافقهم المعتزلة في ذلك. الفرع الثاني: كيفية تكلم الله سبحانه في معتقد الأشاعرة تعتقد الأشاعرة أنّ كلام الله تعالى معنى قديم قائم بذاته، وهو مغاير للصفات الذاتية كالعلم والقدرة, وهو ليس حرفاً, ولاصوتاً, ولااستخباراً, ولاخبراً, ولاأمراً, ولانهياً. المطلب الثالث: هل كلام الله تعالى قديم أم حادث؟ اختلفت المذاهب الإسلامية في ذلك, حتى سفكت دماء بسبب هذا الاختلاف, فسميت تلك المحنة بـ(محنة خلق القرآن), والكتب الكلامية أسهبت في بيانها. وعليه سيتم التعرف على عقيدة أشهر المذاهب الإسلامية في ذلك إجمالاً. الفرع الأول: حدوث كلام الله سبحانه في معتقد الشيعة الإمامية تعتقد الشيعة الإمامية أن لا قديم إلاّ الواجب سبحانه, وصفاته الذاتية -بلحاظ أنّها عين ذاته, فلا اثنينية-, وأما كلام الله سبحانه فهو من الصفات الفعلية(10), وكل صفة فعلية فهي حادثة. والقران الكريم صرح بأن كلام الله سبحانه حادث, بدليل الآية الكريمة: {مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُون}(11). ويعلق العلامة السبحاني (رضوان الله عليه) ويقول: "ليس المراد كونه محدثا من حيث نزوله، بل المراد كونه محدثا بذاته بشهادة أنه وصف ل " ذكر "، فالذكر بذاته محدَث، لا بنزوله فلا معنى لتوصيف المحدث بالذات بكونه من حيث النزول، لتقدم ما بالذات على ما بالعرض. ويدل على حدوثه قوله سبحانه: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا) فهل يصح توصيف القديم بالإذهاب والإعدام ؟!"(12) سادة التوحيد أهل البيت (عليهم السلام) لم يتركوا شيعتهم سدى دون بيان معالم اصول الدين, وقد صدحوا بأنّ كلام الله سبحانه حادثٌ مخلوق, حيث قال الإمام علي(عليه السلام): "يقول [ تعالى ] لما أراد كونه "كن" فيكون، لا بصوت يَقرَع، ولا بنداء يُسمع، وإنّما كلامه سبحانه فعلٌ منه، أنشأه ومثّله، لم يكن من قبل ذلك كائناً، ولو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً"(13) فالإمام (عليه السلام) يشير إلى عقيدتنا في كلام الله تعالى بأنه صفة فعلية له سبحانه. وسُئل الإمام العسكري (عليه السلام): القرآن مخلوق أم غير مخلوق؟ فقال: للسائل: يا أبا هاشم، الله خلق كل شيء وما سواه مــخلوق(14). الفرع الثاني: قِدم كلام الله سبحانه في معتقد أبناء العامة أبناء العامة كفّروا من قال بحدوث القرآن, وجعلوا جهنم مثواه _ ويكأن مفاتح أبواب الجنة بيدهم_. قال أحمد بن حنبل: "والقرآن كلام الله ليس بمخلوق، فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي كافر، ومن زعم أنّ القرآن كلام الله عزّ وجلّ ووقف، ولم يقل مخلوق ولا غير مخلوق، فهو أخبث من الأوّل. ومن زعم أنّ ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة، والقرآن كلام الله، فهو جهمي، ومن لم يكفِّر هؤلاء القوم كلّهم فهو مثلهم"(15). المطلب الرابع: القول الفصل أنّ القول بقدم القرآن الكريم يلزمه النتائج الفاسدة التالية: 1-لو كان القرآن قديماً للزم تعدد القدماء. إذ لو افترضنا أنّ القرآن الكريم قديم - غير مسبوق بالعدم- وهو مستقل بذاته، فلزم تعدد القدماء. 2- لو كان القرآن قديماً للزم الكذب على الله سبحانه. بيان الملازمة: لو سلّمنا جدلاً بأنّ القرآن الكريم قديم, وقرأنا الآية الكريمة: {إنّا أرسلنا نوحاً إلى قومه} نجد أن الفعل (أرسل) ماضي, وحيث أنّه سبحانه لم يخلق بشراً منذ الزمن الأزلي ولا حتى النبي نوح (عليه السلام) فيكون مدلول الآية هو الكذب الصادر من الله سبحانه, وتعالى عن ذلك علواً كبيرا. أي إنه يلزم أن يكون الإخبار قبل الوقوع. 3- لو كان القرآن قديماً للزم ثبوت العبث واللغو لله سبحانه. بيان الملازمة: لو سلّمنا جدلاً أنّ القرآن الكريم قديم وقرأنا الآية الكريمة: {وأقيموا الصلاة}, فحيث لا مخلوق في الأزل, فيكون توجيه الله سبحانه خطابه للعدم عبثاً منه ولغواً. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً 4-إنّ الله سبحانه يصف كلامه بأنّه محدث لا قديم, بدليل صريح الآية الكريمة: { مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُون} والذكر هو القرآن بدليل الآية الكريمة: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون}(16). فلا مجال لتفسير الذكر بأنّه النبي محمد (صلى الله عليه وآله) كما ذهب إليه البعض. 5-أنّ ألفاظ القرآن الكريم حادثة, بدليل أنّنا حينما نتحدث بآية ونتلو الأخرى تصبح الآية الثانية حادثة في نفس السورة, وهكذا الحال في تراتب السور بأكملها, فآخرها أحدثها. _________________ (1) ظ: النكت الاعتقادية: للشيخ المفيد، ف1, ص 27. (2) شرح الاصول الخمسة: للقاضي عبد الجبار المعتزلي, 528. (3) شرح التجريد للقوشجي: 319. (4) ظ: النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر, ص41. (5) الشورى:51. (6) الشعراء: 192-195. (7) النساء:171. (8) القصص: 30. (9)ظ: النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر, ص42. (10) الصفات الفعلية: هي الصفات التي ممكن أن تنفك عن الذات, وتتقوم بطرفين: متكلم, وموجَه له الخطاب, وممكن وصف الذات بنقيضها, فنقول: أنه تعالى تكلم مع النبي موسى (عليه السلام) ولم يتكلم مع فرعون. (11)الأنبياء:2. (12) محاضرات في الإلهيات: للعلاّمة السبحاني, 125_126. (13) نهج البلاغة: خطبة 186, ص 368. (14)مناقب آل أبي طالب: لابن شهر آشوب , ج2, ص 525. (15) كتاب السنة: لعبدالله بن أحمد بن حنبل, ص49. (16) الحجر: 9. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمدٍ وآله. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنتين
5267

من أسئلتكم (من هم الأخسرون أعمالاً؟)

السؤال: من هم الاخسرون أعمالا؟ الجواب عند تتبع آيات موضوع الخسارة في ثقافة القرآن الكريم نجد أنها ليست بالقليلة، ولو تأملنا في موارد ذكرها نجد انها تقع في قبال الفلاح. فالفلاح هو حالة استقامة في النجاح اي بلوغ النجاة وحسن الخاتمة للإنسان عند انتقاله من هذا العالم الى العالم الاخر. وبتعبير آخر: مفهوم الخسران المطروح في القرآن الكريم مرتبط بالجزاء الأخروي للأعمال، لا الاثر الدنيوي الذي يترتب على ما يصدر منا من افعال ووفق سنة الاسباب الطبيعية. فهناك (خسران بناء) أي يُخفق الإنسان في مرحلة أو في خطوة من خطوات مسيرته فيعمل على التصحيح، أي هناك فرصة لتحصيل التعويض والانتفاع مما وقع. ولكن في ثقافة كتاب الله تعالى هو يتحدث عن (الخسران الهدام) الذي لا يمكن ان يُصحح او يُعوض إذا وقع فيه الانسان ولم يتجنبه، وهنا تكمن خطورة هذا الخسران. لقد ورد استعمالات مفردة (خسر) في القرآن الكريم بثلاث صيغ (١): ١- مفردة (خُسْر) اي ان الانسان في نقصان دائم في اصل رأس ماله وهو العمر، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} العصر:2. ٢- مفردة (خْسَر) تعني الانقاص في الميزان اي في المعاملات التجارية المالية سواء بالبيع بعدم الانصاف بالعطاء، او بأخذ اكثر من الاستحقاق، كما في قوله تعالى:{وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ}المطففين:3. ٣- مفردة(خَسِر) تعني بمعنى الهلاك والضياع، كما في قوله تعالى:{...فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ} غافر:78. مواضع استعمال مفردة الخسر في القرآن الكريم الموصلة لمعرفة اسباب الخسر بشكل عام: ١• الشرك في عدم جعل الأعمال خالصة لله تعالى: قال تعالى: {... لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}الزمر: 65. ٢• سوء الظن بالله سبحانه بما يرتبط بإحاطته وعلمه المطلق بما نعمل في السر والعلن قال تعالى: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ} فصلت:23. ٣• عبادة غير الله تعالى ففي ذلك لن يصل الانسان لغاية وجوده قال تعالى:{فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}الزمر: 15. ٤• في الصدود والتمرد بعدم قبول وطاعة اوامر الله ورسله من قبل تلك الاقوام وهنا اتى بمورد أخذ العبرة قال تعالى:{ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ(8)فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا}الطلاق:9. ٥• الغفلة عن ذكر الله على أثر الانشغال بزينة الدنيا المتمثلة بالمال والبنون قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} المنافقون:9. ٥• التكذيب بآيات الله الدالة عليه والهادية الى صراطه المستقيم قال تعالى: {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} يونس: 95. ٦• تكذيب رسل السماء {الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَاسِرِينَ} الأعراف: 92. ٧• اتباع غير حجج السماء من الرسل والانبياء والاوصياء من اهل الترف والاستكبار قال تعالى: {قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا} نوح:21. ٨• طاعة الكفار يوجب الخسران كما في قوله تعالى:{ يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَـابِكُمْ فَتَنقَلِبوُاْ خَـاسِرِينَ} آل عمران:149. ٩• نصب المكائد لإيذاء حجج السماء قال تعالى:{وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ} الأنبياء: 70. ١٠• الظالمون الذين يصدون الناس عن السبيل المستقيم المتمثل بدين الله وشريعته واحكامه، وابداله بسنن ابتدعوها وفق اهوائهم ونزواتهم قال تعالى:{ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ(19) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ(21)لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ} هود :22. ١١• اتباع خطوات الشيطان والدخول في ولايته قال تعالى:{وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا} النساء: 119. ١٢• الجهل بشريعة الله تعالى وبالتالي العمل بغير ما شرع الله تعالى مما يوافق اهواءهم ومنافعهم الشخصية قال تعالى:{قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللّهُ افْتِرَاء عَلَى اللّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ}الأنعام: 140. ١٣• الامم التي تنتمي لشرائع سماوية لكنها لم تؤمن بالشريعة الخاتمة وبالنبي الخاتم المذكور عندهم. قال تعالى:{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}الأنعام :20. ١٤• عدم الانتفاع بالقرآن الكريم على أثر ظلم هؤلاء لأنفسهم بعصيانهم وعدم ايمانهم بما يتلى عليهم من هدى قال تعالى:{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا}الإسراء: 82. ١٥• عدم العمل بمنهج دين الاسلام يوجب الخسران قال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} آل عمران: 85. ١٦• المبطلون للحق (اي الذين ابطلوا الحق بنشر عقيدة الباطل والذين كذبوا بالأنبياء وسخروا من كلامهم)(٢) قال تعالى:{... فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ} غافر:78. ١٧• الكفر بنِعمة الوجود الذي كرم الله تعالى بها بني البشر بأن جعلهم خلفاءه في ارضه، حيث ان " الخلافة لا تنفك عن اصل الخلقة، فلا يمكن فصل الخالق الذي اوجدهم عن كونه هو المُستخلف لهم في ارضه"(٣). قال تعالى:{هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا } فاطر: 39. ١٨• الجحود بنعم الايمان قال تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} المائدة: 5. حيث إن من معاني الكفر هو الجحود بالنعم، اي عدم شكرها بالعمل بها بما يصب في نفع الغير بل و تسخيرها في ما فيه فساد. ١٩• الذي لا يؤمن بالحق الذي اتى به القران الكريم المنزلة من الله تعالى من وعيد وانذار وتبشير عبر الرسل، فهو سيكون خاسراً إذا انتقل للعالم الاخر ورأى حقيقة ما كان يدعى اليه. قال تعالى:{هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}الأعراف: 53. ٢٠• الاعراض وترك الحق بعد معرفته قال تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ} البقرة:64. ٢١• اصحاب الايمان المتزلزل/السطحي قال تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} الحج: 11. اي الايمان الذي لم يستقر في القلب فيحقق الاطمئنان النفسي سواء في الرخاء او البلاء لأنه سيخسر الدنيا لأنه يعيش بقلق دائم ويخسر الاخرة لأنه لم ينجح بفهم ان الدنيا دار ابتلاء فيتقبل الابتلاءات جزءً من حياته. ٢٢• الظلم قال تعالى:{...وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ} الشورى:45. فعن امير الكلام(عليه السلام) أنه قال: اخسركم أظلمكم.(٤) ٢٣• الذي يقر لله تعالى بإيمانه في الاخرة اي بعد انتهاء الامتحان الالهي في الدنيا قال تعالى:{فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} غافر: 85. فسنة الله في الدنيا قائمة على الاختبار والاختيار، اما الاخرة فهي دار الجزاء فإن لم يختر الانسان الايمان وينجح بهذا الاختبار في الدنيا خسر فرصته بشكل نهائي. ٢٤• عدم الايمان بالمعاد واتى في موارد عدة منها: قال تعالى:{وَلَلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرضِ وَيَومَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ}الجاثية: 27. ٢٥• التكذيب بلقاء الله، وقد اتى في موارد عدة منها: قال تعالى:{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ}يونس: 45. والتكذيب هنا ينتج عنه سلوك عملي خاطئ، لأنه لن يتزود بالعمل الصالح. فعن النبي(صل الله عليه وآله): الخاسر من غفل عن إصلاح المعاد.(٥) ٢٦• عند العدل في ميزان البيع والشراء قال تعالى:{أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ} الشعراء: 181. قال تعالى:{وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ}الرحمن:9. هنا الآية تحذر من انقاص وبخس الناس حقوقهم في المعاملات التجارية، وقد تبين في المقدمة ان ثقافة الخسر تتحدث عن الاخرة وهنا تتحدث عن فعل ذلك في الدنيا ولكن في قوله تعالى:{ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ(١)وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ}المطففين:3، ونرى ان هذا المصداق فيه تحذير من بلوغ الهلاك في الاخرة اي تتحدث عن اصل مفهوم الخسران في الاخرة على اثر هذا فعل الاخسار بحق الاخرين. فعن النبي(صلى الله عليه وآله) انه قال: قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل.(٦) ٢٧• قتل النفس الانسانية بغير حق قال تعالى: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} المائدة:30، " وذلك على اثر التدرج في الاصغاء لوساوس النفس التي عبر عنها (طوعت) حتى تمت الطاعة والانقياد لأمرها وارتكاب ما فيه الخسران".(٧) ٢٨• في فقدان الانسان لرأس ماله وهو العمر قال تعالى: {إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} العصر:2. ٢٩• الذين لم يتزودوا لحياتهم الاخرى، واتت في موارد منها: قال تعالى:{وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ(8)وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ}الأعراف: 9. والوزن هنا عبر عنه بالحق " اي الوزن يكون للعمل دون العامل سواء كان العمل خير او شر، ولان الذي يثقل الميزان ما كان موافق للحق لذا فالذي لم يقدم عمل صالح ميزانه يبقى خفيف وبتالي يخسر العامل نفسه" . (٨) فعن النبي(صلى الله عليه وآله) انه قال: المنفق عمره في طلب الدنيا خاسر الصفقة عادم التوفيق.(٩) ٣٠• عدم بلوغ المغفرة والرحمة الالهية على اثر الجهل بالحاجة الدائمة لله سبحانه والافتقار اليه على كل حال واتت في موارد ثلاثة منها: قال تعالى: {وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} الأعراف: 149. ٣١• اصحاب النظرة الضيقة المحصورة بعالم الدنيا ممن كفروا بآيات الله تعالى ولم يوقنوا بتحقق لقائه قال تعالى:{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا }الكهف: 105. إن لمفردة (الخسر) في القرآن الكريم مراتب هي: (خسر، الخسران، الخسران المبين، الأخسر، الاخسر اعمالاً) ومن هنا نلحظ: أن الأخسرين اعمالاً قد وردوا في مصداق واحد، وهذا الخسران متوقف على كيفية التعامل مع الدنيا ومع آيات الله والايمان بلقائه سبحانه وتعالى. فقد ورد عن الإمام الهادي(عليه السلام) انه قال: «الدنيا سوق ربح فيها قوم وخسر آخرون»(١٠) والقران الكريم يعطينا عناصر البضاعة المزجاة التي لا تنفع للمتاجرة بها والتي تسبب هذا الخسران عبر هذه الاسباب الثلاثة بقوله تعالى:{ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ}(البقرة:86). وفي قوله تعالى:{بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا...فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} (البقرة:90). كيفية تجنب الوقوع في خسران الاعمال؟ وذلك من خلال معرفة كيف نبلغ الفلاح ونكون من المفلحين، وذلك بتتبع سمات المفلحين في ثقافة القران الكريم، وهي كالتالي: ١- تحقق حالة الايمان قال تعالى:{ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}(المؤمنون:١). ولو تتبعنا خصائص المؤمنين المفلحين لوجدنا انها هنا تحل محل خصال الخاسرين، فذكر الله تعالى الدائم وحالة الوجل والتوكل، كما في قوله تعالى:{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (الأنفال:74) هي خلاف الإيمان على حرف والغفلة، وخلاف الاستكبار والعناد. ٢- الكون من حزب الله. كما في قوله تعالى:{ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(المجادلة:22) إما خصائص حزب الله فهي: أ - الإيمان بالله ورسوله وإتباعه في قوله تعالى:{ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (المائدة:56). ب- التبري من أعداء الله ورسله في قوله تعالى: { لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ... أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(المجادلة:22)، لكي لا يخسر الانسان بالدخول في ولاية الشيطان واولياءه من الانس. ٣- الطاعة لله ورسوله. قال تعالى:{ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الأعراف:157)، وهذه خلاف من يطيع الكافرين. ٤- الاتباع للنبي (صلى الله عليه وآله) والإيمان به ونصرته له باتباع النور الذي انزل معه (القران والعترة) والمهتدين بهدى الله والموقنين بالجزاء. قال تعالى:{ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ.... فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(البقرة:4). ٥- الايمان بما انزل من الحق المتعال والايمان بالمعاد في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ(4)أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} (البقرة:5). ٦- الذين يدعون للصلاح ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. قال تعالى:{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(آل عمران: 104). خلاف الخاسر الذي يصد عن سبيل الله، ويبغونها عوجاً كما ورد . ٧- الايثار الذي يوجب عدم التعلق بالدنيا في قوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (التغابن:16). ٨- الذين ثقلت موازينهم بالأعمال الصالحة قال تعالى: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (المؤمنون:102). نسأل الله تعالى ان يبعدنا عن الخسران ويرزقنا الكون من اهل الفلاح والايمان... __________ (١)قاموس المعاني الفوري مجال البحث مصطلحات المعجم الوسيط: رابط(https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/خسر/)(بتصرف). (٢) مختصر تفسير الميزان: ص١٣٩(بتصرف). (٣) مختصر تفسير الميزان: ص٣٤٦(بتصرف). (٤) تفسير المعين ص٤٦٠ نقلاً: عن غرر الحكم. (٥) نفس المصدر، نقلاً عن: تنبيه الخواطر: ص٣٥٩. (٦) نفس المصدر، نقلاً عن: البخاري:٣٤١٤. (٧) مختصر تفسير الميزان: ص١٣٩(بتصرف). (٨) مختصر تفسير الميزان: ص١٩٠(بتصرف). (٩) تفسير المعين ص٤٦٠، نقلاً: تنبيه الخواطر: ص٣٥٩. (١٠) تحف العقول، ص361. فاطمة الركابي

اخرى
منذ سنتين
6505

خير حبيب في هذا الزمان كتاب

في جلسةٍ نسائية بحتة لِنساءَ العائلة... يدور نقاشها حول الأزواج والأولاد وما يجري في المجتمع من أمور حياتية وسياسية ودينية إلى آخره، مللتُ الجلوس والنقاش بذات الموضوعات، كُنت أنظر إلى ساعتي بين الحين والآخر، لعل هذا النقاش ينتهي أو يُغير على الأقل، دون جدوى... بقيت أنظر إلى الساعة وكان في الجلسة سيدة كبيرة في السن، تعرفون كيف هو تفكير النسوة الكبيرات في العائلة... لم تستطيع أن تسكُت فسألتني: لماذا تتطلعين في الساعة بين لحظة وأخرى؟ فقررتّ أن أغير الأجواء وأن أداعبها بالكلمات المبهمة فقلت لها: أني أنتظر أن أرى حبيبي ولكن مجالستكن تبعدني عنه! وما أرى إلّا أن العمة كبيرة السن جلست جلسةً مخيفة وقالت: ماذا تقولين؟ كيف أن يكون لكِ حبيب هل أنتِ عزباء؟ ما هذا الكلام؟ تشوقت إلى معرفةِ رأيهن فقُلتْ: وماذا في هذا؟ إنيّ أقابله كُلْ يوم هناْ في البيتْ وبالأخص في مكتب أبي، وما الضير في ذلك؟ أنا لا أفعل شيئاً خاطئاً، أبي يعلم! فاشتاطت غضباً ونظرت إليّ نظرةٍ حادة... فسألتني إحدى الشابات بصوتٍ خافت: يا شيطانة، ما الذي تقولينهُ؟! قُلت: أنا صادقة، أنا أقابل حبيبي كُلَ يوم وأنتنّ تشغلنني عن مقابلتهِ. هو جميل أطالعه بعيني فأقرأ ما في سطوره لا يُخفي عني شيئاً، يروي لي القصصَّ الجميلة يسحرني بما يروي لي، أداعبه بأصابعي فيكثر من حكاياه أتأمل ببساطة كلماته فيُنير عقلي أنا أقول وأقول في حبيبي... وهن ينظرن إلي بنظرات الغضب فصرخت العمة بي بكل غضب وقالت: ما عرفناكِ هكذا، أنت التي نقول عنها أميرة هذا البيت، كيف تقولين هذا الكلام من دون حياء؟! بكُل هدوء وابتسامة قلت: أنا صادقة ما المزعج بكلامي! فأجابت ألا تعرفين؟ فضحكت من صميم قلبي: لا يا عمتي يجب أن يكون لكُل واحدة منكن حبيب مثلي. وقبل أن تنفعل أكثر شرحت لها من يكون حبيبي! هو كتاب أقرأه في كل يوم أوليس عندما تنظرين إلى الكتاب يروي لكِ ما بداخله من مضمون؟! أوليس عندما تحركين أوراقه تقرئين أكثر وتعرفين أكثر؟! أنا كُلَ يوم في مثل هذا الوقت أذهب إلى مكتب أبي أقرأ الكتب. هدأت العمة وتبسمت... وضحك الجميع وقلن: غششتنا بكلمات مبهمة {خير حبيب في هذا الزمان كتاب} رحاب سالم ورور البهادلي

اخرى
منذ سنتين
1853

رشوة الأطفال

كما تعلمون وربما وقع ويقع أحدكم في هذا الخطأ! أن نقوم بإعطاء الطفل مبلغاً من المال لكي يسكت أو يكف عن البكاء أو عن ممارسة سلوك مزعج، ومن يقع في هذا الخطأ فإنه يحاول التخلص من الإزعاج الذي يسببه الطفل له، ومن الأمثلة على الازعاجات المنتشرة في البيوت والتي يثيرها الصغار هو البكاء خلف الأب عند خروجه من البيت للعمل أو للتسوق فيطلب بعض الأطفال مرافقة الأب أو الأم عند الخروج، وإذا تم رفضه فإن الطفل يبدأ بممارسة سلوك الصراخ والبكاء. ومن أول مرة، إذا تم الانصياع لما يريده الطفل، فإننا نكون قد أعطينا الضوء الأخضر للطفل بالاستمرار على هذا النهج الخاطئ! يقف الأهل عادة امام أحد خيارين: أما اصطحاب الطفل معهم، وأما اعطاؤه مبلغاً من المال من أجل أن يسكت. وكلاهما خاطئ، لأنه سيعلم الطفل اسلوب الاستفزاز والاستغلال والتحايل، والطفل يتعلم الأخطاء ويستمر عليها بسبب أسلوب الوالدين الخاطئ وعدم معرفتهما التربوية في أساليب التعليم الصحيحة. من الأمثلة الشائعة لرشوة الأطفال هي أن نطلب من الطفل عمل شيء معين في البيت مقابل مبلغ من المال. والبعض يعتقد أن هذا الأسلوب صحيح لأنه يعتبر هدية أو مكافئة، ونقول له: إن من الممكن اعطاء الهدية والمكافئة بدون شروط مسبقه. فإذا قام الطفل بوضع شروط من أجل أداء عمل معين فقل له: إنك ستعمل هذه الأمور لأنها من مصلحتك ولأجلك، فأنت تدرس لنفسك، وترمي بقمامة البيت خارجاً لأنك جزء من العائلة وتساعد أباك لأنه يستحق المساعدة وهو سبب وجودك ولا يمكن أن تطلب أجراً على هذه الأعمال. أغلب الأطفال تعلموا ذلك من أسلوب والديهم الخاطئ، لذلك يجب على الأهل أن يتوقفوا عن ذلك الآن ويعملوا الشيء الصحيح لهم ولأبنائهم، فهم قد وقعوا في الخطأ ولا يمكن أن يستمروا عليه إلى الأبد، وتصحيح الخطأ من الأمور الضرورية والواجبة في تعديل سلوك الأسرة المضطرب. وباستقراء سريع نجد أنه يقوم بعض الأهل باستخدام أسلوب الرشوة مع الأبناء من أجل: ١- حمل الأبناء على الطاعة. ٢- إسكات الطفل عن البكاء والعويل. ٣- المواظبة على أداء فروضهم المدرسية. ٤- عمل شيء معين يخص الأسرة كرمي القمامة خارج المنزل أو الذهاب للتسوق. ٥- العناية بالطفل الرضيع لفترة من الزمن في غياب الوالدين... وغيرها. كل هذه الطلبات يجب أن نعلم أبناءنا أن يفعلوها لأنها صحيحة وتصب في خانة التعاون الأسري، وأما إذا علمنا أبناءنا على أسلوب الرشوة فأننا سنعاني من: ١- عدم التعاون والقضاء على روح المحبة في الوسط العائلي. ٢- تحويل أطفالنا إلى انانيين لا يفكرون إلّا بمصلحتهم وغايتهم. ٣- تعليم الأطفال الانتهازية بكل فرصة تمر بهم. ٤- ندفع بأولادنا إلى التمرد من أجل الحصول على امتيازات أكثر باستخدام أسلوب: أعطني وسأسكت. ٥- نزيد من صفة العناد والمقاومة لدى الأطفال مما يؤدي إلى تجذّر الصفات المزعجة في شخصياتهم. وغيرها. لذلك يجب أن نتجنب أسلوب الرشوة مع الأطفال وتعليمهم التعاون وزرع روح المحبة في البيت من أجل الشعور بالسعادة الحقيقية التي تكمن في بث الألفة والمحبة بين أفراد الأسرة... والله ولي التوفيق قاسم المشرفاوي

اخرى
منذ سنتين
2206

مدخلية البلاء في تعجيل الظهور

(إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم) الرعد (11) قانون إلهي نبحث علاقته في أسباب وشرائط الظهور وعلاماته فكما هو معلوم للمهتم بالقضية المهدوية فإن لظهور الإمام المهدي (عليه السلام) شرائط وعلامات، والشرائط هي التي لها علاقة سببية في تحقق الظهور وأما العلامات فهي أمور ليس لها مدخلية سببية حقيقية بذلك ،ولكنها تعمل كعمل الدال والمنبه لتوقع اقتراب الظهور وتحقق الفرج بالوعد الإلهي. ومن شرائط الظهور التي ذكرها بعض علماء وباحثي القضية المهدوي هو أنْ تصل البشرية إلى مستوى تقبّل النظرية التي سيحملها قائد اليوم الموعود وهو الامام الحجة (عليه السلام)، أي تقبّل النظرية الإسلامية في حياة وعقيدة البشرية. وبمعنى آخر :أن تصل البشرية إلى تقبل نظرية السماء. ولكن ! إذا نظرنا إلى واقعنا المشهود حالياً وعصرنا الحاضر وحتى في ظل فرضية عصر الظهور المطروحة والمفعلة حالياً من البعض، نجـــد أن البشرية جمعاء سواء أمة الإسلام وغيرها من ديانات وحضارات على الأرض بعيدة كثيراً عن أجواء وروح الدين الاسلامي، بل هي على النقيض وفي مزيد بُعدٍ عنه يوماً بعد يوم، إلا ما رحم ربي، وأكثرهم للحق كارهون. إلا أنه أيضاً لا ننسى أن للظهور شرائط وأحد الشرائط هو وصول البشرية إلى تقبل نظرية السماء والرجوع إلى الاتصال بالله الخالق عن طريق حجته على خلقه. هذا الرجوع البشري لله تعالى وتقبل نظرية السماء في حياة وعقيدة البشرية الضالة يحتاج إلى عوامل مساعدة في طريق الهداية. انظر قوله تعالى: (وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) يونس (88) ومن الآية نفهم أنه البلاء بالعذاب الأليم مقدمة لتحقق الايمان "للبعض" الذي يمكن أن يعمل معه ويؤثر به فعل الصدمة والخوف. من هنا لعله نستطيع وضع فهم جديد يتناول فلسفة بعض جهات العلامات التي تتحدث عن البلاء والابتلاء الشديدين والغربلة والحروب والقتل والقتال قبيل الظهور وفي ارهاصاته وهي كثيرة العدد والروايات. ليس لعله، فالحكمة وراءها فقط على حيثية استئصال عناصر الانحراف والفساد وتهيئة الظروف المساعدة لإنجاح ثورة الظهور والإصلاح العالمية، بل تختزن في داخلها رحمة قبل العذاب ولعلهم يهتدون. من هنا تبقى قاعدة الاصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكرة فاعلة عاملة على طول خط الغيبة الكبرى وكلاً بسعته سواء على مستوى الفرد والعائلة والمجتمعات المختلفة الحيثيات والدولة والديانة الحق لأن في هذا وسيلة لتحقق أحد شرائط اليوم الموعود لظهور الإمام المهدي (عليه السلام). وعليه (انتبه) وعلى أساس قاعدة قانون ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم ) مَنْ ينتظر مَنْ؟ هل نحن ننتظر الإمام الحجة (عليه السلام) أم هو الذي ينتظرنا؟ ولقد علمت أنّ الانتظار يُحمل بالمعنى الإيجابي العملي الفاعلي من حيث الاستعداد والجهاد وتهيئة كل الظروف المناسبة للظهور. وتهيئة الظروف المناسبة للظهور تتطلّب من جملتها وأهمها معرفة شرائط الظهور المتعلقة بنا وباستحقاقاتنا اتجاه تعجيل الفرج، ومن هنا سيكون حسن التدين وفق المذهب الحق هو أولى وأحسن وسيلة لحسن الانتظار وتعجيل الفرج. فتأمل . أم محمد باقر الاعرجي

اخرى
منذ سنتين
1422

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
101408

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
97819

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ سنتين
55371

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
52820

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 3 سنوات
51870

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
50740