من مصاديق حب الزهراء (عليها السلام)

منذ 3 أشهر

لكِ أنتِ يا من تدّعين الحب والموالاة للسيدة الطهر...
هل الحب مشاعر أم أفعال ؟
إذا كان الحب فقط مشاعر تسيّره الكلمات والأشعار فهو حب محدود يوشك عاجلاً على الذبول ، فكلنا شعراء حينما نحب، وكلنا نختار الصيغ والمفردات الرنانة لمداعبة حس الآخر وجذب اهتمامه.
فقد تتدفق المشاعر دفعة واحدة تجاه المحبوب، وقد تُقعد احدَهم موجاتُ العشق الجنونية عن إداء أدوارهم في الحياة، وهو يرى في المحبوب أصل الحياة وروح الحياة وكل الحياة ، وكأنه من دونه لا نفَس ولا رغبة له في الحياة .
ويترجم ذلك الحب بالذوبان والانصهار وإيقاد شموع الحب حد الاحتراق بنار اللوعة والاشتياق.
وماذا أيضاً ..؟
يصل الحال ببعضهم إلى نسيان عيوب الحبيب وتجاهل هفواته والتغافل عن زلاته وقد يتذوقها على انها محض جمال وبراءة ودلال فينبهر فيها وبها حدّ الغرام والوله...
والأكثر غرابة أنه سيتبع الحبيب اتباع الفصيل إثر أمه، فيتوحد معه في الأفكار، يحب ما يحب ويكره ما يكره ويميل أينما مال، وينام على شاطئ الأحلام وقد صار نحوه قلباً ولساناً .
وماذا بعد ..!
ولن تفيد براكين المشاعر وأنهار الأشواق دون ترجمة ذلك الحب إلى أفعال، حيث يعلن الوجود تقديس ذلك الحب ضمن أُطر الحلال ومرضاة الله جل في علاه .
كل ذلك كان في حدود الحب البشري المعتاد، فماذا لو كان الحب أعظم من تلك الحسابات ؟!
ماذا لو كان المعشوق ولياً من أولياء الله الصالحين ؟
ماذا لو كان الحب أطهر وأنقى وأزكى من كل علاقات الحب المشهودة في هذه الحياة ؟
ماذا لو كان الحب يرقّيه طهرُه، ويوقد فيه مكامن العز والبهاء!
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن يقول : كيف يا ترى تكون ترجمة تلك المشاعر في حيز الوجود الخارجي ونحن ندّعي حبنا للسيدة الجليلة فاطمة البتول (عليها السلام) ؟
هل يصح مثلاً أن نعلن حبها جهارا ونخالفها أفعالا !
هل يمكن أن نذرف الدموع الشجية على مظلوميتها في الوقت التي نضيف عليها أحزانا أُخر من وحي سلوكياتنا المنحرفة عن جادة الصواب ؟
نلبس الملابس الضيقة والمخصّرة ونختلط بالغرباء من الرجال دون حرج بحجج ما انزل الله بها من سلطان..
ونضاحكهم ونشاطرهم الضحك غير المبرر بحجة أنهم طاهرون كالإخوان !
نضع المساحيق ونزين وجوهنا وكأنّ الأمر مباح ولا إثم عليه !
نشارك الأخريات صيحات الأناقة ونسير كالإمّعة دون هدي أو بيان ، ونرش العطور الفاتنة بكل مبالغة، لا يهم إن احدثت فتنة او اثارت حمى الغريزة المحرمة بين الرجال ؟
كل هذا وأكثر ونحن ندّعي حبنا لفاطمة عليها السلام سيدة الطهر والعفاف..
كل هذا وأكثر ونحن نؤسس مشاريع الجفاء ونبالغ في تعزيز مواقف البعد والانزواء عن مصدر النور والضياء ؟
هلاّ عدنا أدراجنا وتفكّرْنا في الأمر بعين الحرص والمبالاة ..
هلّا تعرّفنا على معنى الحب وكيف نطبق مصاديقه على أرض الحياة، خاصة مع من خصّهم الله جل جلاله في مراتب الهدى والإيمان.
هلا انكشف للبعض أن الحب لأهل البيت لا يكون حقيقيًا إلا إذا رافقه حبٌ بالأفعال وحسن الالتزام لأحكام الله تعالى .
فأي هراء يدّعيه احدهم بان الحب إبراز دموع او تودد في الكلمات دون مصداقية الانتماء بالأفعال والسلوكيات؟!
وأي كذب ينطوي على بعض السُذّج الذين يفلسفون الأمور على هواهم ويؤيدون ذلك الكلام وفي صدورهم يقهقه الشيطان!
ولأننا نساء نشترك في جنسنا مع السيدة الزهراء (عليها السلام ) كان حرياً بنا أن يصل الحب ذروته ذوباناً وطاعة وانقياداً، وأن نلتزم قدر الإمكان بما جاءت به الشريعة الغراء .
أم اننا نطيع الحبيب إن كان من عامة الناس ونغفل عن طاعة اولياء الله، فاين مصاديق الحب والولاء ؟!

منتهى محسن

اخترنا لكم

إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ...

بقلم: خادمة الزهراء (عليها السلام) يجلس الرسول (صلى الله عليه وآله) بين أصحابه بعد سماعه لتفاهات القوم المنافقين بأنه أبتر... والسبب موت ولديه عبدالله والقاسم... يزداد حزن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لفقد ولديه واستهزاء القوم... في هذه الأثناء يهبط الأمين جبرائيل فيخبره بالأمر الإلهي بالاعتكاف للعبادة أربعين ليلة والبعد عن زوجته وحبيبته خديجة... يشق على الرسول (صلى الله عليه وآله) الأمر فيمتثل لأمر حبيبه وأنيسه الأول وهو خالقه الباري (جل وعلا)... تحزن خديجة لفراق النبي (صلى الله عليه وآله) ... يقضي الرسول (صلى الله عليه وآله) أربعين ليلة قائماً ليله صائماً نهاره مستأنساً بذكر ربه ومناجاته... وفي الليلة الأربعين يسرى بالرسول (صلى الله عليه وآله) فيهنأ الأمين جبرائيل (عليه السلام) ويبشره أن حبيبه الذي ناجاه أتحفه بتحفة فيقطف جبرائيل ثمرة من الجنة فيقدمها للنبي (صلى الله عليه وآله) ويخبره أن هذه هدية ربك إليك... يشمها الرسول (صلى الله عليه وآله) ويقبلها ويضمها إلى صدره... يأمره جبرائيل بأكلها، فيأكلها (صلى الله عليه وآله) فتتحول إلى ماء في صلبه ينهي مدة الفراق والبعد عن خديجة بعد أربعين ليلة... يعود النبي (صلى الله عليه وآله) إلى خديجة التي كانت بانتظاره ومتلهفة لرؤيته وحزينة على فراقه... تبين علامات الحمل على خديجة فيدخل عليها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) فيسألها: يا خديجة، من يحدثك؟ فتجيبه: الجنين الذي في بطني يحدثني ويؤنسني. يبتسم حبيب الله (صلى الله عليه وآله) ويخاطبها: يا خديجة، هذا جبرئيل يبشرني أنها أنثى، وأنها النسمة الطاهرة الميمونة، وأن الله تبارك وتعالى سيجعل نسلي منها، وسيجعل من نسلها أئمة في الأمة يجعلهم خلفاء في أرضه بعد انقضاء وحيه... فلم تزل خديجة على ذلك إلى أن تحضر ولادتها، تبعث إلى نساء قريش ونساء بني هاشم ليأتينها ويلين منها ما تلي النساء من النساء، فيأتي خديجة جوابهن: عصيتِنا ولم تقبلي قولنا، وتزوجت محمداً يتيم أبي طالب فقيراً لا مال له، فلسنا نجئ ولا نلي من أمرك شيئا... فتغتم خديجة (عليها السلام) لذلك، فبينا هي كذلك إذ تدخل عليها أربع نسوة طوال كأنهن من نساء بني هاشم. تفزع منهن خديجة (عليها السلام)... تخاطبها أحداهن: لا تحزني يا خديجة، فإنا رسل ربك إليكِ، ونحن أخواتك، أنا سارة وهذه آسيا بنت مزاحم وهي رفيقتك في الجنة، وهذه مريم بنت عمران، وهذه صفراء بنت شعيب، بعثنا الله تعالى إليك لنلي من أمرك ما تلي النساء من النساء. تجلس واحدة عن يمينها، والأخرى عن يسارها، والثالثة من بين يديها، والرابعة من خلفها، فتضع خديجة فاطمة (عليهما السلام) طاهرة مطهرة. تسقط فاطمة إلى الأرض ساجدة لله رافعة إصبعها فيشرق منها نور يدخل على بيوتات مكة، ولم يبق في شرق الأرض ولا غربها موضع إلا أشرق فيه ذلك النور... فتتناولها المرأة التي كانت بين يديها، فتغسلها بماء الكوثر، وتخرج خرقتين بيضاوين أشد بياضاً من اللبن وأطيب رائحة من المسك والعنبر، فتلفها بواحدة، وتقنعها بالآخر، ثم تستنطقها فتنطق فاطمة (صلوات الله وسلامه عليها) بشهادة "أن لا إله إلا الله ، وأن أبي رسول الله (صلى الله عليه وآله) سيد الأنبياء وأن بعلي (عليه السلام) سيد الأوصياء، وأن ولدي سيد الأسباط"... ثم تسلم على والدتها وعليهن، وتسمي كل واحدة منهن باسمها، ويضحكن إليها، وتباشرت الحور العين، وبشر أهل الجنة بعضهم بعضا بولادة فاطمة (سلام الله عليها)، ويحدث في السماء نور زاهر لم تره الملائكة قبل ذلك اليوم، فلذلك تسمى (عليها السلام) "بالزهراء" ، وتقول أحدى النسوة لخديجة (عليها السلام): خذيها يا خديجة طاهرة مطهرة، زكية ميمونة، بورك فيها وفي نسلها. فتتناولها خديجة فرحة مستبشرة فتلقمها ثديها فتشرب، فدرّ عليها. تنمو فاطمة في كل يوم كما ينمو الصبي في الشهر، وفي الشهر كما ينمو الصبي في سنة يكثر أبوها النبي (صلى الله عليه وآله) من تقبيلها، فيسأل عن سبب ذلك فيقول: إني كلما اشتقت إلى رائحة الجنة قبّلتُ ابنتي فاطمة. نعم هكذا ولدت الحوراء الأنسية سيدتي ومولاتي فاطمة (صلوات الله عليها) فينقطع دابر القوم المنافقين الذين قالوا: إنّ محمدًا (صلى الله عليه وآله) أبتر لا ولد له... فيمر الزمان وتبقى ذرية محمد (صلى الله عليه وآله) تملأ بقاع الأرض ولا وجود لذرية أعدائه (صلى الله عليه وآله)... فسلام على سيدتي ومولاتي سيدة نساء العالمين محور الأفلاك ودائرة الوجود وشفيعة الناس في يوم المحشر فاطمة (صلوات الله عليها) فسلام على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها ورحمة الله وبركاته.

منذ 3 أسابيع
98

رجل في حضرة إمام القلوب وهاديها...

بقلم: فاطمة الركابي كان هناك رجل من اصفهان فقير الحال، ذا لسان كثير اللجاج، وذا جرأة لا يَهاب، فقدرت له الاقدار أن يُخرجه أهل مدينته على أثر ذلك من دياره في سنة من سني حياته، وقد أوقفته الاقدار في باب من ابواب من هم أشد أذى وطغيانًا، في باب طاغية زمانه المتوكل، ولكن كان يومها قد وقف وقفة المتظلمين الذين اتوا ليبدوا شكواهم إليه! وهكذا مرت أيام وهو لا زال على ذلك الباب واقفاً، فليس غريباً أن يطول وقوفه هناك، فقد أخطأ المقصد، وغفل عن الباب الذي عليه ان يَطرق، واليه يَلجأ. بلى! مَمن مِنهم تُطلب المطالب، وبهم الى الرب تكون المقاصد، بل هم من يَقصدون المحتاج قبل أن يَقصدهم، ويُعطون قبل أن يَسألهم المعوز. وبينما هو على هذا الحال واقفاً، وقفة الذليل على باب من هو في الذلة مرتكز، وبطغيانه لم يَكن بالله متوكلًا ومعتزًا، وإن كان اسمه المتوكل! إذ جاء مَن عِزة الله فيه قد تجلت، إذ خرج الأمر بإحضار علي بن محمد بن الرضا (عليه السلام)، فقال هذا الرجل لبعض من حضـر: من هذا الرجل الذي قد أُمر بإحضاره؟ فقيل: هذا رجل علوي تقول الرافضة بإمامته، ثم قال: ويقدر أن المتوكل يحضره للقتل! هنا يبدوا أن ذكر الإمام الهادي (عليه السلام) قد أوقد مصباح قلب ذلك الرجل المفتقر للنور قبل المال! حيث يُقال: إن الله تعالى لا يُخلي قلب أحد من نافذة ليَنفذ منها شعاع نوره متى ما حضر حامله ليُضيء لأمثال هؤلاء بعد أن عاشوا ظلمات الدنيا الغرور، بلى أنه ربنا صاحب اللطف الخفي، والرحمة التي وسعت كل شيء. وفي هذه اللحظات التي وصل شيء من شعاع نور الامام (عليه السلام) لقلبه -حصل الاتصال- فقال في نفسه: لا أبرح من ههنا حتى أنظر إلى هذا الرجل أي رجل هو؟ فرأى الامام حيث: أقبل راكباً على فرس، وقد قام الناس يمنة الطريق ويسرتها صفين ينظرون إليه - وعندها بلغ الوصل – حتى وقع حب الامام في قلبه، فأصبح يلهج بالدعاء اليه؛ بأن يدفع اللـه عنه شر المتوكل، كيف لا! أوليس هو وجه الله تعالى ونوره الهادي النقي؟! وهكذا أقبل الامام يَسير بين الناس وهو ينظر إلى عُرف دابته لا ينظر يمنة ولا يسرة، وهو لا يزال مداوماً على الدعاء، فلما صار إليَّه أقبل الامام بوجهه إليَّه، وقال : استجاب اللـه دعاءك، وطَوّل عمرك ، وكثر مالك وولدك! نعم! هكذا قصده الامام قبل أن يقصده، وسمع مبتغاه قبل أن تنطق شفتاه، لأنه باب الله الذي لا يُغلق، وإمام القلوب الذي ما دخل حبه فيها حتى استغنت، ونالت العزة، عندها أخذته هيبة إمامه وشغله بهاه، وأخجله كرمه وتلطفه وحنانه، فأرتعد ووقع بين أصحابه فسألوه وهم يقولون: "ما شأنك ؟ فقال: خيرًا... وأسرّ الامر في نفسه وكأنه كان يُردد في نفسه: بل كل الخير، فقد نال نظرة ممن هو أصل كل خير. وهكذا قُدر له أن يكون مخرجه بتلك الصفة من مدينته سبباً لبلوغه لهدايته، وتغير حاله الى أحسن حالة، فقد اهتدى لإمام زمانه، ووجّه بوصلة قلبه نحو السبيل الذي فيه حصول ثباته، وتزود نوراً وعزاً ليَسير فيه بدنياه، وليُنير به ظلمة أخراه. وبهذا اليقين وهذه البصيرة أنصرف إلى أصفهان، ففتح اللـه عليّه وجوهاً من المال، حتى أنه كان يصف حاله أنه باليوم يغلق بابه على ما قيمته ألف ألف درهم،...، ورزق عشرة من الأولاد، وقد بلغ من عمره نيفاً وسبعين سنة وهو يقول بإمامة امامنا الهادي الذي علم ما في قلبه، واستجاب اللـه دعاءه فيه وإليه.. (١). ______________________ (1) بحار الانوار: ج49، ص( 141 - 142).

منذ إسبوعين
118

متى يكون الزواج مدفناً للعشق وبدايةً للألم؟

من الملاحظ أن الكثير من الزيجات التي بنيت على أساس العاطفة والحب والعشق دونما الالتفات الى مدى التكافؤ بين الطرفين أو التقارب الفكري والثقافي والاجتماعي والخلقي بينهما هي زيجات انتهت إما بالطلاق أو بالعشرة القاسية والسيئة جداً، وفي كلتا الحالتين فهي زيجات محكومة بالفشل... فما سبب الانجرار وراء العاطفة رغم التفاوت الواضح بين الطرفين وعدم التكافؤ؟ وكيف ينتهي زواج بالفشل وقد كان بُني على حب عميق أو عشق قاتل؟ وكيف يمكن تجنب الوقوع في مثل تلك الزيجات؟ موضوع من المفيد جداً مناقشته وتوضيح آثاره لاسيما، أن هكذا زيجات قد غزت المجتمع وأثرت فيه تأثيراً سلبياً، حيث رفعت نسبة الطلاق فضلاً عن آثار وخيمة أخرى سنتعرض لها لاحقاً. أسباب وآثار الانجرار وراء العاطفة: أولاً : الفراغ العاطفي الذي يعاني منه الأبناء وبشدة اليوم لكثرة انشغال الوالدين عنهم فينشؤون وفي أنفسهم صحراء مترامية الأطراف ملتهبة الرمال تتوق إلى قطرات الماء وإن كانت ملوثة وتكثر من الإلحاح عليهم ،وغالباً ما تلبى هذه الرغبة بشكل خاطئ فيلجؤون إلى تكوين العلاقات العاطفية ؛ ولذا أكدت الشريعة على ضرورة الاهتمام بالجانب العاطفي للأبناء فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): " من قبّلَ ولده كتب الله (عز وجل) له حسنة، ومن فرّحه، فرّحه الله يوم القيامة "(1). ثانياً : التأثر بمشاهدة الأفلام والمسلسلات التي تروي قصص الحب بأسلوب شيّق ممتع وتشجّع عليه وتظهره بالمظهر الجذاب الذي يوفر السعادة للطرفين على الرغم مما قد يواجهانه من ظروف عسيرة. ومما يزيد الأمر خطورة تلقّي تلك المعلومات والمَشاهد والتفاعل معها باسترخاء تام وتركيز كامل من المُشاهد، ومن المعلوم في علم النفس أن المعلومة كُلَّمَا رافقت حالة الاسترخاء والتركيز عليها من قبل المتلقّي كلّما طبعت في العقل الباطن بشكل أسرع وأعمق، وبهذه الطريقة تتبدّل المبادئ وتتغير الموازين بحسب الرؤية التي يمليها الإعلام على المشاهد. ثالثاً : الاختلاط المحرم وما يرافقه من نظرات محرمة وخضوع في القول وما شابه ذلك سبب هام من أسباب الوقوع في العشق . ومن الضروري لفت انتباه المربين إلى أن الاختلاط لا يشترط فيه أن يكون مكانياً بل قد يتحقق الاختلاط الخطير على الرغم من بعد المسافات كالاختلاط عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ومما يزيد الطين بلة أن العاطفة ما إن تتحرك باتجاه شخص ما من الجنس الاخر حتى تثار غدد في جسم الانسان فتفرز مواداً يكون مفعولها على الإنسان أشبه بمفعول المخدرات، وهكذا يشتدّ التعلّق بالطرف الآخر كلما ازداد التواصل العاطفي بينهما، وقد تصل إلى درجة يُصرّح فيها العاشق بأنه من المستحيل أن يعيش من دون معشوقه، وإذا ما ابتعد عنه يتألم ويكتئب وتبدو عليه أعراض تشبه إلى حد كبير الأعراض الانسحابية للمخدرات؛ ولذا نجد العشاق لا يتمكنون من ترك معشوقيهم بسهولة. ولعل هذا يفسر إصرار أغلب العشاق على الزواج بمن يعشقون على الرغم من انعدام التكافؤ بينهما وعلى الرغم من رفض الأهل وتحذير الناصحين لهما بعاقبة هذا الزواج الوخيمة. وقد يعدانه نوعاً من الوفاء الراقي للمعشوق أو تأثراً في شخصية تلفزيونية لم تتخلَ عن معشوقها. وغالباً ما يكون الهدف الأساسي من هكذا زيجات هو الارتباط بالمعشوق لا لتأسيس أسرة تنشيء الأبناء الصالحين والمصلحين، ولا للحصول على السكينة الروحية والهدوء النفسي من خلال العيش مع من يقاربه فكرياً وثقافياً أو يوافقه خُلقياً أو إجتماعياً، وما شابه ذلك. بل لأجل الوصال فقط وفقط. فيحلمان بالوصال ويعلّقان عليه الآمال العريضة ويحسبانه العصا السحرية التي ستحقق لهما الأحلام الوردية وأن حياتهما ستكون أشبه ما يكون بمسلسل تابعاه أو بمشاهد تأثرا بها. غير أن كل تلك الأحلام والآمال سرعان ما ترتطم بصخرة الواقع معلنة تحطمها أمام ناظريهما، ترى ما الذي حدث؟ في الحقيقة لا شيء جديد وإنما كل شيء كان في موقعه الصحيح منذ البداية بل وبيّناً، فانعدام التكافؤ كان واضحاً، والاختلاف الخُلقي كان جلياً، والبون الشاسع بين مستويهما الثقافي والفكري كان بادياً أيضاً. بيد أن كل تلك الأمور لم تكن محط اهتمامهما؛ لأنهما كانا يصبان اهتمامهما على المظهر دون الجوهر، إضافة إلى تصاعد الضباب الكثيف الناشئ من هذا النوع من العشق والذي يُعشي بصريهما ويُعدم الرؤية لديهما، ولا يُريهما إلا الجانب المشرق من المعشوق خافياً عنهما كل عيوبه وعاهاته، فيتصوران نتيجة لذلك أنهما قد أجادا الاختيار وأن المعشوق هو النموذج المثالي للزوج الصالح(2). وقد ورد عن الإمام علي (عليه السلام) هذا المعنى إذ قال: " ومن عشق شيئاً أعشى (أعمى) بصره وأمرض قلبه، فهو ينظر بعين غير صحيحة، ويسمع بأذن غير سميعة، قد خرقت الشهوات عقله، وأماتت الدنيا قلبه" (3). ولعل هذا من أهم الاسباب التي تفسر سبب فشل الزيجات المبنية على الحب. فما أن يلتقي الحبيب بمحبوبه حتى يُدفن ذلك العشق لتحقق الغاية المرجوة منه بالوصال، فتخبو نار العشق شيئاً فشيئاً وتهدأ فورة الغرام تدريجياً ويتبدّد ذلك الضباب كاشفاً كل العيوب وكل العاهات بصورة واضحة جلية. حينئذ يُدركان أنهما قد أخطآ الاختيار، فتجتاحهما أقسى درجات الندم ،وتصطبغ مشاعرهما بصبغة الحزن والألم... حتى يكره كل منهما وجود الآخر في حياته وينفر منه وهو الذي كان سيقاتل العالم بأكمله لو لم يحظَ بفرصة الزواج به؛ ولذا قيل إن العواطف تتغير.. وهكذا يكون مثل هذا الزواج مدفناً لذلك العشق الأهوج، وبداية لقصة بطلها الحزن والندم، وأحداثها المشاكل والاختلافات، وضحاياها سعادة الزوجين والأولاد. وبذلك تُضيف مثل هذه الزيجات مشاكل أخرى إلى المجتمع رافعة وبشكل كبير نسبة المرضى النفسيين في المجتمع والمشردين من الأبناء الذين إن لم يكن تشردهم بسبب الجانب المادي بل بسبب الجانب النفسي حتماً، فضلاً عن إسهامها الفعّال في ارتفاع نسب كلا النوعين من الطلاق: الطلاق الفعلي والطلاق العاطفي.. علاج العشق: بعد أن اتضحت آثار الزواج المبني على الحب الوخيمة وعواقبه الأليمة من دون اهتمام بالتكافؤ حريَّ بكل عاقل وعاقلة أن يتنبّها قبل فوات الأوان، وينئيا عنه لينقذا مستقبلهما من الضياع وحياتهما من التعاسة . ويسعيا إلى تأسيس حياتهما الزوجية على أساس رصين وركن وثيق ليكونا اقرب إلى الإستقرار والسعادة. وقد يقول قائل: إن هذا الكلام يبدو منطقياً ولكن كيف السبيل إلى العلاج من العشق؟ نجيب: لا يخلو ذلك من صعوبة ولكنه ممكن عبر النقاط الآتية: أولاً: العزم والتصميم على التشافي من العشق : لتحويل قرارٍ ما إلى واقع لابد من العزم والتصميم وقوة الإرادة على تنفيذه بأكمل وجه مهما كانت الصعوبات. ومن المعلوم أن قرار الزواج من أهم قرارات الإنسان في الحياة إذ تتوقف عليه نسبة عالية من راحته وسعادته، إذن فلابد من شحذ الهمة وعقد النية والتصميم على تنفيذه. ثانياً: عدم الاعتناء بالعشق حتى يضمحلّ ويختفي. وذلك من خلال الإقلاع عن تغذيته بالاتصال بالمعشوق، وتتبع آثاره والسؤال عن أخباره بل والتفكير فيه. وقد يكون هذا الأمر صعباً إلّا أنه يجب الأخذ في نظر الاعتبار( وجع ساعة و لا كل ساعة ). كما يمكن الاستعانة بالنقاط التالية على ذلك. ثالثاً: يقول علماء النفس: من الطرق الفعّالة في التخلص من العشق والتعلق هو أن يتخيل العاشق نفسه انه يعيش بمنتهى السعادة الزوجية والراحة النفسية مع غير معشوقه دون أن يعيّن شخصاً محدداً. ويجب أن يستمر على ذلك لمدة لا تقل عن ثلاثة أسابيع حتى يتبرمج العقل الباطن تدريجياً على أن السعادة ليست محصورة بوجود ذلك المعشوق وبالتالي يتمكن من التخلي عن عشقه. رابعاً: انشغال العاشق بتطوير خبرة ما أو تنمية موهبة ما. لأن الانشغال بالإضافة إلى أنه يسهم في تطوير ذات الإنسان وتنميتها فإنه يجعل من ذهنه مشغولاً في العمل نهاراً وفي النوم ليلاً، مما يقطع الطريق أمام التفكير بالمعشوق أو التقليل من ذلك قدر الامكان . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) ميزان الحكمة ج11 ص365 (2) يُطلق لفظ الزوج على كلا الجنسين ،قال (تعالى):" وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا"(البقرةـ 35). (3) ميزان الحكمة ج3 ص263 (4) المصدر السابق (5) المصدر نفسه رضا الله غايتي

منذ 11 شهر
1199

التعليقات

يتصدر الان

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

منذ 9 أشهر
4621

صاحبوا عيالكم بالمعروف

إن الأسرة التي تبنى على أسس اسلامية بناء صحيحاً ستكون حصناً حصيناً للمجتمع. بل هي أمنع حصونه على الإطلاق لأنها تحصِّن الأفراد من الزلل. والإسلام يحافظ على هذا الحصن من الداخل بتحمّل المسؤولية الملقاة على عاتق الزوج والزوجة. قال تعالى: ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24]. إن البيت والأولاد أمانة ومسؤولية أمام الله عز وجل.. فالأمانات كثيرة وليست مقتصرة على الودائع فحسب وإنما لها مفهوم واسع كما بين القرآن الكريم. ومن ضمن هذه الأمانات: الزوجة والأولاد. إن الله عز وجل عرض الأمانة على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان. فقال تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: 72]. أيها الأب إن التأسيس السليم للأولاد ليس لبناء جسم سليم فقط بل مع ذلك لابد من بناء قلب سليم , فتأسيس القلب الطائع لله يعود على سائر الجسم بسلامته . ومن الخطأ أن يعتقد الآباء أن مهمتهم تقتصر على تحمل الأعباء الاقتصادية فقط، فيهملون الجوانب التربوية الأخرى من تأديب وتربية ومصاحبة ومراقبة لأبنائهم. قال تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ﴾ [النساء: 11]. وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال: "لا يزال المؤمن يورث أهل بيته العلم والأدب الصالح حتى يدخلهم الجنة" ميزان الحكمة ج١ هناك البعض من الأزواج يكثرون من الأولاد وربما يكثرون من الزوجات، ولكنهم يسيؤون سياسة عائلاتهم. ويكون الاهتمام بأسرته آخر هواجسه. فهو يترك لزوجاته وأولاده الحبل على الغارب. لايسأل عن زوجته ولايهتم لمستقبل أولاده وإنما همه ملاذه وراحته. هناك الكثير من الآباء يرون أنهم يملكون الحق الأوحد، وأن الأبناء دائما على خطأ، فيشعر الأبناء أن آباءهم لا يملكون لغة الحوار والتفاهم معهم، وأنهم يسيؤون إليهم دائماً؛ وهو ما يحدث فجوة كبيرة بين الآباء والأبناء. عن رسول اللَّه( صلى الله عليه وآله ) قال: "أكرموا أولادكم وأحسنوا ادابهم يغفر لكم"ميزان الحكمة ج١ص٥٦ ثمة فئة من الآباء وبحجة التمسك بالدين، يحرمون على أولادهم ما يحلّلون لأنفسهم وذلك جهل بحقيقة الدين يحرمون ما أحل الله لعباده من ملذات ويجعلون من البيت سجناً مؤبداً للزوجة وللأولاد خاصة البنات. الإسلام لم يمنع من أخذ الزوجة والأولاد وترفيهم بما حلّل الله لأن الأصل في الإسلام الإباحة، فكل ما أنعم الله به على العبد محلل ومباح. ونعم الله لاتعد ولاتحصى، إلا ما ثبتت حرمته بالدليل لايجوز للأب أن يوفر لنفسه من راحة ونعيم ما لايوفرهما لزوجة وأولاده، إن أباً كهذا ليس أهلاً لأن يكون أباً، فإن هناك كثيراً من الأسر والمجتمعات تعاني من هذه المآسي ومن هذه الأوضاع والمشكلات اتجاه أولادها. إن أباً كهذا يدمر الأسس الأخلاقية والمفاهيم الدينية في الأسرة الإسلامية، وليتقِ الله أولئك الذين يضيقون على عيالهم باسم الدين.

منذ 8 أشهر
3172

صوت العقل وصدى الإرادة

برغم مانشهده من بريق التقدم التكنلوجي الذي يأخذ بالألباب ويخطف الأبصار إلا أننا نلاحظ اليوم وجود أزمة اخلاقية رهيبة، خصوصاً فيما يتعلق بانتشار المحرمات وتفكّك المجتمعات وتمزقها، وذلك لأن هذا التقدم يتحرك بشكل قد لايوافق فطرة الإنسان. إن الله سبحانه قد زوّد الإنسان بالعقل والغريزة والإرادة، على أن الروح والنفس من المتفرعات، فالروح مثلاً تعود في النهاية إلى قوة العقل التي وقف العلم أمامها حائراً عن معرفة كنهها. إن في الإنسان عقلاً وغريزة وإرادة، وهي في صراع دائم، والغالب منها يحدّد سلوك الإنسان. فإذا غلبت الغريزة على العقل والإرادة انحدر الإنسان إلى مرتبة الحيوان وإذا كانت الغلبة للعقل ترقى الإنسان إلى مراتب الإنسانية السامية. وهنا قد يطرح سائل سؤال: لماذا خلق الله سبحانه الغرائز في الإنسان وماهي الغاية من ذلك؟ الجواب: إن الغرائز التي غرسها الله سبحانه في أعماقنا وإن كانت متضادة ومتجاذبة إلا أنها هادفة لأن الله سبحانه حكيم في تدبيره لايخلق الأشياء عبثاً، فكل شئ في هذا الكون خاضع لحكمته وتدبيره وهذا الصراع الذي يحدث هو من أجل التكامل، إذ لاتقدم إلا من خلال هذا الصراع، إن الله قد حشّد هذه الغرائز في داخل الإنسان من أجل التكامل والكمال فقد شاء سبحانه أن يخلق هذا الكائن ليكون مميزاً عن الحيوان وعن الملائكة فلو كان عقلاً فقط لأصبح ملاكاً ولو كان غريزة فقط لكان حيواناً، وبذلك ينتفي وجود كائن حي اسمه الإنسان . إن العقل يُصدر الأحكام ولكن لاتتنفذ تلك الأحكام إذا كانت الإرادة ضعيفة، فلاقيمة لتلك الأحكام بدون إرادة قوية تنفّذها فيخلو الميدان للغرائز التي تُسيِّر الإنسان وترسم له خط سلوكه، لأن العقل عُرضة لهجوم دائم تشنّه الغرائز عليه وهو يحاول أن يدافع عن نفسه وينفّذ أحكامه. فإذا كانت الإرادة قوية فإنها تحمي العقل وتدافع عنه ليصبح قابلاً للتنفيذ . إذن ما هي الإرادة؟ وكيف نقوّي الإرادة؟ الإرادة: هي القدرة والسيطرة على الذات، فهناك قدرات جسمانية وهناك قدرات ذاتية، فتحقّق المراد يكون على قدر على ما أراد تحقيقه وخطّط له بشكل صحيح. إن مايحدث في داخل النفس هو شبه مجلس تخطيط، فالعقل يخطّط ويصدر الأحكام أما التنفيذ متوقف على قوة إرادة الإنسان. إن الهدف من وجود الإنسان لن يتم بدون مزج العقل مع الغرائز. ولكي يكون سيره في محيط الإنسانية عليه أن يتحكم بهذه الغرائر بالاتجاه الإيجابي وهو ماحدّده له الله عز وجل فقط، فلو شذ عنها انحدر من مستواه الإنساني إلى المستوى البهيمي. ولهذا كان لقوة الإرادة والتوجُّه الصائب للعقل الحكم الفصل في تنفيذ ذلك... إن الإرادة تلعب دوراً مهماً في عملية تنفيذ الأحكام التي يصدرها العقل أو في إلغائها. فكيف يمكن أن نقوّي هذه الإرادة من أجل انتصار العقل على طغيان الغرائز وجبروتها؟ نجد الجواب المناسب لهذا السؤال عند سيد البلغاء أمير المؤمنين علي بن ابي طالب( عليه السلام) عندما يقول :(وأيم الله لأروضن نفسي رياضة تهش معها إلى القرص مطعوماً وتقبل بالملح مأدوماً ولأدعن مقلتي كعين ماء نضب معينها ،مستفرغة دموعها ،أتمتلئ السائمة من عشبها فتبرك وتشبع الربيضة من رعينها فتهدأ ويأكل علي من زاده فيهجع. ......) نهج البلاغه ج٣ص٧٥ من هذه الكلمة يتبين العلاج لتقوية الإرادة حسب ماذكر سيدنا ومولانا الامام امير المؤمنين( عليه السلام ) وهو :- الترويض للنفس لتقوية الإرادة. لو سألنا الإمام (عليه السلام) وكيف تروضها يا امير المؤمنين؟ فالإجابة عنده موجودة (إنما نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الفزع الاكبر). إذن الوسيلة هي التقوى التي تسيطر على الغرائز وتهذّبها والغاية هي الاطمئنان والأمان يوم الفزع الاكبر. إن الغرائز تلح على الإنسان بدليل ماجاء في القرآن الكريم (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (53)) سورة يوسف. يقع الذنب عندما يقوم الإنسان بفعلٍ بسبب شهواته وميوله خلافاً لما يحكم به عقله وإيمانه وتقابلها نفس لوامة تلح على صاحبها بالدافع الإخلاقي لكي تصبح مطمئنة وهنا يحدث النزاع بين العقل والغرائز. والإرادة القوية النابعة من تقوى الله تستطيع الانتصار، فكل إرادة لاتتغلب على العاطفة والشهوات تنهار وتفشل بسبب ضعفها وقلة إيمانها لأن حالة الذنب هي حالة عدم تملك النفس لذا قال (عليه السلام) في خطبته (ألا وان للتقوى مطايا ذلل )نهج البلاغه الخطبه ١٦ أي أنه يأمر والمطايا تطيع تسير إينما يوجهها دون أن تركل أو تعترض، وعلى هذه القاعدة نستطيع أن نقول إنّ لكل غريزة وظيفتها وهدفها، لاسيما إذا ربط الإنسان نفسه بالتعاليم الآلهيه التي وصلتنا إذ أن هذه التعاليم توجّه الغرائز بطريقها الصحيح الذي رسمه الله لها .

منذ 10 أشهر
2856

تأملات فتاة

تأملات فتاة في جوف الليل بعد أن هدأت الأنفاس وعاد كلٌّ إلى مكانه الذي يشعر فيه بالأمان والراحة، وبعد أن هدأت زقزقة العصافير وآوت إلى أعشاشها وانسل كل حبيب إلى حبيبه، في ساعة يخلو الإنسان مع ربه، لينظر كم هي نعم الله اللامتناهية، قد أغدقت عليه بين هذا وذاك، وبين نسمة هواء تدخل البهجة للنفس، ينسل زائر غريب إلى داخل النفس، هو معها، ولكن يبدو غريباً عنها، هو يرافقها ولكن ينأى بنفسه إن رأى أنها لاتخاطبه، ولكنه يحوم حولها، فإذا سبحت في فضاء الدنيا أصبح هو القارب الذي يحملها، ويوسوس لها، فتضعف أمام إصراره وحيله لتجده هو المنقذ والمخلص، فيسير في أغوار اللامعقول ليوصلها إلى أعماق التيه والضياع، يُجمّل لها الدنيا، نعم، في تلك اللحظات أخذتني نفسي مع ذلك المجنون، لأتسأل من انا؟ ماذا حققت في هذه الدنيا؟ أتراني فعلاً أعيش في هذه الدنيا؟ ترى هل يشعر من حولي بوجودي؟ أفعلاً أنا أعيش وسط هذا العالم الذي يأخذ كل شيء مني ولا يعطيني اي شيء؟ ولِمَ أنا هكذا؟ وأخذت الأسئلة تنهش بي من كل مكان، حتى خُيّل لي أني وسط بحر متلاطم الأمواج، كل موجة تحمل معها ألف سؤال وسؤال، وهو يخاطبني ويحفزّني ويجمّل لي صورة اللامعقول ويرسم أمامي لوحة البهجة الكاذبة، بزخارفها الخداعة، حتى كدت أُرافقه وخيّل لي أنه منقذي، ومددت يدي ليصطحبني لعالمه الجميل، كما زينه لي، وكما جعلني لا أرى إلا عالمه، وهممت بالنهوض معه، وأنا فرحة أكاد أحلق في سماء البهجة والسرور، ولمّا هممْتُ بالنهوض وإذا بصوت يأتي إلى مسامعي يهتف لي: رويداً رويداً أيتها الفتاة، أهكذا ينسى الإنسان حبيبه؟! أهكذا يخذل المعشوق معشوقه؟! أهكذا يترك الرفيق رفيقه؟! فأُصبتُ بقشعريرة في بدني وارتجاف في مفاصل جسمي، ودقات قلب كادت أن تُخرج صاحبها من قفصه الصدري، وخاطبت نفسي: ماذا تريدين ان تفعلين؟ أهكذا جزاء من أراد بك خيراً وروضّك؟ مهلاً أيتها النفس الأمارة بالسوء، عودي إلى رشدك، واعلمي أن عطاء الله ليس له حدود. فاقنعي بما قسم لك، ولا تخسري الدنيا والآخرة. حنان ستار رواش

منذ سنة
2676

الطفل في المهد هو مشروع رجل المستقبل

إذا كان فلاسفة التربية الحديثة يجعلون الطفل ورقة بيضاء فإن الامام علي (عليه السلام) يجعله كالأرض ولاريب أن الامام كان أكثر عمقاً. ذلك لأن الورقة البيضاء تفتقر إلى عناصر البناء في حين أن الأرض تختزن عناصر الحياة فالطفل عندما يولد تكون فيه مثل هذه العناصر الحياتية ويكون لديه استعداد طيب للتفاعل مع محيطه، وبما أن محيطه الأول هو الأسرة لذلك يبدأ الإسلام على مستوى هذه الأسرة التي يتسلم زمامها بالدرجة الأولى الرجل على أساس أن القيمومة بيده شرط أن لا تكون صلاحيته مطلقة بل تكون مقيدة بما يفرضه عليه الشرع من حسن المعاشرة والعدالة والإحسان والرأفة والرحمة في عالم الاسرة، ومنه نعلم أن القيمومة للرجل ليس فيها انتقاص من دور المرأة. ولعل دور المرأة في الأسرة أخطر وأهم من دور الرجل؛ نظراً لضخامة المسؤوليات التي ينبغي لها أن تنهض بها، لا سيما أنها في بيتها ملكة غير متوجة لهذه الخلية. إن أول موضوع تربوي يهتم به الإسلام في باب تكوين الأسرة، بل ويعطيه الأولوية من حيث الأهمية هو اختيار الزوجة الصالحة التي سوف تصبح أماً وحاضنة لأولاد المستقبل. فيشير عليك ب(إذا أردت أن تخطب لنفسك فانظر أين تضع نفسك) حتى تكون الذرية صالحة، لأن المرأة التي تهز المهد بيمينها هي تهز العالم بشمالها… إن هذا الموجود الذي تراه طفلاً هو في حقيقته مرآة المستقبل. قد يتبوأ مناصب عالية يقود مجتمع واجيال، فإذا كان طيباً شمل خيره كل الناس. وإذا كان خبيثاً نشر الدمار والخراب في مجتمعه. لذلك يجب أن نعطي مسألة التربية كل اهتمامنا وأولوياتنا؛ باعتبار أن الطفل ليس مجرد ولد صغير أنت تقوم على تربيته كيفما دارت الأحوال. وإنما هو جرم صغير انطوى فيه عالم كبير من النظريات التي ستكون يوماً ما واقعاً ملموساً. وعلى هذا الأساس تكون مسؤوليتنا جسيمة أمام الله وأمام المجتمع. فانظر أين تضع نفسك. الإسلام والتربية: كل من طالع تاريخ الإسلام يجد أنه وخلال قرون قليلة استطاع أن يقدم إنجازاً حضارياً من الطراز الأول في بناء الإنسان… وبالتالي في بناء المجتمع وإقامة الحضارة الإنسانية الإسلامية… التي أنارت للبشرية دروبها ومسالكها ومعالم حياتها في شتى مجالات الحياة ولقرون متمادية، قبل أن يصاب بالانتكاسة السياسية والاخلاقية لأسباب ليس هذا محل ذكرها… وبتأمل قليل نجد أن الفضل في تقدمه وتطوره ذلك يعود إلى أسباب عديدة من أهمها مناهجه التربوية الصحيحة والخلاقة… إن الإسلام يرى أن المجتمع يتكون من أفراد (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)) سورة الحجرات. ويتم التكاثر تحت ظل قانون سماوي هو الزواج الشرعي. ويرى أن السلوكيات الخارجية تمثل أرضية للمستقبل… فإذا زرعت فيها ورداً فسوف تجني منها الورد… وإذا غرست شوكاً فلن تحصل منها على الليمون… والطفل يمثل الحلقة الأولى في تلك السلوكيات… لذلك لابد من النظر إليه على هذا الاساس، وعلى المجتمع أن يعي هذه الحقيقة…. فالدين الإسلامي يعطي للتربية أولوية قصوى... وله في ذلك منهج اعتمده الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) وأهل بيته الطاهرون (عليهم السلام) . ولخّص ذلك الموقف بقوله: صلى الله عليه واله :(إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) إن جوهر الرسالة المحمدية هي التربية والأخلاق بما يتضمن ذلك من بناء الإنسان نفسياً وروحياً واجتماعياً. ومن الواضح أنه يترتب على هذا المنهج إمكانية الأمر والنهي والأحكام والفصل في أمور الحياة... مما فرضه الإسلام على اتباعه. ومن خلال البحث نجد أن أولوية التربية مرتبطة بموقف فلسفي يتلخص بأن للرسالات والتشريعات والعلوم محوراً اساسياً هو الإنسان. فالإسلام يتوجه للإنسان من دون المخلوقات الأخرى لأن له دوراً في الحياة والعلوم والتشريعات والقوانين، فكل هذه المفاهيم مرتبطة دائماً بالإنسان ولا شيء غيره. فلا تنحصر مسؤولية الآباء في توفير المعيشة المادية للأطفال، بل إن مسؤوليتهم تبدأ بتربيتهم تربية إيمانية صالحة؛ فأن تاديب الأطفال وتربيتهم أهم في نظر الإسلام من الاهتمام باحتياجاتهم الجسدية رغم أهميتها. يقول الإمام عليه السلام (ما نحل والد ولداً نحلاً أفضل من أدب حسن) (1) وعنه (عليه السلام): (لاميراث كالأدب) (2) إن فطرة الإنسان من منظار قرآني وروائي تتقبل الإسلام وكل مايتعلق به من تشريعات. ومعنى ذلك أن الإسلام وتفصيلاته وقوانينه هي اشياء مقبولة في أصل وفطرة وأعماق الإنسان. وهذا يعني أن انحراف الإنسان عن تلك الفطرة لا بد أن يكون له أسبابه الواقعية الخارجة عن ذات الإنسان. ومن تلك الأسباب تقصير أبويه في الطفولة وسوء تعامل أساتذته في الصبا ورداءة المحيط الاجتماعي الذي يعيشه. ولهذا قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) )سورة الروم وهو ما يشير إليه الحديث الشريف: (كل مولود يولد على الفطره حتى يكون ابواه يهودانه او ينصرانه او يمجسانه) إن كل طفل يولد على أساس الفطرة الاسلامية، أي أنه يولد طيب النفس طاهر الروح نقي القلب محباً لعبادة الله تعالى، فإذا انحرف فيما بعد عرفنا أن ثمة أسباباً كانت وراء انحرافه، كأن يكون أبواه قصّرا في طهارة نطفته التي تكوّن منها بتناول الزاد الحرام، أو ممارسة الفعل الحرام وبما غذّياه الحرام أو سقياه الحرام بعد الولادة او رآهمها يفعلان ما لا يحسن أن يراه منهما عند بداية إدراكه فتأثر بهما واقتفى ما ليس له به علم من فعلهما، وكأن يكون قد رافق رفقاء سوء فأوحوا إليه من الأفعال ما جعل منه بعيداً عن تلك الفطرة. من هنا، تتبين أهمية ما نبهنا (عليه الإسلام) في تربوياته من أهمية دور الأبوين والمحيط الأسري والاجتماعي في تربية الطفل ورسم سلوكه المستقبلي. وأن كل من يُقَصِّر في دوره الملقى عليه في التربية، فإنه سيلاقي نتيجة تقصيره في عاجل الدنيا أو آجلها. لقد ذكر العلامة المجلسي في كتاب(حلية المتقين) بعضاً من الروايات التي تتطرق إلى هذه المواضيع ومنها، قال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)(الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه) إن الإسلام وضع نُظُماً وحدوداً وقوانين تقف حائلاً دون ظهور نسل فاسد وناقص جسمياً ونفسياً. وإذا طبقت هذه القوانين قَلّتْ هذه الانحرافات والخلافات الشرعية والأخطاء. فإذا أحسن الأبوان التربية قلّ ظهور الأولاد المنحرفين... وكذا لو توفّرت الظروف الاجتماعية والثقافية التي تتناسب مع الفطرة الإنسانية. عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فاعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) (3) فليست تربية الأطفال واجباً وطنياً وإنسانياً فحسب، بل إنها فريضة روحية مقدسة وواجب شرعي لايمكن الافلات منه. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسوؤلية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشأة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. يقول الإمام الصادق (عليه السلام) (ويجب للولد على والده ثلاث خصال : اختياره لوالدته وتحسين اسمه والمبالغة في تاديبه) (4) ويمكن أن نفهم من هذا الحديث أن تأديب الولد حق وواجب في عاتق أبيه. ولذلك تجد أن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يُعلِّمنا أن ندعو الله عز وجل ليعيننا على أداء هذه المهمة. لكن ومع الأسف أن الواقع في كثير من الأحيان يختلف عن هذه التعاليم، ما أكثر الأمهات اللاتي يُعلّمنَ أطفالهن على الصفات البذيئة والسلوك الأهوج منذ الصغر. فيظل الأطفال مأسورين لتلك الأخلاق والصفات طيلة أيام حياتهم . وما أكثر الآباء المجرمين اللذين يحتقرون التعاليم الدينية والعلمية ويصطحبون أطفالهم إلى مجالس اللهو والعبث، ويرتكبون الأفعال القبيحة أمام عيونهم. وعلى أية حال فشقاوة وسعادة الأبناء ترتبط ارتباطا كبيراً بالأب والأم… التربية بعد الولادة: تؤثر على السعادة البشرية عدة عوامل يسميها بعض العلماء بمثلث مؤثرات الشخصية، وهي الوراثة والتربية والمجتمع. ولكن الملاحظة المهمة هنا هي أن أهمية التربية قد تتجاوز أهمية الوراثة والمجتمع إلى درجة أن بإمكانها أن توقف قانون الوراثة وتأثير المجتمع إلى حد ما فتتغلب عليهما إلّا في الموارد التي تكون الصفات الوراثية ذات طابع حتمي (أي لايمكن أن تتغير في الطفل مهما كانت العوامل الأخرى قوية أو كان ضغط المجتمع يتجاوز الحدود الطبيعية) وفي الحقيقة فإن معاملة الأبناء فن يستعصي على كثير من الآباء والأمهات في فترة من فترات الحياة، وكثيراً ما يتسائل الآباء عن السبل الناجعة للتعامل مع أبنائهم. إن أطفالنا جواهر، ويمكننا تربيتهم والحفاظ عليهم حسب ما رفدنا به الإسلام من نظم وقوانين، ولكن المفارقة هنا هي أن الكثير من الآباء هم الذين يحتاجون إلى توجيه قبل الأبناء. ولذلك يمكن أن نتجرأ ونقول بأن هناك الكثير من الأولاد إنما جاء فسادهم من خطأ الأباء في تربيتهم وإهمالهم وترك تعليمهم الطريق الصحيح. لقد أثبت الباحثون بشكل قاطع تأثير السنين الأولى من العمر على حياة الإنسان المستقبلية، فإحساس الولد بنفسه يأتي من خلال معاملتك له. فإن أنت أشعرته أنه ولد طيب وأحسسته بمحبتك فإنه سيكون عن نفسه فكرة أنه إنسان طيب مكرم، أما إذا كنت قليل الصبر معه وتنهال عليه باللوم والتوبيخ ليل نهار فإنك ستشعره بأنه (ولد غير طيب ) وربما ينتهي الأمر به إلى أمراض نفسية كالكآبة والإحباط أو التمرد والعصيان. لا بد أن نعرف أن هناك فرقاً بين ذات الإنسان وسلوكه، فذاته مكرّمة وعظية، أما السلوك فقد ينحرف عما رسمه الشرع والعقل له، وعلينا أن نوصل هذه الفكرة للطفل، ونوحي له بأن حسابنا معه حساب سلوك لا ذات. روي عن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم): قال داود (عليه السلام): إلهي، كن لابني كما كنت لي. فأوحى الله اليه: ياداود قل لابنك: يكن لي كما كنت لي، أكن له كما كنتُ لك. وصايا ملكوتية: عليك أيها الأب أن تأخذ بيد أبنائك لطريق الله عز وجل، وأن تعلمهم أن يبتعدوا عن غيره من الطرق الملتوية. اغرس في قلوبهم تقوى الله وساعدهم على أن يبرّوك عندما تكبر وتشيخ. تذكر دوماً أن أولادك أمانة عندك وأنهم سيغادرون منزلك بعد وقت قصير فاحرص على تربيتهم وتوجيهم، أعطهم وقتك وانتباهك، ادرس نفسياتهم وشخصياتهم، فأن ذلك يساعدك في تربيتهم، وإذا مررت بظرف عسير فأعلم أن ذلك عابر. من المهم أن يعرف الأبوان كيف يتجاوبان برفق في وقت الرفق وبحزم في وقت الحزم، كما ينبغي أن تكون معاملة الوالدين وفق مبادى ثابتة. وأن يحرصوا على حب أطفالهم ولكن بحكمة. ينبغي على الأم أن لاتعتمد على سلطة الأب وهيمنته في تهديد أولادها وعقابهم، فيصبح الأب كما قال بعض أخصائيي التربية (في نظر ابنه كالشرطي للمجرم لا صلة بينهما إلا عند الاختلاف في الرغبات) ينبغي أن لا يظهر الزوجان خلافاتهم أمام أبنائهم، فأن ذلك قد يضعف نفوذهما أمام أولادهما وقد يستثمره الولد لمصلحته فيتمادى في أخطائه. يجب أن تترسخ لدى الطفل فكرة أن سلطة أبويه هي سلطة واحدة تتبادل الأدوار حسب الظرف الموضوعي. إن من أهم القضايا التي تثير اهتمام العاملين بالمنهج الإسلامي هي قضية الطفل المسلم في منهجك التربوي، يجب أن تضع نصب عينيك أحدث الطرق التربوية التي تنسجم مع النظرة الإسلامية للإنسان في بناء شخصيته الفكرية والروحية والعملية، وفي الأجواء التي يجب أن تثيرها من حوله من أجل أن يتغذّى سلوكه بجو علمي تربوي خاص. كما يتغذى بالكلمة وبالصورة. فكل هذا الوسائل لها تأثيرها في خلق أجواء مناسبة تساعد في تربية الطفل وتسهل الأمر على الوالدين، وعلى الشخص الذي يمارس عملية التربية أن يتحرك في موقع مناسب لصنع الجو المناسب للطفل. ونحتاج في سبيل الوصول إلى تربية نموذجية إسلامية إلى دراسة ودراية واطلاع واستفادة مما ينصح به أصحاب الخبرة في هذا المجال، كل ذلك من أجل صنع جيل إسلامي يعيش في خدمة الحياة والإنسان على أساس كلمة الله والسير على تأدية ما أراد الله منه. إن الدين الإسلامي يعلمنا كيف نربي أبناءنا ليكونوا مواطنين سعداء في دنياهم، ليس هذا فحسب، بل لكي نكسب ويكسبوا بنا الآخرة أيضاً. لأن الولد الذي يكون سبباً في إيذا الناس وإيذاء نفسه فهذا يتحمل بعض ذنبه الآباء إذا لم يكونوا قد قاموا بتربيته التربية الصالحة، كما حدث في إحدى المدن العربية أن لصاً محترفاً بعد أن سرق العديد من المنازل وأحدث الرعب في قلوب الناس، لأنه لم يكن يسرق فقط بل كان يهددهم بالقتل لو شعر بالخطر، وبعد أن وقع في يدي رجال الشرطة وحكم عليه القضاء بإصدار حكم الموت شنقاً طلب السارق من رجال الشرطة قلماً وورقة فأحضروا له ذلك وعكف على كتابة بعض السطور وقد جاء فيها: (هذا ما دفعني إليه والدي.. الذي تركني منذ طفولتي ولم يحسن أدبي وتربيتي) إن الأب هو المسوؤل الأول عما يفعله الابن، ولايعني ذلك بالطبع تبرأة الابن، إنما الذي نريد قوله أن الآباء يتحملون قسماً كبيراً من المسؤولية لمكان ولايتهم على أبنائهم قال الإمام السجاد (عليه السلام) في رسالة الحقوق عن حق الولد على الوالد: (فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره ) والوجدان شاهد على انه إن عمل ابنك عملاً حسناً قال له الناس: رحم الله والديك. وإن عمل سوءاً ألقى الناس اللوم على أبيه. فاعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه، معاقب على الإساءة إليه. قال أحد الخبراء في علم التربية: إن الخطورة تكمن ليس في أن الآباء يجهلون مسؤوليتهم تجاه الأبناء فقط وإنما في غفلتهم. ولربما يحدث ذلك لانشغالهم في أمور المعيشة، وبالتالي فإنهم لايقومون بتأدية واجبهم على أحسن ما يرام. وخاصة إذا كان الأبوان كلاهما يعمل ويرجع في آخر النهار متعباً مرهقاً… فهذا يؤدي بالتأكيد إلى التقصير في حق الأبناء في التربية… ويغدو الابن ضحية… وسيتعلم أخلاق وسلوكيات الشخص الذي يعتني به سواء بالحضانة أو الروضة أو المدرسة، طبعاً لانقصد من هذا أنه يجب على الأم والأب الجلوس وعدم العمل… ولكن يجب عليهم الموازنة بين حق العمل وحق الولد… هناك أمور عديدة يجهلها الآباء في التربية منها: - تشوّش الرؤية وغياب الهدف الواضح للتربية. -عدم الإلمام الكامل بمعرفة الأسس الفنية في معاملة الأبناء والتأثير فيهم. -غياب المقياس والمثل العليا للتربية المطلوبة أو الشعور بإيفاء حق التربية والواقع يكون عكس ذلك. -إهمال دور الأم وعدم إعدادها. -ضحالة ثقافة الوالدين وقصور وعيهما وتحاربهما. ومنه، نعلم أنه يلزم على ألآباء اعطاء فرصة للأولاد لتكوين شخصيتهم ومساعدتهم في ذلك. وخير مثال على ذلك عند امير المؤمنين علي (عليه السلام) حيث كان يسأل أولاده بحضور الناس بعض المسائل العلمية، وربما كان يحيل الجواب عن أسئلة الناس إليهم. وهذا الشي يعطي نتائج مهمة في التربية أهمها احترام الأولاد وإحياء شخصيتهم وتكوين ذاتهم. فمثلما يجب احترام حق الكبار، يجب احترام حق الصغار. بينما الواقع الذي نعيشه في معاملة الأبناء عكس ذلك تماما عند البعض..... إن بعض الآباء يعيشون خارج دائرة التربية، ففي سبيل راحتهم أو رغباتهم أو في سبيل عملهم قد يهملون تربية أولادهم ولايفكرون بأنهم بهذا الأسلوب سوف يسيرون بأولادهم نحو الشقاء وتدمير مستقبلهم وأخلاقهم وخاصة في مجتمعاتنا التي تكون أكثر العوائل في بدايتها يعيشون مع أهاليهم، فضيق المكان يجعلهم يقسون على أطفالهم من أجل راحتهم أو أن يتحكم اكثر من فرد داخل الأسرة في تربية الطفل واستعمال الأسلوب الخاطئ أو الضرب أو العقوبة بدون سبب فكل هذا يتسبب بتكوين شخصية مهزوزة وضعيفة لدى الأطفال. إن التربية الواعية هي التربية المبنية على الأسس الأخلاقية التي ترشد الإنسان أن لوجوده قيمة جوهرية لا يمكنه أن يتغافل عنها في حياته وهي الطريق لتخريج أفراد لا يضيّعون حياتهم في التوافه، وإنما يتعاملون مع وجودهم بالطريقة التي تتحقق فيها أهداف حياتهم البنّاءة وبالتالي يمكننا أن نتحدث عن المجتمع الذي يصبح قابلاً للحياة لإدراكه ويعرف لماذا يعيش وكيف يعيش. وتربية الفرد تبدأ منذ نعومة أظفاره بالتدريج السليم المطابق للأصول التربوية والعقائدية والأخلاقية، ومن هنا علينا أن نهتم بتربية أطفالنا على هذا النحو والأسلوب الذي يحقق الآمال المعلقة على الأجيال القادمة في الوصول إلى إرساء قواعد جديدة للتعامل على مستوى الفرد أو الأمة، فلا يعود الفرد ولا تعود الأمة فريسة بيد العابثين المستهترين بمصائر الناس من أجل تحقيق المصالح الشخصية أو الفئوية على حساب جهل الناس لقيمة الحياة. هناك آثار سلبية كثيرة تترتب على عدم احترام شخصية الولد، ومن أهمها تلك التي تتعلق في نفوس الأطفال، مثل عقدة الحقارة واهتزاز الشخصية وما شابه ذلك من صفات نفسية خطيرة تهدد كيان الطفل وتلاحقه حتى خريف عمره. بينما تستطيع أنت أيها الاب وأنتِ أيتها الام أن تكونا بمعزل عن كل تلك الآثار السيئة والنتائج السلبية بفعل شيء واحد وهو: الاحترام ولايعتقد أحد بأن احترامه لولده يلحق به ضرراً أو يسئ إلى سمعته. ترى ماذا سيحدث لو اصطحب الأب ولده إلى المجالس التي يحضرها الكبار؟ وماذا يحدث لو تعامل الوالد مع ولده على أساس من الاحترام والتقدير؟ وماذا يحدث لو احترم الكبار الصغار؟ هل يحدث غير النتائج الحميدة والطيبة التي تترك أثراً سحرياً في نفوس الأبناء وتسير بهم إلى مدارج العظمة والكمال؟ يجدر بنا أن نسجل هذه الفكرة التي تقول: إن قيمة الاحترام تظهر ويبرز أثرها النفسي حينما يتمثل الكبار باحترام الصغار. وإلّا فإن احترام الصغار للكبار أمر طبيعي مفروغ منه. فإن عظمة التواضع تبرز حينما يتواضع العظيم للداني والكبير للصغير، فلو احترم الصغير الكبير وزهد الفقير وتواضع الحقير حينئذ لا يكون قد صدر منهم أي فعل ذي بال يشار إليه بالتقدير والتعظيم، ولا أقل عند سواد الناس. ولكن العظمة حينما يحترم الإنسان من هو أصغر منه، ويتواضع لمن هو أدنى منه منزلة، وقد ورد في سيرة أعظم رجل عرفته الإنسانية وهو النبي الأعظم محمد (صلى الله عليه واله وسلم ) أنه كان يصافح الغني والفقير والصغير والكبير، ويسلم مبتدءاً على كل من لقيه من صغير أو كبير أسود أو أحمر، حراً أو عبداً، وكان يقول في ذلك: ليكون سنة من بعدي. إن لاحترام الأبناء نتائج ايجابية كثيرة، وباستطاعة أي أب أن يجرب ذلك، فلو كنت تريد من ابنك خدمة ما، فاطلب ذلك منه باحترام...وأومئ إليه بالثقة ثم اطلب منه ما تريد وانظر كيف ستكون النتيجة. هذا بالإضافة إلى أن الأبناء سيبادلون الآباء ذلك الإحساس، وسيعاملون آبائهم كما تعلموا وتعودوا عليه. لذلك فالأب حر في اختيار الطريقة التي يرغب أن يعامله بها ابناؤه في صغرهم وعند الكبر، تماماً كما أنك لاتستطيع أن تسحب مقداراً معيناً من المال من البنك إلا إذا كان لديك رصيد سابق قد أودعته فلا تستطيع أن تطالب أبناءك أو أي إنسان آخر بالاحترام وأنت لم تودع الاحترام في بنوكهم ولم تمنحهم الاهتمام. وهو مفاد ما ورد من الأمر بمعونة الأبناء على تعليمهم بر الآباء فاهتم بهم يهتموا بك، واحترمهم يحترموك، يقول الامام علي (عليه السلام ): (إجملوا في الخطاب تسمعوا جميل الجواب) إن هذه حقيقة حتمية وسنة كونية لايمكن تبديلها. (فمن جد وجد ومن زرع حصد) الأطفال هم فلذات الأكباد وريحانة الحياة وزهور الربيع وبلسم الجروح، وهم ذخر الإنسانية لغدها المشرق، وهم الذين سيحملون مسؤوليات العالم بعد أن ينتهي دور الجيل الذي سبقهم، لأن الإنسانية تسير بطريق تكاملي وبالتالي لابد أن تستمر. وهم ضمان استمراريتها وبقائها. وبما أنهم كنز الإنسانية ومستقبلها فعلينا أن نعمل على إعدادهم إعداداً مناسباً يتناسب مع حجم المسؤوليات المستقبلية التي ستلقى على عاتقهم، وذلك يكون عن طريق تربيتهم التربية الصالحة المبنية على الفهم المتكامل والصحيح للحياة، وعلى المربي عموماً أن يدرك أهمية هولاء الأطفال وأنهم سيكونون أهلاً للحياة ولمواجهة مسوولياتها. إن فهم هذه الخصوصية وترتيب الأثر المناسب عليها يساعدنا على إيجاد المجتمع الإنساني الفاضل الذي يتحلى بالأخلاق الكريمة، ذلك المجتمع الذي يقدس المثل العليا للإنسانية باعتبارها صمام أمان للحياة نظراً لما تحويه من مباديء سامية وخصال حميدة توصل أفراد المجتمع الإنساني إلى أهدافه النبيلة باعتناقها والتمسك بأهدافها… الطفولة عالم البراءة: عالم الصفاء والنقاء والتخيلات والأحلام الرائعة الجميلة هو عالم الطفولة، فهو العالم الملكوتي الذي ينطلق منه الإنسان في بداية سيرته الحياتية. فالطفل في سِنيّ حياته الأولى ينظر إلى الحياة بمنظار عالمه الطفولي البريء البعيد عن كل مايعكر صفوها فيتخيلها بمنظاره هذا عالماً تسوده المشاعر المرهفة الحساسة، وبعيداً عن كل الاشياء التي تجعل من الحياة حياة شر وخداع ونفاق. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل للحياة قبل أن يبدأ صراعه معها، وما أروعه من تصور وما أجمله من حلم، وكم يتمنى كل فرد إنساني أن يعود لطفولته البريئة ليسرح في أرجاء عالمها الذي كان يصور له الحياة كأنها ربيع مليء بالرياحين التي تشد الإنسان إليها بعطرها الساحر وشذاها الفواح، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلاينفذ إلى سره ولا يدري كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. فهو عالم بعيد كل البعد عن الشرور والآثام والحقد والكراهية، هو عالم غني بالمشاعر الجياشة التي تصور الحياة بستاناً عامراً بالاطاليب، حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. تعتبر مرحلة الطفولة من أهم المراحل في حياة الفرد: فالاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. فالطفل هو الثروة الحقيقية وأمل الغد، وليكن معلوماً أن ما نراه من حولنا المشاكل التي يتعرض لها الطفل في العالم من نبذ وقهر واضطهاد واستغلال وما يترتب على هذه المشاكل من اضطرابات نفسية وانحراف وجريمة وادمان. وما نرى من حالات العنف والعدوان في المدارس وحالات اختطاف وانحرافات سلوكية وخاصة في العالم الغربي، ومانشاهده من تعرض الطفل العربي إلى القهر والعدوان وخاصة في دول الحرب وبعض الظواهر الأخرى مثل ظاهرة أطفال الشوارع، والمتسولين والأحداث، كل ذلك له أسبابه الخاصة والتي تكون التربية واحدة من أهمها، وفي مقدمتها. يؤكد علماء النفس دائماً على أن أسباب الاضطرابات النفسية لدى الاطفال هو غالباً تنشأ من خلل في المعاملة من قبل الأهل. وأن الأطفال الذين تساء معاملتهم هم دائماً ضحايا للاضطرابات النفسية والانحرافات. وهذه الاضطرابات لاينتهي أثرها عند الطفولة فقط، وإنما قد تبقى آثارها لمرحلة الشباب والكهولة، ذلك لأنها تنطبع في شخصية الطفل وتوثر على حياته المستقبلية. فيصبح بالتالي شخصاً يعاني من عقد بداخله ولربما يصبح شخصاً ظالماً لمن حوله أو مجرماً حتى مع أقرب الناس إليه كإخوته وأطفاله وزوجته وأصدقائه. فلينتبه الأبوان لهذه المسوولية الملقاة على عاتقهما لأنهم لا يظلمون طفلهم فقط، إنما يظلمون مجتمعاً كاملاً. ومن هنا تعتبر الأسرة النواة الأولى لتنمية الطفل، والقالب الاجتماعي الأول الذي يصوغ شخصية الطفل في المجتمع، وهي المؤسسة التربوية الأم التي تساعده على تشكيل شخصيته بصفة عامة، وهذا ينعكس سلباً على شخصية الطفل، فيما لو اضطربت الأسرة وتفككت. لقد ثبت لدى الباحثين تأثير السنوات الثمان الأولى من العمر في باقي حياة الإنسان، وقد وجد انه إذا ما لبيت حاجات ورغبات الطفل في الأشهر الأولى من الطعام والراحة والمحبة وغير ذلك، فإن الطفل سيكون حظه في الحياة أوفر وأعظم… إن الأنماط السلوكية الأسرية تحدد ماسوف يفعله الطفل في مقتبل حياته أو مايستطيع أن يفعله. ولكي يحصل على الإشباع والرضا فعلى الأسرة أن تعمل على تنمية شخصيته. إن أهم عوامل نجاح وتكوين شخصية الطفل إنما هي مستمدة من العلاقة الحارة الوثيقة الدائمة التي تربط الطفل بأمه أو من يقوم مقامها بصفة دائمة وإن أي حرمان من حنان الإم تظهر آثاره في تعطيل النمو الجسمي والذهني والاجتماعي وفي اضطراب النمو النفسي للطفل. _______________________________ (1) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2ص625 (2) غرر الحكم ودرر الكلم للامدي ص831 (3) مكارم الاخلاق للطبرسي ص 232 (4) بحار الانوار ج 75 ص 236

منذ سنة
2525

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

منذ 8 أشهر
2518