مِـــن أســئلتِـكم

السؤال: السلام عليكم ما هو علاج الوسواس في العبادات وفي العقيدة؟ الجواب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يظهر الوسواس ويكثر غالباً في مناطق اهتمامات الإنسان، والأمور التي يحرص عليها، ولأنّ الإنسان المتدين يهمه الالتزام بالأحكام والقضايا الشرعية، ويحرص على أداء وظائفه وواجباته الدينية، فإنه قد يصاب بهذا الفيروس في هذه المنطقة. ويطلق علماء النفس على مرض الوسواس مصطلح: (العصاب القهري) أو (الاضطراب الوسواسي الجبري). إن النصوص والتعاليم الدينية تولي اهتماماً لمكافحة هذا المرض الخبيث، وتحذّر من الإصابة به، وتضخ المفاهيم والنصائح الوقائية منه. وسبل العلاج منه: 1- برنامج منع الاستجابة هومن أبرز أساليب العلاج المعتمدة حالياً في المراكز الرائدة في العلاج النفسي السلوكي في الولايات المتحدة، لمرض الاضطراب الوسواسي الجبري، والذي يعني منع المريض من ممارسة تصرفاته الوسواسية، لفترة معينة تحت رقابة وإشراف، داخل مستشفى العلاج، أو في بيته بواسطة المرافقين له. مع توفير أجواء مساعدة. وقد لوحظ نجاح هذا البرنامج مع كثير من المرضى الراغبين في العلاج. وإذا ما تأملنا التعاليم الإسلامية حول أحكام المصابين بالوسواس، وكثرة الشك في قضايا الطهارة والعبادات، فإنها تلزم المصاب باعتماد برنامج منع الاستجابة، وأن يباشر ذاتياً مع نفسه هذا البرنامج، فلا يعتني بحالة الشك والوسوسة، ولا يستجيب لها، وذلك هو تكليفه الشرعي، وهو الطريق الوحيد لتخلصه من هذا المرض. حيث روي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه قال: "لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم بنقض الصلاة فتطمعوه، فإن الشيطان خبيث يعتاد لما عوّد، فليمض أحدكم في الوهم، ولا يكثرّن نقض الصلاة، فإنه إذا فعل ذلك مرات لم يعد إليه الشك. قال زرارة: ثم قال : إنما يريد الخبيث أن يطاع، فإذا عصي لم يعد إلى أحدكم"(1). 2- العلاج المعرفي: إنّ أهل البيت (عليهم السلام) وهم أكمل الخلق كانوا يؤدون الأعمال بسهولة ويسر ومن دون أي تعقيد أو تهويل. والعلاج المعرفي يعني إعادة بناء تفكير المريض وتصحيحه، لتبديل أفكاره الوسواسية، التي أخذت صفة الاستمرارية بعيدة عن التحكم بزمامها، ورغم أنّ أكثر الوسواسيين يعترفون بلا منطقية أعمالهم وممارساتهم، لكن تضخّم بعض التصورات في نفوسهم، والمبالغة والتطرف في بعض الأفكار، هو ما يشكل أرضية مناسبة لحالتهم المرضية. فعلى المبتلى أن يعرف الدّين ويسره, حيث قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾(2), وقال تعالى أيضاً :﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾(3). ورويَ عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): "إنّ هذا الدّين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تكرّهوا عبادة الله إلى عباد الله، فتكونوا كالراكب المنبّت الذي لا سفراً قطع، ولا ظهراً أبقى"(4) . وليعلم من الناحية الفقهية أنّ الأصل هي الطهارة، والإباحة، ورفع المسؤولية عن الجاهل والناسي، وأنّ كل عمل فرغ منه أو تجاوزه ثم شك فيه فلا قيمة ولا أثر لذلك الشك. 3- العلاج الأذكاري: ويعني به ترديد أذكار معيّنة نصّ عليها أهل البيت (عليهم السلام), ومنها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "ذكرنا أهل البيت شفاء من الوعك والأسقام ووسواس الريب وحبُّنا رضا الرب تبارك وتعالى"(5). وأمّا الوسواس في العقيدة وما يلحق به من الأفكار المـزعجة كالأفكار في ذات الله عز وجل والأفكـار في الدين والعقيدة والخوف من الكفر والردة وغيرها فهي ليست جديدة على المسلمين، بل هي بادئة منذ فجر الإسلام، وقد وقعت في عصر النبي (صلى الله عليه وآله). ومن هنا يجب أن يعلم الإنسان الوسواسي أنّه ليس وحيداً في مشكلته. وأنّ حدوث هذا الأمر ليس دليلاً على ضلال الإنسان وكفره وفسقه وخبثه. بل يجب عليه إذا جاءته هذه الأفكار المزعجة أن يتوقف عنها مباشرة، ثم يلجأ إلى العلاجات التالية: 1- يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويقول : (آمنت بالله ورسله) مرة واحدة على الأقل، فنكتفي بمرة واحدة في الجلسة فمثلا لو كنا في مجلس وبدأت الفكرة الوسواسية فيستعيذ بالله مرة واحدة ويتجاهل الأفكار ولا يكررها مادام أنه في نفس المجلس. 2- أن يهدأ ولا يفسِّق نفسه ولا يكفرها بل يتيقن أنّه مؤمن وهذه الوساوس لا تضره أبدا . ويتذكر أنّ غضبه وحزنه ومدافعته لهذه الأفكار إنّما هو صريح الإيمان، وأنّ هذه الوساوس غير مقصودة بل هي من الشيطان . 3- أن يعلم علما يقينا أنّه غير آثم وغير مؤاخذ بهذه الأفكار؛ لقوله تعالى : ( لا يكلّف الله نفساً إلا وسعها)(6) حيث لم يكلّفه الله تعالى بالتفكر في ذات الله مثلاً أو ببعض الامور العقائدية الدقيقة الاخرى. 4- أن يقول: "أعوذ بالله القويّ من الشيطان الغوي وأعوذ بمحمّد (صلى الله عليه وآله) الرضي، من شرّ ما قُدِّر وقُضي وأعوذ بإله الناس من شرّ الجنّة والناس أجمعين"(7) فهو من احد وصايا الإمام علي (عليه السلام) إلى كميل. 5- روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) : "إذا خطر ببالك في عظمته وجبروته أو بعض صفاته شيء من الأشياء فقل : لا إله إلّا الله محمّد رسول الله عليّ أمير المؤمنين، فإذا قلت ذلك عدت إلى محض الإيمان"(8). 6- الأفضل له أن يقرأ بعض الكتب العقائديّة البسيطة مثل: عقائد الإماميّة، أصول الدين، أصل الشيعة وأصولها، ويحاول طرح أسئلته على المختصين؛ لئلا يبقى قامعاً في دوامة التفكير المشوب بالوسوسة فيرجع إلى انتكاسته. وكلما زاد من أدلته اليقينية على عقيدته، كلما ابتعدت عنه تلك الوساوس الشيطانية. _________________ (1) الكافي: ج3، ص358. (2) البقرة: 185. (3) الحج: 78. (4) بحار الأنوار: ج68، ص212. (5) المصدر السابق: ج26 ، ص227. (6) البقرة: 286. (7) بحار الأنوار: ج74، ص271. (8) فقه الرضا (عليه السلام): 385. علوية الحسيني.

اخرى
منذ سنتين
10292

من اسئلتكم

عالم الذر قال تعالى (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ (172)) السؤال: في عالم الذر عندما عرضت ولاية امير المؤمنين (سلام الله عليه) ما الذي جعل البعض قَبِل والآخر تردد وقبل وآخر استكبر ورفض ؟ وهل عرضت الولاية على الناس فقط أم على ما في الكون جميعا من المخلوقات او الاشجار ؟؟ الجواب: اتفق العلماء على كون الآية الكريمة تتحدث عن أخذ الله (تعالى) العهد من ذريّة آدم (عليه السلام) قبل خلقهم، لكنهم اختلفوا في كيفية ذلك إلى عدة آراء تبعاً لاختلافهم في تفسير الآية المذكورة من جهة، وتقييمهم للروايات الواردة في شأن ذلك العالم من جهةٍ أخرى. ونحن نذكر رأيين مهمين هنا. الرأي الأول: وهو ما يُنسب لأهل الظاهر والمحدثين، ومفاده أن الله (تعالى) عندما خلق آدم (عليه السلام) أخرج أبناءه جميعاً إلى آخر نسل له من البشر على هيأة ذرات دقيقة ملأت الفضاء، وكان لهذه الذرّات عقلٌ وشعور يكفيان لاستماع الخطاب ورد الجواب، فخاطبها الله (سبحانه) قائلا (الستُ بربّكم)؟! فَأجابت جميعاً: (بلى). ثم أعاد الله (تعالى)تلك الذرات إلى صلب آدم أو طينته، وهكذا أخذ الله (تعالى) الميثاق والعهد من بني البشر. الرأي الثاني: حاصله أن الله (تعالى) قد منح الذرات الأولى لوجود الإنسان وهي (النطف) قوى وقابليات تَمكِّنه من إدراك حقيقة التوحيد وذلك عند انتقالها من ظهور الآباء إلى أرحام الأمهات، فتكون تلك القابليات والقوى هي العهد والميثاق الذي أخذه (عز وجل) من البشر. وبناءً عل هذا تكون المحاورة بينه (سبحانه) وبينهم محاورة كنائية وليست حقيقية، فكأن الله (تعالى) سألهم عندما منحهم تلك القابليات ألست بربكم؟ وكان لسان حالهم يشير إلى الإيجاب. هذه خلاصة الرأيين المشهورين حول عالم الذر، وقد وردت على الأول منهما إشكالات أعرضنا عن التعرض إليها طلباً للاختصار، لعل أهمها: كيف يمكن أن يحتج الله (تعالى) على البشر بأمر قد نسوه لأنهم لا يتذكرون ذلك الموقف؟ والجواب فيما روي عن زرارة قال سألت الإمام أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله (عز وجل):" واذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على انفسهم الست بربك قالوا بلى" قال: "ثبتت المعرفة ونسوا الموقف وسيذكرونه يوماً، ولولا ذلك لم يدر احد من خالقه ولا من رازقه"(1)، أي إن المعرفة بالتوحيد طالما كانت ثابتة فإنها كافية للاحتجاج بها عليهم، وإن لم يتذكروا تفاصيل ذلك الموقف الذي تلقّوا خلاله تلك المعرفة. ولم يرد على الرأي الثاني سوى إشكال واحد حاصله: أن الآية صريحة بالحوار الذي جرى بين الله (تعالى) والبشر الذين كانوا على هيأة ذرّ. ويمكن ردّه بورود أمثال هذا الحوار الكنائي في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى):"ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11)"(2) وعلى كلٍ، فإن مضمون الميثاق ذاته لم يكن مقتصراً على التوحيد فقط، بل وشمل النبوة للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) والولاية لأمير المؤمنين (عليه السلام) كما ورد ذلك في بعض الروايات الشريفة، ومنها ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله (عز وجل):"فطرة الله التي فطر الناس عليها" قال: فقال: "على التوحيد ومحمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى أمير المؤمنين (عليه السلام)"(3). وقد يتبادر إلى ذهن القارئ الكريم أن في أخذ الميثاق على البشر وهم لا زالوا ذرّاً وبالتالي تقسيمهم بناءً على ذلك إلى مؤمن وكافر يستلزم الجبر في الإيمان والكفر! إلا أن الأمر ليس كذلك، لأن الله (تعالى) لم يجمعهم في عالم الذرّ ليقرّر مصير كل منهم وعاقبة أمره، وإنما ليودعهم الفطرة الصحيحة وليكشف عن العاقبة التي ستؤول إليها اختياراتهم وسلوكياتهم من الطاعة أو العصيان في الحياة الدنيا؛ لعلمه الأزلي والأبدي عن العاقبة بحال جميع مخلوقاته قبل نزولهم إلى الدنيا، وعليه فإن كفرهم أو إيمانهم في عالم الذر ليس بعلةٍ للكفر والإيمان في الدنيا وإنما مرآةً لهما. وأما السبب الذي جعل البعض يقبل الولاية مباشرةً والآخر يقبلها بعد تردد فيما يرفض غيرهما ويستكبر فلم تُبيِّنه الروايات الشريفة بشكل واضح وصريح، ولكن بناءً على ما تقدم يمكن القول: إن اعتقادات الإنسان في هذه الدنيا وما يؤثر فيها من محيطه وبيئته وما يختاره من اختيارات عند مواجهته لمختلف الابتلاءات والاختبارات هي التي حدّدت سرعة قبوله للاعتقادات الحقة من التوحيد والنبوة والولاية أو قبوله بعد تردد أو رفضه لها واستكباره عليها. وقد يقول قائل: إذا كانت اعتقادات الإنسان وأفعاله في هذه الحياة الدنيا من طاعات ومعاصٍ هي التي حدّدَت إجابته عند سؤال الباري (عز وجل) إيَاه في عالم الذر، فما فائدة ذلك العالم؟ بل وما فائدة سؤال الله (جل وعلا) للبشر وإشهادهم على أنفسهم؟ ويُجاب: يمكن أن نتصور فائدته في المعرفة التي اكتسبها البشر والتي فطرهم الله (تعالى) عليها، كما جاء في خبر زرارة حيث قال الإمام الباقر(عليه السلام):"ثبتت المعرفة ونسوا الموقف وسيذكرونه"(4)، أي إنهم عرفوا أن الله (تعالى) ربّهم وأن النبي محمداً (صلى الله عليه وآله) نبيهم وأن أمير المؤمنين علياً (عليهم السلام) وليهم، إلا أنهم نسوا الموقف الذي تلقّوا فيه تلك المعرفة. وأما فيما يخص السؤال عن كون الولاية عُرِضت على الناس فقط أم على ما في الكون جميعاً من المخلوقات او الاشجار، فمن المفيد قبل كل شيء أن نشير إلى نقطة مهمة وهي: إن مذهباً حقاً كالمذهب الإمامي قائمٌ على أسس رصينة وقواعد متينة هو بلا شك غني كل الغنى عن طرح هكذا تساؤلات قد تُحفِّز بعض أعداء المذهب على السخرية والاستهزاء به من جهة وقد تصدُّ بعض من يحاول البحث في صحة هذا المذهب وحقانيته من جهةٍ اخرى؛ لذا فمن المفيد عدم تداول هكذا موضوعات على شاشات الفضائيات ووسائل الإعلام. وأما في مقام الإجابة فيمكننا القول: بأن مسألة عرض الولاية على جميع المخلوقات بما فيها من جمادات وحيوانات إنما هي فرع التكليف، وبما أن هذه الكائنات ليست مكلّفة لانعدام التعقل فيها، فلا وجه لعرض الولاية أو غيرها من الحقائق الدينية عليها. ولكن قد يقال بأن لعرض الولاية عليها وجوهاً أخرى من قبيل: أولاً: بيان مقام الولاية ومكانتها، ولتعزيز ارتباط الناس بها وإقامة الحجة عليهم من جهة، وبيان شمولها لكل المخلوقات، بمعنى انقياد المخلوقات لها من جهة أخرى. ويلاحظ عليه: بأن بيان مقام الولاية ومكانتها لإقناع الناس بها وبضرورتها إنما يكون باعتماد طريق مقنع تذعن له العقول وتسكن إلى منطقه النفوس، كبيان فضل الولي وضرورة وجوده وسعة ولايته، لا عن طريق مستغرب ويصعب التثبت منه، بل وقد يكون مثار جدل وأخذ وردّ. وأمّا دعوى كون الهدف من عرض الولاية على سائر الممكنات كالحيوانات والجمادات والنباتات لإثبات شمولها لكل ذلك، فيلاحظ عليه: أنّ الولاية التكوينية لا يتوقف جعلها على إذنٍ وقبول ممن جُعلت عليه، بل إن جميع الممكنات منقادة لمن جُعلت له بإذن الله (تعالى) شاءت أم أبت. ثانياً: لا إشكال في عرض الولاية على الحيوانات والنباتات والجمادات لأنها مخلوقات لها نوع من التعقل والإحساس، كما ورد ذلك في بعض آيات القرآن الكريم منها قوله (تعالى):"تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا"(5) ويلاحظ عليه: أن التسبيح الذي أشارت إليه الآية المباركة لا يمكن أن يكون تسبيح عقل ووعي وإرادة، وإنما هو نحو من أنحاء الانقياد التكويني للخالق، أي إنه بيان واقع حال المخلوقات نظير قوله (تعالى):" ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ"(6) ثالثاً: إمكانية عرض الولاية على الجمادات بدليل القرآن الكريم الذي يصرح بوقوع عرضٍ معيّنٍ عليها، قال تعالى:"إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا"(7) ويلاحظ عليه: أنّ الآية المباركة في صدد تقديم وصفٍ لواقع حال تلك المخلوقات، حاصله عدم أهليتها الذاتية لحمل الأمانة الإلهية، لا أنّها رفضت طلباً إلهياً حقيقياً توجّه إليها بطلب حمل الأمانة، وإنما تبيان لعدم لياقتها لتحمل الأمانة الإلهية. وبالتالي فهي لم تتمرد عن حملها كما إنها لم تنقسم بين مقرٍ ورافض، وعليه فالآية لا تصلح لأن تكون دليلاً على إثبات القول بعرض الولاية على المخلوقات، كما إنها لا تصلح لنفيه أيضاً، فهي ساكتة عن هذا الأمر. رابعاً: ورود بعض الروايات الدالة على وقوع عرض الولاية على هذه الكائنات، منها ما روي عن أمير المؤمنين (صلوات الله عليهم أجمعين) قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: "تختموا بالعقيق، فإنّه أوّل جبلٍ أقرّ لله بالوحدانية ولي بالنبوة ولك يا علي بالوصية "(8). كما روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) في خبر طويل: "وعرضها في ذلك اليوم على النبات فما قبله صار حلواً طيباً ، وما لم يقبل صار مراً، ثم عرضها في ذلك اليوم على الطير فما قبلها صار فصيحا مصوتا وما أنكرها صار أحر ألكن "(9). ويَلاحظ عليها: أولاً: ضعف أسانيدها بأجمعها. ثانياً: على فرض صحة أسانيدها فهي مجرد أخبار آحاد ولا تصلح لإثبات أمرٍ عقدي. ثالثاً: أنّ بعضها مما لا يمكن الأخذ به، لأنّها ظاهرة في تكليف الله (تعالى) لبعض الكائنات وعقابه لها، فالطير الذي لم يوالهم صار ألكناً، والماء الذي لم يوالهم صار مالحاً، ومن المعلوم أنّ التكليف فرع العقل، والعقاب لا وجه له مع عدم العقل. رابعًا: تسرب بعض الروايات من الكتب الحديثية السنية إلى بعض الكتب الشيعية المتأخرة كبحار الأنوار كرواية أبي هريرة عن النبي ( صلى الله عليه وآله):"كلوا الباذنجان فإنّها شجرة رأيتها في جنة المأوى، شهدت لله بالحق، ولي بالنبوة، ولعلي بالولاية، فمن أكلها على أنها داء كانت داء، ومن أكلها على أنها دواء كانت دواء"(10) . وقد أدرج هذا الحديث بعض أعلام السنة في عداد الأحاديث الموضوعة والباطلة، منهم الفتني في كتاب تذكرة الموضوعات، والعجلوني في كشف الخفاء وغيرهم. ختاماً نقول: إن الله (تعالى) قد كرّم الإنسان على سائر من خلق بأن منحه جوهرة العقل وجعله مختاراً؛ ولذا فقد اختصه بالتكليف من بينهم؛ لدوران التكليف مدار العقل كما هو المستفاد من الحديث الشريف المروي عن الإمام أبي جعفر الباقر(عليه السلام):"قَالَ لَمَّا خَلَقَ اللَّه الْعَقْلَ قَالَ لَه: أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ ثُمَّ قَالَ لَه أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ فَقَالَ وعِزَّتِي وجَلَالِي مَا خَلَقْتُ خَلْقاً أَحْسَنَ مِنْكَ إِيَّاكَ آمُرُ وإِيَّاكَ أَنْهَى وإِيَّاكَ أُثِيبُ وإِيَّاكَ أُعَاقِبُ"(11). وعليه لا يمكن القول بأنه (جل جلاله) قد كلّف الحيوانات التي منحها الموهبة اللدنيَة لتسيير مصالحها لقوله(تعالى):"أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً"(12) فضلاً عمن سواها من نباتات وجمادات، والله أعلم.. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) مختصر بصائر الدرجات ج1 ص223 (2) فصلت 11 (3) بصائر الدرجات ج1 ص100 (4) مختصر بصائر الدرجات ج1 ص223 (5) الإسراء 44 (6) فصلت 11 (7) الأحزاب 7 (8) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 2 ص 75، بحار الأنوار ج 27 ص 280 (9) ألكن أخرس بحار الأنوار ج 27 ص 262 (10) مكارم الاخلاق: 184 ، البحار: ج66 ص223 (11) الكافي ج 1 ص 26 (12) الفرقان 44 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
3916

ما هي نيتك وانت تقرأ القرآن الكريم؟

ما هي نيتك وانت تقرأ القرآن الكريم؟ هل سألت نفسك يوماً ماهي نيتك وانت تتلو القرآن الكريم ؟ يقول الامام علي بن الحسين السجاد(عليه السلام) في مقطع من الدعاء العشرين من الصحيفة السجادية وهو الدعاء المعروف بدعاء مكارِمِ الاخلاقِ " ... أَللَّهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَبَلِّغْ بِإيْمَانِي أكْمَلَ الاِيْمَانِ، وَاجْعَلْ يَقِينِي أَفْضَلَ الْيَقِينِ، وَانْتَهِ بِنِيَّتِي إلَى أَحْسَنِ النِّيَّاتِ، وَبِعَمَلِي إلى أَحْسَنِ الاعْمَالِ ... "(١) و عن الامام جعفر الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى ((ليبلوكم ايكم احسن عملا))(٢) قال (عليه السلام) { ليس يعني اكثركم عملاً ولكن اصوبكم عملاً وانما الاصابة خشية الله والنية الصادقة والحسنة....) ثم قال (عليه السلام) : الابقاء على العمل حتى يخلص أشد من العمل والعمل الخالص : الذي لا تريد ان يحمدك عليه احد إلا الله عز وجل والنية افضل من العمل ثم تلا قوله عز وجل ((قل كل يعمل على شاكلته)) ... يعني على نيته }(٣) . وعن ابي حمزة عن علي بن الحسين (صلوات الله عليهما) قال: (لا عمل إلا بنية) (٤) .... وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله :"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى " (٥). وهذه بعض النيات التي يحسن أن ننويها عند قراءة القرآن الكريم . (1) بقراءته نسأل الله أن يُشفّعه فينا .. لقول الرسول صلى الله عليه وآله : " اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه"(٦) . (2) ننويه لزيادة الحسنات .. لقول الرسول صلى الله عليه وآله : "من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها ..." (3) نحتسب قراءته للنجاة من النار .. قال رسول الله: "لو جمع القرآن في أهاب لم يحرقه الله بالنار"(٧). (4) نحتسب قراءته عِمارةً للقلوب .. قال رسول الله صلى الله عليه وآله : "الرجل الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب" (5) نحتسب قراءته بنية العمل بكل آية نقرؤها لننال أرفع الدرجات في الجنة .. لقول رسول الله صلى الله عليه وآله : "يقال لقارئ القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها " (6) نحتسب قراءته شفاء لأمراض قلوبنا وعلل أجسادنا وسببا لنزول الرحمات علينا .. قال تعالى ((وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة)). (7) نحتسب قراءته لطمأنينة قلوبنا .. لقول الله تعالى ((ألا بذكر الله تطمئن القلوب)) . (8) نحتسبه سببا لحياة قلوبنا ونور أبصارنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا فالقرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض .. كما قال صلى الله عليه وآله في دعائه : "... وأن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور بصري و جلاء حزني وذهاب همي" . (9) نحتسب قراءته سببا للهداية .. قال تعالى : ((ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)) وفي الحديث القدسي "يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم" . (10) نقرؤه بنية أن نموت عليه، فمن عاش على شيء مات عليه ومن مات على شيء بعث عليه.. لقوله تعالى: ((أم حسب اللذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون)). (11) نقرؤه بنية رجاء القرب من ربنا بحب كلامه العظيم .. كما في الحديث "إنك مع من أحببت" . (12) نحتسب قراءته سببا عظيما لزيادة الإيمان لقوله تعالى : (( وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما اللذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون)). (13) ومن نياتنا بقراءته أننا نريد أن نزداد علما بربنا ومعرفة له لنزداد له ذلا وافتقارا فنستعين به في كل لحظاتنا. (14) ومن نيات قراءة القرآن أن نرجو به الفضل العظيم وهو أن يكون سببا لاصطفاء الله تعالى لنا بأن نكون من أهله وخاصته .. لقول الحبيب : "إن لله أهلين من الناس" ، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: "هم أهل القرآن ، أهل الله وخاصته". (15) ومن أعظم النيات وأهمها وفي مقدمتها أننا نتعبد الله تعالى بقراءته .. لقوله تعالى ((ورتل القرآن ترتيلا)). (16) اهم من كل ما ذكر نقرأ القرآن الكريم بتأنٍ وتروٍ بقصد التدبر في آياته وخصوصاً اذا كانت القراءة في مصحف مفسر ولو تفسيراً ميسراً . بعد كل ما سبق اكرر سؤالي: هل سألت نفسك يوماً ما: ماهي نيتك وأنت تقرأ القرآن الكريم؟ ______________________________ ١. الصحيفة السجادية. ٢. سورة الملك. ٣.بحار الأنوار للمجلسي ج٦٧. ٤.الكافي للكليني - ج٢ - ص ٨٤ . ٥.وسائل الشيعة للحر العاملي ج١، ص٤٩. ٦.صحيح مسلم . ٧. سنن الدارمي. علي جابر

اخرى
منذ سنتين
4033

ماذا لو صلى بنا الإمام المهدي عجل الله فرجه صلاة العيد ؟

لكل صلاة جماعة إمام يؤم المصلين، فالصلاة قبلة الحب والاحترام ، الصلاة أخلاق العبد وهي ما تضيف له الوئام ، الصلاة أدب ونور على طول الأيام ، الكل مباح له أن يصليها ، ولكن أين منها صاحب الزمان والزمام ، بيده زمامها ونحن ننتظره بحرقة على طول الدهر ونحن في اهتمام ، متى يعلن ظهوره كي نأتم به صلاة القرب بأحلى إمام وأحلى تمام. دعونا نتأمل قليلا... لو كان الإمام هو من يؤم صلاة العيد او صلاة الجمع... ماذا سيحدث؟! صلاة تتحول من مستحبة لصلاة واجبة. صلاة تجمع كل المسلمين وتتوحد باذان واحد وإمام واحد ... سيدي يا صاحب الزمان، كلما مر العيد وانت غير موجود بيننا ازداد حزننا . فأنت الذي يجب أن يؤم المصلين هذا اليوم. فيسعد الناس برؤية وجهك. سيدي متى ترانا نراك تؤم الملأ ؟! ترى هل سنكون من المصلين خلفك .... كأني أتخيل ذلك المنظر... منظر هو الأقرب الى العين اكتست السماء باللون الأخضر أصبحت كأنها لون عمامة رسول (الله صلى الله عليه وآله) وأمامنا أمام الهدى، نور الله على الأرض، ووجه نبيه الطاهر محمد (صلى الله عليه وآله)، علم الدين، وإمام المتقين، ملئت السماء الخضراء على عرضها طيور النورس البيضاء مرفرفة بأجنحتها تحمل في مناقيرها ورودا حمراء كأنها تستقبل ضيفا. أصبحنا لانسمع غير أصوات الصلوات والتسابيح والدعوات، أما الأرض فغطاؤها اللون الأبيض، أصبحت طريقا واحدا منبسطا كأنها تهيأت ليسير عليها ملك من السماء وفي نهاية الطريق أعد العمل لمسرح كبير تتوسطه منصة خشبية كأنها ساجدة لله سجدة شكر بعد طول انتظار يبدو عليها الوقار أ تساءل؟ من ذا الذي سيخطب؟!! عليها ستار في أول سويعات النهار عند شروق أول خيط للشمس، حتى الشمس خجلت من الظهور اليوم وكأن أحدا أكثر منها نورا سيسلب منها هيبة شروقها لنا مضيئة منذ أن خلق الخلق .... منظر وكأن الدنيا كلها انتظرته دهورا وهي تعد له العدة منظر يصعب على الكل تخيله، منظر مهيب، ووقت فريد، والنور لابد منه لتكون الأبصار شاخصة لإعلان الشمس عن شروقها لتعلن العيد فهو عيد فريد يتميز عما مضى من أعياد في الدهور السابقة، فهنا وعلى الأرض ستقام وما إن حان وقت الصلاة أسدل الستار عن المسرح ليتراءى للناس منظر كأن المأذنة في السماء كأن صوتا واحدا يشد الناس بالانتباه اخترق الصوت قلوب الناس قبل آذانهم بالتكبير كأنه الشلال يسقي ولا يغرق !! نعم فقد سقى الناس بكل رقة كالندى الذي يتساقط على الزهور الذابلة بعد أعوام عجاف لترتد الروح فيها كأن منقذا أتى لينقذنا من ضلال أنفسنا ! نعم فهو صوت منقذنا وأمامنا أمام الهدى نور الله على الأرض ووجه نبيه الطاهر محمد (صلى الله عليه وآله) علم الدين وأمام المتقين. قلبي اليك من الاشواق محترق ودمع العين من الآماق مندفع الشوق يحرقني والدمع يغرقني فهل رأيت غريقا وهو محترق اللهم وفقنا لنكون صادقين وأمناء حتى نحقق الاستعداد لظهور وليك المهدي عجل الله فرجه الشريف لكي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
5215

عيــد ألأضحــى العيــد الواقعــي للمُضحيــن

يغفل بعض الناس عن المعنى الحقيقي للعيد، فيُقصرون جُلَ اهتمامهم على المظاهر الخارجية من شراء ملابسٍ وتخطيطٍ للنزهات وما إلى ذلك من مظاهر الفرح وأشكال البهجة، ولا مانع من كل ذلك طالما كان في الحدود الشرعية، ولكن في الوقت نفسه لا يصح أن يُختزل به العيد، وإلا فقد يكون للبعيدين عن الالتزام بالتعاليم والأحكام الدينية أكثر مما هو للملتزمين بها. وبالرجوع إلى الروايات نجد أن العيد الواقعي إنما هو للمؤمنين المتقين، فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):" كل يوم لا يُعصى الله فيه فهو عيد"(1)، ولذا صحّ ما قيل: ليس العيد لمن لبس الجديد إنّما العيد لمن سلم من الوعيد وليس العيد لمن ركب المطايا إنّما العيد لمن ترك الخطايا وليس العيد لمن حضر المصلّى إنّما العيد لمن صام و صلّى وبهذا فإن المؤمن لا يقتصر عيده على الأعياد المعروفة وحسب بل بإمكانه أن يُحيل كل أيامه إلى أعياد، وما ذلك إلا لرحمة الله (جل شأنه).. ومن رحمته (تعالى) ولطفه بالمؤمنين أيضاً أن فسح لمن لم يحج منهم تقديم الأضحية وما يترتب عليها من الثواب العظيم، فقد روي عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أنه قال: "لو علم الناس ما في الأضحية لاستدانوا وضحوا أنه ليغفر لصاحب الأضحية عند أول قطرة تقطر من دمها"(2). ولو عمّقنا النظر في مفهوم التضحية وتقديم الأضحية قربةً إلى الله (تعالى) لاتسعت مصاديقها وتعددت، ولكان من أهمها واكثرها ضرورةً أن ينحر الإنسان نفسه الأمارة بالسوء، أو على الأقل أن يترك معصيةً هو عاكف عليها، والتضحية بشهوات النفس ومنافعها المادية الدنيوية الزائلة التي تُثنيه عن الوصول إلى منافعه الآخروية الباقية. كما قد تكون التضحية من نوعٍ راقٍ وذلك فيما إذا جنّد الإنسان نفسه وبذل جهده وماله وضحّى براحته في سبيل خدمة الدين والمذهب الحق، أو في سبيل خدمة المجتمع والسعي إلى رفع معاناته، ومن المعلوم أن الهدف كلما كان كبيراً كان الجهد في سبيل تحقيقه كثيراً، ولا يفوز بذلك إلا كبار النفوس، وإلى هذا المعنى أشار الشاعر بقوله: وإذا كانت النفوس كباراً *** تعبت في مرادها الأجسام وكم هو جميل أن نؤكد كل هذه المعاني في نفوسنا ونؤصلها في أرواحنا في عيد الأضحى المبارك مجددين عهد الحب لله (تعالى) بعقد النية على الإحرام عن المعاصي والإقلاع عن السيئات، والعزم على التمسك بالطاعات وما يقربنا إليه من قربات، والتضحية بهوى النفس والشهوات، والسعي في مساعدة الفقراء وقضاء الحاجات، ورفع ما يمكن رفعه مما يعاني منه المجتمع من معاناة، ورجم النفس الأمارة بالسوء بتشديد المشارطات وتكثيف المراقبات، وحلق آمالها في ارتكاب المحرمات. ـــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) نهج البلاغة ج4 ص71 (2) وسائل الشيعة ج 14 ص 211 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
3460

مجتمع يقاوم الظلم! وحديث مفترى

نقرأ في وسائل التواصل احاديث وروايات تترجم أو تعبر عما يعانيه المجتمع، تنطلق كأسلوب رفض أو ثورة ضد مشكلة معينة أو واقع مرير يعيشه المجتمع، ومن هذه الأقوال ما ينسب لسيد البلغاء علي بن أبي طالب عليه السلام "اذا رأيت الظالم مستمرا في ظلمه فأعرف أن نهايته محتومة، وإذا رأيت المظلوم مستمرا في مقاومته فاعرف أن انتصاره محتوم"، وللوقوف على صحة هذا القول ارتأينا تسليط الضوء على هذه الرواية من حيث المعنى والسند يتناول هذا القول مفردة الظلم على الفرد والمجتمع.. الظلم لغة: وضع الشيء في غير موضعه ، فالشرك ظلم عظيم لجعله موضع التوحيد عند المشركين ، وقد يراد به ما هو ضد العدالة ، وهو التعدي عن الوسط في اي شيء كان ، وهو جامع للرذائل بأسرها _ كما اشير اليه_ وهذا هو الظلم بالمعنى الاعم، وقد يطلق عليه الجور أيضا، وقد يراد به ما يرادف الاضرار والايذاء بالغير ، وهو يتناول قتل الغير وضربه وشتمه وقذفه وغيبته وأخذ ماله قهرا ونهبا وغصبا وسرقة وغير ذلك من الأقوال والأفعال المؤذية (١) قال تعالى :( انما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبتغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب اليم)(٢). وروي: "أنه تعالى أوحى إلى داود : قل للظالمين لا تذكروني، فأن حقا عليّ أن أذكر من ذكرني ، وإن ذكري اياهم أن العنهم".(٣). وهو من الذنوب التي توجب غضب الله تعالى ويوجب عذابه وسخطه، ويوجد العداوة والكراهية بين أبناء البشر إضافة إلى آثاره الوخيمة على الظالم في الدنيا قبل الآخرة لان النفس البشرية جبلت على الإحسان والمحبة للآخرين وما الظلم الا حالة نفسية تصاب بها النفوس غير السوية فترتكب الظلم دون معرفة عواقبه وآثامه. وقد عانت البشرية من الظلم على اختلاف الأزمنة ، وهي صفة تودي بصاحبها إلى التهلكة أمثال فرعون حاكم مصر الذي اعتلى عرش مصر وتفنن في ظلمه لقومه فأخذه الله اخذ عزيز مقتدر نتيجة لظلمه وجبروته ، وقارون الذي آتاه الله من الكنوز ما تنوء بثقله العصبة اولوا القوة وبغى على قومه، فلم تغن عنه كنوزه من الله شيئا ،( فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين) (٤). وأبرهة صاحب الفيل ملك اليمن الذي بنى معبداً للحيلولة دون حج الناس إلى الكعبة فما كانت نتيجة تكبره وتجبره وظلمه الا إن ارسل الله طير الابابيل فهلك هو وجيشه عن بكرة أبيهم، فالله تعالى مهلك الجبارين و المنتقم من الطغاة ، قال تعالى :"( و أنه أهلك عادا الأولى ¤ وثمودا فما ابقى ¤ وقوم نوح من قبل انهم كانوا هم أظلم و أطغى)" (٥). ولا يقتصر الظلم على ظلم الناس فحسب بل يتعدى إلى ظلم الإنسان نفسه باتّباع طريق الضلال والباطل، أجارنا الله وأياكم منها صفةً مقيتةً تحيل الحياة جحيما وتوجب غضب الله تعالى. وبالمقابل فإن المظلوم وإن رزح تحت وطأة الظلم والظالمين احقابا إلا إن نصره محتّم والله تعالى سينصره ولو بعد حين والقرآن الكريم ذكر السيدة اسيا مثالاً للذين صبروا على الظلم، ظلم الطاغية فرعون حيث تحملت من الأذى ما تحملت في جنب الله وقاومته ولم تخش منه وصبرت ( وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين)(6). وعلى هذا، فإن هذا القول المتقدم صحيح المعنى، الا أنه لا يمكن نسبته للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام لأنه لا يمثل قطرة من بحر بلاغته وعلومه، ولا نغالي اذا قلنا " كلام علي دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق " (٦). ناهيك عن عدم وجود هكذا رواية أو حديث في الكتب الحديثية. وفي هذا الصدد ينبغي توعية المجتمع حتى لا تتكرر نسبة الروايات إلى أئمة أهل البيت سلام الله عليهم وإن كانت تحاكي الواقع وتضفي نوعا من الشرعية ردا على الظلم الذي يقع على الفرد بصورة خاصة وعلى المجتمع بصورة عامة. ١.كتاب جامع السعادات ، النراقي ج ٢، ص٢٣. ٢. سورة الشورى، اية ٤٢. ٣. جامع السعادات، النراقي ج٢ ،ص ٢٤. ٤.سورة القصص ، آية٨١. ٥. سورة النجم ،٥٠، ٥٢ ٦. سورة التحريم، ايه ١١. ٧. ، نهج البلاغة، ج١ ، ص ١٨. رشا عبدالجبار

اخرى
منذ سنتين
6764

الأسرة في ظل غياب دور الأب واهماله

ان مهمة أدارة الأسرة لاتخلو من الصعوبة في وقتنا الحاضر ، ولكنها غير مستحيلة في ظل اتفاق الأبوين للنهوض بواقع ابناءهم من جميع النواحي الاخلاقية والاجتماعية والدراسية ، فتفاعل الزوجين وانسجامهما النفسي والعاطفي يؤدي الى استقرار الأسرة وتوزيعهما للادوار التربوية ومساندة احدهما للآخر يؤدي الى تذليل كل الصعوبات والتحديات التي تعصف بأسرنا في ظل وجود مختلف المغريات والتحديات وفي ظل سلبيات التكنولوجيا الحديثة؟ ولكن ماذا لو تخلى الزوج عن دوره الرئيسي والمحوري في الأسرة !! تاركا الزوجة لوحدها تواجه هذة التحديات ؟ كيف يمكن للزوجة ادارة الأسرة في ظل غياب واضح لدور الأب المعنوي ؟ فكثيرا من الزوجات تعاني من عدم تواجد ازواجهن في البيت في اوقات مابعد العمل ؟ مما يُلقي بعبء المسؤولية الملقاة على عاتقهن ؟ وهذا مايجعل امر ادارة الأسرة شيء صعب جدا بسبب اهمال الزوج لدوره ؟ فماذا تفعل الزوجة حيال اهمال الزوج لواجباته التربوية ؟ هل تتخلى عن المسؤولية معللة ذلك بعدم اهتمام زوجها بذلك؟؟ أم تاخذ زمام المبادرة مستعينة بالله تعالى ومتوكلة عليه وطالبة للعون منه عز وجل ؟ فلو كانت سفينة تبحر في وسط البحر وتخلى عنها ربانها في ظل تلاطم الامواج ، فهل يتخلى عنها المساعد الاول للسفينة بحجة ان المسؤول هو الربان وليس انا؟؟ ام يأخذ القيادة لينقذ الجميع وينقذ نفسه ؟ لانقول ان امر القيادة وادارة الأسرة شيء سهل في هذا الوقت بالذات ، بل انه من الامور التي تحتاج الى كياسة ودراية ومعرفة ،مما يجعل الأمر فيه شيء من التحدي والمواجهه ، مواجهة مع النفس اولا، ومواجهة مع التحديات والظروف والبيئة ، ومواجهة مع كل شيء في هذة الحياة ، تفقد الأم اعصابها كثيرا بسبب كثرة المشاكل والمسؤليات وبسبب شعورها السيء الناتج من اهمال زوجها لها ولأسرتها ، فمن الاشياء الصعبة التي تؤثر على مشاعر الزوجة هي استبداد الزوج برأيه وعدم شعوره وتحمله للمسؤولية ، فنرى كثيراً من هذا النوع من الرجال يهمل عائلتة وابناءه فهو لايعطيهم وقتا للاستماع اليهم أو الخروج معهم للتنزة ، او حل مشاكلهم او اللعب معهم ، فهو لايفكر الا بنفسه وبنزواته وباصدقائه معللاً ذلك بانه متعب من العمل ويريد ان يأخذ راحته ويستمتع بيومه؟؟ وهنا نقول ان كثيراً من الآباء يقومون بتقسيم اوقاتهم وفق ستراتيجية مدروسة بين قضاياهم الخاصة وامور أسرهم ؟ فلا مجال للتداخل والانانية هنا ، فكل يأخذ وقته ؟ من اجل تعميم السعادة على الاسرة وهذا يؤدي الى شعور الأب المسؤول بالرضا عن الذات ، اما اذا كان الأب مهملا وغير مسؤول ولم ينصت لضميره ولالزوجته فهذا مايؤدي الى بروز مشاكل عديدة في داخل البيت ، بسبب عدم تعاون الزوج مما يلقي بكامل المسؤلية على الزوجة ، وهنا يجب ان تتحلى الزوجة بالقوة الداخلية التي تمكنها من ادارة بيتها بالشكل الصحيح والمناسب التي تجعلها تعوض تقصير الزوج واهماله في البيت ، مما يزيد من مكانتها في نفوس ابنائها ويجعل كلمتها مؤثرة ومسموعة لديهم فهي امهم وابوهم وصديقتهم بنفس الوقت ؟ ومن هنا ندعوا جميع الاخوة الاباء الاعزاء ان ياخذوا دورهم الريادي في ادارة امور الاسرة بكافة اتجاهاتها المادية والنفسية والعاطفيه والتربوية ، فدوره الشرعي لايقتصر على توفير لقمة العيش والسكن وانما يتمثل دورة في شعور ابناءه وزوجته بوجوده المعنوي الذي يعطي طابعا نفسيا بالشعور بالآمان والأطمئنان ، فالحياة الأسرية ترتكن الى مرتكزين اساسيين هما وجود الأب والأم فهما الخيمة التي يستظل بها الابناء من متاعب الحياة وصعوباته ... والله ولي التوفيق

اخرى
منذ سنتين
5092

مسلم بن عقيل عليه السلام السفير الناصح

المهام الجِسام تحتاج إلى رجال ذوي بأس ليحملوها, يمتلكون المؤهلات القيادية, ويتحلون بالصبر والاستقامة والاخلاص للقضية, لكي يؤدوها على أتم وجهها. مسلم بن عقيل عليه السلام كان النموذج الكامل, المؤهل لحمل سفارة المعصوم عليه السلام, وتحمل قيادة الأمة وتهيئتها, لتكون على استعداد لاستقبال قائدها الهمام, الذي لطالما راسلوه وبعثوا إليه الكتب ليقدم عليهم قائلين “اقدم علينا يابن فاطمة ستجدنا جندا لك مجندة”. الظلم الذي عاناه المجتمع الإسلامي عموما, ومجتمع الكوفة خصوصا, دعاهم ليستنصروا الخليفة الشرعي للنبي الخاتم صلى الله عليه وآله, وسبطه والمؤتمن على رسالته, وبعد تواتر وتوالي كتب أهل الكوفة وتكاثرها, قرر الإمام الحسين عليه السلام –والحال الظاهري هكذا من الولاء- أن يقدم على الكوفة لإعلان الثورة ضد الطغيان الأموي الحاكم, وليستحكم الأمر ويتأكد الإمام عليه السلام من نوايا القوم, فقد أوكل مهمة الاطلاع على الأوضاع الى ابن عمه وثقته مسلماً عليه السلام, ليذهب الى الكوفة ويستقصي الأمر, وقد كتب الإمام الحسين عليه السلام رسالة إلى أهل الكوفة قائلا “بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى الملأ من المسلمين والمؤمنين, أما بعد فإنَّ هانئاً وسعيداً قَدِما عليَّ بكتبكم, وكانا آخر من قَدِمَ من رسلكم, وقد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم ومقالة جُلِّكم, إنه ليس علينا إمام, فأقبل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الهدى والحق, وإني باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي…..” ومن علمنا بأن الامام المعصوم عليه السلام لا ينطق عن الهوى, وأنه لا يجامل أو يداهن, فإننا نعلم إن اختياره لمسلم ابن عقيل عليه السلام إنما هو لملكات كبيرة ومزايا عظيمة يحملها مسلم. لقد كان مسلم بن عقيل عليه السلام, انسانا صالحا, ومؤمنا عابدا, وقائدا فاهما, خًبًرَ الإدارة والسياسة, وكيف لا يكون كذلك؟! وهو سليل بيت منهم نبي الله صلى الله عليه, والأئمة المعصومون, وأباؤه عليهم السلام هم سادات العرب ومشايخهم وشجعناهم, فجده أبو طالب عليه السلام كان سيد البطحاء, وأبوه عقيل كان صلبا في ذات الله, ولطالما مرغ أنف معاوية بن أبي سفيان في بلاطه وأمام حاشيته في الشام, من خلال تبيان مساوئه ومثالبه. وصل ابن عقيل عليه السلام إلى الكوفة, وجمع الناس وهيأهم لنصرة ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله, واجتمع له على ما تنقل كتب التاريخ والسير ما يقرب الثمانية عشر ألف مقاتل. سار مسلم بن عقيل عليه السلام بالنهج الديني القويم, فلم يغدر ولم يفتك, ولم يتجبر, وحتى مع أعدائه كان يلتزم النهج الشرعي, لذا فهو لم يقم بقتل اللعين عبيد الله بن زياد في بيت هانئ, لأن الإسلام حرم الغدر والحيلة, كما ورد في الأثر “الإسلام قيد الفتك”. بعد أن استوثق مسلم عليه السلام من نوايا القوم –ولو ظاهريا- كتب إلى الإمام الحسين عليه السلام بالقدوم, لكن أحداث دراماتيكية حدثت بعد ذلك قلبت الأمور رأسا على عقب, فنكث القوم بيعتهم, وتركوا مسلما لوحده في غربة وعناء, لم يقف معه من القوم إلا المخلصة المؤمنة طوعة رضي الله عنها والتي آوته وسقته وأطعمته. بعث ابن زياد العيون للبحث عن مسلم عليه السلام, وبعد ان عثروا على مكان تواجده في بيت طوعة, تجهزت الجيوش لاعتقال مسلم عليه السلام, إلا أنه لم يسلم نفسه, فتجهز لملاقاة تلك الجموع غير آبه بعددهم وعدتهم, وأخذ يجندل الأبطال, ويكسر الكتائب, فبعث ابن الأشعث لابن زياد يطلب المدد, فاستغرب ابن زياد لعنه الله ورد قائلا “اني ارسلتك لرجل واحد” فرد ابن الاشعث قائلا : “أ تحسب أنك ارسلتني إلى دهقان من دهاقنة الكوفة, لقد ارسلتني إلى بطل من أبطال العرب” لم تصمد الجيوش أمام بسالة وإقدام مسلم عليه السلام, فعمدوا إلى الحيلة والغدر, وهذه شيمتهم, فحفروا حفيرة في الأرض وغطوها, ولما مر مسلم عليه السلام عليها سقط فيها, وأجهز عليه القوم طعنا بالرماح, ورميا بالنبال, وضربا بالحجارة, حتى إذا خارت قواه أوثقوه وبعثوا به لابن زيد لعنه الله. أمر بن زياد بقطع رأس مسلم عليه السلام, وأن يرمى جسمه من أعلى قصر الإمارة, وأن يمثل بجثته, وأن تُسحل بالحبال في أسواق الكوفة, وما هذه الأوامر من ابن زياد إلا دليل على بعد هذا النكرة عن قيم الإسلام الأصيلة, وعن القيم الإنسانية, وتعكس الهوة الأخلاقية بين مسلم الذي رفض الفتك بابن زياد غدرا, وبين ابن زياد الذي يقطع الرؤوس ويمثل بالجثث. استشهد مسلم في الثامن من ذي الحجة, وفي رواية في التاسع من ذي الحجة, أي يوم عرفة, ورميت جثته من أعلى القصر, وسحلت في الأسواق بالحبال, وراح شهيدا حميدا ناصحا لله ولرسوله, مؤديا الأمانة التي كلفه بها الإمام الحسين عليه السلام فكان نعم السفير الناصح. فسلام عليك يابن عقيل, يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيا, ولعن الله قاتليك وخاذليك والراضين بقتلك والشاكين بأمرك. بقلم: عبد الكاظم حسن الجابري

اخرى
منذ سنتين
10937

نبضُ التوحيد عند الإمام الباقر (عليه السلام)

كلماتٌ تخرج من قلبِ عارفٍ بربّه تُخاطب الوجدان, وتتحادث مع شغاف القلب المفعم بالعشق الإلهي, ولايتلقاها إلاّ ذو حظٍ عظيم. تلك هي كلمات الإمام الباقر (عليه السلام) التي تصدح بــتنزيه الله تعالى عن الزمان والمكان والجسم والرؤية والاتحاد والحلول. فيا طلاّب الحقيقة هلموا لتلك الإشراقات القدسيّة لتضيء هياكل التوحيد بعد أن أدركتموه بالوهم. سأل رجل الامام الباقر عليه السلام فقال له : أخبرني عن ربّك متى كان ؟ فأجابه الإمام (عليه السلام) :"ويلك! إنما يقال لشيء لم يكن ، متى كان ؟ إنّ ربي تبارك وتعالى كــان ولــم يزل حيّاً بلا كيف، ولم يكن له كان، ولا كان لكونه كون. كيف! ولا كان له أين، (أي ليس لله تعالى مكانٌ يحويه).ولا كان في شيء، (أي لا يحلُّ الله تعالى في شيء).ولا كان على شيء، (أي ليس لله تعالى جهة عليا تحيطه). ولا ابتدع لمكانه مكاناً، (أي لم يخلق الله تعالى لنفسه مكاناً فهو موجودٌ في كلّ مكان). ولا قويَ بعدما كوّن الأشياء، ( أي إنّه تعالى لم يكن عاجزاً ضعيفاً قبل خلق الأشياء ثم قويَ بعد خلقها). ولا كان ضعيفاً قبل أن يكوِّن شيئاً، (أي ليست قوّته تعالى بخلق الأشياء فهو القوي القادر قــبل خلقه لها إلاّ إنّه لم يشأ أن يخلقها إلاّ في وقتٍ معلوم). ولا كان مستوحشاً قبل أن يبتدِع شيئاً، (أي إنّه تعالى لايأنس أو يستوحش بمخلوقاته فهو الغنيّ عنهم قبل وبعد خلقهم). ولا يشبه شيئاً مذكوراً، (أي لـيس لله تعالى شبيهٌ يشبهه). ولا كان خلواً من المُلك قبل انشائه، (أي هو المالِك للأشياء حتى قبل خلقِها). ولا يكون منه خلواً بعد ذهابه، (أي لا يخلو من الله تعالى لقب المالِك بعد ذهاب أو فناء الأشياء المخلوقة, فهو يعيدها للنشأة الآخرة). لم يزل حيّاً بلا حياة، (أي إنّ حياتهُ تعالى أزلية عين ذاته وليست صفة زائدة عليه؛ لتنوهه عن الإحتياج). وملِكاً قادراً قبل أن ينشىء شيئاً، (أي إنّ قدرته تعالى هي هي قبل أن يخلق الخَلق وبعد ذلك). وملِكاً جبّاراً بعد انشاءه للكون، (أي إنّه تعالى المهيمن القيّوم بجبّاريته متصرف بامور خلقه بعد إنشاءه للكون وما فيه). فليس لكونه كيف ولا له أين، (أي ليس لذاته تعالى شكلاً ليُسأل عنها بـكيف هو, ولا مكان يحويه ليُسأل عنه بـأين هو). ولا له حد، ( أي ليس له تعالى حدود تحيطه زمانية أو مكانية). ولا يُعرف بشيء يشبهه، (أي لا يوجد لله تعالى شبيه حتى يقال هذا يشبه الله فنعرفه من شبيهه). ولا يَهرم لطول البقاء، (أي إنّه تعالى ليس جسماً تطرأ عليه علامات التقدّم العمري-الهرَم-). ولا يصعق لشيء، (أي إنّه تعالى لايطرأ عليه الخوف). بل لخوفه تصعق الأشياء كلّها (أي إنّه تعالى تخاف منه جميع الأشياء). كان حياً بلا حياة حادثة، (أي إنّ حياته تعالى عين ذاته أزلية ليست حادثة زائدة على ذاته). ولا كون موصوف ولا كيف محدود، (أي إنّ ذاته تعالى لــيست مكتنهة فلاتوصَف, ولا تُحد بزمانٍ أو مكان). ولا أين موقوف عليه، (أي ليـس له تعالى مكانٌ يتحيّز به لأنه ليس بـجسم). ولا مكان جاور شيئاً، (أي ليس له تعالى مكانٌ يجاورهُ به أحد فهو المنزّه عن المكان). بل حيٌّ يعرَف، (أي إنّه تعالى خالقٌ حـي). وملِكٌ لم يزل له القدرة والملك، (أي هو المالك لمخلوقاته له السلطنة والقدرة عليهم). أنشأ ما شاء حين شاء بمشيئته، (أي خلقَ الكون وقت ماشاء هو سبحانه بمشيئته وعلمه وقدرته). لا يحد (أي لاتحيطه الجهات لأنه ليس بجسم). ولا يبعض (أي لايقسّم لأنه ليس مركباً حتى يجزأ). ولا يفنى (أي لانهاية له فهو الباقي الأبدي). كان أولاً بلا كيف، (أي فهو الأول ولا شيء معه دون أن نسأل كيف ذلك). ويكون آخراً بلا أين، (أي فهو الآخِر بعد فناء مخلوقاته دون أن نسأل أين يبقى). وكلّ شيءٍ هالك إلاّ وجهه، (أي إنّ جميع المخلوقات ســتهلك ولايبقى إلاّ هو سبحانه). له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين"(1) (أي إليه يعود الخَلق وأمرهم تجلّى بالكمال ربّنا ربّ العالمين). ولهذا نجد إنّ الروايات الشريفة قد نهـت عن الكلام في ذات الله المقدّسة؛ منعاً للتيه والانزلاقات الفكرية, حيث روي عن أبي بصير أنّه قال: قال أبو جعفر(عليه السلام): "تكلّموا في خلق الله ولا تكلموا في الله فإنّ الكلام في الله لا يزيد إلاّ تحيُّــرا"(2). وقال (عليه السلام) في حديثٍ آخر: "اذكروا من عظمة الله ما شئتم ولا تذكرواذاته فإنكم لا تذكرون منه شيئا إلا وهو أعظم" منه(3). وما يكفي معرفته عن ذات الله جلّ جلاله امورٌ أربع أرشدنا إليها أهل بيت النبوّة (عليهم أزكى السلام), حيث رويَ الْفَتْحِ بْنِ يَزِيدَ عَن أَبِي الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلام) سَأَلْتُهُ عَنْ أَدْنَى الْمَعْرِفَةِ, فَقَالَ: الاقْرَارُ بِأَنَّهُ لا إِلَهَ غَيْرُهُ ولا شِبْهَ لَهُ وَلا نَظِيرَ وأَنَّهُ قَدِيمٌ مُثْبَتٌ مَوْجُودٌ غَيْرُ فَقِيدٍ وأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ(4). _______________ _________ (1) اُصول الكافي: ج1, ص88 ـ 89 . (2) التوحيد: باب 67 النهي عن الكلام والجدال والمراء في الله عز وجل, ح1. (3) المصدر نفسه, ح3. (4) الكافي: ج1, ب 26, ح1. والحمد للّه الذي هو هكذا ولاهكذا غيره, وصلّى الله على الأدلاّء على الله ومحال معرفته. علوية الحسيني.

اخرى
منذ سنتين
4129

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
96102

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
93829

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ سنتين
50461

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
49781

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
49644

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ سنتين
49356