الإمام الهادي (عليه السلام) يحل الاختلاف الفكري

بقلم: علوية الحسيني الاختلاف الذي حلّه الإمام (عليه السلام) كان اختلافًا عقديًا؛ حيث ساد عصره انحراف فكري بنشر الفرق المنحرفة عقائدهم، وبثهم للشبهات الموجهة نحو العقيدة الحقة؛ حيث سادت شبهات كثيرة من أهمها التجسيم، وخلق القرآن، والجبر. فروي عن بشر بن بشّار النيسابوريّ أنّه قال: كتبت إلى الرَّجل [يقصد الإمام الهادي] (عليه السلام): إنّ من قبلنا قد اختلفوا في التوحيد، فمنهم من يقول: هو [الله سبحانه] جسم، ومنهم من يقول: هو [سبحانه] صورة. فكتب إليَّ: سبحان مَن لا يحدُّ ولا يوصف ولا يشبهه شيء وليس كمثله شيء وهو السميع البصير"(1) فنجد أنّ الإمام (عليه السلام) قد شحذ سيف توحيده، ولبس درع توكله، لم يخش ظلم الحاكم آنذاك والخوف من قمعه وتنكيله، وابتدأ جوابه بنقضٍ ضمني، ثم تصريح معرفي. *فقوله (عليه السلام): " سُـــبحانَ مَن" إشارة منه إلى تنزيه الله تعالى، فسبحان تعني تنزيه؛ بدليل ما روي أن هشام الجواليقي سأل الإمام الصادق (عليه السلام) عن قول الله عز وجل (سبحان الله) ما يعني به؟ قال: تنزيهه"(2). *وقوله (عليه السلام): "لا يحدُّ" إشارة منه إلى كونه تعالى موجودًا مطلقًا لا حد له في ذاته وصفاته وأفعاله، فهو الكمال المطلق الذي لا حدّ له، وهكذا هو تعالى (ولا يوصف) بالصفات المحدودة من صفات الممكنات. ويمكن التعبير عنه بأنه (عليه السلام) ينفي عن الباري جل وعلا الحد بالمعنى المنطقي والحد الزماني والمكاني. أما الحد التعريفي، فهو: مصطلح متعارف عند المناطقة يطلق على تعريف شيء بالحد أو بالرسم، فيقال حد الشيء، أو رسم أي تعريفه، "فالتعريف حدٌ ورسم"(3). والحد إما تام أو ناقص، فالحد التام: "هو التعريف بجميع ذاتيات المعرَّف (بالفتح) ويقع بالجنس والفصل القريبين لاشتمالهما على جميع ذاتيات المعرف فاذا قيل: ما الانسان؟ فيجوز أن تجيب أولاً بأنه: (حيوان ناطق)... ويجوز أن تجيب... بأنه: (جوهر قابل للأبعاد الثلاثة نام حساس متحرك بالإرادة ناطق)" (4). أما الحد الناقص: "هو التعريف ببعض ذاتيات المعرَّف (بالفتح) ولابد أن يشتمل على الفصل القريب على الاقل، ولذا سمي (ناقصاً). وهو يقع تارة بالجنس البعيد والفصل القريب وأخرى بالفصل وحده. مثال الأول: تقول لتحديد الانسان (جسم نام ... ناطق)، فقد نقصت من الحد التام المذکور في الجواب الثاني المتقدم صفة (حساس متحرك بالإرادة) وهي فصل الحيوان وقد وقع النقص مکان النقط بين جسم نام وبين ناطق فلم يکمل فيه مفهوم الانسان. ومثال الثاني تقول لتحديد الانسان أيضاً: (... ناطق) فقد نقصت من الحد التام الجنس القريب کله. فهو أکثر نقصاناً من الاول کما ترى"(5). ■تــوضيحٌ وتــصريح: 1- المراد من (الجنس) "هو تمام الحقيقة المشترکة بين الجزئيات المتکثرة بالحقيقة في جواب (ما هو؟)"(6). فالإنسان مثلاً جنسه (حيوان)، فجميع أفراد الإنسان من زيد وخالد مشتركون في حقيقة واحدة، فحينما نسأل عن حقيقة زيد ونقول: ما هو زيد؟ يقال: هو حيوان. وحينما نسأل عن حقيقة خالد: ما هو خالد؟ يقال: هو حيوان. وبالنسبة لله تعالى لا يمكن أن نسأل عن حقيقته وجنسه؛ لأنّه ليس نوعًا يشترك مع أنواع اخرى تشابهه في حقيقةٍ معينة؛ فــلو كان له تعالى جنسٌ لكانت له سبحانه حقيقة مشـتركة بينه وبين الموجودات، فالتالي باطل والمقدم مثله بالبطلان. - بيـان الملازمة: لو كان هناك موجود له حقيقة واجبية الوجود لوجب أن يشترك مع الله تعالى في هذه الحقيقة، فيكون ذلك الموجود وجوده نابع من ذاته، وأدلة التوحيد تنفي وجود واجب وجود ثانٍ كما ذُكر في محله. 2- والمراد من الفصل: "جزء من مفهوم الماهية ولکنه الجزء المختص بها الذي يميزها عن جميع ما عداها"(7). فالإنسان مثلاً له فصل يميزه عن غيره من الموجودات التي تشترك معه في حقيقة الحيوانية؛ فالإنسان حيوان، والحصان حيوان، لكن بالفصل يميّز الإنسان، فحينما نسأل: ما هو الإنسان؟ نقول: حيوان ناطق. وحينما نسأل: ما هو الحصان؟ يقال: حيوانٌ صاهل. والله سبحانه ليس له حقيقة يشترك بها مع الموجودات حتى نقول: إنه لابدّ له من فصل يميزه عما يشاركه حقيقةٍ ما، فاذا انتفى الجنس عنه انتفى الفصل من باب أولى. إذاً الحدّ التعريفي بــقسميه ممتنع على الله تعالى. *أمّا الحد الزماني والمكاني فممتنعٌ عليه تعالى أيضًا. فالحد الزماني: وهو أن يكون الله تعالى موجودًا في زمنٍ دون آخر، فممتنع؛ بمقتضى الآية الكريمة: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِر وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم}(8). والحد المكاني: وهو أن يكون الله تعالى موجودًا في مكانٍ دون آخر، فممتنع؛ بمقتضى الآية الكريمة: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير}(9). على أن الحد الزماني والمكاني يلازم المادة، وبالتالي التركيب، وأدلة التوحيد تنفي المادة والتركيب عن واجب الوجود جل وعلا. نكتة ملكوتية: إنّ المتأمل في الآيتين اللتين تنفيان إحاطة الزمان والمكان بالله تعالى، يجد أنهما أشارتا إلى أنّه تعالى هـو المُحيط بها بـــعلمه؛ فالآية الاولى قالت: {وهو بــكل شيءٍ عـــليم}، والآية الثانية قالت: {والله بما تعملون بـــصير} وصفة البصر لله تعالى ليست بالعين الجارحة التي نبصر بها نحن المخلوقين، بـل كونه بصيرًا هو بمعنى أنه تعالى عالم بالمبصِرات والمبصَرات، فبعلمه أحاط بكل شيء زمانيًا ومكانيًا.... *وقوله (عليه السلام): "ولا يوصف" عطفٌ منه بالحكم بتنزيه الله تعالى عن أن يكون له وصف إمكاني، كما تنزّه عن أن يكون له حد. فالوصف الإمكاني ممتنع عليه سبحانه؛ لأنه لم ولن تره العين حتى تصفه، وإلاّ كان تخيّلاً أو توهمًا، والحال أنّ جميع ذلك باطل. فكيف تصف الألسن شيئاً لم تره؟! •مثال توضيحي يدل على امتناع وصف الله تعالى: لو طلب منك أحد أن تصف له روحك، فلابد أن تراها أولاً ثم تصفها له، وحيث إنك لم تر الروح فإنك عاجز عن وصفها. فهكذا الكلام حول الله عزّ وجل. فالإمام الهادي (عليه السلام) نفى الوصفية -رؤيةً وتوهمًا-عن الله تعالى انتهاجًا منه لعقيدة أجداده (عليهم السلام)؛ حيث روي "عن أبي هاشم الجعفري، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: سألته عن الله عز وجل هل يوصف؟ فقال: أما تقرأ القرآن؟! قلت: بلى. قال: أما تقرأ قوله عز وجل: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار)؟ قلت: بلى. قال: فتعرفون الأبصار؟ قلت: بلى. قال: وما هي؟ قلت: أبصار العيون. فقال: إن أوهام القلوب أكثر من أبصار العيون فهو لا تدركه الأوهام وهو يدرك الأوهام"(10). *وقوله (عليه السلام): "ولا يشبهه شيء وليس كمثله شيء" تنزيه لله تعالى عن الشبيه باستعمال (لا النافية)، ثم (ليس)، ولعله تأكيد منه على نفي الشبيه عن الله سبحانه. *وقوله (عليه السلام): "وهو السميع البصير" إشارة منه إلى نكتة مهمة جداً وهي: حيث إن صفتي السميع البصير عند الله تعالى هي عـــلمه بالمسموعات والمبصرات، فهذا ما يكشف عن حياطته سبحانه بالمحدودات والموصوفات والمتشابهات، مخلوقاته الممكنات، لا أن تحيط هي به؛ فالمحاط لا يحيط بالمحيط؛ بل المحيط يحيط بالمحاط. فالإمام الهادي (عليه السلام) بتلك المفردات أفهم ما يعزّ على عالمٍ افهامه، وما يصعب على أهل البلاغة بيانه. _________________________ (1) الكافي: للشيخ الكليني، ج1، باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالى، ح5. (2) التوحيد: للشيخ الصدوق، باب معنى سبحان الله، ح3. (3) راجع الحاشية: ص50، وشرح الشمسية: ص78، وشرح المنظومة: ص30، وشرح المطالع: ص 100، والجوهر النضيد ، ص 194_188، 164، والإشارات وشرحه: ص95. (4) منطق المظفر: ج1، ص117. (5) المصدر نفسه، ص118. (6) المصدر نفسه، ص87. (7) المصدر نفسه، ص88. (8) الحديد:3. (9) الحديد: 4. (10) التوحيد: ب8، ح10. وسلامٌ على الولي الناصح، والطريق الواضح، والنجم اللائح، عليّ بن محمد الهادي ورحمة الله وبركاته.

اخرى
منذ سنتين
3680

رجل في حضرة إمام القلوب وهاديها...

بقلم: فاطمة الركابي كان هناك رجل من اصفهان فقير الحال، ذا لسان كثير اللجاج، وذا جرأة لا يَهاب، فقدرت له الاقدار أن يُخرجه أهل مدينته على أثر ذلك من دياره في سنة من سني حياته، وقد أوقفته الاقدار في باب من ابواب من هم أشد أذى وطغيانًا، في باب طاغية زمانه المتوكل، ولكن كان يومها قد وقف وقفة المتظلمين الذين اتوا ليبدوا شكواهم إليه! وهكذا مرت أيام وهو لا زال على ذلك الباب واقفاً، فليس غريباً أن يطول وقوفه هناك، فقد أخطأ المقصد، وغفل عن الباب الذي عليه ان يَطرق، واليه يَلجأ. بلى! مَمن مِنهم تُطلب المطالب، وبهم الى الرب تكون المقاصد، بل هم من يَقصدون المحتاج قبل أن يَقصدهم، ويُعطون قبل أن يَسألهم المعوز. وبينما هو على هذا الحال واقفاً، وقفة الذليل على باب من هو في الذلة مرتكز، وبطغيانه لم يَكن بالله متوكلًا ومعتزًا، وإن كان اسمه المتوكل! إذ جاء مَن عِزة الله فيه قد تجلت، إذ خرج الأمر بإحضار علي بن محمد بن الرضا (عليه السلام)، فقال هذا الرجل لبعض من حضـر: من هذا الرجل الذي قد أُمر بإحضاره؟ فقيل: هذا رجل علوي تقول الرافضة بإمامته، ثم قال: ويقدر أن المتوكل يحضره للقتل! هنا يبدوا أن ذكر الإمام الهادي (عليه السلام) قد أوقد مصباح قلب ذلك الرجل المفتقر للنور قبل المال! حيث يُقال: إن الله تعالى لا يُخلي قلب أحد من نافذة ليَنفذ منها شعاع نوره متى ما حضر حامله ليُضيء لأمثال هؤلاء بعد أن عاشوا ظلمات الدنيا الغرور، بلى أنه ربنا صاحب اللطف الخفي، والرحمة التي وسعت كل شيء. وفي هذه اللحظات التي وصل شيء من شعاع نور الامام (عليه السلام) لقلبه -حصل الاتصال- فقال في نفسه: لا أبرح من ههنا حتى أنظر إلى هذا الرجل أي رجل هو؟ فرأى الامام حيث: أقبل راكباً على فرس، وقد قام الناس يمنة الطريق ويسرتها صفين ينظرون إليه - وعندها بلغ الوصل – حتى وقع حب الامام في قلبه، فأصبح يلهج بالدعاء اليه؛ بأن يدفع اللـه عنه شر المتوكل، كيف لا! أوليس هو وجه الله تعالى ونوره الهادي النقي؟! وهكذا أقبل الامام يَسير بين الناس وهو ينظر إلى عُرف دابته لا ينظر يمنة ولا يسرة، وهو لا يزال مداوماً على الدعاء، فلما صار إليَّه أقبل الامام بوجهه إليَّه، وقال : استجاب اللـه دعاءك، وطَوّل عمرك ، وكثر مالك وولدك! نعم! هكذا قصده الامام قبل أن يقصده، وسمع مبتغاه قبل أن تنطق شفتاه، لأنه باب الله الذي لا يُغلق، وإمام القلوب الذي ما دخل حبه فيها حتى استغنت، ونالت العزة، عندها أخذته هيبة إمامه وشغله بهاه، وأخجله كرمه وتلطفه وحنانه، فأرتعد ووقع بين أصحابه فسألوه وهم يقولون: "ما شأنك ؟ فقال: خيرًا... وأسرّ الامر في نفسه وكأنه كان يُردد في نفسه: بل كل الخير، فقد نال نظرة ممن هو أصل كل خير. وهكذا قُدر له أن يكون مخرجه بتلك الصفة من مدينته سبباً لبلوغه لهدايته، وتغير حاله الى أحسن حالة، فقد اهتدى لإمام زمانه، ووجّه بوصلة قلبه نحو السبيل الذي فيه حصول ثباته، وتزود نوراً وعزاً ليَسير فيه بدنياه، وليُنير به ظلمة أخراه. وبهذا اليقين وهذه البصيرة أنصرف إلى أصفهان، ففتح اللـه عليّه وجوهاً من المال، حتى أنه كان يصف حاله أنه باليوم يغلق بابه على ما قيمته ألف ألف درهم،...، ورزق عشرة من الأولاد، وقد بلغ من عمره نيفاً وسبعين سنة وهو يقول بإمامة امامنا الهادي الذي علم ما في قلبه، واستجاب اللـه دعاءه فيه وإليه.. (١). ______________________ (1) بحار الانوار: ج49، ص( 141 - 142).

اخرى
منذ سنتين
1886

مذكراتُ كأسِ الخليفة!

بقلم: عبير المنظور شفاف أنا كقطرات الندى، وجميل المنظر وجيد الصنع، مما جعلني المفضل لدى مَلِكٍ ادّعى لنفسه أنّه خليفة المسلمين، يجالسني دائماً ويشاركني لحظات فرحه ومرحه، كنت أسقيه وأرويه كثيراً، وكان نهماً لا يرتوي من شراب أسقيه إياه، كنت لا أفارق يده ابداً حتى انه كان ينام وهو ممسك بيدي! يا لَسعادتي الغامرة، فأنا من ندماء الملك وسمّاره المقربين، والذي لا يتخلى عني أبداً. كان يحبني ويرشفني كثيراً وكنت أحبه ايضاً، ولملازمتي إياه عرفت كثيراً من أسراره وجميع ما يدور حوله، ما يفكر، ما يقرر، كل شيء حتى أنفاسه بتُّ أستطيع عدها. وفي يوم من أيام ملازمتي له، غضب من أحد أعدائه، وكان يبغضه كثيراً ويحاول أن ينقص من قدره مهما استطاع الى ذلك سبيلاً، وكان يتحيّن له الفرص أو يلفّق له بعض التهم لأذيته وأذية أصحابه ومن والاه وقتلهم بأبشع الطرق لمجرد شكّه أنهم من أتباعه، حقيقة لم أكن أعرف شخص عدوه ولكنني كنت أسمع حديث الملك عنه، بأن هذا الرجل ينازعه ملكه على عرش قلوب الناس وكرسي خلافتهم، كنت أسمع ذمه من خلال الجنود الأتراك الذين استولوا على سدّة الحكم، وباتوا متحكّمين في كل مفاصل الدولة، حتى سمعتُ الملك ذات مرة وهو يستشيط غضباً بأن يحضروا له عدوه على الحال الذي يجدونه عليه؛ لأنه يدبر له المكائد والمؤامرات، وأنه يجمع المال والسلاح في بيته ليثور ضده... وانتظرت وصول عدوه لأراه عن قرب، من هذا الذي يشغل بال الملك ويمنعه من الرقاد؟ وبينما كان الملك في مجلس لهوه يحملني ويشرب بي الخمر، واذا بجماعة من الرجال يخبرونه بوصول عدوه وأنه وجدوه في بيته جالساً على الرمل والحصى يتلو القران وأنهم لم يجدوا في بيته غير مصحف القران، فأذن له بالدخول... مرّتْ لحظات وكأنها ساعات عليّ لأرى من يكون هذا الرجل، جاؤوا به، رمقته من بعيد فاضطربت أحوالي وتسارعتْ نبضات فؤادي! فلم أجد الصورة التي كنت أرسمها له في مخيلتي، وجدته رجلاً عليه سيماء الصالحين، بهيّ الطلعة، تشع الأنوار من محيّاه الكريم إضافة إلى دقة وبلاغة منطقه، وكان يلبس مدرعة من صوف، احترت في أمره، ترى أي رجل يكون؟ وأي سر يجذبني إليه؟ قطعَ صوت الملك سلسلة أفكاري الشاردة حينما أمره أن يشرب الخمر، ولكن الرجل امتنع عن ذلك قائلاً: (وَاللهِ مَا خَامَرَ لَحْمِي ‌وَدَمِي قَط ، فَاعْفِنِي) فأعفاه، ثم أمره أن ينشده شعراً فقال: (أنا قليل الرواية للشعر)، فأرغمه الملك على ذلك، فقام الرجل وسط ذلك المجلس بكل هيبة وإجلال قائلاً: باتوا على قللِ الاجبـال تحرسُهـم *** غُلْبُ الرجالِ فلم تنفعهمُ القُلـلُ و استنزلوا بعد عزّ عـن معاقلهـم *** و أودعوا حفراً يا بئس مـا نزلـوا ناداهمُ صارخٌ من بعد مـا قبـروا *** أين الاسرّةُ و التيجـانُ و الحلـلُ أين الوجوه التـي كانـتْ منعمـةً *** من دونها تُضربُ الأستارُ و الكللُ فافصـحَ القبـرُ عنهم حيـن ساءلـهـم *** تلك الوجوه عليهـا الـدودُ يقتتـلُ قد طالما أكلوا دهراً و ما شربـوا *** فأصبحوا بعد طول الأكلِ قد أكلوا كنتُ أستمع مدهوشاً لبلاغة ذلك الرجل وفصاحته، شعر وعظ به الملك اللاهي العابث بأبيات تتكلم عن غرور الحكام الظالمين وتغطرسهم في مجلس الملك وفي نشوة سكره... هنا حلّ صمت مطبق على الجميع ،وكأن على رؤوسهم الطير، لا أعلم ان كان للاعتبار من الموت أو للتفكير في مصير هذا الرجل الصالح بعد هذه الموعظة... وانا كنت أفكر بالأمرين معاً، حتى قطع هذا الصمت بكاء الخليفة المتوكل، والرجل لا زال يكمل أبياته : و طالما عمّـروا دوراً لتُحصنهـم *** ففارقوا الدورَ و الأهلينَ و ارتحلوا و طالما كنزوا الأموال و ادّخروا *** فخلّفوها على الأعـداء و انتقلـوا أضحت منازلُهـم قفـراً معطلـةً *** و ساكنوها الى الاجداث قد رحلوا سـل الخليفـةَ إذ وافـت منيتـهُ *** أين الحماة و أين الخيلُ و الخـولُ اين الرماةُ أمـا تُحمـى بأسهمِهـمْ لمّا أتتـك سهـامُ المـوتِ تنتقـلُ أين الكماةُ أما حاموا أما اغتضبوا *** أين الجيوش التي تُحمى بها الدولُ هيهات ما نفعوا شيئاً و ما دفعـوا عنك المنية إن وافى بهـا الأجـلُ فكيف يرجو دوامَ العيش متصـلاً *** من روحه بجبالِ المـوتِ تتصـلُ لم أسمع سوى بكاء الخليفة وجميع الحاضرين، تساءلتُ في نفسي: بماذا سيعاقب الملك هذا الرجل؟ فقد تعلقت به كثيراً، فنظرتُ للملك الذي ابتلّتْ لحيته من الدموع وأمر بإطلاق سراح الرجل، ثم نظر إليّ نظرة غريبة ورماني على الارض وبقي يومه متعكر المزاج... ومنذ تلك اللحظة بتُّ أكره الملك وتعلّقتُ بالرجل الذي كان يدعى: الإمام علي الهادي إمام الرافضة... لحظة قلبت الموازين عندي أنا الجماد، فكيف بالبشر؟! كنت أتمنى أن يرميني الملك فعلاً وأبتعد عن لعبه ولهوه، لم أكن أعرف ان هناك من يمتلك هذا النور الساطع والهيمنة على القلوب والارواح على البشر والجمادات، عرفت حينها ان لهذا الرجل سرًا مع الله، وانتظرتُ عقاب الله للمتوكل على ما فعله من انتقاص لقدر هذا الرجل المقدس والتنكيل بشيعته، ولم يطلْ انتظاري كثيراً حتى رأيت ذلك اليوم بعيني، كنتُ حينها بيد الملك [الخليفة] المتوكل في مجلس لهو وسكر كالعادة مع وزيره الفتح بن خاقان وعساكر الاتراك يحيطون به من كل جانب لحمايته، واذا بابن الملك: المنتصر بالله، وبالتآمر مع بعض القادة الاتراك دخلوا عنوة وقتلوا المتوكل والفتح بن خاقان وتناوشوهما بسيوفهم، فسقطتُ من يد المتوكل وتحرّرتُ من كابوسه المرعب، ولكنني بدأت بالتهشّم من جميع أجزائي وأحسستُ بقرب أجلي فتذكرتُ موعظة الامام علي الهادي (عليه السلام) في هذا المجلس قبل فترة وكم أثرّتْ موعظته فيّ أنا كأس الخليفة... وعجبتُ لقلوب هؤلاء البشر كيف لم تتأثر بأنوار ذلك الرجل العظيم؟!

اخرى
منذ سنتين
2909

من مواعظ الإمام الهادي (عليه السلام): شُكر النِعَم

بقلم: أم قنوت يقول الله في كتابه الحكيم: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) (١) ويروى عن الإمام أبي الحسن علي بن محمد الهادي (عليه السلام) قوله: "ألقوا النعم بحسن مجاورتها، والتمسوا الزيادة فيها بالشكر عليها.." (٢). الشكر: هو تصوّر النعمة وإظهارها، وهو ثلاثة أضرب: شكرٌ بالقلب؛ وهو تصور النعمة، وشكرُ اللسان؛ وهو الثناء على المُنعِم، وشكرٌ بسائر الجوارح؛ وهو مكافأة النعمة بقدر استحقاقها (٣) والشكرُ نفسه نعمةٌ من الله تستحق الشكر، فقد روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) قوله:" قال الله عز وجل لموسى بن عمران (عليه السلام): يا موسى، أشكرني حق شكري، قال: يارب كيف أشكرك حق شكرك والنعمة منك والشكر عليها نعمة منك؟ فقال الله تبارك وتعالى: إذا عرفت أن ذلك مني فقد شكرتني حق شكري" (٤). لماذا نشكر الله؟ يبدو جواب هذا السؤال بديهيّاً، فهو الخالق المُنعم الكريم الذي خلقنا في أحسن تقويم، والذي أنعم علينا بالصحة والرزق، و..، وغيرها من نِعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، والتي أصبحت جزءاً من حياتنا اعتدنا وجودها وبتنا لا نشعر بأهميتها البالغة، بينما يتمناها من حُرِمَ منها ولم يذق طعم حلاوتها، فالله سبحانه وتعالى مستحقٌ للشكر لا فقط لما نلمسه ونحسه من النعم، بل على ما جنَّبنا من بلاءٍ يقاسيه و يعيش الغير آلامه. سنستشهد في السطور القادمة ببعض الأجزاء من دعاءٍ عظيم المنزلة وهو دعاء الجوشن الصغير، حيث ينبهنا هذا الدعاء لعددٍ من البلاءات التي تمر على البشر، لنبقى دائماً "لنعمائه من الشاكرين ولِآلائِه من الذاكرين" فمن رحمة الله بنا أن جعلنا متنعمين بالعطايا وأن رفع عنّا البلايا، فكم مِن مرة قد ردّ الله جل وعلا عنّا شراً من "عدوٍ أضمر المكروه، و باغٍ نصب أشراك مصائده، وحاسدٍ شَرِقَ بحسرته" بلا حول منّا ولا قوة، بل بتدبيره العظيم الخفي؟ وأنعم علينا بالأمان بينما غيرنا "خائفٌ مرعوب، هاربٌ طريد، ينظرُ إلى ما تقشعّر منه الجلود، وتفزع له القلوب"؟ ووهبنا الصحة والسلامة بينما يصبح ويمسي غيرنا" سقيماً موجعاً في أنّةٍ وعويل، عليلاً مريضاً سقيماً"؟ و رزقنا الاستقرار والسكينة والأمن بينما يعاني من اجتاحته "عواصف الرياح والأهوال والأمواج" الخوف والذعر والهلع؟ ومنحنا الحرية بينما يقاسي المظلومون " مضائق الحبوس والسجون وكُرَبِها" فيحتملون "ضراً من العيش، وضنكاً من الحياة" ونحن في " خلوٍ من ذلك كله" بلا إحسان منّا بل "بجود الله وكرمه".. فكيف لا نشكره وهو مَنْ منَّ علينا بالنِعم و جنّبنا المصائب؟ ولكن كيف نشكر الخالق العظيم فنوفيه حق الشكر؟ خاصةً ونحن نناجي الله بما ناجى به الإمام زين العابدين (عليه السلام) ونقول: "فكيف لي بتحصيل الشكر، وشكري إياك يفتقر الى شكر"؟ (٥) و كيف حصلَ النبي نوح (عليه السلام) على لقب: عبدٌ شكورٌ؟ تأتي الإجابة من أبي عبد الله حيث روي عنه (عليه السلام): "إذا أصبحت و أمسيت فقل عشر مرات، (اللهم ما أصبحت بي من نعمة أو عافية من دين و دنيا فمنك وحدك لا شريك لك، لك الحمد ولك الشكر بها علي حتى ترضا وبعد الرضا) فإنك إذا قلت ذلك كنت قد أديت شكر ما أنعم الله به عليك في ذلك اليوم وفي تلك الليلة" (٦) وقال: "كان نوح عليه السلام يقول ذلك إذا أصبح، فسمي بذلك عبداً شكوراً" (٧). _____________________ ١- سورة الإسراء، آية 3. ٢- بحار الأنوار، الجزء ٧٥. ٣- بحار الأنوار، الجزء68، الباب 61. ٤- مشكاة الأنوار في غرر الأخبار، الطبرسي، الفصل السادس، في الشكر. ٥- مناجاة الشاكرين، الصحيفة السجادية. ٦- الأصول من الكافي، الجزء 2، باب حسن الخلق. ٧- نفس المصدر السابق.

اخرى
منذ سنتين
11097

رمزٌ لامرأة نصرت حسين عصرها

بقلم: حنان الزيرجاوي لقد كانت ومازالت قصة الحسين (عليه السلام) هي القصة الكونية التي ملأت العالم عبرات، وملأت العالم أفكارًا، وملأت العالم مشاعر، وملأت العالم محبة وإنسانية، ولو تتبعنا مسيرة الإمام الحسين (عليه السلام) في نهضته العظيمة منذ خروجه من مدينة جده (صلى الله عليه وآله) إلى استشهاده في كربلاء لوجدناها تفيض عطاءً وعظمة، فإضافة إلى مشروعية الثورة التي اتخذها (عليه السلام) منطلقاً لرفع راية الرفض بوجه السلطة الأموية المستبدة، فقد مثّل في مواجهته قوى البغي والاستبداد أعظم مبادئ الإسلام في الوقوف بوجه الباطل ومجابهته مجسّداً قول النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله): (أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر). ومن جميل التضحية وجمال الإقدام للاستشهاد بين يدي ابن بنت النبي (صلى الله عليه واله) أن الجميع نذر نفسه فداء (من طفلٍ رضيع، إلى شيخٍ كبير، إلى نساء مخدرات في خيمٍ محترقات)، وكأن لسان الحال يقول له (عليه السلام): سيدي، الرجال يريدون نصرتك، والنساء تريد نصرتك، والعبيد يريدون نصرتك، والأطفال يريدون نصرتك... كما جسد أصحاب الحسين (عليه السلام) وأهل بيته في نهضته الروح النبوية والأخلاق المحمدية السمحاء، فكان الحسين عظيماً في كل حركاته وسكناته كما كان عظيماً في جميع أقواله وأفعاله. (كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء)، مقولة لطالما سمعنا ونسمع بها، وبوجه خاصّ، مع ذكرى استشهاد الإمام الحسين(عليه السلام)، وأهل بيته وأصحابه، وهي تعبّر عن استمرار الثورة الحسينيّة بكلّ مفاعيلها عبر العصور، واستمرار نتائجها في خلق جيل نهضويّ تغييريّ يواجه الظّلم، ويجعل من مختلف ساحات الحياة ميادين للجهاد، من أجل تثبيت دعائم الإسلام، وتكريس خطِّ الله وإعلاء كلمته، فكل شخص أين ما يكون موقعه وموقفه فهو بين أصحاب الحسين (عليه السلام) وجيش يزيد (عليه اللعنة) "إني أخير نفسي بين الجنة والنار" فرب البيت هو بين أن يطعم عائلته لقمة حلال فيكون ممن نصر الحسين (عليه السلام)، أو يطعمهم الحرام فيكون ممن أعان على قتل الحسين (عليه السلام). وصاحب الوظيفة بين أخذ الرشوة فيكون ممن خذل الحسين (عليه السلام)، وبين رفضها فيكون ممن أغاث الحسين (عليه السلام). فكل مكان كربلاء، وكل يوم يمر عليك هو عاشوراء بفكرها ومنهجها ومشاعرها. وممن نصر الحسين (عليه السلام) في عصرنا الحالي النساء اللواتي قام بإعدامهن النظام الظالم ولم تكن هذه النساء اللائي اعدمن نساء بسيطات، بل كُنّ نخبة النساء في المجتمع في الأخلاق والعلم والجهاد والتضحية والزهد والورع والتقوى، كانت غيرتهن على الإسلام والمجتمع أفضل من غيرة الكثير من الرجال في وقت قلّ الناصر للإسلام، فكُنّ كطوعة في نصرتها لمسلم بن عقيل بعد ان خذله المتخاذلون. لقد ضحّينَ بكل ما يملكْنَ وهُنّ نساء من أجل الإسلام ومن أجل إقامة مجتمع مؤمن مسلم متكامل. وفي مقدمة هذه النساء الشهيدات الزينبيات الرساليات وقدوتهن في الشهادة العالمة الفاضلة الشهيدة آمنة الملقبة ببنت الهدى، التي قتلها يزيد العصر ، لأنها أرادت إعلاء كلمة الحق بأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، فكانت (رضوان الله تعالى عليها) مثالًا يحتذى به، ونورًا يضيء درب المتلهفات على حب الحسين (عليه السلام)، فقد نصرت الحسين (عليه السلام) بعفتها، وعلمها، وتأليفها، وتاريخها المفعم بنور الإيمان، والمكرس بذكر الديان. وقد كانت زهرة نضرة، تقطر ذكاء وقدرة على التعلم، اهتم بها أخواها، وعلّماها النحو والمنطق، والفقه والأصول.. في البيت، وبالرغم من أنها لم تذهب إلى المدارس الرسمية، إلاّ أنها اظهرت ميلاً ورغبة قوية في أن تنهل من الكتب والمطبوعات، فكانت تنفرد ساعات من النهار، في غرفتها، تغوص في أعماق الكتب ـ التي كانت أكثرها مستعارة من معارفها وزميلاتها ـ لتروي ظمأها إلى المعرفة، وتلهفها للثقافة. نذرت نفسها لله تعالى وللإسلام والتي كانت تقول (أي قيمة للإنسان إذا لم يكن عمره لله والإسلام). عطاء هذه النساء المؤمنات العفيفات الرساليات ومواقفهن التي تشابه مواقف الحوراء زينب (عليها السلام)، عندما تقول (ما رأيت إلا جميلا)، كان موقفهن وهن يستقبلن الموت والإعدام كمن تزف إلى عرسها، إن مواقف النساء اللواتي يقفن هذه المواقف ويتعطر الآخرون بسيرتهن يندر وجودهن. فهنيئاً لمن نصرت الحسين (عليه السلام)، بكلمة، أو بدمعة، أو بإقامة مأتم، لكي يكون فعلها هو صوتها الذي يقول لبيك يا أبا عبد الله الحسين. فما أعظمك يا سيد الشهداء؟ وما أروع مواقفك؟ وما أجلّ ثورتك التي تعلمنا كل يوم درساً متجدداً. فسلام على روحك العظيمة، وسلام على نفسك الزكية، وسلام على دمك الطاهر، وسلام على خلقك النبوي العظيم ورحمة الله وبركاته.

اخرى
منذ سنتين
2936

التربية بين الماضي والحاضر

بقلم: قاسم المشرفاوي سنوات تمضي، تمضي معها الأيام بحلوها ومرها وبفرحها وحزنها، سرعان ما ترحل تلك الأيام تاركة وراءها الذكريات بشقيها الجميلة والمؤلمة، تتذكر كل مواقفك التي كانت مع زوجتك، أولادك، بناتك، جيرانك، وأهلك وأقربائك وكل من تحدثت معه وترك أثرًا جميلًا فيك، سنوات رحلت بسرعة وسنوات نعيشها الآن تحمل بين طياتها أشياءً نجهلها ولكن نسعى فيها طالبين التوفيق من الله تعالى، بين الماضي البسيط والحاضر المختلف في تركيبه تمامًا، فقديمًا كانت الحياة تحمل جمالًا ورونقًا يتمثل ببساطتها بكل جوانبها واتجاهاتها. في الماضي كان الآباء والأمهات يتعاملون مع أبنائهم بمعرفتهم البسيطة، فالزمن في الماضي يخلو من التعقيد والتشابك الذي نشهده اليوم، فالماضي يخلو من مثيرات اليوم ومغرياته... التربية اليوم لا تخلو من الصعوبة والمشقة بسبب كثيرة الفتن والانفلات الاجتماعي الذي حدث بسبب الاستخدام الخاطئ للتكنلوجيا وسوء إدارة الاسرة وإهمالها من قبل الأبوين، فالدور الذي يقوم به الكثير من الآباء هو دور ضعيف يقتصر على توفير الخدمات الفندقية فقط دون العناية بالجانب الروحي للطفل، وهذا ما يسبب تفكّك الروابط الأسرية بسبب غياب الترابط الروحي والنفسي بين الأبوين والأبناء. قديمًا كان الأطفال يمارسون اللعب بكرة القدم أو يمارسون السباحة أو بعض الألعاب البسيطة التي كانت سائدة في تلك الفترة، فلا وجود لعالم معقد يحتوي الحسن والسيء كما نشاهده الآن في الانترنت، فوجود فرص تساعد على انحراف الأبناء قليلة لقلة وسائل الفساد كالتلفاز والانترنت وما يحتويه من أساليب شيطانية كثيرة تتطلب الوعي والمعرفة من الكبار قبل الصغار. وبعد اطلاع الشباب المسلم على معتقدات الغرب تأثر بشكل كبير في ظواهره السلبية كالميوعة والدلع لدى الفتيان والذي يعد شذوذا على الطبيعة البشرية، إذ نرى البعض من الشباب يحاول تقليد الفتيات في لبسها ومشيتها وتسريحة شعرها! وما هذا إلّا ردة فعل للتحول والتجديد الذي أثارته بعض الدول في جواز اعتناق ما تؤمن به ولو كان مخالفًا للذوق العام. لذلك تطلّب من الأهل بذل مزيد من الجهود في تربية الأبناء من أجل المحافظة عليهم وبناء القيم الأخلاقية وغرسها في نفوسهم منذ الصغر. يحتاج الآباء والأمهات إلى التعاون والتكاتف والتعاضد من أجل النهوض بالأسرة إلى بر الأمان، فالفتن كثيرة جدًا وعلى الأهل الانتباه والحذر الشديد من أجل تحصين أبنائهم وصيانتهم من الانزلاق نحو الهاوية. وقد نُسب إلى مولانا الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) حديث تربوي يتناسب مع هذا الشأن حيث قال: "لا تقصروا أبناءكم على آدابكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم" فالآداب يمكن أن تتغير من زمن لآخر، فالملابس وأسلوب الأكل اختلف عن السابق، فلا يمكن أن أمنع ابني من لبس البنطلون الآن أو أمنعه من الأكل بملعقة مادامت هذه الآداب تتماشي مع الشريعة، فالوضع يتطلب أن أسير مع التطور الحاصل مع مراعاة الحفاظ على هويتنا الإسلامية. ويمكن أن نلخص ما يلزم على الأبوين في زمننا الحاضر أن يفعلوه: ١- أن يطوروا من مهاراتهم التربوية وفقًا لتطور الوضع وتقدم التكنلوجيا. ٢- أن يضعوا قوانين واضحة ومحددة ومختصرة للبيت يمكن تطبيقها من قبل الأولاد، على أن يتم تعليقها في مكان يكون أمام نواظرهم لكي لا يتم نسيانها وأن تتم المعاملة مع الموضوع بحزم وبدون تراخي. ٣- أن يلتزم الوالدان بتلك القوانين أولًا، فلا يمكن أن نطالب الطفل بالالتزام بها ونحن الكبار لا نلتزم بها، فالطفل يتأثر بأفعال الوالدين قبل كلامهم. ٤- أن تكون هنالك مرونة في التعامل مع الأبناء يُسمح بها في الأخطاء البسيطة لكي نعلم الأطفال التسامح. ٥- بخصوص الإنترنت والشبكة العنكبوتية فيجب أن نضع جدولًا محددًا للاستخدام وأن يتم أطفاء الشبكة قبل النوم وفي وقت محدد ومناسب وبدون تراخي ولا يسمح للاستخدام اطلاقًا بعد هذه الساعة. ٦- أن تكون علاقتنا مع أبنائنا وفق الاحترام المتبادل وأن نعلمهم بعض الذوقيات التي أمرنا بها ديننا الحنيف كآداب الطعام وآداب الحديث وآداب المشي وآداب اللبس وغيرها من الذوقيات الاجتماعية.

اخرى
منذ سنتين
10862

مَنْ بيد مَن؟!

بقلم: أم عبد الله ثقافة القتل، منهج العنف، عالم وهمي، صراعات، ضياع هوية، عقول منوّمة، فراغ مزدحم بالنّار، فوضى منظّمة، أسرة يقتل بعضها البعض، مجتمع تائه بين مسارات لعبة! شباب تهرب للسلاح الوهمي لتثبت لذاتها أنها تمتلك الشجاعة. وتنسى أنها خسرت أول مواجهة حقيقية مع النفس! إلى عوائلنا الكريمة.. إلى مجتمعنا الكريم.. صحيح أن الحياة أحيانًا تحتاج للترفيه، ولكن أن نبرر انغماسنا التام في عالم إلكتروني ولعبة يقتل فيها الشاب الآخر أو الزوج زوجته! هذا منافٍ للعقل وبعيد عن الإنسانية وهدر لأغلى قيمة يمتلكها الإنسان وهي عمره... لا بأس حين تملّ القلوب أن يختار المرء ما يرّوح عنها لكن لا على حساب عمره وثوابته وقِيَمهِ المجتمعية... نحتاج حلولًا حقيقية لانتشال شبابنا وأُسرنا الكريمة من جهاز بحجم اليد ولُعبة صرنا لعبة بيدها! وهذه الحلول يتكاتف بها مجتمع كاملٌ من ربّ أسرة ومدير مدرسة وصاحب مقهى وشيخ عشيرة وأُم ثم أُم ثم أُم... فراغنا الروحي تصدّر أزمات العمر وضيّعنا العمر العزيز بترهات العقل أو الجهل الجمعي...!! ونحن بأمس الحاجة الآن أن نعرف متى نحمل السلاح ومن نقاتل وكيف نقاتل! وشتّان بين سلاح الأنبياء وسلاح شاب مكتوب في هويتهِ أنه مسلم!

اخرى
منذ سنتين
1977

هَبَّةُ أسَفٍ

بقلم: أم قنوت هَبّة: أي صرعة جديدة يجري خلفها المرء بلا تعقّل. خليطُ الاختلافاتِ الذي تمر به المرأة منذ نعومة أظافرها الى قمة النضوج مروراً بأيام الصِبا، بات من الماضي في عالمنا المنفتح على الآخر عبر شبكات الإنترنت، وهنا لا يُلام الانفتاح، ولكن تُلام هي اللاهثة وراء أوهامه مُخلّفةً جُلّ مسؤولياتها وأحياناً عقلها معاً، فعصر التطور أدخلنا عالماً مبهماً مخادعاً عبر الهواتف، ولكن للإنصاف إنّ العلّةَ تكمن بالمُستَخدِم لا المُستَخدَم. إحداهن تسافرُ يومياً في رحلةٍ عبر طريقٍ ملتوٍ يمر بها في ذات المتاهة ويُرجعها لمحطة البداية، هي الراحلة بين صورة الانستغرام الى قصة السناب شات الى سطور الفيس بوك الى نقطة الانطلاق مرةً بعد مرة... مراقبةٌ رائعةٌ هي لهذه وتلك، وكأن يومها يدوم ابداً، لاهيةً عن مسؤولياتها وتكاليفها وتطوير ذاتها. أتبحثُ عن هَبّة؟ الهَبّة لا تكلفّها ذاك العناء، فصاحبات العروض المجانية يبعنها لمن يشتري، هي علاقةٌ ثنائية القطب تعيش فيها الأولى فراغاً داخلياً وتنعدم عندها القناعة فتدفع الثمن غالياً بحيث تصبح خصوصيتها وحياتها مشاعاً ضاربةً بعرض الحائط تعاليم الدين وقيم المجتمع، بينما تشتري فيها الاخرى الوهم وتبلع الطعم الذي ترميه لها صاحبة العروض فتنشغل بتوافه الأمور وتقصّر في حق ذاتها وفي حق الآخرين. إحداهّن التي تقرأ هذا المقال، أما آن الأوان أن تفرّي من تلك المصيدة؟، أما آن الأوان أن تركزي على ذاتك وتطوريها لتنهضي ببيتك ومجتمعك، هاتفكِ الذي بين يديكِ مملوءٌ بعالمٍ واسع، خذي منه تسعة فوائد واستمتعي بواحدة من عالم "الهَبّة" لتكتمل العشرة. لا أدعوكِ لمقاطعة أياً من المواقع التي تحبين، ولكن القليل من العقلانية كفيلٌ بقلب أسلوب حياتكِ رأساً على عَقِب، فكفى بكِ حزناً وحسرة بأن من تُرشدكِ الى الهَبّة متنعمةً بالمال الذي تنفقينه على أغراضكِ المتكوّمة، فأصنعي هبّتك، ورتبّي أولوياتك، ثم تابعي بلا أسَف. وأسَف: هي الحروف الأولى لبرامج التواصل الاجتماعي المذكورة في أول المقال. ابدئي من هنا كلما رحلتِ بذات القطار تذكري كلمة أسَف علّها تغير ذاك المسار اخلعي عنك الكسل وفتشي ذاتك باقتدار وإن يئستِ مرةً تضرعّي لله وأهل بيت رسوله الاطهار تجدين يد العون ممدودةً بعطاءٍ كالمطر يُلفت الانظار

اخرى
منذ سنتين
651

حماةٌ وكنّةٌ

بقلم: أم قنوت امرأتان في حياة رجلٍ واحد، وجودهما جوهري في رحلته نحو القمم، أو في بقائه على الهامش، الأولى أُمّه: أصلُه ومصنعُه، والثانية زوجتُه: نصفه الثاني ومسكنُه. أحد أهم الأدوار الأساسية للأم في حياة أولادها هو التوجيه، دينياً كان أو اجتماعياً أو أخلاقياً، فتستمر بالعطاء الى أن تصل بابنها الى سن النضوج وبرّ الامان، ليُكمل ما تبقى من عُمره مع امرأةٍ جديدة تُكمل المسيرة معه جنباً الى جنب. ليت الواقع مثالي ومُنمّق وصائب كهذه المقدمة، فبعض البيوت جحيمٌ أبدي تُسعر ناره إحدى المذكورتين وتنفخ فيها الأخرى، فيسعى الرجل بين هذه وتلك محاولاً الإخماد بلا جدوى، تدعّي كل منهما حبه، وتزعم أنها الباحثة عن راحته، حتى يصل ذلك المسكين إلى حافة الانهيار، فيتراجعا عندئذ، فلا يكاد ينفض عنه رماد النار القديمة إلّا واستعرت أُخرى. حربٌ بلا هدنة، فصولها متنوعة، غيرةٌ، وحقدٌ، وجهلٌ، وخاتمتها انتقام، إذا كان القصد الانتصار فتدبُّرٌ بسيط يُظهر أنّ المعركة تنتهي لصالح إحداهما ولكّن الحرب مستمرةٌ جولةً بعد جولة. أمٌ صبرت وربّت رجلاً تتمناه كل النساء وتحسدها عليه كل الامهات، لكن يتبخر كل ذلك في غمضة عين حال رؤية ابنها مع زوجته فتتغير كل مبادئها في سبيل الظفر به. زوجةٌ ناضجة تربّت على القيم والاخلاق فإذا بها ترمي ما تربّت عليه جانباً، فإن بدر من زوجها وصالٌ لأمه عاتبته: أنت مقصّرٌ معنا، وإن طلبت الحماة طلباً خفيفاً منها، فذاك أثقل من جبل، أما إذا تهور زوجها وفكر أن يبرّ أمه بمالٍ من رزقه فذلك يوم عسير كعسر قلبها. أيتها الحماة، كُنتِ كنَّةً يوماً ما. أيتها الكنَّة، ستصبحين حماةً يوماً ما. رفقاً بذاك الرجل المنهك، فقد تشتت عقله بتوافه الامور وأصبح مسجوناً في تلك الزاوية، فتنازلاتٌ بسيطةٌ كافية ليعّم الهدوء ويسود الحب، تطبيقاً لقول الله عز وجل﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ ثم ماذا عن مبدأ احترام الكبير والعطف على الصغير؟ لمَ لا يُطبّق في هذا البيت؟ وأين دهاء المرأة الذي تضج به الكتب؟ فطريق قلب الرجل يمر عبر حب واحترام الزوجة لأمه، وهل ينفع التذكير بعمر كليكما لترفق الحماة بزوجة ابنها وتعاملها بلين وعطف، بينما تتحمل الزوجة الصغيرة بعض المسؤولية عند تعاملها مع تلك الكبيرة في السن المريضة أكثر الاحيان؟ فطباعكِ طيّعة بينما تأصلّت طباعها. يروى عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: " إنما المرأة قلادةٌ فانظر ما تتقلّد، وليس لامرأةٍ خطرٌ، لا لصالحتهن ولا لطالحتهن: فأما صالحتهن فليس خطرها الذهب والفضة، هي خيرٌ من الذهب والفضة. وأما طالحتهن فليس خطرها التراب، التراب خيرٌ منها" (٢). رسالةٌ الى من يهمّها الأمر: لكِ الخيار بأن تكوني خيراً من الذهب والفضة أو دون التراب. ______________________ ١- معاني الأخبار، الشيخ الصدوق أبو جعفر محمد بن علي ابن بابويه القمي، ص١٤٤.

اخرى
منذ سنتين
1466

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
100854

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
97228

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ سنتين
54676

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
52394

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 3 سنوات
51597

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
50627