حنان الزيرجاوي

الرّباط المقدّس

حوار: حنان الزيرجاوي قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) رابطة الزواج تلك الرابطة الفطرية المقدسة التي يجب أن تبنى وفق مبادىء صحيحة لتكون ثمرتها المودة والألفة والرحمة نجدها أحيانًا تعصف بها عواصف اختلاف الآراء ووجهات النظر لترسوَ على ساحل المشاكل والصراعات التي تؤدي لانهيار تلك العلاقة المقدسة. نظرًا لأهمية الموضوع كان لنا حوار مع (الدكتور ابراهيم صفاء الصائغ) اختصاص الطب النفسي مدير مكتب الصحة النفسية في دائرة صحة ذي قار. حيث تم طرح بعض الأسئلة وكان متفضلًا بالإجابة عليها وهي: س- ماذا يمكننا أن نُطلق على المؤسسة الزوجية كتعريف؟ ج. تعريف الزواج: هو رباط مقدس بين الزوجين يبارك لهما الله تعالى فيه، ويبارك لهم المجتمع، وكل منهم يعيش لأجل رفاهية الآخر. يشاركه الحياة باختلاف وجوهها. بالنسبة للمرأة يعتبر تغييراً جذرياً كونها ستترك البيت الذي تربت فيه إلى بيت غريب مملوء بالمسؤوليات. أمّا بالنسبة للرجل فيعتبر أهم مشروع في حياته كي يثبت لنفسه وللآخرين قدرته على إدارة أموره وحسن قيادته للأسرة. س- ما هي المشاكل التي يُمكن أن تخرّب العلاقة بين الزوجين؟ ج. المشاكل التي يمكن أن تدمر العلاقة الزوجية كثيرة جدًا. فالفقر والمرض وعدم القدرة على الانجاب وتخلف أحد الشريكين عن تحمل مسؤولياته، وتدخل الأهل، كلها تدمر هذه العلاقة التي من المفترض أن تكون خاصة بالزوجين الناضجين والواعيين لتحمل المسؤولية. س- ما هو دور الزوجة عند وجود مشاكل لدى الزوج، إن كان في العمل أو في العائلة؟ ج. دور الزوجة التخفيف عن الزوج في حال مروره بصدمات، فالمعروف أنّ للزوج مسؤوليات كبيرة خارج وداخل البيت. يصطدم بالمجتمع ويكافح من أجل لقمة العيش. لذا فسماع كلمة طيبة من الزوجة سيساعده في أن يكون قويًّا. س_ في حال وجود خلاف بين الزوجين، هل من السليم إدخال أطراف أخرى للمساعدة في الحل أو إنها تفاقم الخلاف؟ ج- في حال وجود خلاف بين الزوجين يكون الأفضل عدم تدخل أي طرف وترك الحلول بيد الزوجين، لذا عليهما الاتفاق والتنازل والتفاهم. أمّا إذا لم يتفقا فالواجب تدخُل طرف محايد ومتزن وغايته الاصلاح من كلا أقارب الزوجين. س- في مثل ظروفنا الحاليّة، والحالة الاضطرارية للزوم المنزل، كيف يُمكن تفادي المشاكل التي تحصل بسبب اختلاف الآراء التي تنجم عن تدخّل الزوج بعمل المرأة في البيت؟ ج- في وقتنا هذا هناك وباء متفشي أجبر الرجل على البقاء في البيت وهذا يسبب تدخلات من الزوج في أعمال المنزل، فالأفضل أن تتحمل الزوجة زوجها وتعطيه مسؤوليات إضافية وتشغله بعمل منزلي مفيد لو كان يرغب في ذلك. س- هناك بعض الأزواج يُعانون من مشكلة عدم التعبير عن المشاعر اتّجاه الشريك، كيف يمكن حلّ هذه المشكلة أو ما هي الطرق المُساعدة لتخطّيها؟ ج- قد يواجه الزوجان مشكلة بعدم القدرة على البوح بمشاعره، وهذه تُعتبر معضلة لأن تبادل المشاعر هو ينبوع يديم حياة الزوجية، فيجب أن يتعلم الزوجان تبادل الكلمات الطيبة دوما. س- ما هي الحلول والأساليب التي يجب على الزوجين الالتفات لها لتكون حياتهما مستقرّة ومُنعكسة بشكل ايجابي على الأطفال؟ ج- يجب أن تكون العلاقة الزوجية متناغمة مع طموح الأطفال، فالأطفال مستقبل الأسرة ويجب أن ينشؤوا في بيئة مرتاحة. لذلك لا يجب أن يرى الأطفال والديهما وهما يتجادلان أو يصرخان على بعضهما، فالمشاكل يجب أن تحل داخل جدران غرفتهما. س- إذا كان هناك تبايُن بين الزوجين حول طرق التربية، بالطبع هذا سينعكس سلبًا على تربية الأطفال، من الذي عليه أن يُقدّم التنازلات لضمان سلامة الأطفال النفسية؟ ج- طرق التربية مختلفة لدى الزوجين وتنبع من الخلفية الثقافية لهما، وعلى كل طرف أن يُقدم ما يجيد أداءه. فالأم تقدم العطف والحب. والأب يُقدم الانضباط والهيبة. س- هل للفقر التأثير على السلامة النفسية للأسرة؟ أو بالعكس؟ ج-الفقر يعتبر عائقاً أمام الاستقرار الأسري لكن حدوثه وارد جدًا وأحيانًا يكون حتميًا، وعلى الزوجين أن يكونا قنوعين بما اعطتهم الدنيا ويستعيضا عن الغنى المادي بالغنى الأخلاقي. س- ما هي الأمور التي لا يجب أن يصارح فيها الزوج زوجته؟ ج-هناك أمور لا يجب أن نصارحها للشريك وهي المشاكل القابلة للحل، فنحن سنحلها مستقبلًا لذلك الأفضل أن لا نذكرها. س- إذا كان البيت الزوجي مشتركًا مع أهل الزوج أو الزوجة، ما هي الأساليب التي تساعد على تفادي المشاكل التي ممكن أن تحصل في هذه الحالة؟ وهل يمكننا السماح للجد والجدة بالتدخل في أمور التربية؟ ج- أحيانًا يضطر الزوجان للسكن بجوار أحد الأجداد، وهنا تحصل تدخلات كثيرة، ليس هناك من قانون للتعامل مع تدخلات الأهل، ونترك اتخاذ التدابير للزوجين كي يجدا حلًا وسطًا. س- إلى أيّ مدى يؤثّر إلغاء دور المرأة في بيتها على أدائها ونفسيتها داخل أسرتها؟ ج- لا يمكن الغاء دور المرأة في البيت لأنه ببساطة لن يعوضها أحد، فحنانها على الأطفال ورعايتها للزوج لن يعوضه أحد آخر، لكن في حال مرض الزوجة لا سمح الله تعالى على الرجل أن يكون البديل الأمثل، من خلال العناية بالطعام ورعاية الأطفال والاعتناء بالزوجة، فليس هناك قانون يمنع الزوج من مساعدة زوجته في الأمور البيتية والعكس صحيح أيضًا.

اخرى
منذ 3 أشهر
161

(الإحسان إلى الاموات وعلاقة الاحياء بهم) ح/1

بقلم: حنان الزيرجاوي كم من عزيز يُفارقُنا في هذه الحياة الدنيا وكنّا نود أن نفديه بأرواحنا ليبقى جنبنا، لكن في لحظة يخطفه منا هادم اللذات ومفرق الأحباب لتبقى ذكراه لا تفارقنا. علينا إذاً أن نؤنسه في دار غربته ونمد له يد العون في وحدته ونخفف الأعباء عن كاهله بصلاة أو دعاء أو قراءة آيات أو صدقة لنكون أوفياء لمن احببنا ولنؤدي نوعاً من أنواع الإحسان لبعضنا. فالحياة والخلود للنفس الإنسانية في هذه الدنيا شيء مستحيل وضرب من المحال إذ البقاء والديمومة لله (جلا وعلا) الواحد القهار الذي قهر عباده بالموت والفناء. إن الروح البشرية تدور عبر عدة عوالم قدّرها الله تعالى لها، ومنها: * (عالم الأرواح- عالم الذر) *عالم الأصلاب فالأرحام فالدنيا *(عالم القبر- البرزخ) *عالم الآخرة والذي يكون محطة الروح الأخيرة أما للحياة والنعيم الأبدي أو الجحيم السرمدي. ومحور كلامنا هي تلك المحطة الأخيرة التي يصلها الإنسان ليحيا حياة أبدية. قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ سورة الانبياء الآية (34) وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ﴾ سورة آل عمران الآية (185) الموت هو آخر أيام الدنيا وأول منازل الآخرة، وهو بمثابة القنطرة الّتي يعبر عبرها الإنسان إلى عالم لا زيف فيه حيث تبدو كلُّ الحقائق ماثلةً أمام العين، وهو ارتقاء لمرحلة أقوى وأشد حياة من الحياة الدنيوية المادية. وصفت الروايات الشريفة الموت بالعديد من الأوصاف، منها: 1- الجسر: فقد وصف النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) الموت بقوله: "الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر، والموت جسر هؤلاء إلى جنّاتهم وجسر هؤلاء إلى جحيمهم" (1). فحرية المؤمن في التخلّص من قيود الدنيا وأسرها، لعالم القرب من الله تعالى، وكلُّ ما في الدنيا بالنسبة له بلاء وامتحان، ولذلك كانت سجنًا كبيرًا. أمَّا بالنسبة للكافر فالدنيا هي الجنّة لأنَّه لم يعش فيها بهمّ سواها، ولم يكن يعمل لذلك اليوم الّذي هو أحوج ما يكون فيه لِمَا استغلَّه في دنياه الّتي ذهبت إلى غير رجعة، ولاتَ حين مندم. 2- القنطرة: عن أبي جعفر الثاني، عن أبائه (عليهم السلام) قال: قال علي بن الحسين (عليه السلام): لمَّا اشتدَّ الأمر بالحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، نظر إليه من كان معه فإذا هو بخلافهم، لأنّهم كلما اشتد الأمر تغيرت ألوانُهم، وارتعدت فرائصُهم ووجلت قلوبُهم، وكان الحسين (عليه السلام) وبعضُ مَنْ معه من خصائصه تشرقُ ألوانُهم، وتهدأُ جوارحُهم، وتسكن نفوسُهم. فقال بعضهم لبعض: انظروا لا يُبالي بالموت! فقال لهم الحسين (عليه السلام): صبرًا بني الكرام فما الموت إلا قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضراء إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائمة، فأيّكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر؟ وما هو لأعدائكم إلا كمن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب، إنَّ أبي حدثني عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّ الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. والموت جسر هؤلاء الى جنانهم، وجسر هؤلاء إلى جحيمهم، ما كذبت ولا كُذبت. (٢) قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿وَجَآءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَنُفِخَ فِى الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْس مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَة مِّنْ هَـذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ) سورة الحَدِيدٌ (22) . جاء في كتاب تفسير الأمثل للشيخ مكارم الشيرازي تفسير (القيامة - والبصر الحديد) وتعكس الآيات أعلاه مسائل اُخرى تتعلّق بيوم المعاد: "مشهد الموت" و "النفخ في الصور" و "مشهد الحضور في المحشر"! أوّلا: (وجاءت سكرة الموت بالحقّ): سكرة الموت: هي حال تشبه حالة الثمل السكران إذ تظهر على الإنسان بصورة الاضطراب والانقلاب والتبدّل، وربّما استولت هذه الحالة على عقل الإنسان وسلبت شعوره واختياره. وكيف لا تكون كذلك مع أنّ الموت مرحلة انتقالية مهمّة ينبغي أن يقطع الإنسان فيها جميع علائقه بالدنيا التي تعلّق بها خلال سنين طويلة، وأن يخطو في عالم جديد عليه مليء بالأسرار، خاصّة أنّ الإنسان - لحظة الموت - يكون عنده إدراك جديد وبصر حديد - فهو يلاحظ عدم استقرار هذا العالم بعينيه ويرى الحوادث التي بعد الموت، وهنا تتملّكه حالة الرعب والاستيحاش من قرنه إلى قدمه فتراه سَكِرًا وليس بسكر (3). حتّى الأنبياء وأولياء الله تعالى الذين يواجهون حالة النزع والموت باطمئنان كامل ينالهم من شدائد هذه الحالة نصيب، ويصابون ببعض العقبات في حالة الانتقال، كما قد ورد في حالات انتقال روح النّبي الأكرم (صلى الله عليه واله) إلى بارئها عند اللحظات الأخيرة من عمره الشريف المبارك أنّه كان يدخل يده في إناء فيه ماء ويضعها على وجهه ويقول: (لا إله إلاّ الله) ثمّ يقول: (إنّ للموت سكرات) (4). وللإمام علي (عليه السلام) كلام بليغ يرسم لحظة الموت وسكراتها بعبارات حيّة بليغة إذ يقول: "اجتمعت عليهم سكرت الموت وحسرت الفوت ففترت لها أطرافهم وتغيّرت لها ألوانهم ثمّ ازداد الموت فيهم ولوجاً فحيل بين أحدهم ومنطقه وانّه لبيّن أهله ينظر ببصره ويسمع بأذنه على صحّة من عقله وبقاء من لبّه يفكّر فيم أفنى عمره؟ وفيم أذهب دهره؟ ويتذكّر أموالا جمعها أغمض في مطالبها وأخذها من مصرحاتها ومشتبهاتها قد لزمته تبعات جمعها وأشرف على فراقها تبقى لمن وراءه ينعمون فيها ويتمتّعون بها" (5). _____________________ 1- معاني الأخبار - الشيخ الصدوق - الصفحة ٢٨٩ 2- معاني الاخبار للصدوق ـ عليه الرحمة ـ ص 288 باب معنى الموت ( ونقله في بحار الانوار أيضاً : ج44 ، ص297 ) 3- نهج البلاغة، الخطبة 109. 4- نهج البلاغة، الخطبة 200. 5- كلمة تحيد مشتقّة من مادّة حيد ـ على وزن صيد ـ ومعناها العدول عن الشيء والفرار منه ..

اخرى
منذ شهرين
202

الإحسان إلى الأموات وعلاقة الأحياء بهم ح2

بقلم: حنان الزيرجاوي كما أنّ هذا المعلّم الكبير ينذر البشرية في مكانٍ آخر فيقول: "إنّكم لو عاينتم ما قد عاين من مات منكم لجزعتم ووهلتم وسمعتم وأطعتم ولكن محجوب عنكم ما قد عاينوا وقريب ما يطرح الحجاب"(1). ثمّ يضيف القرآن في ذيل الآية قائلًا: "ذلك ما كنت منه تحيد"(2) أجل إنّ الموت حقيقة يهرب منها أغلب الناس؛ لأنّهم يحسبونه فناءً لا نافذةً إلى عالم البقاء، أو أنّهم لعلائقهم وارتباطاتهم الشديدة بالدنيا والمواهب المادية التي لهم فيها لا يستطيعون أن يصرفوا قلوبهم عنها، أو لسواد صحيفة أعمالهم. أيّاً كان فهم منه يهربون .. ولكن لا ينفعهم ذلك، ومصيرهم المحتوم في انتظار الجميع ولا مفرّ لأحد منه، ولابدّ أن ينزلوا إلى حفرة الموت ويقال لهم هذا ما كنتم منه تفرّون! وقائل هذا الكلام ربّما هو الله تعالى أو الملائكة أو الضمائر اليقظة أو الجميع! والقرآن بيّن هذه الحقيقة في آياتٍ أُخر كما في الآية (78) من سورة النساء إذ يقول: "أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيّدة" ولكن قد ينسى الإنسان المغرور جميع الحقائق التي يراها بأُمّ عينيه على أثر حب الدنيا وحبّ الذات حتّى يبلغ درجةً يُقسم فيها أنّه خالدٌ كما يقول القرآن الكريم في هذا الصدد: "أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال". وسواء أقسم أم لم يقسم، وصدّق أم لم يصدّق فإنّ الموت حقيقة تحدِّق بالجميع وتحيق بهم ولا مفرّ لهم منها. وفي مواضع كثيرة من القرآن الكريم جاء ذكر الموت قبل الحياة, والعلة من ذلك ان الموت هو الحياة الأبدية. فيا أحباب الزهراء (عليها السلام) على كلِّ مؤمنٍ عاقل ومؤمنةٍ عاقلة إذا كان يريد السعادة أن يخطط للحياة الأبدية من خلال هذه الحياة الدنيا الفانية وقبل أنْ يغادرها بالموت لأن (الدنيا ساعة فاجعلها طاعة)، كما ورد في الحديث الشريف(4). ومن نعم الله (تعالى) على العبد أنّك تحصل على الخلود في الآخرة من خلال ساعاتٍ تعيشها في هذه الحياة، لكن بشرط أنْ تنسلخ تلك الساعات عنك وأنت تتحلى بالصبر والطاعة وتحمل الابتلاءات لأن (الدنيا خداعة صراعة مكارة غرارة سحارة أنهارها لامعة وثمراتها يانعة، ظاهرها سرور وباطنها غرور، تأكلكم بأضراس المنايا). فلا تغرنكم بزخرفها وزبرجها، ما هي إلا أيام قليلة تعقبها راحة طويلة. شئنا أم ابينا سنكون تحت التراب , وسوف تكون بيوتنا لغيرنا! ستكون أسماؤنا مجرد كلماتٍ في سجلات التاريخ إن لم يتم إتلاف تلك السجلات! ستمسي أشكالنا في ذاكرة النسيان, وكلُّ ذلك لم يعُد له أهمية ونفع بعد مئات السنين, فوجودنا ما هو إلا ومضةٌ في هذا الكون اللامتناهي ستنطفئ في لمح البصر, وسيأتي بعدنا العشرات من الأجيال, جيلٌ يودع الجيلَ الذي قبله وهو لم يدرك أحلامه بعد. سنترك كلَّ شيءٍ تسابقنا إليه وتقاتلنا عليه من فتات هذه الدنيا الدنيئة, فقد جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: "الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا"، وهذا نوم الغفلة فإذا حان الموت ينتبه. فهذه الدنيا ما هي إلا قنطرة تعبر عليها إلى الضفة المقابلة ... سنتمنى لو أمضينا أعمارنا في جمع الحسنات وعمل الصالحات, فقد روي عن الإمام الحسين بن عليّ (عليه السلام) قال: "ما الموت إلاّ قنطرة تعبر بكم من البؤس والضّراء إلى الجنان الواسعة، والنعيم الدائم، فأيُّكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر؟"(5) ---------------------------------- 1- نهج البلاغة ـ الكلمات القصار ـ الكلمة 147. 2- في المراد من الباء في كلمة بالحقّ هناك احتمالات عديدة، فمنهم قال معناه التعدية والحقّ معناه الموت، ويكون معنى الجملة إنّ سكرات الموت لها واقعية أي أنّ السكرات تصحب معها الموت، وقيل أنّ الباء للملابسة، أي أنّ سكرات الموت تأتي مع الحقّ .. 4- بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٦٧ - الصفحة ٦٨ 5- بحار الأنوار، ج 6، ص 154.

اخرى
منذ شهرين
226

الإحسان إلى الاموات وعلاقة الأحياء بهم (ح3)

بقلم: حنان الزيرجاوي هل نحن مستعدون للانتقال إلى تلك الضفة؟! هل مرّ بك أنْ دخلت المشفى مريضًا، ومُنعت عنك الزيارات ولم يُسمح لأحدٍ بالدخول عليك أو الكلام معك، ولو بالهاتف! هل شغل فكرك آنذاك غير سماع مكالمةٍ من عزيزٍ عليك؟ ولو كانت لبضع دقائق! لاشك أنّه حتى من لم يمر بهذا الموقف فإنه يستطيع أن يتصور هذا الموقف في مُخيلته؛ وأكيدًا الآن كلُّ من يقرأ هذه الكلمات يستطيع أن يستشعر ولو جزئيًا الحالة التي مرَّ بها ذلك المريض. كما ويستطيع التنبؤ بحالة ذلك المريض لو سمحوا للناس زيارته، لكنه انتظر كثيرًا فلم يأتِه أحدٌ من أحبائه ومن كان يعقد الآمال عليهم. هكذا يمثل العلماء حالةَ الراحلين عن الدنيا، إنّهم ليسوا في مشفى ترعاهم الأيادي الرحيمة، إنّهم اقرب ما يكونون في سجنٍ مؤبد وقد مُنِع عنهم حتى ضوء الشمس ونسيم الصباح. إنَّ الموت هو الحقيقة الحتمية الّتي لا مفرّ منها لأحد، مهما علا شأنه في الدنيا، فالبشر يموتون حتّى الأنبياء (عليهم السلام)، ولو كان الخلد يحقُّ لأحدٍ لفضلٍ استحقه، لكان الأنبياء (عليهم السلام) أحقَّ الناس بالخلد، وإلى هذا المعنى أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) بالقول: «ولَوْ أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إِلَى البَقَاءِ سُلَّماً أَوْ إِلَى دَفْعِ الْمَوْتِ سَبِيلًا لَكَانَ ذَلِكَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ (عليه السلام) الذِي سُخِّرَ لَهُ مُلْكُ الجِنِّ وَالإِنْسِ مَعَ النُّبُوَّةِ وَعَظِيمِ الزُّلْفَةِ فَلَمَّا اِسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ وَاِسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ رَمَتْهَا قِسِيُّ الفَنَاءِ بِنِبَالِ المَوْتِ وَأَصْبَحَتِ الدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةً وَالمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً وَوَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ».(1) أما الإحسان لغة: ضِدُّ الإساءة. مصدر أَحْسَنَ أي جاء بفعل حَسَنٍ(2) والإحْسَان اصطلاحًا: (نوعان: ١-إحسان في عبادة الخالق: بأن يعبد الله (تعالى) كأنَّه يراه فإن لم يكن يراه فإنَّ الله (سبحانه) يراه. وهو الجِدُّ في القيام بحقوقه (جل وعلا) على وجه النُّصح، والتَّكميل لها. ٢- وإحسانٌ في حقوق الخَلْق: ... هو بذل جميع المنافع مِن أي نوعٍ كان، لأي مخلوقٍ يكون، ولكنَّه يتفاوت بتفاوت المحْسَن إليهم، وحقِّهم ومقامهم، وبحسب الإحْسَان، وعظم موقعه، وعظيم نفعه، وبحسب إيمان المحْسِن وإخلاصه، والسَّبب الدَّاعي له إلى ذلك(3) قال الراغب الأصفهاني: "الإحسان على وجهين: أحدهما: الإنعام على الغير، والثاني: إحسان في فعله، وذلك إذا علم علمًا حسنًا أو عمل عملًا حسنًا"(4). أسباب الإحسان إلى الموتى عندما نقومُ بعملٍ حسن ونهدي ثوابه للأموات فنحن نقدم لهم هدية كبيرة، لكننا نكون قد قدّمنا لأنفسنا أكبر منها إنْ كنا ندرك ونفهم فلسفة الإحسان للأموات وفلسفة الموت، فعند الوقوف على القبور عبرةً وعظةً، ولكن الأشد من ذلك التفكر في القبر الخالي الجاهز الذي لم يُدفن فيه أحدٌ بعد، فإنّ صاحبه لا زال حيًا فقد تكون أنت أو أنا. يقول الإمام الصادق (عليه السلام ): "إنّ للقبر كلامًا في كلِّ يومٍ يقول: "أنا بيت الغربة، أنا بيت الوحشة، أنا بيت الدود، أنا القبر، أنا روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران"(5) فهذا البيت الموحش في الغربة، المملوء بالآفات، والسجن المظلم، يحتاج لزادٍ ومتاع منا قبل السفر إليه، وكذلك نحتاج لهدايا أهلنا وأحبابنا بعد سفرنا. والزاد قبل السفر فأعمالنا وما قدمنا لأنفسنا قبل أن نغادر الدنيا وتسلب الأرواح من الأبدان. -------------------------------------- 1- نهج البلاغة، تحقيق محمد عبده: ج2، ص290 2- الفروق اللغوية (كتاب) لأبي هلال العسكري (ص1/193) 3-( بهجة قلوب الأبرار) للسعدي (204-206) 4- (المفردات في غريب القرآن) للراغب الأصفهاني (ص 236). 5- ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج ٣ - الصفحة ٢٤٧٨

اخرى
منذ شهرين
173

مشاكل المراهقين ومعالجتها في فكر السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام/ الأسباب والحلول/ (4)

بقلم: حنان الزيرجاوي التغيرات والظواهر التي تظهر في مرحلة المراهقة. ١- النمو الجسماني: يسير جسم الإنسان على طريق الحياة بتغير، وهذا التغير يمتد من الطفولة والمراهقة مرورًا بفترة الشباب فالشيخوخة، ولكل فترة من عمر الإنسان صفات وتغيرات جسمانية هامة، ففي فترة الطفولة يمر الطفل بمرحلة التجريب والاختبار فيجرب كل الحركات التي تراها عيناه كالمشي والقفز والركض، فيتعلم من خلالها الطرق المعتادة للحركة فيستخدمها في اللعب واللهو، وفي فترة المراهقة يتم استخدام كل الامكانيات الجسدية لتحقيق حلم المراهق مثل الرياضة والمسابقات والقتال الجسدي والتفاخر. أمّا في مرحلة ما بعد الثلاثين فيستخدم الإنسان حركته وجسده للاستمرار في العمل وبناء الحياة، وفي كل فترة تحدث تغييرات جسمانية مهمة تساعد الإنسان على النجاح بعبور هذه الفترة الحرجة. - نأتي الآن لنتحدث عن الفتاة المراهقة. فالفتيات يمتزن بالخجل والهدوء واتباع الأسلوب الناعم بالحديث والحركة، فيبدأ صوتها وجسدها وروحها بالتغيير، يبدأ الهرمونان البروجسترون والاستروجين بضخ الدم كي يؤثر على العقل والجسد، وهما هرمونان انثويان مهمان يرسمان الطبيعة العقلية والشعورية والجسدية للفتاة، يبدأ الرحم والمبايض بعملهما فتتفاجأ الفتاة بنزول الدورة الشهرية لأول مرة في حياتها وهذه إشارة لصحة الفتاة ونضوجها، وتبدأ غدد أُخرى بالكبر كالثدي والمبايض، وهذه التغييرات مهمة جدًا للفتاة حيث تتميز عن الذكر بالكلام والتصرف والشعور، وكلما زاد تقبُّل الفتاة لهذه التغييرات كلما نجحت بحياتها الأنثوية الشاقة والتي ستتحمل من خلالها الكثير من الأحداث كالزواج والحمل والولادة. فدخول الفتاة بفترة المراهقة هي بداية للظهور الأنثوي المعروف الذي يسخر الجسد والحركة والكلام لكسب الإعجاب والإطراء. - وأما الذكور فيدخلون بمرحلة المراهقة من خلال باب الركض واللعب والمنافسة وإبراز قدرات الجسد التي تُعتبر مهمة لجذب الجنس الآخر، فيبدأ الجسد بالتحول من الضعف للقوة، وتبدأ العضلات بالبروز، وتتصبغ الحركات والمشاعر والتصرف بلون الفحولة. وهذه التغيُّرات الفسيولوجية تظهر في الذكور بالاحتلام (أي خروج المنيِّ)، وبظهور الشعر الخشن في مناطقه المعهودة، وبخشونة الصوت، وظهور ما يُسمّىٰ بحَبِّ الشباب عند بعض المراهقين. ويبدأ التنافس يستعر بين الذكور المراهقين فتبدأ جولات القتال واظهار القوة، ويبدأ التحدي للأب، فيبدو أنّ الابن قد قرر أن ينافس أباه بالرأي والرجولة واتخاذ القرار. فيرى نفسه كامل الحكمة عظيم القوة. ولذلك تبدأ مشاكل المراهقين وتشمل التعارك والاصابات وحوادث السيارات والأعمال الطائشة الاخرى كتعاطي المخدرات. ونلاحظ جلياً أن مشاكل المراهقين الذكور هي اكثر واسوأ من مشاكل المراهقات الاناث خاصة في مجتمعاتنا الشرقية. سيكون تسلّيط الضوء على طرح التغيرات العامة والشائعة التي تنتاب الفرد في هذه المرحلة عن طريق تقسيمها إلى ثلاث أقسام وهي: النمو الانفعالي والنفسي، وكلاهما على نوعين سلبي وايجابي، فيجب التفريق بينهما: - فالنمو الانفعالي هو نتيجة الهرمونات التي تُضخ للدم وتؤثر على الكثير من الهرمونات الأُخرى والانزيمات. والتي بدورها تتحكم بصبر وانفعال وتسرع المراهق. فهو يبدأ ينظر لنفسه وكأنَّه أصبح رجلًا مُدرِكًا لكل الأمور، والفرق بين المراهق والكبير من ناحية الانفعال هو مقدار الخبرة بالحياة وتجربة المواقف والمعرفة الحياتية. فالمراهق ضعيف الخبرة والدراية ولذلك لا يتحكم بانفعالاته وهذا الضعف قد يسبب معاندة الأبوين والتمرد عليهما وعدم القناعة بما يقدمانه لابنهما او بنتهما. ويحاول أنْ يستقلَّ في تصرُّفاته عمَّن كانوا يُوجِّهونه لسنواتٍ عديدة. والانفعال يؤدي للتسرع والذي بدوره يؤدي للحوادث كالمغامرات والقتال وتعاطي المخدرات. وتظهر منه ردّات فعل إزاء بعض الأوامر من غيره. وأحيانًا يسبب انفعال المراهق التمرد والدخول بالأخطاء كنوع من الاحتجاج على الأبوين أو المجتمع فيهرب أو يقتل أو يسرق أو ينحرف او او....إلخ. ويحدث هذا للجنسين على حد سواء. يحسُّ برغبة في الظهور والبروز ولو من خلال مخالفة القوانين والتقاليد والأعراف والانشقاق على الواقع. - أمّا النمو النفسي فهو البحث عن الهوية. ففترة المراهقة تعتبر بداية معرفة المراهق بنفسه، فيبحث عن الايجابيات والسلبيات في ذاته، عن مناطق القوة والضعف. عن النور والظلام في داخله، ويبحث عن أهدافه. فتراه تارة يغامر ويقامر. يسافر ويهاجر. يعمل ويكسل. يساعد الناس وأحيانًا يؤذيهم. كل ذلك لإيجاد نفسه وتحديدها إن كانت جيدة أم سيئة. وبسبب قلة الخبرة الحياتية نرى بعضهم يضيع ولم يجد هويته ومكانته في الحياة. ويشمل ذلك الجنسين أيضًا. وأحيانًا يحسُّ برغبة في تكوين مجاميع من المراهقين أمثاله، وهنا قد يكون المراهق قياديًا، وقد يكون تبعيًا، وقد يُمثِّل بعضهم العنصـر المتخاذل، وآخر يُحِبُّ أنْ يجني الثمرات من دون أدنىٰ تعب. و قد تظهر عند بعضٍ منهم ميول نحو السفر خارج بلده الذي عاش فيه. (٢) وتظهر هذه التغيُّرات الانفعالية والنفسية علىٰ سلوك المراهق عبر عدَّة مظاهر مختلفة من شخص لآخر. ولا ننسى أنّ النمو الانفعالي والنفسي قد يكون ايجابياً فيساهم باستقرار الفكر والنفس فيكبر المراهق على طريق جيد وقد يكون سلبياً فيضيع وتضيع أهدافه جميعها، ويصاحب هذه التغيُّرات ازدياد ملحوظ في ذكاء المراهق (1). النمو الاجتماعي لدى المراهقين: ويشمل النمو الفكري، والثقافي، والاقتصادي، والإنساني، والأسري. - النمو الفكري: هو نمو التفكير لدى المراهق، فتفكير الطفل يبقى محدودًا باللعب والترفيه والطعام، ولدى دخوله بالمراهقة يتغير الطموح والتوجه ويصبح ميّالاً للتحصيل العلمي والدراسة، فيبدأ بالبحث عن سبل تطوير التفكير من خلال التوجه لقراءة الكتب، وتقليب صفحات التواصل الاجتماعي، ويبدأ بالتعرف على المبادئ العامة وحسن السلوك والتصرف أو يبحث عن طرق منحرفة تعكس إحساسه المشوه بالمجتمع، فأحيانًا يتحلى بالقيم وأحيانًا أُخرى يضربها عرض الحائط. - النمو الثقافي: يحتاج المراهق لأن ينمو ثقافيًا وتاريخيًا فيتعلم ثقافة مجتمعه وموروثاته الفنية والأدبية والدينية، ولا بد للأصدقاء من التأثير عليه سلبًا أو إيجابًا كي يكون جزءاً لا يتجزأ من هذا المجتمع. والمعرفة التاريخية مهمة فمن خلالها يتم تعيين أهداف المجتمع المستقبلية، ولكن كل هذا يعتمد على رغبة المراهق وأحاسيسه. - النمو الاقتصادي: يبدأ في سن المراهقة حيث تبدأ النزعات والغرائز التي ترتكز بالأساس على العمل والانتاج والتحصيل المالي وفي هذه الفترة تحدث صراعات نفسية واجتماعية كثيرة حيث تنصدم رغبة المراهق للعمل بواقع المجتمع الذي يوفر القليل من هذه الفرص، وإذا أخذنا بعين الاعتبار رغبة المراهق ببناء مستقبله فسيحدث صراع نفسي قد يسبب للمراهق الاكتئاب وحتى الانتحار، لذلك توفير فرص العمل يعتبر من الأشياء الأساسية لدى أي مجتمع. ويتنافس المراهق مع البقية من أقرانه في استحصال المال الذي قد يسبب الحسد والغيرة والكراهية. - النمو الإنساني: ينمو المراهق إنسانيًا ونموه هذا قد يساعد المجتمع أو يساهم في هدمه، فبعضهم تنمو لديه نزعة الكراهية للمجتمع لأسباب نفسية أو موروثة من أبويه فينحرف ويسرق ويقتل ولا يعير للبشر أي اهتمام، بينما هناك مراهقون يتحلون بالصبر والطيبة وحب مساعدة الضعفاء، فقد يكون المراهق عضوًا بنّاءً في المجتمع أو يكون عضوًا هدامًا. - النمو الأسري: وهو من اسمى سمات النمو المجتمعي لما فيه من توجهات اخلاقية وترابطية وإنسانية، فالنمو الذي ينتهي بالزواج وتكوين الأسرة هو الأفضل والأكمل لأن ذلك يبعد المراهق عن الانحراف والمشاكل، وهنا لا أعني أنّ على المراهق أن يفكر بالزواج لكن عليه أن يبدأ بالتفكير في تكوين أسرته الخاصة مستقبلًا، ويتكامل على مر السنين والخبرات ليصل لتلك القناعة لتكوين أسرة، فتكوين الأسرة ليس قرارًا سريعًا نتخذه في يوم واحد. بل هو مشروع علينا التخطيط له لسنين طويلة، فإنّ بناء الأُسرة يجب أن يكون ناجحًا ومستقرًا ويجب أن يكون نظامًا شبكيًا فهو يرتبط أيضًا بكثير من الأسر الأُخرى. فإن كانت الأسرة مستقرة فسيؤثر استقرارها على بقية الأسر. وبهذا يمكن أن نصل إلى التالي: إنَّ تحديد سنٍّ محدَّد لبداية المراهقة أو لنهايتها من الصعوبة بمكان، ذلك لأنَّ تلك التغيُّرات تتأثَّر في كثير من الأحيان بنوع الثقافة التي يعيشها الفرد والجوّ الأُسري ونوع الإلتزام الديني ونوع الجوِّ المدرسي وجوِّ الرفقاء، وحتَّى المُناخ له علاقة بظهور بعض تلك التغيُّرات، فمثلًا في المناطق الحارَّة تطمث الفتاة قبل مثيلاتها في المناطق الباردة، وهكذا. والمهمُّ في تحديد المراهقة إذن هي ملاحظة تلك التغيُّرات الفسيولوجية والنفسية (3). ______________________________ ١- الطفولة والمراهقة لسعد جلال (240 - 242) بتصرُّف. 2- رسالات تربوية - الشيخ حسين عبد الرضا الاسدي 3- رسالات تربوية - الشيخ حسين عبد الرضا الاسدي

اخرى
منذ شهرين
170

مشاكلُ المراهقين ومعالجتها في فكر السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) الأسباب والحلول (3)

بقلم: حنان الزيرجاوي بعد أنْ بيّنا في المطلب الأول تعريف المراحل العمرية المختلفة مع التركيز على المرحلة التي نخصّها في بحثنا هذا، نأتي لبيان المطلب الثاني الذي هو بعنوان: (بيان التغيرات والظواهر التي تظهر في مرحلة المراهقة) تُعدُّ فترة المراهقة مرحلةً عمريةً انتقالية يمرُّ بها الإنسان، وهي فترةٌ مهمةٌ ومؤثرةٌ جدًا في حياته، فهي من أهمِ وأخطرِ المراحل شأنًا في حياة أبنائنا بعد اجتيازهم لمرحلة الطفولة بسلام. وقد أطلق عليها بعض العلماء عليها اسم "مرحلة الولادة الثانية"؛ وهذا لما لها من خصائص وتغيرات أساسية واضطرابات شديدة فيزيولوجية كثيرة وسريعة تحدث في العديد من الجوانب الجسدية والانفعالية والاجتماعية وغيرها، والتي لها الأولوية في تشكيل شخصيةِ كلا الجنسين. وهذا لا يعني أنَّ النمو من مرحلة الطفولة إلى المراهقة يحدثُ بشكلٍ مفاجئ، وإنّما يكونُ نموًا تدريجيًا ومستمرًا ومتصلًا، فالمراهق لا يترك عالم الطفولة ويصبح مُراهقًا بين عشيةٍ وضحاها، إنّما يكون الانتقال تدريجيًا من الداخل والخارج. وقبل التعرض لذكر التغيرات الفسيولوجية والنفسية والانفعالية التي تطرأ لذلك الشخص المسمى بـ(المراهق) لابُدَّ مَنْ معرفة مَنْ هو المراهق أولًا؟ المراهق لغةً: المراهق: اسم فاعل، من الفعل (رَهَقَ). وللفعل (رَهَقَ) عدَّةُ معانٍ ذُكِرَت في كُتُبِ اللغة، وما يهمُّنا منها هو ما يتعلَّق بموضوعنا، أي المراهق، وقد ذكر علماء اللغة في هذا المجال التالي: قال الفراهيدي: "الرهق: جهلٌ في الإنسان، وخفَّةٌ في عقله. يُقال: به رَهَقٌ(1)...، والمراهق: الغلام الذي قارب الحُلُم"(2). وقال الجوهري: "وراهق الغلام فهو مراهق، إذا قارب الاحتلام"(3). إنّ معرفةً سيكولوجيةَ النمو والتغيّرات التي تطرأ على هذه المرحلة مهمةٌ في حدِّ ذاتها، فإنها تصقلُ معرفتنا لطبيعةِ معايير نموِ الإنسان من كافة الجوانب، لكي يتسنى لنا التحكم في العوامل والمؤثرات التي تؤثر في النمو وفي أساليب سلوك المراهق التي تتزامن مع هذا النمو، فهناك اختلاف بين شخصٍ وآخر، وتفاوتٌ في هذه التغيرات حسب الظروف التي يمرُّ بها ذلك الشخص وحسب المؤثرات الوراثية وغيرها من أسباب. فمعرفةُ تلك التغيرات تساعد كلا الطرفين: فهي تمكن الأهل من فهم مراحل نمو أولادهم والتغيرات التي تحدث لهم وكيفية التعامل معهم عند هذه التغيرات لإعانتهم على تخطي تلك المرحلة بسلام وبدون انحرافٍ بجميع أشكاله من جهة، ومن جهةٍ ثانية تساعد الفرد المراهق ذاته في تكوين مفهوم صحيح وواضح نحو جسمه ليُدركَ أنَّ الله (تعالى) قد خلق الإنسان لينمو تدريجيًا، وجعل تفاوتًا في القدرات والإمكانيات من حيث الجسد والذكاء وغيرها بين شخص وآخر، ويجبُ على الفرد أنْ يتقبل ذلك؛ ليتكيف مع وضعه في كلِّ مرحلةٍ من مراحل النمو. وسنسلّط الضوء على التغيرات العامة والشائعة التي تنتاب الفرد في هذه المرحلة عن طريق تقسيمها إلى ثلاث أقسام وهي: يتبــــــــع.. ---------------------- 1- كتاب العين للفراهيدي (ج 3/ ص 366). 2-كتاب العين للفراهيدي (ج 3/ ص 367). 3-الصحاح للجوهري (ج 4/ ص 1487).

اخرى
منذ شهرين
143

تمزّقَ ثوبَ عيدي

بقلم: حنان الزيرجاوي حلمٌ ظلَّ يُراودُ مُخيّلتي، ويكادُ يُطيّر النومَ من جفوني بانتظار الصباح التالي، الكلّ في حركةٍ نشطة، يُجهِّزُ نفسَه وملابسه الجديدة، ويُجهِّزُ حلويات الضيافة وأنا منهم، إذِ اشترى لي أبي ملابسَ مزركشةً بالألوان الزاهية، فقد كانت لي الحظوةُ لديه؛ لأنّي آخرُ العنقود، وأمّي تحاولُ أخذها مني وتعِدُني أنّها ستلبسنيها صباحًا حال استيقاظي من النوم. كنتُ أنتظرُ الصباحَ والشوقُ يحرقُ أوصالي؛ لأنّي لم أفهم حينها ما هو العيدُ لصغرِ سنّي، لكنّي الآنَ انتظرُه بلهفة، حتى وددتُ لو لم يكنْ هناك ليل. في تلك الليلةِ كان صوتُ أبي يعلو بالدعاء كأنّه سيمفونية.. مترنمًا بتلك الكلماتِ الجميلة من الأدعية، وكانت أمّي في حركةٍ دائبةٍ رغمَ انتصاف الليل، وكنتُ أستعجلُ الزمن لأحظى بعدَ تقبيلِ يدِ أبي بالعيدية.. تطرقُ سمعي همهماتُ أمّي وهي تُخبِرُ أبي عن فرحتي بالعيد، وتُشبِّهُ ضحكاتي بحباتِ ماءٍ تناثرت على وجهي الطفولي، فجأةً شعرتُ بيدين تلامسان وجنتي بلُطفٍ وتحنو لترسمَ قبلةً كانت تختلفُ هذه المرة عن كلِّ القُبُلات السابقة، لم أشعِرْهُ بأنّي لم أستطع النومَ بعد. آهٍ.. لم أكنْ أدركُ أنَّ هناك شبحًا يُمكِنُه أنْ يخطفَ البسمةَ من الشفاه، ويحوِّلها إلى صرخاتٍ وآهات، لم أكنْ أدرِكُ أشياءً مؤلمةً كثيرةً يُمكِنُ أنْ تحدثَ دون سابقِ إنذار، تُفسِدُ أصفى لحظاتِ سعادتِنا وفرحنا البريء.. نعم، سبقني ذلك الشبحُ ليخطفَ تلك الروح التي كانتْ سرَّ سعادتي بوجودي في الحياة، ففي ساعاتِ فجرِ العيد يصلُ مسامعي صراخُ أمّي بتلك الشهقةِ التي زلزلتْ هدوءَ السكون، وهي ترجوه أنْ يبقى، تنادي عليه ليتوقف، شعرتُ بأنفاسي تضطربُ وجسدي يرتجفُ كسعفٍة في ريحٍ عاصف، شُلَّ تفكيري، وكادَ قلبي أنْ يتوقفَ عن الضربات، الرؤيةُ انعكست عندي اتجاهاتها، رافضةً الثبات، انتابَني شعورٌ بالخوفِ والضياع، وداهمَني عجزٌ تام عن الحركة، ومرّتْ سريعًا ذكرى ثوبِ العيد.. بدا لي ممزقًا.. وبهتت ألوانُه الزاهية إلى حدِّ السواد، لا.. لا أريدُ أنْ أرى ثوبَ عيدي وقد تمزّقَ قبلَ أنْ ارتديَه؛ لأنّ أبي لن يكونَ هنا بعدَ الآن.. فقد فارقَ الحياة.

اخرى
منذ شهر
179

"إنَّ هذا يَوْمٌ تَبَرَّكَتْ بِهِ بَنُو أُمَيَّةَ"

بقلم: حنان الزيرجاوي كيف اقتنعت بعضُ الشعوبِ العربية بأنْ جعلت من مقتلِ الحُسين (عليه السلام) عيدًا؟ لقد استغلَّ بنو أمية سلطتهم في الشام؛ لتأسيس قواعدَ إعلامٍ مُضللٍ مسمومٍ مُنحرفٍ من أجلِ الوصولِ لمآربهم، وقد أعانهم على ذلك جهلُ الناسِ آنذاك وعدمُ معرفتِهم بإمامِ زمانِهم وبُعدهم الجغرافي عن المدينة المنورة ومكة. وليس غريبًا على بني أمية ذلك؛ فمنذُ بدايةِ توليهم للسلطة حاولوا بكلِّ الطرق السيطرة على عقولِ الناس وبثِّ السمومِ الفكرية وبثِّ الجهلِ في كُلِّ جوانبِ المجتمع، أليسوا هم من قالوا بدهشةٍ حين بلغَهم خبرُ استشهادِ أميرِ المؤمنين (عليه السلام): "وهل كان عليٌ يصلي؟!" إلى أنْ وصلت خستُهم ونذالتُهم مراحلَ متقدمةً جعلت يزيدَ (أخزاه الله) يأمرُ بقتلِ الإمامِ الحُسينِ وأهل بيته (عليهم السلام)، وسبي بناتِ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله) وسوقِهن من كربلاءَ إلى الشام، حيث أقنعوا أهلَها بأنّ المقتولَ رجلٌ خارجي، كان يريدُ بثَّ الفتنةِ والفرقةِ في المجتمع، وإنّ هذا السبيَ كسبيِ الخوارجِ أو التركِ والروم. وقد أعدّتِ السلطةُ الأمويةُ العُدّةَ للتضليلِ الإعلامي باتخاذها إجراءاتٍ تصبُّ في مصلحةِ مشروعها الخبيث، فعملتْ على جمهرةِ أهلِ الشام لاستقبال هذا الركبِ مع الإيحاء المستمر بأنّ هؤلاءِ من الخوارج. كما تمَّ توظيفُ فقهاءَ السوء لتحريفِ ووضعِ نصوصٍ باستحبابِ صومِ يومِ عاشوراء، وأنّه يومٌ مباركٌ له في السُنةِ ما لهُ من الفضل. حتى إنّ الكثيرين منهم صُدِموا بمضامين الخُطبةِ التي ألقاها الإمامُ السجادُ (عليه السلام) على أعوادٍ ارتقاها مُبينًا فيها حسبه ونسبه وصلته برسولِ الله (صلى الله عليه وآله) ففضحَ زيفَ وكذبَ بني أمية أمامَ مجتمعٍ لم يكنْ لديه العلمُ والدرايةُ بذلك. والدليلُ على ذلك ما جرى بين الإمامِ زينِ العابدين (عليه السلام) من حديثٍ مع الشيخِ الشامي‏ بعد أنْ أقيمَ السبي على درجِ بابِ المسجد، الذي أقبلَ حتّى دنا منهم، وقال: الحمدُ للهِ الذي قتلكم وأهلككم، وأراحَ الرجالَ من سطوتِكم، وأمكنَ أميرُ المؤمنين منكم! قال له الإمامُ زينُ العابدين (عليه السلام): يا شيخَ هل قرأتَ القرانَ؟ فقال: نعم قرأتُه. قال (عليه السلام): فهل عرفت هذه الآية: "قُلْ لا أسألُكم عليه أجرًا إلا المودةَ في القُربى"(1)؟ قال الشيخ: قد قرأتُ ذلك. فقال علي [عليه السلام]: فنحنُ القُربى يا شيخ! فهل قرأت هذه الآية " واعلموا أنما غنمتم من شيءٍ فإنّ لله خمسه وللرسول ولذي القربى(2)"؟ قال: نعم قال علي [عليه السلام]: فنحن القربى يا شيخ وهل قرأتَ هذه الآية: "إنّما يُريدُ اللهُ ليُذهبَ عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا"(3)؟ قال الشيخ: قد قرأتُ ذلك قال علي [عليه السلام]: فنحنُ أهلُ البيتِ الذين خصصنا بآيةِ الطهارة يا شيخ! فبقيَ الشيخُ ساكتًا نادمًا على ما تكلّمَ به وقال: باللهِ إنّكم هم؟ فقال علي بن الحسين [عليه السلام]: تاللهِ إنّا لنحنُ هم من غيرِ شكٍ، وحقِّ جدِّنا رسولِ الله إنا لنحنُ هم. فبكى الشيخُ ورمى عمامته، ورفعَ رأسه إلى السماء وقال: اللهم إنّي أبرءُ إليك من عدوِّ آلِ محمدٍ من جنٍ وإنسٍ ثم قال: هل لي من توبة؟ فقال له: نعم، إنْ تُبتَ تاب الله عليك، وأنت معنا فقال: أنا تائبٌ فبلغ يزيد بن معاوية حديث الشيخ فأمرَ به فقُتل(4) ومن الأدلةِ على ضخامةِ الإعلامِ المُضِلل من قبلِ بني أمية بتجهيلِ الناسِ ما حدثَ في مجلسِ يزيدَ (لعنه الله)، إذ قام إليه رجلٌ من أهلِ الشام أحمر، فقال: يا اميرَ المؤمنين هَبْ لي هذه الجارية [يعني فاطمة بنت الإمام الحسين (عليه السلام)] فارتعدت وظنت أنّ ذلك جائزٌ لهم، فأخذتْ بثيابِ عمّتِها التي كانت تعلمُ أنّ ذلك لا يكون، فقالت السيدة زينب (عليها السلام) للشامي: كذبتَ واللهِ ولؤمت والله، ما ذلكَ لك ولا له فغضب يزيدُ وقال: كذبتِ واللهِ إنّ ذلك لي، ولو شئتُ أنْ أفعلَ لفعلتُ قالت: كلاّ والله ما جعل اللهُ لك ذلك؛ إلّا أن تخرجَ من ملّتِنا وتدينَ بغيرها. فاستطارَ يزيدُ غضبًا وقال: إيّاي تستقبلين بهذا؟ إنّما خرج من الدينِ أبوكِ وأخوكِ قالت زينب: بدينِ الله ودينِ أبي ودينِ أخي اهتديتَ أنتَ وأبوك وجدّك إنْ كنت مسلمًا قال: كذبتِ يا عدوّةَ الله قالت: أنتَ أميرٌ، تشتمُ ظالمًا وتقهرُ بسلطانك فكأنّه استحيا وسكت. وعاد الشامي فقال: هَبْ لي هذه الجارية فقال له يزيدُ: اعزبْ وهبَ اللهُ لكَ حتفًا قاضيًا فقال الشامي: من هذه الجارية؟ فقال يزيد: هذه فاطمةُ بنتُ الحُسين، وتلك زينبُ بنتُ عليّ بن أبي طالب فقال الشامي: الحُسينُ بن فاطمة وعليُّ بن أبي طالب؟! قال: نعم قال الشاميّ: لعنكَ اللهُ يا يزيدُ، تقتلُ عترةَ نبيك وتسبي ذريته، واللهِ ما توهّمتُ إلّا أنَّهم سبي الروم فقال يزيدُ: والله لألحقنك بهم ثم أمر به فضُرِبَ عُنُقه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (١) الشورى: ٣٣ (2) الأنفال: 41 (3) الأحزاب: 33 (4) الملهوف ص 156 - 158

اخرى
منذ شهر
187

نجومٌ آفلةٌ

بقلم: حنان الزيرجاوي سوادٌ دامسٌ يُشبهُ قلبَ الحزين.. صوتٌ واجِمٌ بعد سقوطِ قرصِ الشمس، حيثُ لبستِ السماءُ جلبابَ الحداد.. نَشِيجٌ يتعالى، كأنّه وداعٌ دانٍ.. تهليلٌ وتكبيرٌ يطرقُ عنانَ السماء.. دويٌ كدوي النحل، ما بين راكعٍ وساجدٍ ومناجٍ، وقائمٍ وقاعدٍ.. اضطرابٌ داهمٌ حتى نجوم السماءِ نثرت لآلئَ دموعها.. شيءٌ ما عظيمٌ سيحدثُ.. اشرأبتِ الأعناقُ له، كأنّ ساعةَ الرحيلِ قد أزفت.. الليالي ستفقدُ قمرَها، وتراه مقطعَ الكفين.. تلك البقعةُ الممتلئةُ بالخيامِ تبدو لي وكأنّها السماءُ قد تزيّنت بنجومِها، وكُلُّ نجمةٍ تُضيءُ ذلك الظلام الدامس.. فخيمةٌ للأنصارِ يتبادلون الكلام بحمدِ اللهِ (تعالى) وثنائه والدعاء، ودموعهم منهمرةٌ بما سيجري بعدَ طلوعِ فجرِ تلك الليلة، ويتسابقونَ فيما بينهم من منهم سيبدأ لينالَ الفوز.. تلك تجري مُسرعةً؛ فكُلُّ أمٍّ كانت ترمقُ فلذةَ كبدها، وتطيلُ النظرَ فيه، وتُدقِّقُ في تفاصيلِ وجهِه؛ لأنّها عالمةٌ بأنها ستفارقه.. والشبانُ ينظرون لأمهاتهم اللاتي سيُصبحنَ ثكالى بهم.. وبين فينةٍ وأخرى تُقبِّلُ الأمُّ رضيعَها ولا تتركه ينام، تريد أنْ تلثمه بالقبلاتِ وتُناغيه؛ لتروّي ظمأ نفسها، فهناك فراقٌ طويلٌ لا سبيلَ للعودةِ معه.. والثقلُ الأكبرُ الذي كانت تحملُه تلكَ المرأةُ الكبيرةُ والعالمةُ الموقرةُ، وهي تُضمِّدُ جراحَ قلبها بنفسها؛ لتكونَ قادرةً على الحفاظِ على تلك الأمانة الثقيلة التي سيتركها لها عزيزها وسيدها.. كانت تنظرُ إلى أيدي الأطفال والبنات من حولها.. كيف ستُقيَّدُ بالحبالِ غدًا؟ وتلك الأقدامُ الناعمةُ كيفَ لها تحمُّل الركضِ على الشوك؟ ولكن كان الشغلُ الشاغلُ للعقيلةِ هو السبي وحرق الخيام، وكيفَ تبقى بناتُ الرسالةِ بلا حامٍ ولا كفيل وخروجهن أمام الأعداء؟ هذه الصورُ تجري بسرعةٍ أمامَ أنظارِ كُلِّ من كان في تلك الليلةِ في معسكرِ الإمامِ الحسين (عليه السلام) يترقبون طلوع الشمس؛ فعندَ طلوعها ستبدأ الأحزانُ، ويتفرقُ الخليلان، وتسمو الأرواحُ لبارئها لتخبره بما جرى وتشكو لرسول الرحمة ما فعله الظالمون وإنا لله وإنا إليه راجعون، وأيّ رجعةٍ بخضيبِ الدماء وتعفير الجبين، ونفوسٍ أبيّة آثرتِ الموتَ على الذُل..

اخرى
منذ أسبوعين
100

سواد

بقلم: حنان الزيرجاوي دخلَ غريبٌ إلى مدينتي، إحدى المدن المواليةِ لآلِ بيتِ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، استغرب من ذلك المنظر، منظر السواد الذي يعمُّ أرجاءَ المدينةِ وإذا به يتفاجأ بمظهرِ ارتداءِ أهلِ المدينةِ لذلك السواد أيضًا، راوده هاجسٌ بحُبِّ الاستطلاع والتساؤل عن ماهيةِ ذلك السواد؟! هل أولئك الأناسُ يتبركون بهذا اللون؟ ماذا يعني لهم؟ ولماذا يملأ كُلَّ زاويةٍ في المدينة؟ أخذَ يتساءلُ ويتساءلُ، حتى قامَ باستطلاعِ آراءِ الناسِ حولَ ذلك السواد، فسألَ شخصًا مارًا: -ما هذا السواد؟ ولماذا ترتدونه يا عم؟ -سأُخبِرُكَ يا بُني، أحدُ أسبابِ لبسِنا السوادَ في أيّام محرّم الحرام، وشهرِ صفر، أننا بذلك نُعظِّمُ شعائرَ الله (تعالى) أولًا، ونظهر مودّتنا وحبّنا لأهلِ البيتِ (عليهم السلام) ثانيًا، فنحزنُ لحزنِهم، ونُحيي أمرَهم؛ ألم يأتِ في الروايات التي وردت عنهم (عليهم السلام): (رَحِمَ اللهُ من أحيا أمرنا)، فعند لبسِنا للسوادِ شِيبًا وشبابًا، نساءً ورجالًا، ستكونُ تلك ظاهرةً اجتماعيةً تُلفِتُ نظرَ الغريب، فيسأل: ماذا حدث... مثلما فعلتَ أنتَ يا ولدي. وبذا سيكونُ لبسُ السوادِ تمييزًا للهوية الشيعية، وسيعلمُ القاصي والداني بأنَّ النهضةَ الحسينيةَ مستمرةٌ إلى يوم القيامة، وأنَّ الحُزنَ يبقى سرمديًا على سيدِ الشهداء (عليه السلام). وبينما أنا واقفٌ أنظرُ له وهو يسألُ شخصًا تلوَ الآخر من مُختلفِ الأعمار، وإذا به توجَّه بسؤاله لشابٍ موالٍ يافع مُخاطِبًا إياه: -أراكَ ترتدي السواد رغم حرارةِ الجو وأنتَ شابٌ مثقفٌ، وتعلمُ خصائصَ وتأثيراتِ ذلك اللون، لما يوحيه من كآبةٍ وحُزنٍ وامتصاصه للحرارة؟! فأجابه: -نعم صحيحٌ كُلُّ ما تفوّهْتَ به يا أخي، لكنَّ تأثيرَ ذلك السوادِ في مُصابِ أهلِ البيت (عليهم السلام) مُختلفٌ تمامًا، تتغيّرُ صفاتُه وتأثيراتُه، نشعرُ بأنّه انتصارٌ وفخرٌ بالقضيةِ الحسينية، يمتصُّ حرارةَ قلوبِ العاشقين الوالهين لأهلِ بيتِ النبوةِ (سلام الله عليهم)، ويعكسُ نورَ الولاية. بعدها تحوّلَ لإحدى النسوةِ يسألُها: - لماذا ترتدين السواد؟ فهل لديك شخصٌ عزيزٌ قد خطفَه الموتُ منكِ؟ أجابته بقولها: نعم، فقدتُ من هو أقربُ إليّ من أبي وأمي، فالإمام (عليه السلام) هو أولى بنا من أنفسنا، لا تُدانيه منزلةٌ؛ هو أعظمُ وأعلى حتى من منزلةِ الأمِّ والأبِ والولدِ، أليس في مقامِ الزيارةِ نقول له: بأبي أنتَ وأمي يا أبا عبد الله؟! فلبسُنا للسوادِ يختلفُ لمنزلةِ الإمام (عليه السلام) ورتبته منا، ولولائنا المقرون بالعمل، ولبشاعةِ الكيفيةِ التي ذُبِحَ بها الإمام، فهذه رزيةٌ كبرى فقد حزنتْ عليه الحياةُ، وبكتْه بدلَ الدموعِ دمًا كلٌّ من السماء والأرض.

اخرى
منذ 4 أيام
61