حنان الزيرجاوي

قطرات بلا سحاب

بقلم: حنان الزيرجاوي بعد أن أتمَّ صلاة الليل، كعادته فتح كتاب الله؛ ليقرأ بعض الآيات الكريمة بصوته الشجيّ الذي ما أن تسمعهُ إلا ويقشعرُّ بدنك لعظمة خالق هذا الكون ورحمته وعطفه على عباده، ويُشعركَ بأنّكَ تُبحرُ في ذلك العالم المتلاطم الأمواج الذي تتقاذفه الأهواء. نعم، هكذا اعتاد أن يفعل. وقبلَ أذان الفجر بقليل خرج إلى باحة داره وهو ينظر إلى السماء ويفكر في هذا الخلق غير المتناهي، وإبداع صانعه وقدرة خالقه... ثم تأخذُه التفاتةٌ إلى قمرِ تلك الليلة المنير. نعم، إنّها ليلة الثالث عشر من الشهر القمريّ ونور القمر يُبهرُ الناظرين، وبين تلك الالتفاتة وسحر الانبهار، تذكر أنها ليلة استشهاد الصديقة الطاهرة سيدة نساء العالمين وبضعة المصطفى وحليلة المرتضى وأم السبطين. جلس وهو يجر آهات حزنه. جلس وهو يتذكر ما عانت من آلام جلس وهو خائر القوى. وبين ذلك الجلوس وتلك التساؤلات أحسَّ بقطرةِ ماءٍ نزلت عليه من السماء. نظر إلى الأعلى لم يجد سحابة ينفذُ منها المطر. طأطأ رأسه فانهالت عليه قطرات أخريات. رفع رأسه فلم يجد شيئاً وبين تساؤلاته وحيرته وإذا بصوتٍ حزينٍ يشقُّ جدار ذلك الصمت الرهيب. إلى أين تنظرُ إلى أين؟ نظر َيمينًا شمالًا فلم يجد أحدًا. هل أنا في حلم؟ وقبل أن يكمل... أنا... أنا... نعم أنا أنظر إلى أعلى. أنا الذي أكلمكَ... نعم، أنا القمر الذي أشاح بوجهه في مثل هذا الوقت في غابر الزمان. أشاحَ بوجهه عن الدنيا. وهذه القطرات هي دموعي التي انسكبت مني عنوةً بعد أن حاولتُ أن أحبسها حتى لا تفضحني، ولكنها انسكبت... أتدري لماذا؟ في مثل هذا الوقت وفي تلك الليلة وقُرَيب الفجر كما نحن الآن رأيت نعشًا يُحملُ فوق أكتاف رجال قلة، ومن خلفهم صبيان لم يكن المشيعون إلا أقل من عدد الأصابع. التفتُ لمن حولي وأنا في ذهول أتساءل: أين تلكمُ الأمة ذهبت، فلا أرى من يسير خلف هذه الجنازة إلا هؤلاء؟ تساؤلات وتساؤلات وأنا التفتُ من هنا ومن هناك. وإذا بصوتٍ من كوكبٍ حزين. أتدري جنازة مَن هذه؟ كلا.. كلا.. آه... آه... إنّها جنازة بنت نبي هذه الأمة. عجبًا! عجبًا! بنت نبي هذه الأمة! نعم... نعم... هنا بقيتُ أراقب، فإذا بذلك الرجل الذي خبرته وصاحبته ليلًا؛ لأنه صديقي في الليل، وقد اعتدت سماع مناجاته، ولكن ما أدهشني هو أن قواهُ منهارة. نعم، وإذا به يبقى وحيدًا معها يحفر قبرها، ينزلها في ملحودتها، يُهيل التراب عليها. يجلسُ يخطُّ تراب القبر بأنامله، يرثيها بأجمل الكلمات. نعم، وأنا أسمعُ وأرى كلّ ذلك الحنين. ولكن ما جعلني أنهار وأُمطرُ الدنيا بدموعي عندما حانت مني التفاتة إلى تلك الطفلة الصغيرة وهي تندب أمها. هنا انقطع الصوت؛ لأنّ ذلك الرجل أُغميَ عليه. فبلَّلَهُ القمرُ من دموعه حتى أفاق.

اخرى
منذ شهرين
117

ما هو معنى أن الله تعالى موجود في كل مكان؟

من أسئلتكم بقلم: حنان الزيرجاوي إذا كان الله في كلّ مكان كما قال الإمام عليّ (عليه السلام)، فهذا يعني أنّه في دورات المياه، والعياذ بالله! الجواب: ينبغي الالتفات إلى أن للسؤال فنه وقواعده، ومهما بدا مقبولاً فإنه قد يكون مبنيًا على مغالطة لا يلتفت لها صاحبه، والسؤال الخاطئ لا يمكن أن يجاب عنه بإجابة صحيحة مباشرة، بل لابد من توضيح المقدمات اللازمة حتى يمكن الوصول إلى إجابة ترفع الإشكال، وفي نفس الوقت توضح المغالطة في السؤال، ومن هذه المقدمات هي:- 1/هناك أمور كثيرة يؤمن بها الإنسان ولا يراها بأم عينه، وإنما يستدل عليها بفكره ومنطقه عن طريق رؤية آثارها، مثل الجاذبية التي لا نراها ولكننا نعرف وجودها الأكيد عن طريق جذبها للأشياء، وكذلك وجود الكهرباء التي لا نراه بالعين لكننا نؤمن بوجودها ونرى آثارها في المصباح المنير وفي الآلة التي تعمل بالكهرباء. 2/ هناك أشياء لا نراها ولا نلمسها فنظن أنها غير موجودة، ثم يأتي العلم فيكشف لنا عن وجودها، وهذا معناه أن عدم معرفتنا لها لا يلغي وجودها. فقطرة الماء الصافية إذا نظرنا إليها لا نرى فيها شيئا، لكننا إذا نظرنا إليها بواسطة المجهر (الميكروسكوب) فأننا نرى بحرا تسبح فيه عشرات الأجسام الحية والحيوانات الصغيرة. 3/ لا يخفى أنّ الموجود إمّا مادّي، وإمّا غير مادّي. والموجود المادّي، هو: الموجود الذي له مادّة وجسم - أي له أبعاد ثلاثة: طول وعرض وعمق - والجسم يستدعي كونه في مكان خاص وجهة خاصّة، ولا يمكن للجسم أن يكون في مكانين أو جهتين أو أكثر، وإلاّ لصار جسمين أو أكثر لا جسم واحد. والموجود غير المادّي، هو: الموجود الذي ليس له مادّة وجسم، بل هو مجرّد مفارق للمادة، فهو ليس له مكان خاص ولا جهة خاصّة، إذ لا يخضع لقانون المادّة، ومنها: المكان. بعد هذه المقدّمة، نقول: إنّ وجود الله تعالى وجود غير مادّي، فهو موجود في كلّ مكان، وفي كلّ جهة، لا بمعنى التحّيز والمحدودية، بل بمعنى الإحاطة القيومية والإشراقية، ولا يكون إلى مكان أقرب من مكان، بل نسبة جميع الأمكنة إليه سبحانه وتعالى على السواء؛ قال تعالى: (( وَللّه المَشرق وَالمَغرب فأَينَمَا توَلّوا فثَمَّ وَجه اللّه إنَّ اللّهَ وَاسعٌ عَليمٌ ))، (١). أي: إنّ الله تعالى يملك ما بين المشرق والمغرب، فله تعالى السلطة والقدرة على ما بينهما، فأينما توجّهوا وجوهكم، فثَمَّ وجه الله، أي لا يخلو منه تعالى مكان ولا جهة، وقد وَسِعَ كلّ شيء قياماً وإشراقاً وعلماً وقدرة ورحمة وتوسعة على عباده، وعليم بمصالح الكلّ، وما يصدر عن الكلّ في كلّ مكان وجهة، ولا يخفى عليه خافية. وقال تعالى: (وَنَحنُ أَقرَبُ إِلَيهِ مِن حَبلِ الوَرِيدِ)،(٢) وجاء في (الاحتجاج) للشيخ الطبرسي، في ذيل هذه الآية: ((فقال ابن أبي العوجاء: ذكرت الله فأحلت على الغائب. فقال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): (ويلك! كيف يكون غائباً من هو مع خلقه شاهد، وإليهم أقرب من حبل الوريد، يسمع كلامهم ويرى أشخاصهم، ويعلم أسرارهم؟!). فقال ابن أبي العوجا: فهو في كلّ مكان، أليس إذا كان في السماء كيف يكون في الأرض، وإذا كان في الأرض كيف يكون في السماء؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): (إنّما وصفت المخلوق الذي إذا انتقل من مكان اشتغل به مكان، وخلا منه مكان، فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما حدث في المكان الذي كان فيه، فأمّا الله العظيم الشأن، الملك الديّان، فلا يخلو منه مكان ولا يشتغل به مكان، ولا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان) (٣). إن الإيمان بوجود الله وبقدرته هو رأس الإيمان، والأصل الذي يتفرع عنه كل إيمان آخر. والإيمان بالله هو إيمان بوجود لا يحدّه شيء وليس كمثله شيء. ونحن نستدل عليه من آياته في الكون والطبيعة والإنسان: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) (٤). إذن مسألة الإيمان بوجود الشيء هي مسألة متكاملة، هي إيمان بما ترى، وإيمان بما لا ترى ولكن ترى آثاره، وإيمان بما تستدل عليه، كما أنه إيمان بعالمين: عالم الغيب وعالم الشهادة. ومع الإيمان يأتي التصديق، والتصديق نوعان: تصديق بالأصل، وتصديق بالكيفية، وعدم علمك بالكيفية لا يلغي تصديقك بالأصل. وبعد هذا البيان يتّضح الجواب عن سؤالكم، فالموجودية ليست موجودية مادّية، بل هي موجودية غير مادّية، فهو تعالى مطّلع عليها، ولا يخفى عليه منها شيء، وله السلطة والقدرة عليها، وإلاّ يلزم جهله بها. _____________________ ١-سورة البقرة الآية:١١٥ ٢-سورة ق الآية :١٦ ٣-الاحتجاج: ج2 ص75 ٤-سورة فصلت :الآية ٥٣.

اخرى
منذ 6 أشهر
298

رمزٌ لامرأة نصرت حسين عصرها

بقلم: حنان الزيرجاوي لقد كانت ومازالت قصة الحسين (عليه السلام) هي القصة الكونية التي ملأت العالم عبرات، وملأت العالم أفكارًا، وملأت العالم مشاعر، وملأت العالم محبة وإنسانية، ولو تتبعنا مسيرة الإمام الحسين (عليه السلام) في نهضته العظيمة منذ خروجه من مدينة جده (صلى الله عليه وآله) إلى استشهاده في كربلاء لوجدناها تفيض عطاءً وعظمة، فإضافة إلى مشروعية الثورة التي اتخذها (عليه السلام) منطلقاً لرفع راية الرفض بوجه السلطة الأموية المستبدة، فقد مثّل في مواجهته قوى البغي والاستبداد أعظم مبادئ الإسلام في الوقوف بوجه الباطل ومجابهته مجسّداً قول النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله): (أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر). ومن جميل التضحية وجمال الإقدام للاستشهاد بين يدي ابن بنت النبي (صلى الله عليه واله) أن الجميع نذر نفسه فداء (من طفلٍ رضيع، إلى شيخٍ كبير، إلى نساء مخدرات في خيمٍ محترقات)، وكأن لسان الحال يقول له (عليه السلام): سيدي، الرجال يريدون نصرتك، والنساء تريد نصرتك، والعبيد يريدون نصرتك، والأطفال يريدون نصرتك... كما جسد أصحاب الحسين (عليه السلام) وأهل بيته في نهضته الروح النبوية والأخلاق المحمدية السمحاء، فكان الحسين عظيماً في كل حركاته وسكناته كما كان عظيماً في جميع أقواله وأفعاله. (كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء)، مقولة لطالما سمعنا ونسمع بها، وبوجه خاصّ، مع ذكرى استشهاد الإمام الحسين(عليه السلام)، وأهل بيته وأصحابه، وهي تعبّر عن استمرار الثورة الحسينيّة بكلّ مفاعيلها عبر العصور، واستمرار نتائجها في خلق جيل نهضويّ تغييريّ يواجه الظّلم، ويجعل من مختلف ساحات الحياة ميادين للجهاد، من أجل تثبيت دعائم الإسلام، وتكريس خطِّ الله وإعلاء كلمته، فكل شخص أين ما يكون موقعه وموقفه فهو بين أصحاب الحسين (عليه السلام) وجيش يزيد (عليه اللعنة) "إني أخير نفسي بين الجنة والنار" فرب البيت هو بين أن يطعم عائلته لقمة حلال فيكون ممن نصر الحسين (عليه السلام)، أو يطعمهم الحرام فيكون ممن أعان على قتل الحسين (عليه السلام). وصاحب الوظيفة بين أخذ الرشوة فيكون ممن خذل الحسين (عليه السلام)، وبين رفضها فيكون ممن أغاث الحسين (عليه السلام). فكل مكان كربلاء، وكل يوم يمر عليك هو عاشوراء بفكرها ومنهجها ومشاعرها. وممن نصر الحسين (عليه السلام) في عصرنا الحالي النساء اللواتي قام بإعدامهن النظام الظالم ولم تكن هذه النساء اللائي اعدمن نساء بسيطات، بل كُنّ نخبة النساء في المجتمع في الأخلاق والعلم والجهاد والتضحية والزهد والورع والتقوى، كانت غيرتهن على الإسلام والمجتمع أفضل من غيرة الكثير من الرجال في وقت قلّ الناصر للإسلام، فكُنّ كطوعة في نصرتها لمسلم بن عقيل بعد ان خذله المتخاذلون. لقد ضحّينَ بكل ما يملكْنَ وهُنّ نساء من أجل الإسلام ومن أجل إقامة مجتمع مؤمن مسلم متكامل. وفي مقدمة هذه النساء الشهيدات الزينبيات الرساليات وقدوتهن في الشهادة العالمة الفاضلة الشهيدة آمنة الملقبة ببنت الهدى، التي قتلها يزيد العصر ، لأنها أرادت إعلاء كلمة الحق بأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، فكانت (رضوان الله تعالى عليها) مثالًا يحتذى به، ونورًا يضيء درب المتلهفات على حب الحسين (عليه السلام)، فقد نصرت الحسين (عليه السلام) بعفتها، وعلمها، وتأليفها، وتاريخها المفعم بنور الإيمان، والمكرس بذكر الديان. وقد كانت زهرة نضرة، تقطر ذكاء وقدرة على التعلم، اهتم بها أخواها، وعلّماها النحو والمنطق، والفقه والأصول.. في البيت، وبالرغم من أنها لم تذهب إلى المدارس الرسمية، إلاّ أنها اظهرت ميلاً ورغبة قوية في أن تنهل من الكتب والمطبوعات، فكانت تنفرد ساعات من النهار، في غرفتها، تغوص في أعماق الكتب ـ التي كانت أكثرها مستعارة من معارفها وزميلاتها ـ لتروي ظمأها إلى المعرفة، وتلهفها للثقافة. نذرت نفسها لله تعالى وللإسلام والتي كانت تقول (أي قيمة للإنسان إذا لم يكن عمره لله والإسلام). عطاء هذه النساء المؤمنات العفيفات الرساليات ومواقفهن التي تشابه مواقف الحوراء زينب (عليها السلام)، عندما تقول (ما رأيت إلا جميلا)، كان موقفهن وهن يستقبلن الموت والإعدام كمن تزف إلى عرسها، إن مواقف النساء اللواتي يقفن هذه المواقف ويتعطر الآخرون بسيرتهن يندر وجودهن. فهنيئاً لمن نصرت الحسين (عليه السلام)، بكلمة، أو بدمعة، أو بإقامة مأتم، لكي يكون فعلها هو صوتها الذي يقول لبيك يا أبا عبد الله الحسين. فما أعظمك يا سيد الشهداء؟ وما أروع مواقفك؟ وما أجلّ ثورتك التي تعلمنا كل يوم درساً متجدداً. فسلام على روحك العظيمة، وسلام على نفسك الزكية، وسلام على دمك الطاهر، وسلام على خلقك النبوي العظيم ورحمة الله وبركاته.

اخرى
منذ 6 أشهر
439

آهاتٌ ما زالت تتنهد

بقلم: حنان الزيرجاوي دخل بهدوءٍ، بخطواتٍ واثقةٍ، وقلبٍ يكاد لا يستقرُّ بين تلك الأضلاع المرتجفة، بل كان يضع يده أو كلتا يديه على صدره وهو يخاطب تلك العضلة المرتجفة: مهلًا مهلًا أيّها القلبُ أرجوكَ أتوسّلُ إليكَ لا تسبقني ؛ لكي تحظى بشرف اللقاء، رويدكَ أيّها المتلهفُ شوقًا، ألم نتعاهد أن لا نخون بعضنا؟ هل الشوقُ دفعكَ إلى نقض العهود؟ فسمعت قهقهتهُ وهو يقول: وهل للقيا مَنْ تُحبُّ مِن عهود؟ فأمسكتُهُ بقوةٍ ؛كي لا يفرَّ مني . نعم، هذه أول مرة أتشرف بدخولِ مسجدٍ كان أشرف الخلق يجلس فيه هنا وهناك، وكأنّي أسمع شجيّ صوته وهو ينادي على الأمة يعظها، يرشدها، ينذرها، يبلغها، وأنا في طريقي إلى منبره الشريف لفت انتباهي شيء كأنّه غريبٌ على هذا المكان، شيء لا يوضعُ إلا في أماكن الخوف والتخويف. نعم، دققتُ النظرَ ظنًّا مني أنّه يُخيّلُ إليَّ هذا. ولكنْ عادت إليَّ عيني لتخبرني بحقيقة ما رأيت. فخاطبتني: أيّها المسكين إنّه سوطٌ... إنّه سوطٌ... عجبًا لهذا السوط أن تكونَ له تلك المكانة وذلك الاحترام فيوضع بهذا المكان ويُحجبُ بقداسة عن الملامسين ، فجذبني فضولي لأجلس قبالتهُ منبهرًا متعجبًا، وأفتحُ عينيّ تارةً وأغمضهما أخرى وأقترب منه. بسم الله... بسم الله، فزعت وأنا أردد اسم الله، وكدّتُ أُجَنُّ بعدما سمعت تنهيدةً خرجت من خلف ذلك الزجاج. وإذا بصوتِ ذلك السوطِ يناديني: لا تخف رويدك. فتحتُ عينيّ باستغراب ، نعم ، كادت عينيّ أن تخرجا من حدقيتهما . نعم، نعم، أنا أكلمك، يأتيني الصوت ثانيًا من وراء تلك الحجب الزجاجية. ألتفتُّ يمينًا شمالًا أرى الناس منشغلة ولا أظن أحدًا سمع هذا الصوت. ما بك؟! كأنك جُننت؟! ها أنا أكلمك. نعم، أنا أعلم ما تريد قوله: لِمَ أنا هنا؟ ولماذا وُضعتُ خلف الزجاج؟ ومَنْ أكون؟ وماذا عملت؟ التقِط نَفَسًا وسأُخبرُكَ، وسأُشبِعُ فضولكَ، ولكن بشرط أن تستمعَ إليّ وأنت صامت. فأجبته بحركةٍ من رأسي بالموافقة؛ لعجز لساني عن الإجابة. باختصار وبإيجاز ولا تسألني المزيد فإنّ ذلك يجعلني لا أعرف للنوم طعمًا. فأجبته بالموافقة بهزّة رأسٍ خفيفة. أنا ذلك السوطُ الذي كان بيد ذلك العبد اللعين. كان يلوّحُ بي ويضربُ كلَّ مَنْ يُخالف لسيدِهِ أمرًا. وكنتُ فَرِحًا وأنا أُلامِسُ الأجساد الناعمة الرقيقة أتنقل بين جسدٍ أبيض وآخر أسمر، ثم جسد شديد السواد، وافتخر على أصحابي بأنّي أكثر منهم ملامسة للأجساد. إلى أن جاء ذلك اليوم المشؤوم لمّا مَسَكَني صاحبي ورأيته يسير خلف أسياده، فجاؤوا إلى دارٍ كنت أخشى أن أمرَّ بالقرب منها؛ لأنّها عدوة السياط وليس لي صديق فيها. بل كنت أعشق أهلها؛ لأنهم لايُتعِبونَ أصدقائي. نعم، اقتحموا تلك الدار، وأخرجوا منها رجلًا يخشاه الجميع، وسرنا وخرجت خلفنا امرأة في خمارها، وكان صوتُها ينزل من السماء بل هو صوت السماء. هنا التفت سيد العبد الذي يحملني وأمره بالرجوع إليها وضربها. وإنا لا أكاد أصدق ما أسمعه، عاد اللعين وهو يهزّ بي هزًّا عنيفًا، وشعرت حينها أنّي أطيرُ في الهواء، وهوى بي نحو ذلك الجسد أمسكتُ نفسي، تعلّقتُ بكلِّ شيء يُلامسني، توسّلتُ بالهواء أن يمسكني، ولكنّي فشلت. خاطبتُ نفسي: مهلًا… مهلًا… لا تقسي على جسدٍ أحبَّ السجود والتذلّل والخشوع والخضوع لله، ولكنّ قوة ذلك العبد أجبرتني على أن اهبط بقوةٍ عجيبة، أحسستُ معها أنَّ ذلك الجسد قد تمزّق... كفى… كفى، أرجوكَ لا أستطيع أن أُكمل. كفى... فما زلتُ أتألّمُ منذ ذلك اليوم... كفى، ما الذي جاء بك نحوي؟ كفى ، فالكثير الكثير يراني ولم يكترث بي. وانقطع الصوت... نعم، انقطعَ الصوتُ، وانقطع معه قلب لا يكاد يصدّقُ ما جرى. آه... آه... آه…

اخرى
منذ 7 أشهر
1135

بابٌ بين حدثين

بقلم: حنان الزيرجاوي حين سمعت بمَن جاء لخطبتها ذُهلت، وفرحت، وفرحتها أنها ستُصبح زوجةً لخير خلق الله بعد رسول الله (صلى الله عليه و آله) . وجاءت تلك اللحظة التي كانت تنتظرها، في واقع تجسّدَ بيدٍ كريمة رؤوفة، تمسكها لعالم تتجسّد فيه الجنة . جاء بها بعلها أمير المؤمنين (عليه السلام ) ؛ لينقلها من بيتها ذي الكرم والإيمان والخلق إلى بيتٍ من بيوت الله. وهنا تبدأ أول نفحات الإيمان، وهنا تتجسّدُ أول لمسات الحنين ، وهنا يظهر معدن الخلق والإيثار ، لقد تسمّرت قدماها على الأرض، والحزن رافقها ساعتها... أفرأيت عروسًا بيوم زفافها تحمل كلّ ذلك الألم في نفسها؟! أتدرون لماذا حدث هذا؟ نعم ،نعم ،حدث هذا عندما رأت ذلك الباب الذي لم يدافع عمّن لاذت به. هنا نظرت إلى ذلك الباب نظرةَ عتابٍ مصحوبةٍ بزفرات، ممزوجة بلؤلؤ تناثر على وجنتيها. وهي بين هذا وذاك، بين عتابٍ وأنين، وإذا همسات باب فاطمة، يطلق أنينه الذي لم ينقطع من ذلك اليوم، ويخاطبها: - سيدتي ، أنا من أعياه حزن السنين، دعيني أُسمعُكِ حجتي. ألا يحق لي أن أدافع عن نفسي؟ فسبقته بنطق حروفها، وبصوت رفيع حزين: - في خاطري تجول كلمات منذ سنين، هلا أصغيتَ لي . نعم... نعم ،حبا وكرامة. أما كانَ لكَ أن تقاوم اولئك الطغاة؟ لِمَ كنتَ طوعَ أمرهم؟ أما شعرتَ بذلك الجسم الرقيق النحيف وهو يلتمسكَ الابتعاد؟ ألم تستطِع أن تأمرَ ذلك المسمار فينخلع بعيدًا؟ أم خفت على نفسِكَ أن تُصبحَ أشلاءً ولم تخَفْ على صدرِ البتول؟ كيف تحركتَ ولم يأذن أهلك أن تنفتح؟ أما خشيتَ أن تحرقكَ السماء بفعلتك هذه؟! -ليتني –قال الباب- لم أكن، قد تجمعت أوصالي من هنا وهناك لأكون ما أكون. فأنا وما زلت أطهر بابٍ من بين تلك الأبواب جميعًا. أ فتعلمين من هي الأيادي التي لامستني؟ يحسدني الحاسدون على ذلك. ولكن ماذا أصنع، وقد أقدمَ القومُ على حرقي؟ فذاك اللعين، وضعَ كلّ قواهُ على صدري، وكلّما حاولتُ أن أُمسِكَ نفسي لم أستطع، تعلّقتُ بالجدار الذي قبالتي فأفلتني. كنتُ أُقاوِم، وأُقاوِم وأُقاوِم، ولكن فشلت. فقلتُ لمسماري اخرُجْ من سباتك، واتكأ على حائطنا، الذي هو خلفنا، ولم أعلم أن اتكاءه يكون على صدر البتول ؛ لينفذ إلى صدرها . أنا لا أحتمل اللوم والتقريع... -آه ..آه ..أيها الباب كيف لي أن أراكَ صباحًا ومساء. ولكن ذلك الباب الذي وجدته مفتوحًا في أول يوم دخلتُ دار أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وجدتُهُ مغلقا عندما جاءت تواسي زينب. دخلته شابة وجاءت إليه وهي عجوز فوجدته موصدا. وحينما رآها الباب أجهش باكيًا ؛ لتختلط دموعه ودموعها.

اخرى
منذ 6 أشهر
359

دعيني أشم رائحة الجنة

بقلم: حنان الزيرجاوي اعتاد كل صباح أن يسلك هذا الطريق المؤدي إلى مكان دراسته، فالجامعة التي يدرس بها لا تبعد كثيرًا عن بيتهم، لذلك كان يستغلّ هذه الدقائق -التي لا تزيد على العشرين دقيقة- في مراجعة الآيات القرآنية التي حفظها ليلًا. نسيت أن أذكر لكم، فقد قرّر أن يحفظ ما يمكن أن يحفظه من القرآن الكريم، وقد وضع برنامجًا لذلك، فهو اعتاد على أن لا يهدر وقته إلا بما ينفعه، فكل دقيقة كان قد خطط لها بإتقان ليصل إلى هدفه الذي يصبو إليه، فهذه الدقائق ينتفع منها ويُسمع نفسه ما تم حفظه، وكذلك ليمارس هوايته في السير على قدميه كرياضة أحبها منذ زمن بعيد. وفي يوم شتاء بارد، وذرات مطر تتساقط بهدوء لترسم منظرًا مدهشًا، وهو يحمل بعض الكتيبات، ويمسك بيده تلك المظلة القديمة التي ورثها من أبيه، وكان يعتز بها رغم قدمها، لكن كانت تحمل رائحة أبيه فلا يقتني غيرها، رغم يسر الحال الذي كان هو فيه بما ورثه من أبيه هو وأخوته. نعم في ذلك اليوم لفت انتباهه شيء في طريقه، لم يكن اعتاد رؤيته، رغم أنه لا يحدق كثيرًا في الأرض، ليتجنب حالة الفضول التي قد تصيبه إن رأى أشياءً، فيشغل نفسه لمن هذه، ولمَ هي هنا، وكيف أتت وغيرها، فهمُّه أن لا ينشغل بما لا يعنيه. ولكن ما رآه لم يكن بالإمكان تجاهله، لأنه حدث يثير التساؤل بل يحرك الشعور بالإنسانية عند من يمتلكها، وخاصة إذا كان هذا الشعور مغلف بالدين وحسن الخلق. وقف وكأن شيئًا قيّد قدميه، دقّق النظر، وإذا بعجوز سبعينية العمر أو أقل قليلًا، ولكن لا يعرف هل هي فعلًا استوفت من هذه الدنيا سبعينها، أو ستينها، وقف وهو يحدث بنات أفكاره: مالي وعمرها، وكم أخذت من هذه الدنيا الفانية، أو الدنيا أخذت منها ثمن تلك السنين. أتعلمون لمَ شدّه الحدث، وتوقف عن الحركة؟! لأن منظر تلك المرأة غريب فعلًا، فقد افترشت الأرض والتحفت السماء في يوم لا تخرج فيه الناس إلا لضرورة عمل أو ضرورة أخرى. انحنى قليلًا، وحياها بتحية الإسلام، فردت عليه بصوت ضعيف مرتجف، والبرد يهز أجزاء جسدها المتهالك. أيتها الحاجة، لمَ أنت هنا في هذا الجو الممطر البارد؟ وأين أذهب يا بني؟ إلى بيتكِ! عندما سمعته فتحت عينيها، وهي تحدق به، وتطيل النظر إليه لتكسب دموع أحرقت حرارتها جلد وجهها المتجعد. بيتي! كان لي بيتٌ... كان لي بيتٌ جميل ببناء، لكنه خاوٍ من داخله. وأين أصبح الآن؟ هو موجود كما كان... إذن لماذا تركتيه وافترشتِ الأرض؟ لم أتركه، بل هو تركني! كيف تركك وهو حجر لا يفقه إلّا التسبيح. مَن بداخله أجبروه على أن يلفظني خارج أسواره! أولادي الذين حملتهم، وربيتهم وأطعمتهم، وأعطيتهم من كلي لجزئهم، قالوا: لا حاجة لنا بكِ، فقد أصبحت ثرثارة تؤذين زوجاتنا بطلباتكِ، فاخرجي لا نريد أن نراك هنا! كان كلامها كالصاعقة التي نزلت من السماء أو كَسهم أصاب قلبه العطوف. لم يصدق ما سمعه. هل من الممكن أن يوجد إنسان بهذه الوحشية؟! أفعلًا ما تقول هذه المرأة؟! وبين تلك التساؤلات أوقفه صوتها المرتعش: بني إن كنت تريد مساعدتي فاحملني إلى دار العجزة. فالتفت إليها: أ بهذا الحال؟ نعم بني، نعم. هل تسمحين لي بأن أصحبك إلى منزلنا لتحصلي على الدفء، وقليل من الطعام ثم أحملك إلى اي مكان تُريدين؟ أشكرك يا بني... إن كنت تريد المساعدة فاحملني إلى حيث أرغب. نهض مسرعًا، وأشار بيده إلى مركبة قريبة، وساعدها على النهوض وأوصلها إلى حيث تريد... وبما أنه تأخر كثيرًا عن موعد درسه، والحزن يلفُّه، قرر العودة إلى البيت وهو غير مصدق ما رأى. دخل مسرعًا إلى حجرة أمه فابتسمت بوجهه ابتسامة الرضا، وحدّقت بعينيها بنظرة استغراب، وهي ترى الحزن ظاهرًا على محياه وعودته مبكرًا. سلّم عليها وبدأ كعادته يقبّل يديها، وهي تقبل رأسه وتشمه، انحنى على قدميها ليقبلهما، وهو مستغرق بالبكاء... منعته وسحبت قدميها! ألحّ كثيرًا لتقبيلهما، وهي تأبى ذلك. رفع رأسه وناجاها بصوت رقيق مختلط بالدموع: حبيبتي دعيني أشم رائحة الجنة...

اخرى
منذ شهرين
235

آمنة بنت الهدى .. رمزٌ لامرأة نصرت حسين عصرها

بقلم: حنان الزيرجاوي كانت الطالبات في داخل الصف بانتظار مدرستهن المحبوبة لديهن. نعم، مدرسة التربية الإسلامية التي اعتادت الطالبات على بسمتها الجميلة وكلماتها الدافئة وهي تنصح هذه وتلاطف تلك وتغضب أحيانًا ولكن حتى غضبها محبب لديهن لأنها تعرف ما تعاني كل واحدة وتساعد من تحتاج المساعدة في رأي أو مشورة. كُنّ في الانتظار وأعينهن تربو صوب باب الصف، فدخلت عليهن وأدّت تحية الإسلام التي دأبت عليها مع طالباتها. ولكن هناك شيئاً غريبا يحدث اليوم! فالحزن والوجوم قد وشح وجهها. هنا بدأت كل واحدة تهمس مع الأخرى. وإذا بصوتها الحنون الذي ينساب إلى أسماعهن كماء رقراق عذب يوقف الهمسات، يوقف كل حركة داخل الصف. بناتي العزيزات... حبيباتي الغاليات... أعلم بما تتهامسن به، نعم أعلم ولكن لأقطع عليكن تلك السلسلة من الأفكار والتساؤلات واشبع لديكن هذا الفضول. من منكن تعرف أي ذكرى أليمة تمرّ علينا اليوم؟ أجابت فاطمة وهي تكاد تنزل الدموع من عينيها: اليوم ذكرى استشهاد سيدة نساء العالمين مولاتي فاطمة الزهراء (عليها السلام). أحسنتِ عزيزتي أحسنتِ. إذن هذا سبب حزني، سبب وجومي، سبب ألمي إذن سنجعل درس هذا اليوم عن سيرة فاطمة الزهراء (عليها السلام). عن عبادتها عن زهدها عن عفتها عن جهادها ونبحث ونقلب صفحات التاريخ ونسبر أغواره لنقتدي بمن سارت على نهجها لنعرف من ارتبطت بها. لقد كانت مولاتنا الزهراء (عليها السلام) مثالًا في كل شيء لمن تبحث عن القدوة. وهنا سألت إحدى الطالبات: اسمحي لي... تفضلي عزيزتي. كيف تجرأ القوم على ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ كيف، وكيف؟ إنه النفاق عزيزتي، إنه الانقلاب على الأعقاب. أستاذتي. نعم: زينب، تفضلي. آه، آه… اسمك يا زينب بهيج آلامًا اسمك زينب واسم أبيك علي، أليس كذلك؟ نعم... نعم أستاذتي. فنزلت دمعة من عين المدرسة وهي تحاول أن تخفيها عن طالباتها، ولكن اختناق صوتها فضح ما أرادت أن لا تظهره، فشاركتها بعض الطالبات بأن انسابت دموعهن كاللؤلؤ يتناثر صفائح بيضاء نقية. حاولت أن تعيد جو الصف الطبيعي... فأشارت إلى زينب، قائلة: نعم زينب تفضلي يا بنتي... ماذا كنتِ أن تريدين قوله؟ استاذتي... نعم... هل هناك نساء في عصرنا شابهت مولاتنا الزهراء (عليها السلام) أو مولاتنا زينب (عليها السلام) في بعض مواقفها؟ بوركتِ عزيزتي... بوركت من تتخذ الزهراء أو زينب قدوة لها لابد أن يظهر ذلك على كل مواقفها. عزيزاتي... سمعتن سؤال زينب؟ من تذكر لنا مثالًا لامرأة شابهت الزهراء (عليها السلام) أو مولاتنا زينب (عليها السلام)؟ مَن مِن نساء عصرنا تركت أثرًا؟ أجابت سندس: نعم استاذتي نعم... تفضلي عزيزتي... إنها بنت الهدى شقيقة الشهيد الصدر. وكيف عرفتِ ذلك؟ ومن هي هذه المرأة؟ استاذتي... لقد جمعنا أبي يومًا أنا وأخواتي الثلاث، وبدأ يحدثنا ويسدي لنا النصائح، ومن ضمن كلامه قال: من تريد أن تنجح في حياتها وتفوز بآخرتها لابد أن تقتدي بمولاتنا زينب (عليها السلام) أو تقتدي ببنت الهدى. فاستغربنا من ذكر هذا الاسم الذي لم نألفه. فبادرت أختي لسؤاله: ومن هي بنت الهدى؟ فتنهّد أبي طويلًا وقال: رحمك الله رحمك الله يا بنت الهدى. عزيزاتي... إنها شقيقة السيد محمد باقر الصدر، هذه المرأة المجاهدة العابدة الزاهدة التي آلت على نفسها إلا أن تشابه موقفها موقف زينب مع الحسين...

اخرى
منذ شهرين
206

شهر رمضان... ثواب وأبعاد أخرى

بقلم: حنان الزيرجاوي شهر تترجم الأفكار فيه إلى وقائع، وتتحول الحروف إلى حركة، والكلمة إلى حياة، شهر يجود الله فيه سبحانه على عباده بأنواع الكرامات، ويجزل فيه لأوليائه العطيات، شهر التقرب من الله للفوز برفيع الدرجات. شهر أوله رحمة، تضاعف فيه الحسنات، وتفتح فيه أبواب الجنان ، وأوسطه مغفرة، تقال فيه العثرات، وتغفر السيئات، وآخره إجابة، تجاب فيه الدعوات، شهر العتق من النار، شهر الاحسان والصدقات، شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن. لكل فريضة أمرنا الله بها علينا حكمة إلهية وعلة، ومن هذه الفرائض هي فريضة الصوم، وكما جاء في روايات آل البيت (عليهم السلام) وخطبهم أن فريضة الصيام هي امتثال لأمر الله وطاعته واثبات الإخلاص له. الصيام يبني الإنسان وفق منهج متكامل الأبعاد، حيث تكون له ابعاد متعددة وآثار غزيرة مادية ومعنوية في وجود الإنسان، ومن هذه الأبعاد: البعد المعنوي: فترك الإنسان المؤمن للأكل والشرب وسائر الملذات من طلوع الفجر وحتى الغروب ليس بالأمر الهين، فإنه يحتاج لإرادة قوية وصبر وعزيمة وإيمان، ومجاهدة للنفس لترك عالم الماديات والتحليق في سماء المعنويات التي جعلها الله جزاء للصائمين القائمين القانتين والمستغفرين بالأسحار. ومن أكثر أدعية الصائم في شهر الرحمة هي طلب الغفران والعتق من النيران، والشوق الكبير للفوز بجنة جعلها الله للمتقين وللمؤمنين، فرجاء الإنسان برحمة الله يبعث فيه الارتياح والسعادة، ويقوي عزيمته وإرادته وصبره، فالخوف من نار أعدت للمذنبين والرغبة بجنة أعدت للمتقين تجعله يستقيم، فكل خطوة في هذه الحياة بحاجة إلى رجاء وخوف. البعد الروحي: الصوم ينقل الإنسان إلى عالم ملائكي، وأجواء روحانية عظيمة، لمن يطبق الصوم بشكل صحيح، لأن الصيام ليس ترك الطعام والشراب فقط، فالإسلام لا يريد من الصوم أن يكون حالة جسدية فقط، بل حالة روحية ونفسية وسلوكية، فالصوم وسيلة تربوية لبناء الفضائل، ودلالة ذلك واضحة في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (سورة البقرة:183) ما يصنع الصائم بصيامه إذا لم يصن لسانه وسمعه وبصره وجوارحه؟! شهر رمضان فرصة عظيمة للتدريب على الالتزام والاستقامة والعمل بما يأمر به الدين والعمل بالواجبات وترك المحرمات، وكل ما كان الإنسان مستقيمًا أكثر كان أقرب درجة. فالصوم يطهر النفس ويهذبها، فهو يفتح شغاف القلب، ويمنح القدرة والقوة، ويبعث في النفس النور والصفاء. البعد التربوي والأخلاقي: من يلامس جسده نسيم ونفحات هذا الشهر المبارك، فإنه ينقله من حالة السكون والركود إلى حالة الحركة والعمل الدؤوب، ليصبح بذرة تبعث الحياة وروح التفاؤل في كل أركان الدنيا. شهر رمضان هو فرصة مناسبة لتربية الإنسان، فهو عامل محفز لعمل الخير، وتعويدها على الأخلاق الكريمة كالصبر والحلم والجود والكرم ومجاهدة النفس. والابتعاد عن الشر والبخل والغرور والطمع والبطر. روي عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) قال: صوم الجسد الإمساك عن الأغذية بإرادة واختيار خوفًا من العقاب ورغبة في الثواب والأجر، صوم النفس إمساك الحواس الخمس عن سائر المآثم، وخلو القلب من جميع أسباب الشر... البعد الاجتماعي: شهر رمضان منعطف مهم في حياتنا الاجتماعية نحو التغيير للأفضل، والسير قدمًا نحو الطريق المستقيم والصحيح، وتحمل أعباء المسؤولية الفردية والاجتماعية. إن مراقبة الإنسان لنفسه للحفاظ على جوارحه وأفعاله وكل حركة منه خلال شهر رمضان، لها دور مهم في بناء الإنسان خارجيًا، إذ سرعان ما تنعكس على ظاهره، ومما يؤكد هذا المعنى قوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (سورة الرعد:11) فدلالة هذه الآية الكريمة على أن التغيير الداخلي للإنسان يسهم بدور كبير في تغيير بناء الأمة، لأن الفرد هو جزء من مجتمع، ومن الخطأ بين الناس أن التغيير والإصلاح إنما يحدث ويبدأ من المجتمع نحو الأفراد، بل إن عملية البناء والتغيير إنما تحدث من الأفراد أنفسهم متجهة نحو الآخرين، وبتظافر الجهود الفردية واجتماعها تحدث عملية البناء والتغيير الاجتماعي للأمة، وبالتالي متى ما يحدث التغيير الداخلي يحدث التغيير الخارجي، فإن كان خيرًا فخير أو شرًا فشر. (١) وهذا ما حثت عليه الشريعة الإسلامية بأحكامها الشرعية والاخلاقية التي تبني إنسانًا متكاملًا صالحًا لبناء مجتمع، وكذلك ما نلحظه في قول الرسول (صلى الله عليه وآله): (من أصلح باطنه أصلح الله ظاهره) (٢). شهر رمضان تتعزز فيه روح التعاون والتكافل بين أفراد المجتمع، ليجد الغني مضض الجوع فيعطف ويحن على الفقير. وكذلك أيام شهر رمضان تساعد في توطيد العلاقات العائلية فيما بينهم، والعوائل المفككة من الممكن أن يكون هذا الشهر الفضيل سبب تصالح الخصماء، سواء على صعيد الآباء والأبناء أو الأخوة والأخوات والأقارب، وبذلك تعالج مشكلة القطيعة بين صلة الأرحام، قال تعالى: {وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} الأنفال (الآية ٧٥) وتبادل الزيارات بين الأصدقاء والأيتام والمحتاجين. يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} سورة الحجرات (الآية ١٣) هو فرصة لتطهير النفس من امراض القلوب التي تساعد في تباعد الأفراد، وتزرع الأحقاد والعداوات فيما بينهم. البعد الصحي: إن الله سبحانه وتعالى لا يأمر أو ينهى عن شيء إلا وفيه حكمة ومصلحة للإنسان سواء أكانت المصلحة متحققة في الدنيا أم مؤجلة للآخرة. للصوم فوائد صحية عديدة نذكر أن ما جاء عن الصادق الأمين النبي (صلى الله عليه وآله): (صوموا تصحوا)(٣) ، فهو كلام جامع لكثير من المعاني التي تصح الصحة أن كانت جسدية أو نفسية . ونذكر قليلًا مما يعالجه الصوم في الصحة الجسدية ، منها :- - التخلص من الدهون المتراكمة في الجسد، الناتج من الإسراف بتناول الأطعمة المختلفة بمرور الوقت (٤) - تخليص الجسم من الفضلات الزائدة التي تكون وسط صالح لتكاثر الميكروبات والأمراض. -ثبت علميا قديما وحديثا أن الإمساك عن الطعام يعتبر علاجًا فعالًا لكثير من الأمراض. - يجدد الخلايا الجذعية ويقوي جهاز المناعة. - يرفع من مستوى الذكاء بسبب تأثير الجوع على الدماغ. - يساعد على انخفاض ملحوظ في معدل السكر بالدم. - يقلل من معدل كريات الدم البيض في الدم. - يساعد بتجويع الخلايا السرطانية، والحماية من الإصابة بها. _____________________________ ١- الطبرسي، مجمع البيان: 6/15، والرازي، مفاتيح الغيب: 9/19 ٢- الكليني، الكافي: 8/307 شهر رمضان تتعزز فيع روح التعاون ٣- بحار الأنوار للمجلسي، 59/267، المتقي الهندي، كنز العمال: 8/45. ٤- كتاب الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ج1

المناسبات الدينية
منذ 4 أشهر
528

حان الآن موعدُ صلاةِ العيد

بقلم: حنان الزيرجاوي منذ فجر الولادة... وذكريات الفطر... تلوحُ على أفقِ الذاكرة... وترسم أحلام المنتظرين... على ذلك الصوت الإلهي وترانيم المنتظرين... تُلملم الأحزانُ أوجاعها… وتتوضأ بدموع الدعاء… وتفترشُ الأرض سجادة الصلاة… القلوب الوالهة التي تحطمت بهزات الشوق والبلوى جدرانها... ترمق السماء بشفاه ذابلة تهمس وتنادي: يا بن فاطمة الزهراء (عليها السلام) يا شمسًا خلف السحاب... يا كلمة الله التامة... متى اللقاء؟ والعيون كأنها تحاكي الليل متى يبزغ فجرُ الموعود؟ لنسمعَ زقزقة العصافير بطعم الحرية… وتحتضن الكوفةُ ذلك النسيم وفي تلك الليلة الأخيرة لشهر رمضان... نسمع تكبيرة العيد، وآذان السماء، والدعوة للصلاة. لكن أي دعوة يا ترى؟ الأصوات تتعالى بالنداء: (حان الآن موعد صلاة العيد) بإمامة محمد بن الحسن المهدي (عليه السلام) صلاة مختلفة عن كل عام، شذاها ورونقها يملئ الأرض عبيرًا، ونغمتها المهدوية المقدسة استحالت لحنا نازلًا من اعماق القلوب الملكوتية العاشقة للظهور، فترنمت معها الأرواح لتسجد لرب السماء.

المناسبات الدينية
منذ 3 أشهر
366

ليلة القدر.. سرٌ وتجارة

بقلم: حنان الزيرجاوي في هذا الشهر المبارك الذي يستقبله الإنسان بالطهارة والصيام، وتقوى القلوب لما له من مكانة عظيمة عند الله (جلا وعلا)، فيبدأ الإنسان رحلة أشبه ما تكون مرحلة انتقالية من عالم الماديات إلى العالم العلوي الملائكي، نلاحظ العمل يبدأ من شهر رجب الأصب الذي تصب في الرحمة الإلهية، وأغلب الأدعية تتناول الاستغفار لينتقل بعدها الإنسان لشهر شعبان المبارك، ونلاحظ انتقاله حتى في مضمون الأدعية الواردة عن أهل البيت (سلام الله عليهم) تعبئة ومنهجية متكاملة. فالمسيرة التكاملية لدى الإنسان تكون بشكل دفعي تدريجي ليس هناك انقلاب مفاجئ، فالتغيير يبدأ بحركة تكاملية تدريجية نفسية تسير نحو الكمال الروحي، إلى أن نصل للشهر المبارك الفضيل شهر رمضان. ليرتقي الإنسان بالصوم من حالة الحيوانية والماديات إلى حالة تشبه حالة الملائكة. (١) ويزداد عظمة هذا الشهر بوجود حدث عظيم ألا وهو نزول القرآن الكريم، قال تعالى {إنّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَة مُبارَكَة} سورة الدخان الآية (١) ألا وهي ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)} سورة القدر. روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «...فغرة الشهور شهر الله (عز ذكره) وهو شهر رمضان، وقلب شهر رمضان ليلة القدر...» (٢) نلاحظ هذه المسيرة التكاملية ارتفعت شيئاً فشيئاً إلى أن تصل لليالي القدر. وهنا تقع بعض الأسئلة منها: - متى تكون ليلة القدر بالتحديد؟ -وأين أبحث عن ليلة القدر؟ - وماهي صفات هذه الليلة؟ - وماهي فضيلة هذه الليلة؟ هناك حالة من الإبهام والإخفاء الذي يحيط بهذه الليلة المباركة، روي عن سفيان بن السمط قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام ): الليالي التي يرجى فيها من شهر رمضان؟ فقال: «تسع عشرة، وإحدى وعشرين، وثلاث وعشرين»، قلت: فإن أخذت إنسانًا الفترة أو علة، ما المعتمد عليه من ذلك؟ فقال: «ثلاث وعشرين» (٣). وكل ذلك احتمالات حسب ما جاء في الكثير من الروايات فكل هذه الليالي تعتبر من ليالي القدر، ليس هناك قطع ويقين بتحديد تلك الليلة المباركة، لكن الذي يظهر من الروايات أن تكون ليلة القدر الثالثة والعشرين الاحتمال الأقوى هي التي يفرق فيها كل أمر حكيم. -لماذا هذا الإخفاء والإبهام؟ هناك ملاحظتان مهمتان حول هذا الإبهام وهما: أولًا: قد يكون سبب الإبهام لتوسيع نطاق عمل الخير والعبادة والسير نحو الكمالات العلوية. فاستقبال هذه الليلة العظيمة بالتقوى والصيام المجهز قبلها لفترات لاستقبالها بالطهارة والتقوى، دليل على أنها ليلة عظيمة ومباركة وهذا ما جاء في القرآن والروايات. ثانيًا: إذا كان الإبهام يتعلق بعمل الخير فهو لمصلحة الإنسان، لأنه لو تم وضوح وتحديد نقطة لها لعجز الإنسان، واكتفى بالعمل فقط في تلك النقطة المحددة. ونلاحظ تارة الروايات تنقل لنا أنها تقع في العشرة الأواخر من الشهر، روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» (٤). فنلاحظ وضوح من جهة وغموض من جهة أخرى وهذا معناه أن نطاق الخير قد اتسع لهذه الليلة المباركة، ونحن كمؤمنين هدفنا هو الرضا الإلهي. ونلاحظ أن الإخفاء ليس فقط في ليلة القدر إنما في الكثير من الأمور، فإذا علم الإنسان بلحظة رحيله من هذه الحياة الدنيا فإنه سيتوب قبل موته بقليل ويعمل صالحًا... لكن إذا لا يعلم ذلك في أي لحظة ينتقل لربه وكان موعد موته مبهم سيبقى يترقب ذلك في كل لحظة. الله (جلا وعلا) قد اخفى رضاه في طاعته، فلا نعلم أين يكمن الرضا الإلهي المطلق، لنسعى لنيل رضاه والاستكثار من الطاعات، وكذلك اخفى اولياءه في عباده، لكي لا نحقر عبد من عبيد الله فيمكن أن يكون إنسان بسيط نجهله هو أقرب لله منزلة ودرجة. وأخفى سخطه في معصيته، وأخفى اسمه الأعظم في اسمائه الحسنى لنعظم ونمجد كل اسمائه وهذا ما جاء في دعاء الجوشن الكبير. ما هي ليلة القدر؟ أو ما معنى القدر في هذه الليلة المباركة؟ ورد في الروايات والأحاديث، والتفاسير أن تسميتها بليلة القدر جاءت بسبب أن الله قدّر فيها ما هو كائن إلى يوم القيامة، من خير أو شر، حياة أو موت، صحة أو مرض، كل ذلك يقدر في تلك الليلة المباركة. وكذلك ما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) تقدير الولاية في تلك الليلة، روي عن أبي عبد الله (عليه السلام): "أن في هذه الليلة قدّرت ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، وفضلًا عنه تم تقدير السماوات والأرض) (٥). القدر في اللغة: مصدر: قدر يقدر قدرًا، عبارة عمّا قضاه الله وحكم به من الأمور. (1) وقيل: هو كون الشيء مساويًا لغيره من غير زيادة ولا نقصان، وقدّر الله هذا الأمر بقدره قدرًا: إذ جعله على مقدار ما تدعو إليه الحكمة. اصطلاحًا هو: ما قدّره الله سبحانه من القضاء وحكم به. ومن صفات هذه الليلة المباركة كما جاء في الآيات والروايات: - أنها تشهد نزولًا للملائكة، لا يعني ذلك أنهم لا ينزلون في الأيام الاعتيادية لكن نزولهم في هذه الليلة بصفة مختلفة، قال تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر سَلامٌ هِيَ}، والروح النازلة في ليلة القدر لها العديد من التفاسير، والأصحّ في تفاسير أهل البيت (عليهم السلام) أنّ الروح ها هنا جبرئيل، وتخصيصه بالذكر لزيادة شرفه، كأنّه تعالى يقول: الملائكة في كفّة والروح في كفة. كل ذلك بإذن الله ورحمته. -ليلة القدر لها ارتباط وثيق ودليل بين على وجود صاحب العصر والزمان (عجل الله فرجه الشريف)، إذا كان حدوثها كل عام فعلى من يتنزّل جبرئيل (عليه السلام) بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله) إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة؟! -نزول القرآن في تلك الليلة المباركة زادها عظمة قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ سورة الدخان . -تعتبر ليلة القدر هي بداية للعام، روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «ليلة القدر هي أول السنة وهي آخرها» (٦) -وصفها بأنها أفضل ليالي شهر رمضان روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «فغرة الشهور شهر الله عزّ وجل وهو شهر رمضان، وقلب شهر رمضان ليلة القدر...» (٧) -وسئل أهل البيت عن تفسير ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ سورة القدر الآية (١) فأجاب الإمام الصادق (سلام الله عليه) قال: (اللَّيْلَةُ فَاطِمَةُ وَالْقَدْرُ اللَّهُ فَمَنْ عَرَفَ فَاطِمَةَ حَقَّ مَعْرِفَتِهَا فَقَدْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ) (٨) وهذا بحث يطول شرحه. -من صفات هذه الليلة أنها ( فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حْكيم)، القرآن يفسر بعضه بعضًا، وهذه الآية يقابلها قوله تعالى: (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر سَلامٌ هِيَ). -استمرارية ليلة القدر في كل عام، ولم تنقطع بعد ممات رسول الله (صلى الله عليه وآله). عن داود بن فرقد قال: حدثني يعقوب قال: سمعت رجلًا يسأل الإمام الصادق (عليه السلام) عن ليلة القدر، فقال: أخبرني عن ليلة القدر، كانت أو تكون في كل عام؟ فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) «لو رفعت ليلة القدر لرفع القرآن» (٩). -ليلة القدر والتجارة مع الله إن إخفاء ليلة القدر في عدة ليالي هو لتوسيع نطاق عمل الخير والاستكثار منه –كما تقدم-، وما ذلك إلا لكي يحثنا (جلا وعلا) على العبادة في هذه الليالي المباركة كلها، لماذا نجعل العمر يذهب باطلًا؟ ولماذا نترك أيامنا تذهب هدرا؟! أليس من الأولى أن نجعل لهذا العمر المحدود الفاني قيمة؟ فإذا ما قسناه في مواجهة هذا الكون الهائل الذي يمتد في الآفاق والأبعاد، نلاحظ لا قيمة له ما دام مصيره الفناء والزوال كل شيء في طريقه للفناء إلا وجه الله، ليس أعظم من هو خير من على وجه الأرض وهو نبينا الأكرم (صلى الله عليه وآله) الذي جاءه النداء من السماء بقوله تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ) سورة الزمر الآية (٣۰). والجبال بحجمها الكبير مصيرها الزوال بقوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا)سورة طه الآية (١۰٥). مع قصر ذلك العمر المحدود وقلته التي لا تساوي شيئًا مقابلًا بعمر الجبال باستطاعة الإنسان أن يجعل لذلك العمر قيمة... قد يسأل سائل وكيف يكون ذلك ما دام العمر مدته محدودة وقصيرة؟ الجواب: إن العمل الذي يمارسه الإنسان عندما يقصد به الوصول لله سبحانه وتعالى، وكسب الرضا الإلهي، بمقدور ذلك الإنسان أن يمد في عمره ليتجاوز الكون كله. عندما يعمل عملًا بسيطًا يبتغي منه رضى الباري (جلا وعلا) والتقرب منه يكون جزاؤه جنة عرضها السموات والأرض، يستطيع الإنسان عن طريق صدقة قليلة لإطعام جائع أو كسوة يتيم أو قضاء حاجة محتاج بهذا الثمن البسيط يشتري جنة... وما هذه إلّا التجارة الرابحة مع الله. أين نحن عن ذلك؟ هذه الأعمال والحسنات هكذا أجرها طوال عام كامل، الحسنة بعشر أمثالها، إنها تجارة عظيمة ويا له من رب كريم. كيف إذا أصبحت خلال شهر كامل بأضعاف مضاعفة لا تعد ولا تحصى؟ وكيف إذا جعلت في ليلة هي خير من ألف شهر؟! روي عن الإمام أبا عبد الله (عليه السلام) يوصي ولده يقول: (إذا دخل شهر رمضان، فاجهدوا أنفسكم فإن فيه تقسم الأرزاق وتكتب الآجال وفيه يكتب وفد الله الذين يفدون إليه وفيه ليلة، العمل فيها خير من العمل في ألف شهر) (١۰). ما قيمة تلك التجارة التي تتاجرها خلال ليالي معدودة. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، غفر الله ما تقدّم من ذنبه» (١١).إن الإسلام يحثنا على هذه التجارة وهي لمصلحتنا فالله سبحانه غني غير محتاج، كل عمل يرجع بالنفع لنا. فمفهوم الحضارة الحقيقي والإنساني هي أن يقترن العلم والعمل بالإيمان ليكون الهدف من ذلك هو مرضاة الله أولًا ومنفعة الناس ثانيًا. فالرضا الإلهي هو الضمان للاستمرارية والمنفعة البشرية. لذلك على الإنسان أن يلاحظ أنه هل وصل إلى ذلك المستوى من الفيض الإلهي ليدرك تلك الليلة المباركة؟ فإذا كانت النفس ملوثة بالمعاصي والآثام وغيرها هل تكون جديرة لتلقي الرحمة الإلهية هل تدرك تلك الليلة؟ هل استطعنا تطهير نفوسنا؟ وهل نحن مستعدون لنيل المراتب الكمالية؟ ____________________________ ١- العروة الوثقى ٢- الكافي ج٤ص٦٦ ٣- من لا يحضره الفقيه، ج 2، ص 103، حديث 460. ٤- البخاري، الجامع الصحيح، ج 2ص٢٥٤ ٥- الفخر الرازي، التفسير الكبير، ج 32، ص 28. ٦- الكافي، ج 4، ص 160، حديث 11 ٧- الكافي ج 4ص، 67 ٨- فرات الكوفي، تفسير فرات الكوفي، ص 581 ٩- الكافي، ج 4، ص 158، حديث 7. ١۰- الكافي ج 4ص 67 ١١- مجمع البيان، ج 10، ص 409.

المناسبات الدينية
منذ 3 أشهر
360

كسوف شمس... وبزوغ أُخرى

بقلم: ندى الزيرجاوي ما بين حلم ويقظة في ساعات تأمل في هذا العالم المملوء بالمفاجئات، تغيرت السماء... اختل النظام الكوني... حدثت العديد من المعاجز الكونية التي ذكرها التاريخ بعد مقتل سيد الشهداء، لكن الذي أثار انتباهي هو كسوف شمس ذلك اليوم، وأنا سائر بين طرقات هذا العالم، إذ أظلمت كل تلك الطرقات، لم أر شيئاً يرشد للسير، كان ذاك الظلام هو من سواد عباءة مخدرة الطالبيين، قد خيّم على ذلك النور، لكي لا يرى أحدٌ ذاك القوام، الذي خرج من الخباء، حيث إن شمس الوجود اختفت، وشمس الإيجاد ظهرت، وأي إيجاد؟! بعد تحدُّثي مع نفسي وتقلّب بنات أفكاري، وجدت أنه انكسفت شمس السماء بعد خروج شمس الطف التي نسجت خيوط أشعتها بدخان الخيام... شمس منحنية لهول المصاب، تبزغ فوق ذلك التل الكئيب... حقيقة غيّبها حُكام الظلم والجور في وسط ذلك المجتمع المتدني فكريًا، وإذا بتلك الشمس بزغت من خدر عليٍّ الذي دام عمرًا طويلًا، كما فعل جدها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، عندما بدأ بالدعوة، فنقل الناس من تلك الظلماتِ الحالكةِ إلى نور الحياة، أكملت مسيرة إمام عصرها وابن أمها الشهيد بكربلاء، فضَحّت بذاك وهذا في آن واحد، وعندما ألقت خطبتها في القوم كانت كسيف للقصاص من الظلم والجور ونورًا للتائهين عن طريق الحقيقة. تلك الشمس كانت هي الضياء الذي كشف عن مظلومية كربلاء، وما جرى فيها من انتهاكات وحشية ضد الإنسانية... ذلك الضياء الذي لولاه لربما انطمست معالم النهضة الحسينية تحت ركام التاريخ الظالم لآل بيت النبوة في تلك الحقبة التي تلت واقعة الطف... شمس غيرت مسار المعركة، قلبت موازين الظَلَمة، زعزعت عروشهم، كانت اللسان الناطق والإعلام الصادق لتلك النهضة، أكملت الرسالة الإلهية التي بدأ بها آل بيت النبوة، لتوضّح للعالم أجمع أبعاد تلك النهضة. شمس أشرقت في كربلاء.... لكنها غربت في الشام!

اخرى
منذ أسبوع
86

حقد صانع... حنان مصنوع...

بقلم: حنان الزيرجاوي عندما أصبح يوم عاشوراء كانت الموجودات -كلٌ منها- ينتظر دوره… كانوا شطرين: منهم من كان مشتاقًا متلهفًا، ومنهم من كان مجبورًا مكروهًا. أرى نبلة حزينة، يشرئب عنقها نحو قربة ماء، شرّفها ساقي عطاشا كربلاء... وأرى نبلة أُكرهت على الانطلاق بين طيات الرياح نحو نحر كأنه إبريق فضة يتلألأ، لتتناثر قطرات الدم كأنها در منثور، فترفعها أكف الرحمة نحو السماء... أرى سيفًا أُكره ليكون بيد الطغاة... وسيفًا يفتخر بيدي الإباء، أرى درعًا يفتخر بأنه محامٍ قد عن صد ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله)... أرى شمسًا خيّمت عليها معالم الحزن؛ لأنها ستصهر ذلك الجسد الباقي على رمضاء كربلاء، تحرق تلك الوجوه من آل بيت الرسالة... أرى خيمة تندب حظها أسًى؛ لأنها لم تكن ملاذاً لبنات الزهراء (عليها السلام) إلا أيامًا معدودة... نظرت نحو صورة أخرى من واقعة كربلاء، حيث صديقين يتعاتبان ويندبان حظهما! لماذا لا يلتقيان في واقعة كربلاء؟ إيها القارئ، قد ابتعد تفكيرك نحو مَن هم الصديقان؟ أحدهما من عالم المعنى، والآخر من عالم المادة، هما الماء والعطش، إذ إنهما مهما طال فراقهما يلتقيان، لكن هذا لم يكن مقدّرًا لهما يوم عاشوراء، فهو بأبي وأمي كان صديقه العطش والماء لسوء حظه كان مكرهًا على صداقة الظالمين فلم يلتقيا.

اخرى
منذ أسبوع
78