السلاسل الحزينة

بقلم: ريحانة المهدي بكاء وأنين... صراخ وعويل أجساد مطروحة... رؤوس مقطوعة قلوب مفجوعة... عيون باكية... أجسام منهكة... جائعة... أتعبها العطش... نساء مخدرات تلوذ إحداهن بالأخرى من شدة الحياء.... إمامٌ... بقي النور يسطع من وجنتيه... بجسم نحيل وعيون دامعة...قد أخذ المرض والألم منه مأخذه... فبالكاد يستطيع الوقوف... سيدة جليلة ذات وقار وخمار... لم تتخل عن حجابها حتى وهي وسط تلك النار .... نار الحرب الدامية، نار عاشوراء التي كانت تشبه النار التي أشعلوها في دار أمها… قطعوا قلبها بقتل إخوتها وأولادها وأبناء عمومتها وعشيرتها… أحرقوا خيامها… ضربوها بالسياط… ولكنها... كانت كالجبل الشامخ، رغم حالها وما جرى عليها... تجمع الأطفال من بين الخيام والنار... تلوذ النساء بها... لأنها الحامي من بعد أخوتها ... معينة لابن أخيها السجاد (عليه السلام) تسانده وتؤازره... ورغم كل مصابها كانت تقول "اللهم تقبل منا هذا القربان" سيدةٌ... وهل بالوجود مثلها... بعزها ومكانتها... تلك هي.... زينب... رأت بأُم عينها كيف أن الشمر قد حز رأس الحسين وقطع الأوداج من الوتين... وبعد سويعة انتهى كل شيْ... بقيت وحيدة... تجمع العيال والأطفال بقلب مفجوع وعيون أتعب جفونها الأنين... قد جعلوا الرؤوس أمامها تسير، ليقطعوا نياط قلبها الحزين هذا ما رأيت –أنا تلك السلسلة- في يوم عاشوراء... كنت مذهولًا وحزينًا... رغم أني ليس لي ذنب بما جرى... تمنيت أن لم أكن موجودًا في ذلك الزمان… لقد شاركتُ أعداءهم... يا ويلي... ربطوني بأيدي سادتي فأقرحتها... وسالت الدماء من أرجلهم، فليتها أذابتني كما أذابت قلبي... كنت متألمًا... وحزينًا... وما كان يؤلمني أكثر هو دموع سيدة الصبر والشموخ، التي كانت تتساقط بصمت ، وزفرات وحنين... حزنت وتمنيت أني لم اُخلق، وليتني كنت نسيًا منسيًا... عن أن أسير وثقلي معهم يسير... عذّبتُهم... وما عذّبتُ إلا نفسي... سرت معهم... وليتني لم أسر إلى ذلك المجلس الذي ما فارق اللهو والخمرا... فعذرًا منكم يا آل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله) فأنا من حديد ولم يبق لي تاريخ مجيد فحريٌ بمن يراني أن يتذكر زينب الصبر والخلود ... تلك التي... وقف الزمان أمامها متحيرًا... والصبر من صبر العقيلة يعجبُ هي سيدة الوجود بعد أمها الزهراء (عليها السلام) تلك هي زينب...

اخرى
منذ 10 أشهر
1306

محورية التكليف عند السيدة زينب‘ في واقعة كربلاء (2)

بقلم: فريال ياسر الأسدي محورية التكليف وبطلة كربلاء ‘ مات معاوية وحل محله شاب فاسدٌ شريرٌ لا يصلح أنْ يقود أمةً حديثةَ عهدٍ، رفض الإمام أنْ يبايعه وقال عبارته الخالدة: "مثلي لا يبايع مثله" (ابن الأثير ، الكامل في التاريخ:3/263) وهذا الرفض لم يكن سرياً، بل أعلن الإمام رفضه للبيعة، وكذلك أعلن أنّه يريد الخروج إلى مكة، وقرر × اصطحاب النساء والأطفال معه، وهو × يعلم المصير الذي سوف يلاقيه في كربلاء وهذا العلم سواء كان من الغيب الذي أطلع الله عليه الإمام أم من إخبارات النبي’ مثل قوله:{إنَّ ابني هذا يعني الحسين يُقتل بأرض من العراق فمن أدركه فلينصره} ( مغنية، محمد جواد، الحسين وبطلة كربلاء:344، نقلاً عن أسد الغابة:1/ 146) فلماذا اصطحب الأطفال وهو يعلم بمصيره؟ كان جواب الإمام× عندما سأله محمد بن الحنفية عن أسباب اصطحابه النساء: " شاء الله أنْ يراهنَّ سبايا" (المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار:44/364) أي إن اصطحابه لأهل بيته أمر إلهي وتكليفٌ دينيٌ، وأنه إرادة الله تعالى ومشيئته، وقد أدركت السيدة زينب‘ هذا الأمر الإلهي والتكليف الديني فقالت لابن عباس عندما سمعت نصيحته للإمام الحسين × بأن لا يأخذ النساء معه إلى العراق ، فاعترضت عليه باكية وقالت:" يابن عباس تُشير على شيخنا وسيدنا أن يخلفنا ها هنا ويمضي وحده ؟! لا والله بل نحيى معه ونموت معه وما أبقى لنا الزمان غيره " (البحراني، هاشم، مدينة المعاجز: 3/ 485) إن رد السيدة زينب‘ فيه إشارة واضحة إلى التسليم الكامل لأمر الله تعالى ، وعملها بتكليفها الملقى على عاتقها وتقبلها لهذا التكليف الذي جعلت محوريته قضيتها الأولى في خروجها مع الإمام ×. قلنا: إنَّ المشيئة الإلهية اقتضت خروج السيدة زينب إلى كربلاء (وشاء الله أنْ يراهنَّ سبايا) والسؤال الذي تبادر إلى الذهن: لماذا شاء الله أنْ يراهنَّ سبايا هل في هذا مصلحة؟ ولمن تلك المصلحة، للإمام الحسين× والتعريف عن ثورته بعد مقتله بوصفه نوعاً من الإعلام الواسع لكشف العدو أمام المجتمع أم للسيدة زينب ومكانتها الشامخة المرموقة لتنال بذلك فضلاً لهداية الناس، أم لمن؟ "وهذا التعريف المتأخر عن ثورة الإمام الحسين× ليس لأجل مصلحة الحسين× نفسه ولا لمصلحة أصحابه المستشهدين معه، لأنّهم نالوا بالشهادة ما رزقهم الله جل جلاله من المقامات العالية في الدار الآخرة، وإنما هذا الإعلام إرادة الله سبحانه وتعالى لأجل هداية المجتمع، فما يقال من أنّه إكمال لثورة الحسين عليه السلام، يراد به الجانب الظاهري في الدنيا، لا الجانب الباطني في الآخرة " .( انظر: البغدادي، ابراهيم حسين، زينب بنت علي: 105) ولكن حتماً في البداية لم يدرك المصلحة في اصطحاب النساء والأطفال إلا الحسين× لأنّه شخّص تكليفه، ورفع شعاراً واعياً وتحدى كل من حاول أنْ يثنيه عن عزيمته، ثم بعد ذلك شخّص تكليف الجماعة فأمرهم بالذهاب معه وعندها حتما أدركت السيدة زينب‘ هذا الأمر بوعي فشخّصت تكليفها وسارت بخطىٍ واضحةً لتنفيذه، إنّ قرارها هذا جاء عن إيمانٍ وحكمةٍ وجاء عن منهاج تربوي راقٍ تلقته ‘ فكانت تملك الاستعداد وتملك سعة الروح فكلفها الله بما تطيقه، كل خصائصها التربوية وما يميزها عن غيرها من النساء برزت في لحطة اتخاذها القرار وهو ترجمة لمستوى إيمانها‘، لذلك جاء قرار الخروج عن قوة وإرادة وتشخيص صحيح مبني على أسس عقائدية صحيحة، وهذا القرار جعلته محوراً لأيامها القادمة. وفي كربلاء شخّصت ‘ تكليفها وأعطت ألواناً من الدروس والعبر وألواناً من الصبر والثبات لقد كانت مواقفها لا تقل صلابة وقوة عن مواقف الشهداء الذين بذلوا أنفسهم ودماءَهم في سبيل المبدأ الذي سار ومضى عليه الإمام. إنّها في كربلاء وفي كل المواقف التي عاشتها سطرت لنا أروع القيم والموازنة بين العزة والذل وبين الظلم والعنف وبين الانهزامية والتصدي من أجل إعلاء الحق، إنّها جسدت كل ما سمعته من كلمات إمام زمانها إذْ قال×:" ألا أنّ الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنين: بين السلة، والذلة، وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك، ورسوله، والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام" . (ابن طاوس، اللهوف على قتلة الطفوف: 59) لقد كانت‘ بعد مقتل الإمام × كتلة من الفاعلية والنشاط، لأنّها أدركت تشخيصها الآني، وسعت لتكليفها راضية أولاً بقضاء الله وقدره وساعية لإدارة المسؤولية الملقاة على عاتقها فهي لم تكن مسؤولة عن تشخيص تكليفها فحسب بل هي في هذه اللحظة تقود الركب الحسيني ومسؤولة عن تشخيص التكليف على المستوى العام وأمام الجماعة، إنّها تقف مرة أخرى لترى في أرض كربلاء اجساداً طاهرة على الرمضاء، وخياماً تحترق، وأطفالًا تدور في متاهات الفاجعة، من هذا كله تدرك (عليها السلام) النور الذي يضم أرض كربلاء، والجمال الذي يحتضن تلك الأجساد الطاهرة، وصدى كلمات إمامها الشهيد×" يا أخية، لا يذهبن بحلمك الشيطان، يا أخية، اتقي الله وتعزي بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون وأن أهل السماء لا يبقون، يا أخية إني أقسم عليك فأبري قسمي، لا تشقّي علي جيبا، ولا تخمّشي عليَّ وجها، ولا تدعي بالويل والثبور إذا أنا هلكت" . (المصدر السابق:49 ) محورية التكليف النصر الحقيقي للمشروع الزينبي إنَّ التكليف مخطط له من الله ورسوله وأولي الأمر، وعندما يجعل الله التكليف فلا يمكن أن نخضعه لأفكارنا البشرية المحدودة في مسألة الهزيمة والنصر لأنَّ المشروع الإلهي دائما خارج الأبعاد المقيدة وله استراتيجية بعيدة المدى ليس على المستوى الدنيوي فحسب بل تعبر الى العالم الأخروي الذي هو المصير الحقيقي لمشاريعنا، إنَّ للنصر في المفهوم الإلهي معنى آخر مختلفاً عن كل الموازين العالمية المعروفة، فنصر الفرد المسلم هو في طاعة الله سبحانه وتعالى وعبوديته فأداء التكليف بحد ذاته هو نصر في المنظور الإلهي بغض النظر عن المكاسب التي قد تتحقق وقد لا تتحقق يقول الإمام الخميني:" نحن مكلفون، نعمل بتكليفنا، فإذا عملنا بتكليفنا فقد انتصرنا، سواء أثمرت الثورة أم لم تثمر." (قصار الكلمات، للإمام الخميني) وفي عاشوراء يتقابل طرفان، طرف يقوده ابن بنت رسول الله’ والصفوة الصافية من أهل بيته و أصحابه، والطرف الآخر رؤوس الاجرام والنفاق يقودهم يزيد وأعوانه، وهناك فرق شاسع بين الطرفين، يقول الشيخ محمد مهدي الآصفي (قدس سره): "إن التقابل العجيب بين هاتين الفئتين اللتين تقاتلتا في كربلاء وبين أهدافهما يعتبر واحداً من أغرب نماذج الصراع...لقد كان أحد الطرفين حقاً امتداداً لإبراهيم وموسى وعيسى ورسول الله’ ويحمل معه ميراث هؤلاء الصديقين وهمومهم وطموحاتهم ويعد الآخر حقاً امتداداً لقابيل وفرعون ونمرود والقتلة في التاريخ، وعلى نتائج هذا الصراع يتوقف مصير هذا الخط أو ذاك." (الآصفي، محمد مهدي، في رحاب عاشوراء:2/23) وما حدث في عاشوراء وبحسب الظاهر أنَّ بني أمية قد انتصروا على الحسين×، ولكن لو تعمقنا بالرؤية وتركنا خلفنا أصول المعركة والأبعاد العسكرية والسياسية ومنطور الهزيمة والنصر التي عادة يتخذها أرباب التحليل السياسي لوجدنا أنّ المعسكر الحسيني هو المنتصر، فهذا المعسكر هو الذي يملك القيمة والمبدأ فحتما تكون له العاقبة المحمودة والنصر، فالحسين× انتصر بتحقيق تكليفه أمام الله ورسوله والمسلمين وكذلك انتصرت السيدة زينب‘ عندما قادت النهضة الحسينية وأكملت ما أبتدأهُ الإمام× وتجلت محورية التكليف في وجدانها وأدارت كل المواقف التي مرت بها بعلمٍ وحكمة في القول والعمل وقدمت لنا إرثاً تربوياً راقياً فكانت بحق المربية التي تركّز وتجلّى التكليف بعد تشخيصه في حياتها، فالتكليف له وزنٌ عاليٌ وقيمة تتمحور على أساسه مواقفها‘ إذْ برزت بوصفها شخصية قيادية نهضت بقوة بأثقل تكليف كُلِّفتْ به امرأة فقد ترجمت من خلال كل المواقف التي مرت بها، ترجمت أطروحة الإمام الحسين× الإصلاحية عندما قال: "وأني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله’ أريد أنْ أمر بالمعروف وأنهي عن المنكر وأسير بسيرة جدي’ وأبي علي× فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ومَنْ رد عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين . " (الأمين، محسن، المجالس السنية في مناقب ومصائب العترة النبوية:1/53) لقد نهضت‘ بقوة وإرادة متسلحة بمحورية التكليف لتبين للمسلمين حقيقة النهضة الحسينية والوجه الحقيقي ليزيد ذلك الذي ادعى أنه أمير المؤمنين ومدى فساده العقائدي، إذْ سجلت‘ في رحلة سبيها سطوراً جديدة في معركة الحق ضد الباطل وأعطت معاني أخرى للنصر وفق المنظور الإلهي، فالنصر بحسب رؤيتها‘ عبارة عن تحقيق عبودية الله سبحانه وتعالى وتحصيل مرضاته ولا نحصل على ذلك ألا من خلال لزوم أوامره وطاعته لذلك تقول‘:" إلهي تقبل منا هذا القربان" . (البحراني، عبدالله بن نور، عوالم العلوم:11/958) هذه الفلسفة الإلهية للنصر هي في الواقع جوهر النهضة الحسينية، لأنَّ منطلق تلك النهضة هو تحقيق الرضا الإلهي حتى لو أدى ذلك بحسب الظاهر الى عدم النصر الظاهري.

اخرى
منذ 10 أشهر
1433

محورية التكليف عند السيدة زينب‘ في واقعة كربلاء (1)

بقلم: فريال ياسر الأسدي المقدمة عندما نذكر السيدة زينب‘ هذا يعني أننا نذكر كربلاء وتطوف قلوبنا حول تلك السيرة العطرة، سيرة ابنة الوحي ومربية الأجيال، وهذا يعني أننا نسمع صدىً في أعماق شعورنا {ما رأيتُ إلّا جميلاً}، وفي هذه العبارة تتلخص كل شخصية زينب‘ وكل معرفتها بتكليفها ومحوريته في حياتها، فأي جمال هذا الذي يتجلى لربيبة الوحي ولا تراه العيون المحجوبة عن الجمال الحقيقي في هذا الكون ، وأي جمال تستشعره تلك العارفة بالله ولا تُحسِهُ القلوب القابعة في أكنة الآثام والرذائل. السيدة زينب علیها السلام من سیاقات البحث العلمی: الکشف عن الشخصیة التی یٌراد البحث عنها على فرض أنَّ هناك مَنْ لا يعرفها بالرغم من أنَّ المعروف لا يُعرّف، إلا أن ذلك من مقتضيات البحث العلمي تتطلب ذلك، فضلا عن ضرورة التعرف على نشأة السيدة زينب‘ ، وأُسس تكوين شخصيتها ، ففي الیوم الخامس من شهر جمادي الأولى ، سنة(6 هـ ) ولِدَت السيدة زينب× في بيت علي بن أبي طالب × ابن عم الرسول’ ، وأمها فاطمة الزهراء بنت الرسول’. (زينب الكبرى للنقدي ص17) وقد ذُكِرَت لها القاب عِدّة منها "العقيلة" وهذا وصفٌ للسيدة زينب وليس اسمًا (مقاتل الطالبين، الأصفهاني ، ابو فرج:60) ،وهذا الوصف بحقها جرى على الالسن وله في كتب اللغة معاني عدة منها:" المرأة الكريمة والنَفيسَة و المُخدّرة" . (لسان العرب لابن منظور، العين للفراهيدي في مادة عقيلة) "وهي الوليد الثالث في البيت العلوي بعد الحسن والحسين‘,، قضت السيدة زينب × ما يقارب خمس سنوات من عمرها مع جدها الأكرم رسول الله ’ فكانت تحت الرعاية المباركة لجدها رسول الله ’ وأمها الزهراء ، ونمت وترعرت ونشأت في مدرسة أبيها إمام المتقين واكتسبت منه أعلى مقامات العلوم الإسلامية والإنسانية والمعنوية". (البغدادي، إيراهيم حسين، زينب فيض النبوة وعطاء الإمامة: 22) وهذا تعريف موجز للسيدة زينب: {اللهم تقّبل منا هذا القربان}. مفهوم محورية التكليف محورية من الحور، "والحور: الرجوع عن الشيء وإلى الشيء، حارَ إلى الشيء وعنه حوراً ومنه المحور: الحديدة التي تجمع بين الخُطَافِ والبكرة، والحديدة التي تدور عليها البكرة يقال لها محور" (ابن منظور، لسان العرب:3/ 383ـ 387) المحورية: "اسم مؤنث منسوب إلى محِوَر وهو مصدر صناعي من محور بمعنى مركزية" .( مجمع المعاني الجامع،www.almaany.com) التكليف لغة من كلف : يدل على إيلاع بالشيء وتعلق به ، والكلفةُ: ما تكلفه على مشقة، والتكاليف المشاق أيضا والواحد تَكلِفة. والتكليف تفعيل من الكُلفة، وهو جعل شخص ذا كلفة بتوجيه أمر إليه يجعله في مشقة ومحدودية . (المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم:10/109ـ111) ويعرّف السيد الشهيد محمد باقر الصدر التكليف على أنه تشريف من لله سبحانه وتعالى للإنسان فيقول : "التكليف هو تشريف من الله سبحانه وتعالى للإنسان وتكريم له ؛لأنه يرمز إلى ما ميّز لله به الإنسان من عقل ، وقدرة على بناء نفسه ، والتحكم في غرائزه ، وقابليةٍ لتحمل المسؤولية خلافا لغيره من أصناف الحيوانات ومختلف الكائنات على الأرض". (الصدر، محمد باقر، الفتاوى الواضحة:39) ويقول المحقق الطوسي في وصف التكليف: "التكليف حسنٌ لاشتماله على مصلحة لا تحصل بدونه. (الحلي، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد:437) ويعلق العلامة الحلي في شرح تجريد الاعتقاد :التكليف حسنٌ لأنَّ الله تعالى فعله ، والله تعالى لا يفعل القبيح، ووجه حسنه اشتماله على مصلحة لا تحصل بدونه وهي التعريض لمنافع عظمية لا تحصل بدون التكليف". (المصدر السابق:438) ومن تعريف مفردة المحورية ، و مفردة التكليف، وبعد الاطلاع على مفهوم التكليف أستطيع القول: إنَّ تعريف محورية التكليف اصطلاحا، هو تجلي التكليف بعد تشخيصه في حياة الفرد الُمكلَّف. أي بعد أنْ يشخّص التكليف تكون كل المحورية له... وعرفنا المحورية بأنّها المركزية، أي إنّ التكليف يكون له وزنٌ عالٍ وقيمةٌ تتمحور على أساسه حياة الفرد، وليس في نفسه محورية أخرى غير محورية التكليف، وهذه المحورية تكون خالصة لله سبحانه وتعالى ولا نجد ذلك إلا في شخصية المعصوم الذي تتجلى محورية التكليف في وجدانه بكل صدق في القول والعمل على أساس الاخلاص والنية لله تعالى، ثم تأتي بعد المعصوم مستويات تتحدد قرباً وبعداً من المعصوم بحسب فاعلية التكليف في حياتهم، ومن سيرة المعصومين العطرة سلام الله عليهم نرى أنَّ محورية التكليف في حياتهم لها وزناً عالياً تتركز وتتجلى في مواقفهم السياسية، الإمام الحسن ‘ صالح وكل من حوله كان يناديه بالاستمرار في المواجهة، والإمام الحسين‘ تحرك وواجه وكل مَنْ حوله يناديه بالتراجع وعدم المواجهة، فالتكليف إذا تشخّص عندهم في السكون سكنوا ولم تحركهم العواصف التي تحيط بهم المتمثلة بالرأي العام، وإذا ثبت أن التكليف في الحركة تحركوا ولم توقفهم القوى الأخرى، وهذه صورة رائعة لمحورية التكليف. محورية التكليف وبطلة كربلاء ‘ يتبع إن شاء الله تعالى.

اخرى
منذ 10 أشهر
849

جذوة نصر

بقلم: سماهر الخزرجي مرت سنة... وهذه الدموع تأبى الانقطاع من مجراها، كأنه رافد يجري في ذلك الوجه المتعب الذي ترك الزمن عليه آثاره. ولمَ لا ؟ فوحدها الدموع على أخيها تحدَّ النظر. موجوعة هي وجسمها النحيل غائر في الفراش لا يقوى على الحراك... من رأسها المتعب انطلقت قافلة الذكريات تنسلُ من سرداب الماضي، تقطع الليالي المظلمة. غادر القمر ليلها وغارت نجومه، لا نجم تهتدي به في هذا الليل الأدهم، والصحراء مترامية... وشوك الذكرى يدمي قلبها. رائحة خيام محروقة، صراخ صبية يستنجدون بها ويتجاذبون أطراف عباءة سترت الدين وما أبلاها الدهر... خيول ثائرة، وخرير ماء يجري تبرقع بالحزن السرمدي حياءً منها. سهام طائشة تحلق في الفضاء... سهم يصيب عين القمر، وآخر يخرق كبد القربة لتنزف دمعًا كغيث السماء. مازالت تتخطى الجثث لاهثة وراء ذلك النسيم الذي ينساب إلى مشامها من بعيد، المسافات بينهما بعيدة كلما تقدمت خطوة زادت المسافة بعدًا. جُدد الأرض اكتحلت بالدماء تصطبغ به، تمرّغ وجهها وسيل المنايا تتزاحم عليها... تهج آونة ... وروحها المتوجعة تراوح بين كربلاء والشام. تجيل نظرها في أرجاء الدار، يقع على ظرف ماء وضع بالقرب منها، تشتهيه فلسانها كخشبة يابسة، ترمق إليه، يأتيها نداء من بعيد (وحق جدي أنا عطشان) وصورة شخص تتشابك النبال في صدره لتتوضأ من قدس دمه لتتلوَ آيات الشهادة. تغمض عينيها... يتراءى لها نعشها وهو يقترب منها... يتقدمه شقيقها الأكبر ويتخلف عنه الشمس والقمر، شمس بلا رأس وقمر بلا كفين... أغلقت باب الذكريات لتحلق روحها مع الحاضر... واُمنيات دفنت في صدرها لم يمهلها الزمن لتحقيقها... إنها زينب، إنها شعلة تنير النفوس المظلمة... وها هو الزمن عاد ليرتمي على أقدامها...

اخرى
منذ 10 أشهر
923

منتهى الثبات...

بقلم: كاردينيا ياس كم لك أن تصبر... وتصبر... ثم تصبر لكن يأتي اليك موقف مع صغرِهِ... إلّا أنه كإبرة تضرب بالونًا... فإذا بك تنفجر... وتفقد كل ما دَأبتَ على أن لا تفقده... لكن... مولاتي... تجرعت من الغصص ما تجرعتِ... و على خريطة المصاب كانت... تخطو بثباتٍ فما تسرَعت... ورأت بأيامها... ما لو أُخذ منه يوماً... وعلى الجبال الراسيات وضِع لتصدّعت... ومع هذا... كان لها ما كان... و عند دخولها... على يزيد وحوله الأعوان... خَطَت بخطىً فاطمية... وعليها الإباء والنصر بأن... إلى هنا هي على خيرٍ وقد يتشارك معها إنسان... لكن... حين جاءت إبرة الطاغية على هيأة سؤال شمتان: (كيف رأيتِ صُنعَ الله فيكِ..؟) قالها وانتظر منها ضعفاً وهوانا... هنا كانت مطاولة الصبر... مزيةٌ تفردتْ عندها بِإتقان... حين أجابت من فِيهِ المصطفى والمرتضى... مؤيداً من لَدُن الحنّان المنّان... (ما رأيتُ إلاّ جميلا) فَتجلّى بِصرحِ الطُغاة المظلمِ... نورُ الثبات... وحلاوةُ الإيمان... لتكون َ مولاتي روحي لها الفداء أنموذجاً... لا للثبات فحسب... بل لِمنتهى الثبات.

اخرى
منذ 10 أشهر
378

زينة أبيها...

بقلم: فاطمة الركابي إن من المعاني التي شُرح بها اسمها الشريف، والذي يُشير الى عمق وجمالية العلاقة بينها وبين الإمام علي (عليه السلام) كأب هو إن اسمها الشريف مشتق من: (زَين) و( أب) (١). وهو ما يعرف كلقب لها وهو "زينة أبيها". ولو بحثنا عن بعض مصاديق الزينة كثقافة قرآنية لوجدنا أن من مصاديقها: (البنون) كما في قوله تعالى:{...وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} (الكهف:46)، وهي الزينة الظاهرية التي يَحصل عليها الإنسان. فقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله): "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: ...، إلى أن قال: أو ولد صالح يدعو له" (٢). بالنتيجة فإن البنين إن كانوا من أهل الصلاح والبِر، فهم زينة ظاهرية لكن باقية لا تزول بزوال الدنيا التي نُسبوا إليها كما في الآية. وعليه، فإن السيدة زينب (عليها السلام) وفق هذا المصداق هي ليست بقية صالحة وحسب، بل من أعلى مصاديق الباقيات الصالحات التي تركها أمير المؤمنين (عليه السلام)، لما لها من الشأن والعظمة عند الله سبحانه. وهناك مصداق قرآني آخر وهو: (الإيمان) كما في قوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}(الحجرات:7)، حيث تُبين هذه الآية أن هناك زينة حقيقية للإنسان، فالإيمان الذي يَحمله قلب العبد، هو الصبغة الإلهية التي تلون وجوده وتُنير قلبه، والنبي الأكرم (صل الله عليه وآله) وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) في يوم الخندق بأنه الأيمان كله، حيث قال عنه: "برز الإيمان كله إلى الكفر كله" (٣). وفي هذا إشارة عظيمة لو حاولنا أن نربط بين ما يحمله الإمام من زينة وهي الإيمان الكامل، وبَين وصف السيدة (عليها السلام) بأنها "زينة أبيها"، فأي درجة من الإيمان تحمل السيدة؟ تعالى وحده يعلم! إن الإيمان - كما يقولون - "كالعشق تماماً، ينجذب الإنسان أمامه ثم يستوعب كل وجوده" نعم! هذه العبارة قد تلخص لنا حقيقة الإيمان ومراتب كماله، ولكن تخفي في طياتها تفاصيل كثيرة، وإنما لها أهلها، وهم النبي (صلى الله عليه وآله) وآل بيته (عليهم السلام)، فأهل البيت (عليهم السلام) بكلماتهم قد بينوا لنا أكمل درجات الإيمان وتجلى ذلك في سلوكهم وعملهم، فكما في الحديث "إن الايمان عمل كله" (٤) والسيدة زينب (عليها السلام) كسيدة علوية هاشمية مخدرة، عُرفت وتجلت أمامنا حقيقة كمال إيمانها من خلال مواقفها في مسيرها مع الإمام الحسين (عليه السلام) في واقعة الطف. فعن إمامنا الصادق (عليه السلام) أنه قال: "من أحب في الله، وأبغض في الله، وأعطى في الله فقد كمل إيمانه" (٥). حيث إن أعظم مصاديق الحب في الله تعالى هو حب أولياء الله تعالى ومعاداة أعدائه، والسيدة بكل مواقفها وخطواتها وخطاباتها كانت مُظهرةً لحبها لولي أمرها وإمام زمانها سواء كان الإمام الحسين (عليه السلام)، أو الامام السجاد (عليه السلام) بعد استشهاد أبيه سيد الشهداء. أما في خصوص العطاء في الله سبحانه المذكور في الحديث، فهي (عليها السلام) أعطت أبناءها في كربلاء حتى قِيل إنه لم يذكر التاريخ أنها كانت تسأل عنهم أو تتفقدهم، بل سخرت كل وجودها في سبيل الله سبحانه. وورد أيضًا عنهم (صلوات الله عليهم): "ثلاثة من كُن فيه استكمل إيمانه: لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يرائي بشيء من عمله، وإذا عرض عليه أمران أحدهما للدنيا والآخر للأخرة آثر أمر الآخرة على أمر الدنيا" (٦). وهي (سلام الله عليها) قد كانت مصداقًا حقيقيًا لمن لا يخاف في الله تعالى لومة لائم، ومِمَن يقول الحق وإن عز، وإن كان به قد تُفقد النفس، فقد صرحت بالحق حتى زلزلة عروش الظالمين حتى قيام يوم الدين، وللمتأمل في خطبها يجد أن العبارات كلها تشير إلى هذه الحقيقة. وبخصوص الصفة الثانية بهذا الحديث فهو متحقق بها أيضًا، فهي كانت في كنف زوجها عبد الله تعيش حياة كريمة مرفهة، فهو -كما ينقل التاريخ- كان ثريا جدًا، لكنها أعرضت عن زينة الدنيا ولازمت الإمام الحسين (عليه السلام)، ملبية دعوته كما قال: "من لحق بي منكم استشهد معي، ومن تخلّف لم يبلغ الفتح، والسلام" (٧)، فهي وإن لم تستشهد إلا أنها بلغت الفتح. وفي حديث آخر: "إن الله (عز وجل) وضع الإيمان على سبعة أسهم، على البر والصدق واليقين والرضا والوفاء والعلم والحلم، ثم قسم ذلك بين الناس، فمن جعل فيه هذه السبعة الاسهم فهو الكامل" (٨). والسيدة (عليها السلام) قد جمعت هذه الأسهم السبع: السهم الأول: البِر. ومن مصادقه هو الانفاق المادي كالمال لأهل الاستحقاق، حيث كانت من ألقاب السيدة أنها تلقب "المرأة الكريمة" (٩)، وأم العواجز (١٠) حيث كانت تأوي وترعى وتنفق على العجزة وكبار السن والفقراء والمعوزين - وكما يُنقل- كانت تبني لهم دورًا بقرب دارها ليسهل عليها تفقدهم ورعايتهم. ومن مصاديقه هو الإنفاق المعنوي كالاهتمام بتعليم النسوة وحل مشكلاتهن الدينية والدنيوية. السهم الثاني: الصدق. فقد كانت (عليها السلام) من أهل الصدق، بل هي الصديقة الكبرى على كل النساء بعد أمها الزهراء (عليها السلام) فهي بالقياس بأمها فقط "صديقة صغرى"(١٠). السهم الثالث: اليقين. فالسيدة (عليها السلام) لما فقدت صاحب النهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، وحامل اللواء وكفيلها العباس (عليه السلام)، ولما تعرضت لسبي مع كونها فخر المخدرات، سارت في طرقات الكوفة والشام، ودخلت قصر أهل الجور والظلم، بقيت هي... هي زينب بنت علي (عليما السلام) لأنها لم تفقد رب السماء الذي بعين قلبها كانت تراه، فهي كانت ترى جميل صنعه، لا قبيح صنع خلقه فثبتت وواصلت. السهم الرابع: الرضا. هي (عليها السلام) لم تَكن من أهل الصبر فقط، بل من أهل الرضا بمكروه القضاء، فبلغت مرتبة الصبر الجميل حيث لما قيل لها "كَيْفَ رَأَيْتِ صُنْعَ اللَّهِ بِأَخِيكِ وَ أَهْلِ بَيْتِكِ ؟ فَقَالَتْ : مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلًا،..."(١١)، وقولها: "اللهم تقبل منا هذا القربان"(١٢)، وكأنها تقول لنا: إنها ترتجي من كل ما أصابها بلوغ وتحقق القرب من مولاها، فكيف لا تكن راضية به؟! السهم الخامس: الوفاء. فمن القابها "أمينة الله" (١٢)، فهي الوفية بعهدها والأمينة على رسالتها ودورها الذي كلفت به من قبل إمام زمانها سيد الشهداء، فهي لم تنكسر بفقده بل واصلت المسير، وأدت رسالتها، فكانت لسفينة النجاة الشراع الذي أوصل نهضته إلى بر الأمان. فمن يرتبط بالله تعالى ويَكن تابعاً لدعاة الحق المرسلين من قبل الله تعالى، فإنه لا يتوقف بفقدهم عن مسعاه، بل تبقى رسالته حية في داخله، لأن رب الرسالة حي لا يموت. السهم الخامس والسادس: العلم والحلم. حيث قالوا في كلماتهم الطاهرة: "وعلما في حلم" (١٣)، فقد قرن الحلم بالعلم، فمن ثمار تحقق وجود العلم الإلهي في القلب هو وجود الحلم في حامله، والسيدة كانت من أهل الحلم لأنها من أهل العلم، كما وصفها إمامنا زين العابدين (عليه السلام) بأنها "عالمة غير معلمة" (١٤). فهذه محاولة واشارات عابرة حول تحقق كمال الإيمان في السيدة زينب (عليها السلام) التي كانت زينة لأبيها علي (عليه السلام). _____________________________ (١) زينب الكبرى من المهد الى اللحد: ص٢٦، نقلا عن كتاب القاموس. (٢) بحار الأنوار: ج٢، ص٢٣. (٣) بحار الأنوار: ج ٣٩، ص ١. (٤) الكافي للكليني: ج٢، ص٣٣. (٥) أصول الكافي: ج٢، ص٥١٠، ح١. (٦) تنبيه الخواطر: ج١، ص٥٦٢. (٧) كامل الزيارات، ابن قولويه: ص ١٥٧. (٨) اصول الكافي: ج٢، ص٤٥٢، ح١. (٩) زينب الكبرى من المهد الى اللحد: ص٢٧، نقلا عن كتاب لسان العرب. (١٠) المناقب لابن شهرآشوب: ج٤، ص١١٥. (١١) زينب الكبرى من المهد الى اللحد: ص٢٢٣. (١٢) مقتل المقرم: ص307. (١٣)بحار الأنوار: ج ٧٥، ص ٣٠. (١٤)بحار الأنوار:ج٤٥، ص١٦٢.

اخرى
منذ 10 أشهر
1183

أتعرفن زينب؟!

بقلم: رحاب سالم البهادلي زينب: اسم يتألف من أربعة حروف، له أكثر من معنى... سؤال من قبل الأستاذ: من يا تُرى تحمل هذا الاسم؟ ... سَألنا من منكن أسمها زينب؟ الكثير قلن: نعم أسمي زينب. - لّكنّ هل تعرفن معنى هذا الاسم؟ - قلت: نعم، اسم علم مؤنث، (زينب) وهو مركب من زين ألاب، كما احتمله الفيروز أباد، وهو نوع من الشجر جميل الرائحة وجميل المظهر، قال ابن الأعرابي: الزينب شجر حسن المنظر طيب الرائحة. - وهل تعرفين من هي زينب؟ - أتسأل عن مولاتي زينب بنت علي بن أبي طالب (عليه السلام)؟ -أتعرفينها حقاً؟ - من لا تعرفها لا تعرف نفسها من تكون، لا تعرف معنى أن تكون أنثى لا تعرف معنى المرأة المسلمة، لا تعرف كيف تكون أختاً وبنتاً صالحة في المجتمع، أن أكون سُميتُ زينب، يعني أن أقهر بعفتي فسادهم، أنا أميرة بعباءتي، وأرفع بعفافي رأس أبي وأخوتي... أنا زينب بديني ومذهبي، أن أعرف من هي زينب وأتخذها قدوتي أواسيها باستشهاد أخوتي نعم، يا أستاذي: ليس المعنى الحقيقي لمعرفتها أن أعرف هي بنت من، أخت من، ربيبة من، بل معنى أني أعرفها هو أن أدين بدينها، وارتدي عفتها، وأستلهم من فكرها، وأستمد قوتي منها... زينب معناها أن لا أصمت ضد الظلم، وأن أُظهر الحق بالحق، وأن أتحمل وأصبر في حين الصبر، وأثور وأنتصر في وقت النصر. الأستاذ: من أنت؟ - أنا علوية يتيمة، استشهد أخوتي في المعارك التي جرت بين داعش الإرهابي وبين أبطال الحشد المقدس… أستمد قوتي من عمتي زينب. الأستاذ : نِعمَ الاسم، ونعمة المسماة. أحسنت يا أبنتي... فلتكن زينب قدوتكن في الحياة.

اخرى
منذ 10 أشهر
1140

اللبوة الجريحة

بقلم: نرجس مهدي مصونة كلؤلؤة مكنونة... مجللة بأنوار القداسة... إنها في سنام العز والسؤدد... قديسة المعالم... ملكوتية الشمائل... نبراس أهل الأرض في المكارم من نساء الأرض بعد أمها الزهراء (عليها السلام). لها منطق الأقوياء... إنها عناية إلهية... ونسمة علوية تسكن لإيماءتها الأنفاس وتسكت الأجراس... إنها صرخة مدوية عبر الأجيال تنادي لتوقظ الضمائر الحرة... ويتردد صداها في فضاءات الأكوان البعيدة... فمذ رأت تلك الرؤيا المفزعة وقصتها على جدها المختار... سالت دموع المصطفى حزنًا لتلك الشجرة التي تكسرت اغصانها والتي لاذت بها... وبتلك الرؤيا بانت المصيبة ورُزْؤها.. لقد احتوتها أحزان الدنيا فجعلتها في بوتقة المآسي تصهرها شيئاً فشيئاً لتصوغ منها جوهرة نفيسة مصقولة المعالم واضحة الخطى... ليوم خُطّ بالقلم... تحملت أعباء دهرٍ علقم المذاق، فلقد رأت بأم عينيها كيف سُلبت ابنة الرسول إرثها، وكيف انحنى ظهرها وشاب رأسها ولم تبلغ العشرين من عمرها .. ومن أين لها تلك القوة التي رأت بها هامة سيدها ومولاها تُنتهك حرمتها في شهر الله وبيت الله ..وينهار عزها ويسقط عمود فخارها مثل حبات لؤلؤ تتناثر على أرض مصقولة... نعم يا ابنة الخيرتين... وأخت الحسنين وربيبة البيت العلوي الطاهر... آن لنشيجك أن يتفجر بعد رؤيتك مصيبة أخيك السبط الحسن (عليه السلام) وموقف جنازته في لوعة وغصة... تصل الجوهرة إلى قمة تلألؤها فكانت تُصقل في كنف القداسة والتقوى والفصاحة والشجاعة. وبعد أن توجهت قافلة الإباء الى كربلاء، كانت قد وصلت الأهوال إلى ذروة سنامها، بتلك المواقف التي تتفطر من هولها الجبال، وبقلب مكلوم وعيون غرقى بالدموع، فقد فقدت بها خيرة أهل الأرض وسادات السماء... وبالرغم من أن ليلها كان دامسًا ليس فيه قمر دنياها، ولكنها كانت مرفوعة الهامة شامخة يخاف من مشيتها أعتى الرجال، ترى ما جرى لها وما رأته عيناها جمالًا حقيقيًا... نعم... لقد رأت اللبوة الهاشمية جمالًا في امتثال أهل بيتها لمشيئة الله (جل وعلا)، تردد نشوة النصر بكلماتها، تخنق ظالميها بصوتها، تزيل ضباب الجهالة وتفتح عيون الحقيقة المغلقة، فبالرغم من المحن التي سارت بها إلّا أنها أوضحت جمال الطريق في عشق المعبود الحقيقي... إنها حفيدة إبراهيم الخليل (عليه السلام) إذ رفع البيت ليقيم أساسه وبنيانه... ورفعت جسد أخيها قربانًا لله لتشييد دينه وتجديد ما ثُلم من بنيانه. ولصولتها وحركة خطابها والتي حطمت بها هياكل الأوثان وأصنام الضلالة. نعم... وإن كانت فاجعة كربلاء قد وضعت أوزارها، إلا أن بطلتها لم تضع إزارها يومًا ولم تهدأ أبدًا... رحلت إلى مدينة جدها وعلى رأسها جلالة الفخار مرصع بجواهر التضحية والنصر، معلنة للعالم أجمع: أن قضية سيد الشهداء (عليه السلام) هي قضية أزلية سرمدية ضد الظلم والطاغوت. وبذر البذرة الطيبة في النفوس الأبية والتمرد على الظلم.. إنها رسالة إنسانية تحملتها بعد أخيها الشهيد... إنها زهرة النبوة... والأقحوانة الفواحة للبيت الطاهر... إنها زينب ابنة علي (عليهما السلام).... جعلت عطرها يملأ الآفاق.. إنها شجرة مثمرة... في حديقة النبوة غرستها يد القدرة... فآتت أكلها كل حين...

اخرى
منذ 10 أشهر
1327

نبض الطود

بقلم: عبير المنظور جبلٌ ككل الجبال الشوامخ، تعانق قممها عباب السماء رفعة وعلياء، جبل له من الصلابة ما للجبال الرواسي من الثقل والقوة، جبل يثبّتُ الأرض الواسعة بأوتاده العظيمة تحت الأرض (والجبال أوتادا) (النبأ/7)، جبل ليس ككل الجبال، فمادّتُه ليست صخوراً صمّاء، وإنما هي أمر مختلف تماماً، إنه أمر معنوي، لكنه أقوى وأصلب بكثير من الصخور، طود عظيم من أطواد الأمة تنحني البشرية له إجلالاً وإكباراً عند ذكر اسمه، جبل مجلل بالهيبة والوقار ومكلّل بالقداسة اسمه (جبل الصبر زينب). زينب، كتلك الرواسي الشمّاء بعليائها وثباتها وقوتها، إلا إن الجبل يبقى صامداً ثابتاً، لا تتزعزع أركانه، ولا تتصدع جوانبه، مهما زمجرتْ العواصف والأعاصير من فوقه، ومهما اهتزت الأرض وتزلزلتْ من تحته، فكذلك زينب (سلام الله عليها) تسامقتْ لقمم الجبال في الصبر والثبات، وشمختْ كالطور في بيانها المسطور في قدر مقدور في جميع مراحل حياتها نور على نور، إلّا أن جبل الصبر هذا له قلب استثنائي، قلب صبور موقن، مرّتْ عليه أحداثٌ اعتصر لها ألماً، ككل القلوب الحنونة، فازدادتْ خفقاته واضطربتْ نبضاته لهول تلك المصائب. اعتُصِرَ لأول مرة في طفولتها حينما فارقت معدن الوحي ومهبط الرسالة جدها الرسول (صلى الله عليه وآله). وتدكدكَ بشدة وهي لمّا تنفض غبار حزنها على جدها النبي، عندما شاهدت أمها سيدة نساء أهل الجنة تُعصر بين الباب والجدار، ونبت في صدرها المسمار، وسقط جنينها على أعتاب الدار. واعتصرَ أيضاً عندما شاهدتْ أباها وصي الرسول بطل الاسلام وقالع باب خيبر وقد فُلِقَتْ هامته غدراً بسيف مسموم. وتصدّعَ قلبها عندما رأتْ كبد أخيها شبيه الرسول وريحانته وسيد شباب أهل الجنة مسموماً وهو يلفظ كبده في طشت. إلا أن اضطراب قلب الجبل هذا لم يزلزل كيانه، فالجبل يبقى جبلاً قوياً لصلابة مادته الأساس وقوة أوتاده، ولأن سيد الشهداء كان قد مسح عليه بيديه الحانيتين في لحظة دعاء وخشوع وخضوع ودموع: اللهم اربط على قلبها بالصبر، لأن الآتي أدهى وأعظم. إنها كربلاء التي تَزلزلَ الكون لما مرّ بها من أرزاء، فاجعة أبكتْ أهل الأرض والسماء، حيث مصارع الأحبة والأنصار على الرمضاء، ورؤوس مرفوعة على الرماح، وأطفال تركض مذعورة من ألسنة النار وخوفاً من سحق الخيول، وقافلة سبايا من أرامل وأيتام، وشماتة الأعداء في رحلة السبي، ودخول حرائر الوحي ومخدرات الرسالة في مجالس الأدعياء وأبناء الطلقاء. كل تلك الصور التي اعتصر لها قلب جبل الصبر، إلاّ أنها ما رأتْ به إلاّ جميلًا. لله دَرُّكَ يا قلب زينب، كيف رُبِطتَ بالصبر فأصبحتَ نبض الطود الحامد الشاكر العارف الذي رفع ما تبقى من أوصال مقطعة وعظام مهشمة ليشكر القلب قبل اللسان: اللهم تقبل منا هذا القربان. ومرت صور هذه المآسي سريعاً على شريط الذكريات لزينب (عليها السلام) وهي تصارع الموت بين أطباق المنفى في أرض الشام التي عانت فيها ما عانت. واضطرب نبض الطود لهول تلك الصور المؤلمة، إلاّ أن اضطرابه هذه المرة كان مختلفاً، فقد اضطرب الاضطراب الأخير، وتوقـّفَ نبض الطود لتلتحق العقيلة بالرفيق الأعلى صابرة محتسبة، إلا أنها ستبقى ذلك الجبل الشامخ العظيم الذي لا يهتز ولا يتزلزل قيد أنملة مهما ماجت الأرض من تحته، لأنها ثبّتت إيمانها بأوتاد اليقين والتوكل على الله لتصبح جبل الصبر وصرخة الحق ورسالة الإعلام الحسيني الملتزم على مر العصور.

اخرى
منذ 10 أشهر
1039

يتصدر الان

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29172

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29060

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29059

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
28238

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ سنة
12776

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
12364