خاطرة

سيدي يا صاحب الزمان.... لقد ضاقت الصدور.... وبلغت القلوب الحناجر... ألا من نظرة سيدي... تروي ظمأ من تعطش للقائك... "مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَٰعَةٍۢ مُّزْجَاٰةٍۢ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدِّقِين"َ... عجل فدتك الروح يا عزيز فاطمة... متى ترانا ونراك وننثر الأرض عبيراً للقاك...

اخرى
منذ 4 أشهر
244

معتقداتٌ خاطئة

بقلم: دعاء الربيعي جلست علياء أمام التلفاز وأخذت تشاهد إحدى المسلسلات التي تُعرض على القنوات اللا إسلامية، وكانت أحداث المسلسل تدور حول تحرر المرأة في المجتمع الغربي، وكيف أنَّ حياة النساء هناك حياة مرفهة ملؤها السعادة والهناء، تأملت علياء في المسلسل وقالت لأختها فاطمة التي كانت تجلس إلى جانبها: هنيئًا لتلك النسوة اللاتي يعشن في بلاد الغرب! ــ لماذا؟ ــ لأنهن يتمتعن بالحرية المطلقة التي تتيح لهن ممارسة الأعمال والأفعال التي يرغبن بها دون قيود. ــ وهل الحرية المطلقة شيء جميل؟! ــ نعم، وهل يوجد أجمل من الحرية في الحياة؟! أما ترين كيف أننا مقيدات وملتزمات بأعرافٍ وتقاليدَ شرّعها الإسلام وقيّدنا بها؟ حتى أنَّ المرأة المسلمة المسكينة بسبب تلك التشريعات حُرِمت من تحقيق الكثير من أحلامها وطموحاتها! ــ عزيزتي إنَّ الدين الإسلامي أكرمَ المرأة، وأعزَّ قدرها، وأعلى شأنها، وسمح لها بمزاولة كلِّ الأدوار المناسبة واللائقة بكرامتها والملائمة لتركيبتها كأنثى، ولم يمنعها من مزاولة الأعمال التي لا تنافي تعاليم الدين الإسلامي. ــ ليس كما تقولين؛ فالمرأة مغبونة في شريعة الله تعالى! ــ أستغفر الله تعالى، ما هذا الكلام أخيتي! من أين أتيتِ بهذهِ الأفكار الهدّامة التي من شأنها أنْ تُغضِب ربِّ العباد عليكِ، فقد خلق الله تعالى حواء وأحسن خلقها وفضّلها على الرجل في موارد كثيرة أهمها: أنَّه (تعالى) جعل الجنة تحت أقدام الأم المؤمنة، كما كرّمها الله في قرآنه المبارك وأقرَّ لها حقوقًا وكلّفها بواجباتٍ كما الرجل. أما سمعتِ قوله (تعالى): "ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف"؟ أي لهن حقوقٌ وعليهن واجبات، ولم يقتصر ذلك على قرآننا المجيد، بل جاءت أحاديث الرسول وآل بيته (عليهم السلام) تؤيد وتؤكد أهمية الأنثى وبركة وجودها في الأسرة، فقد روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: "البنات حسنات، والبنون نعمة، والحسنات يُثابُ عليها، والنعمةُ يُسأل عنها". ــ إذا كان هذا رأيك، فلماذا قيّدنا الإسلام؛ فحرمنا من القيام ببعض الأعمال؟ ــ أولًا يا عزيزتي، لم يكن ما قلتُ رأيي، بل هو رأي الشرع المقدس، وثانيًا ماهي الأعمال التي برأيكِ حرمنا أو قيّدنا الإسلام ومنعنا من القيام بها أو مزاولتها؟ ــ هناك الكثير من الأعمال، فمثلًا الإعلام كم هو جميل أنْ تكون المرأة إعلاميةً. ــ ومن قال: إنَّ الإعلام مُحرّمٌ شرعًا على الفتاة؟ لكن هناك ضوابطُ وأصولٌ وشروطٌ ينبغي على المرأة مراعاتها، وبعدها يُصبح عملها في الإعلام ممكنًا ومباحًا، وأهمها الالتزام بالحجاب الشرعي والابتعاد عن كلِّ ما يوجب الريبة والشك من قولٍ أو فعلٍ أو سلوك، كما يتوجب أنْ يكون مضمون الرسالة الإعلامية هادفًا ومتماشيًا مع تعاليمِ الدين؛ فليس من الصحيح أن نساهم في نشر ما يوجب سخط الله (تعالى)، ومتى ما حققت المرأة هذه الشروط كان بإمكانها مزاولة الإعلام. وخيرُ دليلٍ على ذلك هو الدور الإعلامي الذي لعبته السيدة زينب (سلام الله عليها)، فهي كانت تمثل الإعلام الهادف الواعي الذي ساهم في الإحاطة بحكم يزيد وفضح حكومته الجائرة، كما ساهمت (سلام الله عليها) في إدامةِ الثورة الحسينية وتخليد أهدافها إلى يومنا هذا، وكانت إعلاميةً ناجحةً؛ فقد حققت أهدافًا رائعةً من خلال خطبها ومواقفها ــ كلامكِ مقنعٌ وصحيحٌ، ربما أسأتُ فهم الدين أستغفرك يا الله وأتوب اليك. ــ باركَ الله بكِ غاليتي علياء، أسألُ الله أنْ يوفقكِ لنصرةِ دينه وإحياء أمره. ــ وكيف يكون ذلك؟ ــ هناك الكثير من السبل، أهمها: تقديم النصح للآخرين، وإرشادهم، وتصحيح معتقداتهم الخاطئة تجاه الدين وتعاليمه. ــ فهمتُ، كما فعلتِ أنتِ معي، وغيّرتِ فكرتي الخاطئة التي كنتُ أنظر من خلالها إلى الدين الإسلامي فيما يخصُّ المرأة وعملها. ــ نعم عزيزتي علياء، يتوجبُ علينا كنساءٍ مؤمناتٍ أنْ ننصر ديننا بالكلمةِ والموقفِ، وعلينا أنْ لا نقف مكتوفات الأيدي أمام الغزو الثقافي الذي يحاول جاهدًا وبشتى الوسائل أنْ يُشوِّهَ صورةَ الإسلام في أعينِ المسلمين وخصوصاً الفئة الشابة التي تعتبر المتأثر الأول فيما يبثُّ من أفكارٍ مسمومة وشبهاتٍ همُّها الإطاحةِ بالدين وتعاليمه، أعاننا الله تعالى على نصرةِ الحق وإحقاقه.

اخرى
منذ 3 أشهر
174

نوحُ إبليس

بقلم: دعاء الربيعي طرقت يقين الباب على أختها الأصغر منها سنًا لتستأذنها قبل دخول غرفتها، لكنها لم تسمع جوابًا! أعادت طرق الباب مرةً ثم أخرى لكن دون جدوى! فظنت أنَّ مكروهًا قد حلَّ بها؛ لذا بادرت بفتح الباب، وإذا بأختها حنين مستلقية على فراشها وقد وضعت سماعاتٍ على أذنيها، لوَّحت يقين بيدها وقالت: ــ أما سمعتِ طرقَ الباب؟ أبعدت حنين سماعات الأذن وقالت: ــ لا؛ لأن صوت السماعات عالٍ جدًا لذا لم أسمع ولم أنتبه لطرقات الباب. ــ وإلى ماذا تستمعين؟ ــ أغنية، هذه الأغنية رائعةٌ جدًا، كلماتُها عذبة، وأنغامُها جميلة. بدت يقين مُنزعجةً، ولاحت على وجهها علاماتُ الاستياء، لاحظت حنين ذلك وقالت: ــ آه، نسيت أنّكِ لا تُحبين هذه الأمور، ولا ترغبين بسماعها، ولكن أنتِ التي سألتني وأنا أجبتكِ. ــ أجل، أكره سماع هذه الموبقات، ولكن عجبًا، ألا تودين معرفة السبب وراء بغضي لها؟! ــ لا أدري، فكلُّ ما أعرفه أنَّها حرامٌ، رغم علمي أنَّه لم يرد نصٌ في كتاب الله تعالى ينهى عنها ويتحدث عن حرمتها! ــ ومن قال لكِ: إنَّ كتاب الله تعالى لم يصرح بحرمة الغناء؟ ــ لم أسمع بآيةٍ تتحدث عن ذلك، صحيحٌ أنَّ هناك آياتٍ تحرمُ الخمر، وأخرى تحرم لحم الخنزير إلى غير ذلك، ولكن لا توجد آيةٌ تحرم الغناء. ــ عزيزتي، هناك آياتٌ في كتاب الله تعالى لا يعلم تأويلها ولا تفسيرها إلا الراسخون في العلم وهم الرسول محمد وآل بيته الطاهرون (صلوات الله عليهم أجمعين)؛ فهم خير من فسر القرآن، ووقف على معانيه. ــ (عليهم سلام الله)، أجل، أتفقُ معكِ في ذلك، ولكن ما هي الآية التي تحرم الغناء؟ ــ هناك آياتٌ عزيزتي وليست آيةً واحدةً، ومن هذه الآيات قوله (تعالى): "فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور"، وقوله (تعالى): "ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليُضلَّ عن سبيل الله". ــ عجبًا! ولكن أين كلمة الغناء في هذه الآيات المباركة؟ ــ انتظري قليلًا؛ لأكمل حديثي، ومن ثم بادري بالسؤال، ورد في حديثٍ عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "(قولُ الزور) هو الغناء"، وفي حديثٍ آخر عنه (عليه السلام) قال: "(لهو الحديث) هو الغناء". وهناك العديد من الآيات المباركة التي فسّرها أئمتنا (عليهم السلام) بحرمة الغناء وخطره على الفرد المؤمن. ـــ خطره؟! وأيُّ خطرٍ؟! عجيبٌ أمركِ! هل الغناءُ سمٌ ليُشكل خطرًا على الإنسان؟! ــ بل أخطر من السم، أئمتنا (عليهم السلام) لم يكتفوا ببيان حرمة الغناء، بل أوضحوا مضاره الدنيوية والأخروية على بني البشر؛ لذا وصفوه بأبشع الصفات، ويكفي أنَّه نوحُ إبليس. ــ وكيف أنّه نوحُ إبليس؟ وضحي لي أكثر؟ ــ هناك حديثٌ عن مولانا علي (عليه السلام) يقول فيه: "الغناءُ نوحُ إبليس على الجنة". وهناك الكثير من الأحاديث الدالة على آثاره السلبية، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): "بيتُ الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة، ولا تُجاب فيه الدعوة، ولا يدخله ملك"، وعن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال: "كثرةُ الاستماع إلى الغناء تورث الفقر"، وغيرها كثير، ولكن لا يسع الوقتُ لذكرها؛ لأن وقت صلاة الظهر قد حان. انهضي من فراشكِ وتوضئي واستغفري الله وعاهديه (عز وجل) على ترك الاستماع للغناء، والابتعاد عن المعاصي والذنوب. ــ جزاكِ الله خيرًا أختي العزيزة، وشكرًا لكِ على هذه النصيحة القيّمة، أسألُ الله أنْ يوفقني ويُعينني على طاعته. ______________________ 1/ القرآن الكريم 2/ ميزان الحكمة

اخرى
منذ 3 أشهر
172

أحــلامُ اليـَقَـظــة

بقلم: دعاء الربيعي ــ أمّي! ــ نعم غاليتي ــ لا استطيع النوم! ــ لمَ يا حلوتي؟! فالأحلامُ الجميلة تنتظركِ، أغمضي جفنيكِ وأريحيهما هيّا، وحدثيني بما ترين ـــ حسنّا، ها أنا ذي أغمضتهما... ــ جيد، إذن ماذا ترين في أحلامك السعيدة؟ ــ أمي! ــ نعم صغيرتي... ــ أراهُ يُلوِّح لي بيده من بعيد، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ رقيقة ــ من؟ ــ إنَّه أبي، أراهُ بزيِّه العسكري، وقد حمل بيده ثلاثَ زهراتٍ ــ جميلٌ ما ترين بُنيتي ــ لكن، أمّي، أرى أمرًا حزينًا! ــ ما هو؟ أخبريني... ــ إحدى تلك الزهرات التي يحملها أبي ذابلةٌ وتتساقطُ أوراقها واحدة تلو الأخرى، والغريب أنّ والدي ينظرُ إليها وهو مُبتسمٌ. أمّي أرجوكِ هل ما أراه حُلم أو ماذا؟! ــ إنَّها أحلامُ اليقظة بُنيتي، هيّا اقرئي ما تحفظين من سورٍ قصار, واخلدي إلى النوم، فعودةُ أبيكِ باتت قريبةً إنْ شاء الله تعالى، وسرعان ما ستجدين نفسكِ بين أحضانه... ــ أمّي، ها هو أبي، إنَّه يتقدمُ نحوي شيئًا فشيئًا ويهمسُ في أذنيَّ قائلًا: ما أجملها لقد حظيت بها بُنيتي، نِلتُ شرفها، كوني فخورةً بي ما دمتِ حيّةً. هكذا قال يا أمي، يا تُرى ماذا يقصد بكلامه؟! ــ عزيزتي، أخفتِني من كلماتك تلك، أرجوكِ نامي، وغدًا إنْ شاء الله تعالى نتصلُ به ونتحدثُ معه... ــ حاضر يا أمي، سوف أغفو، لكن انظري، فقلد ترك لي أبي الوردتين النظرتين وأخذ معه الوردة الذابلة بعد أنْ غطّاها بقماشٍ أخضر أخرجه من جيبه، وهناك رائحة زكية تفوحُ من الوردة الذابلة! عجبًا! وهل للورد الذابل رائحةٌ زكية يا أمي؟! نظرتِ الأمُّ إلى عينَي ابنتها بصمتٍ، تتأمل كلماتها ثم تنهدت وقالت: ربما تكون له رائحة زكية في ظروفٍ معينة عندما تذبل من أجل أن تتفتح زهورٌ أخرى. هيّا صغيرتي تُصبحين على خير. ــ وأنتِ من أهل الخير أمي. نامتِ الطفلةُ الصغيرة التي كانت تتحدث مع والدتها كلَّ ليلةٍ عمّا تراه من أحلامٍ جميلة عندما تُغمض جفنيها الصغيرين، لكن هذه المرة تحدثت بحديثٍ غريب لا يتناسب مع صغر سنها! اعتادت ألامُّ أنْ تسمع من طفلتها كلامًا عن الطيور والرياض المليئة بأنواع الزهور، لكن حديثها اليوم بدا مختلفًا تمامًا عما تراهُ كلَّ يومٍ وكأنّها كانت تشاهد شيئًا أقرب للحقيقةِ منه إلى الخيال، وهذا ما جعل والدتها محتارةً، لاسيما أنَّها تنتظر عودة زوجها من جبهات القتال بفارغ الصبر، خافت أنْ يكون هناك مكروهٌ قد حلَّ به، نامت الأمُّ بعينين مفتوحتين حتى لاحت نسائم الفجر، هي تعرف أنَّ زوجها مستيقظٌ عادةً في مثل هذا الوقت لذلك اتصلت به كي تطمئن على أحواله، لكن دون جدوى! كررت الاتصال أكثر من مرة ولم تتلقّ أية إجابة، ازدادت الزوجة توترًا، تضرّعت إلى الله (تعالى)، وبعد فترةٍ من الزمن رنَّ هاتفها رفعتِ السماعة، وإذا بأحدهم يتحدث إليها قائلًا: ــ عفوًا أختي أم مريم أعتذر إليكِ كثيرًا عن الخبر المؤسف؛ فلقد أصيب أبو مريم في إحدى المعارك ليلةَ أمس.... أنصتت الأمُّ إلى المتكلم حتى أكمل كلامه، فعرفت حقيقة ماروت ابنتها ليلة البارحة، لم تكن أحلام يقظةٍ فحسب، بل كانت حقيقةً روتها لها مُخيّلتها الصغيرة وروحها البريئة التي أخذتها إلى سواتر النصر؛ كي ترى طيف أبيها الشهيد، وما كانت تلك الوردة الذابلة إلا روحة الطاهرة التي فاحت عبيرًا من شرف الشهادة.

اخرى
منذ 3 أشهر
203

أيُّهما الأكثر تأثيرًا؟

بقلم: دعاء الربيعي قد يتساءل البعض: أيُّهما أكثر تأثيرًا في إقناع الفتاة المراهقة: الأم أم الأخت الكبرى؟ وللإجابة عن هذا التساؤل لابد من الحديث عن موضوع إقناع الفتاة في فترة المراهقة؛ إذ يُعدُّ هذا الأمر من المواضيع البالغة الأهمية؛ لأننا ندرك مدى صعوبة هذه الفترة في حياة الفرد، ومدى أهمية إقناعه بترك فعلٍ أو العكس، ولهذا يحتاج المراهقون في هذه الفترة الحساسة من حياتهم إلى التوجيه والإرشاد؛ كي نحافظ عليهم من الانسياق المتطرف وراء رغباتهم ونزواتهم، ولكن بعيدًا عن القسوة في التعامل الذي لا ينتج منه سوى المزيد من العناد والمزيد من الإصرار على الخطأ. وعلى هذا الأساس أجرينا استطلاعًا للرأي حول الموضوع، وطرحنا السؤال أعلاه، على بعض الأشخاص، وكانت الإجابات أكثرها على النحو التالي: إنَّ الأخت الكبرى تكون أكثر تأثيرًا على الفتاة المراهقة من أمها. وكانت نسبة الإجابات على أنَّ الأم هي الأكثر إقناعًا أقل من نسبة الأخت. ومال البعض إلى أنَّ قوة الإقناع تكون حسب علاقة المراهقة بإحداهما، حيث قالت إحدى الأخوات: تميل الفتاة المراهقة غالبًا إلى الصداقة، وتعدّها على رأس احتياجاتها؛ لذلك فعلى من يريد إقناع المراهقات أنْ يستثمر هذه النقطة فيكتسب صداقتها أولًا، ليُصبح إقناعها أمرًا ممكنًا وسهلًا، فإذا استطاعت الأمُّ أنْ تجعل من ابنتها صديقةً لها، فسوف تكون هي المؤثر الأول في حياتها؛ لأن الصلة بين البنت وأمها من أعظم الروابط، فإذا اتصلت هذه الرابطة بالصداقة ستكون فعّالة في الإقناع، أما إذا فقدت جسور الصداقة بين البنت وأمها ووجدت البنت في أختها صديقةً حقيقيةً لها، عند ذلك ستكون هي المؤثر الرئيسي عليها. بينما أكدت إحدى الأخوات على أنَّ الموضوع نسبيٌ ومختلفٌ من وضعٍ لأخر، فمثلًا هناك أسر تشتمل على الكثير من الأخوات وفي أعمارٍ متفاوتة، فتكون الأخت الكبرى هي الأقرب للمراهقة؛ وذلك لأنَّ الأم في هذه الحالة تكون غالبًا مشغولةً بأمور البيت، وهناك أسر أخرى تكون الأم هي الصديقة للفتاة والقريبة منها والحافظة لأسرارها؛ لاسيما إنْ لم يكن للفتاة أخوات. هذه كانت جملة من آراء بعض الأخوات، وتجدر الإشارة إلى مجموعةٍ من الأسباب التي من شأنها أنْ تجعل المراهق ــ بشكلٍ عام ــ يقتنع بما يُوجّه إليه من نصائح وإرشادات منها: *منح المراهق فرصةً للتعبير عن نفسه, فإنَّ غالبًا ما يتسرع الأشخاص الذين يتحدثون مع المراهق في نقلِ القواعد السلوكية للمراهقين دون منحهم مجالًا للتعبير عن أنفسهم، ويعدُّ هذا الأسلوب خاطئًا؛ لأنَّ المراهق سيجدُ أنَّه مجبرٌ على القيام أو عدم القيام بسلوكٍ معين من دون حوار. *كما أنَّ التحدث مع المراهق بمعزلٍ عن الآخرين جيدًا جدًا ويُسهم في إقناعه، بخلاف التحدث معه ونصحه أمام الجميع، فمن يرد أنْ ينصح مراهقًا أو يوجه إليه إرشاداتٍ أو ينبهه على خطأٍ ما، يجب عليه أنْ يُحدثه على انفرادٍ، وقد أجاد الشافعي في إيصال هذه الفكرة في قوله: تعمّدني بنصحك في انفرادي وجنِّبني النصيحةَ في الجماعة فإنَّ النُصحَ بين الناسِ نوعٌ من التوبيخِ لا أرضى استماعه وإنْ خالفتني وعصيتَ قولي فلا تجزعْ إذا لم تُعطَ طاعة إذن يتوجب التحدث مع الآخر ونُصحه بمعزلٍ عن الناس خصوصًا المراهق؛ لأنَّه يكون سريع التأثر وذا إحساسٍ مُرهفٍ في هذه الفترة، فلو تحدثتَ معه أمام الآخرين فذلك سوف يؤثر سلبًا على نفسيته؛ لأنّك تكون قد أسأت إليه وأحرجته أمام الآخرين، وبالتالي لا يقتنع بما تقول. *كما يتوجب على الآباء والمهتمين بموضوع المراهقة أنْ لا يحاولوا إقناع المراهق بأنَّه على خطأ ولا يعملوا على التحكم بإرادته وإجباره على فعلِ ما لا يرغب فيه بالقوة، ويُستحسن الابتعاد عن التقليل من قيمةِ أفكارهم، أو إخبارهم بشكلٍ مباشر أنَّ تفكيرهم سلبي، بل يتوجب تشجيعهم على التفكير وتطوير ذواتهم نحو الأحسن، وينبغي على الراشدين أن يكونوا متماسكين منطقيًا في شرح الأمور للمراهقين، وهذا يعني التمتع بحسٍ ثقافي وامتلاك قدرٍ كافٍ من المعلومات حول الموضوع الذي تودُ نقله للمراهق. ومع اتباع هذه الإرشادات وغيرها تكون كلٌّ من الأم والأخت الكبرى قادرةً على إقناع المراهق أو المراهقة والتأثير فيهما بشكلٍ إيجابي.

اخرى
منذ 3 أشهر
214

خاطرة

وان للقلب لغة أبكت حروف الوجدان... فخطت بأنامل العشاق قائلة: هل هذا هو الحب ؟ أُجيبها قائلة: ليس الحب من قال اني حبيب احبك انما الحب هو وجود صاحب الزمان بقربك . #الحب_هو_المهدي_عجل_الله_فرجه

اخرى
منذ 4 أشهر
162

أهمية نصرة الإمام الحسين (عليه السلام) وضرورة مشاركة المرأة فيها/ الجزء الثاني

بقلم: دعاء الربيعي أوجه نصرة الإمام الحسين (عليه السلام) من المعلوم أن الله (سبحانه وتعالى) أودع في البشرية سبل الهداية والرشاد بواسطة قاعدة بيانات داخلية فيهم منذ نشأتهم حتى يوم أجلهم، حيث أودع الفطرة عندهم كعامل قوة فهي الموجه الخفي الذي يوجه الإنسان نحو الصلاح، فمنهم من يوظف تلك الفطرة، ومنهم من يقضي عليها شيئًا فشيئًا. إن الخالق (سبحانه وتعالى) جعل الصفات الحميدة شيئًا حسنًا يُدركه الإنسان بالفطرة ولا يحتاج إلى برهان ليبرهنه ولا يحتاج إلى معلم ليثبته، مثال ذلك النصرة، فهي تولد مع الإنسان وتلازمه وهو المسؤول الأول عنها وعن وجهتها التي تتجه إليها، فإما أنْ تنصر الحق أو تنصر الباطل. وقد تتوسع مصاديق النصرة وتتنوع أشكالها فمرةً تكون النصرة والإعانة باللسان والكلمة الحقة، ومرةً تكون باليد والنفس، وأخرى بالأموال أو بإحياء القيم وإعلائها، وأشرف وأرفع وأجل صور النصرة هي تلك التي تكون بالنفس، فالنصرةُ بالنفس هي أفضل أشكال النصرة، إذ بها يتحقق معنى النصر الحقيقي، وهذا ما شهدناه جليًا في أصحاب الأئمة الخُلّص الذين نصروا أئمتهم بأنفسهم وأرواحهم. أولئك الذين اصطفاهم الله وحباهم واختارهم ليكونوا موالين محبين لمحمد وآله. وقد ذكر لنا مولى المتقين وسيد الوصيين علي (عليه السلام) صفات من اختارهم الله، فقد روي عنه (عليه السلام): (إنَّ الله (تبارك وتعالى) اطلع إلى الأرض فاختارنا واختار لنا شيعة، ينصروننا ويفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا ويبذلون أموالهم وأنفسهم فينا أولئك منا وإلينا)1. هنيئًا لمن اختاره الله (تعالى) وشرفه ليكون من شيعة محمدٍ وآله (صلوات الله عليهم أجمعين) ينصرهم ويفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم. وفيما يلي بيان لأنواع النصرة وأمثلة لكلِ نوعٍ منها: أ / النصرة بالأموال: هي وجهٌ من أوجه النصرة، ولها بالتأكيد أهميةٌ بالغةٌ في نصرة الدين، فمن يصعب عليه النصرة بالنفس أو باللسان، فإنه يستطيع أنْ ينصر إمام زمانه بأمواله إذا كان صاحب قدرة مالية، وخيرُ مثالٍ على هذه النصرة هي نصرة مارية بنت منقذ العبدي، هذه السيدة الجليلة التي خطّت لنفسها مسارًا متوجها خالدًا بقي وسيبقى نموذجا مُلهِمًا للنساء المؤمنات، ماريةُ التي آثرت بأموالها وقدمتها في سبيل نصرةِ الحق وإعلاء كلمته، فهي من الشيعة المخلصين المحبين لمحمد وآله، وقد كان بيتها في البصرة مجمعًا للرجال يتحدثون ويتشاورن فيه في الكثير من الأمور المهمة التي تخص الدين والمذهب ولما بلغها أنَّ الحسين (عليه السلام) قد كاتبَ أشراف أهل البصرة ودعاهم إلى نصرته جاءت وجلست بباب بيتها وأخذت تبكي وتندب الإمام الحسين لتُعلن للبصريين أنَّ فلذة الرسول (صلى الله عليه وآله) قد خرج لنصرة الدين وقد وصل صوت بكائها ونحيبها إلى من حولها من البصريين ( فقام الناس في وجهها وقالوا لها: ما عندك ومن أغضبك؟ قالت: ويلكم، ما أغضبني أحد. ولكن أنا امرأة ما أصنع. ويلكم، سمعتُ أنّ الحسين ابن بنت نبيّكم استنصركم وأنتم لا تنصرونه. فأخذوا يعتذرون منها لعدم السلاح والراحلة. فقالت: أهذا الذي يمنعكم؟ قالوا: نعم، فالتفتت إلى جاريتها وقالت لها: انطلقي إلى الحجرة وآتيني بالكيس الفلاني، فانطلقت الجارية وأقبلت بالكيس إلى مولاتها. فأخذت مولاتها الكيس وصبته وإذا هو دنانير ودراهم. وقالت: فليأخذ كلُّ رجلٍ منكم ما يحتاجه وينطلق إلى نصرة سيدي ومولاي الحُسين. قال الراوي: فقام عبد الله الفقعسي وهو يبكي - وكان عنده أحد عشر ولدًا - فقاموا في وجهه وقالوا: إلى أين تريد؟ قال: إلى نصرة ابن بنت رسول الله. ثم التفت إلى من حضر وقال: ويلكم هذه امرأة أخذتها الحمية وأنتم جلوس؟ ما عذركم عند جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم القيامة؟ قال: ثم خرج من عندها وتبعه من ولده أربعة فأقبلوا يجدون السير. حتى استخبروا بأنَّ الحسين (عليه السلام) ورد كربلاء. فجاء الشيخ بأولاده إلى كربلاء ورزقوا الشهادة )2 فهذه السيدة الجلية لم تخفْ لومةَ لائم، وناصرت وجاهدت في سبيل الله بأموالها ولسانها وسجلت بذلك موقفًا مشرفًا لها عند الله (تعالى)، فهنيئًا لمن نصر الإمام الحسين وشارك في إعلاء راية لا اله الا الله. وفي قصة السيدة مارية الكثير من الدروس والعبر لنا نحن النساء لذا حريٌ بنا أنْ نأخذ العبر من مواقف هذه السيدة ونكون دعاةً للحق بأقوالنا وأفعالنا وأموالنا ولا نخاف ولا نخشى المعتدين الذين يريدون لشمعة الإسلام أنْ تنطفئ ويخمد نورها. ب/ النصرة باللسان: هي من أهم أنواع النصرة، فكما هو معروفٌ لدى الجميع أنَّ سلاح الكلمة يكون أحيانًا أمضى من السيف، ويحقق المطالب المرجوة التي يحققها السيف وخير ما نستشهد به هو موقف الحوراء زينب عقيلة بني هاشم (عليها السلام)، فحينما شاهدت الجموع الغفيرة التي ملأت الشوارع والأزقة وقد أحاطت بها، اندفعت إلى الخطابة لبلورة الرأي العام وتأجيج الأوضاع ضد الحاكم الظالم فقصدت بخطابها إظهار وإبراز المصيبة التي مرّت بها وبإمام زمانها (عليه السلام)، وتحميل الكوفيين مسؤولية هذه الجريمة البشعة النكراء، فهم الذين نقضوا ما عاهدوا الله تعالى عليه من نصرة الإمام الحسين (عليه السلام) والذبِّ عنه، ولكنهم خسروا ذلك وقتلوه ثم راحوا ينوحون ويبكون كأنّهم لم يقترفوا هذا الإثم العظيم، فخطبت فيهم قائلةً: (يا أهل الكوفة يا أهل الغدر والختل، أتبكون؟! فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت الرنة، إنّما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها بعد قوة أنكاثًا، تتخذون إيمانكم دخلًا بينكم. ألا وهل فيكم إلا الصلف والنطفُ، والصدر الشنف، وملق الاماء، وغمر الأعداء؟ ...ألا ساءَ ما قدمتم لأنفسكم أنْ سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون)3 إلى آخر الخطبة المباركة التي ألقتها (عليها السلام) في الكوفة. وبهذا الخطاب الصادح فضحت السيدة (عليها السلام) الكوفيين، وبينت لهم زيف إسلامهم وكذب دموعهم، وأنّهم من أبشع المجرمين الذين ساهموا في خذلان الدين، فهم بفعلتهم الشنيعة هذه قتلوا إمام زمانهم الذي كان همه إصلاح أمر دينهم ودنياهم، فاحتشدوا عليه وقتلوه وسبوا عياله وساروا بهم أسرى في البلدان، فهل هذا جزاء من أراد بهم خيرًا؟! وختمت السيدة زينب (عليها السلام) خطابها المجلجل هذا بعبارةٍ رائعة أكدت فيها أنّ الله (تعالى) بالمرصاد، وأنّه (عز وجل) بصيرٌ بما جرى على آل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسوف يأتي اليوم الذي يثأر فيه هذا الإمام المظلوم. نسال الله (تعالى) أنْ يوفقنا -نحن الموالين- أنْ نكون من الناصرين للإمام الحسين (عليه السلام) مع ولي الأمر صاحب الزمان فهنيئًا لمن نصره إمام زمانه بلسانه أو بقلمه وها هي الفرصة اليوم متاحة للجميع وبإمكانهم أنْ ينصروا دينهم ومعتقدهم ويحاربوا الأفكار الهدّامة والشائعات المُغرضة التي تودُّ أنْ توقع بالدين وتهدَّ أركانه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1/ الخصال للشيخ الصدوق ج2 ص 635 2/ تاريخ الأمم والملوك ج2 ص 263 3/ السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام / شيخ باقر القرشي /ص 287

اخرى
منذ 4 أشهر
219

ابقَ في بيتك

بقلم: أم محمد السوداني إنَّ المُتتبع لسيرة الأنبياء والمرسلين والأوصياء (عليهم السلام) يجدُ أنَّ صفة (الاعتزال) سمة ملازمة لهم، فالنبي موسى (عليه السلام) اعتزل قومه أربعين ليلةٍ، والنبي يوسف (عليه السلام) سبع سنواتٍ، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يعتزل قومه كل عام أربعين يومًا في الغار، والنبي نوح (عليه السلام) اعتزل قومه وما يعبدون، والنبي إبراهيم (عليه السلام) قال: إنّي مهاجرٌ إلى ربّي، والفتية الذين التجأوا إلى الكهف هربًا من الطغاة والظالمين وحفاظًا على دينهم.. فالظاهر أنَّ قضية الاعتزال مهمةٌ جدًا في حياة القادة والمجددين، كأنّما يُعطي وقفةَ تأمل وإعادة ترتيبٍ للعمل أو التفكر في طريقةٍ للانطلاق بقوةٍ ومن جديد وبطرقٍ جديدة في مجتمعٍ لا يستجيب بسرعةٍ للإرادة الإلهية ومطالب الأنبياء الحقّة والايواء للكهف هو للتأمل والتفكر في مسير حياتنا؟ هل ما قمنا به كان صحيحًا؟ هل حققنا النتائج المرجوة؟ هل فعلًا كُنّا من الممهدين للظهور المبارك؟ أو كنا من الذين يحسبون أنّهم يصنعون خيرًا؟ الإيواء للكهف والاعتزال والتفكر والتأمل بما مضى والتخطيط للقادم من سيماء العقلاء والصالحين، فاعتزل في بيتك، وفكِّر في حياتك وحاول أنْ تغيرها للأفضل. ابقَ في بيتك

اخرى
منذ 3 أشهر
153

خاطرة

نولد صغارا ونتمنى أن نكبر سريعًا... وما أن نكبر حتى نرجو أن نعود صغارا من جديد.. وبين هاتين الامنيتين يضيع أكثر العمر بالترهات...

اخرى
منذ 4 أشهر
291

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
50898

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
38011

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
30694

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
30454

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
24428

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
23742