رضا الله غايتي

من أسئلتكم ما هي أسباب عدم استجابة الدعاء؟ (1)

بقلم: رضا الله غايتي مما لا شك فيه أن من أبرز سمات الإنسان الافتقار والاحتياج إلى الله (تعالى) في وجوده، حدوثًا واستمرارًا، وفي أيسر أموره فضلًا عن أعظمها. لذا فهو يلجأ إليه بالدعاء بنحوٍ فطري وإن كان منكراً لوجوده سبحانه! لأنه يشعر فطرياً بأن هناك قوة غيبية قادرة على إنقاذه وقضاء حوائجه، غاية ما في الأمر أنه ينفي أن تكون هو الله تعالى. ومن لطف الله (جل وعلا) به أنْ حثّ الإنسان على دعائه وضمن له الاجابة قال تعالى: "وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ" (1)، كما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "ليسأل أحدكم ربه حاجته، حتى يسأله الملح وحتى يسأله شسعه" (2). وبالرغم من كل هذه التأكيدات على استجابة الله دعاء العباد إلا أننا نجد أن الكثير من الأدعية التي ندعو بها لا تُستَجَاب، وما ذلك خلفٌ للوعد الإلهي والعياذ بالله، فهو (جل وعلا) أعظم وأجل من أن يُخلِفَ وعدًا؛ لقدرته اللامتناهية، فهو لا يُعجِزه شيء، ولغناه المطلق، فهو ليس بمحتاج إلى خلف الوعد، كما أنه ليس مجبرًا على ذلك؛ إذ لا قدرة تفوق قدرته سبحانه، علاوة على أن الوفاء بالوعد صفة كمالٍ وهو جل في علاه عين الكمال المطلق، فلا يعقل أن يفتقر إليها. وعليه، فإن لعدم استجابة الدعاء أسبابًا، يحسن بنا قبل التعرف عليها أن نمثل بالمثال التالي: لإتمام عملية إحراق ورقةٍ ما، لا بد من توفر جملة من الشروط تشكل بمجموعها العلة التامة للإحراق، فإن توفرت بمجموعها تم الاحتراق وإلا فلا، وهذه الشروط هي: توفر المقتضي للإحراق وهي النار، وتحقق الشرط وهو تقريب الورقة من النار، وانتفاء المانع فلا تكون الورقة مبتلةً مثلاً. فإن توفرت كل هذه الشرائط مجتمعةً ووافقت مشيئة الله تعالى بذلك تحققت عملية الإحراق، وإلا فلا. وعليه فقد لا يتحقق الإحراق إن لم يشأ الله تعالى ذلك رغم توفر سائر شرائطه؛ وذلك لأنه سبحانه هو الذي منح النار صفة الإحراق وهو وحده تعالى من له إمكانية رفعها، كمشيئته سبحانه التي اقتضت تجريد النار من علة الإحراق إنقاذًا لخليله إبراهيم (عليه السلام)، قال تعالى: "قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ" (3). فإذا اتضح ما تقدم، أمكننا تكوين صورة تقريبية وبشكل إجمالي للأسباب الرئيسية التي قد تؤدي إلى عدم إجابة الدعاء وهي: أولًا: أسباب تتعلق بنفس الدعاء. ثانيًا: عدم تحقق شرائط الدعاء وآدابه. ثالثًا: الإتيان بأحد موانع استجابة الدعاء. رابعًا: اقتضاء حكمة الله تعالى عدم الاستجابة. يمكن أن يكون ما تقدم جوابًا اجماليًا للسؤال المطروح، ولكن لأهمية الموضوع من جهة ولكثرة طرح هذا التساؤل من قبل المؤمنين فضلًا عن تبادره إلى أذهان الكثير من جهة أخرى، ارتأيت تناول تلك الأسباب بشيءٍ من الإيضاح ضمن عدة حلقات تأتي تباعًا إن شاء الله تعالى. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) غافر 60 (2) مكارم الاخلاق ص 313 (3) الأنبياء 69

اخرى
منذ 11 شهر
1181

هل الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بدعة؟

البَدع: معناه إحداثُ شيء لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر ولا معرفة(1). وعليه فالبدعة في اللغة: هو الشيء الذي يبتكر ويخترع من دون مثال سابق ويبتدأ به بعد أن لم يكن موجوداً في السابق. وأما اصطلاحاً فقد عرفها السيد المرتضى بأنها: (الزيادة في الدين أو نقصان منه من غير إسناد إلى الدين..)(2) ومن التعريف أعلاه يتضح أن هناك شرطين يلزم تحققهما لتحقق عنوان البدعة على الأمر الحادث وهما : أولاً: أن يكون الأمر الحادث مختصاً بالأمور الدينية. لابد أن يكون الأمر الحادث هو أمر مختص بالأمور الدينية سواء كان زيادة في الأحكام الشرعية أو نقصان فيها. وأما سائر الاَمور الحياتية والمباحات والعادات والاَعراف المختلفة لدى الناس والتي تطرأ عليها الكثير من التغييرات كما هو معلوم فلا يمكن أن يطلق عليها يوماً عنوان البدعة، وإن أحدثت أو أُنشأت أو ابتُكرت بعد عهد الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله) طالما أنها لم تكن جزءً من الشريعة. فمثلا المسلمون اليوم يستخدمون الكثير من وسائل النقل والاتصالات المتطورة والتي قد أحدثت وأُنشأت جميعها بعد عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا أنها مع ذلك لا يمكن أن تعد بدعة لأنها ليست من الأمور الدينية .. ثانياً: عدم وجود دليل شرعي على ذلك الاَمر الحادث. ويعتبر هذا القيد –مع الأول- الحد الفاصل الذي يفصل البدعة عما سواها، ويشخصها عن غيرها وعليه لا يمكن إطلاق عنوان البدعة على أي أمر حادث في الدين إلا إذا كان غير مستند الى أصل شرعي لا على نحو الخصوص ولا على نحو العموم حتى .. وتشبث بعض العلماء بشرط ثالث مفاده: ضرورة أن يكون هذا الأمر الحادث متداولاً في زمن التشريع وإلا كان بدعة. وهو شرطٌ يفتقر إلى العلمية؛ وذلك لأن هناك من الأمور التي لم تحدث في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله) ولكن وجود نص شرعي يستند عليه فيها سواء بالحلية أو الحرمة يكفي لإخراج حكمها من تحت مظلة البدعة، كما في حرمة أن يتزيَّ الرجال بزي النساء والعكس، فبالرغم من عدم وقوع هكذا فعل في زمن التشريع إلا أن وجود قوله (صلى الله عليه وآله):«ليس منّا من تشبّه بالرجال من النساء، ولا من تشبّه بالنساء من الرجال»(3) كفيل بأن يبعد حكم تحريم هذا الفعل عن عنوان البدعة .. وقد أدى الخلط بين المعنى اللغوي للبدعة وبين معناها الشرعي الذي قيّدناه بالشرطين السابقين إلى اتساع دائرة الموضوعات التي أطلق عليها عنوان البدعة، فيما اُتهم من يأتي بتلك الأمور بالضلالة والتكفير والحكم عليه بالخلود في النار وما الى ذلك ... ومن القضايا التي ادعى البعض أنها من البدع هو الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، ولو ناقشنا هذه المسألة يتضح جلياً عدم صحة ذلك المدعى لما يأتي: أولاً: الاحتفال بمولد النبي محمد (صلى الله عليه وآله) لا يمكن أن يعد إدخالاً في الدين ما ليس منه؛ لأنه يُعبّر عن الحبّ والولاء والمتابعة له (صلى الله عليه وآله) وهو بالتالي تعظيم للرسالة الاِسلامية الغرّاء، وقد تقدم أن الأصل الشرعي الذي يستند عليه الفعل الحادث لإخراجه من قائمة البدع يكفي أن يكون أصلاً على نحو العموم ولا يشترط فيه أن يكون دليلاً خاصاً، ومن المعلوم أن المسلمين قاطبةً يُقرّون أن هناك أدلة كثيرة أكدت على ضرورة احترام النبي (صلى الله عليه وآله) وتوقيره وتبجيله حيّاً وميتّاً، وقد ورد الشيء نفسه في حق آل البيت (عليهم السلام). ثانياً : واضحٌ جداً أن من أدخل الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في دائرة الابتداع إنما خلط بين المعنى اللغوي لكلمة البدعة والمعنى الشرعي الاصطلاحي لها، والبون شاسعٌ بين الاثنين كما تقدم. ثالثاً: استند آخرون في إدخالهم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في دائرة البدعة إلى خلو زمن التشريع من الاحتفال، وقد تقدم الرد على ذلك سابقا فلا داعي للتكرار. رابعاً : من الأسباب التي استندوا إليها لعدِّ الاحتفال بدعة هو قولهم: إن الاحتفال ترافقه بعض الاَعمال المُبتدعة، من قبيل قول (ابن الحاج): «ومن جملة ما أحدثوه من البدع مع اعتقادهم أنَّ ذلك من أكبر العبادات، وإظهار الشعائر، ما يفعلونه في شهر ربيع الاَول في يوم المولد، وقد احتوى على بدع ومحرّمات جمة» (4). ومع أننا نستنكر أي عمل محرم يرافق الاحتفال، إلا أننا نؤكد غرابة قولهم هذا !! إذ ما علاقة احتواء الاحتفال على محرمات في إسباغ سمة الابتداع على الاحتفال برأسه؟ ثم لو أن عبادةً واجبةً كالحج مثلاً في زمن من الأزمنة قام البعض بتضمينها شيئاً من المحرمات، أ فهل يسوّغ لنا ذلك أن نعدّ الحج بدعة؟ّ! رابعاً: روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي»(5). ولهذا فمن حق المسلم أن يُعبّر عن حبه له (صلى الله عليه وآله) بأي صورة كانت شريطة أنْ لا تتعارض مع الشريعة الاسلامية.. خامساً: أيد بعض علماء السُنّة الاحتفال بيوم مولده (صلى الله عليه وآله) وعدّوه عملاً حسناً أو (بدعة حسنة) بمعناها اللغوي، نظير ما قاله ابن حجر: «عمل المولد بدعة، لم تُنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنَّها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدّها، فمن تحرّى في عملها المحاسن، وتجنَّب ضدها كان بدعةً حسنةً، وإلاّ فلا» (6). وقول السيوطي: «عندي أنّ أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس، وقراءة ما تيسّر من القرآن ورواية الاَخبار الواردة في مبدأ أمر النبي صلى الله عليه وآله ، وما وقع في مولده من الآيات، ثم يمدّ لهم سماط فيأكلون وينصرفون من غير زيادة على ذلك، هو من البدع الحسنة التي يُثاب عليها صاحبها، لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وآله وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف..»(7). وهذا يؤكد ما قلناه من أن المقصود من البدعة المحرمة هو ما لزم منه ابتداع شيء جديد لا أساس له في الدين وإدخاله في الدين. وهل اجتماع أتباع أهل البيت (عليهم السلام) في الاحتفالات بمواليد المعصومين ومنها المولد النبوي الشريف إلا تلاوة القرآن الكريم وإنشاد الشعر في مدحهم و التذكير بالدروس والعبر التي نستلهمها من سيرهم العطرة؟! ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) العين للفراهيدي 54:2 (2) الرسائل، للشريف المرتضى 3: 83. (3) كنز العمّال، لعلاء الدين الهندي 8: 324 / 41237. (4) المدخل، لابن الحاج 2: 2. (5) سنن الترمذي: 622 / 3789 تحقيق أحمد محمد شاكر. (6) المواسم والمراسم، لجعفر مرتضى العاملي: 62 عن رسالة المقصد المطبوعة مع (النعمة الكبرى على العالم) و (التوسل بالنبي وجهلة الوهابيين: 114). (7) كي لا نمضي بعيداً عن احتياجات العصر، لسعيد حوّى. السيرة بلغة الحب والشعر: 42 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
737

شبهة تحريم التوسل بالأنبياء والأولياء (عليهم السلام)

بقلم: رضا الله غايتي عندما تُتبع الأهواء ويُقاس الحق بالرجال، تُعمى البصيرة فيُرى الحق باطلاً والعكس أيضاً، بل قد يُستساغ الباطل مع العلم ببطلانه ويُستقبح الحق مع جلاء رجحانه. وهذا ما تسبب في ترجيح البعض للكثير من البدع بل والتصريح بتحسين بعضها، كما تسبب في رفض الكثير من المسائل الحقّة وتحريمها والقول بشرك القائم بها. ومنها مسألة التوسل بالأنبياء والأولياء (عليهم السلام). قال العثيميين: (وأما القسم الثاني فهو التوسل بذواتهم: فهذا ليس بشرعي؛ بل هو من البدع من وجه، ونوع من الشرك من وجه آخر. فهو من البدع؛ لأنه لم يكن معروفاً في عهد النبي (صلى الله عليه [وآله]) وأصحابه. وهو من الشرك لأن كل في أمر من الأمور أنه سبب ولم يكن سبباً شرعياً فإنه قد أتى نوعاً من أنواع الشرك من اعتقد وعلى هذا لا يجوز التوسل بذات النبي(صلى الله عليه [وآله])) (1) وللرد على ذلك نقول: أولاً: التوسل من توسلَ، يقال: توسَّل فلان إلى فلان بوسيلة: أي تسبَّبَ بسبب، وتقرب إليه بحرمةِ آصرةٍ تعطفه عليه، والوسيلة: الوصلةُ والقُربى (2). وقد حث الله (تعالى) على اتخاذ الوسيلة للتقرب اليه كما في قوله: "يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ"( المائدة 35)، فإذا كان الأمر كذلك فأي وسيلةٍ للتقرب إلى الله (تعالى) تُرى هي أعظم حرمةً عنده من أنبيائه وأوليائه (عليهم السلام) لاسيما سيدهم وعترته (صلى الله عليه وآله)؟! ثانياً : وأما كون التوسل بدعة لأنه لم يكن معروفا في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) فهذا افتراء جلي، فقد روي عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ (صلى الله عليه وآله) فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي قَالَ إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ لَكَ وَإِنْ شِئْتَ أَخَّرْتُ ذَاكَ فَهُوَ خَيْرٌ فَقَالَ ادْعُهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ يَامُحَمَّدُ إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتَقْضِي لِي اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ" (3) كما أورده الترمذي في سننه وصحّحه الشيخ الألباني. وأسلوب التوسل في الدعاء المذكور واضحٌ غاية الوضوح، وهل توجد أوضح من العبارات (أتوجه اليك بنبيك، يا محمد إني توجهت بك) للدلالة على التوسل؟! ثالثاً : وأما قوله بأن التوسل به (صلى الله عليه وآله) شرك؛ لأنه ليس بسبب شرعي، فمن الواضح جداً بعده عن الصواب لوجود أدلة يُستند عليها في جواز التوسل به (صلى الله عليه وآله) في حياته وبعد مماته، فأما في حياته فتوجيه النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) بنفسه الأعمى للتوسل به، وأي سببٍ شرعي أجلى من ذلك؟! وأما بعد مماته، فقد نقل «السمهودي» أن صاحبَ حاجةٍ جاء في زمن عثمان إِلى قبر النّبي (صلى الله عليه [وآله])، فجلس بجوار القبر ودعا الله بهذا الدعاء: «اللّهم إنّي أسألك وأتوجه إليك بنبيّنا محمّد (صلى الله عليه [وآله]) نبي الرحمة، يا محمّد إِنّي أتوجه بك إلى ربّك أن تقضي حاجتي» (4) ولم يتهمه أحدٌ من الصحابة بالابتداع فضلاً عن الشرك، بل ولم يعترض عليه أحدٌ منهم أبداً أو يتهمه بمجانبة الحق. و يضيف «السمهودي»: أنّه لم تمض فترة حتى قضيت حاجة الرجل. رابعاً: سيرة العلماء تدل بوضوح على جواز التوسل بالأنبياء والأولياء، ومن الذين أشتُهِرَ عنهم ذلك «الشافعي»، وهو أحد أئمّة السنّة الأربعة المشهورين، وقد نقل عنه ذلك «القندوزي» صاحب كتاب «ينابيع المودة » مستشهداً بقوله : آل النّبي ذريعتي وهم إِليه وسيلتي أرجو بهم أعطى غداً بيد اليمين صحيفتي (5) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) مجموع فتاوى ورسائل فتوى رقم 377 (2) تهذيب اللغة ج4 ص320 (3) مسند أحمد ج35 ص109 (4) وفاء الوفاء ج3 ص 1373 (5) ينابيع المودة ج2 ص446

العقائد
منذ سنة
1403

الاختيار السديد مفتاح العيش الرغيد (1)

سنواتٌ من العناء النفسي لا يُعلم أمدها، وزفراتٌ من الاحتراق الداخلي لا يُحصى عددها، قد تتباين في حدتها وشدتها، قد يختلف الموقف الذي يُتخذ إزاءها، فبعضٌ يتألم ويصبر؛ خشيةً من العرف أو لمصلحة الأبناء يؤثر، وبعضٌ يتظاهر بالسلام وفي السر ينفر، حفظاً للتوازن بين ما يبتغيه المجتمع والظروف الحاكمة وبين التنفيس عن مشاعر الرفض الذي يتمثل بالنفور العاطفي، وبعضٌ قد تنفذ بطارية صبره ولا يجد إلى الشحن مجدداً سبيلاً، فيلجأ إلى الطلاق باعتباره حله الأمثل.. وبالرغم من تسليط الأضواء باتجاه ارتفاع نسب الطلاق، إلا أن الحالتين السابقتين (الحياة الزوجية المفعمة بالمشاكل، الطلاق العاطفي) لا تخلوان من الآثار الوخيمة على الأسرة بشكل عام والطرف الضعيف في المعادلة والأطفال بشكل خاص. وعند الرجوع إلى الأسباب والعلل، ومراجعة المشاكل والخلافات، ومتابعة الأقوال فيها والأفعال، نجد أنّ الكثير الكثير منها ما هي إلا تفرعات عن سبب رئيسي واحد وهو: سوء الاختيار. ولا نقول إن حُسن الاختيار يمثل العصا السحرية في الحياة الزوجية، بحيث يحيلها إلى حياة وردية لا مشاكل فيها البتة ولا خلافات؛ وذلك لأن المشاكل والخلافات إنما هي ملح الحياة، إذ من دون طعم الفراق المر لا يُستعذب حلو اللقاء، ومن دون الشعور بالألم لا قيمة لمعنى الراحة، ومن دون الشعور بالقلق لا يُلتفت إلى نعمة الأمان والاطمئنان، وبالتالي وجود الاختلافات بالمعدل الطبيعي في العلاقات بشكل عام ومنها العلاقة الزوجية علامة صحية لأنها تشير إلى أنها على قيد الحياة، بل إن بعض الاختلافات تسهم في أحيان كثيرة في تعرّف الزوجين أكثر على شخصية بعضهما، وبالتالي قد تكون عاملاً بنّاءً إذا أحسن الطرفان استثمارها. فإذا كانت الاختلافات أمراً طبيعياً في العلاقة الزوجية كما تقدم وكان الزوجان قد أحسنا اختيار بعضهما البعض فإنها تبني علاقتهما وتزيد من توطيدها وترابطهما فضلاً عن انسجامهما وتفاهمهما. فينعمان بالحبور القلبي والسعادة فضلاً عن الهدوء النفسي والسكينة، مما ينعكس ذلك بلا أدنى شك على جميع مجالات الحياة الأخرى فيعمها الاستقرار والتقدم والنجاح والابداع؛ ولذا كان حقاً: الاختيار السديد مفتاحاً لعيش الانسان الرغيد. وعلى النقيض من ذلك بالنسبة لمن أساء الاختيار فإنه غالبا ما لا يتفقان على الاسلوب الأمثل لحل المشاكل، بل قد لا يتفقان على كونها مشكلة ويختلفان حتى في تشخيصها ، وبذا غالباً ما ستكون معولاً هداماً يدق صرح حياتهما الزوجية حتى يتشوّه ذلك الصرح أو قد ينهدم. وبما أنّ الزواج علاقة شراكة بين طرفين كأية شراكة أخرى، كان لابد من وجود هدفٍ ما يدفعهما إليها رغم ما تكتنفها من التزامات، ولأن الهدف من شراكةٍ ما لابدّ وأن يُلقي بظلاله على الشريك المرتقب، فيحدد مواصفاته التي لابد أن تتوفر فيه طبقاً لما يتناغم معه ويسهم في تحقيقه، لأجل ذلك، كان من الأهمية بمكان التحدّث عن الهدف من الزواج، والتعرّض إلى الصحيح منها لتؤدي إلى أن تكون المعايير المتخذة في اختيار الشريك صائبة. كما يحسن بنا التطرّق إلى تلك الأهداف التي تمهر الزواج بمهر الفشل بصورة غالبة. فإذا وضحت الأهداف السليمة، واتضحت الأهداف السقيمة، تناولنا بشيءٍ من الايجاز أهم المعايير التي يجب وضعها نصب الأنظار في عملية الاختيار. وقبل تناول هذا وذاك يحسن بنا التعرض إلى أصل مسألة الاقتران بشخصٍ ما، هل هي مسألة اجبارية تعتمد على القضاء والقدر كما هو المتعارف بين الكثير من الناس أو أنها مسألة اختيارية تعتمد على الانسان وما يبذله من جهد وما يحمله هدف؟ ولأجل ذلك كانت هيكلية بحثنا كالتالي: المبحث الأول: هل الإنسان مخيّر في التزوج بمن أو أنه مسيّر؟؟ المبحث الثاني: الهدف الصحيح من الزواج. المبحث الثالث: أهم المعايير في اختيار الزوج. المبحث الأول هل الاقتران بشخصٍ ما، قدرٌ من الله (تعالى) أو أنه اختيارٌ ؟ يعتقد الكثير من الناس أن لا دخل للشاب في اختيار زوجته، وهو مجبر ومسيّر على الزواج بهذه الزوجة دون تلك، والزوجة كذلك، على حين أن هذا الاعتقاد عارٍ عن الصحة؛ لأن الإنسان مختارٌ في أفعاله كلها ومنها اختيار الزوج. وقد دلت على ذلك العديد من الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) منها ما رويَ عن الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله):"إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير"(1) وفي حديث أبي عبيدة عنه (صلى الله عليه و آله) أنه قال: "إياكم و خضراء الدمن! فقيل: يا رسول الله و ما خضراء الدمن؟ فقال:(صلى الله عليه وآله): المرأة الحسناء في منبت السوء"(2) فقد اشتملت الرواية الأولى على أمرٍ، فيما اشتملت الرواية الثانية على نهي، ومن المعلوم أنه لا يؤمر أو يُنهى إلا المختار؛ لأن من لا يملك حرية الاختيار فمن العبث أمره أو نهيه، والرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) منزه عن كل ذلك بشهادة أصدق الصادقين "وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)"(3). وعليه فالإنسانُ مخيّرٌ في اختيار الزوج وليس مسيّراً، ولا ندَّعي بأن الانسان له الاختيار المطلق في ذلك بحيث يخرج عن دائرة القضاء والقدر الإلهيين ــ والعياذ بالله ــ، فإن في ذلك من المحاذير العقدية الكثير ليس من المناسب التعرض إليها في هذا المختصر، بل نقول بما روي عن إمامنا جعفر الصادق (سلام الله عليه):" لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين"(4). إذ كما أن هناك آيات كريمة تنص على أن العلم الإلهي قد كان منذ الأزل، وأن الأمور تجري حسبما قُدّرت في اللّوح المحفوظ من غير تخلّف ولا تبديل، كما في قوله (تعالى):"مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا"(5)، وقوله (عز من قائل):"وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ"(6)... فإن هناك آياتٍ كريمةٍ أخرى تدل على كون الانسان مختاراً ومسؤولاً عن اختياراته في الحياة كما في قوله (تعالى):"وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا"(7). ويمكن فهم القسمين من الآيات الكريمة من خلال قوله (تعالى):"يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ"(8) فالله (تعالى) يقدر للإنسان تقديرين: أحدهما: في لوح المحو والإثبات الذي يمكن للإنسان تغييره بالدعاء وبمقدار ما يبذله من جهد وسعي في سبيل توفير شرائطه، كأن يقدّر الله (تعالى) له الغنى فيما لو اجتهد وسعى. وأما التقدير الآخر ففي اللوح المحفوظ وهو قدر الانسان الواقع فعلاً في الحياة كأن يكتب الله (تعالى) على ذلك الإنسان الفقر؛ لعلمه السابق بأنه سيترك الجهد والعمل وسيركن إلى الراحة والكسل، فهو تقديرٌ بما سيقع وحسبما يقع، من غير أن يكون العِلم السابق مؤثراً في تحقّق المعلوم. وهكذا بالنسبة لمسألة الاقتران بزوجٍ ما دون سواه ــ بشكلٍ عام ــ فإن للإنسان تأثيراً كبيراً في اختياره صالحاً أو طالحاً، مناسباً أو غير ذلك. نعم، قد تقتضي الحكمة الإلهية أحياناً أن يقترن الإنسان بالزوج الذي لا يتوافق معه كما حصل في بعض زيجات بعض الأنبياء والأئمة (عليهم الصلاة والسلام). كما قد تقتضي المصلحة الشخصية للإنسان في بعض الأحيان ذلك أيضاً انطلاقاً من قوله (جل وعلا):" وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)"(9) بيدَ أن ذلك يبقى هو الاستثناء الوارد على القاعدة العامة التي تقدمت.. المبحث الثاني .. يأتي إن شاء الله تعالى.... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الكافي ج5 ص495 (2) عوالي اللآلي ج1 ص87 (3) النجم 3و4 (4) الكافي ج1 ص161 (5) الحديد: 22 (6) فاطر: 11 (7) الإسراء: 13 (8) الرعد 38 (9) البقرة 216 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
1711

الاختيار السديد مفتاح العيش الرغيد (2)

المبحث الثاني الهـــدف مـــــن الــــــزواج يتباين الهدف من الزواج بين الناس بتباين مستوى الوعي لديهم والظروف التي تحيط بهم، ولذا فالأهداف متعددة ومتنوعة ولا يمكن حصرها في حد معين، ولكن إجمالاً يمكن تقسيمها إلى قسمين: أولاهما: أهداف سليمة تساهم في متانة أساس الزواج ورصانته، وبالتالي استمراره وديمومته. وثانيهما: أهداف سقيمة تؤسس العلاقة الزوجية على أساس هش ركيك، مما تؤدي إلى تعاسته وربما انتهائه.. ولأهمية توضيح كل من القسمين من الأهداف ارتأينا أن نفرد للحديث عن كل منهما مطلباً خاصاً.. المطلب الأول أهداف الزواج السليمة مما لاشك فيه أن لا أحد يمكنه معرفة الهدف من ايجاد جهازٍ ما وما يناسبه من ظروف مما لا يناسبه منها، وما يصلحه من أمور مما يفسده منها أكثر من صانعه؛ ولذا يرفق مع كل جهاز المعلومات الخاصة به والتعليمات لكيفية استخدامه والحفاظ عليه. وهذا بالضبط ما فعله الله (تعالى) وهو غاية الحكمة ومنتهى الرحمة، فما أن خلق الانسان حتى أوضح له كل ما من شأنه إسعاده وبيّن له ما يؤدي إلى تعاسته، لذا كان أهم الأهداف المرجوة من الزواج هو الهدف الذي بيّنه الله (تعالى) إذ قال: "وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)"(1). فالهدف الأساسي من الزواج هو حصول الاطمئنان القلبي والسكينة الروحية والهدوء النفسي، ومنشأ كل ذلك يعود إلى كون الزوجين يكمل بعضهما بعضاً، أي إن يكون كل منهما أساس النشاط والنماء لصاحبه، بحيث يعد كل منهما ناقصاً بغير صاحبه، ولذا تكون بين الزوجين جاذبيّة قوية(2). وبالإضافة إلى ذلك هناك هدفٌ هامٌ لا يقل عنه أهميةً أشارت إليه بعض النصوص الشرعية وهو: صناعة جيل صالح، فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "تزوجوا فإني مكاثر بكم الامم غداً في القيامة"(3)، ومن المعلوم أن غريزتي الأبوة والأمومة غالباً ما تُشبع كيفما تمّ الزواج، ولكن ما نعنيه هو صناعة الجيل بما هو صالح لا مطلقاً. ولعل هذين الهدفين هما أهم الأهداف في الزواج الحقيقي ــ إن صحّ التعبير ــ وإلا فقد يهدف طرفان في زواجهما إلى هدفٍ آخر مشروع وينجح زواجهما رغم عدم توفر الهدفين الآنفي الذكر، كما لو تزوجا لأجل أن يكتسب أحدهما جنسية دولةٍ ما، أو لأجل قيام أحدهما بمراعاة الطرف الآخر فيما لو كان مريضاً مثلاً أو مقعداً.. وقد يتبادر إلى الذهن سؤال مفاده: طالما كان الزواج أمراً شخصياً فلِمَ يحسن بالإنسان أن يراعي الهدفين الأساسيين الذين ذكرتهما الشريعة؟ ولِمَ لا يحق له الاعتماد على هدفه الشخصي وحسب وإن كان مخالفاً لهما، أو متعارضاً معهما حتى؟ ويمكن الرد على هذا التساؤل بتساؤلٍ آخر: فليتذكر السائل أعلى أمنياته وأهم احتياجاته وأجمل رغباته في مرحلة طفولته، وليقارنها مع ما هو عليه الآن، هل يا ترى يجدها مناسبة له؟! فالإنسان تتغير رغباته من مرحلة عمرية إلى أخرى وتختلف وربما تتخلف أيضاً، فما يشكل له حاجةً مُلِّحة في مرحلةٍ ما قد لا يكون كذلك في مرحلةٍ أخرى، والعكس صحيحٌ أيضاً فما لا أهمية له ما في مرحلةٍ ما قد تكون له بالغ الأهمية في مرحلةٍ أخرى، فالفتى مثلاً قد يجد في مرحلة ما أن الجمال في الزوجة وحده كفيلٌ بإسعاده السعادة القصوى، وقد تجد الفتاة أن الهدايا والأموال كفيلتان بأن تجعلا منها اسعد زوجة على وجه البسيطة ولكن ما أن تشبع الرغبة حتى يتضح الخطأ جلياً، ولات حين مناص.. وبما أن الحياة الزوجية يُفترض بها السكينة والاستقرار والدوام والاستمرار، فمن غير الصحيح أن نعتمد في تأسيسها على أهداف مرحلية تخف أهميتها بعد حينٍ وتقل أو ربما تنعدم وتضمحل، على حين أن الهدف الأساسي يجدر به أن يفتقر إليه الزوجان دائماً وأبداً في حياته الزوجية وفي جميع مراحله العمرية وإن كان قد لا يبدو له كذلك في بدايتها.. وبالإضافة إلى ما تقدم فإن القصص الواقعية قد أثبتت هي الأخرى أن الزواج المبني على أهداف مرحلية غالباً ما يفشل بعد مدة زمنية سواء طالت أو قصرت. المطلب الثاني: الأهداف السقيمة.. تأتي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الروم 21 (2) أنظر التفسير الأمثل ج12 ص495 (3) من لا يحضره الفقيه ج1 ص384 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
811

الاختيار السديد مفتاح العيش الرغيد (3)

المبحث الأول /الهدف من الزواج المطلب الثاني /الأهداف السقيمة هناك أهداف يمكن التنبؤ بفشل العلاقة الزوجية فيما لو بُنيت عليها، نضعها بين يدي المقبلين على الزواج والمقبلات، ومن يهمهم ذلك من الآباء والأمهات للحؤول دون خوض تجربة زواج فاشلة وما يترتب عليها من أعباءٍ ومعاناة... أولاً: السعادة المبنية على أمور سطحية: أن يهدف الإنسان إلى السعادة في الحياة الزوجية لهو أمرٌ مشروعٌ ولا غبار عليه، لكن ان تكون السعادة المستهدفة مبنية على أمور سطحية فقط كالثراء والجمال والمنصب والجاه بقطع النظر عن سائر الأمور الهامة في شخصية من يروم الاقتران به أو تروم، فيه كل الإشكال؛ وذلك لأن العلاقة الزوجية أعمق من أن تقتصر على الجانب الجسدي فقط، بل للجانب الروحي والنفسي الأثر الأكبر فيها بحيث يمتد ليشمل الجانب الأول وما سواه.. ثانياً: تضميد جراح علاقةٍ فاشلةٍ: مما لاشك فيه أن خوض علاقةٍ فاشلةٍ سواء كانت مجرد خِطبة فضلاً عن الزواج يترك آثاراً وخيمة وذكرياتٍ أليمة، قد يتمكن البعض من مواجهتها والتكيف معها، ولكن البعض الآخر قد تؤثر في نفسه، وتُدمي قلبه، وتنغص عيشه، وتقضّ مضجعه، ويعجز عن مواجهتها بنفسه، فيحاول أن يسعى إلى من يعينه على حل مشكلته، وما إن يجد إلى الزواج سبيلاً حتى يتصور أنه المنقذ الأمثل بقطع النظر عن سمات من سيرتبط به، وإذا به كمن يستجير من الرمضاء بالنار.. لأن غالباً ما يكون خياره خاطئاً، ولا غرو في ذلك؛ إذ لم يكن مدروساً، فيعيش بقية عمره في سلسلة من التعاسة والندم والحزن والألم، قد لا تنتهي حلقاتها إلى آخر العمر، وإن انتهت فلاشك بضرر وإن كان أهون الشرين.. ثالثاً: الهروب من الوحدة: قد يعيش الإنسان الشعور بالوحدة لسببٍ أو لآخر، فيشعر أنه يواجه الحياة بصعوباتها وتحدياتها بمفرده، يفتقد إلى من يشجعه على الإنجاز أو يشاركه سروره وفرحه. والشعور بالوحدة قد يتكيف معه البعض ويتحمل شدة وطأته، ولكن قد لا يقوى البعض الآخر على ذلك حتى يصير الهروب من الوحدة كل هدفه وبغيته، وقد يتخذ البعض من الزواج وسيلةً إلى تحقيق ذلك الهدف، دونما التحقيق في شخصية من يروم الاقتران به أو بأي الصفات يتصف، ولذا يكون قد حققّ هدفه ظاهراً، وأما حقيقةً فغالباً لا؛ لأن الوحدة ليست وحدة الجسد كما قد يُتصوّر ولكنها وحدة الروح التي تضج ألماً لانعدام شريكها الموافق، ووحشة النفس التي تنزف وجعاً ولا تجد من يخفف عنها حزناً أو يشد عضداً أو لفرحها يعانق.. رابعاً: وصال الحبيب: من الأهداف السقيمة التي تسهم في فشل الحياة الزوجية هو أن يكون الهدف من الزواج الوصول إلى الحبيب فقط وفقط!!، حيث يرون تحقق سعادتهم بتحقق رغبةٍ جامحة عصفت بهم، وبعثرت لبّهم، وأثارت غرائزهم، فأصبحوا ينظرون إلى الحبيب بمنظارها، ويحكمون عليه بميزانها، ومعلومٌ أن حكم العاشق ليس واقعياً كما روي عن الإمام علي (عليه السلام):"ومن عشق شيئا أعشى (أعمى) بصره وأمرض قلبه، فهو ينظر بعين غير صحيحة، ويسمع بأذن غير سميعة، قد خرقت الشهوات عقله، وأماتت الدنيا قلبه"(1). خامساً: الهروب من النظرات المجتمعية السيئة: لكل مجتمع نظرته العامة لمختلف الأمور التي يلتزم بها سائر أفراده، فإن أحدهم نأى عنها أو خالفها أو تمرد عليها قوبل بقسوة بالغة من قبلهم وبمختلف الوسائل التعبيرية من كلام جارح، وهمزٍ ولمزٍ قادح، ونظرٍ بريبة، ومعاملةٍ فظة مقيتة، ومن بين نظراته الجائرة نظرته بريبةٍ أحياناً ودونيةٍ أخرى إلى من تقدّمت في السن ولم تتزوج بعد، وتؤثر تلك النظرة على نفسية الفتاة أيّما تأثير بحيث يجعلها تشعر بالذنب وكأنها قد اقترفت ذنباً عظيماً أو ارتكبت جرماً جسيماً، وللتخلص من هذه النظرة الظالمة والشعور المهين قد تلجأ وبدون تدبرٍ وروية وتخطيط رصين إلى الاقتران بأي زوج يتقدم لخطبتها، وهو قرار محفوف بالكثير من المخاطر.. فإن اكتشفت هذه الفتاة بأنها قد تسرّعت في قرارها، وأن من ارتضته زوجاً لا يناسبها، فمن العقل والمنطق بل والشرع أيضاً أن تفسخ خطبتها أو حتى تطلب الطلاق، ولكن نجدها غالباً تكمل الإجراءات وتخوض تجربة زواج فاشلة رغم علمها المسبق بذلك لا لشيءٍ سوى أن تتجنب مواجهة نظرات أخرى تنظر إليها بريبة وشك فيما أقدمت على الفسخ أو الطلاق.. المبحث الثالث: أهم المعايير في اختيار الزوج... تأتي إن شاء الله تعالى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) نهج البلاغة خطبة 109 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
921

الاختيار السديد مفتاح العيش الرغيد (4)

المبحث الثالث أهم المعايير في اختيار الزوج تقدّم أن الهدف من كل شراكة هو الذي يلقي بظلاله على الشركاء ويرسم سمات حياتهم، ويحدد ما هو ضروريٌ منها بحيث لا يمكن أن يتحقق لولاها، وما هو دون ذلك بحيث يمكن لعجلة المشروع من التقدم وحصاد ثماره من دونها. ولهذا السبب نجد أن الشريعة الإسلامية حرصت على تحديد أهم السمات الضرورية في كل من الزوجين، فأجملت في قوله (تعالى):"هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ"(1) ومعلومٌ بأن الانسان لا ينتخب من الألبسة إلا ما يناسبه تماماً، لتمده بالدفء، ولتناسب هويته، وتعبر عن ثقافته، ولا بد أن تناسبه، فضلاً عن أنها توفر له الستر والزينة التي توافق شأنيته.. كما أشارت شريعتنا السمحاء إلى أهم الصفات التي لابد أن يتوفر عليها الزوجان، ولكنها في الوقت ذاته لم توصد الباب أمام من يرغب بسواها من سمات، بناءً على الفروق الفردية في الأهداف والأذواق والاهتمامات، طالما لم تخالف روح الشرع الحنيف وما تضمنه من تشريعات. لذا سنقتصر بإيجاز على أهم السمات التي من المهم توفرها في كلا الزوجين لضمان نجاح العلاقة الزوجية.. المطلب الأول: الدين مما لاشك فيه أن صفة الدين أهم صفة يجب أن يتسم بها كلا الزوجين، حيث يجب أن يكونا ملتزمين بشرائع وحدود الدين الإسلامي في كلِّ أمور حياتهما؛ لأن الذي يهون عليه تضييع حق الخالق جل وعلا فإنه يهون عليه تضييع حقوق المخلوقين من باب أولى. ولما كانت الحياة الزوجية مبتنية على حقوق لكلا الطرفين وواجبات عليهما، كان تحلّي كلٍ منهما بصفة الدين الضمان الأهم لمنح الحقوق وأدائها، وعدم المنع من أداء الواجبات والإغضاء عنها. كما أن الدين يُعد الركن الأهم الذي تُؤسَّس على أساسه شخصية الإنسان ويرسم معالمها الرئيسية، فهو الذي يحدد هويته الفكرية والعقدية ووجهته العبادية ونظام حياته اليومية وما ينبغي أن تكون عليه نظرته المستقبلية؛ ولأن كل ذلك يؤثر تأثيراً عظيماً في مدى تحقق التوافق بين الزوجين، كان الانسجام العقدي والفكري والعبادي من أولى الأولويات لتحقيق الحياة الزوجية المتسمة بالسعادة والود والانسجام فضلاً عن قيامها على التفاهم مفعمةً بالسلام.. وبالإضافة إلى ذلك فإن الاتصاف بالدين أمر ضروري جداً لضمان سلامة التربية الدينية للأبناء، وعليه لابد أن يلتفت إلى هذه النقطة الهامة جداً كلُّ من يحاول أن يقنع نفسه بأن الخلاف العقدي مع الزوج الآخر لا يشكل عائقاً في طريق ارتباطهما طالما أنهما متفاهمان ومتوافقان. لكل ما تقدم كان الدين هو المعيار الأول لاختيار كلا الزوجين، فأما بالنسبة للزوج فقد ورد أن رجلاً جاء إلى الإمام الحسن (عليه السلام) يستشيره في تزويج ابنته؟ فقال: زوّجْها من رجل تقي، فإنه إن أحبها أكرمها وإن أبغضها لم يظلمها"(2) وبهذا يكون ولي أمر الفتاة قد ضمن لكريمته أدنى مستويات العيش الكريم والحياة المطمئنة. كما ورد عن الاِمام الصادق (عليه السلام) من تزويج شارب الخمر فقال : «من زوّج كريمته من شارب خمر فقد قطع رحمها» (3). وأما بالنسبة للزوجة فقد روي عن محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): أتى رجل النبي (صلى الله عليه وآله) يستأمره في النكاح، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): انكح وعليك بذات الدين تربت يداك(4). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) البقرة 187 (2) مكارم الاخلاق، للطبرسي: 204 (3) الكافي ج5 ص347 (4) الكافي ج5 ص472 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
413

الاختيار السديد مفتاح العيش الرغيد (5)

المطلب الثاني: حسن الخلق تتسم الحياة الزوجية بأنها أعمق العلاقات وأدومها عادةً، وهاتان السمتان تفرزان العديد من النتائج التي قد تجعل الزوجين في تصادم وخلاف فيما لو لم يتسم أحدهما أو كلٌّ منهما بالخلق الرفيع، أبرزها: أن يكونا على تماس دائم تقريباً، مما يضطر من كان يتصنع منهما حسن الخلق ويتكلف الشخصية الوديعة إلى أن يخلع عنه ذلك الرداء ويميط عنه ذلك القناع ليظهر أمام الطرف الآخر بشخصيته الحقيقية. ولأن العيوب الخلقية عادةً لا تظهر إلا عند تعكّر المزاج والظروف العصيبة التي لابد أن يمر بها كلا الطرفين في حياتهما المشتركة، فهنا تقع المشاكل وتحدث الخلافات التي يمكن للطرفين تلافي حدوثها أو التقليل من حدتها وشدتها بقدر حرصهما على توفر حسن الخلق في الطرف الآخر في بادئ الأمر وقبل الولوج إلى الحياة الزوجية. وقد أكد الدين الاسلامي على ضرورة توفر حسن الخلق في كل منهما، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته يخطب (إليكم) فزوجوه، إن لا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير"(1) كما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قام خطيبًا فقال: أيها الناس إياكم وخضراء الدمن(2)، قيل: يا رسول الله وما خضراء الدمن؟ قال: "المرأة الحسناء في منبت السوء"(3). ومن أبرز السمات الخلقية التي أكدت عليها الشريعة الاسلامية بالإضافة إلى الأمانة: الصدق، كما ورد عن أبي عَبْدِ الله (عليه السلام) قال: "لَا تَنْظُرُوا إِلَى طُولِ رُكُوعِ الرَّجُلِ وسُجُودِه فَإِنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ اعْتَادَه فَلَوْ تَرَكَه اسْتَوْحَشَ لِذَلِكَ ولَكِنِ انْظُرُوا إِلَى صِدْقِ حَدِيثِه وأَدَاءِ أَمَانَتِه"(4). ولو تأملنا هاتين السمتين لوجدنا أنه لابدّ منهما في الحياة الزوجية، ومتى ما توفرتا ساد السلام وشاع الوئام، ومتى ما فُقِدتا عمّ الخلاف وتضاءل الائتلاف ودبّ في علاقتهما الفتور، وقد يتحول إلى نفور.. ولأن الزوج عادةً هو العنصر الأقوى في الأسرة، لما حباه الله تعالى بالقوامة وهي مسؤولية ادارة الأسرة واتخاذ القرارات المصيرية والهامة بشأنها، كان تأكيد الشارع الأقدس على أن الزوجة أمانة الله تعالى عنده، كما ورد في الدعاء المأثور عند إدخال الزوجة على زوجها:(اللهم على كتابك تزوجتها، وفي أمانتك أخذتها، ... إلخ) كما أنها لم تصبح حليلة له إلا بعقد وصفه الله تعالى بأنه ميثاق غليظ إذ قال: "وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً"(5) وواجبه تجاه هذه الأمانة صونها وإكرامها ومعاشرتها بالمعروف، لذا حثّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) على ذلك فقد روي عنه (صلى الله عليه وآله): "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهله"(6) كما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته لابنه محمد بن الحنفية: "يا بني إذا قويت فاقو على طاعة الله، وإذا ضعفت فاضعف عن معصية الله عز وجل، وإن استطعت أن لا تملك من أمرها ما جاوز نفسها فافعل فإنه أدوم لجمالها وأرخى لبالها وأحسن لحالها، فإن المرأة ريحانة وليست بقهرمانة فدارها على كل حال، وأحسن الصحبة لها ليصفو عيشك"(7) فمن ظلم زوجته أو أهانها أو أسمعها كلمة تؤذيها أو تجرح كبرياءها أو قصّر في إكرامها فقد خان الأمانة. ومن الجدير بالذكر أنه ليس من الصحيح اختيار شريك حياة في شخصيته العديد من نقاط الضعف التي تعد خطيرة على الرابطة الزوجية، وذلك بالاعتماد على امكانية تغييرها، صحيح أن أمورًا كثيرة قد تتغير بعد الزواج تلقائيًا، ولكن هناك جوانب يصعب تغييرها في الإنسان لاسيما إذا كانت متأصلة في نفسه، والتفكير بأنه من السهل تغيير إنسان بعمق بعد الزواج هو اعتقاد خاطئ، فإذا كان معتاداً مثلاً على عادات سيئة للغاية، كالكذب، والنفاق، وقلة الأمانة، ولا يمكن الوثوق به 100%، فالزواج لن يغير كثيرًا من هذه السيئات. والإقدام على الزواج في مثل هذه الحالات بالاعتماد على الاحتمالات مجازفة كبيرة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أمالي الطوسي ج2 ص133 (2) في النهاية: فيه اياكم وحضراء الدمن. الدمن جمع دمنة وهى ما تدمنه الابل والغنم بأبوالها وابعارها أي تلبده في مرابضها فربما نبت فيها النبات الحسن النضير. (3) الكافي ج5 ص471 (4) الكافي، ج2، ص 105 (5) النساء: 21 (6) من لا يحضره الفقيه ج1 ص556 (7) المصدر السابق رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
1159

الاختيار السديد مفتاح العيش الرغيد (6)

المطلب الثالث: التكافؤ بين الزوجين تقدم أن الهدف الأساسي من الزواج هو السكن النفسي، وبما أن السبل التي تحقق هذا الهدف تتباين بتباين الأفراد، فقد تتباين بينهم تبعاً لذلك السمات الواجب توفرها في الطرف الآخر لكي يحقق لديهم ذلك السكن النفسي. ولذا لم يحدد الشرع المقدس ــ وفقاً لمذهبنا الشريف ــ سمات معينة يجب توفرها في الزوجين لتحقق التكافؤ بينهما سوى الإيمان، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "المؤمنون بعضهم أكفاء بعض"(1) وفي بعض الروايات العفة واليسار كما ورد عنه(عليه السلام) أيضاً: "الكفؤ أن يكون عفيفا وعنده يسار"(2) وأما سوى ذلك من التكافؤ في العمر، والتكافؤ في الوضع الاجتماعي والمادي، والتكافؤ في المستوى العلمي فلم يُلزم المذهب الشريف طرفي العلاقة الزوجية بشروط خاصة، ولكن أشار أحياناً إلى بعض الأمور على نحو الإرشاد لا الالزام، تاركاً الخيار النهائي فيها لطرفي العلاقة آخذاً في نظر الاعتبار تباين الأهداف والأذواق والتوجهات، فقد يجد شابٌ من الأهمية بمكان أن تكون زوجته من مستواه العلمي والثقافي مثلاً لتحقيق السكن في حياته الزوجية، فيما قد لا يرى غيره ذلك، وقد ترى شابةٌ ما أن من الضروري جداً أن يكون الشاب من طبقتها الاجتماعية مثلاً لتراه كفؤاً لها، فيما لا ترى سواها ذلك. ولو نسلط الضوء قليلاً على العلاقات الزوجية اليوم وأهم المشاكل التي تعترض سبيل نجاحها، نجد أن للتكافؤ الثقافي الدور الأكبر في ذلك، لذا من المفيد أن نتعرض لذلك بشيء من الإيجاز... *التكافؤ الثقافي وأثره على الحياة الزوجية ربما يكون التكافؤ العلمي هو الأمر المرغوب به من قبل الطرفين في أغلب الأحيان، بيدَ أن أهميته لا يمكن أن تضاهي أهمية التكافؤ الثقافي بين الزوجين ــ كما سيتضح ذلك لاحقاً ــ . أضف إلى ذلك أن المستوى العلمي أو الشهادة الدراسية كما هو المتعارف ليست سوى وثيقة تثبت لصاحبها أنه قد أكمل نوعاً من أنواع الدراسة، أما هل أنها أمارة قطعية على مستوى ثقافة ذلك الشخص؟ أو هل أنها مؤشرٌ واقعي على مدى توظيفه للعلوم التي تعلمها في بناء حياته؟ أو هل هي ضمانٌ حقيقي على كونه انساناً معاملته راقية ومعاشرته حسنة؟ كل هذه الأسئلة تعجز عن الاجابة عنها الشهادة الدراسية إجابة شافية. وإلى جانب ذلك فإن روافد العلم والمعرفة باتت كثيرة، وسبل التثقيف الإيجابي أو السلبي على حدٍ سواء، واكتساب القيم والمبادئ الحسنة والسيئة سواءٌ بسواء باتت وفيرة، ولذا لم تعد الشهادة الدراسية الملاك الوحيد لرقي ثقافة المرء، بل هي ليست بملاك لذلك أساساً في كثير من الأحيان، إذ كم من صاحب شهادة عالية ثقافته هابطة، وكم مِن مَن لا يملك شهادةً ثقافته جداً راقية.. والتكافؤ الثقافي قد يكون ضرورياً جداً لمن يضع المستوى الثقافي للطرف الآخر من أولى أولوياته، لأنه يعشق أن يشاركه في أجمل مناحي حياته، ويتوق لئن يصحبه في أهم مجالات اهتماماته، ويتخذه عضداً ورفيقاً في مسيرة تحقيق أهدافه، فتجده شغوفاً في محاورته فكرياً كمغازلة بعضهم للبعض عاطفياً، فهو يتوق إلى أن لا يكتفي به شريكاً لحياته الزوجية، وإنما يرغب بشراكته لحياته الفكرية والثقافية. وعلى النقيض من ذلك قد تجد البعض لا يأبه لمستوى الشريك الثقافي ولا يدخله في دائرة اهتماماته، فهو يعده شريكاً في حياته الزوجية وما يتعلق بها وحسب، وأما حياته الفكرية والثقافية فله عالمه الخاص حيث يلتقي بأمثاله في العمل أو أقرانه في الدراسة أو ما إلى ذلك، ولا يجد في ذلك أدنى ضير يذكر. ومنهم بين هذا وذاك.. من البديهي أن يكون التكافؤ الثقافي بالنسبة للأول أمراً غاية في الأهمية لا يمكن أن يمر عليه في صفات شريك حياته مرور الكرام، بل لابد أن يقف ويتأمل ليرى مدى التوافق والانسجام، على حين أن الأمر مختلفٌ تماماً بالنسبة للثاني، فيما يقف الأخير موقفاً وسطاً. ولكن الواقع يثبت أن توافق الزوجين وانسجامهما يعتمد اعتماداً كبيراً على مدى التوافق الثقافي، وإن معظم الخلافات والمشاكل التي تحدث بين الزوجين تعود في جذورها إلى الاختلاف الثقافي بينهما سواء اهتم الطرفان بهذا الجانب أو لا! قد تستغرب أخي القارئ، عزيزتي القارئة، ولكنها حقيقة يمكن الوقوف عليها بالتعرف ولو بشكل خاطف إلى معنى الثقافة ومكمن الأهمية فيها.. الثقافة: لغةً: من (ثَقُفَ، ككَرُمَ وفَرِحَ، ثَقْفاً وثَقَفاً وثَقافَةً صارَ حاذِقاً خَفِيفاً فَطِناً)(3) وأما اصطلاحاً: فهي (مجموع المعارف والقيم الحاكمة للسلوك)(4) فهي التي تشكل شخصية الإنسان وتحدد هويته وتوضح معالمها واهتماماته في الحاضر وترسم طموحه وأهدافه ورغباته في المستقبل، وبالتالي لها تأثير كبير على مدى انسجام الطرفين وعمق الرابطة الزوجية بينهما ومدى قوتها وصمودها أمام مختلف الظروف القاسية التي يواجهانها في الحياة، ولا غرو في ذلك ولا مغالاة؛ لأن الثقافة لا تقتصر على المعارف كما هو المتعارف، بل وتشمل القيم والمبادئ أيضاً، وهما من أهم العوامل التي تحدد مسار الانسان في الحياة، وبالتالي فإن كانا متناقضين فيها كانا في الأغلب متناقضين في مسار حياتهما، وكلما ازدادت حدة التناقض بينهما في الثقافة ازدادت تبعاً لها فجوة التباعد وحدة التناقض في مسار حياتهما، والعكس صحيحٌ أيضاً.. فإذا اتضح ذلك، لم تعد ضرورة التكافؤ الثقافي مقتصرةً على من يهتمون بهذا الجانب فقط، بل وتشمل غيرهم أيضاً. كما لا تقتصر على المتعلمين أو(المثقفين بحسب الاصطلاح الدارج) فقط، بل تشمل كل انسان بما هو انسان له معتقدات ومعارف وله قيم ومبادئ، بقطع النظر عن مدى صحتها، وبلغت ما بلغت درجة بساطتها.. ولتتضح الفكرة بشكلٍ جلي نستشهد ببعض الوقائع من صميم الحياة الواقعية، كمسألة تمضية الوقت مثلاً، فمن يرى أن للوقت أهمية كبيرة لا يحسن بالمرء هدره كيفما اتفق وفي أي أمر كان، فمن الصعب أن يتفق مع شريك حياته الذي لا يأبه لقيمة الوقت ويقتله في سفاسف الأمور وإن كانت عند نفسه ذات بال، فيحدث الصراع، فالأول يتهم الثاني بعدم المسؤولية والعيش على هامش الحياة، بينما يتهم الأخير الطرف الأول بعدم تقدير الحياة الزوجية! هذا مثال بسيط، وإليك مثالاً آخر: فمن يجد أن التربية المثلى للأبناء هي تلك التربية التي تقوم على التحفيز والحب والمكافأة يعاني كثيراً ومن دون أدنى شك مع شريك حياته الذي يتخذ من العقاب والعتاب والتأنيب أسلوباً في التربية.. ومن يعتمد في حياته على التنظيم ويتبع أسلوب الجدولة بحيث إنه ما إن يستيقظ صباحاً حتى يشرع في تطبيق جدوله لإنجاز أعماله ومهامه، قد لا يتفق كثيراً مع من يعيش حياته بعفوية قد تصل إلى حد الفوضى في بعض الأحيان بحيث لا يعلم ما الذي عليه فعله بعد ساعتين أو ثلاث! ومن يرى السعادة في الترفيه عن النفس والترويح عبر الزيارات الدينية والسفرات العائلية والاصطياف وما الى ذلك، غالباً ما يواجه صعوبة في إقناع من يرفع شعار السعادة بجمع المال وضمان المستقبل فقط وهكذا... هذه جملة من الأمور التي قد تبدو للوهلة الأولى قليلة الأهمية ولا تستحق أن تكون مثاراً للجدل بين الزوجين، ويمكن تجاوزها بسهولة بالغة، ولكن الواقع يثبت أن العديد من حالات الطلاق تحدث بسببها. وقد ينعدم التكافؤ الثقافي بسبب اختلاف المنظار الذي ينظر من خلاله الطرفان إلى الحياة، فمن يرى أن الحياة عقيدة وكفاحٌ سواء كانت الشهادة في سبيل الله تعالى والمعتقد غاية مناه أو بلوغ درجة عالية من العلم لاسيما العلوم الدينية أعلى مبتغاه، فإنه بلا شك سيواجه صعوبة في التعامل مع من تنظر إلى الحياة بمنظار وردي لا تراها مشرقةً إلا بمنتهى الرومانسية، تتهم شريكها بالجفاف العاطفي والإهمال إذا ما وجد لذته يوماً بين الكتب، وتثبط همته وتفت من عزيمته إذا ما نوى الانطلاق إلى ساحات الحرب.. وقد يهون الأمر في كثير من الاشكالات المتقدمة وغيرها فيما إذا اتخذ الزوجان مبدأ الحوار لحلها والتفاهم في شأنها بعد النية الجادة والعزم الحقيقي على ذلك مهما كلّف الأمر، فيعود السلام ويسود الوئام. ولكن ما يُدمي القلب حقاً أن يكون اختلافهما في تشخيص الواقعة على كونها مشكلة أو لا، او كالاختلاف في مفتاح المشاكل نفسه، كاختلافهما في مبدأ الحوار مثلاً، وهذا النوع من الخلافات في الحقيقة يولِّد من الخلافات الكثير، وتضع الطرف الضعيف عادةً في موقف صعب عسير، إذ إن المشاكل لا يمكن أن توضع على طاولة الحوار والبحث عن الحل إلا بعد الاتفاق على أنها مشاكل، ولا يمكن أن تُحل إلا بالحوار والتفاهم ووضع النقاط على الحروف وتشخيص السبب ومعالجته من الجذور، وتوضيح كلا الطرفين لما يفضلانه وما يبغضانه من الأمور، للحرص على الإتيان بالأولى وتجنب الثانية ما أمكن، وبذا تنتعش الحياة الزوجية وتعم في أرجائها المودة وتفعم بالحبور... ولكن قد تجد من لا يؤمن بمبدأ الحوار، متخذاً في حل المشاكل وخصوصًا إن كان هو الطرف الأقوى أسلوب القسر وقوة الاجبار.. فتُصبح الحياة الزوجية أشبه بساحة حرب وحلبة صراع على الدوام، تتحول فيها آصرة المودة والرحمة والحب والاحترام إلى رابطة استقواء القوي على الضعيف تحقيقاً للنصر وإكراهاً لشريكه على الرضوخ والاستسلام، ولكن حينئذٍ تلفظ الحياة الزوجية أنفاسها الأخيرة ولا يبقى منها سوى المظهر العام.. من كل ما تقدم يتضح جلياً أن الثقافة وإن كان البعض يعدها أمراً ثانوياً أو قد يعدها الآخر كمالياً حتى، بيد أن الأمر مختلف تماماً، لأن الثقافة بشكل عام هي الوعاء الذي يجمع مبادئ وقيم الانسان، ولا بد من أخذها بنظر الاعتبار لمن يرغب بإنجاح حياته الزوجية بل وحياته بشكل عام، وأن يتفحّص جيداً جميع عناصر ذلك الوعاء، ليرى مدى توافقها مع عناصر وعائه، وليدرسها جيداً قبل الاختيار، متريثاً ما أمكنه قبل اتخاذ القرار.. وإن كان الأمر على هذه الدرجة من الأهمية لكلا الزوجين، فهو بالنسبة للزوجة أهم بأضعافٍ كثيرة، وذلك لأنها ليست من يدير العلاقة الزوجية، بل هي غالباً من ضمن ما يُدار، فإن كانت هي الأكفأ بما قد تتمتع من ثقافة ومؤهلات، فستعاني بلا شك في أغلب الأحوال، لاسيما إن كان الزوج يرى في ذلك نقصاً فيه فيحاول أن يجبره بالعناد وإعدام لغة الحوار، فتراها تقف عاجزة أمام ما يتخذه من قرار خاطئ تلو القرار، لأنها إن اعترضت اُتهِمت بالتباهي، وإن سكتت كانت أول من يضار، ومما يزيد الأمر صعوبةً إنها بمجرد عقد القران يُصبح أمرها بيد غيرها، وتُعدم كل خيار.. ما تقدم هو أهم النقاط التي ارتأيت أنه لابد من إنارتها في هذا المختصر، وقد تكون هناك نقاط أخرى على قدر من الأهمية، كالتكافؤ العمري مثلاً، ولكن المجتمع واعٍ لها ولله الحمد، كما أنها نادرة الوقوع، لذا اكتفيت بالذكر دون التوضيح، أسأل الله تعالى التوفيق والسداد لجميع المقبلين على الزواج والمقبلات، آملةً أن يستفيدوا من هذا الموجز ولا يكتفوا به بل يجعلوه نقطة انطلاقتهم إلى الكتب التي فصلت في هذا الموضوع طالما كانوا في مرحلة الخيار والاختيار.. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الكافي ج 5 ص 337 (2) المصدر السابق ج 5 ص 347 (3) القاموس المحيط ج2 ص361 (4) صناعة الثقافة ج1 ص31 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
1163

أمنياتٌ أم أهداف؟!

بقلم: رضا الله غايتي قلوبٌ تنبض بالكثير الكثير من الأمنيات، ونفوسٌ عطشى لتُحقق ما حلمت به من لحظات، وأرواحٌ تترقب برجاءٍ تارةً وقلقٍ وخوفٍ تارةً أخرى لما هو آتٍ، وعيونٌ أضناها الواقع الأليم وأرّقها الحزن المقيم لما تعانيه من حوادثٍ وأزمات، فسارع بعضها لتطالع وبكل شوقٍ ما قد ينشره المنجمون في مختلف المواقع والصفحات. مشاهدٌ مؤلمةٌ حقاً، لكني توقفت لأتأمل قليلاً، تُرى أيهما أشد أيلاماً، هل ما يعانيه معظم الناس من آلامٍ ومعاناة؟ أو السبل التي يلتجأ إليها بعضهم لحل مشاكلهم وتحقيق ما تراودهم من أمنيات؟ وجدتُ نفسي وإن أقررتُ بمرارة ألم المحزونين وقساوة ما يكابدونه من الأسى في هذه الحياة، أكاد بل أجزم أن سبل الحل التي يهرع إليها البعض لتغيير واقعهم نحو الأفضل لهي أعظم المأساة.. تُرى هل خُلِق الإنسان مسيّراً ليقف مكتوف اليدين لا يبذل من الجهد سوى التمني والتألم والحسرات؟ أو هل كان قاصراً ليُنصِّب النجوم وصيةً عليه يأتمر بأمرها وينتهي بنهيها في تسيير مختلف شؤونه في الحياة؟ أو هل كان زمام تغيير أحواله بيد سواه ليتظلم ويتألم مجسداً دور الضحية في مختلف السلوكيات؟ لا، وألف لا، وهيهات أن يكون ذلك المخلوق الدنيّ صنع الخالق العظيم القويّ، بل هو أكرم مخلوق لأعظم خالق، ما خلقه ليخوض غمار هذه الحياة إلا بعد أن بيّن له خارطة الطريق وزوّده بأذكى وأرقى الأدوات. فبالعقل الذي مكّن الإنسان أن يبتكر ما شاء الله من أدق الأجهزة وأعقد الآلات، يمكن أن يُحقَق به ما قد يُتصور أنه من المحال أو المعجزات، ولكن ليس بالسلبية والاقتصار على أحلام اليقظة وإطلاق الأمنيات، بل بتحويلها إلى أهداف والعمل الجاد على تحقيقها من خلال وضع ما يناسبها من برامج ومخططات. فالأمنية والهدف كلاهما أمرٌ مرغوبٌ به من قبل الانسان، إلا أن بينهما بونًا شاسعًا ربما كالفرق بين العدم والوجود. فالأمنية لا تعدو أن تكون مجرد رغبة تعيش في قلب الانسان وتحيا في مخيلته، وربما تتردد على لسانه، أو تقض مضجعه، لكن لا أثر لوجودها في الخارج، ولا سعي لتحصيلها على أرض الواقع. وأما الهدف فهو وإن كان رغبة كما الأمنية إلا أن له انعكاسات في الخارج تزداد شيئاً فشيئاً حتى يكلل بالتحقيق التام إن شاء مسبب الأسباب. ولكي يتحقق أي هدف من الأهداف على الوجه الأمثل مهما بدا لنا أنه هدفٌ يسير ــ كالدراسة اليومية مثلاً بالنسبة للطلبةــ لا بد أن تتوفر فيه شروط أهمها: أولاً: أن يكون الهدف مرتبطاً بالمرحلة التي يعيشها الانسان الهادف، فلا يصح مثلاً أن يكون هدف طالب الإعدادية هي دراسة علم الفلك؛ لأن ما يناسب مرحلته من أهداف هي دراسة مواده الدراسية والتمكن منها أولاً. ثانياً: أن يكون الهدف قابلاً للتحقيق: إذ من المحال أن يكون الهدف دراسة جميع المواد الدراسية في يوم واحد فقط. ثالثاً: أن يكون الهدف محدداً: ويتحدد في الدراسة مثلاً بتحديد المادة فيكون دراسة مادة الكيمياء مثلاً. رابعاً: أن يكون قابلاً للقياس: للتعرف إلى نسبة تحقيقه، فيكون الهدف: أن أدرس مادة الكيمياء الفصل الثاني الذي هو عبارة عن عشرين ورقة مثلاً. خامساً: أن يكون محدودًا بوقت؛ لأن الأهداف التي لا تحدد بوقت غالباً ما يؤجل تنفيذها مرة بعد أخرى حتى ينتهي الأمر بالفشل في تحقيقه، فيكون الهدف في مثالنا: ان أدرس الفصل الثاني من مادة الكيمياء من الساعة التاسعة وحتى الحادية عشرة صباحاً. وتختلف الأهداف في المدة الزمنية التي ينبغي رصدها لأجل تحقيقها، ولذا فهي على أقسام ثلاث: فمنها أهداف يستلزم تحقيقها زمنًا طويلًا، وجهدًا وفيرًا، وهي أهداف طويلة المدى تمتد لعشرين سنة أو أكثر. ومنها أهداف متوسطة المدى وتمتد لخمس سنوات، ويمكن للإنسان الهادف أن يستعين بهذه الأهداف كمقدمات أو مراحل لتحقيق الأهداف طويلة المدى. وبما أن هذه الأهداف هي الأخرى تقتضي مدة زمنية ليست بالقليلة لذا يمكن الاستعانة بالأهداف قصيرة المدى وهي أهداف سنوية. ومن الجدير بالذكر أن هناك عوامل مهمة لتحقيق الأهداف أهمها: الصبر والإصرار وتكرار المحاولة مع تحري الطرق المختلفة والسبل المتنوعة في كل مرة حتى تحقيق الهدف، فقد نُقل أن أديسون حاول مائتين وواحدًا ستين محاولة (بل قيل: 999 محاولة) حتى نجح في ابتكار المصباح، وكل محاولة كان يأتي بها بشكل مغاير عن المحاولات السابقة. وبما أن أرقى الأمنيات هي أمنيات المؤمنين، فكم هو جميل أن ينقلوا تلك الأمنيات السامية إلى عالم الأهداف، فتتحد الأيادي البيضاء، وتسرع النفوس في سبيل التزكية، وتتنافس الهمم العالية، وتتسابق العزائم نحو الكرائم، ، وتستبق القلوب نحو الخيرات. وتنطلق الأرواح للرقي في الدرجات، عندئذٍ يحصدون كل خير. هذا وقد ذكرت بعض الروايات بعضًا من جوانبه منها ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "يا ابن جندب لو أن شيعتنا استقاموا لصافحتهم الملائكة ولأظلهم الغمام و لأشرقوا نهارا و لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ولما سألوا الله شيئا إلا أعطاهم"(1). كما ورد في توقيع له (عجل الله فرجه):" ولو أن أشياعنا وفقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخر عنهم اليمن بلقائنا. و لتعجلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حق المعرفة وصدقها منهم بنا ، فما يحبسنا عنهم إلا ما يتصل بنا مما نكرهه ولا نؤثره منهم"(2). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تحف العقول ص303 (2) معجم أحاديث المهدي ج5 ص463و464

اخرى
منذ سنة
1347

التوحيــد الصفـــاتي

بقلم: رضا الله غايتي للتوحيد مكانةٌ عليا في الشريعة الخاتمة بل في الشرائع السماوية كافة، إذ ما من رسول إلا وتصدرت رسالته الدعوة إلى التوحيد ورفض الشرك، قال(تعالى): "وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ" (النحل36). وللتوحيد مراحل لابد للمكلف من قطعها جميعاً ليكون موّحِداً وهي: التوحيد في الذات، وفي الصفات، وفي الخالقية، وفي الربوبية، وفي العبادة. ولعدم إمكان التعرض إليها جميعاً ارتأينا الاقتصار على التوحيد في الصفات. صفاته (تعالى) تنقسم إلى قسمين: فمنها ما ينسب الى ذاته ابتداءً بلا توسط أي شيء كالعلم، والقدرة، والغنى، والارادة، والحياة وتسمى بالصفات الثبوتية الحقيقية، ومنها ما تُنسب إليه بلحاظ ما يصدر عنه من الأفعال: كالخالقية، والرازقية، والتقدّم، والعلّية، وتسمى بالصفات الثبوتية الاضافية. وقد وقع الخلاف في الصفات الثبوتية الحقيقية بين الأشاعرة وغيرهم في أنه: هل أنها عين ذاته المقدسة أو غير ذلك؟ بخلاف الصفات الثبوتية الاضافية التي لم يقع فيها هكذا خلاف؛ لأنها صفاتٌ تجري عليه (سبحانه) تبعاً لمنشأ انتزاعها، فبلحاظ خلقه للخلق اتسم بالخالقية، وبلحاظ رزقه إياهم اتسم بالرازقية وهكذا. ولبيان عقيدتنا في الصفات الثبوتية الحقيقية لابد من تقديم مقدمة مفادها: إن الصفات بشكل عام تكون على قسمين: قسم يلازم تصور الموصوف تصور الصفة ولا ينفك عنها ولا يمكن سلبها عن موضوعها ويستحيل وجوده بدونها، وتسمى ذاتية وعينية مثل إضاءة النور، وحرارة النار، وظلمة الليل، وضوء النهار، وقسم يمكن سلب الصفة عن الموصوف، وتصوره بوجوده معها أو من دونها، وتسمى عرضية وزائدة، كحرارة الحديد وضوء القمر، والصفرة من الوجل والحمرة من الخجل. وبقليلٍ من التأمل في الصفات محل النزاع (العلم، والقدرة، والغنى، والارادة، والحياة) نقطع بأنها لابد أن تكون ذاتية وعينية ويستحيل أن تكون عارضة وزائدة؛ وذلك لأنها لو كانت عارضة على ذاته المقدسة وزائدة عليها لكان (سبحانه) محتاجاً ومفتقراً إليها، والاحتياج والافتقار سمة الإمكان وهو (جل وعلا) واجب الوجود، وعليه من المحال أن تكون صفاته زائدة، ولابد أن تكون ذاتية وعينية. كما أن القول بأن صفاته زائدة على ذاته يقتضي أن يكون (سبحانه) فاقداً لها ثم اتصف بها، بمعنى أنه كان جاهلاً (وحاشاه) ثم أصبح عالماً، وكان عاجزاً ثم أصبح قادراً، وكان مفتقراً ثم أصبح غنياً، وهكذا! ولدفع هذا الإشكال الذي أوقع الأشاعرة فيه أنفسهم قالوا بقدم هذه الصفات بقدمه (سبحانه)! فوقعوا بما هو أسوأ وهو القول بتعدد القدماء. وبما أن كل ذلك محالٌ عليه (سبحانه)، إذاً يتأكد أن تكون صفاته ذاتية وعينية لا عارضة وخارجية كما قالت الأشاعرة. وبالإضافة إلى ما تقدم فإن الأدلة الشرعية هي الأخرى قد أثبتت عينية الصفات، ففي القرآن الكريم ورد قوله (تعالى): "وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ"(يوسف76)، ومن المعلوم في اللغة أنّ (ذي) تدل على المصاحبة والمقارنة، وعليه فإن (ذي علمٍ) هو (من كان علمه عارضاً على ذاته وخارجاً عنها) وهذا لابد أن يكون فوقه (عليمٌ) وهو (من كان علمه صفة ذاته وعين ذاته) وهو الله (عز وجلّ).(1) وأما في السنة النبوية فقد روى الحسين بن خالد عن الامام الرضا (عليه السلام): "سمعت [الإمام]الرضا يقول: لم يزل الله سبحانه عليماً قادراً حياً قديماً سميعاً بصيراً، قلت: يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن قوماً يقولون أنه عالم بعلم، وقادر بقدرة، وحي بحياة، وقديم بقدم، وسميع بسمع، فقال (عليه السلام): من قال بذلك ودان به، فقد اتخذ مع الله آلهة أخرى، وليس من ولايتنا على شيء، ثم قال (عليه السلام): لم يزل الله عز وجل عليماً، قادراً، حياً، قديماً، سميعاً، بصيراً لذاته"(2). كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "وكمال الإخلاص له: نفي الصفات عنه؛ لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه...."(3) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)انظر: الميزان في تفسير القرآن ج11 ص121 (2)مسند الإمام الرضا (ع)ج1ص205 (3)في ظلال نهج البلاغةج1ص20

اخرى
منذ سنة
746

الشخصية القيادية السيدة زينب عليها السلام نموذجاً

لم ولن يكرم المرأةَ فكرٌ كما كرّمها الفكر الإسلامي الشريف، فهو الذي انتشلها من حفرة الوأد التي كانت تُعدُّ لها قبل أن تلتقط الأنفاس. ولم يجعلها دون الرجل منزلةً، بل جعل التقوى والإيمان والعمل الصالح والجهاد ملاكًا التفاضل بين الناس. ولم يكتفِ بذلك، بل ضرب القرآن الكريم للذين آمنوا مثلاً من النساء آسيا ومريم (عليهما السلام) ليعلن أن القدوة ليست حكراً على الرجال، وأن رقي الدرجات هو المقياس. فكانت ثماره نساءً طاهراتٍ تصديْنَ للقيادة وبكل جدارة وفي ظرف من التاريخ الاسلامي حساس، أبرزهن أم أبيها التي دافعت وإلى الرمق الأخير عن الولاية، فيما أكملت أم أخيها الثورة الحسينية، فكانتا في طريق النساء المؤمنات خير نبراس. وبما أننا نعيش ذكرى مولد فخر المخدرات (سلام الله عليها) فلقد آثرنا الحديث عنها كأنموذج للشخصية القيادية النسوية يلمع نجمه في سماء العز والفخر على مر الدهر.. القيادة: هي عملية تحريك الناس نحو الهدف الدنيوي والأخروي وفق قيم وشريعة الاسلام(1). وقد اختلف العلماء فيها، فمنهم من قال: إنها فطرية، ومنهم من قال: إنها مكتسبة، واشهر النظريات في ذلك نظرية "الجرَس" والتي تنص على: "أن بعض الناس يولدون قادة ونسبتهم 2%، وهؤلاء الناس يقعون في أعلى منحنى الجرس، يبدؤون بأداء قيادة جيد جداً، ثم مع مرور الزمن يصبحون أفضل. ثم ان هناك نسبة 2% من الناس يقعون في الجزء السفلي من منحنى الجرس والذين مهما حاولوا جاهدين لن يصبحوا قادة متفوقين؛ فإنهم لا يصلون، لأنهم لا يملكون التكوين الفطري الذي يوصلهم الى ذلك. أمّا القسم الكبير من الناس والذي يقع في وسط المنحنى والذي نسبته 96% أي الغالبية العظمى وهم الذين يبدؤون بالقليل من القدرة على القيادة الفطرية قد يصبحون فعلا متفوقين أو قادة استثنائيين"(2). وعليه فبالرغم من أن الأعم الأغلب من الناس بإمكانهم اكتساب مهارة القيادة بالتعلم والتدريب، إلا أن هناك نسبة ضئيلة جداً منهم خلقهم الله (تعالى) قادة، إذ أودع فيهم القيادة الفطرية الجيدة التي متى ما توفرت سائر مصادر القيادة والعوامل المساعدة عليها تطورت أكثر وأكثر. وأبرز مصاديقهم وأجلاها الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) وبعض الشخصيات البارزة من العترة الطاهرة كالسيدة فاطمة الزهراء وابنتها زينب الحوراء (عليهما السلام). ولا غرو في أن تكون السيدة زينب (عليها السلام) امرأة قيادية، فقد تظافرت على ذلك الأساليب التربوية والظروف الخارجية مع العوامل الوراثية أو الفطرية وسماتها الشخصية. فأما الظروف الخارجية فقد نشأت العقيلة (سلام الله عليها) في بيئة قيادية بامتياز، حيث درجت في بيوت القادة، وترعرعت في دور السادة، طرق سمعها أخبار الغزوات وشاهدت بعينها آثار الانتصارات وتعلمت من القيادة النبوية، وواكبت أمها في الدفاع عن الولاية وغرفت من البطولة الفاطمية، وما أن استشهدت سيدة النساء حتى تحملت ومنذ نعومة أظفارها المسؤولية، وعاشت ظروف قتال أبيها ذوداً عن التأويل واستلهمت الإقدام من الشجاعة العلوية، وأحاطت بصلح أخيها الحسن (عليه السلام) حقناً للدماء وتزودت الصبر من الحكمة الحسنية، وفضلاً عن كل ذلك فقد خاضت بنفسها أدق تفاصيل واقعة كربلاء وشاطرت أخاها (عليه السلام) الثورة الحسينية. كما ظفرت (سلام الله عليها) بأسمى وأروع أساليب التربية القيادية، كيف لا، وقد نشأت في بيت الأطهار وتربت في حجور الأبرار؟ فقد أحاطها الجميع بهالة من التعظيم والتبجيل والإكبار، لا سيما الإمام الحسين (عليه السلام)، فإذا زارته قام لها وأجلسها في مكانه. وكانت إذا أرادت الخروج لزيارة قبر جدّها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خرج معها أبوها الإمام أمير المؤمنين وأخواها الحسنان، ويبادر الإمام أمير المؤمنين إلى إخماد ضوء القناديل التي على المرقد المعظّم، فيسأله الإمام الحسن(عليه السّلام) عن ذلك، فيجيبه: (أخشى أن ينظر أحد إلى شخص أختك الحوراء)(3). وبالإضافة إلى الظروف الخارجية فقد اشتملت شخصيتها (عليها السلام) على العوامل الفطرية والسمات الشخصية التي أكسبتها الشخصية القيادية أهمها: تميّزها بالإيمان الراسخ منذ نعومة أظفارها، فقد روي أنها كانت جالسة في حجر أمير المؤمنين (عليه السلام) وهى صبية والإمام علي (عليه السلام) يضع الكلام ويلقيه على لسانها فقال لها: بُنية، قولي: واحد، قالت: واحد، فقال لها: قولي: اثنين. قالت: ابتاه ما اقول اثنين بلسان أجريته بالواحد. فقبلها أمير المؤمنين (عليه السلام)(4) وقد انعكس يقينها الجوانحي على سلوكها الجوارحي، إذ حازت من الفضائل قممها ومن المكارم أعلا درجاتها، وهذّبت نفسها وروضتها على العبادة والتقوى، والخير والإحسان، فأهلتها لأن تنال حظاً من العصمة المعبر عنه بـالعصمة الصغرى. وبذا اتسمت بدرجة عالية من الاستقامة وهي سمةٌ لابد منها في الشخص القيادي. كما يعدُّ الذكاء من أهم القدرات الواجب توفرها في الشخصية القيادية لاسيما القدرة على التحليل وسعة أفق التفكير. وهذا ما اتسمت به شخصيتها (عليها السلام)، يدل على ذلك فهمها السريع وتعليقها بالتعليقات الذكية منذ صباها، فقد روي أنها قالت لأبيها: أتحبّنا؟ قال: بلى، فقالت: لا يجتمع حبّان في قلب مؤمن: حبّ اللّه، وحبّ الأولاد، وإن كان ولا بدّ فالحبّ للّه تعالى والشفقة للأولاد، فأعجبه كلامها وزاد في حُبّه وعطفه عليهما(5). ولابد للشخصية القيادية من علم تتسم به، وهذا ما حباها به الله (تعالى)، يدلنا على ذلك ما روي عن الامام السجاد (عليه السلام): "وأنتِ بحمد الله عالمة غير معلمة، وفاهمة غير مفهمة"(6). (أي أنّ معلّمكِ هو ربّ العالمين فأنتِ لست بحاجة إلى معلّم آخر، فإنّه تعالى أدّبكِ فأحسن تأديبك، فهي عالمة لأنّها في أعلى مراحل التقوى وكانت مصداقاً واضحاً للآية الكريمة: "وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ")(7). كما حفظت القرآن الكريم وأحاديث جدّها الرسول (صلّى الله عليه وآله) فيما يتعلّق بأحكام الدين وقواعد التربية واُصول الأخلاق، وحفظت الخطاب التاريخي الخالد الذي ألقته اُمّها سيّدة النساء فاطمة (عليها السّلام) في المسجد النبوي، وخطبتها التي ألقتها على السيّدات من نساء المسلمين حينما عُدنها في مرضها الذي توفّيت فيه، كما روت عنها كوكبة من الأحاديث. وقد مكّنتها حصيلتها العلمية الفريدة في تأسيس حلقة نسوية لتفسير القرآن الكريم في الكوفة. كما مكّنتها فيما بعد أن تكون مرجعاً للأحكام الشرعية، ذكر الصدوق (طاب ثراه):"ان لها نيابة خاصة عن الحسين (عليه السلام) وكانت الشيعة ترجع إليها في الحلال والحرام حتى برء زين العابدين (عليه السلام) من مرضه"(8) ولما كانت الجدية والهدفية في الحياة من أهم سمات الشخصية الناجحة فهما بلا أدنى شك من ضرورات الشخصية القيادية، وقد كانت حياتها (سلام الله عليها) جادة وهادفة في جميع سكناتها وحركاتها منذ صغرها وحتى وفاتها. ولعل أبرز أسفارها توضح حقيقة ذلك سواء مع والدها إلى الكوفة، ومن ثم العودة مع أخيها الحسن إلى المدينة المنورة، لتقوم بعدئذٍ بسلسلة أسفار معروفة مع أخيها الإمام الحسين (عليه السلام) في ثورته ضد الطغاة مضحياً بروحه المقدسة مُطمئناً بنجاح ثورته لأنه سلّم رايتها إلى قيادية شجاعة عالمة صابرة حكيمة.. كما اتسمت شخصيتها بالتوازن، وهي سمة مهمة في الشخصية القيادية، سواء التوازن بين الروح والجسد أو بين العقل والعاطفة. وأجلى مصداق لذلك صمودها وثباتها أمام الأعداء كالجبل الأشم تحاججهم وتكشف للمسلمين قبح حقيقتهم وتصحح ما يبثونه من سموم فكرية وشبهات عقدية، وصبرها وتجلدها أمام الثكالى والأرامل تصبرهن وترعاهن، حتى إذا أسدل الليل الظلام، وهدأت من لوعتها الأيتام، وسكنت الآهات والآلام، واطمأنت أن خلد كل من كان برعايتها إلى النوم بسلام، أرخت عينيها بالدموع، وناجت ربها بتضرع وخشوع، وتأوهَ قلبها الحنون تأوهاً تكاد تتصدع من شدته الضلوع، فلا تنام حتى تمنح لعاطفتها حقها من البكاء على الأحباب نور عينها أخيها الحسين وكفيلها أبي الفضل (عليهما السلام) وسائر الشهداء.. وبالإضافة إلى ذلك فهي تمتلك مهارة فائقة في التعامل مع كل من تقابلهم على اختلاف ميولهم ومعتقداتهم، حريصة على توجيههم نحو الهدف الأسمى، سواء رضا الله تعالى في الدارين أو اصلاح الأمة الاسلامية وانتشار الدين الحق في الحياة الدنيا. يتضح ذلك جلياً من خلال اختلاف خطبها (عليها السلام) الناشئ عن اختلاف الجمهور. فلأن غالبية أهل الكوفة كانوا على معرفة كبيرة إلى حدٍ ما بالإمام الحسين (عليه السلام) لم تكن بحاجة الى بيان هويته وتوضيح منزلته الرفيعة و إنما أرادت بلورة الرأي العام و إشعال شرارة الثورة فيهم؛ ولهذا وظفت تحريك العاطفة. وهو توظيف مهم جداً لابد للقائد أن يعتمده خصوصاً عند الأزمات، إذ كان خطابها منصباً على تصوير المصيبة الكبرى والجريمة العظمى من جهة وبيان مدى جسامة الجرم الذي اقترفوه بتخاذلهم عن نصرة إمامهم (سلام الله عليه) من جهة أخرى. فنصبت في ضمائرهم محاكمة تؤنبهم على تقصيرهم، وأوقدت في قلوبهم بركاناً من الثورة، فلم تهدأ المحاكمة ولم يسكن البركان حتى قاموا بعدد من الثورات ثأراً لدم إمامهم ونصرة للحق وتكفيراً عن تقصيرهم. وأما خطبتها في الشام فقد اعتمدت فيها الجانب الإقناعي والعاطفي معاً؛ لأن أهل الشام كانوا يرون الشهداء والأسارى على أنهم خوارج يستحقون كل ما حلّ بهم، فعرّفتهم حقيقتهم وأنهم عترة الرسول (صلى الله عليه وآله)، وأردفت ذلك ببيان الجرم الذي اقترفه يزيد بحقهم حتى أنها لم تنتهِ من خطبتها إلا وقد أحالت مجلس احتفال يزيد بالنصر إلى مأتم عزاء لأخيها الحسين (عليه السلام). وبكلا الخطبتين أجادت وبكل جدارة فن التعامل مع الناس والتأثير الايجابي بهم وتحريكهم نحو الهدف الأسمى.. فيما كانت تهتم بجميع أفراد ركب السبايا فترعاهم وتواسيهم وتتفقدهم وترفع من همتهم وعزيمتهم وتؤثرهم على نفسها بالمأكل والمشرب، وتضيء الجانب المشرق كلما تفاقمت سوداوية الأحداث، فقد روي عن الإمام السجاد (عليه السلام):" لما أصابنا بالطف ما أصابنا، وقتل أبي عليه السلام، وقتل من كان معه من ولده وإخوته وسائر أهله، وحملت حرمه ونساؤه على الاقتاب يراد بنا الكوفة، فجعلت أنظر إليهم صرعى ولم يواروا فيعظم ذلك في صدري، ويشتد - لما أرى منهم - قلقي، فكادت نفسي تخرج، وتبينت ذلك مني عمتي زينب بنت علي الكبرى، فقالت: مالي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي ؟ فقلت: وكيف لا أجزع و أهلع وقد أرى سيدي وإخوتي وعمومتي وولد عمي وأهلي مضرجين بدمائهم، مرملين بالعراء مسلبين، لا يكفنون ولا يوارون، ولا يعرج عليهم أحد، ولا يقربهم بشر، كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر، فقالت: لا يجزعنك ما ترى فو الله إن ذلك لعهد من رسول الله صلى الله عليه وآله إلى جدك وأبيك وعمك، ولقد أخذ الله ميثاق اناس من هذه الامة لا تعرفهم فراعنة هذه الارض، وهم معروفون في أهل السماوات أنهم يجمعون هذه الاعضاء المتفرقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرجة، وينصبون لهذا الطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره، ولا يعفو رسمه، على كرور الليالي والايام وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه، فلا يزداد أثره إلا ظهورا، وأمره الا علوا"(9) وكانت (سلام الله عليها) تتسم بشجاعة فريدة وهي من أهم سمات الشخصية القيادية، وظّفتها خير توظيف في الدفاع عمّن كان تحت رعايتها وحمايتهم من كل سوء. فقد روي عن فاطمة بنت الحسين (عليهما السلام) أنها قالت:" ولما جلسنا بين يدي يزيد رق لنا فقام إليه رجل من أهل الشام أحمر فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية يعنيني وكنت جارية وضيئة فأرعدتُ وظننتُ أن ذلك جائز لهم فأخذت بثياب عمتي زينب وكانت تعلم أن ذلك لا يكون وفي رواية السيد قلت: أو تمت وأستخدم ؟ فقالت عمتي للشامي: كذبت والله ولو مت، والله ما ذلك لك ولا له، فغضب يزيد وقال: كذبت والله إن ذلك لي ولو شئت أن أفعل لفعلت، قالت: كلا والله ما جعل الله لك ذلك إلا أن تخرج من ملتنا، وتدين بغيرها، فاستطار يزيد غضبا وقال: إياي تستقبلين بهذا ؟ إنما خرج من الدين أبوك وأخوك، قالت زينب: بدين الله ودين أبي ودين أخي اهتديت أنت وأبوك وجدك إن كنت مسلما، قال: كذبت يا عدوة الله، قالت له: أنت أمير تشتم ظالما وتقهر لسلطانك، فكأنه استحيا وسكت، وعاد الشامي فقال: هب لي هذه الجارية فقال له يزيد: اعزب وهب الله لك حتفا قاضيا" (10) كما حفظت الإمامة وصانت الولاية بحفظها لشخص الإمام السجاد (عليه السلام) الذي تعرض أكثر من مرة الى محاولة قتل، كانت المحاولة الاولى بعد انجلاء غبار المعركة ومقتل أبي الأحرار (عليه السلام) وقد ذكر ذلك القرماني في كتابه أخبار الدول قائلاً: "همّ شمر الملعون عليه ما يستحق من الله بقتل علي الأصغر ابن الحسين وهو مريض فخرجت إليه زينب بنت علي وقالت: "لا والله لا يقتل حتى أقتل"(11). وأما الثانية ففي مجلس الطاغية عبيد الله بن زياد، قال الشيخ المفيد: "و عرض عليه [ابن زياد لعنه الله] علي بن الحسين فقال له: من أنت؟ قال: أنا علي بن الحسين. فقال: أليس قد قتل الله علي بن الحسين ؟ فقال (عليه السلام):"قد كان لي أخ قتله الناس. فقال له ابن زياد: بل الله قتله. فقال علي بن الحسين (عليه السلام): "الله يتوفى الأنفس حين موتها"(12) فغضب ابن زياد و قال: وبك جرأة لجوابي؟ وفيك بقية للرد علي اذهبوا به فاضربوا عنقه. فتعلقت به زينب عمته و قالت: حسبك من دمائنا و اعتنقته و قالت: والله لا أفارقه فإن قتلته فاقتلني معه. فنظر ابن زياد اليها ساعة ثم قال : عجبا للرحم والله إني لأظنها ودت أن أقتلها معه، دعوه فإني أراه لما به (13). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) صناعة القائد طارق السويدان ص41 (2) موقع الحياة الجديدة، مقال القيادة فطرية أم مكتسبة؟ د. زكريا الجمال (3) تاريخ الطبري ج6 ص236 (4) شجرة طوبى ص393 (5) مقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص179، باختلاف الألفاظ، وفي مستدرك الوسائل ج15 ص215 (6) شجرة طوبى ص63 (7) عصمة الحوراء زينب ص67. (8) شجرة طوبى ص441 (9) العوالم، الإمام الحسين (عليه السلام) ص364 (10) كتاب الارشاد ص 231 (11) انظر مع الركب الحسيني من المدينة الى المدينة , عزة الله الطبسي ج 6 ، ص 60 ـ 61 (12) الزمر : 42 (13) انظر مع الركب الحسيني ,عزة الله الطبسي ج 5 ، ص 124نقلا عن الفتوح , ج5 ،ص142 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
3562