رضا الله غايتي

ظاهرة الترحم على الفسّاق

أن تكون قضية مقتل فنانة متبرجة بل ومتجاهرة بالفسق هي الشغل الشاغل لوسائل الإعلام غير المنضبطة دينياً وخلقياً من فضائياتٍ وإذاعاتٍ ووو، لهو أمرٌ لا غرابة فيه، فلطالما كان هذا هو اهتمامها، والترويج لهؤلاء وأمثالهم من أهم أهدافها، أما أن يصل الأمر إلى درجة تشتعل معها وسائل التواصل الاجتماعي بهذه القضية التي لم ولن تكن قضيةً مستغربةً على مجتمعنا البتة، إذ لطالما طالت يد الاغتيال ولاتزال الكثير الكثير من الشخصيات الدينية والعلمية والعسكرية بل وحتى الفنية أيضاً، ففي الحقيقة أن هذه الظاهرة إن دلّت على شيءٍ فإنما تدل على ضعف وعي أغلب من يستخدم هذه الوسائل ــ للأسف الشديد ــ وعدم فهمهم للشريعة الإسلامية بشكل صحيح، لاسيما أولئك الذين بكوا وتباكوا وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها وأحالوا صفحاتهم الشخصية إلى مجالس عزاء، وراحوا يسطرون كلمات الترحم والتأسف بل والتألم أيضاً، متأبطين إنسانية الدين الإسلامي لهم عذراً، فما أن يُناقشوا حتى ذرفوا الدموع على الإسلام المظلوم لأنه قد فُهِمَ خطأً، على الرغم من أنهم هم الجاهلون به بالجهل المركب ولكن لا يعلمون.. نعم، دين الاسلام هو دين السلام ولقد دعا ويدعو إلى الإنسانية وعدم إلحاق الأذى بالآخرين فضلاً عن قتلهم مهما كان انتماؤهم و اعتقادهم وعرقهم ولونهم، هو دين يدعو إلى الله (تعالى) بالبرهان والدليل وبالحكمة والموعظة الحسنة لا بالإرهاب والقتل والعنف، قال (تعالى):"مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا" (1). لكنه وفي الوقت نفسه، هو دينٌ يُحمِّل المسلم مسؤولية حبه للآخرين ولأعمالهم أو بغضه لهم ولها، فقد جاء في الحديث أنّه: "قال الله تعالى لموسى: هل عملت فيّ عملا قطّ، قال: صلّيت لك، وصمت وتصدّقت، وذكرت لله. قال الله تبارك وتعالى: وأمّا الصلاة فلك برهان، والصوم جنّة، والصدقة ظلّ والزكاة والذكر نور، فأي عمل عملت لي؟ قال موسى (عليه السلام): دلّني على العمل الذي هو لك. قال يا موسى: هل واليت ليّ وليّاً؟ وهل عاديت لي عدوّاً قطّ، فعلم موسى أنّ أفضل الأعمال الحبّ في الله والبغض في الله"(2). كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام):«إذا أردت أن تعلم انّ فيك خيراً فانظر إلى قلبك، فإن كان يحبّ أهل طاعة الله عزّ وجلّ ويبغض أهل معصيته، ففيك خير والله يحبّك، وإن كان يبغض أهل طاعة الله ويحبّ أهل معصيته فليس فيك خير والله يبغضك، والمرء مع من أحبّ»(3). بالإضافة إلى ذلك فإن دين الاسلام دينٌ يحافظ على طهر المجتمع وعفافه ولذا فهو لا يحاسب من يعمل على اشاعة الفاحشة ولا على من يرويها وحسب بل ويحاسب حتى من يشعر ولو مجرد شعور بحب اشاعتها ويعاقب حتى من يرغب ولو باطنا فقط بانتشارها، قال (تعالى):"إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ"(4). فحريٌ بالمؤمنين والمؤمنات أن يقفوا ذات الموقف الذي يقفه الله (تعالى) ضد الفاحشة وأن يستنكروها بكل جوارحهم وجوانحهم، لا أن يمجّدوا من كانت تعمل على إشاعتها ويحزنوا ويترحموا عليها، بل قد أوغل البعض في الذنوب الى درجة أعمت بصيرته وسلبته دينه وأفقدته صوابه حتى، فتجرّأَ على كتابة مقطع من زيارة عاشوراء مرفقاً بصورة فاسقة كانت تتبجح بمعصيتها وتفتخر بظهورها شبه عارية أمام الأنظار!! ليت شعري، أين نحن؟ ألسنا في أرض الانبياء والاولياء؟ وفي أي زمن نحن؟ ألسنا في زمن أضحى فيه التفقه في الدين ومعرفة أحكامه متاحاً للمكلف حتى وهو في فراشه؟ ما الذي دهى البعض ليتجرّأ كل هذه الجرأة؟ هل هو الجهل أو البعد عن الدين والاستخفاف بالمقدسات؟ وهل يمكن أن يعتذر بالجهل من يكتب الكلمات المقدسة التي يُزار بها الإمام المعصوم، سيد الشهداء، وسيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين (عليه السلام) لفتاة فاسقة يشهد الجميع على فسقها ومحاربتها لله (تعالى) وخروجها الفاحش عن جادة الاستقامة؟ ونحن إذ نذكر هذه الصفات لا نذكرها من باب الإهانة أو التجاوز على الآخرين ــ لا سمح الله ــ ولكن من باب وضع النقاط على الحروف وإيضاح الحق من الباطل الذي حاول البعض برداء انسانية الاسلام المزيف أن يخلط بينهما ويلقي بشبهاته ويبث سمومه ليحرِف العقل الجمعي عن جادة الصواب، مستغلاً عقول الجاهلين والغافلين والمندفعين من الشباب، هادفاً الى نزع المسلمين هويتهم الحقيقية وتغذيتهم شيئاً فشيئاً بالثقافة الغربية.. فنستنكر هذه التوجه؛ لأننا قد أُمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ كما يجب علينا شرعاً أن ننكر ظاهرة القتل والاغتيال وإراقة الدماء، فإنه يجب علينا أيضاً أن ننكر هذه الظاهرة: ظاهرة الترحم والتألم على الفساق والتأسف عليهم والبكاء، قال (تعالى):"كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه"(5) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) المائدة 32 (2) ميزان الحكمة ج3 ص164 (3) مشكاة الأنوار ج1 ص93 (4) النور 19 (5) آل عمران 110 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 11 شهر
1502

شبهة معارضة الامام السجاد (عليه السلام) للجهاد

نقل بعض الكتاب أن الامام السجاد (عليه السلام) لم يكن له حظ من الجهاد و أنه قد اعتزله عن قصد بل ونسب اليه البعض معارضته للجهاد بالسيف لما رأى ما حصل لأبيه عند مقارعته الحكام الظالمين من قتل ولعياله من سبي في واقعة الطف الأليمة، حتى قال أحدهم: " كانت فاجعة مقتل أبيه التي شاهدها ببصره أقسى من أن تتركه يطلب بعد ذلك شيئاً من إمارة الدنيا، أو يثق في الناس، أو يشارك في شأن من شؤون السياسة، اعتكف على العبادة..." (1) وفي الحقيقة إن هذا الرأي هو عين الخطأ وبعيد عن الصواب ويمكن رده من وجوه عديدة : أولاً: السياسة من مسؤولية الامام .. الإمام وكما عرفه فخر المحقّقين: هو الذي له الرئاسة العامّة في اُمور الدين والدنيا ، نيابةً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (2). وإذا كان منصب الإمامة بهذه السعة في شمول نفوذه فلا يمكن أن يُتصور انفكاك الامامة عن الجانب السياسي فضلا عن أن يكون للإمام نفسه التخلّي عنها أو اعتزالها، لا سيما إنها منصب لا بد من أن يجتبي الله (تعالى) له من يراه جديرا به، باعتبار أنّ ذلك لا يمكن أن يعلم به سوى عالم الغيب والمطّلع على السرائر وليس هو إلا الله تعالى. ولهذا فقد اختصّت الإمامة عند الشيعة بهالة من القدسية، جعلتها تضاهي منزلة النبوة إلا أن النبوّة تمتاز بالوحي المباشر من الله (تعالى)، بدليل قول الرسول (صلى الله عليه وآله) للإمام علي (عليه السلام): "أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبيَ بعدي ..."(3) . فإذا اتضحت منزلة الامامة فمن الواضح جدا أيضا أن تكون السياسة من صميم شؤونها لأنها من صميم شؤون النبوَة، ومسؤوليات النبيّ (صلى الله عليه وآله)المهمة وذلك واضح لكل لمن ينتمي إلى الإسلام ولمن لا ينتمي له ولا يفتقر لأي دليل .. وبما إن الامام زين العابدين (عليه السلام) قد اجتباه الله (تعالى) لمنصب الامامة فلا يمكن إذن أن يهمل الجانب السياسي لأنها جزء من مهامه كإمام. نعم، قد تضطره الظروف الموضوعية إلى عدم إعلان الجهاد، أو إلى تأخير القيام، وهذا بحث آخر، المهم أن نعرف أن الإمام له شأنية القيادة السياسية إذا ما أتيحت له الظروف المناسبة. (كما سيتضح هذا الأمر أكثر في: ثانياً) ومن هنا نرى أن الامام السجاد (عليه السلام) يرى الفضل بإشهار السيف، فقد سئل الامام زين العابدين (عليه السلام)عن تفسير قوله (تعالى):"ثُمَ أوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِم لِنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُقْتَصِد وَمِنْهُمْ سَابِق بِالْخَيْرَاتِ بإذنِ اللهِ ذْلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبيرُ"(3) . قال (عليه السلام):نزلت والله فينا أهل البيت ثلاث مرات. قال الراوي: أخبرنا: مَنْ فيكم الظالم لنفسه? قال عليه السلام: الذي استوت حسناته و سيئا ته، وهو في الجنة . قال الراوي: والمقتصد? قال عليه السلام: العابد لله في بيته حتّى يأتيَهُ اليقين. قال الراوي: فقلت: السابق والخيرات? قال عليه السلام: مَنْ شهر سيفه، ودعا إلى سبيل ربه.(4) إذن فاعتقاد الإمام السجاد (عليه السلام) أنّ الفضل والسبق يتحقّق بإشهار السيف، لا يتلاءم مع نسبة معارضته للجهاد بالسيف كما هو واضح. ثانياً: إن الخروج بالسيف مشروط بما يحقّق الأهداف المطلوبة منه، وهي لا تتحقّق بالخروج العشوائي بل يتطلب تأهب الخارج لها، وإعداد العدة اللازمة للأمر من قوّة وعُدّة. وإلا فإنّ الانفراد في الساحة بلا أنصار، أو بأنصار غير كفوئين، أو من غير تخطيط مسبق مدروس، أو في ظروف غير مناسبة لا يمكن أن يحقق الأهداف المرجوة من الجهاد بل قد يزيد الاوضاع سوءً ولو كان القائد خارجاً بأقوى سيف .. وقد أوضح ذلك الامام السجاد (عليه السلام) نفسه عندما اعترض عليه معترض بترك الجهاد، والالتزام بالحجّ، بقوله: تركتَ الجهاد وصعوبته، وأقبلتَ على الحجّ ولينه، والله (عزّ و جلّ) يقول: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقْتُلون ويُقْتَلون إلى قوله وبشّر المؤمنين"(5) . فقال الإمام (عليه السلام): "إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم فالجهاد معهم أفضل من الحجّ ".(6) وقد صرحت بذلك وصية رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) حيث قال:" يا أخي، عليك بالصبر، إلا أن تجد أعواناً وأنصاراً، فاشهر سيفك حينئذٍ، فإن لم تجد أعواناً وأنصاراً، فاحقن دمك، فإنّ القوم لم ينسوا قتل ساداتهم في مواقفك التي شرّفك الله تعالى بها في دينه" (7) نعم ، قد يضطرّ الواقع إلى الإقدام على الخروج المسلّح، وإن لم توجد شروطه المادية لحاجة الوضع إلى الإثارة والتيقن من تحقيق الهدف بهذه الاثارة كما حصل لسيد الشهداء إذ إنه أقدم على الجهاد المسلح رغم قلة الناصر وذلك عندما رأى الأمة تحتضر فكانت واقعة الطف الفجيعة بمنزلة صدمات أحيت هذه الأمة من رقادها وأفاقتها من سباتها .. ثالثاً: حضوره ودوره في كربلاء لقد حضر الإمام السجاد عليّ بن الحسين (عليه السلام) في معركة كربلاء، إلى جنب والده الإمام الحسين (عليه السلام) الذي ما فتئ يلهج لسانه بالشهادة وأنه سيقتل ومن معه وأنه مصمم على الشهادة وهذا مؤشر على عدم معارضته للجهاد بالسيف. لاسيما إن الامام الحسين (عليه السلام) قد أذن لمن معه بالانصراف من ساحة المعركة ليلة العاشر من المحرم بقوله: "ألا، وإنّي قد أذنتُ لكم، فانطلقوا جميعاً في حلّ ليس عليكم منّي ذِمام، هذا الليل قد غشيكم فاتَخِذوه جَملاً "(8). وقد كانت الأخطار محدقة بكل من كان مع الامام الحسين (عليه السلام)، بل وعلم جميع مَنْ بقي مع الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء، بأنّ ما يقوم به الإمام ليس إلا فداءً وتضحية، لحاجة الإسلام إلى إثارة، والثورة إلى فتيل ووقود. ومن البديهي إن الامام السجاد (عليه السلام) هو الآخر كان عالما بذلك إذ لا يمكن أن تخفى مثل هذه الحقيقة عليه وهو الذي كان يومئذ في عمر الرجال، وقد بلغ ثلاثاً وعشرين سنة وكان ملازماً لأبيه الشهيد منذ البداية وحتّى النهاية. فكان حضوره مع أبيه (عليه السلام) وحده مؤشراً كافياً على روح النضال مع بطولة فذّة فضلا عن عدم معارضته للجهاد البتة... على أن هناك بعض النصوص التاريخية التي تدل على ان الامام السجاد قاتل في كربلاء ، وناضل إلى أن جُرِحَ، منها ما جاء في أقدم نص مأثور عن أهل البيت (عليهم السلام) في ذكر أسماء مَنْ حضر مع الامام الحسين (عليه السلام)، وذلك في كتاب (تسمية مَنْ قُتِلَ مع الحسين عليه السلام من أهل بيته وإخوته وشيعته) الذي جمعه المحدّث الزيدي الفُضَيل بن الزُبير، الأسدي، الرسّان، الكوفي، من أصحاب الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) فقد ذكر ما نصّه: "وكان علي بن الحسين عليلاً، وارتُثَ يومئذٍ، وقد حَضَرَ بعض القتال، فدفع اللهُ عنه، وأخِذَ مع النساء"(9) وعلى الرغم من وضوح النصّ في قتال الإمام السجاد (عليه السلام) في كربلاء فإن كلمة (ارْتُثَ) تدل على ذلك أيضاً، لأنها تقال لمن حُمِلَ من المعركة بعد أنْ قاتل واُثخِنَ بالجراح، فاُخرج من أرض القتال وبه رَمَق، كما صرّح به اللغويون (10). بالإضافة الى أن حمل السلاح ودخولُ المعركة إن كان للأصحاء بطولة فهو للمريض الذي يقاتل إلى أن يُجرح ــ والمريض وبنص القرآن ليس عليه حرج أي ان الجهاد ليس واجباً عليه ــ بلا شك لهو أشد بطولةً.. رابعاً: للسياسة والجهاد صور أخرى .. يخطئ من يعتقد إن السياسة منحصرة في تسنم دكة الحكم أو أن الجهاد منحصر في حمل السلاح والولوج الى ساحة المعارك وإسالة الدماء وما الى ذلك، بل إن هناك صور كثيرة للجهاد التي يمكن من خلالها الدفاع عن الدين وصونه من الانحراف والتزييف، والمتتبع لسيرة الامام السجاد (عليه السلام) يلمس ذلك بوضوح فقد قام بأعمال سياسية تتناسب والوضع الذي كان يعيشه والتي حققت فيما بعد أهدافا كبيرة كالحفاظ على الفكر الاسلامي الصحيح ومحاربة العقائد الباطلة في مرحلة من حياة الامة الاسلامية حرجة وخطيرة. فهو (عليه السلام) وإن لم يستخدم السلاح الحديديّ إلاّ أنّه جاهد بكل الأسلحة الأخرى التي لا تقلّ أهميّة وخطورة كسلاح الكلمة من خلال الخطب والمواعظ، وسلاح العلم بالتثقيف والإرشاد، وسلاح الأخلاق بالتربية والتوجيه، وسلاح الاقتصاد بالإعانات والإنفاق، وسلاح العدالة بعتق الرقاب، وسلاح الحضارة بالعرفان. ولا يخفى على المطلع لواقعة الطف الدور البارز للإمام السجاد(عليه السلام) في توضيح الحقائق وإماطة اللثام عن وجه المجرم الحقيقي في تلك الواقعة الأليمة وذلك في سجاله مع ابن مرجانة اللعين... فقد روي أن عبيد الله بن زياد (عليه لعائن الله ) التفت إلى الامام علي بن الحسين (عليه السلام) فقال: من هذا؟ فقيل: علي بن الحسين. فقال: أليس قد قتل الله علي بن الحسين؟! فقال له علي: «قد كان لي أخ يسمى علي بن الحسين قتله الناس». فقال: بل الله قتله. فقال له علي: (الله يتوفى الأنفس حين موتها) ». فقال ابن زياد: وبك جرأة على جوابي، اذهبوا به فاضربوا عنقه. فسمعت به عمته زينب، فقالت: يا بن زياد، إنك لم تبق منا أحداً، فان كنت عزمت على قتله فاقتلني معه. فقال علي لعمته: «اسكتي يا عمة حتى أكلمه». ثم أقبل إليه فقال: «أ بالقتل تهددني يا بن زياد، أما علمت أن القتل لنا عادة وكرامتنا الشهادة»(11). كما إنه (سلام الله عليه) قد مزق غطاء الشرعية الذي كان بنو أمية يتخفون به ليظهر حقيقتهم البشعة الى أهل الشام الذين كانوا يعتقدون بأن ركب السبايا من الخوارج، فخطب (عليه السلام) في مجلس يزيد معرفا بنفسه وأنه ليس من الخوارج كما ادعى يزيد (لعنه الله) بل هو الأحق بالخلافة منه لأنه ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) والنساء بنات الرسالة : " أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا اعرفه بنفسي، أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن المروة والصفا، أنا ابن محمد المصطفى، أنا ابن من لا يخفى، أنا ابن من علا فاستعلى، فجاز سدرة المنتهى، وكان من ربه مكان قاب قوسين أو أدنى. فضج أهل الشام بالبكاء حتى خشي يزيد أن يرحل من مقعده، فقال للمؤذن: أذن، فلما قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، جلس علي بن الحسين (عليهما السلام) على المنبر، فلما قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، بكى علي بن الحسين (عليهما السلام)، ثم التفت إلى يزيد فقال: يا يزيد هذا أبوك أم أبي؟ قال: بل أبوك " (12) وهل قول كلمة الحق في مجلس السلطان الجائر إلا الجهاد عينه؟ وبهذا كان سدّاً منيعاً في وجه أخطر عمليّة تحريف استهدفت إبادة الإسلام من جذوره، في الحكم الأمويّ الجاهليّ. بل ولم يقتصر دوره على الدفاع وإنما تعداه ليشنّ على الطغاة الحاكمين، وأمثالهم من الطامعين، حرباً شعواء، من خلال تدابير دقيقة وبمنتهى السريّة والذكاء، كانت باردة صامتةً بيضاء في البداية، إلا انها ما لبثت أن أثمرت ثورة صبغتها دماء طاهرة من شيعته.. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) نظرية الإمامة ص 349 ، وانظر ثورة زيد لناجي حسن ص 30 -31 (2) النكت الاعتقاديّة ص 53 جواب السؤال ( 91 ) (3) فاطر 32 (4) شواهد التنزيل للحسكاني ج2 ص 104 رقم ( 782 (5) التوبة 111 (6) الاحتجاج للطبرسي ص 315 (7) المقنع في الإمامة ص 99 (8) مثير الاحزان ج3 ص4 (9) تسمية من قتل مع الحسين عليه السلام ، مجلة (تراثنا) العدد الثاني ص 150 ، نقلاً عن جهاد الامام السجاد ع ص365 (10) لاحظ مادة (رثث) من كتب اللغة، وقد صرحوا بأن الكلمة بالمجهول ، انظر لسان العرب ج2 ص 457 (1) (11) الملهوف على قتلى الطفوف ص203 (12) العوالم ج1 ص413 و432 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 11 شهر
855

تجليات الأنس الزينبي..

كيف يكون هناك انس دنيوي وانس برزخي وانس أخروي في الاقتداء بالسيدة زينب عليها السلام؟ الأنس من أنس إلى فلان، أنس بفلان: سكن إليه وذهبت به وحشته ، ألفه وارتاح إليه(1) والأنس يقابل الوحشة، وهو سرور وانشراح النفس بالمحبوب، وسكينة واطمئنان القلب بالمرغوب، وانسجام العقل وارتياحه للمطلوب. وتختلف طبيعة المأنوس به من شخص لآخر تبعاً لاختلاف الرؤى والميول والرغبات فضلاً عن الاختلاف الفكري والمعرفي والنفسي بينهم، فالبعض يأنس بالشهوات والملذات من أطعمة وألبسة وما إلى ذلك وهو أدنى أنواع الأنس، فيما يأنس من تكون نفسه ألطف ومشاعره ارهف بالمناظر الطبيعية الخلابة وبالزهور وتأمل البحر مثلاً، في حين أن المهتم بتغذية العقل والمنطق يأنس بالعلم والمعرفة فتجده يلتذ كلما فهم مسألة جديدة، ويمتع قلبه وعقله في بساتين السطور قاضياً برفقتها أوقاتاً سعيدة، وأما الأولياء فلا يأنسون إلا بالله (تعالى) والسبيل المؤدي إليه. ومقام الأنس به (جل وعلا) من أعلى مقامات اليقين، لا يصله أيُّ أحد من العالمين، إنما هو مقام يقتصر على الأوحدين؛ لأنه مقام يكمن فيه الرضا التام الذي لا يشوبه اعتراض، والسعادة الخالصة التي لا يكسرها حزن، والقوة الحقيقية التي لا يساورها وهن، والعزة الكاملة التي لا يعتريها ذل. ومن أوضح مصاديق من بلغ هذا المقام الرفيع هم الرسول الأكرم محمد وعترته الطاهرة (عليه وآله أفضل الصلاة والسلام)، لا سيما السيدة زينب (سلام الله عليها) التي نعيش ذكرى أسرها بعد مصابها بأعزتها (عليهم السلام)، فهي بالرغم من كل ما واجهته من نوائب، وما ألّمتها من مصائب، وما وقع في الطف من مواقف مفجعة، وما تلتها من أحداث مروِّعة، إلا أنها لم تنسَ صلاة الليل وهي بعدُ لم يمر على فقدها لأحبتها سوى سويعاتٍ قليلةٍ بل وأحالت تلك الليلة الغاية في الوحشة بسبب فقد الأهل والأحبة إلى ليلة أنس بأحب الأحبة، ولا غروَ في ذلك، أليست هي بنت من توَرمت قدماها من قيام الليل، وبنت من أقام في ليلة الهرير صلاة الليل؟! أليست هي ذات الإيمان الصلب الذي لم تزعزعه مصائب كربلاء على شدة قسوتها ولم تنل معركة الطف من قوته قيد أنملة على شدة ضراوتها؟! وقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله):"من خرج من ذل المعصية إلى عز الطاعة آنسه الله عز وجل بغير أنيس وأعانه بغير مال" (2) كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام):"ما من مؤمن إلا وقد جعل الله له من إيمانه انسا يسكن إليه، حتى لو كان على قلة جبل لم يستوحش"(3) ومن علامات بلوغ هذا المقام السامي هو الالتذاذ بالطاعات، والشوق إليها ومراقبة موعد حلولها في الأوقات، والوحشة من الناس والنزوع الى مناجاة الحبيب في الخلوات، والتسليم التام لكل ما يقضي به رب الأرض والسموات، وإن كان مخالفاً لطبع النفس وما جُبِلت عليه من رغبات. ولو تأملنا بكل تلك الصفات، لوجدناها مجتمعة في فخر المخدرات، فقد خطفها التذاذها بالطاعات من بين كل تلك الأحداث الأليمة، لتصلي صلاتها وتجدد في نفسها القوة والعزيمة، وهي التي رفعت طرف جثمان خامس أهل الكساء، قائلةً: "ربنا تقبل هذا القربان" مسجلةً بذلك أرقى صور الرضا والتسليم للقضاء.. تلك هي العظيمة الحوراء زينب (عليها السلام) وذلك هو أنسها في الحياة الدنيا الذي أمدّها بالقوة والتصميم على تحقيق الهدف من القيام الحسيني، وبالرضا والتسليم للقضاء الإلهي. فحريٌّ بمن تقتدي بها –بل بمن يقتدي بها- أن تحقق ذلك الأنس ولا تنثني لصروف الدهر ولا لما تمر به من شدة أو عسر. ومن الجدير بالذكر أن الأنس بالله (تعالى) في الحياة الدنيا ينعكس على العوالم التي تليها، وبعبارة أوضح: أن الأنس الدنيوي يثمر أنساً برزخياً وأنساً أخروياً. فأما الأنس البرزخي فيكون بمؤانسة الأرواح المؤمنة لبعضها البعض في ذلك العالم، فقد روي عن حبة العرني أنه قال: "خرجت مع أمير المؤمنين عليه السّلام إلى الظهر أي ظهر الكوفة فوقف بوادي السلام كأنّه مخاطب لأقوام فقمت بقيامه حتّى أعييت ، ثمّ جلست حتّى مللت ، ثمّ قمت حتّى نالني مثل ما نالني أوّلا ، ثمّ جلست حتّى مللت ، ثمّ قمت و جمعت ردائي فقلت : يا أمير المؤمنين إنّي قد أشفقت عليك من طول القيام فراحة ساعة ، ثمّ طرحت الرّداء ليجلس عليه . فقال عليه السّلام لي : يا حبّة إن هو إلاّ محادثة مؤمن أو مؤانسته، قال : قلت : يا أمير المؤمنين و إنّهم لكذلك ؟ قال عليه السّلام : نعم و لو كشف لك لرأيتهم حلقاً حلقاً محتبين يتحادثون. فقلت : أجساد أم أرواح ؟ فقال عليه السّلام لي :أرواح ، و ما من مؤمن يموت في بقعة من بقاع الأرض إلاّ قيل لروحه : ألحقي بوادي السلام ، و انّها لبقعة من جنّة عدن"(4) فهذه الرواية تدل على أنس المؤمنين ببعضهم في عالم البرزخ، بل والتحاقهم بوادي السلام الذي هو بقعة من جنة عدن. كما أكدت كتب الحديث أن عمل الإنسان يؤثر تأثيراً كبيراً في قبره فإما أن يجعله روضة من رياض الجنان أو حفرة من حفر النيران، والاقتداء ببنت سيدة النساء زينب الحوراء (عليهما السلام) بلا شك يثمر في عالم البرزخ روضة من رياض الجنان وأنساً برزخياً. وأما أثر هذا الاقتداء في عالم الآخرة فواضح وضوح الشمس، لأنه إن لم يثقل كفة الحسنات فإنه يسهم في تحصيل الشفاعات، إذ من تجعل الصديقة الصغرى قدوة لها في حركاتها وسكناتها إن لم ترد الجنان بفضل الله (تعالى) فإنها بلا ريب ممن تستحق شفاعة أهل البيت (عليهم السلام)، وفي كلتا الحالتين لا تعدم الأنس الأخروي سواء بالتنعم بنعيم الجنان أو بمصاحبة الأهل والأحبة، أو بالتنعم برؤية الصفوة الطاهرة (عليهم السلام)، أو ببلوغ مقام الرضوان الالهي وذلك أعلى درجات الأنس الأخروي. قال (تعالى):" وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72)"(5) مما تقدم يتضح جلياً أن المواظبة على طاعة الله (تعالى) تثمر الأنس به (جل وعلا)، وأن الأنس به في الدنيا يورث الأنس في البرزخ وفي الآخرة، وقد جسدت لنا الحوراء زينب (عليها السلام) الأنس بالله (تعالى) في الدنيا في أجلى صوره، وبذلك يكون الاقتداء بها محققاً للأنس في العوالم الثلاث الدنيا والبرزخ والاخرة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) المعجم الوسيط (2) ميزان الحكمة ج1 ص235 (3) المصدر السابق (4) منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة ج1 ص228 (5) التوبة 72 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 11 شهر
784

عروض الأزياء وأثرها على المجتمع الإسلامي

بعد أن يئس أعداء الدين الإسلامي الحنيف من سلب المسلمين هويتهم الدينية عن طريق القوة الشرسة والحرب العسكرية قرروا سلبها عن طريق القوة الناعمة والغزو الفكري، فشرعوا بتجنيد الوسائل المناسبة لكسب هذه الحرب لصالحهم، وأبرز تلك الوسائل هو الإعلام المرئي والمسموع والمقروء، فبذلوا كل ما في وسعهم من أجل حشوها بالأسلحة التي من شأنها أن تهدم الفكر الديني وتدمر الالتزام القيمي وتحلل الانضباط الخلقي بهدف تجريد الإنسان المسلم لا من دينه وخلقه ومبادئه وحسب بل ومن إنسانيته أيضاً، بحيث يصبح ولاهمَّ له سوى الغرائز والشهوات، عديم الإرادة خالٍ من الطموحات، وبذلك يغدو أداةً طيّعةً يُسهِّل عليهم استعمار وطنه، ونهب خيراته والتحكم بإمكانياته ومقدراته. ومن أبرز تلك الأسلحة هي المواد السامة التي توضع على موائد العوائل المسلمة عبر وسائل التلفزة والفضائيات ، ومن أخطرها عروض الأزياء، فقد نجح باستخدامها أعداء الإسلام في تجريد الكثير من المسلمين من شخصيتهم الإسلامية نجاحاً كبيراً، ولذا فقد اهتموا بها ورصدوا لأجلها الأموال الطائلة، وبذلوا الجهود الكبيرة، حتى أصبح لها مدارس ومنظِّرون ومخطّطون ومصممّون ومتعهّدون ومتاجرون... بل وأصبح لعارضات الأزياء معاهد تعلِّم فن العرض, وطريقة المشي والوقوف والانطلاق والاستدارة, بل وحتى التأمُّل, والنَّظرة ... وما شاكل ذلك من حركات يرونها ضرورية لأجل الإثارة والإغراء، علاوةً على جسد العارضة الذي ينتخبونه بدقة وعناية فائقتين.. ولأجل إضفاء صفة التميز عليها ولجذب المزيد من الاهتمام إليها من جهة ولتواكب التغيرات التي تنعكس على الأزياء من جهة أخرى فقد باتت لها مواسم خاصة تنطلق بها وسط ترقب وتلهف شديدين من قبل زبائنها ومنتظريها, وكأنها حدث عالمي, بل أمست ــ للأسف ــ كذلك بحيث تتناقل أخبارها وسائل الإعلام والتلفزة في الدول الإسلامية فضلاً عن العالمية منها, نشراً للفساد وإمعاناً للإفساد وترويجاً عن بضائعهم وتحقيقاً لأرباح شركاتهم، كل ذلك تحت شعار الحضارة والتطور! وللأسف الشديد فقد وجد أعداء الإسلام ضالتهم في الكثير من المسلمين الذين أصبحوا سوقاً رائجة تستهلك الأفكار المستوردة فضلاً عن البضائع، حيث أثرت تلك الأفكار المعادية للدين في بعض المسلمين تأثيراً كبيراً بعد أن تسربت إلى أدمغتهم الخاوية من الثقافة الدينية، وترسخت في نفوسهم العطشى إلى الشعور بالتقدير والحرية، عبر كلمات منمَّقة ودعاوى برَّاقة وعناوين جذَّابة من قبيل: الدعوة إلى التحرر من الستر والحجاب، وضرورة إبراز الجانب الأنثوي للمرأة لتسحر كل من حولها وتخطف قلوبهم قبل أبصارهم، وأن أناقة المرأة تكمن في إظهار مفاتنها، وجمالها في الأزياء التي ترتديها، وصب كل تلك الدعاوى في قالب مادي جذَّاب يتمثل في عروض الأزياء، كما تمكنت في الوقت نفسه من جذب الطائش من الرجال لاسيما فئة الشباب منهم لتلبيتها لنداء غريزتهم الحيوانية وإشباع نفوسهم الشهوانية عبر تمكينهم من افتراس أجساد النساء بنظراتهم الكاسرة، وإشباع جوعهم الشهوي بما تهيأ لهم من مفاتن سافرة. وقد ترتب على ذلك نتائج خطيرة أبرزها التشوّه الفكري الذي أُحدِثَ في ذهن بعض النساء حيث أصبحن يرين أن متابعة الأزياء ومواكبة الموضة عنوانُ الحضارة ورمز التقدم والرقي، وبذلك هان عليهن خلع ثوب الحياء والفضيلة، والإدمان على محال المكياج وتصفيف الشعر، والهوس في اقتناء الكثير من الأزياء الكاشفة للمحاسن الواصفة لما في الأجسام من مفاتن، بل وحتى ولوج عالم عمليات التجميل وبكثرة كما نلمسه اليوم، وكأنهن في سوق نخاسة يتبارين في إثارة الأجانب ويبدعن في إغراء الغرباء من أجل الفوز بمن يبتاع ما يعرضنْه بكلمة ودٍ ورغبة أو حتى ولو بالفوز بنظرة إعجاب!! وقد أخبر الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) بتحلل بعض نساء آخر الزمان وكشفهن الفاحش لمفاتنهن إذ روي عنه أنه قال:" صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا"(1) وقد أبدع الشاعر في وصفهن إذ قال: فتاة اليوم ضيعت الصوابا *** والقت عن مفاتنها الحجابا ولم تأب حياء من رقيب *** ولم تخش من الله الحسابا كخائضة ببحر سرمدي *** عن الساقين شمرت الثيابا اذا سارت يلاحقها كلام *** وان جلست ترى العجب العجابا مفاتنك كنوز فاحفظيها *** وهذا الكنز حاشا ان يعابا فانت ان كشفتيها اهينت *** وعز الكنز ان يبقى مهابا وقد ترتب على هذا النمط من التفكير أن تعيش هؤلاء النسوة على هامش الحياة، حاكماتٍ على ذكائهن ومواهبهن بالإعدام، فعوضاً عن التفكير في توسيع آفاق فكرهن بالعلم والمعرفة يلجأن إلى تضييق ثيابهن وتقصيرها!! وبدلاً من أن يبحثن عّما يمرّن أذهانهن ويزيد من توقده، يبادرن إلى تمرين أيديهن على تلوين الخدود ورسم الحدود، وتمرين أجسادهن على المِشيةِ المثيرة، والنظرة المغرية، لا يفكرن إلا في تجميل الجسد وتحسين الظاهر، غير آبهاتٍ إلى تعطيل الفكر والعقل وتقبيح الباطن!! وقد تظن المثقفة من بينهن أن تبرجها شيء ظاهري لا يمس عقلها رغم إمعانها في التجميل وإسرافها في التصنيع. وهي في هذا جدُّ مخطئة، إذ إن كل عمل يقوم به الإنسان لابدّ وأن تترتب عليه آثار فكرية وروحية ولو على المدى البعيد لتعيد بالتالي صياغتها، فمن لم يُسلِّم مقاليد الحكم والقيادة إلى العقل في سلوكه، تحكّم سلوكه في عقله وقاده إلى الهاوية.. ثم إن مجرد عرض المرأة لمحاسنها ولسان حالها: تفضلوا بالنظر.. فأنا أتمتع بالكثير من المفاتن.. هو في حدِّ ذاته إذلال لكرامتها وامتهان لإنسانيتها؛ لأنها تستدل بذلك على شعورها بالنقص وعدم قناعتها بأن فكرها وشخصيتها الإنسانية كافيان للتعبير عن ذاتها و إثبات جدارتها، فتتوسل بالجسد بما فيه من مفاتن وبما عليه من أزياء وبما يعلوه من أصباغ، للتعبير عن ذلك... وعلى الرغم من أن تجريد المؤمن من هويته الدينية وإفساده هدف هام يسعى الأعداء إلى تحقيقه من خلال عروض الأزياء غير أنه ليس بالهدف الوحيد فإلى جانبه يسعون إلى تحقيق الربح المادي لمعاملهم والحياة المرفهة لهم ولشركائهم؛ وذلك لأن المرأة الأنيقة بحسب مقاييسهم يجب أن تملك ثياباً كثيرة ومتنوعة فترتدي البعض صباحاً والأخرى في حفلات المساء، وسواهما في اللقاءات الرسمية، وهكذا... ثم ان لكل زي من هذه الأزياء ما يناسبه من حقيبة وعقد وسوار وحذاء بل وحتى عطر! وكل ذلك يُحمِّل المرأة ضريبةً فادحةً عليها أن تدفعها ثمناً لقناعتها بالأفكار المستوردة والرؤى المعلبة الممهورة بمهر الماركات العالمية المشهورة!! وهكذا نجح أعداء الاسلام باحتواء الكثير من المسلمين والمسلمات عبر توفير ما تصبو إليه نفوسهم بعد غسل أدمغتهم بالرؤى التي يريدون والفكر الذي يرغبون. ولأن الاحتواء غالباً ما يولد في النفوس الولاء، لذا نجد المنبهرين بالحضارة المادية من الرجال والنساء، قد سلّموا لكل ما يرتئيه ويقول به الأعداء، بل وأخذوا يرددون دعاواهم الخبيثة ترديد الببغاء. مستهزئين بمن ثبت على هويته من المسلمين، ساخرين بمبادئه وقيمه وما يحمله من فكر ويعتقد به من دين.. في حين أن الإسلام لم يقيد المرأة المسلمة بأي قيد ولم يفرض عليها الحجاب إلا لحجب حقيقتها الأنثوية التي ما إن تبرز إلى المجتمع حتى تنشر فيه الفساد لأنها تثير شهوات بعض الرجال وغرائزهم وتدفعهم إلى التعامل وفقاً لذكوريتهم، بخلاف حجب أنوثة المرأة الذي يرقى بالمجتمع لأن الهدف منه الحفاظ على التعامل الانساني والخلقي، والارتقاء بالجانب الفكري والمعرفي لكل من الرجل والمرأة على حد سواء.. ولذا فإن للزي الإسلامي بالنسبة للمرأة مواصفات دقيقة لتحقيق تلك الغاية، فينبغي أن لا يصف ولا يشف ولا يلفت النظر، ومن الملاحظ أن كل ما تعرضه دور الأزياء مخالفٌ لذلك تماماً لأجل جذب بعض المسلمات إلى ما يخالف شريعتهن، بل وحتى من ثبتت على حجابها فإنها لم تسلم من ذلك حيث ظهرت فعلاً أزياء إسلامية معاصرة لاجتذاب الفتيات المحجبات وترغيبهن فيها، وفي الحقيقة ما هي إلا عبارة عن أزياء ضيقة بألوان صارخة تنأى كثيراً عما يُشترط في الزي الإسلامي. ولحضراتكم الحكم: أي من الشريعتين تحقق الكرامة للرجل والمرأة وتضمن لهما الحرية التي لا تتجاوز على حرية الآخرين وترقى بالمجتمعات.. تقول عارضة الأزياء الفرنسية فابيان في مقابلة مع جريدة (المسلمون) بعد إسلامها وفرارها من جحيم بيوت الأزياء اللعينة : "كان الطريق أمامي سهلاً أو هكذا بدا لي فسرعان ما ذقت طعم الشهرة وغمرتني الهدايا الثمينة التي لم أكن أحلم بها ولكن الثمن كان غالياً ، فقد كان شرط النجاح والتألق أن أفقد حساسيتي وشعوري وأتخلى عن حيائي الذي تربيت بداخله، وأفقد ذكائي ولا أحاول فهم أي شيء غير حركات جسدي وإيقاعات الموسيقى... إن بيوت الأزياء جعلت مني مجرد صنم مهمته العبث بالقلوب والعقول. فكنت جماداً يتحرك ويبتسم، ولكنه لا يشعر، فكلما تألقت العارضة في تجردها من بشريتها وآدميتها، زاد قدرها في هذا العالم القاسي البارد. أما إذا خالفت أياً من تعاليم دور الأزياء فإنها تعرض نفسها لألوان العقوبات التي يدخل فيها الأذى النفسي والجسمي معاً، وعشت أتجول في العالم عارضة لأحدث خطوط الموضة بكل ما فيها من تبرج وغرور ومجاراة لرغبات الشيطان في إبراز مفاتن المرأة دون خجل ولا حياء. ولم أكن أشعر بجمال الأزياء فوق جسدي بينما كنت أشعر باحتقار الناظرين لي شخصياً واحترامهم لما أرتديه فقط"(2) وبعد إن اتضحت الآثار الخطيرة التي تترتب على عروض الأزياء لابد من بذل كل الجهود الممكنة في سبيل منعها في الدول الإسلامية لاسيما المدن المقدسة منها، وعدم التهاون في ذلك، كما ينبغي توعية المؤمنين والمؤمنات والتشديد على أن وقاية أبنائهم من الفساد إنما هي مسؤوليتهم الأولى، فيجب أن لا يقصروا فيها، وأولى خطوات الوقاية تكمن في بنائهم بناءً عقدياً فقهياً خلقياً متيناً، وغرس القدوات الصالحة في أذهانهم منذ الصغر والتأكيد على ذلك باستمرار لكي يزدادوا تأسياً بها وحباً لها كلما كبروا وبذلك لن يكونوا بحاجة الى الاقتداء بالمغنين والمغنيات أو ما شابه ذلك. كما ينبغي غرس الثقة في أنفسهم منذ الصغر خصوصاً الفتيات وقايةً لهم من الشعور بالنقص الذي غالباً ما يُكمله الأبناء في مرحلة المراهقة بالأسلوب الخاطئ، كما إنه من أهم العوامل التي تدفع الفتاة الى التبرج والتزين للأجانب لتثبت لهم ولنفسها أن لا نقص فيها. كما تعد حذف الفضائيات اللا أخلاقية خطوة جيدة في هذا المجال، ولا ننسى تقنين استخدامهم للشبكة العنكبوتية من خلال توعيتهم أولاً بالمضار المترتبة على مشاهدة المواد اللا أخلاقية من النواحي الدينية والخلقية والصحية بشقيها الجسدية والنفسية، وحجب بعض المواقع والرقابة المستمرة عن بعد.. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) ميزان الحكمة ج2 ص178 (2) من عالم الشهرة إلى رحاب الإيمان ص12- 13 نقلا عن دور المرأة المسلمة بين الأصالة والمعاصرة ص165 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
434

تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ

يصف القرآن الكريم الحجج الواهية التي يطرحها الكفار المعاصرون للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، بأنها شبيهة بتلك التي كان يطرحها كفار الأمم السابقة لأنبيائهم، ولذا وصف قلوبهم بأنها متشابهة في قوله (عز وجل):" كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الاْيَاتِ لِقَوْم يُوقِنُونَ "(1) فيوجه القرآن الكريم التقريع واللوم الى من عاصر الرسول (صلى الله عليه وآله) لسيرهم على نهج من سبقهم ولتشبثهم بنفس آرائهم المنحرفة وبذلك سلكوا مسلكاً مشابهاً لما سلكه من سبقهم على مختلف الأجيال ومر العصور، في حين ينبغي أن يكون مرور الزمن عاملاً هاماً في زيادة وعيهم عمّن سبقهم، وسبباً مساهماً في تفهّمهم لما لم تتفهمه الأجيال السابقة.. ولو طبّقنا ما كان عليه المشركون المعاصرون للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) ومدى تشبثهم بآراء من سبقهم من مشركين على الطغاة والمجرمين الذين يقتلون الشيعة اليوم ومدى تشبثهم بآراء وأفعال قتلة الامام الحسين (عليه السلام)، لوجدنا أنهم متشابهون وإلى حد كبير ومن عدة نواحي : أولاً: تشابه الذريعة في القتل : عندما قتل بنو أمية الامام الحسين (عليه السلام) ومن معه كان تبريرهم لفعلتهم الشنيعة وجريمتهم الفظيعة أن قالوا: إن الامام الحسين (عليه السلام) خارجي أي إنه خارج عن الدين الاسلامي ، وأشاعوا ذلك لدرجة أنه لما جيء بالسبايا وفيهم الإمام علي بن الحسين السجاد ( عليهما السلام) أسيراً فأقيموا على درج المسجد حيث يقام السبايا وفيهم علي بن الحسين عليهما السلام وهو يومئذ فتى شاب، فأتاهم شيخ من أشياخ أهل الشام فقال لهم: الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم، وقطع قرن الفتنة، فلم يألُ عن شتمهم)(2) وأما ذراريهم اليوم فيقتلون الشيعة الموالين ويعذبونهم بشتى ألوان التعذيب، وما تبريرهم لجرمهم الجسيم هذا إلا أن قالوا إنهم مشركون بالله ودمهم لذلك مباح .... فتشابه دافعهم الى القتل لتشابه قلوبهم ... ثانياً: كيفية القتل : لم يكتفِ بنو أمية بقتل الإمام الحسين (عليه لسلام) ومن معه بل ومثلوا بالأجساد الشريفة، وحزوا النحور الطاهرة، وما يفعله ذراريهم اليوم هو ذات الجرم وذات الجناية، ومقاطع الفيديو التي ينشرونها على مواقعهم الباطلة خير دليل على ذلك .. ثالثاً: سبي النساء : لم يشفِ غليل بني أمية قتل الرجال من الركب الحسيني وحسب بل وتعدّوا على النساء الطاهرات فقاموا بسبيهن، وهذا ما فعله ذراريهم اليوم بل وفاقوا اجدادهم جرما حيث قاموا بالاعتداء على النساء المسبيات ايضا وبيعهن وووو كما هو معلوم للجميع ... رابعاً: اتخاذهم يوم عاشوراء عيداً اتخذ قتلة الامام الحسين (عليه السلام) يوم العاشر من المحرم عيداً لهم فكانوا يتبادلون التهاني والتبريكات فيما بينهم، ويقيمون الأفراح وما الى ذلك، وقد ورد ذلك في زيارة عاشوراء:" اللَّهُمَّ إن هذا يومٌ تبرَّكت به بنو أميَّة وابن آكلة الأكباد اللعين ابن اللعين على لسانك ولسان نبيِّك (صلى الله عليه وآله) في كل مَوطنٍ وموقفٍ وقفَ فيه نبيُّك (صلَّى الله عليه وآله)"، وها هم ذراريهم اليوم يتبادلون التهاني والتبريكات فيما بينهم، ويقيمون الاحتفالات والأفراح، بل ويقدمون الحلوى وقد نقش عليها يوم عاشوراء ايضاً ... خامساً : صيام يوم عاشوراء : صام آل زياد يوم عاشوراء شكراً لقتلهم الإمام الحسين (عليه السلام) فقد روي عن محمد بن عيسى بن عبيد قال: حدثني جعفر بن عيسى أخوه ، قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن صوم عاشوراء وما يقول الناس فيه؟ فقال: عن صوم ابن مرجانة تسالني؟! ذلك يوم صامه الأدعياء من آل زياد لقتل الحسين (عليه السلام) ،....."(3) وها هم ذراريهم اليوم يروجون ويشجعون على صيام هذا اليوم. فإن قلتَ: وما ذنبهم هم إن كانوا قد وجدوا من الروايات التي تحث على صيامه والتي وضعها أمثال أبي هريرة ؟ نقول: وقد جاء أيضاً من علمائهم من قال بأن هذه الروايات من الموضوعات، فهذا ابن الجوزي يقول في الموضوعات: "تمذهب قوم من الجهال بمذهب أهل السنة فقصدوا غيظ الرافضة فوضعوا أحاديث في فضل عاشوراء"(4) ثم يذكر الأحاديث الموضوعة قائلاً: "فمن الاحاديث التي وضعوا ....عن الاعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله إن الله (عز وجل ) افترض على بني اسرائيل صوم يوم في السنة يوم عاشوراء وهو اليوم العاشر من محرم فصوموه ووسعوا على أهليكم ...."(5) وما تمسكهم بنهج قتلة الإمام الحسين (عليه السلام) إلا لأنهم راضون كل الرضا بفعالهم، ولو شاء الله وأعيدت واقعة كربلاء لتراهم يتسابقون الى قتله (بأبي هو وأمي). ولذا فقد روي عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: قلت لأبي الحسن على بن موسى الرضا (عليهما السلام): يا ابن رسول الله ما تقول في حديث روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: إذ خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين (عليه السلام) بفعال آبائهم فقال (عليه السلام): هو كذلك، فقلت: فقول الله (عز وجل): (ولا تزر وازرة وزر اخرى) ما معناه، فقال: صدق الله في جميع أقواله، لكن ذراري قتلة الحسين (عليه السلام) يرضون بأفعال آبائهم ويفتخرون بها، ومن رضي شيئاً كان كمن أتاه ولو أن رجلا قتل بالمشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الراضي عند الله شريك القاتل، وانما يقتلهم القائم إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم"(6) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) البقرة 118 (2) العوالم ج1 ص419و420 (3) الكافي ج4 ص146 (4) الموضوعات ج2 ص200 (5) المصدر السابق (6) مسند الإمام الرضا (عليه السلام) ج1 ص423و424 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
364

ما رأيت أصحاباً خيراً من اصحابي

كلمات قليلة المبنى غزيرة المعنى، لبيان أفضلية هذه النخبة الخيرة بحيث بلغوا درجة أن نعتوا بــ(ما رأيت أصحاباً كأصحابي) ، ومن ينعتهم بذلك؟ إنه الإمام المعصوم الذي هو خامس أصحاب الكساء ، الذي نُقش اسمه على ساق العرش في سابع سماء ، الإمام الحسين (صلوات ربي عليه) ، ولم يكتفِ لتعظيم أصحابه وتمجيدهم بكل هذا وحسب ، بل ويقسم وهو الامام المعصوم عن الخطأ والاشتباه والزلل فضلا عن المعصية .. تُرى ما السبيل الذي سلكته هذه الباقة من الورود الزاهية لكي تملأ أرجاء الطف بألوان التضحية وشذى الوفاء ؟ أم ما كانت سيرتهم ليتربعوا على عرش علياء غير المعصومين من البشر ؟ أم ما الذي انطوت عليه سريرتهم ليكونوا أنجماً مضيئة في سماء الطف على مر العصور والدهور ؟ هم لم يحضوا بالرضا والقبول من قبل إمام زمانهم وحسب، بل نالوا أعلى درجاته ، فحري بكل من يتوق الى رضا إمام زمانه عنه (عجل الله فرجه) من المؤمنين والمؤمنات أن يتعرفوا على سيرة أصحاب الامام الحسين (عليه السلام) ويسيروا على نهجهم ويتأسوا بهم . لذا كان من المناسب أن نذكر جملة سماتهم السامية وصفاتهم الجليلة التي مكّنتهم من نيل وسام خير الأنصار من قبل أبي الأحرار الامام الحسين سبط النبي المختار . أهم سمات أصحاب الامام الحسين (عليه السلام) : أولاً : فــي الجانب العبادي : وجدت من يصفهم بكثرة العبادة، إلا أن التركيز على كمّ العبادة بمعزل عن كيفها لا يجدي نفعاً ولا يثمر أثرا مباركا أبداً، والدليل أن بعض الخوارج كانوا من المكثرين للعبادة وتلاوة القرآن الكريم حتى إن منهم من كان حافظاً لكامل كتاب الله (تعالى)، لكن كثرة عبادتهم تلك لم تغنِ عنهم شيئاً؛ لافتقارها الى اليقين والإخلاص. وأما أصحاب الامام الحسين (عليه السلام) فقد كانت من أهم سماتهم اليقين في الاعتقاد والاخلاص في العبادة والتي أهّلتهم ليكونوا خير الأصحاب بشهادة الامام الحسين (عليه السلام). فقد روي أنهم كانوا يصلون ويستغفرون ويدعون طوال ليلة عاشوراء حتى أنهم باتوا ولهم دوي كدوي النحل ما بين راكع وساجد وقائم وقاعد. ومن سماتهم في العبادة أيضاً: أداء الصلاة في وقتها، حتى إن تواجدهم في ساحة المعركة حيث طعن الرماح وضرب السيوف ورمي السهام لم يحُلْ بينهم وبين ذلك، فقد روي عن أبي ثمامة عمرو بن عبداللّه الصائدي ، قال للحسين : يا أبا عبداللّه ! نفسي لك الفداء، إنّي أرى هؤلاء قد اقتربوا منك ! ولا واللّه لا تُقتل حتّى اُقتل دونك إن شاء اللّه، وأحبّ انْ ألقى ربّي وقد صلّيتُ هذه الصلاة التي قد دنا وقتها! فرفع الحسين رأسه، ثمّ قال : ذكرت الصلاة ! جعلك اللّه من المصلّين الذاكرين، نعم، هذا اوّل وقتها. ثمّ قال : سلوهم ان يكفّوا عنا حتّى نصلّي)(1). ثانياً : الاستئناس بلقاء الله (تعالى) عندما يقبل قادة الجيش على حرب ما، فإنهم غالباً ما يُمنُّون أتباعهم بالغنائم والمناصب المهمة وما الى ذلك ، إلا إن الأمر مختلف تماما مع الإمام الحسين (عليه السلام) فقد روي عن الامام زين العابدين (عليه السلام) أنه قال: (لما كانت الليلة التي قتل فيها الحسين عليه السلام في صبيحتها قام في أصحابه فقال (عليه السلام): (إن هؤلاء يريدونني دونكم، ولو قتلوني لم يقبلوا إليكم، فالنجاء النجاء، وأنتم في حل فإنكم إن أصبحتم معي قتلتم كلكم). فقالوا: لا نخذلك، ولا نختار العيش بعدك. فقال عليه السلام: (إنكم تقتلون كلكم حتى لا يفلت منكم واحد). فكان كما قال عليه السلام ) (2) كما روي عن سعيد بن عبد الله الحنفي أنه قال للإمام الحسين (عليه السلام): (لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيك، والله! لو علمت أني أقتل، ثم أُحيى، ثم أحرق، ثم أذرى، يفعل بي ذلك سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة، ثم الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا)(3) وأما زهير بن القين رضي الله عنه فقد كان يجيبه قائلا: (والله! لوددت أني قتلت، ثم نشرت، ثم قتلت حتى أقتل على هذه ألف مرة، وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك)(4) ولم يقفوا موقف التضحية والفداء لأبي عبد الله (عليه السلام) وحسب بل كانوا يرون أن الله (تعالى) قد منَّ عليهم بالإمام الحسين وبالقتل دونه فقد روي عن برير (رضي الله عنه) أنه قال: (يا بن رسول الله، لقد من الله بك علينا أن نقاتل بين يديك فتقطع فيك أعضاؤنا، ثم يكون جدك شفيعنا يوم القيامة)(5) ثالثاً : الوعي والبصيرة : لم يكن هدف أصحاب الامام الحسين (عليه السلام) الدنيا أو المال أو الشهرة أو السلطة أو ما الى ذلك، وإنما خاضوا غمار المعركة وهم يعلمون بأنهم سيقتلون، فقد أطلعهم الامام على مصيره ومصيرهم إذ قال : " إني غداً لمقتول وأنتم جميعاً ستقتلون "فما كان ردهم إلا أن قالوا: "الحمد لله الذي أكرمنا بنصرك، وشرفنا بالقتل معك" (6). مما يدل على أنهم كانوا على درجة عالية من الوعي المتكامل والبصيرة النافذة المتفتحة والرؤية الواضحة للعاقبة التي هم ماضون اليها وليقينهم التام بأنها حسن الخاتمة، فرابطوا مع الامام (عليه السلام) وقاتلوا بين يديه حتى استشهدوا . رابعاً : العلم والتفقّه في الدين: كانت السمة الغالبة على أنصار الامام الحسين (عليه السلام) هي العلم والتفقه في الدين، فقد كان منهم بريراً، الذي قال عنه صاحب كتاب أنصار الحسين : (وصف في المصادر بأنه (سيد القراء) وكان شيخا، تابعيا، ناسكا، قارئا للقرآن، ومن شيوخ القراء في جامع الكوفة) (7) ومنهم حبيب بن مظاهر الاسدي وكان فقيها كبيرا من فقهاء الكوفة. ومنهم مسلم بن عوسجة الاسدي وقد ( كان صحابيا ممن رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وروى عنه)(8) خامساً : الشجاعة والثبات : وأما عن شجاعتهم (رضوان الله عليهم) فلقد وصفهم العدو قبل الصديق بأنهم (أهل البصائر وفرسان المصر). فقد روي أنه (صاح [عمرو بن الحجاج] بأصحابه: أتدرون من تقاتلون؟ تقاتلون فرسان المصر، وأهل البصائر، وقوما مستميتين، لا يبرز إليهم أحد منكم إلا قتلوه على قلتهم، والله! لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم)(9) كما روي عن أحد الأعداء واصفاً أنصار الإمام الحسين (عليه السلام) قائلاً:(عضضت بالجندل، أنك لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا، ثارت علينا عصابة أيديها على مقابض سيوفها، كالأسود الضارية، تحطم الفرسان يمينا وشمالا، تلقي نفسها على الموت، لا تقبل الأمان، ولا ترغب بالمال، ولا يحول حائل بينها وبين المنية أو الاستيلاء على الملك، فلو كففنا عنها رويدا لأتت على نفوس العسكر بحذافيرها، فما كنا فاعلين، لا أم لك)(10) وأما عن ثباتهم فنحن ندعو كلما قرأنا زيارة عاشوراء بأن يثبت الله (تعالى) لنا قدم صدق مع الحسين وأصحاب الحسين (عليهم السلام) .. " اللَّهُمَّ ارزقني شفاعة الحُسين يوم الوُرودِ وثبِّتْ لي قدمَ صدقٍ عندك مع الحُسين وأصحاب الحُسين الذين بذَلوا مُهجهمْ دُونَ الحُسين عليه السلامُ ". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) مع الركب الحسيني ج1 ص183 (2) كلمات الامام الحسين ج1 ص395 (3) أنصار الحسين عليه السلام الثورة والثوار، ص50 ــ 51 (4) المصدر السابق ص51 (5) المصدر نفسه ص57 و58 (6) فاجعة الطف ج1 ص6 (7) أنصار الامام الحسين ج1 ص62 (8) المصدر السابق ص109 (9) أنصار الحسين عليه السلام الثورة والثوار، السيد محمد علي الحلو: ص48 (10) أنصار الحسين عليه السلام الثورة والثوار، السيد محمد علي الحلو: ص50 ــ 51 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 11 شهر
612

الغزو الثقافي وكيفية مواجهته

الثقافة: لغةً: من (ثَقُفَ، ككَرُمَ وفَرِحَ، ثَقْفاً وثَقَفاً وثَقافَةً صارَ حاذِقاً خَفِيفاً فَطِناً)(1) وأما اصطلاحاً: فهو (مجموع المعارف والقيم الحاكمة للسلوك)(2) وللثقافة أهمية بالغة؛ لأنها هي التي تجسد الشخصية الاعتبارية أو المعنوية لأية جماعة من البشر سواء كانت أمة أو مجتمعاً أو ما شابه ذلك، وكلما كان لثقافة أمةٍ ما رصيد تاريخي أكبر، كلما دلّ على أصالة تلك الأمة وصمودها وقدرتها على التطور والتقدم من جهة، وقدرة أبنائها على التفاعل الايجابي معها ومع سائر الثقافات الأخرى من جهة أخرى. كما أن الثقافة وإن كانت جزءً من الحضارة، بمعنى أن كل أمةٍ لها حضارة لابد وأن تكون لها ثقافة، وأن تكون أمةٌ ما لها ثقافة ليس بالضرورة أن تكون لها حضارة، إلا أنه بالرغم من ذلك تمثل الثقافة انعكاساً مؤشراً هاماً على مدى تقدم تلك الأمة أو تخلفها. وبما أن الثقافة عبارة عن قيم ومعارف فهي تتنوع وتتعدد بتنوع وتعدد تلك القيم والمعارف من جهة، ولهذا لا توجد ثقافة عالمية موحدة، كما أنها تتغير بتغير تلك القيم والمعارف من جهةٍ أخرى، ومن هنا كان للاحتكاك بين الأمم وانفعال بعض الأمم بقيم ومعارف الأمم الأخرى دورٌ كبيرافي انتقال الثقافات وتأثر بعضها ببعض، مما أدى إما إلى اضمحلال وتآكل بعض الثقافات كالثقافة اليونانية التي لم تدم أكثر من خمسمائة عام ومن ثم ابتلعتها الثقافات المختلفة الأخرى، أو إلى انتقال وانتشار البعض الآخر كانتقال الثقافة الاسلامية في العصور الوسطى الى الدول الأوربية في حالتي السلم والحرب أيضاً.. فأما في حالة السلم فقد انتشرت الثقافة الاسلامية عبر الاندلس التي أسس فيها المسلمون حضارة عريقة شملت مظاهر الحياة كافة من علوم وفنون وصناعات ومظاهر سلوك، كما كانت ملتقى طلبة العلم والعلماء، لأنها تمثل حلقة الوصل بين الشرق الاسلامي والغرب الاوربي آنذاك، وكان تأثر علماء الغرب الأوربي بالحضارة الاسلامية يومئذٍ جلياً يدل عليه إقبالهم الكبير على الترجمة من العربية الى اللاتينية، إضافةً الى إنشائهم للجامعات على غرار الجامعات العربية. وأما في حالة الحرب فإن (الحروب الصليبية [وإن] انتهت بانتصار المسلمين عسكرياً، إلا أن المسيحيين استطاعوا أن ينتصروا علمياً من خلال الذخائر العلمية التي حصلوا عليها في فترة حربهم مع المسلمين)(3) ولازال للتغير الثقافي بين الأمم أثره البارز على الساحة العالمية حتى الساعة، بل تفاقم حجمه كثيراً عمّا كان عليه في السابق، إذ كان يأخذ وقتاً طويلاً كيما تتأثر به الشعوب وتتبناه، وأما في الوقت الحاضر فقد قصر هذا الوقت كثيراً للانتشار الواسع للإعلام ووسائل التواصل الحديثة التي جعلت من العالم قرية صغيرة. ومن الجدير بالذكر أن التغير الثقافي قد يتأتى من تغيرات ضئيلة في المجتمع، تتسلل إليه عبر الأزياء أو الأغاني أو الأفلام، فإذا تأثر بها من يعتبرهم المجتمع صفوة أو نجوماً كالفنانين والرياضيين والإعلاميين، دفعهم ذلك إلى سلوك جديد أو تغيير في سلوكهم القديم، وعندما يتأثر محبّوهم ومن حولهم من أفراد بهذا السلوك، فإنهم يبادرون إلى تقليده، وفي هذه الحالة إما أن يلاقي رفضاً من المجتمع وخصوصاً من قبل بعض المثقفين الذين يحاولون تحصين ثقافتهم فيندثر، أو أن يلاقي تقبلاً من المجتمع أو غض النظر عنه فيستمر بل ويستقر مضيفاً قيمةً جديدة في ذلك المجتمع أو مغيراً لقيمةٍ فيه. وبذلك يكون هذا السلوك هو المسيطر وسواه هو الشاذ، وهذه القيم الجديدة هي الأساس وعكسها هي الاستثناء، وما إن ينتقل من جيل إلى آخر حتى يتحول إلى جزء من ثقافة ذلك المجتمع. ولعل أكثر من يؤثر في تغيير ثقافات الأمم هم الإعلاميون لأنهم إذا ما تأثروا بأمرٍ أو أرادوا تأثر المجتمع فيه فإنهم بلا شك سيبذلون كل ما في وسعهم من أجل الترويج إليه، لاسيما أنهم يملكون أقوى أداة فعّالة لتحقيق ذلك وهو الإعلام، وقد استغل أعداء الدين الاسلامي هذه الأداة أبشع استغلال خصوصاً أنهم يملكون أقوى إعلام في العالم وبكل أنواعه وأشكاله لاسيما المرئي منه، فقاموا بشنّ هجمةٍ ناعمةٍ على الفكر الديني والثقافة الاسلامية ليعكسوا المعادلة، فتكون ثقافتهم هي الفاعلة والمؤثرة فيما تكون الثقافة الاسلامية هي المنفعلة والمتأثرة.. وتكمن خطورة الغزو الثقافي هذا في البون الشاسع بين الثقافتين، فبينا ثقافتهم قائمة على الانفلات في الحرية والابتعاد عن الدين، في حين أن الثقافة الإسلامية ذات أساس رباني تستمد معارفها وقيمها من القرآن الكريم والسنة النبوية. وفي الوقت الذي تنجذب فيه ثقافتهم إلى الإفراط و التفريط، كالأفراط في العلم والعمل، والإفراط في الاهتمام بالجسد، وفي رعاية المصلحة الفردية التي جسّدها النظام الرأسمالي، وبالمقابل التفريط في الإيمان والعبادة والتفريط في الاهتمام بالروح وفي رعاية المصلحة المجتمعية. في حين أن الثقافة الاسلامية تؤمن بالتوازن بين الإيمان والعلم، والعبادة والعمل، بين الدنيا والآخرة، بين الروح والجسد. وقد جاء غزوهم الثقافي للأمة الاسلامية على خطين أو محورين: الأول منهما مهمته الإساءة إلى الدين الاسلامي وتشويه رموزه المقدسة كخاتم الأنبياء والمرسلين (صلى الله عليه وآله) فضلاً عن تشويه المسلمين أنفسهم وإظهارهم بمظهر العنف والوحشية والقسوة والهمجية، بهدف التثقيف العالمي على نبذ هذا الدين العظيم ومحاولة تقبيح صورة رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وأجلَّه عن ذلك ورفع شأنه)، ووسم الفرد المسلم بسمات الإنسان الإرهابي الشهواني اللئيم. وأما الخط الآخر فكان يهدف إلى تفتيت قيم ومعارف المسلمين أنفسهم وزرع قيم ومعارف أخرى لغرض تمييع الثقافة الاسلامية ومحاولة القضاء عليها وتجريد المسلمين من هويتهم الاسلامية. وقد نجح هذا الغزو الثقافي - للأسف الشديد - إلى حدٍ ما، ومما يدلُ على نجاحه ما نشاهده اليوم من تأثر بعض الشباب بالثقافات المستوردة وكأنهم بين ليلةٍ وضحاها قد مُسِخوا بعد ما انسلخوا عن ثقافتهم الأم، فلم يعد جوهرهم يدل على ثقافتهم الأصل فضلاً عن مظهرهم، فاختلفت طريقة تفكيرهم باختلاف قيمهم ومعارفهم، فبعد أن كان الوقار والهيبة مثلاً رمزاً للرجولة ومقوِّماً من أهم مقوّماتها، أمسى بعض الشباب ولا مانع لديهم من التشبه بالنساء في السلوك والمظهر، وبعد أن كان الستر والحياء رمزاً للأنوثة أضحى الزي الفاضح والتبرج الفاحش علامته الأولى، وقد انعكس ذلك على ظاهرهم، فلم تعد قصّات شعر بعض الشباب كما كانت، ولا زيّهم المعهود سابقاً، وأما الفتيات فتجد بعضهن يتبارين بخلع لباس العفة والتخلي عن رداء الحياء لهثاً وراء الأنوثة التي صمّمتها أفلام هوليود ورسمتها السينما العربية المتأثرة بها!! بالإضافة إلى الغزو الثقافي الذي مارسه الإعلام الغربي ولازال، فقد مارس الأعم الأغلب من الإعلام العربي هو الآخر دور المعول الهدّام في تحطيم ثقافة المجتمع العربي، فلا برامجه تغذّي العقل العربي، ولا أفلامه تحث على القيم العربية إلا ما ندر، ولا مسلسلاته تنمي المعارف الاسلامية، بل على العكس من ذلك كله تسعى جاهدةً إلى ترسيخ القيم الغربية والمبادئ المغلوطة والمقاييس المقلوبة. وقد أسفر كل ذلك عن إصابة الكثير من أفراد المجتمع الاسلامي بانحطاط في الثقافة، وخواء في الجانب العلمي والمعرفي، وتقهقر في الحضارة، واستهانة بالمبادئ والقيم السليمة، وتبديلها بأخرى مستوردة سقيمة، كما أدت إلى التضخم في الاهتمام بأهل الفن والرياضة واتخاذهم قدوات، والانكماش في المجال العلمي والمعرفي والاستخفاف بالعلماء والكفاءات.. ولكل ما تقدم لابد أن تنهض أمتنا الاسلامية نهضة ثقافية قوية لاستعادة أمجاد الماضي حين كانت هي المُصدرة للعلوم والمعارف، وحين كانت حضاراتنا التي سبقتها هي من علّمت العالم القراءة والكتابة. ولانتشال شبابنا الذين هووا في مستنقع الثقافة المادية المنحطة، وليس ذلك بعزيز إذا ما تظافرت جهود صفوة المثقفين، وتكاتفت قوى العلماء الصالحين المصلحين، الذين يتقنون أساس الثقافة الاسلامية الرصين، عبر الوقوف أمام المعارف والقيم الفاسدة التي تصدرها الثقافات الأخرى ومنعها من النمو والانتشار، والترويج للمعارف الحقة وللقيم التي ترتقي بالفرد والمجتمع، وتحويلها من الكتب والعلوم إلى واقع وسلوك، ونشر مضمون الثقافة الاسلامية ومكوناتها من القيم والمعارف، وعدم الاقتصار على سرد الجانب التاريخي منه. ولا يكون ذلك متيسراً ومتاحاً إلا بامتلاك هؤلاء المتقنين لأسس الثقافة الاسلامية للأدوات الفعّالة لذلك كالإعلام بكل أنواعه المرئي والمسموع والمقروء بل وحتى الرقمي منه، وإلا فمن لا حظ له من الثقافة الاسلامية كيف يمكن الاعتماد عليه في نشرها؟! ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) القاموس المحيط ج2 ص361 (2) صناعة الثقافة ج1 ص31 (3) د. علي البيكدلي مقال(دور الحضارة الاسلامية في النهضة الأوربية) مجلة التوحيد، قم، ع77، ص71 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 11 شهر
738

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 11 شهر
1141

مفهوم الجمال عند السيدة زينب (عليها السلام)

تميزت الصديقة الصغرى (سلام الله عليها) بأن لها قلباً جميلاً يرى كل شيء في الحياة جميلاً، وإن كان لا يتناغم مع رغبات النفس البشرية، بل وإن سبَّب لها الألم وجر إليها الحزن والهم طالما كان في سبيل مرضاة الله (تعالى)؛ ولذا فإنها لم ترَ ما حصل في واقعة الطف إلا جميلاً، حيث قالت : " ما رأيت إلا جميلاً "(1) على الرغم من بشاعة تلك الجريمة الكبرى، حيث الرؤوس مشالات على الرماح، والأجساد الطاهرة مطروحة على الارض تذروها الرياح، والأفئدة حرّى والأكباد مفتتة من الظمأ، والماء عليها محرم رغم أن كل ما يملكه الطاهرون قد أمسى للظالمين مباحا! عجباً لقلبك الملكوتي يا سيدتي، كيف رأيتِ كل ما رأيتِ في الطف جميلاً؟ ولأنها هي العالمة غير المعلمة، فلا بد لتفسير كلماتها وفك ألغاز خطاباتها من علماء يفقهون حديثها ويترجمون مغزاها، وهذه بعض كلماتهم: أولاً : قد أوضح السيد الطباطبائي (طيب الله ثراه) ذلك في قوله: "فمن الأفعال ما حسنه دائمي ثابت إذا كان ملاءمته لغاية الاجتماع و غرضه كذلك كالعدل، ومنها ما قبحه كذلك كالظلم" الى أن قال: "و من الأفعال ما يختلف حاله بحسب الأحوال و الأوقات و الأمكنة أو المجتمعات ... و ضرب أمثلة على ذلك إلى أن قال: "وأكل الطعام حسن مباح إذا كان من مال آكله مثلا، و هو بعينه سيئة محرمة إذا كان من مال الغير من غير رضا منه لفقدانه امتثال النهي الوارد عن أكل مال الغير بغير رضاه، أو امتثال الأمر الوارد بالاقتصار على ما أحل الله"(2)، و مما لا شك فيه أن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يخرج بأهل بيته و أصحابه إلا امتثالاً لأمره (عز وجل) و بالتالي فإن كل ما تعرضوا له على قساوة منظر صورته الملكية ، فإنه الغاية في الحسن و الجمال في صورته الملكوتية . ثانياً: ما جرى في واقعة الطف قبيح، وترك الدين بيد الطغاة يحرفونه كيفما يشاؤون قبيح أيضاً، إلا أن ترك الدين يُحرف والشريعة تزيف أقبح مما جرى في الطف، وما جرى في الطف أحسن من تحريف الدين وتزييف الشريعة، فيحكم العقل بالتعرض لواقعة الطف قضاءً لتقديم الأرجح على الراجح، فإن تقديم الراجح على الأرجح قبيح عند العقل(3) ثالثاً: ذكر السيد الطباطبائي (قده) أيضاً: "فإن الحسن موافقة الشيء و ملاءمته للغرض المطلوب و الغاية المقصودة منه "(4) وعندما ننظر الى واقعة كربلاء بهذا المنظار نجد أنها غاية في الحسن والجمال؛ وذلك لأنها وإن أثقِلت بكل ما تحمله من صورٍ تَكْلِم الفؤاد كَلْماً، ويعتصر لها القلب حزناً وألما ، فهي أيضاً أشرقت بقرابين عظيمة لله (تعالى) العظيم، ولشرعه القويم، كان هدفها إعادة الأمة المحمدية الى الصراط المستقيم، الذي شرعت بالانحراف عنه، منذ أن نُحّيَ عن منصبه من كان للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) بمنزلة هارون من الكليم، بيدَ أن مصلحة خاتم الأديان ورعايته من التحريف اقتضت من الله الحكيم أن لا يقوم بالإصلاح في الأمة إلا الذِبح العظيم، الحسين الشهيد الذي وصفه بذلك القرآن الكريم. وعليه فقد وصفت العقيلة زينب (عليها السلام) ما رأته بالجمال وذلك لــ (أن دين الاسلام الخاتم للأديان قد تعرض بسبب انحراف السلطة لخطر التحريف و التشويه، بحيث تضيع معالمه، ولا يتيسر الوصول و التعرف عليه لمن يريد ذلك، كما حصل في الأديان السابقة، وأن الإمام الحسين (عليه أفضل الصلاة والسلام) قد واجه ذلك الخطر، ودفعه بنهضته المقدسة، وما استتبعها من تضحيات جسام)(5). وقد تأكد هذا المعنى أيضاً في زيارة الأربعين للإمام الحسين (عليه السلام) حيث نقرأ فيها: " فأعذرَ في الدُّعاءِ ومنحَ النُّصحَ وبذلَ مُهجتهُ فيك ليستنقذَ عبادكَ من الجهالةِ وحيرةِ الضَّلالةِ "(6) . كما أن قولها (صلوات ربي عليها ): "ما رأيت إلا جميلاً " شهادةٌ لها بأنها قد حازت على أرفع درجات اليقين ؛ لأنه يمثل عين الرضا بقضاء الله (تعالى) و قدره، و قد روي عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) أنه قال: "أعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع، وأعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين، وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا "(7) وعن الإمام الصادق (عليه السلام):"الرضا بمكروه القضاء من أعلى درجات اليقين "(8). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إبن طاووس ، اللهوف في قتلى الطفوف ص67 (2) الطباطبائي ، الميزان في تفسير القرآن ج5 ص10 (3) أنظر : محاضرات في الالهيات للشيخ السبحاني ص170 (4) الطباطبائي ، الميزان في تفسير القرآن ج5 ص10 (5) السيد محمد سعيد الطباطبائي : فاجعة الطف 143 و144 (6) الطوسي : مصباح المتهجد 788 (7) الري شهري : ميزان الحكمة ج4 ص144 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 11 شهر
1116

أنّا حسيني… أنّا احترم الرأي الآخر

من نعم الله (تعالى) على المؤمنين أن رصَّع أيام دهرهم بمناسبات مهمة تمطر على من يتعرض إليها بالخير والبركات ، وربما إليه يُشير ما روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) المؤمنين على ذلك قائلاً: "إن لله في أيام دهركم نفحات ألا فترصدوا لها "(1).. وهذه المناسبات أشبه ما تكون بالمحطات التي تغسل القلوب من الرين ، وتطهر النفوس من الذنوب ، وترفع المطيع في سلم التكامل ، وتزود الروح بالطمأنينة واليقين .. ومن المفترض بالمؤمنين والمؤمنات أن يبذلوا كل ما في وسعهم ليغترفوا من خيرات هذه المناسبات، وأن يُعبؤوا أوقاتهم وجهودهم للتكامل ورفع الدرجات، إلا أن ما يعتصر له القلب ألماً أن تجدهم يتركون كل ما لهذه المناسبات من مميزات تسهم في جذب المؤمنين الى توحيد الكلمة وتدفعهم الى جمع الشمل وتسهل لهم رصّ الصفوف، فيلهثون وراء كل قضية مُختلَف فيها بين الفقهاء، وتتعدد اتجاهها وجهات النظر، هذا فضلاً عن أنها قضية فرعية لا يشكل الاعتقاد بها أو عدمه ضرورة من ضرورات الدين أو المذهب، ويتبارى كل منهم في نزع اعتقاد المقابل بها قسراً ومحاولة تسجيل النصر عبر زج اعتقاده وترسيخه في ذهن غيره رغماً عنه .. فما أن يطل علينا شهر رمضان الكريم حتى ترى بعض المؤمنين متنازعين فيما بينهم يتراشقون الاتهامات بالجهل وعدم الأعلمية على مراجع بعضهم البعض في التقليد بسبب اختلاف الفقهاء في مسألة رؤية الهلال وتقرير بداية الشهر الهجري ، فيتناسون كل ما في هذا الشهر الفضيل من كرم وبركات ويركزون على هذه القضية الجانبية ويحملون لأجلها من الذنوب ما يحملون ، ويرتكبون من المعاصي ما يرتكبون .. وفعالهم هذه تتكرر بل ويزيد بعضهم عليها تبادل الألفاظ البذيئة والأوصاف الرديئة بمجرد أن يطل علينا موسم انتصار الدم على السيف بسبب الاختلاف مثلاً في مسألة التطبير والحكم بمشروعيتها من عدمه وكونها أمراً راجحاً أم مرجوحاً.. ليت شعري .. تجد أغلب المتنازعين ولمدة مديدة يجهل بأوضح الأحكام الشرعية وأيسرها كالتيمم والوضوء، ثم بين ليلة وضحاها يصبح علّامة عصره في مسألة رؤية الهلال أو بمسألة التطبير ! فلمَ نفتقر الى النظرة الايجابية للأمور فلا نرى من هذه المواسم العظيمة البركة الغزيرة الفائدة إلا القضايا الجانبية المختلف عليها والتي لا يشكل الاعتقاد بها وعدمه أثرا معتداً به؟ ونركز عليها أيما تركيز؟! ولِمَ نفتقر الى الدعوة الى ما نعتقد بالتي هي أحسن؟ أم لِمَ نفتقر الى احترام وجهات نظر الغير لا سيما أن هذا الغير هم مراجع الدين، هم نواب الامام (عجل الله فرجه)، وإن الراد عليهم كالراد عليه (عجل الله فرجه) والراد عليه كالراد على الله (تعالى)؟! فليتأمل المتنازعون والمتخاصمون الذين يكيلون الاتهامات لمن يخالفهم في هذه المسائل أي ذنب بأفعالهم الجاهلية يرتكبون وأي جرم عظيم يقترفون! ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) عوالي اللآلي ج1 ص95 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 11 شهر
392

العــدل الإلهي في كلمات السيدة زينب (عليها السلام) (1)

إن من يطالع واقعة الطف أو يسمع بقصتها كاملةً وبما تبعها من أحداث لا يمكن له إلا أن يقف إجلالاً وتقديراً لتلك المرأة المثال في الصبر ، والغاية في الحكمة ، والقمة في الصمود والقوة . وما تلك المواقف التي يُشار اليها بالبنان، إلا حكاية عن تلك القوى العظيمة الخافية عن العيان، نعم، هي قوى الصبر والرضا والتسليم لقضاء الله (تعالى) وقدره النابعة من صدق اليقين وكامل الإيمان . لقد جسدت السيدة زينب (عليها السلام) بسيرتها العطرة جميع الاعتقادات الحقة ، وقد تجلى العدل الإلهي من بين كل تلك الاعتقادات ، كتجلي الشمس في رابعة النهار ، سواء فيما وقفت من مواقف وفيما نطقت من كلمات ، وفيما ألقت من خطابات . ولأن أبرز خطبها (صلوات الله عليها ) كانت لأهل الكوفة ، وفي مجلس ابن زياد ، وفي الشام حيث مجلس يزيد ، فقد ارتأيت أن أدرج تحت كل خطبة ما ورد فيها من كلمات تشير الى العدل الإلهي . أولاً: كلمات العدل فــــي خطبتها مع أهل الكوفة قولها لهم (عليها السلام) : " فلا يستخفنكم المُهل، فإنه (عز وجل) لا يحفزه البدار ، و لا يخاف فوت الثار . كلا إن ربك لبالمرصاد ، فترقبوا أول النحل و آخر صاد "(1). أي : احذروا أن يكون إمهال الله (تعالى) لكم والتأخير في انتقامه منكم لخلفكم في وعدكم للإمام الحسين (عليه السلام) في نصرته سبباً لانتعاش نفوسكم من الفرح ، و لأمان صدوركم من العذاب ، ولاطمئنان قلوبكم من العقاب . فلا التأخير في العقوبة يعني العفو عن الجريمة ، ولا التأجيل في الجزاء يعني عدم ورود الانتقام ، فإن الدنيا دار امتحان وبلاء ، لجميع الناس من الفجار والأتقياء ، وكلٌ منهم سينال عاجلاً أم آجلاً ما يناسب عمله من جزاء . فالإمهال ليس دليلاً على الإهمال ، قال تعالى : « وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43) » (1). و قد ذكرت (سلام الله عليها) سببين من أسباب تأخير العقوبة و عدم الاستعجال بها : الأول : « فإنه لا يحفزه البدار » ، أي إن الله (سبحانه) لا يعجل في الانتقام ؛ لعدم وجود الداعي الى ذلك؛ فهو لا يخشى فوت فرصة وضياعها، كما وصفه الإمام السجاد (عليه السلام) في الدعاء الثامن و الأربعون من الصحيفة السجادية : " وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي حُكْمِكَ ظُلْمٌ، وَلاَ فِي نِقْمَتِكَ عَجَلَةٌ، وَإنَّمَا يَعْجَلُ مَنْ يَخَافُ الْفَوْتَ، وَإنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى الظُّلْمِ الضَّعِيفُ، وَقَدْ تَعَالَيْتَ يَا إلهِي عَنْ ذلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً "(2). كما أنه لا يخشى انفلات المجرم من قبضته التي هي قبضة العدل الإلهي كما نقرأ في دعاء كميل : « ولا يمكن الفرار من حكومتك ». وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : " ولئن أمهل الله الظالم فلن يفوته أخذه وهو له بالمرصاد على مجاز طريقه وبموضع الشجا من مجاز ريقه " (3) بالإضافة الى ذلك فقد يؤجل الله (تعالى) العقوبة لحكمةٍ يراها ( سبحانه ) أو لمصلحة تقتضي ذلك . الثاني : " و لا يخاف فوت الثار " ، فقد ادخر الله الإمام المهدي المنتظر ( عجل الله فرجه ) لينتقم من قتلة الإمام الحسين (عليه السلام) في الدنيا ، وأما في الآخرة فإن لقتلة الإمام الحسين (عليه السلام ) عذاباً شديداً ، فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه واله) أنه قال: " إن قاتل الحسين بن علي (عليهما السلام) في تابوت من نار، عليه نصف عذاب أهل الدنيا، وقد شد يداه ورجلاه بسلاسل من نار، منكس في النار، حتى يقع في قعر جهنم، وله ريح يتعوذ أهل النار إلى ربهم من شدة نتنة، وهو فيها خالد ذائق العذاب الأليم، مع جميع من شايع على قتله، كلما نضجت جلودهم بدل الله (عز وجل) عليهم الجلود "(4). وقولها : " وإن ربك لبالمرصاد " استعارة من آية كريمة، وقد قال عنها صاحب الميزان : " وكونه (تعالى) على المرصاد استعارة تمثيلية شبه فيها حفظه (تعالى) لأعمال عباده بمن يقعد على المرصاد يرقب من يراد رقوبه فيأخذه حين يمر به و هو لا يشعر فالله سبحانه رقيب يرقب أعمال عباده حتى إذا طغوا و أكثروا الفساد أخذهم بأشد العذاب " (5) وفي عبارتها هذه (سلام الله عليها) إشارة الى عدله (سبحانه) لأن حفظه لأعمال العباد إنما هو لأجل أن يثيب المحسن ويعاقب المسيء ،وينصف المظلوم من ظالمه. وقولها (صلوات الله عليها) : " فترقبوا أول النحل وآخر صاد " هو استشهاد منها (عليها السلام) بكلام الله على ما بينت لأهل الكوفة ، فأما أول النحل فقوله (تعالى) : " أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ "(6) وأما آخر صاد فقوله (عز من قائل) : " وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88) " (7) و في كلماتها (سلام الله عليها) على إيجازها إشارة واضحة الى العدل الإلهي ــ كما أوضحنا ــ ؛ و ذلك لأن عدم إهمال جريمة دونما عقاب و لو بعد حين هو من أهم أسس العدل ، بل و ضمّنت كلماتها الموجزة استشهاداً من القرآن الكريم على صحة ما ذهبت إليه كما تقدم . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم : فاجعة الطف ص591 (2) إبراهيم 42و43 (2) الإمام السجاد (ع) : الصحيفة السجادية ص239 (3) الري شهري : ميزان الحكمة ج6 ص41 (4) المصدر السابق ص 88 (5) المجلسي : بحار الأنوار ج44 ص300 (6) الطباطبائي : الميزان في تفسير القرآن ج20 ص281 (7) النحل 1 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 11 شهر
837

العــدل الإلهي في كلمات السيدة زينب (عليها السلام) (2)

ثانياً: فــي خطبتـهـــا فــي مجلـــس الإمـــارة فــي الكوفـــة قولها (سلام الله عليها ) : " ما رأيت إلا جميلاً "(1) إشارة الى أن الجمال يكمن فيما أراده الله (تعالى) وقضاه وقدَّره وإن كان لا يتناغم مع رغبات النفس البشرية ، بل وإن سبَّب لها الألم وجر إليها الحزن والهم. وقد يُقال: كيف يمكن الحكم على واقعة كربلاء وما جرى فيها من جرائم بالقبح تارةً و بالحسن أخرى؟ ألا يعد الحكم على الشيء الواحد تارةً بأنه حسن وأخرى بأنه قبيح تناقضاً؟ وبالتالي لو كان الحسن والقبح عقليين لما اختلفا؟ ولكنه يُجاب: أولاً : إن وصف الأفعال بالحسن والقبح ليس على شاكلة واحدة، وإنما هو على أشكال متنوعة، وقد أوضح السيد الطباطبائي (طيب الله ثراه) ذلك في قوله : "فمن الأفعال ما حسنه دائمي ثابت إذا كان ملاءمته لغاية الاجتماع و غرضه كذلك كالعدل، و منها ما قبحه كذلك كالظلم" الى أن قال : "و من الأفعال ما يختلف حاله بحسب الأحوال و الأوقات و الأمكنة أو المجتمعات... و ضرب أمثلة على ذلك فقال : "و أكل الطعام حسن مباح إذا كان من مال آكله مثلا، و هو بعينه سيئة محرمة إذا كان من مال الغير من غير رضا منه لفقدانه امتثال النهي الوارد عن أكل مال الغير بغير رضاه، أو امتثال الأمر الوارد بالاقتصار على ما أحل الله" (2) و مما لا شك فيه أن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يخرج بأهل بيته و أصحابه إلا امتثالاً لأمره (عز وجل) و بالتالي فإن كل ما تعرضوا له على قساوة منظر صورته الملكية ، فإنه الغاية في الحسن و الجمال في صورته الملكوتية . ثانياً : ذكر السيد الطباطبائي (قده) أيضاً : "إن الحسن موافقة الشيء و ملاءمته للغرض المطلوب و الغاية المقصودة منه " (3) وعندما ننظر الى واقعة كربلاء بهذا المنظار نجد أنها غاية في الحسن والجمال ؛ وذلك لأنها وإن أثقلت بكل ما تحمله من صورٍ تكلم الفؤاد كلماً ، ويعتصر لها القلب حزناً وألما ، فهي أيضاً أشرقت بقرابين عظيمة لله (تعالى) العظيم ، ولشرعه القويم ، كان هدفها إعادة الأمة المحمدية الى الصراط المستقيم ، حيث شرعت بالانحراف عنه منذ أن نُحّيَ عن منصبه مَن كان للرسول الأكرم (صلى الله عليه و آله) بمنزلة هارون من الكليم ، بيدَ أن مصلحة خاتم الأديان ورعايته من التحريف اقتضت من الله الحكيم أن لا يقوم بالإصلاح في الأمة إلا الذِبح العظيم ، الحسين الشهيد الذي وصفه بذلك القرآن الكريم . وعليه، فقد وصفت العقيلة زينب (عليها السلام) ما رأته بالجمال وذلك لــ (أن دين الاسلام الخاتم للأديان قد تعرض بسبب انحراف السلطة لخطر التحريف و التشويه ، بحيث تضيع معالمه ، ولا يتيسر الوصول و التعرف عليه لمن يريد ذلك ، كما حصل في الأديان السابقة ، وأن الإمام الحسين (عليه أفضل الصلاة والسلام) قد واجه ذلك الخطر ، ودفعه بنهضته المقدسة ، وما استتبعها من تضحيات جسام )(4). وقد تأكد هذا المعنى أيضاً في زيارة الأربعين للإمام الحسين (عليه السلام) حيث نقرأ فيها : " فأعذرَ في الدُّعاءِ ومنحَ النُّصحَ وبذلَ مُهجتهُ فيك ليستنقذَ عبادكَ من الجهالةِ وحيرةِ الضَّلالةِ "(5) . ثالثاً : ما جرى في واقعة الطف قبيح ، وترك الدين بيد الطغاة يحرفونه كيفما يشاؤون قبيح أيضاً ، إلا أن ترك الدين يُحرّف والشريعة تُزيّف أقبح مما جرى في الطف ، وما جرى في الطف أحسن من تحريف الدين وتزييف الشريعة ، فيحكم العقل بالتعرض لواقعة الطف قضاءً لتقديم الأرجح على الراجح ، فإن تقديم الراجح على الأرجح قبيح عند العقل(6) كما أن قولها (صلوات ربي عليها ) : " ما رأيت إلا جميلاً " شهادةٌ لها بأنها قد حازت على أرفع درجات اليقين ؛ لأنه يمثل عين الرضا بقضاء الله (تعالى) و قدره ، و قد روي عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) أنه قال : "أعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع، وأعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين، وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا "(7) وعن الإمام الصادق (عليه السلام) : " الرضا بمكروه القضاء من أعلى درجات اليقين "(8). وأما قولها (عليها السلام) : " هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم ، فانظر لمن الفلج يومئذ " (9) فقد جاء رداً على ما كان ابن مرجانة يحاول جاهداً ترسيخه في الأذهان لتبرأة ساحته و من كان معه متوسلاً بتحريف العقيدة الاسلامية -و قد كان و لازال هذا ديدن أغلب من يتخذون من دين الله الحنيف و المذهب الحق الشريف مسنداً لحكمهم- حيث قال : " كيف رأيت صنع الله بأخيك واهل بيتك؟" مُدعياً بسؤاله هذا أن ما وقع في الطف بكل ألوانه الوحشية المختلفة ، وبشتى أشكال الإجرامية المتباينة ، من قتل لصفوة البشرية ، الى تمثيل بالجثث الطاهرة الزكية ، الى رضِّ أضلع النفوس الراضية المرضية ، الى حرق الخيام على من فيها من العيال ، الى نهب التراث وسلب النساء والأطفال ، كل ذلك إنما هو (صنع الله)! وأن الجيش الأموي و من أمرهم بالخروج لم يكونوا إلا أدوات لتنفيذ ذلك الصنع الإلهي ، محاولةً منه لإسباغ الشرعية على الوحشية الأموية ، و تقديم المبرر الديني المشرعن على اقتراف تلك الجريمة النكراء ، و محاولة لتبرأة الوحوش البشرية . وقد وافق ادعاء ابن زياد هذا قول الأشاعرة بالجبر؛ وذلك لأن ادعاءه بأن الجيش الأموي لم يكن سوى أداة نفذت صنع الله هو عين القول الذي قالت به الأشاعرة من أن الانسان مجبرٌ على ما يفعل ، وأن الله (تعالى) كما خلق أعضاء الانسان فقد خلق أفعاله . وقد ثبت خطأ هذه النظرية ؛ لأنها تنسب الظلم إليه (سبحانه وتعالى) و إن لم تصرح بذلك ، و إلا فهل يمثل عقاب المُجبر على المعصية سوى الظلم؟؟ ولذا فقد ردت الحوراء زينب (عليها السلام) عليه قوله ، وهي العالمة غير المعلّمة حيث قالت: "هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم ، فانظر لمن الفلج يومئذ " فأسقطت بذلك نظرية الجبر التي حاول التمسك بها جملة وتفصيلا ، و أكدت أن فعل الانسان إنما هو مزيج من فعل الله (تعالى) و فعل الانسان نفسه ، من خلال عبارتها الموجزة المبنى و العميقة المعنى . فإن الله (عز وجل) قد كتب عليهم القتل أي الجهاد في سبيله و في سبيل إحياء دينه ، وهم (سلام الله عليهم) قد لبوا نداء الله(تعالى) ، و امتثلوا لتكليفهم بإرادتهم ، إلا أن من قتلهم هو أنت يا ابن زياد ولهذا فإن الله سيجمع بينك و بينهم يوم الحساب فتُقدم الحجج و الأدلة التي تدينك يومئذٍ ، و تخاصم من قبل من قتلتهم ، فانظر في ذلك اليوم لمن الفوز والظفر. وبقليل من التأمل نجدها (سلام الله عليها ) قد أشارت في عبارتها الى مسألتين مهمتين في العدل الإلهي وهما : أولاً : تفنيد نظرية الجبر في مسألة القضاء والقدر ، فقد أثبتت (سلام الله عليها ) بأن ابن زياد هو من قتلهم بكامل اختياره و بلا جبر من الله (تعالى) عليه بقرينة قولها : " وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم " و الله عادل بل هو العدل عينه ، و عليه لا يمكن أن يعرض للحساب فضلاً عن العقاب إلا من كان حراً مختاراً في فعله لم يجبره أحد على المعصية . ثانياً : مسألة العدل الجزائي ، أي إن كل إنسان سيجزيه الله (تعالى) بما كسب ، فيثيب المحسن على إحسانه ، ويعاقب العاصي على عصيانه ، و ذلك في قولها : " وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ " . وعلاوة على ما تقدم فقد تضمنت كلماتها تذكير الطاغية بعدم الاغترار بهذا النصر المزيف لأن النصر و الظفر الحقيقي سيكون يومئذ من نصيب الإمام الحسين (عليه السلام) وسائر شهداء الطف . وأما قولها: "واني لأعجب ممن يشتفي بقتل أئمته ، ويعلم انهم منتقمون منه في اخرته" (10) فقد تضمن هو الآخر التأكيد على العدل الجزائي لله (جل وعلا)، لأن كلمة «منتقمون» من مادة الانتقام، وتعني العقوبة والجزاء، وقد يتصور القارئ أنها العقوبة المقترنة بإخماد نار الغضب وتفريغ ما في القلب من انفعال وحب الانتقام كما هو المعنى الوارد في محادثاتنا اليومية في عصرنا الحاضر، إلا أن هذا الأمر لا وجود له في المعنى اللغوي للكلمة. (1) ابن طاووس ، اللهوف في قتلى الطفوف ص67 (2) السيد الطباطبائي ، الميزان في تفسير القرآن ج5 ص10 (3) المصدر السابق (4) السيد محمد سعيد الطباطبائي : فاجعة الطف 143 و144 (5) الطوسي : مصباح المتهجد 788 (6) أنظر محاضرات في الإلهيات : للشيخ السبحاني ص170 (7) الري شهري : ميزان الحكمة ج4 ص144 (8) المصدر السابق (9) إبن طاووس : اللهوف في قتلى الطفوف ص67 (10) المصدر السابق ص 68 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 11 شهر
691