مدونة الكفيل

تعلمتُ مِنْ نقَاء

بقلم: قلم زهرائي حسيني نقاء.. من خيرة الفتيات اللاتي تعرفتُ عليهن وأحسنتُ اختيارهن، فتاة خلوقة ومتديّنة، روحها خضراء وثغرها باسم لا يحكي إلّا الصدق وطيب الكلام، رافقتها طويلًا، وكان هذا رزقًا وتوفيقًا أحمدُ الله تعالى عليه، كنت أراها مخلصةً في العمل مجتهدة في طلب العلم، خدومةً تحبّ الخير ومساعدة الآخرين، إلى جانب ذلك كنتُُ أراها قدوة في تربية النفس وتأديبها بأجمل الآداب، فكانت لا تشارك المغتاب، ولا تشجع على النميمة، وكل من عرفها يشهد لها بذلك... حظيَت نقاء باحترام جميع الفتيات، لأنها كانت تحترمهنّ جميعًا وتحسن إليهن، وكثيرًا ما رأيتُ تأثرهنّ بها وثقتهن برأيها، فكنّ يرجعْن إليها للاستشارة أو النصيحة، وكانت تقابلهن بكل حبّ وترحاب، كنت أعجبُ من طبعها وأتساءل: كيف وصلت إلى هذه المرحلة من حسن الخلق وطيبة النفس ونقاء السريرة؟ فكانت تجيبني بقول الإمام الصادق (صلوات الله تعالى عليه): "إِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ إِذَا وَرِعَ فِي دِينِهِ وَصَدَقَ الْحَدِيثَ وَأَدَّى الْأَمَانَةَ وَحَسُنَ خُلُقُهُ مَعَ النَّاسِ، قِيلَ: هَذَا جَعْفَرِيٌّ، فَيَسُرُّنِي ذَلِكَ وَيَدْخُلُ عَلَيَّ مِنْهُ السُّرُورُ، وَقِيلَ: هَذَا أَدَبُ جَعْفَر" (١). أتذكرها على الدوام... وأحد المواطن التي أتذكرها عنده؛ خطبة النبي الأعظم محمّد (صلى الله عليه وآله)، ولعلّها كانت تقرأها كثيرًا وجاهدت واجتهدت طويلًا لتعمل بما جاء فيها، ليس في شهر رمضان فقط، بل في كل الشهور. فعند قراءَتي لقول النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) "وَتَصَدَّقُوا عَلَى فُقَرَائِكُمْ وَمَسَاكِينِكُمْ" أتذكر كيف أنها كانت تخصص من مصروفها جزءاً وتضعه في محفظة خاصة، وعندما كنتُ أراها وأسألها تجيب: إني أجمع ما أوفقُ لجمعه لأقوم بإهدائه للفقراء والمحتاجين أو أشتري به شيئًا ينفعهم. وكانت تشجع والدتها وتساعدها في إعداد طبق من الطعام وإرساله إلى الجيران وتقول: ما أجمل أن نشارك ا لآخرين طعامنا وإن لم يكونوا من المحتاجين. وعند قوله (صلى الله عليه وآله): "وَوَقِّرُوا كِبَارَكُمْ، وَارْحَمُوا صِغَارَكُمْ" أتذكرها أيضًا، فقد كانت تحترمُ والديها أيّما احترام، فكانت تنهض احترامًا إذا دخلا، وكانت تتأخر في المشي عنهما خطوات، وتحرص على ألا يعلو صوتُها صوتَهما، وكانت تسرُّ بخدمتهما ولا تتململُ من ذلك، ما جعلها ذلك محبوبةً لدى الجميع، وليس عند والديها فقط، وهذا بفضل برها بهما ورضاهما عنها ودعائهما لها... ولم تكن تأمر أحدًا بعمل شخصيّ، وحتى الصغار، فلا تقول لهم: اجلبوا لي هذا أو ذاك، بل كانت تخدم نفسها بنفسها، وتعاملهم بمنتهى اللُطف والمداراة؛ لذا كانت تحظى بحبهم أيضًا، و كنت أمازحها أن: يا نقاء، كأنك الحلوى أينما كنتِ اجتمع حولكِ الأطفال! وفي قوله (صلى الله عليه وآله)" أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ حَسَّنَ مِنْكُمْ فِي هَذَا الشَّهْرِ خُلُقَهُ، كَانَ لَهُ جَوَازًا عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الأَقْدَامُ" أتذكرها كذلك، فقد كانت حريصة على التحلي بمكارم الأخلاق وجميل الطباع، كانت تقول لي: هذه الصفة جميلة وسيفخر بنا نبينا (صلى الله عليه وآله) وعترته وإمام زماننا إن تحلينا بها، وكانت تشجعني على الالتزام بها حتى تصير مَلكة لا تتغير مع تغير الظروف أو تبدل الأحوال. ذات يوم ذهبتُ إليها فرأيتها ترتدي الحجاب والعباءة والجوارب فتعجبت من ذلك وقلتُ: أفي هذا الحرّ الشديد وأنت صائمة! كيف تحتملين ذلك؟! فابتسمت وأخذتني من يدي وقالت: اخفضي صوتك، فلدينا ضيوف وقد اضطررت لمجالستهم مع عائلتي، ولأجل ذلك ارتديت هذه! وذات يوم، وبينما كنت أتجوّل معها في حديقة الجامعة، توقفتُ فجأةً ونظرت إليها وقلت: ها؟ أبشري، كم حبة رملٍ قد أحصيتِ؟ قلت ذلك لأنها كانت تغضُ بصرها كثيرًا وكأن عيونها تراقبان الأرض. لم تكن تقابل الإساءة بالإساءة بل كانت كثيرة العفو والصفح، وعندما كنت أستفهم عن سرّ ذلك تجيبني: لا ينبغي لأتباع آل محمد (صلى الله عليه وآله) أن يحملوا في صدورهم غلًا أو حقدًا، فماذا نخسر إن عفونا وصفحنا؟! ذلك يوجب قرب الله تعالى ورضاه، وإن هذه لمنزلةٌ عظيمة. ذات يوم دخلتُ مصلى الكليّة فوجدتها تجلس بمفردها، وعندما اقتربت منها حسبت أنها شاردة الذهن، ولكنها –وقتها- كانت تذكر الله تعالى بتسبيح السيّدة الزهراء (صلوات الله تعالى عليها)، ولكن لم أكن لأعلم بذلك إلا بعد حين مصادفة لأنها كانت تخفي المسبحة تحت عباءتها! ولعل السبب لئلا يدخلَ شيء من الرياء قلبها. كانت نقاء مصدر الأمان في مجموعتنا، فكُنّا نُسرُّ بوجودها ونحزن لغيابها، لقد كانت مصداقًا لقول سيد الأوصياء (صلوات الله تعالى عليه): «خالطوا الناس مخالطة إن متم معها بكوا عليكم، وإن عشتم حنوا اليكم» (٢). لقد كانت نقاء مثالًا للمرأة الواعية المثقفة، فرغم أننا وإياها كنّا في السنّ نفسه، ولكننا كنّا نتعلم منها وكأنها تكبرنا بسنوات! عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال رسول الله عليه وآله:« قالت الحواريون لعيسى: يا روح الله من نجالس؟ قال من يذكركم الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغبكم في الآخرة عمله» (٣). ونقاء كانت كذلك. ـــــــــــــــــ (١) وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج١٢، ص ٢. (١) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (صلوات الله تعالى عليه)، ج٤، ص٤. (٣) الكافي، الشيخ الكليني، ج١، ص ٣٩.

اخرى
منذ 4 أشهر
290

الأبعاد العقائدية في أدعية السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) دعاء طلب تفريج الهموم والغموم نموذجًا

بقلم: دينا فؤاد الحلقة الثالثة تكملة الأبعاد العقائدية في دعاء طلب تفريج الهموم والغموم 2- الترسيخ الروحي والعقدي لقضية أهل البيت (عليهم السلام): لقد أكدت الزهراء (عليها السلام) على قضية أهل البيت لأهميتها البالغة، فالتوجه إلى الرسول وأهل بيته (عليهم سلام الله أجمعين) ــ الذي هو وسيلة وشرط في التوجه لله عز وجل ــ إنما يكون بالتوجه الروحي والعقدي، ولا يتم هذا التوجه ما لم تكن هناك معرفة واعتقاد بصاحب التوجه، وهذا بدوره يستلزم معرفة ولو إجمالية لهؤلاء النخبة التي انتخبها الله لعباده، وقرن طاعته بطاعتهم، كما في قوله جل وعلا: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}. (47) لقد بيّنت الزهراء (عليها السلام) بأن قضية الرسول وأهل بيته ليست قضية عادية، ومجرد ألفاظ يذكرها المتكلم، بل هي قضية عقائدية بحتة تحتاج إلى نظر وتمحيص، حيث إن نفس التوجه للنبي وآله (صلوات الله عليهم أجمعين) هو شرط زائد على الإيمان بهم، وإن الإيمان مقرون بالمعرفة الحقة لهم، فهم خلفاء الله على أرضه، وبهم يصان الدين، وتقام الشرائع. وإن وجودهم (سلام الله عليهم) هو لطف إلهي على العباد، وهو ما يقربهم إلى الطاعة ويبعدهم عن المعصية، ورفع الظلم والفساد، وإحلال الأمن والأمان. (48) وقد أشارت السيدة فاطمة (عليها السلام) إلى هذه الأمور، في دعائها في عدة مواضع، منها: "أتوسل إليك بحقهم العظيم الذي لا يعلم كنهه سواك"، و"أسألك ...، وبحق محمد وآل محمد"، و"وتسمع محمداً وعلياً وفاطمة ... صوتي فيشفعوا لي إليك وتشفعهم فيِّ"، و"بحق محمد وآل محمد ...يا كريم". 3- التأكيد على السؤال بالأسماء الحسنى والاسم الأعظم: لقد كان هناك تكرار من قبل السيدة الزهراء (عليها السلام) في دعائها للأسماء الحسنى بصورة عامة والاسم الأعظم بصورة خاصة، فقد كررت (سلام الله عليها) لفظ الأسماء والاسم الأعظم (8) مرات، ولا شك في أن يكون هناك قصد من التكرار لأسماء الله تعالى. أن هذا التكرار جاء من أجل بيان أن لهذه الأسماء أسرارًا، فالأسماء الإلهية والاسم الأعظم خاصة لها تأثيرات كونية، ويعد السؤال بها من أهم الوسائط والأسباب التي تنزل الفيض من الذات المتعالية في هذا العالم المشهود (49)، وهذا له دلالة على أن الله سبحانه وتعالى هو الموجد والفاعل لكل شيء، وعلى هذا يجب أن يكون الدعاء والطلب منه وحده لا من غيره، قال تعالى: {أجيبُ دعوة الداعِ إذا دعانِ}. (50) وهناك التفاتة مهمة أرادت الزهراء (سلام الله عليها) بيانها، وهي أن الدعاء بالأسماء الإلهية يحتاج إلى معرفة، فهي ليست مجرد ألفاظ يرددها الداعي بلسانه، بل هي حقائق حاوية لمعان لا يعلمها إلّا أولي العلم، وهم اهل بيت النبوة، المعصومون الأربعة (عليهم الصلاة والسلام)، فقد ورد عن الإمام الباقر(عليه السلام) أنه قال: "ان اسم الله الأعظم على ثلاثة وسبعين حرفاً، وإنما كان عند آصف منها حرف واحد فتكلم به فخسف بالأرض ما بينه وبين سرير بلقيس، ثم تناول السرير يده ثم عادت الأرض كما كانت أسرع من طرفة عين، وعندنا نحن من الاسم اثنان وسبعون حرفاً وحرف عند الله استأثر به في علم الغيب عنده، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم" (52) 4- اعلان الولاية التامة والمطلقة لأهل البيت (عليهم السلام) والبراءة من أعدائهم: معنى الولاية هنا: أن يجعل الإنسان المؤمن أهل البيت (عليهم السلام) هم الذين يتولون جميع أموره، ويواليهم ويقتدي بهم في جميع شؤونه، لأنهم الأئمة المفترضون الطاعة من الخلق، وولايتهم تعني التمسك بالإمامة التي هي إحدى الأركان لأصول الدين. ومعنى البراءة من أعدائهم: أن يتبرأ المؤمن من جميع الذين نصبوا وأعلنوا العداء لهم. وهذان فرعان من فروع الدين، فهما من الضروريات اللازمة للمؤمن، والثابتة له بالأدلة القاطعة في الكتاب والسنة؛ لأنهما يعنيان الاعتقاد بإمامة أهل البيت (عليهم السلام)، والتولي للأئمة والتبري من أعدائهم هو كأي أمر اعتقادي لا يحتاج إلى حضوره أو حياته، بل يحتاج إلى الإيمان بهم بأنهم أئمة، والتولي والتبري وإن كانا من الفروع ولكن أصل معرفتهما من الأصول، فمحبة الأئمة وبغض أعدائهم هي من الأمور الركنية المتوقفة على معرفة نفس الأئمة والتي هي مصداق للولاية. (53) وهذا ما عبرت عنه الزهراء (عليها السلام) من خلال دعائها: "وأسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تفرج عن محمد وآله، وتجعل فرجي مقروناً بفرجهم"، فقد دعت أن يكون فرج العبد مقترن بالفرج لأهل البيت (عليهم السلام)، وهذا يمثل الولاية الحقيقية للأئمة، والاقتداء بهم في جميع شؤونهم. 5- إيقاظ الفطرة السليمة في الناس: عندما خلق الله تعالى الإنسان أوجد في داخله الفطرة السليمة، وهي عبارة عن ذلك الشعور المغروس في النفس البشرية، وبشكل تكويني والذي أوجده في الإنسان هو الله سبحانه (54). وهذه الفطرة عبر عنها الله تعالى في محكم كتابة بالصبغة من خلال قوله: {صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون} 55 وقد بيّن الإمام الصادق (عليه السلام) معنى الفطرة بجوابه حينما سُئل عنها بأنها: التوحيد والإسلام ومعرفة الله سبحانه. (56) لقد أردت فاطمة الزهراء (عليها السلام) أن توقظ من خلال دعائها فطرة الناس التي اندثرت أو تهالكت بسبب غلبة الأهواء والغرائز، وتوجيه الناس نحو عظمة الله الخالق القادر على كل شيء، وأرادت أن تنبه الناس من الغفلة التي قد سكنوا إليها وهم غير منتبهين، بل هم سائرون في طاعة الدنيا، بعيدون عن الله سبحانه. وقد أكدت (عليها السلام) ذلك بقولها: "امسح ما بي يمينك الشافية، وانظر إليِّ بعينك الراحمة، وأدخلني في رحمتك الواسعة، واقبل إليِّ بوجهك الذي إذا أقبلت به على اسير فككته، وعلى ضال هديته، وعلى جائز أديته، وعلى فقير أغنيته، وعلى ضعيف قوّيته، وعلى خائف امنته، ...يا من سدَّ الهواء بالسماء، وكبس الأرض على الماء"، كل هذه الجمل في الحقيقة هي ألطاف لا يقدر على تحقيقها غير الله القادر، هو وحده وليس غيره، فإذا ما تمعن الإنسان بقدرته سبحانه حال عن غيره، والتجأ له، وعبده حق عبادته. الخاتمة وأهم النتائج 1. إن الدعاء هو من أهم العبادات وأشرفها والتي يجب على المؤمن أن يتخلق بها ليتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى. 2. للدعاء أهمية بالغة أقرها الله عز وجل على عباده وجعله الوسيلة لتحقيق مطالبهم. 3. تعتبر السيدة الزهراء (سلام الله عليها) النموذج الكامل والمتكامل ذاتيًا وتربويًا، فهي مجمع للكمالات البشرية، وهي بنة وزوجة وأم للمعصومين (عليهم السلام). 4. إن للزهراء (عليها السلام) دورًا كبيرًا في التبليغ والإرشاد والوعظ للأمة الإسلامية مارسته في بطرق عديدة وأحدها هو الدعاء. 5. تمثل أدعية السيدة الزهراء (عليها السلام) مورداً فكرياً للفرد المؤمن في تحصيل المعرفة الحقة. 6. إن دعاء السيدة فاطمة (سلام الله عليها) ضم في طياته نوعين من الأدعية التي ذكرها القرآن الكريم وهما دعاء الأنبياء ودعاء الصالحين. 7. اشتمال دعاء طلب تفريج الهموم والغموم على العديد من الأبعاد العقائدية التي أرادت الزهراء (عليها السلام) بيانها من خلال هذا الدعاء. 8. إن من النكت الدلالية في هذا الدعاء عقد العزم على التوكل بالله الواحد القادر في كل حاجة ومطلب. 9. افتتاح مستهل الدعاء بكلمة (اللهم) له دلالة على ابداء الخضوع والخشوع لله سبحانه القادر على قضاء الحاجة وتفريج الهموم والغموم. 10. توجيه النداء بدعاء الزهراء (عليها السلام) لله جل وعلا بـ اللهم وبالأسماء الحسنى وبالاسم الأعظم دلالة على تعظيم المدعو من قبل الداعي. 11. أكدت الزهراء (عليها السلام) أن حصول الدعاء والتوجه إلى الله تعالى لابد له من واسطة تتوسط في إجابة الدعاء بين العبد وربه، وهذه الواسطة هم الرسول وأهل بيته (عليهم أفضل الصلاة والسلام). 12. جاء التأكيد من قبل سيدة نساء العالمين بأن حصول التوجه الذي يكون سبباً للإجابة مقرون بمعرفتهم، فلابد من معرفة النخب التي انتخبها الله لعباده معرفة صحيحة ليحصل التوجه الصحيح المؤدي إلى الإجابة. 13. ان اختتام الدعاء بذكر صفة من الصفات الإلهية المهمة وهي الكريم يدل على تأكيد التوكل بالله عز وجل، والعزم على الدعاء الذي يقرب العبد إلى مولاه وتوكيد العلاقة بينهما. والحمد لله رب العالمين. _____________________ 47. سورة النساء، الآية: 59. 48. ينظر، السبحاني، جعفر، محاضرات في الإلهيات، ص347, 49. ينظر، الريشهري، محمد، موسوعة العقائد الإسلامية، ج3، ص467. 50. سورة البقرة، الآية: 186. 51. ينظر، الحيدري، كمال، التوحيد، ج2، ص372. 52. الصفار، محمد بن الحسن، بصائر الدرجات، ج1، ص228. 53. ينظر، بحر العلوم، محمد علي، الإمامة الإلهية، ج1، ص425. 54. ينظر، الخوئي، أبو القاسم، بحوث عقائدية، ص26. 55. سورة البقرة، الآية: 138. 56. ينظر، الكليني، الكافي، ج2، ص12، ح1ــ3.

اخرى
منذ شهرين
392

كرةُ الخطيئة

بقلم: صفاء الندى ها قد أغلني الله من أجلك أيها الإنسان، فلم تخمد نار حقدي على أبيكم آدم الذي بسببه أخرجت من الجنة مذمومًا ذليلًا حتى أفجع مرة أخرى بسلب خاصية الوسوسة مني في هذا الشهر، إذًا ﻷرى ما أنتم فاعلون بدوني! فطوال العام تتحججون بي وترمون خطاياكم علي! هل مثلًا ستصبحون مطيعين لربكم طاعة تامة كالملائكة بلا وسوستي؟! هل ستصلون لمقام الأنبياء والأئمة في هذا الشهر بطهارة نفوسكم وعمق عباداتكم وإخلاصكم؟! هيا أقنعوني أنكم أفضل الآن! من هذا الذي يتحدث وبصلافة -الشيطان!- مه أيها المتكبر العنيد والمطرود الآيس من (رحمة الله) ما لك ولنا، أتستهزئ بنا؟ هل أغاظك أن شملنا الله تعالى بلطفه ورحمته في شهره الكريم؟ أتخشى أن نتحرر من قيودك وخدعك وأمانيك التي هي سراب ما إن نصل إليه يتبدد ويتلاشى لتذوب بعدها قلوبنا حسرة وندامة؟ دعنا وربنا -أخرج منا- إلى متى تظل تسير بخيلاء في عروقنا؟! فلم ينجُ منك حتى الأجنة في بطون أمهاتهم ولا الشيخ الهرم الآيل للسقوط في حفرة النهاية الحتمية من جعلك رقيبًا ومترصدًا وحسيبًا على الإنسان؟ من كلّفك بهذا الأمر المهين؟ من سوّل لك أن تقوم بكل تلك الأفاعيل المشينة؟ هل أنا الإنسان فعلت بك كل هذا وما عسى أن يبلغ قدري وقوة تأثيري وقد خُلقتُ ضعيفا؟ يا إلهنا يا ربنا شكرًا لك... فثنائي عليك متواصلًا أبدًا سرمدًا أن بصرتنا بحالنا وعرفتنا حقيقتنا وأين يقع مكمن الخلل فينا، فشهرك العزيز رمضان بنوره النافذ في جميع نواحينا وجزيئاتنا كشف لنا خواء معاذيرنا وضآلة أرواحنا الساكنة فينا، هل تسمع أيها الشيطان -إنها نفسي ونفسك- هي السبب، هي الجاني الرئيسي! إذًا فلنكف عن رمي كرة الخطيئة المتدحرجة بيننا منذ زمن! فلنعترف أننا سيئون لأننا اخترنا أن نكون كذلك، أنت وأنا فلنتوقف ولنعد إلى رشدنا ووعينا، إنه شهر الله ذو الفضل والنعم الجسيمة، ففيه تتخفف أنت يا إبليس من ذنب الإغواء مكرهًا وصاغرًا بقدرة الله (عز وجل) أما أنا فليتني أستطيع أن لا أعصي ربي هي أمنيتي على الدوام! وهذا الشهر فرصة ومنحة إلهية لكي تتحقق وتصبح واقعًا متجسدًا في أعماقي وليس أحلام يقظة واهية، نعم، ولمَ لا ، فقد كفاني الله القتال على جبهة الشيطان وجعله مسجونًا بعيدًا عني وتركني وحيدًا مع نفسي... أنا عاجز عن شكرك يا رب، لقد عرفت أين مصدر الخير أو الشر إن أردت... لقد عرفت أين يجب أن تكون معركتي ومع من... إنها مع نفسي التي بين جنبي...

اخرى
منذ 3 أشهر
203

لآلئ من نهج البلاغة: الحكمة الثانية (2)

بقلم: يا مهدي أدركني الفصل الثاني: الشكوى (....وَرَضِيَ بِالذُّلِ مَنْ كَشَفَ عَنْ ضُرِّهِ...). بيان معاني المفردات: رضي: وهي مشتقة من الرضا، وهي طيب النفس والقناعة. الذل: هو الانكسار والخضوع، ذل الرجل اي حقِّر الرجل. كشف: اي رفع عنه ما يغطيه. الضُر: وهو الشدة والبلاء وسوء الحال. شرح الحكمة: في هذه الكلمات يحذر أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) عن خصلة أخرى قد تصيب قلوب البعض وتؤدي بالنفس التي كرمها الله تعالى الى الذل والمهانة. مخدوع من يعتقد أن الدنيا دار راحة، وإنما هي دار للبلاء وفيها تمحيص واختبار لعباد الرحمن فمن وقع عليه البلاء وصبر وشكر فله أجر غير ممنون، قال عز من قائل { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} (سورة الزمر: آية 10). ولكن يجب أن نضع بالحسبان أن من أهم خصائص الصبر هو عدم الشكوى وإلا فإن من اشتكى فقد ذهب صبره كذرات رمل هبت عليها ريح عاتية، وهذا يعني أن الصبر والشكوى أمران لا يجتمعان إلا في حالة واحدة ، وهي: فيما إذا كان المشتكى إلى الله تعالى، فهو أمر غير منهي عنه فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم حكاية عن نبيه يعقوب (سلام الله عليه) {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (سورة يوسف: آية 86)، وقد جاء في معنى قوله تعالى (فصبر جميل) هو الصبر الذي لا شكوى فيه، فقد جاء في تفسير البرهان عن الحسين بن سعيد في كتاب التمحيص عن جابر قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ما الصبر الجميل؟ قال: ذلك صبر ليس فيه شكوى لأحد من الناس إن إبراهيم بعث يعقوب الى راهب من الرهبان عابد من العباد في حاجة فلما رآه الراهب حسبه الراهب إبراهيم فوثب اليه فاعتنقه ثم قال: مرحبًا بخليل الرحمن فقال له يعقوب: لست بخليل الرحمن ولكن يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم، قال له الراهب: فما الذي بلغ بك من الكبر؟ قال: الهم والحزن والسقم. قال فما جاز عتبة الباب حتى أوحى الله إليه: يا يعقوب شكوتني الى العباد فخر ساجدًا عند عتبة الباب يقول: رب لا أعود فأوحى الله إليه إني قد غفرت لك فلا تعد إلى مثلها فما شكى شيئًا مما أصابه من نوائب الدنيا إلا أنه قال يومًا: (إنما أشكو بثي وحزني الى الله...) (4). من هنا يتضح أن الشكوى لله لا توجب المذلة، بل بالعكس فإنها تقوّي العلاقة بين العبد وربه تلك العلاقة التي من شأنها ترفع قدر المؤمن وتعزه، وعلى طرف النقيض نجد أن الشكوى لغير الله مذلة. إن من أسباب الشكوى هو اعتقاد الشخص بأنه بعد أن يبث ألمه وما يختلج قلبه من همٍّ فإنه سيرتاح ويخف عنه ذلك الألم -فيما إذا استمع له الآخرون- ولكن أليس من الجدير أن تكون الشكوى لله تعالى؟! وهذا ما أدبنا عليه أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم)، فهناك الكثير من الروايات التي تؤكد على كتم الألم وتحمل المرض وعدم الشكاية، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال (قال الله (عز وجل) أيما عبد ابتليته ببلية فكتم ذلك من عواده ثلاثًا أبدلته لحمًا خيرًا من لحمه ودمًا خيرًا من دمه وبشرًا خيرًا من بشره فإن أبقيته أبقيته ولا ذنب له وان مات مات الى رحمتي) (5). والشكوى مرة تكون لمحب فيتألم لصاحبه مما نزل فيه، ومرة تكون لعدو فيسر ويشمت لما نزل به من ألم وضُر، لذا ينهى أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) من أن يكشف الرجل ما نزل به من ألم فيكون ذليلًا بين الناس، في الوقت الذي لا فائدة ترجى من هذه الشكوى سوى سرور العدو وحزن المحب. الفصل الثالث: في حفظ اللسان (...وَهَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ مَنْ أَمَّرَ عَليْهَا لِسَانَهُ). بيان معاني المفردات: هانت: من الهون أي استخف بالشيء وجعله ذليلًا. أمَّر: اي جعل عليها أميرًا، يقال أمر على القوم اي صار عليهم أميرًا فيجب ان يطاع. شرح الحكمة: نجد في هذه الانتقالة الى المقطع الأخير من هذه الحكمة البلاغة في التعبير، فبعد أن عرج (سلام الله عليه) إلى كشف الضر بالشكوى التي تتحقق بالكلام، ختم قوله بموعظة عن اللسان، تلك الجارحة التي إذا لم يحسن صاحبها ترويضها فإنها تغلبه وتقهره وتجعله أسيرًا لها. إن الله تعالى أنعم على الإنسان نعمًا عظيمة، ومنها نعمة اللسان، تلك النعمة التي إن أحسن استخدامها جنى من ورائها ثوابًا عظيمًا وإن أساء استخدامها كانت سببًا في هوانه وهلاكه. لذا نجد تأكيد أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم) على التفكر مليًا قبل الكلام، وفي حديث عن الإمام الباقر (صلوات الله وسلامه عليه) يقول: "إنما شيعتنا الخرس" (6) وقد قيل (إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب) وقيل أيضًا (خير الكلام ما قل دل). ولعل هذا التأكيد على التزام الصمت والتكلم عند الحاجة فقط يعود إلى أن هناك الكثير من الذنوب التي ترتكب من خلال تلك الجارحة كالغيبة والنميمة والبهتان والافتراء والكذب وشهادة الزور وما إلى ذلك من ذنوب ومعاصٍ تقصم ظهر حاملها، وتؤدي به إلى النار لا محالة، فيما إذا لم يتمكن من ترويض تلك الجارحة ويمسك بزمامها ويجعلها طوعًا له. إن اللسان هو زينة العالم وبهاء العابد، فكن انت أميره وصاحبه، أطلق له العنان في تقديم النصح لإخوانك، وبذل ما تعلمته، فزكاة العلم نشره، فلا تبخل على غيرك به، فتلقى ربك بنفس ممتلئة بتلك المعلومات فتحاسب على عدم بذلها للآخرين، واجعل من عادته –اللسان- شكر المخلوق، فمن لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، وأجعله يلهج بالاستغفار ليرتقي منزلة المناجاة فيجعل من قلبك حرمًا لخالقك، ولكن حذار من أن يكون هو أميرك فتهون عليك نفسك. ختامها مسك: وخير ما نختم به كلامنا قول الله (عز وجل): {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} (7) نجد أن الله تعالى كرّم تلك النفس الإنسانية ونفخ فيها من ذلك المخلوق الذي شرفه الله تعالى ونسبها إلى نفسه فقال (من روحي)، لذا نجد أن أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) اهتم بها وحث على تكريمها وعدم تهوينها ببعض ما تبتلى به من أمراض، فعلى المؤمن أن يكون واعيًا وذا همة عالية في الحفاظ على تلك الأمانة الملكوتية. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير المرسلين أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين. __________________________ 1- جامع السعادات للشيخ النراقي، ج2،ص108. 2- منقول من نفس المصدر السابق. 3- كتاب كلمة الله للشهيد السيد حسن الحسيني الشيرازي: حسن الظن بالله، ص76. 4- تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي: ج11، ص243. 5- المصدرالكافي للشيخ الكليني. جزء 3، ص 115. 6- منقول من كتاب خمسون درسًا في الأخلاق للشيخ عباس القمي عن كتاب الكافي:ج2، ص92، ح2. 7- سورة الحجر: آية (28،29).

اخرى
منذ 3 أشهر
450

خاطرة…

بقلم: كاردينيا ياس الليل ما أطوله... حين... نؤخر شروق شموسنا... فلكلٍ... شموسٌ متعددة... بعضها من الداخل وبعضها مشتركٌ بين الداخل والخارج والبعض... من الخارج فقط... ويبقى العدد قابل للزيادة... المهم... أن لا نَحصر اُفق سمائِنا بشمسٍ قابلة للأفول... لأنها لا تبلّغنا المأمول... وإلّا تكررت خيباتنا... وطالَ ليلنا... أو قد لا يكونَ بعده صباح!

اخرى
منذ 3 أشهر
241

خاطرة

بقلم: كاردينيا ياس لا تذهب... يا شهر الخير لا تذهب وهل لي الخيرة في ذلك! أنتم لكم الخيرة... أترافقونني من شهر إلى شهر؟ ولكل شهر توفيقاته... فالخير لا يتوقف بشهر... كما إن كل الأشهر هي من حركة الكواكب وأمرها بيد خالقها! ها قد ذقتم حلاوة الحب و القرب... أروني ماذا عساكم تفعلون، بعد التذوّق! "مَن ذا الذي ذاقَ حلاوة محبتكِ، فرامَ منكَ بدلا؟ ومَن ذا الذي أنِسَ بقربكَ، فابتغى عنكَ حِولا؟"

اخرى
منذ 3 أشهر
173

لماذا سُمي عيد الغدير بعيد الله الاكبر؟

بقلم: زينب راضي الزيني ١- عيَّدَ (فعل) -عيدَ -يُعيد- تعييدًا فهو مُعِيّد عَيّدَ: شهد العيد واحتفل به. ٢- عِيْد (اسم) جمع أعياد هو كل يوم يحتفل فيه بذكرى حادثة عزيزة أو دينية وسُمي العيد عيدًا لأنه يعود ويتكرر في كل عام، وقيل: بسبب عوده على المسلم بالفرحِ والسرور بعد الطاعةِ التي أداها للخالق (عز وجل). والعيد هو مناسبةٌ دينيةٌ سعيدة تدخل البهجة على قلوب المسلمين وهما عيدان، عيد الفطر المبارك وعيد الاضحى، وترتبط أعياد المسلمين بالعبادة حيث ُ إن العيد في الحقيقةِ هو شكر بعد إتمام أركان الإسلام. فعيد الفطر المبارك يأتي بعد اتمام المسلم نعمة الصيام، والصيام جزء من الدين وليس الدين بأكمله، والله سبحانه وتعالى يعود على المسلمين بمنه وإحسانه وفضله ومن إحسانه الذي يعود به على العباد هو الفطر بعد الامتناع عن الطعام ويبدأ به الإفطار للصائمين والامتناع عن كل الملذات الدنيوية التي تبعد الانسان عن دينه كغض البصر والنميمة والمحرمات وغيرها من الامور التي يجب انْ يمتنع َعنها المسلم في كل الايام وليس في شهر رمضان فحسب، ودفع زكاة الفطر لذا سُمي عيد الفطر بهذه التسمية. ويأتي عيد الأضحى المبارك بعد إتمام فريضة الحج في مكة المكرمة وبعد وقوف الحجاج على صعيد عرفة، وانّ الحج جزء من الدين وليس كل الدين، كما أن العيد هو ضيافة الرحمن لعباده الذين يظهرون الحب والشكر والطاعة والصلة بالله تبارك وتعالى، وسُمي بعيد الأضحى لأنه يضحي به الحجاج فيه بذبح الهدي ويُذكر عيد الأضحى المسلمين بقصة سيدنا إبراهيم (عليه السلام) عندما أراد أن يذبحَ ابنه أسماعيل عليه السلام امتثالاً لأمر الله الذي جاءه في الرؤيا وعندها همّ سيدنا إبراهيم (عليه السلام) بذلك فداه الله بكبش كبير وعليه يضحي المسلمون في كل عيد أضحى بإحدى الأنعام من البقر أو الضأن او الإبل ويوزعون ثلث لحومها –لزوماً- على الفقراء والمحتاجين اقتداءً بسيدنا إبراهيم (عليه السلام). عيد الغدير عيد الله الأكبر بعدما فرغ رسول الله من أداء مناسك الحج وانصرف المسلمون كل إلى مقصده وكان آخر نقطه تجمعهم جميعا هي منطقة غدير خم... أوقفهم النبي (صلى الله عليه وآله) في تلك البقعة من الأرض وكان ذلك صبيحة اليوم الثّامن عشر من ذي الحجّة حيث نزل إليه الأمين جبرئيل مبلغاً إيّاه بقول الحق جل وعلا : ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾، (١) وأمره أن يقيم علي بن ابي طالب عليه السلام علماً ووليا من بعده للنّاس ويبلّغهم ما نزل فيه من الولاية وفرض الطّاعة على كلّ أحدٍ، وكان أوائل القوم قريباً من الجحفة، فأمر رسول الله أن يردّ مَن تقدّم منهم ويحبس مَن تأخّر عنهم في ذلك المكان، حتّى نودي بصّلاة الظهر فصلّى رسول الله بالنّاس وكان يومًا هاجرًا يضع الرّجل بعض ردائه على رأسه، وبعضه تحت قدميه من شدّة الرّمضاء، فلمّا انصرف (صلّى الله عليه وآله) من صلاته قام خطيبًا بالمسلمين وأمرهم ان يجمعوا اقتاب الإبل وصعد عليها حيث يسمعه ويراه الجميع. وبدأ بتنفيذ أمر الإله وخطب بالناس وذكرهم بجهوده وتضحياته وآنه عن قريب يدعى فيجاب وآنه مخلف فيهم ثقلين وأنهم مسؤولون عنهما أمام الله تبارك وتعالى وهما كتاب الله والعترة: (اني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي اهل بيتي) ولقد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض... وسأل المسلمين جميعهم من أولى بالمؤمنين من أنفسهم فقالوا الله ورسوله فقام الرسول (صلى الله عليه وآله) حينها أخذ علياً وأمسك يده ورفعها حتى بان بياض ابطيهما وقال مرددا: (من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم والي من ولاه وعادي من عاداه... وأعادها ثلاثا ... وقال: فليبلغ الشاهد منكم الغائب... وأمر بخيمة نصبت وجلس بداخلها الإمام علي (عليه السلام) وأمر جميع من حضر أن يدخل عليه ويسلم بإمرة المؤمنين، حتى النساء دخلن وبايعن أمير المؤمنين (عليه السلام)... وما انصرف الناس من غدير خم إلّا وكلهم قد بايع عليا بإمرة المؤمنين بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله). وبعدها نزلت الآية (اليومَ اكملتُ لكمْ دينكمْ واتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكمْ الإسلام َدينا) (٢) وهذا يعني أنّ الدين اكتمل تبليغه بإعلان ولاية علي على جميع المسلمين... وكما قلنا سُمي عيد الله الأكبر لان في هذا اليوم المبارك نزلت الآية المباركة "اليومَ اكملتُ لكم ْدِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عليكم ْ نعمتي ورضيت ُ لكم الإسلام َ ديناً". ففي هذا اليوم اكتمل الدين وتمت به النعمة وأيضا اكتمل به الإيمان. إذن فالولاية هي كمال الايمان كما قال الرسول (صلى الله عليه وآله) بحق أمير المؤمنين في معركة الخندق: "برزَ الأيمانُ كلُّه الى الشركِ كلِّه". وسُمي عيد الله الأكبر أيضاً لأنّ كل الأعياد يحتفلُ فيها المنافقُ والمسلم إلا عيد الغدير فلا يحتفل بها إلا المؤمن تأكيداً لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله):"لا يُحبك يا علي إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق". _________________ (١)سورة المائدة (٦٧) (٢)سورة المائدة (٣)

اخرى
منذ 4 أسابيع
200

حقدُ الأصدقاء

بقلم: أم سيد محمد حسين/ علوية الحسيني الحقدُ والصداقةُ الحقيقيةُ أمران مُتناقضان فيما لو كانَ الشخص نقيًّا يعكس صفاء ظاهره. فَـالحقدُ مرضٌ يصيبُ القلبَ يحدثُ بسبب خُبث النفس، وبُغضها الخير للآخرين، وَقد يكون نتيجة تحصيل أذى منهم فيغتاظ القلب ويترسخُ الحقدُ فيه. أما الصداقةُ فهي مظلةٌ يحتمي تحتَ قُبتها الذين مَنَّ الله تعالى عليهم بتوحدِ القلوب، وهي شعورٌ جميل لا يمكن لأحدٍ أن يُنكر قدسيته. لكن ماذا لو اجتمعَ الاثنان معًا: الحقدُ والصداقة؟! حَسب اعتقادي أنهُ غير مُمكن إلاّ إذا كانت الصداقةُ مزيفة؛ فالصديقُ الحقيقي يُحبك في الله تعالى، يؤثركَ على نفسهِ ويتمنى لكَ الخير، ففي زمنِ الجحودِ الذي نَعيشهُ الآن هناك الكثير من العلاقاتِ التي تقعُ تحت مسمى الصداقة، فَيبدو الشخص في ظاهرهِ هو ذلك الصديق الوفي، وفي باطنهِ هو أولُ من يُكنُّ لكَ الحقد والحسد! تجدهُ يسايركَ في أمورِك العامةِ والخاصةِ، ولكن في حقيقة الأمر أنه حالما تعتريكَ السعادة تراهُ قد خيّم عليهِ الحزن، يرشيكَ بابتسامات مزيفةٍ، وَيبتعدُ عنكَ محاولاً اخفاء ما يكنّهُ قلبه من حقدٍ. وما أن يعتريكَ الحزن تراهُ أول الحضور يجاهدُ في معرفةِ الأسباب التي أدّت بكَ إلى ذلك، ليس حبًا بك، وإنما ليُبرد غليلَ قلبه ويشهد على ضعفِكَ، فَـتُبانُ عليهِ ملامحِ الانتصار، حتى يهيئ الله تعالى لكَ الموقف المناسب ليصفعكَ الواقع، فتجدُ ذلك الصديقَ الذي تَودهُ المُتصف بحلاوةِ اللسان الإنسان الناصح لك الذي تقصدهُ في السراءِ والضراءِ، في الراحةِ وعند الحاجة، هو ذاتهُ الذي يلتهبُ قلبه حقدًا عليكَ، يتربصُ بك كالثعلب، ويرمي بسمّهِ كالأفعى، وينسجُ كالعنكبوتِ شباكًا للإيقاعِ بك. قد يكون السببُ في ذلك هي الغيرة التي تنمو مع الأيامِ لتتفحل على شكلِ مرض مُزمِن، أو فقدان الاتزان على عتلةِ الثقة نتيجةِ لثقلِ صورتك في ناظرهِ، وقد يكون الحقدُ بين الإناث أكثر منهُ عند الذكور، حتى ولو كانت الصداقةُ لا تشوبها شائبة في بادئ الأمر، ولكنها مع الأيامِ تتلوثُ لما تشهدهُ النفس من مقارنات؛ نتيجةَ الشكل والمظهر، أو النجاح وكثرة الأصدقاء المحيطين، خاصة في الوسطِ الدراسي. فأصبح الحذرُ واجبًا؛ حيثُ الصداقة الحقيقية عملةٌ نادرة، وغالبًا ما يتخللُها مصالحُ شخصية، ومجاملات وأحقاد في زمنٍ أصبحت فيهِ الحياة تربةً خصبة لهكذا أمور. ولو رجعنا إلى الثقلين لوجدنا أنّهما رسما للعبد القواعد الكلّية لاختيار الصديق، وبيان حقوقه والتزاماته، وكيفية التعامل معه حال احسانه أو اساءته. *ففي القرآن الكريم نجد قواعد عديدة، من أهمها: 1/ أنّ الله تعالى قدّس الصداقة فأطلق عليها تسميات عديدة، منها، الخليل، وأعطى للصديق منزلة الشفاعة إن كان الصديق من الأتقياء الصالحين؛ بدليل قوله تعالى: { الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِين} (1). وبالتالي من كان حقده دفينًا، وصداقته مزيفة لن يكون من المتقين، فلا منزلة الشفاعة تُعطى له، ولا رضا ربّه ناله. 2/ أنّ الله تعالى أطلق على الصديق المرافق اسم الصاحب في بعض آياته، والصاحب على درجاتٍ ثلاث: - صاحبٌ في الجنة، بدليل قوله تعالى: { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّة}(2). - صاحبٌ في الأعراف، بدليل قوله تعالى: {وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُم}(3). - صاحبٌ في النار، بدليل قوله تعالى: { وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّار}(4). وبالتالي فالصديق الذي كان الحقد ملازمه، مُكنًّا العداء لمن صادقه، حتمًا أنّه متعدٍ على حدود ربّه، تلك الحدود الناطق بها الكتاب المبين الذي يزعم أنّه يؤمن به، فلا يبعد أن تكون النار مصيره، بل وإن نالته شفاعة غيره فليس ذلك بعد استعاره في النار عدلاً من الله تعالى كعقوبةً له. *وفي روايات أهل البيت (عليهم السلام) نجد أيضًا قواعد عديدة، نأخذ ما روي عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، وأهمها: 1/ التأكيد على أنّ الصداقة لابد أن تكون في ذات الله تعالى: روي عنه (عليه السلام) أنه قال: "فساد الأخلاق بمعاشرة السفهاء، وصلاح الأخلاق بمنافسة العقلاء، والخلق أشكال فكل يعمل على شاكلته، والناس إخوان، فمن كانت اخوته في غير ذات الله فإنها تحوز عداوة، وذلك قوله تعالى: * (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين)"(5). وبالتالي فإنّ الصديق الذي يكنّ الحقد لصديقه لا تكون صداقته في ذات الله تعالى، بل هي صداقة مصلحةٍ، أو تقضية وقتٍ، أو ما شابه ذلك من غاياتٍ دنيوية. 2/ بيان معالم الصداقة أن تكون كالجسد الواحد: روي عنه (عليه السلام) أنّه قال: "الأصدقاء نفس واحدة في جسوم متفرقة" (6). وبالتالي لو كان الصديقان كالنفس الواحدة لما تحاسدا، ولما تحاقدا، ولما تكبرا على بعضهما البعض، فيظهر أنّ تلك الصداقة وهمية، لا قداسة لها. 3/ التأكيد على اختيار الصديق حتى لا يحصل أي مجال للتشكّي منه فيما بعد: روي عنه (عليه السلام): "مَنِ اتَّخَذَ أخاً مِن غَيرِ اختِبارٍ ألجَأَهُ الاِضطِرارُ إلى مُرافَقَةِ الأَشرار" (7) وبيّن (عليه السلام) كيفية الاختبار في مضامين أحاديث مروية عنه، منها: عند الشدة، والغضب، والسفر. وبالتالي فمن لم يختبر صديقه حتمًا أنّه سيكون صريع الصدمة بحقده، وضغينته، وغشه، وخداعه. ____________ (1) الزخرف: 67. (2) البقرة: 82. (3) الأعراف: 48. (4) الأعراف: 36. (5) البحار: 78 / 92 / 100، ص 82 / 78. (6) غرر الحكم: 674، 1669، 8760، 2059. اللّهُمَّ َسَدِّدْنِي لأنْ أعَارِضَ مَنْ غَشَّنِي بِالنُّصْحِ، وَأَجْزِيَ مَنْ هَجَرَنِي بِالْبِرِّ وَاُثِيبَ مَنْ حَرَمَنِي بِالْبَذْلِ وَاُكَافِيَ مَنْ قَطَعَنِي بِالصِّلَةِ واُخَالِفَ مَنِ اغْتَابَنِي إلَى حُسْنِ الذِّكْرِ، وَأَنْ أَشْكرَ الْحَسَنَةَ وَاُغْضِيَ عَنِ السَّيِّئَةِ.

اخرى
منذ أسبوعين
171

رسائل من الطف

لماذا البعض يتغافل عن المرضى والمحتاجين طوال عام كامل؟ فإذا حل المحرم بادر بالتظلم لأجلهم، ذامًا بعض محبي الامام الحسين (عليه السلام)! وكلتا عينيه على الطعام الذي يقومون بتوزيعه على حبه (عليه السلام)… ألا يُعد ذلك ضربًا من الازدواجية؟!

اخرى
منذ أسبوعين
129

خاطرة

مكروه السواد... فالمسافة بينه وبين الحب عتمة... ولكن، كان الحسين (عليه السلام) حبّاً وجرحاً فتوشح كل شيء بالسواد… بل توشح الحب سوادًا…

اخرى
منذ أسبوعين
74

رسائل من الطف

بوركت .... لأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر... لا اشك أنك لا تريد بذلك إلا الإصلاح ولكن… ألا تلمس معي أن لسع سياط لسانك قد جاء بمردود معاكس!

اخرى
منذ أسبوعين
86

رسائل من الطف

لماذا نبكي الحسين عليه السلام؟! فالدمع وسيلة. فعلًا ألا نبكي على أنفسنا عندما نتألم!

اخرى
منذ أسبوعين
134