عمائم شرف/ ح ٦ (الشيخ مصطفى الحلفي)

بقلم: غدير خم حميد عراق وفي الترب عطر انتصار *** برغم اللئام وجور الزمن عدوٌ أتاه فهبت الوفٌ *** تحامي وقامت بوجه المحن هو الحشد لبى لفتوى الجهاد *** فكانت دروب بهم تفتتن ومن حوزة العلم جاءت مئات *** تدافع عن ارض هذا الوطن عمائمُ شرفٍ تداوي الجراح *** وكانت لحزن البلاد سكن من عمائم الشرف المباركة التي ضحت في سبيل العراق وأهله ومقدساته الشهيد السعيد (الشيخ مصطفى فاروق مهدي الحلفي)، الشهيد ولد في صيف عام١٩٨٥م بتاريخ ٦-٦ في قضاء شط العرب -التنومة- في مدينة البصرة، كان منذ طفولته متميزًا بالخلق والوعي وذلك بفضل والديه المؤمنين الموالين الذَين سعيا الى تربيته تربية صالحة على منهج آل البيت (عليهم السلام)، درس الابتدائية والمتوسطة ثم التحق بإعدادية الصناعة التي بتخرجه منها انتهى مشواره الأكاديمي لينتقل إلى دراسة العلوم الدينية التي كان مولعًا بها منذ الصغر فقضى في صفوفها قرابة سبع سنوات، ولم تقتصر معارفه على التحصيل الأكاديمي أو الديني فقط بل كان واسع المعرفة محبًا للاطلاع على العلوم والثقافات المتنوعة... كان حسن الخلق متواضعًا محبًا للخير ساعيًا في اصلاح ذات البين ومساعدة المحتاجين، كما كان للجهاد والشهادة ولع خاص لديه، فسعى منذ صباه في إعداد نفسه ليكون مضحيًا مستعدًا لنصرة الدين والوطن، لذا وبمجرد انطلاق الفتوى المقدسة بالجهاد الكفائي التحق بصفوف المدافعين، فكان مقدامًا متقدمًا على غيره إذ كان رفاقه يخشون عليه لمدى المواقف الخطرة التي يقع فيها… شارك بتحرير العديد من المناطق منها: سامراء وبلد والفلوجة والرمادي، إذ تعرض في الأخيرة إلى إصابات عدة في جسده تاركة عليه العديد من الشظايا، لكنه وبحبه للجهاد وإبائه كان يعود الى ساحات القتال بمجرد شفاء جراحاته، قبيل موعد استشهاده بيوم كان وكأنه يحس باقتراب ما يتمناه طوال عمره فاتصل بأهله وأخذ يسلم عليهم واحدًا واحدًا ويودعهم، ويطلب منهم الدعاء، ويقول لهم أن لا يبكوا عليه إذا أتوا به شهيدًا، وفي اليوم التالي في منطقة الصقلاوية وأثناء المعركة، جاءتهم سيارة مفخخة يقودها انتحاري من الدواعش المجرمين، ففجر نفسه وسط مجاهدي الحشد الشعبي مخلفًا ستة من الشهداء كان الشيخ مصطفى من بينهم، فاستشهد يوم الجمعة ٣-٦-٢٠١٦م، فالسلام عليك يا مصطفى بما اصطفاك الله للجهاد والشهادة ودراسة علوم الدين، والسلام عليك يوم استشهدت ورحلت بثياب شهادتك الى ربك ورحمة الله تعالى وبركاته.

اخرى
منذ 4 أشهر
345

زوجة الشهيد... مدرسة الأجيال

بقلم: محمود المسعودي حرفان ممتلئان بالحب والأمان والاطمئنان، هكذا تعني كلمة -أب-، والحرمان منه معناه انكسار، ضياع في مهبّ ريحٍ قد لا ترحم الأيتام. ضياع من كان يسعى لإنارة طريقهم نحو بناء مستقبل مشرق لهم، شكّل لهم فجوة كبيرة فارغة، تتسبب بزعزعة كيان العائلة، أقسى التجارب إيلامًا عليهم، تجعلهم يشعرون بالضعف والوحدة وفقدان الاستقرار. وكلما كان الطفل صغيرًا زادت وطأة تلك الرزية، معاناة فقدان الوالد عن أسرته يعني أنّ المسؤولية تنتقل إلى تلك الزوجة التي ربما يكون على كاهلها أسرة كبيرة وأطفال يحتاجون إلى رعاية أبيهم، فتكون الزوجة مجبرة على أن توفر ولو جزءًا بسيطًا من تلك الرعاية، إضافة إلى حنانها كأم. هكذا هي معاناة زوجة الشهيد في العراق بعدما مر بظروف رهيبة وخرج من عنق الزجاجة، بتضحيات الأبطال من كل الفئات والجهات، فقدم الكثير من الشهداء الذي خلفوا أزواجًا وأطفالًا ليتركوا مهمة الحياة لهم، فأراد الله تعالى أن يكون لهن هذا، فمن جهاد أزواجهن ثم جهادهن في توفير الحياة لأطفالهم وإيصالهم إلى أعلى مراتب العلم. لم يكن مشهدًا غريبًا على نساء العراق أن يستشهد زوجها ويترك لها المسؤولية، فقد شهدن فيما مضى أزواج شهداء النظام المقبور، كيف كافحن مصاعب الحياة، استطعن أن يُربِّين جيلًا واعيًا قادرًا على حمل المسؤولية، وها هو اليوم يحملها من خلال استجابة الكثير منهم لنداء المرجعية الدينية العليا، ليقدم نفسه فداءً لأجل حفظ دينه ومقدساته وأرضه، تحمل شرف المسؤولية والجهاد. زوجات الشهداء اليوم أمام تحدٍ كبير، وهن قادرات على ذلك، وسيشهد العدو قبل الصديق بكفاحهن وصبرهن على الحياة، حيث نسمع ونرى أبناء الشهداء متفوقين دراسيًا، وهذا لم يأتِ من فراغ، بل إن هناك جهدًا كبيرًا تبذله أمهاتهم اللواتي مثّلْنَ دور الأب بنجاح وتفوق، وما زال الطريق طويلًا لمواصلة ما كان يسعى إليه أزواجهن في تنشئة جيل قادر على بناء البلد. فعلى الجهات المسؤولة ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الدينية أن توفر احتياجات عوائل الشهداء لرفع الكاهل عن الزوجة وحماية الأطفال كما حمى آباؤهم العراق من دنس الإرهاب التكفيري، ولا يمكن لقائل كلمة حق أن ينكر الرعاية الأبوية من مرجعيتنا الدينية العليا واهتمامها باحتضان أكبر عدد ممكن من عوائل وأيتام الشهداء، وهذا من حرصها على عدم ضياعهم، وبناء جيل ناجح لا تزعزعه عواصف ضعفاء النفوس، ويبقى كل ما يقدم لهم إنما يمثل جزءًا قليلًا من حق إيفاء تلك الدماء التي نزفت وتساقطت على رمضاء الوطن.

اخرى
منذ 4 أشهر
507

يوميات علي وزهراء (مولود مبارك)

بقلم: قلم زهرائي حسيني زهراء: في زاوية من دارنا المتواضع يوجد المكان الأحبّ لقلبينا "المُصلىٰ" هو محل العبادة والمناجاة والخُطط والمناقشات، أمّا عن وصفه فجدرانه مَطلية بلون أبيض ومزيّنة بزخارف أنيقة لونها كأوراق نبات الياس، على أحد رفوفه وُضِع القرآن الكريم، وقد تعاهدنا على أن لا يمر يوم دون أن يقرأ فيه كلانا أو أحدنا نيابة عن الآخر، وعلى الثاني الرسالة العملية وكتاب مفاتيح الجنان، وبعض الكتب العقائدية والأخلاقية والقصصية الهادفة، على طاولة صغيرة تقف قارورة عطر فوّاح توزع شذاها هنا وهناك، أعلاها مَتربة تحمل منافستها في العطر الأجمل والمنتصرة عليها دائما: تُربة كربلاء ومسبحتين منها. في كلّ فجر حيث النسمات العذبة وهمهمات علي يقرأ مناجاة المُريدين أسند ظهري إلى أحد جدران المصلىٰ لأتحدث إلى نرجستي... ابنتي الحبيبة ستولدين بإذن اللّه تعالىٰ بعد أيام قليلة.. ما أشوقني لرؤيتكِ.. زهرتي التي سقيتها كلّ صباح بآيات من الذكر الحكيم وكل مساء بزيارة آل ياسين، أتساءل: تُرى كيف سيكون تأثير لقمة الحلال عليكِ؟ فأنا لم أكن أتناول إلا الحلال الطيّب، بل حتى أنّي امتنعت عن الأكلات المشبوهة والمُصنّعة، واهتممت بتغذيتي كثيرًا ماديًا ومعنويًا، واثقة أنه سيكون واضحًا وكبيرًا، وأحبّ أن أطمئنكِ بنيتي سوف لن أطعمكِ إلّا وأنا على وضوء. وكيف سيكون شكلُكِ يا ترى؟ لا شكّ أنّكِ ستكونين جميلة وتّامة الخلقة فكم دفعتُ ووالدكِ الصدقات لأجل سلامتكِ. علي: زهراء، لمَ أنتِ شاردة الذهن؟ هل أكملتِ تعقيباتك؟ زهراء: نعم.. كنتُ أتحدث مع سَميّة أمّ إمام الزمان. علي: فداها أبوها.. قرّة عيني. زهراء: بسم الله عليك.. قرّة عينك؟ علي: نعم، وكيف لا تكون ذلك وأنتِ أمّها الخلوقة المؤمنة؟! زهراء: سلمتَ يا عزيزي علي: لفت انتباهي تساؤلكِ عن "قرة العين" وهذه أمنية كل أب وأم صالحين؛ أن تكون ذريتهم قرة عين لهم، أن تكون على هدى ورشاد متخلقة بأجمل الأخلاق وأرقاها.. أتعلمين يا زهراء؟ زهراء: ماذا؟ تفضل وأخبرني.. علي: أنا أتمنى أن تكون ذريتنا مباركة، بحيث تكون مصداقًا لقوله تعالى «وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا» وقد قرأت في حياة الأنبياء والأئمة (عليهم السّلام) والعلماء ما أبهرني عمله وأعجبني أثره فأحببت تطبيقه، كنت كلما دعوت وطلبت زوجة صالحة طلبت ذرية تكون كذلك ووعدت أن أحرص على أن تكون تربيتها على أتم وجه. وأنتِ لي نعم العون على طاعة اللّه تعالىٰ و تنفيذ ذلك الوعد. زهراء: بإذنه تعالى، وهل هنالك أسعد من هذا لقلبي؟ تفضل أكمل. علي: أحبّ أن يستمر تعاملنا مع اللقمة بحرص فلا يدخل بيتنا الطعام المشبوه أو الحرام. وأحب أن أعرض عليكِ هذه الفكرة وليس عندي شك أنك سترحبين بها، و هي أن نجعل طعامنا في كل يوم نذرًا للمعصوم الذي يكون اليوم باسمه مثلًا: يوم الأحد وهو باسم الإمام علي والسيّدة الزْهراء (عليهما السّلام). - كذلك مشاهدة الحرام أو الاستماع إليه، فقد نشأ كلانا في بيئة قد حفظت روحيتنا وطهارة قلوبنا، وهذه نعمة نحمد اللّه تعالىٰ عليها وتوفيق نسأله دوامه.. أتعلمين؟ كنت أواجه الكثير من التحديات في السيارة التي تقلني إلى الجامعة وفي الأخيرة أيضا فقد كان من حولي يسخرون مني لأني لا أستمع إلى الغناء وأخرج من قاعة المحاضرات حالما أسمع ذلك، ولكن ذات مرة سمعت عبارة جعلتني قويًا مطمئنًا قادرًا على الرد بأدب علىٰ من يعترضني أو يسخر مني.. زهراء: أحقّا؟ ما هي؟ علي: سأخبركِ بها مضمونًا : لو كان عندنا حقلان فارغان، كتب فوق أحدهما عبارة [الحق] وعلى الآخر [الباطل] وكانت عندنا مجموعة من الأفعال والأقوال من ضمنها "الغناء" ففي أي حقل سنضعه؟ في حقل الحقّ أم الباطل؟. فأسماعنا يا زهرا أمانة و قلوبنا كذلك فيجب أن نختار ونستمع لما يحافظ عليها ويليق بها. زهراء: هذا صحيح، وهنا يتضح دور الأصدقاء في التأثير على عقيدة الأبناء وسلوكياتهم "فالصاحب ساحب" إما إلى الخير أو إلى الشرّ، وهنا يأتي دورنا؛ سنحرص لئلا يختاروا الّا خيرة الأصدقاء، ونكون نحن أولهم، فمتى ما كان الأبوان لطيفين في التعامل قريبين من أبنائهم سيكون ظل والديهم بالنسبة إليهم الأول عندهم والأقرب لهم. علي: بإذنه تعالى؛ وسنحبب لهم العبادة منذ الصغر، فعندما تقفين بين يدي اللّه تعالىٰ أشركي نرجس معكِ، وأنا قد فكرت بأن تكون أول هدية لها مني: إحرام وسجادة للصلاة بألوان جميلة وأشكال جذّابة يقول الإمام زين العابدين عليه السّلام في رسالة الحقوق: "وأمّا حقّ ولدك... وإنّك مسؤول عما وليته من حسن الأدب، والدلالة على ربّه، والمعونة على طاعته..." فما أجمل أن نسعى لتضع بمعيتنا أول خطواتها في طريق طاعة اللّه عزّ وجل. زهراء: لقد فكرت في ذلك أيضًا، وكم دعوت اللّه تعالى في كل قنوت أن «رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ» قد فكرت أن أصلي أولًا قريبًا من سريرها، وعندما تكبر قليلًا أجلسها قربي وأضعُ لها العابًا، وعندما تبدأ بالمشي ستشاركني الصلاة ولو بحركاتها التي تقلدني فيها. علي: نعم.. وسنعلمها أن تحترم وجود الكبار وتطلب الإذن قبل الكلام، وتعتذر إن بدر منها تصرف غير صحيح، وتقول الحقيقة دائما ونشجعها عليها، فالطفل يكذب لأنه يخاف، أمّا إذا طمأنه والداه وساعداه سيقول الحقيقة ويعتاد على الصدق. زهراء: ولا ننسى مكافأتها على قولها الصدق، وعلى أداء واجباتها المدرسية، وعند التصرف الصحيح، والعمل الحسن، وعند تقدمها في حفظ القرآن الكريم، وعند أداء الصلاة وفي نهاية كل يوم من شهر رمضان أتمت صيامه كلّه أو بعضه. علي: إذًا سلامًا على أموالنا سلاما... زهراء: [ضحكت زهراء ضحكة خفيفة مؤنسة لقلب علي ثم قالت] : طبعًا لا أقصد أن تكون الهدية ثمينة في كلّ مرّة، فلعل كلمة لطيفة، نزهة، هدية بسيطة نصنعها بأيدينا أو عبارة على ورقة تفي بالغرض وتؤتي بنتائج سارّة. علي: نعم نعم.. أحببت ملاطفتكِ يا درّتي... وهل فكرتِ ماذا ستحفظ أولًا؟ زهراء: اسمح لي أن أسألك قبل ذلك سؤالًا: ماذا لو أخطأت نرجس التصرف يومًا، أو قالت ما لا ينبغي قوله، كيف نتعامل معها؟ وكيف نوجهها لئلا تكرر ذلك؟ علي: لعلّك تفكرين أني سأقول الحل هو الضرب مثلا؟ كلا.. فللضرب آثار نفسية على الطفل، ويدفعه غالبا للتمرد أكثر، والحل السليم هو: أن يتعرف الطفل منذ نعومة أظفاره الى الفعل الصحيح فيفعله و غير الصحيح فيتجنبه، أما إذا خالف ذلك، فيجلس إليه أحد أبويه بودٍّ ليفهما منه سبب تصرفه وبعدها يتفقان معه على عدم تكراره ويتعاونان على تجاوزه معًا، ويبينون له بأسلوب مبسط خطأ ما قاله أو فعله وأنه لا يليق ذلك به مع عبارات المدح والثناء عليه. كان أحد العلماء: لا يؤدب أولاده إن قصروا أو أساءوا التصرف بالضرب أو التوبيخ اللامقبول، بل كان يكتفي بليِّ ثوبه علامة على استيائه مما قام به وذلك كي لا يقع في المكروه أو الحرام! زهراء: أحسنت كثيرًا.. أحببت ذلك. أما عن سؤالك حول ما ستحفظ.. فنعم... فكرت في ذلك وهو: أسماء المعصومين الأربعة عشر (صلوات الله تعالى عليهم) نرددها على مسامعها بحبّ وابتسامة في كلّ يوم حتى تحفظها، ثم أصول الدين وفروعه، ومتى رأينا استعدادها نقوم بتحفيظها السور القصار، ثم كل القرآن، كم أتمنى أن تتم حفظه قبل بلوغها التاسعة من عمرها، و أيضًا بعض القصص النافعة التي نضعها لها في مكتبة صغيرة خاصة بها مع كراسات رسم و تلوين تناسب المرحلة العمرية التي تكون فيها. علي: هنالك أمر قد قرأت عنه، وهو أن الطفل يتأثر كثيرًا بما يرى ويسمع، فأحب أن ألفت انتباهك مع ثقتي بوعيك وحرصك أن لا تسمع نرجس ما يلوث فطرتها سواء من التلفاز أو المجتمع. وأن نحرص على أن لا نتناقش في بعض الأمور أمامها، وإن حصل سوء فهم فلا تكون شاهدة عليه بل نحلّه بيننا فلا يتجاوز المكان الذي نكون فيه. زهراء: لا تقلق بشأن هذا ياعلي فأنا مذ قرأت هذه العبارة وهي لزوجة أحد العلماء: "أتعجب على اللاتي ينتقدن أزواجهن في مجالس النساء، فأنا بعد كل مشكلة أقوم بعمل (حذف) لما جرى" و مذ ذلك الوقت بل وقبله و أنا أقوم بالفعل نفسه. والآن يا عزيزي، إن أكملت تعقيباتك بإمكانك أن تعود إلى النوم ريثما أعد الفطور ويقترب وقت ذهابك للعمل. علي: يبدو أن زوجتي المؤمنة قد نسيت أن النوم بين الطلوعين مكروه؟ لا... سأقوم لأساعدكِ في إعداد الفطور، أم تريدين أن يتكرر ما حدث من سوء فهم في المرّة السابقة؟ زهراء: آه.. لا تُذكرني أرجوك، كان يومًا صعبًا، لا أدري كيف مرّت تلك الساعات ونحن على خلاف.. كنت أشعر أن روحي تخرج مع كلّ نفس أتنفسه.. علي: "إنّه أمر طبيعي يا قرّة عيني فنحن حتى مع والدينا قد يحصل سوء فهم، لكن حياة المؤمنين هي استغلال سوء الفهم لانطلاقة جديدة ومتانة في الحب أكبر، وعدم تذكر أي مثلبة، فحياتهم يغلب عليها التفاهم وما سوء الفهم الا شيء طارئ".

اخرى
منذ 5 أشهر
481

حكاية عام

بقلم: وجدان الشوهاني سأروي لكم حكاية عام... كان يا ما كان... في سالف الأزمان والأيام... كان هناك اثنا عشرَ شهرًا وهبها الله للأنام... ليعشوا بأمنٍ وسلام، لهم ما يشاؤون بشرط أن لا يتجاوزوا على الأحكام. وأن يجعلوا العقل قائدًا فيأمنوا من الآلام... ولكن فجأةً، جاء من زرَع الأوهام بجلباب الدين، وقال: سأتلو عليكم ما جاء في القران "وأمرهم شورى بينكم" فلماذا لا نعقد برلمان؟ وأُعاهدكم بأني سأغيّر الأحكام... فالعقل عادل لكنّه متشدِّد، فكلُّ شيءٍ عنده إما حلال أو حرام... وقد أرهقتنا الحياة وتعبنا، فلنعطهِ دواءً لكي ينام. وسأُحقق لكم الأحلام... فاقتنع الجميع بهذا الكلام... وقالوا: بالروح وبالدم نفديكَ أيّها المقدام. وهكذا تحولت القيادة إلى زعيمٍ لا يفقه شيئاً من دين الإسلام... سوى جلبابٍ اشتراه بمالٍ حرام... وتاه الناس بالظلام. وفي نهاية العام... قال: وداعًا أيها الإسلام... فلم يبقَ منكَ سوى العنوان، فالكثير ينتظر بابا نويل ... ولا أحد منهم ينتظر الإمام وهكذا نام الجميع، وما زالوا نيامًا.

اخرى
منذ 5 أشهر
581

هل تعرفين نفسك؟!

بقلم: خادمة الزهراء (عليها السلام) كان هذا سؤال أُستاذة الأخلاق في الحوزة العلمية لطالباتها... هل تعرفين نفسك؟! وعرضت السؤال نفسه على كل واحدة من الطالبات، وكُل واحدة منهن أجابت بما يجول في خاطرها، وأنا بقيت متحيرة من هذا السؤال، بماذا سأُجيب؟ إلى أن حان دوري فسألتني، هل تعرفين نفسك؟! بالرغم من كونه جملة واحدة وكلماته قليلة ولكن المعنى كبير وعميق جدًا... فلو استطعنا أن نعرف قدر أنفسنا لما أصابنا العُجب والتكبر والرياء وحب الذات والأنا… فقلت لها: إننا لو أحطنا بالمساوئ المترتبة على ذنوبنا وقُبّحها وأحطنا ببواطن الأمور وبالآثار المترتبة عليها إحاطة كاملة لعرفنا حقيقة أنفسنا... ولكن لم تكن الإجابة وافية وشافية فرجعت إلى البيت وأنا أُفكر في هذا السؤال وبقيت أُفكر وأسألُ نفسي: من أنا؟ ومن أكون؟ وعدة اسئلة خطرت في ذهني من هذا السؤال... وتذكرت جواب إحدى الأخوات التي أجابت بالآية القرآنية (إن الانسان على نفسه بصيرة)... ولكن هل أنا صاحبة بصيرة حتى أتوصل إلى معرفة نفسي؟ نظرت إلى يدي وقلبتها، قلت: إن هذا ظاهر يدي والماديات التي تحتها لا يمكنني معرفتها... لحم وعظم ودم وملايين كريات دم حمراء وبيضاء تحتها لا يمكنني الإحاطة بها ورؤيتها، وهذه أمور مادية فكيف بالأمور الباطنية؟! روح ونفس وفكر وغيرها... وبعد التأمل في الآيات القرآنية وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام) ورواياتهم وصلت إلى نتيجة وهي: أن الإنسان كلما تأمل بعظمة خلق الله تعالى، عَظُمَ الخالق في نفسه، وكلما عَظم الخالق استصغر نفسه وذللها لخالقه، وكلما عرف رحمته مع جبروته وقدرته وسخطه مع لطفه وكرمه، وكلما جاهد نفسه لرضا معشوقه وهام به حبًّا استصغر نفسه، وكلما استصغر نفسه وذللها أمامه فتح الله بصيرته وعرفه نفسه ورفع مقامه بين الناس وجعله من عباده الصالحين، قال تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ). وعليه فالعاقل يتأمل في عظمة خلق الله تعالى ليستدل على وجود الله تعالى فيفتح الله تعالى بصيرته لمعرفة الله تعالى، ومنها يستطيع معرفة نفسه. نجد في سيرة الأنبياء والأئمة والصالحين (عليهم السلام) أنهم عندما يتوجهون لعبادة الله تعالى فإنهم يتذللون أمامه، هذا لأنهم عرفوا من يعبدون، لذلك استحقروا أنفسهم في حضرته، وكل من عظم الخالق في نفسه عرف قدر نفسه، وكما ينسب للإمام علي (عليه السلام): دواؤك فيــك ومــا تشـــــعـــر***وداؤك منـــك فـــــلا تبصـــر أتـــزعــم أنــك جــرم صغـيــر***و فيــك انطوى العـالـــم الأكـــبر.

اخرى
منذ 4 أشهر
252

#لاغفلة_عن_موروثنا_الروائي.

لقد كان الإمام الصادق (عليه السلام) يأمر أصحابه بالجلوس في المساجد، وإفتاء الناس، رغم كونه إمام زمانهم، لكنه أوجب الرجوع إليهم بصفتهم المراجع آنذاك. ونظير هذا، فالإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) أمرنا بالرجوع إلى المراجع، العلماء، الورعين، من الفقهاء في مجال الفتوى، رغم كونه إمام الزمان.

اخرى
منذ 5 أشهر
278

زينب تسأل جدتي

بقلم: رحاب سالم البهادلي سألتني زينب بنتُ أختي: أين هو الله سبحانه وتعالى هل هو بالسماء أو في الأرض؟ قلت لها: هو في كلِ مكان... لكنها لم تقتنع… احترت كيف أوصل لها المعلومة وهي تبلغ من العمر خمس سنين، وإذا أجبتُها عن سؤال استخرجت منه سؤالًا آخر... قلت لها: تعالي لنذهب إلى جدتي، عندها الإجابة... فجدتي فاطمة تبلغ من العمر (90) سنة ونيف، امرأة مؤمنة وحكيمة وتزن كلامها، وتعطي كل أمر حقه، فهي كانت ولا زالت تعلمنا أمور الدين والدنيا بصدر رحب دون أن تمل أسألتنا… لذلك دفعتُ بزينب إلى جدتي فاطمة (عليها السلام) علها تجيب عن سؤالها وتقنعها بما لم استطع إقناعها به… وصلنا أنا وزينب إلى غرفة الجدة وطرقنا الباب سألت الجدة فاطمة: من الطارق؟ قلت: أنا مريم يا جدتي ومعي زينب بنت أختي سارة. قالت: جدتي أهلًا بكما أدخلا... دخلنا غرفتها ووجدناها تجلس على كرسي الصلاة لأداء النوافل، سلمنا عليها وجلسنا، قالت جدتي: ما الأمر، هل استطيع مساعدتكما بشيء؟ قلت لها: نعم يا جدتي زينب تريد أن تسألكِ سؤالًا... قالت جدتي: تفضلي ما هو سؤالكِ يا زينب، إن قدرني الله سَأُجيبكِ. قالت زينب بكل نعومة وفطرة: أنا سألتُ خالتي مريم: أين يوجد الله سبحانه وتعالى، وهي لم تعطني مكانًا محددًا. ابتسمت جدتي، وقالت: صحيح أني ناهزتُ التسعين من العمر لكن الحمد لله لا زالت ذاكرتي بخير… وأتذكر بأنكِ ترتادين الروضة، صحيح؟ قالت زينب: نعم يا جدتي وأنا سألت المعلمة أيضًا لكنها لم تجبني عن سؤالي. قالت جدتي: هل علمتكم المعلمة في الروضة اسماء الله الحسنى؟ قالت زينب: نعم يا جدتي وأنا احفظها كُلها. قالت جدتي: أليس من أسماء الله: الرحمن، الرحيم؟ قالت زينب: نعم يا جدتي. قالت جدتي: وأين توجد الرحمة؟ أليست الرحمة في قلب الإنسان؟! قالت زينب: نعم يا جدتي. قالت جدتي: أو ليس من أسماء الله، الغفور، السلام، المحيي ، النور، الهادي؟! من أين تنبع المغفرة يا زينب؟ أليس من القلب؟! من أين ينبع السلام؟ أليس من القلب؟! من أين تنبع الحياة؟ أليس من القلب؟! من أين ينبع النور؟ أليس من القلب؟! من أين ينبع الهدى؟ أليس من القلب؟! قالت زينب: نعم يا جدتي... قالت جدتي: إذن يا حبيبتي الجميلة، أن الله سبحانه وتعالى في كل مكان وأقرب هذه الأمكنة القلب، يا عزيزتي، وخصوصًا قلب المؤمن، الآن القلب هو المكان الوحيد، الذي يحتوي هذه الأمور العظيمة، ولشدة عظمة الله لا يحتويه مكان، غير القلب الطاهر، أعلمتِ الآن أين مكان الله سبحانه وتعالى؟ قالت زينب: نعم يا جدتي فهمت الآن، لكنّ خالتي مريم لم تقل لي هذا الجواب، بل قالت لي كلامًا لم أفهمهُ، لكن فهمت أن الله موجود في كلِ مكان وأقرب مكان هو القلب يعني أن الله تعالى في قلبي. (مريم) تعجبت أنا من الأثنتين، فالصغيرة زينب لم تفهم كلامي برغم من كل المحاولات لإيصال المعلومة لها… واستغربت أيضًا من جدتي كيف أنها شرحت لها المعلومة بكل بساطة وسلاسة، وتعلمت أيضًا أن الله سبحانه وتعالى يضع سره في أضعف خلقه، بالرغم من حال جدتي وضعف بدنها لكنها أنصح مني بالتعامل مع الأطفال، واستطاعت أن تقنع زينب بكل بساطة وأن المعنى ليس بكثر الكلام إنما ببساطتهِ.

اخرى
منذ 4 أشهر
336

مرجعيون من المهد إلى الحشد

بقلم: حسين فرحان فأتت به وقد لُف في خرق القوابل تحمله، تطوف بطفولته حول الضريح الذي توسد في كنفه الأمام المعصوم، يشم عطر المزار وينصت للصلوات تصدح بها حناجر الزوار.. تلتمع عيناه بأضواء ثريات القباب، مهده يُهز في بيت من بيوت الولاء، وطينته أُخذت من فاضل طينة آل النبوة ومعدن الرسالة، مليح، فيه بشاشة أهل الجنوب، حيث هم ملح الأرض والوعد الصادق وأهل الوفاء. ترعرع وهو ابن المرجعية وابن الشعائر الحسينية، لا ينفك عنهما وإن ضيق عليه جلاوزة الأنظمة المستبدة، لم تنجسه جاهلية البعث بأنجاسها، ولم تمل به ريح الحركات المشبوهة حيث مالت، فهو مرجعي حين قامت ثورة العشرين، ومرجعي حين ظهرت البدع، ومرجعي حين عادت أمية من جديد تحكم بمنهاجها العفلقي ومشروعها الاجتثاثي لكل ما ينتمي ومن ينتمي للحسين (عليه السلام) ونهجه، لم يعترف بقضية غير قضيته، فهو طائر يطير بجناحين هما (المرجعية العليا والشعائر الحسينية). حسيني.. شعائري.. مرجعي.. يحمل إرثًا كبيرًا لقضية كبرى عجز أهل الأرض عن إدراك كنهها ومعرفة ماهيتها ووفِق هو لحملها.. وما يزال يعبر عنها بتلك البساطة (صورة الإمام على جدران البيوت.. راية عاشورائية.. يد تتخذ من قطعة القماش الخضراء سوارًا لها من بركات الزيارة.. تربة.. ومسبحة من طين.. مجلس حسيني ومنبر.. دمعة وعبرة.. موكب وخدمة.. مسيرة لكربلاء وانتظار للفرج.. ومرجع تقليد عالم عامل عادل لكل زمن). طبع على وجه الأرض قبلة وخر ساجدًا شاكرًا حيث أدرك تلك الساعة التي صدرت بها فتوى السيد السيستاني فتوى الجهاد الكفائي: (وإن من يضحي منكم في سبيل الدفاع عن بلده وأهله وأعراضهم، فإنه يكون شهيداً إن شاء الله تعالى)... استحضر تراثه بجميع تفاصيله، استعار من ذاكرته صورًا قديمة لمراجعه وبعضًا من تراثه وحزنه الكربلائي.. اتخذ قطعة القماش الخضراء سوارًا وعصابة، وأنزل من سطح داره راية العباس (عليه السلام) ليجعلها على السواتر يرهب بها عدو الله وعدوه.. أخرج سلاحه وارتدى ثيابه، وحمل معه جراحات الطف والعطش والخيام، انصت للفتوى وهي تنقذ العراق كأنها صوت الحسين (عليه السلام): (أما من ناصر ينصرنا).. برز لهجمة الدواعش شاهرًا سيفه مجردًا قناته طائرًا بجناحيه (الشعائر والمرجعية) وهو يختزل حياته بهذه الهيئة المشرفة، ويفنيها معلنًا: أن كيانه طاعة وولاء لقضيته ولمرجعيته من المهد إلى الحشد.

اخرى
منذ 5 أشهر
331

احتفال بالخسارة (ليلة رأس السنة)

بقلم: وجدان الشوهاني تُرى ما الميزة في هذه الليلة؟ لماذا ينتظرها الكثير؟ جلسْتُ انتظر نهاية العام كالآخرين لأحتفل بالعام الجديد وإذا بهاتفٍ يهمس في أذني: لقد خسرتِ سنةً أخرى من سنين عمرك! إنها كأوراق الخريف تسقط بصمت! فبأي شيء تحتفلين، فهذا ليس يوم مولد السيّد المسيح وحسب، بل هو يوم سقوط أوراق الخريف، انظري إلى الشجرة، فليست شجرة الميلاد كما يقول البعض بل شجرة العمر، انتبهي لعدد الأوراق المتساقطة وقومي بعِّدها. وإذا بي استفيق وكأني كنت نائمة وصوت الهاتف افاقني من رقدتي، وفجأة بدأت احسب عمري وفي الأثناء انتابني شعور بأن استرجع ذكرياتي بأفراحها وأحزانها، فهناك أشخاص كانوا يملؤون حياتي وقد رحلوا وتركوني وهناك من دخل حياتي وفيهم من ترك أثرًا إيجابيًا وآخر ترك أثرًا سلبيًا وأمور كثيرة بدأت استرجعها، كصلاتي وصومي وكل عباداتي ورفقتي، ورحل عني فرح استقبال العام الجديد لأني استشعرت الخسارة... تبًّا لذلك الهاتف الذي همس في أُذني وازعجني، وإذا بالهاتف يعود من جديد ليهمس بنفس الأُذن فيقول: أنا صوت الضمير لم أفعل ما يستوجب الإزعاج فكل ما فعلته كان بدافع الحب، فقد رأيتك تغرقين في متاهات الدنيا ومن فرط حبي همست في أُذنك لتستفيقي، فأوراق الخريف إن سقطت لن تعود ولا يتمكن أحد أن يعيدها لكِ... فلقد أحببتُ أن أُخبركِ بإعادة النظر بالاحتفال وأن لا تنجرفي خلف الكثيرين، فالمتكلمون كُثر والجادّون بالعمل قلّة. فانتبهي! فسوف تُسألين عن عمرك في أي شيء أفنيتِه، وعندها لن ينفع الندم، فاغتنمي الفرص وحاولي اصلاح ما كان فاسدًا في عام كامل... عندها قررت أن أمسك القلم، وأعدُّ سيئاتي وأكتبها في ورق لأرميها في سلّة النفايات مع أوراق الخريف المتساقطة وأبدأ من جديد. وفجأة عادت الابتسامة لشفَتي، ولكن هذه المرة ليست للاحتفال، بل لأني استفقت من غفلتي، وأعلنت التوبة في يوم: 1\1 . فلقد أيقنت أن هذا اليوم هو يوم خريف العمر الذي تتساقط فيه أوراق أعمارنا بصمت، وأول عمل سأقوم به بهذا اليوم، هو أن أُصلي صلاة ليلة الدفن لأني سأدفن أوراق الخريف مع سيئاتي بعد أن تم تغسيلها غُسل الميت، لأطهّر نفسي وبعدها أبدأ من جديد حياتي، ولن أغفوا أبدًا بإذن الله.

اخرى
منذ 5 أشهر
658

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
39544

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
35891

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29943

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29932

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
18110

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ سنة
16993