أقلام

كيف نُحبّب المهدي إلى الناس؟

عندما نستقرئ أفكار الناس تجاه الإمام المهدي، نجد أنَّ هناك تبايناً بينهم في الصورة التي رسموها للإمام، هناك من لا يرىٰ إلَّا الجنبة الدموية لظهور الإمام، وذلك بسبب قراءته لبعض الروايات التي تذكر القتل، أو الشبهات التي تثار من قِبَل المغرضين تجاه قضيَّة الإمام المهدي ليُبعِدوا الناس عنه. ونحن كمنتظرين وممهِّدين، علينا أن نتذكَّر قول الإمام الصادق: «رحم الله عبداً حبَّبنا إلىٰ الناس ولم يُبغِّضنا إليهم...»(١). فعلينا أن نُحبِّب الإمام للناس، وهذا يقتضـي عدَّة أُمور، منها التالي: أوَّلاً: علينا أن نُركِّز علىٰ ذكر صفات الإمام التي وردت في الروايات المعتبرة، والتي تصفه بأنَّه «رحمةً للعالمين»(٢)، وأنَّه شفيق جدّاً علىٰ رعيَّته(٣). ثانياً: التركيز علىٰ أنَّ الإمام سوف لن يغلق باباً فتحه الله تعالىٰ، وهو باب التوبة. ثالثاً: التركيز علىٰ الجوانب الإنسانية من دعوة الإمام المهدي، الأمر الذي سيصل بالإمام إلىٰ قبول التوبة حتَّىٰ من أعدائه (كما ورد هذا المعنىٰ في السفياني)، وإلىٰ أن يُرسِل الرسل لفتح المدن بطريقة سلمية (كما ورد هذا المعنىٰ في فتح القسطنطينية)(٤). رابعاً: أنَّ أكثر الخوف من الإمام جاء بسبب الجهل بقضيَّته، لذلك علينا أن نُركِّز علىٰ ضرورة أن يزيد الفرد من معرفته بالإمام، من خلال القراءة، واستماع المحاضرات من المتخصّصين والعارفين بهذا الشأن. خامساً: عندما يذكر بعضنا الروايات الواردة في حروب الإمام، فعليه أيضاً أن يُبيِّن المبرّرات الشـرعية والإنسانية لحصولها، وأنَّ الإمام لن يخرج عن الخطِّ الإسلامي العامّ فيها، لأنَّه إنَّما يقوم من أجل إحياء الإسلام بتمام معنىٰ الكلمة. تنبيه: لا يعني كلُّ هذا أن ينظر أحدنا إلىٰ القضيَّة بعين التهاون والتسامح اللامسؤول، ولا يعني هذا الاستخفاف بالأوامر والنواهي، كلَّا، فإنَّ الإمام المهدي وإن كان رحمةً للعالمين كجدِّه المصطفىٰ، لكنَّه في نفس الوقت الذي يخرج منتقماً من أعداء الدين، وقد جُعِلَ آخر الدواء الكيّ! _____________________________________ ( ) الكافي للكليني 8: 229/ ح 293. ( ) كمال الدين للصدوق: 310 / باب 28/ ح 1. ( ) في الغيبة للنعماني: 222/ باب 13/ ح 1، ورد عن أمير المؤمنين  في وصف المهدي : «... أوسعكم كهفاً، وأكثركم علماً، وأوصلكم رحماً، اللّهمّ فاجعل بعثه خروجاً من الغمَّة، واجمع به شمل الأُمَّة...». ( ) الغيبة للنعماني: 334 و335/ باب 21/ ح 8. من كتاب على ضفاف الانتظار/ صفحة (18-21) الشيخ حسين عبدالرضا الاسدي

اخرى
منذ سنة
872

فتوى الدفاع الكفائي وقراءاتها متعددة

( فقهية و اجتماعية وسياسية و اقتصادية). وضح سماحة السيد احمد الصافي دامت بركاته في ختام مهرجان ربيع الشهادة الرابع عشر للوفود والمشاركين بعض الأمور المتعلقة بفتوى المرجعية الرشيدة قائلاً: " أُنوه الى أمرٍ مهم جداً، وهو: أن الفتوى المباركة -فتوى الدفاع الكفائي التي اطلقتها المرجعية العليا- كانت حاضرة في هذا المؤتمر بشكل خاص، ولعلها كانت هي الغالبة حتى على العنوان والشعار المهرجان، وهي تستحقه بلا شك ولاريب". ثم بيّن أن من بركات هذه الفتوى أنها بحيث يمكن قراءتها بعدة قراءات، موضّحاً ذلك بقوله: (ولا شك ان للفتوى قراءة فقهية ولها قراءة اجتماعية ولها قراءة سياسية واقتصادية). ومضى سماحته يقول "لعل الشي المهم هو ان ارهاصات الفتوى مهمة جداً، وكذلك فإن قراءة أحداث ما قبل الفتوى مهمة جداً، من أجل فهمها بصورة صحيحة، فالأحداث التاريخية تبقى ناقصة اذا قرأناها منقطعة عما قبلها من أحداث مرتبطة بها، ولن تكتمل الصورة إلا إذا اضفنا لها قراءة ومتابعة ما بعد الحدث أيضاً، وهذا ما كان تحت مرأى ومسمع المرجعية التي تابعت هذه الأحداث بدقة، ولذلك فإنه رغم ان الانهيار كان وشيكاً نتيجة عدم البناء الصحيح للمؤسسة العسكرية ولوجود الفساد المستشري في بعض المؤسسات وفعلا قد انهار جزء من البناء في 9 و10 من حزيران، إلا أن الفتوى آتت أكلها بإذن ربها. وأوضح سماحته أننا ونحن في ضيافة سيد الشهداء عليه السلام نجد أن قراءة الأحداث مهمة جداً، فنحن حينما قرأنا واقعة الطف ما قبل 61 للهجرة ثم قرأناها ما بعد 61 للهجرة بالإضافة الى قراءتها الخاصة بيوم الطف من العاشر من المحرم فقد أصحبت لأجل ذلك الصورة واضحة المعالم فيما أسعفتنا به النصوص التاريخية بحقيقة فيما يتعلق بما كان يجري قبل واقعة الطف وحقيقة ما جرى بعد واقعة الطف". وعبر سماحته عن اعتقاده ان" هناك حاجة للجميع في أن يراجعوا التاريخ ما قبل الفتوى ليجدوا أهمية صدور هذه الفتوى في وقتها المحدد وآثارها الإيجابية) ثم ألمح إلى أن المرجعية أفتت بالجهاد الكفائي لأنه لا توجد بدائل عن الفتوى، كما حصل تماماً في فتوى تحريم التنباك، التي كانت في حقيقتها ربما فتوى اقتصادية، وهكذا وفتوى ثورة العشرين التي أطلقها المرجع في وقته، ولنصطلح عليها فتوى عسكرية والحفاظ على السيادة الوطنية، وهكذا مرجعيتنا العليا أيضا أفتت حيث لم تجد خياراً في حينها غير الفتوى، والمقصود أنه لا يوجد خيار غير الفتوى، ولا يمكن أن نفهم المعنى الحقيقي لهذه الجملة الا بالقراءة المتأنية إلى ما قبل الفتوى، التي يمكن أن نسميها بفتوى عسكرية سيادية دينية. ويبقى السؤال الفارق: ما هو الفرق بين هذه الفتوى وبين ما سبقها من الفتاوى من ثورة العشرين أو ما قبلها؟ لعل النكتهة البارزة في هذه الفتوى هو أنها لم تتعامل مع عدو له كيان خاص، فثورة العشرين تعاملت مع عدو له كيان خاص، وكانت له دولة ورأس، أما في داعش فهي خارجة عن مقاييس الأنظمة والمعاهدات الدولية، فلا نستطيع أن نجرمها كدولة ولا يستطيع ثالث ان يتوسط لأنها ليست كيانا واضحا، فكان لابد من الحنكة والدقة والحكمة في التعامل مع هذا الوجود الارهابي الشاذ ، وما كان غير الفتوى ان تتعامل مع هذا الوجود ، يضاف إليه اننا نرى الاثر الايجابي الطيب لها من خلال اندفاع الشعب العراقي والدماء العزيزة التي أريقت، ثم بيّن سماحته اننا في الوقت الذي جنينا الثمرة من هذه الفتوى، ولكننا ايضا على تخوف من ان هذا الوجود الإرهابي قد بنبع في مكان اخر لأنه ليس له كيان ودولة ، فهو عبارة عن وجود ارهابي يمكن ان ينيع اذا وجد الارض الخصبة، لذلك فعلى الدول ان تكون دائما متيقظة، فان داعش اشبه ما يكون بالسرطان الذي يسري في جسد الامة رويدا رويدا الى ان يقضي عليها لا قدر الله، او اشبه بحشرة الارضة التي تنخر في الجسم رويا رويا الى ان ينهار البناء لا سامح الله، ولذلك نرى ان هذه الفتوى بالإضافة الى موقعها الديني المميز قد انطوت على دقة متناهية في التوقيت، بحيث لولا الفتوى لكانت الامور جرت على غير مجرى، بل انحصر الخلاص بالفتوى وهذا الخلاص ما كان يتحقق لولا هذا الاندفاع الكبير الذي اوقف زحف داعش من جهة، وقضى عليها من جهة اخرى. ابو محمد مهدي الترابي

اخرى
منذ سنة
583

ما هو السؤال الذي تخشى أن يسألك إيّاه الإمام المهدي ؟

كلّنا ندَّعي أنَّنا نُحِبُّ الإمام، وكلّنا ندَّعي أنَّنا نُحِبُّ لقياه اليوم قبل غد، ولكن، تصوَّروا معي الآن: لو تحقَّق الحلم، والتقيت أنا أو أنت به، فما هو السؤال الذي تخشىٰ أن يسألك إيّاه؟ ماذا أقول لو سألني الإمام: لماذا لم تُقدِّم أكثر ممَّا أنت عليه الآن؟ فحتَّىٰ لو كنت تسير في الطريق الإيجابي، لكن ألَا يمكنك أن تُقدِّم أكثر حتَّىٰ تملأ مساحات أكثر؟ قد يأمرني الإمام بشـيء ما، قد يأمرني بأن أدخل معركة، قد يأمرني بالتخلّي عن أبي أو ابني لأنَّه علىٰ الطريق المنحرف، قد يأمرني بتسليم كلّ ما أملك له من دون مقابل، هل سأستطيع أن أُسلِّم له أمره، وأرضىٰ بقلبي قبل لساني؟ هل سأكون مثل عبد الله بن أبي يعفور، الذي وصل به التسليم لأمر المعصوم إلىٰ أن قال لأبي عبد الله: والله لو فلقت رمّانة بنصفين، فقلت: هذا حرام وهذا حلال، لشهدت أنَّ الذي قلت: حلال، حلالٌ، وأنَّ الذي قلت: حرام، حرامٌ، فقال له الإمام: «رحمك الله، رحمك الله»(1)؟ ماذا لو سألني الإمام: ما هو دورك في المجتمع فيما يتعلَّق بالتمهيد لظهوري؟ عندها، سأنتبه إلىٰ نفسـي، وهل كنت شمعة تضـيء الدرب للمنتظرين، أم كنت حجر عثرة في طريق التمهيد؟! ماذا لو كنت أُظهِر الورع والتقوىٰ في العلن وأمام الناس، ولكنّي إذا خلوتُ بنفسـي عصيت وما ارعويت، فكيف سيكون حالي إذا قال الإمام لي من باب التعريض: (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) (الأنبياء: 49)؟! ماذا لو كنت ادَّعي التشيّع والحبّ له، ولكنّي جاهل بأحكام الشـريعة، ألَا أتذكَّر حينها قوله: «قد آذانا جهلاء الشيعة وحمقاؤهم، ومن دينه جناح البعوضة أرجح منه»(2)؟ ماذا أقول لو قال لي الإمام كلمة واحدة فقط، كلمة واحدة: لماذا آذيتني؟! ________________________ (1)اختيار معرفة الرجال للطوسي 2: 518 و519/ الرقم 462. (2) الاحتجاج للطبرسي 2: 289. من كتاب على ضفاف الانتظار/ صفحة 17 الشيخ حسين عبدالرضا الاسدي

اخرى
منذ سنة
694

الانتظار

وما أدراك ما الانتظار؟! الانتظار معنىٰ إسلامي إنساني. الانتظار: عمل مستمر دؤوب، نحو هدف سامٍ وغاية عظمىٰ. الانتظار: إيمان قلبي، مقرون بعمل جارحي، مرتكز علىٰ عقيدة قلبية راسخة. الانتظار: شوق لمعشوق، غائب حاضر، يقرنه تمهيد لمجيئه. الانتظار: قلب واله، وجوارح عاملة، وعيون دامعة. الانتظار: حماس في عمل، ونشاط في دوام، واستمرار في جهاد. الانتظار: هو ترجمة عملية للإسلام المحمّدي. فطوبىٰ للمنتظرين. إنَّ الانتظار ليس سكوناً عن حركة، ولا ركوداً عن تغيير. إنَّ الانتظار ليس تواكلاً علىٰ الغير، ولا رأس نعامة مدفوناً في التراب. إنَّ الانتظار ليس نوماً وكسلاً، ولا إلقاء لوم علىٰ الآخرين. إنَّ الانتظار ليس تقوقعاً علىٰ الذات، ولا انطواءً علىٰ النفس. فالانتظار.. كلّه عمل، وإيمان، وورع، وتقوىٰ. إنَّه إيمان بأُصول الدين، وعمل بفروع الدين، والتزام بمكارم الأخلاق، وتهيئة عملية للظهور، ومشاركة عملية في التغيير - علىٰ مستوىٰ النفس أو علىٰ مستوىٰ المجتمع -. عن جابر [الجعفي]، عن أبي جعفر الباقر  أنَّه قال: «يأتي علىٰ الناس زمان يغيب عنهم إمامهم، فيا طوبىٰ للثابتين علىٰ أمرنا في ذلك الزمان، إنَّ أدنىٰ ما يكون لهم من الثواب أن يناديهم البارئ  فيقول: عبادي وإمائي! آمنتم بسـرّي وصدَّقتم بغيبي، فأبشـروا بحسن الثواب منّي، فأنتم عبادي وإمائي حقّاً منكم أتقبَّل، وعنكم أعفو، ولكم أغفر، وبكم أسقي عبادي الغيث وأدفع عنهم البلاء، ولولاكم لأنزلت عليهم عذابي...»(1). __________________ (1) كمال الدين للصدوق: ٣٣٠/باب ٣٢/ح١٥ من كتاب على ضفاف الانتظار: ص 11 الشيخ حسين عبدالرضا الأسدي

اخرى
منذ سنة
373

ما هي حالتك مع إمامك؟

وكم تذكره؟ ومتى؟ هل المنتظرون علىٰ درجة واحدة من الارتباط بالإمام وبعقيدة الانتظار، أم أنَّ هناك تفاوتاً بين المنتظرين في ارتباطهم بالإمام ؟ هذه همسات نخاطب بها أنفسنا: إنَّ البعض لا يذكره  إلَّا في يوم ولادته . والبعض لا يذكره إلَّا إذا دهته نائبة من الدهر أو اشتدَّت به الريح في يوم عاصف. وثالث ذاكر له، لكن عطف الأيّام عليه وسكون الليالي عنه تلهيه عن ذكره. ورابع متألّم علىٰ فراقه، لكنَّه لا يخطو خطوة واحدة نحو الوصال. وهناك من أحرق غياب الإمام قلبه، وأقلق مضجعه، ونفىٰ رقاده، فهام قلبه في عشقه يبحث في أرجاء السماء وأقطار الأرض عن موضع لمولاه، فلا انقطع حنينه، ولا سكن أنينه، ولا يقرُّ له قرار إلَّا برؤية طلعة مولاه البهيَّة، ولطالما ردَّد قلبه بهدوء يكاد لا يسمع همسه «لَيْتَ شِعْرِي أيْنَ اسْتَقَرَّتْ بِكَ النَّوىٰ، بَلْ أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّكَ أَوْ ثَرى؟! أَبِرَضْوىٰ أَوْ غَيْرِها أَمْ ذِي طُوىٰ؟! عَزِيزٌ عَلَيَّ أَنْ أَرىٰ الخَلْقَ وَلاتُرىٰ، وَلا أَسْمَعُ لَكَ حَسِيساً وَلا نَجْوىٰ، عَزِيزٌ عَلَيَّ أَنْ تُحِيطَ بِكَ دُونِيَ البَلْوىٰ، وَلا يَنالُكَ مِنِّي ضَجِيجٌ وَلا شَكْوىٰ...»(1). ____________________ (1) المزار لابن المشهدي: ٥٨٠ و ٥٨١/ من دعاء الندبة من كتاب: على ضفاف الانتظار الشيخ حسين عبدالرضا الاسدي

اخرى
منذ سنة
671

إعجاز القرآن

شاء الله تعالىٰ أن يُؤيِّد أنبياءه ورسله بما يدلُّ علىٰ صدق ارتباطهم بالسماء، وتثبت ذلك بما لا يقبل الشكَّ لجميع من يطلب الحقيقة، وهو ما يُسمّىٰ بالمعجزة، ومعجزة نبيِّنا الأكرم هو القرآن الكريم. إنَّ إعجازه الأوَّل والأشهر كان في بلاغته التي عجز عن مجاراتها بلغاء العرب، بل اعترفوا بعجزهم عن الإتيان بآية واحدة مثله، لأنَّ الناس في ذلك الوقت كانوا يتبارون ويتسابقون بالتعبير البلاغي الأرقىٰ. فقد ورد عن أبي يعقوب البغدادي، قال: قال ابن السكّيت لأبي الحسن: لماذا بعث الله موسىٰ بن عمران بالعصا ويده البيضاء وآلة السحر؟ وبعث عيسىٰ بآلة الطبِّ؟ وبعث محمّداً صلّىٰ الله عليه وآله وعلىٰ جميع الأنبياء بالكلام والخُطَب؟ فقال أبو الحسن: «إنَّ الله لـمَّا بعث موسىٰ كان الغالب علىٰ أهل عصـره السحر، فأتاهم من عند الله بما لم يكن في وسعهم مثله، وما أبطل به سحرهم، وأثبت به الحجَّة عليهم. وإنَّ الله بعث عيسىٰ في وقت قد ظهرت فيه الزمانات(١) واحتاج الناس إلىٰ الطبِّ، فأتاهم من عند الله بما لم يكن عندهم مثله، وبما أحيىٰ لهم الموتىٰ، وأبرء الأكمه والأبرص بإذن الله، وأثبت به الحجَّة عليهم. وإنَّ الله بعث محمّداً في وقت كان الغالب علىٰ أهل عصـره الخُطَب والكلام - وأظنُّه قال: الشعر -، فأتاهم من عند الله من مواعظه وحكمه ما أبطل به قولهم، وأثبت به الحجَّة عليهم». قال: فقال ابن السكّيت: تالله ما رأيت مثلك قطُّ...(٢). إنَّ أعظم بلغاء العرب، عندما كان يتأمَّل في آيات القرآن الكريم كان يقف عاجزاً، ويعترف بأنَّه فوق المستوىٰ الطبيعي للبشر. عن هشام بن الحكم، قال: اجتمع ابن أبي العوجاء، وأبو شاكر الديصاني الزنديق، وعبد الملك البصـري، وابن المقفَّع، عند بيت الله الحرام، يستهزؤن بالحاجِّ ويطعنون بالقرآن. فقال ابن أبي العوجاء: تعالَوا ننقض كلُّ واحد منّا ربع القرآن، وميعادنا من قابل في هذا الموضع، نجتمع فيه وقد نقضنا القرآن كلَّه، فإنَّ في نقض القرآن إبطال نبوَّة محمّد، وفي إبطال نبوَّته إبطال الإسلام، وإثبات ما نحن فيه، فاتَّفقوا علىٰ ذلك وافترقوا، فلمَّا كان من قابل اجتمعوا عند بيت الله الحرام، فقال ابن أبي العوجاء: أمَّا أنا فمفكِّر منذ افترقنا في هذه الآية: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا [يوسف: 80]، فما أقدر أن أضمَّ إليها في فصاحتها وجميع معانيها شيئاً، فشغلتني هذه الآية عن التفكُّر في ما سواها. فقال عبد الملك: وأنا منذ فارقتكم مفكِّر في هذه الآية: يا أَيـُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحجّ: 73]، ولم أقدر علىٰ الإتيان بمثلها. فقال أبو شاكر: وأنا منذ فارقتكم مفكِّر في هذه الآية: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: 22]، لم أقدر علىٰ الإتيان بمثلها. فقال ابن المقفَّع: يا قوم، إن هذا القرآن ليس من جنس كلام البشـر، وأنا منذ فارقتكم مفكِّر في هذه الآية: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِـيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَىٰ الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [هود: 44]، لم أبلغ غاية المعرفة بها، ولم أقدر علىٰ الإتيان بمثلها. قال هشام بن الحكم: فبينما هم في ذلك، إذ مرَّ بهم جعفر بن محمّد الصادق، فقال: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء: 88]، فنظر القوم بعضهم إلىٰ بعض وقالوا: لئن كان للإسلام حقيقة لما انتهت أمر وصيَّة محمّد إلَّا إلىٰ جعفر بن محمّد، والله ما رأيناه قطُّ إلَّا هبناه واقشعرَّت جلودنا لهيبته، ثمّ تفرَّقوا مقرّين بالعجز( ). ________________ (١) الزمانات: الآفات الواردة علىٰ بعض الأعضاء فيمنعها عن الحركة كالفالج واللقوة، ويُطلَق المزمن علىٰ مرض طال زمانه. (من المصدر). (٢) الكافي للكليني 1: 24 و25/ كتاب العقل والجهل/ ح 20. (٣) الاحتجاج للطبرسي 2: 142 و143. من كتاب قطاف شهر رمضان/ صفحة (93-96) الشيخ حسين عبدالرضا الاسدي

اخرى
منذ سنة
598

من بركات القرآن

لا تجد كتاباً في هذه الدنيا أكثر بركةً ونفعاً للإنسانية كلِّها من القرآن الكريم، هذا الكتاب الذي شاء الله تبارك وتعالىٰ أن يجعله خالداً إلىٰ يوم القيامة من دون أن تمسَّه يد التحريف، وهذه من أهمّ الميزات التي تميَّز بها القرآن الكريم عن غيره من الكتب السماوية المنزلة. إنَّ من يجالس هذا الكتاب العظيم، فإنَّه لن يُعدَم الفائدة أبداً، فمُجالِسه في زيادة مستمرَّة. يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «اعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لَا يَغُشُّ، وَالْهَادِي الَّذِي لَا يُضِلُّ، وَالمُحَدِّثُ الَّذِي لَا يَكْذِبُ، وَمَا جَالَسَ هَذَا الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلَّا قَامَ عَنْه بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، زِيَادَةٍ فِي هُدىٰ أَوْ نُقْصَانٍ مِنْ عَمىٰ»(1). إنَّه يُمثِّل الغنىٰ المطلق، الذي غفل عن غناه الكثير من الناس، فإنَّ الروايات تؤكِّد أنَّ من كان عنده القرآن، فهو من أغنىٰ الناس، ومن ذلك ما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «... ومن أُوتي القرآن فظنَّ أنَّ أحداً من الناس أُوتي أفضل ممَّا أُوتي فقد عظَّم ما حقَّر الله وحقَّر ما عظَّم الله»(2). إنَّ قلوبنا لتصدأ كما يصدأ الحديد، لسبب وآخر، فالهموم في الحياة، والذنوب التي نحتطبها بإرادتنا واختيارنا، والتصـرُّفات اللا مسؤولة التي تصدر منّا، والألفاظ التي نرمي بها من دون تروٍّ ولا حكمة، وغيرها كثير، أُمور تؤدّي إلىٰ أن يُصاب القلب بالصدأ، والرين، والغفلة، وقد ينتكس! لذلك، احتجنا أن نعمل علىٰ جلاء قلوبنا بمجلاة باستمرار، وليس هناك كمثل القرآن مجلياً لها. روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال: «إنَّ القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد»، قيل: فما جلاؤها يا رسول الله؟ قال: «كثرة تلاوة كتاب لله تعالىٰ، وكثرة الذكر لله »(3). هناك أسباب كثيرة قد تعمل في قلوبنا أعمالاً تجعل منه كالحجارة، وربَّما أشدّ، وليس هناك ما يمكنه أن يُليِّنها كالقرآن الكريم، إذ هو جلاء الصدور وشفاء لها من كلِّ داء، ومن هنا، ورد عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال: «الغناء واللهو ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء العشب، والذي نفسـي بيده! إنَّ القرآن والذكر لينبتان الإيمان في القلب كما ينبت الماء العشب»(4). وإذا أردت أن تجعل النور في بيتك، فما عليك إلَّا أن تتلو القرآن فيه، ليُزهِر لأهل السماء كأحلىٰ وأجمل ما يكون النور. يقول الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) : «نوِّروا بيوتكم بتلاوة القرآن، ولا تتَّخذوها قبوراً كما فعلت اليهود والنصارىٰ، صلّوا في الكنائس والبيع وعطَّلوا بيوتهم، فإنَّ البيت إذا كثر فيه تلاوة القرآن كثر خيره، واتَّسع أهله، وأضاء لأهل السماء كما تضيئ نجوم السماء لأهل الدنيا»(5). ___________________ (1) نهج البلاغة: 252/ الخطبة: 176. (2) الكافي للكليني 2: 604/ باب فضل حامل القرآن/ ح 5. (3) كنز العمّال للمتَّقي الهندي 2: 241/ ح 3924. (4) كنز العمّال للمتَّقي الهندي 15: 221/ ح 40670. (5) الكافي للكليني 2: 610/ باب البيوت التي يُقرأ فيها القرآن/ ح 1. من كتاب قطاف شهر رمضان/ صفحة (٩٧-٩٩) الشيخ حسين عبدالرضا الاسدي

اخرى
منذ سنة
483

ماذا لو..؟

لو.. حرف امتناع لامتناع.. هكذا قالوا في اللغة العربية. ولو.. تُستَعمل اليوم، بيننا نحن أهل العرف العامّ، في الأُمور التي نستبعدها، لكنَّها ممكنة الوقوع. ومن هنا.. دعونا نتأمَّل التالي: ماذا لو كنت جالساً في بيتك، وطرَقَ الإمام المهدي بابك؟! كيف ستستقبله؟ وبأيِّ وجه ستراه؟ وبأيّة صيغة ستُرحِّب به؟ ماذا لو جاءك الإمام ضيفاً؟ ماذا ستُقدِّم له؟ هل ستطمئنُّ بما تُقدِّمه له بأنَّه حلال صريح! أو ماذا؟ ماذا لو أراد الإمام أن يُقلِّب قنواتِ تلفزيونِك! أو صفحاتِ جوّالِك! هل ستُقدِّم له ذلك بكلِّ رحابة صدر واطمئنان؟! ماذا لو رأيت إمامك اليوم في طريق عملك؟ ماذا ستقول له؟ وهل ستكون راضياً عن هندامك أمامه؟ ماذا لو كنت جالساً مع أصحابك، في خلوتكم المعتادة، ودخل عليكم الإمام، هل ستكون وتيرة الحديث واحدةً أو ماذا؟ ماذا لو خرج الإمام غداً، نعم غداً! هل ستكون مستعدّاً تماماً لتكون معه؟! ماذا لو قال لك الإمام: اُطلب ما شئت! ماذا ستطلب منه! وتذكَّر: فإنَّ طلباتك تكشف عن علاقتك بإمامك؟ ماذا لو أراد الإمام أن يأخذ أموالَك، نعم، جميعَ أموالِك! ما تعبْتَ في جمعه طول عمرك! هل ستكون مستعدّاً لذلك! ماذا لو كان أبوك أو أخوك أو ابنك أو من تُحِبُّه معارضاً للإمام، وكان مستحقّاً للقصاص، هل ستكون راضياً بما يفعله الإمام مهما كان!؟ ماذا لو..؟ أتركها لكم.. والْإِنْسانُ عَلىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ 14 (القيامة: 14). من كتاب: على ضفاف الانتظار الشيخ حسين عبدالرضا الأسدي

اخرى
منذ سنة
367

أسماء القرآن

ذكر العديد من المفسِّـرين والباحثين العديد من الأسماء للقرآن الكريم، فالبعض عدَّ له ثلاثة وأربعين اسماً، والبعض خمسة وخمسين اسماً، بل قيل: إنَّ البعض عدَّ له أكثر من تسعين اسماً. وأشهر تلك الأسماء هو (القرآن)، وهو اسمه الأصلي، وقد جاءت هذه الكلمة في القرآن بما يقرب من سبعين مرَّة، منها قوله تعالىٰ: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىٰ لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدىٰ وَالْفُرْقانِ (البقرة: 185). وقد اعتبر بعض العلماء أنَّ (القرآن) هو الاسم الوحيد لهذا الكتاب السماوي، وبقيَّة الأسماء إنَّما هي صفات له لا أسماء. وقد اختلفوا في شأن معنىٰ هذه الكلمة هنا، بعد أن اتَّفقوا علىٰ أنَّها كلمة عربية من مادَّة (ق ر أ)، فالبعض قال: إنَّ القرآن من (قرأ) بمعنىٰ التلاوة، والبعض اعتبر أنَّها للدلالة علىٰ جمع القرآن، أي إنَّ الآيات والسور قد جُمِعَت كلُّها في القرآن. ومن تلك الأسماء أو الصفات للقرآن الكريم هو (الفرقان)، قال تعالىٰ: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً 1 (الفرقان: 1). وأمَّا معناه، فقد قيل: إنَّه سُمّي بالفرقان لأنَّ الله تعالىٰ يُفرِّق به بين الحقِّ والباطل. وقيل: لأنَّ آياته وسوره نزلت متفرِّقة، خلافاً للكتب السماوية الأُخرىٰ التي نزلت دفعة واحدة. وقيل: إنَّ معناه خصوص المحكم التي يجب العمل بها من الآيات، في قبال القرآن الذي يشمل المحكم والمتشابه من القرآن. وعلىٰ كلِّ حالٍ، فإنَّه لا منافاة بين هذه الوجوه الثلاثة. ومن أسماء القرآن الكريم هو (الكتاب)، قال بعض الباحثين القرآنيين في سبب تسمية القرآن بالكتاب: إنَّ القرآن الكريم يجمع بشكل خاصٍّ وبليغ أنواع الآيات والأحكام والقصص والأخبار والعلوم، وما يناسب المعنىٰ اللغوي لـ (الكتاب) هو الجمع، وهذه الكلمة تلتقي من حيث المعنىٰ مع كلمة القرآن التي تتضمَّن هي أيضاً معنىٰ الجمع، إلَّا أنَّ كلمة القرآن تشير إلىٰ شمولية الوحي المحمّدي بالنسبة لكتب الأنبياء السابقين أو العلوم، وكلمة (الكتاب) إلىٰ شمولية الكتاب الإلهي للآيات والأحكام والقصص والأخبار والعلوم. ومن أسمائه (الذكر)، قال تعالىٰ: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ 9 (الحجر: 9)، والذكر هنا بمعنىٰ المذكِّر، فالقرآن يُذكِّر المؤمن بكلِّ ما فيه نفع له ليلتزم به، ويُذكِّره ما يضرُّه ليبتعد عنه. _________________ (1) معرفة القرآن علىٰ ضوء الكتاب والسُّنَّة للريشهري 1: 31 وما بعدها من كتاب: قطاف شهر رمضان الشيخ حسين عبدالرضا الاسدي

اخرى
منذ سنة
404

المطالبة بفدك

الشبهـــة : المطالبة بالحق وإن كان لا إشكال فيه إلا إن مطالبة السيدة الزهراء (عليها السلام) بفدك والإصرار على تحصيلها ممن نزعها منها لا يتناسب وزهدها (صلوات الله عليها) بالدنيا وعدم اعتدادها بنعيمها ولذاتها؟؟ الرد : للرد على ما تقدم نقول : لا منافاة بين مطالبتها (عليها السلام) بفدك وبين زهدها بالدنيا وزخارفها وذلك للأسباب التالية : أولاً : فدك لم تكن حقاً مخصوصاً للسيدة الزهراء (عليها السلام) فقط، بل كان لأولادها الكرام (عليهم السلام) الحق فيها أيضاً، ولذا لم تتساهل في المطالبة فيها لئلا تتسبب في تضييع حقوق الأئمة الكرام (عليهم أفضل الصلاة والسلام) . ثانياً : استولت الحكومة الغاصبة آنذاك على جميع الحقوق السياسية والاقتصادية لبني هاشم، وجردوهم من جميع امتيازاتهم وحقوقهم المادية والمعنوية، إذ لم يصادروا فدكاً وحسب بل والميراث والخمس ـ أي سهم ذوي القربى ـ واعتبروهم كسائر الناس. ومن البديهي أن لا يتمكن بنو هاشم وفي مقدمتهم أمير المؤمنين علي (عليه السلام) من المطالبة بحقوقهم التي غُصبت لاسيما في تلك الظروف، ومن هنا تصدت السيدة الزهراء بنفسها للمطالبة بتلك الحقوق المسلوبة يسندها في ذلك ما تتمتع به من فضل وشرف وقرب من رسول الله (صلى الله عليه وآله) من جهة، واستناداً إلى أنوثتها وذلك لأن النساء يتمتعن بحرية أكبر من الرجال في مثل هذه المواقف من جهة أخرى.. ثالثاً: أرادت السيدة الزهراء (عليها السلام) أن تكشف الحقيقة البائسة لمن غصب الخلافة وأن تظهر معدنهم الخبيث للناس أجمع ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي على بينة، وأقصر طريق لذلك مطالبتها بفدك، وإلا فهي أجل قدراً وأعلى شأناً من أن تحرص على الدنيا، لا سيما وأنها تعلم بقرب وفاتها.. رابعاً ـ كانت مطالبتها (عليها السلام) بفدك فرصة سانحة للإدلاء برأيها حول الحكومة القائمة، والتصريح به أمام الجماهير ، فقد حضرت دار الحكومة في المسجد النبوي (صلى الله عليه وآله)، وألقت بتصريحاتها الواضحة أمام الجميع وفضحت تلك الحكومة الغاصبة في مركزها وعرّتها من أي شرعية ، مبينة أحقية الامام علي في قيادة الأمة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله)، حيث قالت في خطبتها: " أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟ " (1) وقولها: " وأبعدتم من هو أحق بالبسط والقبض "(2).... خامساً : كانت مطالبتها (عليها السلام) بفدك مقدمة للمطالبة بحق الخلافة لزوجها (عليه السلام) ، يشهد على ذلك ما ضمنت خطبتها (عليها السلام) من إشادة ببعلها وتذكير بمواقفه البطولية الفريدة، حيث قالت : " فأنقذكم الله بأبي محمد بعد اللتيا والتي، وبعد أن مني ببهم الرجال وذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب، كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله أو نجم قرن للشيطان، أو فغرت فاغرة من المشركين، قذف أخاه (أي علياً) في لهواتها، فلا ينكفي حتى يطأ صماخها بأخمصه، ويخمد لهبها بسيفه، مكدوداً في ذات الله، مجتهداً في أمر الله، قريباً من رسول الله، سيد أولياء الله، مشمراً ناصحاً، مجداً كادحاً، وأنتم في رفاهية من العيش وادعون فاكهون آمنون، تتربصون بنا الدوائر وتتوكفون الأخبار، وتنكصون عن النزال، وتفرون من القتال "(3). ولذا أضحت فدك ليست مجرد قرية بل أمست عنواناً للخلافة وللرقعة الاسلامية بأكملها .. وقد أكد هذا المعنى الإمام الكاظم (عليه السلام) عندما حدها لهارون العباسي بعد أن ألحّ عليه أن يأخذ فدكاً، فقال له الإمام: " ما آخذها إلا بحدودها. قال هارون وما حدودها؟ قال: الحد الأول عدن، والحد الثاني سمرقند، والحد الثالث أفريقية، والحد الرابع سيف البحر مما يلي الخزر وأرمينية! فقال له هارون: فلم يبق لنا شيء فتحول في مجلسي "(4)! أي إنك طالبت بالرقعة الإسلامية بأكملها ولم تبقِ منها شيئاً . فقال الإمام: قد أعلمتك أني إن حدّدتها لم تردها. إذن فمطالبتها بفدك كانت في جوهرها مطالبة بإرجاع الخلافة لأصحابها الشرعيين وهم أمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمة البررة ، وبالتالي فهي مطالبة بحفظ الشريعة السمحاء وصون رسالة السماء والنأي بها عن أن تطالها يد التحريف والتزوير.. ولأن هدفها (سلام الله عليها ) عظيمٌ، فقد أبت إلا أن تنقش على الحجر، مطالبتها بتحقيقه لئلا تُموه حقيقته أو يُعفَى أثره ، ولذا فهي لم تتوجه الى دار أبي بكر، بل اختارت التوجه نحو مسجد أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو المركز الإسلامي يومئذ ومجمع المسلمين كافة. كما اختارت بدقة الزمان المناسب بحيث يكون المسجد غاصاً بالناس على اختلاف طبقاتهم من المهاجرين والأنصار. كما إنها اختارت أن تخرج في جماعة من النساء لتثبت أنها في تظاهرة حقيقية للمطالبة بالحقوق المسلوبة. أضف الى ذلك اختيارها موضع من المسجد لتجلس فيه ، فضرب بينهم وبينها سترٌ، إذ هي فخر المخدرات، وسيدة المحجبات ، عندئذ ألقت خطبتها الارتجالية الاحتجاجية التي ظلّت على مر العصور والأزمان وثيقة إدانة بحق الظالمين ودليل نفاقهم، ومرجعاً يرجع اليه الحائرون لمعرفة الحق وأهله من الباطل وأهله.. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) بحار الانوار ج29 ص227 (2) المصدر السابق ص229 (3) المصدر نفسه ص237 (4) أعيان الشيعة ،ج4 ، ص47 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
488

هل يجوز إهداء الأعمال للإمام المهدي؟

قد يتساءل البعض عن الدليل عن جواز ذلك، وأنَّه هل يجوز أن أحجَّ مثلاً أو أُؤدّي عمرة مفردة أو أن أقرأ القرآن الكريم نيابةً أو هديةً عن الإمام المهدي. إنَّ من الواضح فقهياً جواز ذلك، وهذه سيرة علمائنا اليوم وأمس قائمة علىٰ ذلك، فإنَّ هذا الأمر جائز، بل مستحبّ. وقد وردت بعض الروايات الدالّة علىٰ أنَّ من أشرك معه أحداً من المؤمنين في حجَّته فإنَّ له ولجميع من أشركه الثواب الكامل، فقد ورد عن عليِّ بن إبراهيم الحضـرمي، عن أبيه، قال: رجعت من مكّة، فلقيت أبا الحسن موسىٰ في المسجد وهو قاعد فيما بين القبر والمنبر، فقلت: يا ابن رسول الله، إنّي إذا خرجت إلىٰ مكّة ربَّما قال لي الرجل: طف عنّي أُسبوعاً وصلِّ ركعتين، فأشتغل عن ذلك، فإذا رجعت لم أدر ما أقول له، قال: «إذا أتيت مكّة فقضيت نُسكك فطف أُسبوعاً وصلِّ ركعتين ثمّ قل: اللّهمّ إنَّ هذا الطواف وهاتين الركعتين عن أبي وأُمّي وعن زوجتي وعن ولدي وعن حامَّتي وعن جميع أهل بلدي حرّهم وعبدهم وأبيضهم وأسودهم، فلا تشاء أن قلت للرجل: إنّي قد طفت عنك وصلَّيت عنك ركعتين، إلَّا كنت صادقاً، فإذا أتيت قبر النبيِّ فقضيت ما يجب عليك فصلِّ ركعتين، ثمّ قف عند رأس النبيِّ، ثمّ قل: السلام عليك يا نبيَّ الله من أبي وأُمّي وزوجتي وولدي وجميع حامَّتي ومن جميع أهل بلدي حرّهم وعبدهم وأبيضهم وأسودهم، فلا تشاء أن تقول للرجل: إنّي أقرءت رسول الله عنك السلام إلَّا كنت صادقاً»(1). بل ورد أنَّه قال أبو عبد الله: «لو أشركت ألفاً في حجَّتك لكان لكلِّ واحد حجَّة من غير أن تنقص حجَّتك شيئاً»(2). بل ورد أنَّ إهداء بعض الأعمال لبعض العظماء من الصالحين هو من الأبواب التي تساعد علىٰ قضاء الحاجة، فقد ورد عن داود الرقّي قال: دخلت علىٰ أبي عبد الله ولي علىٰ رجل مال قد خفت تواه(3)، فشكوت إليه ذلك، فقال لي: إذا صرت بمكّة فطف عن عبد المطَّلب طوافاً وصلِّ ركعتين عنه، وطف عن أبي طالب طوافاً وصلِّ عنه ركعتين، وطف عن عبد الله طوافاً وصلِّ عنه ركعتين، وطف عن آمنة طوافاً وصلِّ عنها ركعتين، وطف عن فاطمة بنت أسد طوافاً وصلِّ عنها ركعتين، ثمّ ادع أن يردَّ عليك مالك، قال: ففعلت ذلك، ثمّ خرجت من باب الصفا وإذا غريمي واقف يقول: يا داود، حبستني، تعال اقبض مالك»(4). ولذلك نحن نعمل عادةً علىٰ إهداء تلاوة القرآن الكريم للإمام المهدي، ليس فقط من أجل قضاء الحوائج، وإنَّما من باب صلة مولانا الإمام المهدي بما هو حقٌّ علينا أن نصله بمثله. وقد ورد عن عليِّ بن المغيرة، عن أبي الحسن، قال: قلت له: إنَّ أبي سأل جدّك، عن ختم القرآن في كلِّ ليلة، فقال له جدّك: «كلّ ليلة»، فقال له: في شهر رمضان، فقال له جدّك: «في شهر رمضان»، فقال له أبي: نعم ما استطعت. فكان أبي يختمه أربعين ختمة في شهر رمضان، ثمّ ختمته بعد أبي فربَّما زدت وربَّما نقصت علىٰ قدر فراغي وشغلي ونشاطي وكسلي، فإذا كان في يوم الفطر جعلت لرسول الله ختمة، ولعليٍّ أُخرىٰ، ولفاطمة أُخرىٰ، ثمّ للأئمَّة حتَّىٰ انتهيت إليك فصيَّرت لك واحدة منذ صرت في هذا الحال، فأيُّ شيء لي بذلك؟ قال: «لك بذلك أن تكون معهم يوم القيامة»، قلت: الله أكبر فلي بذلك؟! قال: «نعم»، ثلاث مرّات(5). ____________________ (1) الكافي للكليني 4: 316 و317/ باب من يشـرك قرابته أو إخوته في حجَّته أو يصلهم بحجِّه/ ح 8. (2)الكافي للكليني 4: 316 و317/ باب من يشـرك قرابته أو إخوته في حجَّته أو يصلهم بحجِّه/ ح 10. (3) توىٰ يتوىٰ توىٰ المال: ذَهَبَ. (العين للفراهيدي 8: 144/ مادَّة توو). (4) الكافي للكليني 4: 544/ باب النوادر/ ح 21. (5) الكافي للكليني 2: 618/ باب في كم يُقرَأ القرآن ويُختَم/ ح 4. من كتاب على ضفاف الانتظار/ صفحة (21-24) الشيخ حسين عبدالرضا الاسدي

اخرى
منذ سنة
947

جمعُ القرآن

تؤكِّد الروايات الشـريفة أنَّ الرسول الأكرم كان كلَّما نزل عليه وحي من القرآن الكريم، أمر عليّاً بأن يكتبه، ليحفظه له وللمسلمين عموماً، فقد روي عن أمير المؤمنين أنَّه قال: «... وكنت إذا سألته أجابني، وإذا سكتّ عنه وفُنيت مسائلي ابتدأني، فما نزلت علىٰ رسول الله آية من القرآن إلَّا أقرأنيها وأملاها عليَّ فكتبتها بخطّي، وعلَّمني تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وخاصّها وعامّها، ودعا الله أن يُعطيني فهمها وحفظها، فما نسيت آية من كتاب الله ولا علما أملاه عليَّ وكتبته، منذ دعا الله لي بما دعا...»(1). وقد كان جمعه للقرآن تنفيذاً لوصيَّة الرسول الأكرم بأن يجمع القرآن ولا يدعه متفرِّقاً، فقد ورد عن أمير المؤمنين أنَّه قال: «إنَّ رسول الله قال لي وأوصاني أن إذا واريته في حفرته لا أخرج من بيتي حتَّىٰ أُؤلِّف كتاب الله، فإنَّه في جرايد النخل وفي أكتاف الإبل...»(2). وتنفيذاً لهذه الوصيَّة قال: «لـمَّا قُبِضَ رسول الله أقسمت - أو حلفت - أن لا أضع ردائي عن ظهري حتَّىٰ أجمع ما بين اللوحين، فما وضعت ردائي عن ظهري حتَّىٰ جمعت القرآن»(3). لقد جمع أمير المؤمنين القرآن كما أنزله الله تعالىٰ علىٰ نبيِّه الأكرم، وفسَّـره كما فسَّـره له الرسول الأكرم، وكان فيه من العلوم ما لا يعلمه إلَّا الله تعالىٰ، ومن هنا، قال ابن الجزي في التسهيل: (وكان القرآن علىٰ عهد رسول الله متفرِّقا في الصحف وفي صدور الرجال، فلـمَّا توفّي رسول الله قعد عليُّ بن أبي طالب في بيته فجمعه علىٰ ترتيب نزوله، ولو وُجِدَ مصحفه لكان فيه علم كبير، ولكنَّه لم يوجد)(4). وعن محمّد بن سيرين: (لو أُصيب ذلك الكتاب لوُجِدَ فيه علم كثير)(5). _____________________ (1) الكافي للكليني 1: 64/ باب اختلاف الحديث/ ح 1. (2) تفسير العيّاشي 2: 66/ ح 76. (3) المناقب للخوارزمي: 94/ ح 93. (4) التسهيل لعلوم التنزيل للكلبي 1: 12. (5) الاستيعاب لابن عبد البرِّ 3: 974. من كتاب قطاف شهر رمضان/ صفحة (96-97) الشيخ حسين عبدالرضا الاسدي

اخرى
منذ سنة
383