أقلام

ليكن اختيارك صحيحًا… فبعض الأخطاء لا يمكن تصحيحها

بقلم: العلوية الموسوي تمتلك بشرة وردية او بيضاء وعيونها ملونة مع قوام رشيق متناسق... نعم هذه وشبيهاتها مطلب الكثير من شباب اليوم اذا ارادوا الزواج، بل حتى بعض الامهات متغافلين عن الصفات الاولى والاهم في الفتاة وهي دينها واخلاقها، فالكثير لم يحسب لها أي حساب، وكأن الفتاة سلعة للعرض والتباهي بشكلها ومظهرها امام الاخرين فقط، وان الارتباط بزوجة جميلة ذات مظهر جذاب يدخل ضمن سعادته واستقرار حياته الزوجية ونجاحها، اليسَ التكافؤ والتوافق بين الزوجين هو من سيؤدي الى تفاهمهم وانسجامهم وبناء علاقة زوجية تسودها المودة والرحمة؟ هل يعقل أن الوجه الجميل للفتاة سيجعل الزوج سعيدا مع زوجته حتى وان كانت طباعها سيئة ومنفرة ؟! والعكس صحيح انتِ كذلك ايتها الفتاة، الشاب الجميل والوسيم اذا لم يكن ملتزما وخلوقا فلن تكوني معه سعيدة ومطمئنة لان الاخلاق والالتزام بالأحكام الالهية هي ما يضمن لكِ الحياة الزوجية المطمئنة؛ كونك ستحصلين على حقوقك كاملة مع كل الاحترام والمودة بينكما. هذا ما ضمنته لك الشريعة السمحاء فلا تجعلي اولوياتكِ المظهر والشكل او ما يملك من اموال وحطام الدنيا الزائل، فكل هذا ليس ضمانا وسببا للسعادة والهناء، نعم لا شك أن له اثره ولكن ليس الاولى والاهم... ونحن في كل ذلك لا نعني أن لا يبحث الشاب أو الفتاة عن الجمال بنسبة معينة، ولكن عليهم أن ينظروا إلى الجوانب الأخرى ولا ينخدعوا بجمال المنظر عن جمال الباطن. فمن الضروري جدًا وخصوصا في عصرنا هذا التريث والتروي في اختيار شريك الحياة لان الواقع شاهد على فشل العديد العلاقات الزوجية عندما كان الاختيار غير صحيح ومبنيًا على اسس خاطئة، عندها لن يفيد الندم... واما ان تكون نهايتها الانفصال او العيش بمرارة وتجرع واقع لم يكن بالحسبان يوما ما.... وبما ان الزواج مشروع مقدس، قدسته الشريعة وكل القوانين والدساتير الوضعية، فينبغي ان يُؤسس على اسس وقواعد رصينة ومدروسة حتى يعطي ثماره المرجوة في صيانة الفرد والمجتمع وبالاختيار الصحيح والمعمق تصل الاسرة الى بر الامان والحياة الهانئة البعيدة عن كل ما يعكّر ويكدر صفو النفس والروح ...

اخرى
منذ سنة
1557

آمنة الرقيقة

بقلم: صفاء الندى بينما كنت أسير في جنتي الأرضية وأتجول بين أشجارها المتنوعة ﻷقطف ما يروق لي من ثمارها، تذكرت ابنتي (آمنة) وقد اعتدت أن آتي بها معي إلى هنا - نسيت أن أخبركم أن جنتي الأرضية أعني بها معرض الكتاب- ولكن هذه المرة تخلفت آمنة عن الحضور بسبب بدأ الامتحانات المدرسية فنصحتها بالبقاء في البيت لمراجعة دروسها. لذا قررت التوجه إلى قسم الأطفال وأن أجلب لها كتابًا من اختياري يناسب عمرها وذوقها، فوقع بصري على كتيب يتناول سيرة الأنبياء أولي العزم والأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) بشكل مقتضب وبأسلوب قصصي مشوق، اشتريت الكتيب بدنانير معدودة وكنت فيه من الراغبين، وعدت إلى البيت، وما إن فتحت الباب حتى قفزت ابنتي أمامي واحتضنتني فقبلتها وبادرتها بالسؤال: -ألم أتركك تدرسين؟! وأين جدتك؟! -نعم يا أمي ولكني شعرت بالجوع فأخذت من الحلوى ما يكفيني... وجدتي نائمة -وسكتت هنيئة- ثم قالت معترفة: ولعبت قليلًا... -لا بأس أن تلعبي قليلًا، ولكن لا تكثري من الحلوى فإذا ثقلت معدتك ستفقدين تركيزك، هيا عودي لدراستك… ذهبت مسرعة وبلا نقاش محاولة ترميم خطئها، فهي شعرت بامتعاضي من تصرفها، انشغلت بعملي المنزلي وإذا بطارق يطرق بابنا، وعندما فتحت (آمنة) الباب وجدت شخصًا يستجدي ويطلب المعونة، فطلبت منها أن تأخذ نقودًا من حقيبتي وتعطيها إليه معتذرة إن لم تسد فاقته، ففعلت ذلك بكل أدب وعادت إلى المطبخ مهرولة وفرحة تلوح بالكتاب -لقد وجدتْه بالحقيبة- -أماه لِمَ لمْ تخبريني عن أمر الكتاب؟! -انتظرتك لتنهي درسك. فأقسمت لي أنها أنهتها وطلبت مني أن أختبرها... فقلت: لكني الآن متعبة -ورميت بنفسي على الكرسي- أحتاج للراحة قبل أن يحين وقت صلاة الظهر. فجلست ابنتي (آمنة) بقربي على الأرض وقالت: وماذا عن الكتاب؟ ولا حظت في عينيها لمحة توسل، فقلت: اقرئيه، ولكن بما أننا مقبلون على ذكرى ولادة الإمام الجواد (عليه السلام) فأقترح عليك أن تستفتحي بما يحويه الكتاب من سيرته. وما إن فتحَتِ الكتاب حتى غادرتني إلى عالمها النقي، وساد بيننا صمت عميق لدقائق، وعندما رأيتها أغلقت الكتاب قلت لها: اذكري لي يا ابنتي ما علمت من سيرة الإمام الجواد (عليه السلام) لأستفيد أنا أيضًا فقالت: أماه، أحزنني أنه مات مسمومًا! فقلت لها: كرامتهم من الله الشهادة، إنه شهيد، لا تحزني فنحن في ذكرى ولادته... وماذا بعد أريد أن أعرف منك أكثر؟ فقالت: الذي عرفته أنه (عليه السلام) كان كريمًا ويساعد المحتاجين ويعطف عليهم؛ لذا سُمي بالجواد وقرأت أن أباه هو الإمام الرضا (عليه السلام) المدفون بمشهد في إيران وقد زرناه العام الماضي أليس كذلك؟ فقلت: نعم عزيزتي أكملي. قالت: وأمه اسمها - تلعثمت قليلًا- لعل اسمها القيروان فصححته لها: كلا بل اسمها السيدة الخيزران. وتابعت حديثها - قائلة: وقد مات والده الإمام الرضا (عليه السلام) وهو صغير، إنه أيضًا أمر محزن يا أمي! فجاوبتها: اكملي حبيبتي، أُمك فداء لقلبك الرقيق. فقالت: والذي فهمته أن زوجته كانت شريرة... نعم شريرة وأنا لا أحبها. فأوضحت لها أنها تسمى أم الفضل ابنة المأمون، وهي كما قالت وإن أباها أشر منها، فهو حاكم ظالم وقاتل وليس كل نساء الإمام الجواد سيئات كتلك… واسترسلت متحمسة لتخبرني عن أمر أثار استغرابها فقالت: أُماه كيف أتيح للإمام الجواد (عليه السلام) وبعمره الصغير -فهو ابن سبع أو ثماني سنين أي بعمر قريب من عمري- أن يصبح إمامًا للمسلمين ويطيع الناسُ أوامره؟ وعندما يُسأل عن أي شيء -حتى الأسئلة الصعبة- يجيب عنها دائمًا إجابات صحيحة؟ - وتنهدت قائلة- ليتني مثل إمامي حتى أجيب على جميع أسئلة الامتحان وأحصل على درجه كاملة! أضحكني تعليقها البريء هذا، وأيضًا أعجبتني جرأة استفهامها عن أمر بدا لها مبهمًا، وحاولتُ أن أُلَمْلِم أفكاري ومعلوماتي لأعطي الجواب عن تساؤلها المفاجئ لي، وبكل هدوء وبأسلوب تفهمه قلت لها: ألَم تسمعي يا ابنتي بالطفل المعجزة أو الخارق؟! إنهم أطفال مبدعون فاقوا أقرانهم بل وأساتذتهم ذكاءً وفطنة ومهارات نادرة، فمنهم من يحل مسائل رياضية معقدة، ومنهم من يحفظ القرآن بكل تفاصيله، ومنهم من طُويت لهم المراحل الدراسية فهم الآن يدرسون في الجامعات بأعمارهم الصغيرة، ويوجد أطفال لم يكملوا سنتهم الأولى وهم يعرفون أسماء الدول وعواصمها أيضًا. إذن يا ابنتي لا تعجبن من أمر الله القادر على كل شيء، فأولئك بشر عاديون وبعضهم من غير المسلمين فكيف بأهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذين زُقوا العلم زقًا، ولديهم قابلية لاستيعاب العلوم بقدرة ربانية، فعلمهم من الله تعالى وليس من المدارس والجامعات، وهم تحت العناية الإلهية مذ أن كانوا أنوارًا تتلألأ حول العرش إلى حين أوجدهم الله ورحمنا ومنَّ علينا بوجودهم في هذه الدنيا... - وفي أثناء حديثي رُفع الأذان، فلا بد أن يُقطع الكلام، إلا أنني مازحتها قائلة: ولا تظني أني نسيت موضوع الامتحان!

اخرى
منذ سنة
1175

جذوة نصر

بقلم: سماهر الخزرجي مرت سنة... وهذه الدموع تأبى الانقطاع من مجراها، كأنه رافد يجري في ذلك الوجه المتعب الذي ترك الزمن عليه آثاره. ولمَ لا ؟ فوحدها الدموع على أخيها تحدَّ النظر. موجوعة هي وجسمها النحيل غائر في الفراش لا يقوى على الحراك... من رأسها المتعب انطلقت قافلة الذكريات تنسلُ من سرداب الماضي، تقطع الليالي المظلمة. غادر القمر ليلها وغارت نجومه، لا نجم تهتدي به في هذا الليل الأدهم، والصحراء مترامية... وشوك الذكرى يدمي قلبها. رائحة خيام محروقة، صراخ صبية يستنجدون بها ويتجاذبون أطراف عباءة سترت الدين وما أبلاها الدهر... خيول ثائرة، وخرير ماء يجري تبرقع بالحزن السرمدي حياءً منها. سهام طائشة تحلق في الفضاء... سهم يصيب عين القمر، وآخر يخرق كبد القربة لتنزف دمعًا كغيث السماء. مازالت تتخطى الجثث لاهثة وراء ذلك النسيم الذي ينساب إلى مشامها من بعيد، المسافات بينهما بعيدة كلما تقدمت خطوة زادت المسافة بعدًا. جُدد الأرض اكتحلت بالدماء تصطبغ به، تمرّغ وجهها وسيل المنايا تتزاحم عليها... تهج آونة ... وروحها المتوجعة تراوح بين كربلاء والشام. تجيل نظرها في أرجاء الدار، يقع على ظرف ماء وضع بالقرب منها، تشتهيه فلسانها كخشبة يابسة، ترمق إليه، يأتيها نداء من بعيد (وحق جدي أنا عطشان) وصورة شخص تتشابك النبال في صدره لتتوضأ من قدس دمه لتتلوَ آيات الشهادة. تغمض عينيها... يتراءى لها نعشها وهو يقترب منها... يتقدمه شقيقها الأكبر ويتخلف عنه الشمس والقمر، شمس بلا رأس وقمر بلا كفين... أغلقت باب الذكريات لتحلق روحها مع الحاضر... واُمنيات دفنت في صدرها لم يمهلها الزمن لتحقيقها... إنها زينب، إنها شعلة تنير النفوس المظلمة... وها هو الزمن عاد ليرتمي على أقدامها...

اخرى
منذ سنة
1116

زينب (عليها السلام) آيات للعابرين

بقلم: منتهى محسن لم تكن كبيرة لتتحمل ألم الفراق، ولم تكن ناضجة لترتق شق الفقدان، فما زالت غضة تسبقها دموعها كلما اشتاقت لأمها، وهالة الفقد ترتسم على سيماء وجهها الطفولي الجميل، جُل ما كانت تستطيع فعله أن تجلس بحجر أبيها، تتلمس بقايا لمسات أمها البتول، او تتصفح وجهي أخويها لعلها تروي ضمأها الشديد نحو تلك الطلة النورانية الراحلة . _ اشتقت لعطرك الملكوتي أمي، ودفء حجرك، وتناسيم صوتك في الدعاء، وهمهمتك وتهجدك في الصلاة، وأنفاسك الزكية العبقة بعطر الجنان. _ أماه.. هل تسمعينني، أنا بنيتك "زينب"، أطارح الليل الطويل ودموعي تملأ وسادتي حنينًا اليك . _ بالله عليك، هلا أخبرتني من سرقك مني؟ ومن أوجعني على صغري بحرماني وفقدي إياك ؟! هكذا غُيبت شمس النهار واستحال الكون ظلامًا في حياة تلك الطفلة الصغيرة التي أذاقتها الدنيا طعم المر على نعومة أظفارها، ولم تكن تلك المأساة أول الصدمات وآخرها، فلطالما توجع قلبها مرارا وتكرارا . _ أبتاه يا سندي، كلما اشتقت لوجه أمي النوراني حدّقت بوجهك فيصلني قبس نورك، فمالي أراك تنعى نفسك في هذه الليلة؟ وتجيبني : "يا بنية قد قرب الأجل وانقطع الأمل".. فهل ينفع البكاء والعويل ؟! _ أبتاه .. حتى الإوزة أبت رحيلك فخرجت وراءك تستبقيك، ورفرفت بجناحيها تناديك، وصاحت بوجهك تثنيك! _ حتى الباب شد وثاقك وهاله خروجك الأخير، فأَمسك بمئزرك لا يود فراقك، كأنه هو الآخر يحاول ثنيك عن الخروج هذه الساعة ويخشى ابتعادك، ورحت ترفعه وتشده من جديد وأنت تردد : أشـدد حيازيمك للموت *** فإن المـوت لا قيكـا ولا تجـزع من الموت *** إذا حــل بنـاديكـا كما أضحكـك الـدهر *** كذاك الدهـر يبكيكـا _ أبتاه ..لما فقدتُ أمي البتول، كنتَ أنت عكازي الذي اتكأ عليه، ومرفأي الذي ألوذ اليه، والظل الذي احتمي فيه، فمن لي بعد انطفاء نورك ورحيلك؟ لقد آن لذلك القلب أن يتجرع الحزن مرات طوالًا، وأن تنهال عليه الهموم باستمرار ، ليتجلد ويتقوى ويتهيأ لفاجعة مهولة قادمة بمشيئة الله، وبصدور حرى، وقلوب عبرى، جرى القدر وفاضت روح الأب المغوار، وصار الفقد عظيمًا والمصاب جسيمًا، والحزن عميقًا، فلم يبق قربها الا أخواها الحسنان (عليهما السلام) يؤنسانها ويكفكفان دموعها ويخففان عنها ألم الحرمان . _ أخي حسن، يا أشبه الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله ) خلقاً وخُلقاً وهدياً وسؤدداً، هل ستغادرني أنت أيضًا وتتركني أقاسي فراقك الموجع؟، يا لِلوعة قلبي المنفطر وقد تقطع كبدك اثر ذلك السم اللعين، ويا لحنانك الأخّاذ وأنت تأمر بإخفاء الطشت الذي تلفظت به كبدك رحمة بي وإشفاقا! واغربتي بعدك يا ابن الأكرمين ؟! وتستمر المواجع تنهال على ذلك القلب الصبور، وكل محنة تهدّ الجبال الراسيات، وتظل تلك الروح تتجرع الآهات والصدمات كل حين، والضربات تتوالى دون توقف أو نفاد. ومضت السنين تخطف الأحباب واحدًا تلوى الأخر، تاركة الندبات في شغاف القلوب الذابلات، لترتمي زهرة الحياة مياسة تتدلى ذابلة بعد ان أدمتها النوائب والفاجعات ، وأشدها وقعًا ومصابًا فاجعة كربلاء. فلقد ذوى قمر بني هاشم على رمضاء كربلاء بعدما استبسل لجلب الماء لعيال الحسين، وقد قطع الأوغاد كلتا يديه بكل لؤم وخبث، فلما سقط صريعا انهارت اخر محطات الوفاء والإخلاص. _ الآن انكسر ظهري وشمت عدوي وقلة حيلتي . _ « وأخاه ، وا عباساه ، وا ضيعتنا بعدك » تشظى صراخ العقيلة في صحراء كربلاء، وقد رمتها الدنيا بسهم الغدر من جديد، وهذه المرة بأخيها قمر بني هاشم، فتلظت تحترق على جمر الصبر والاحتساب . ولم يبق لها في الوجود الا ذلك المصدر الوهاج، عشقها الوحيد وملاذها الفريد، وتوأم روحها وشقيق فكرها ومهجة قلبها، فلقد كانت تبصر من عينيه شجاعة أبيها، وصبر أمها، وحلم أخيها، وبهاء جدها رسول الأنام (صلى الله عليه وآله) . _ ألا من ناصر ينصرنا ، ألا من موحد يخاف الله فينا؟! تعالت داعية الحسين على رمضاء كربلاء نذيرًا حزينًا، بعد أن تساقط الأصحاب والإخوان وفلذات الأكباد صرعى على وجه الثرى، وزينب (عليها السلام) تتجرع كأس المنون . _ أي أخت تقدم لأخيها جواد المنية؟ وا غربتنا بعدك يا أخي ؟ وا ضيعتنا بعدك يا عزيز أمي الزهراء ؟ _ وا أخاه ، واسيداه، وا أهل بيتاه، ليت السماء أطبقت على الأرض، وليت الجبال تدكدكت على السهل. _ يا عدو الله ويلك! أما علمت أنّ هذا الصدر تربى على صدر رسول الله، وصدر فاطمة الزهراء؟! ويحك ! هذا الذي ناغاه جبرئيل ، وهز مهده ميكائيل!! لم تقف الحكاية الى هذا الحد من الظلم والإقصاء، ولم يكتفِ حفنة الأوغاد من شن همجيتهم على اشرف بيوت الإسلام، بل تمادوا أكثر وسجلوا أبشع المواقف وأخزى الأحداث؛ أحداث يندى لها جبين الإسلام . حتى أهالوا الأطفال والنساء ومارسوا عنجهيتهم بكل إتقان، وأمروا بحرق الخيام وروعوا حرائر بيت رسول الله، فتعالى الصراخ وزاد الهلع والخوف ببنات الرسالة أمام لهب النيران، فلم يبق يومئذ من الأشراف إلا زين العباد (عليه السلام) _ يا ابن أخي : ما لي أرى الكون قد تغير؟ والشمس انكسفت ؟ والأرض ترجف ؟! _ لقد قتل أبي الحسين ، قُتل أسد الله الباسل ، قتل ابن سيد الأوصياء ، قتل ابن فاطمة الزهراء . سقط أرضا باقي العترة الاطهار وقد غشي عليه مكبوباً على وجهه، تلقفته سليلة المجد والفخر بارتجاف يديها وبقلبها الكبير ومحبتها الفائقة، لتنظّم سيناريوهات الحقد وقعاتها المدوية على ذلك القلب الصابر المجاهد بأشد ما يكون. _ يا بقية الماضين وثمال الباقين، واغربتاه ! وا أخاه ! وا حسيناه ! وا عباساه ! وا رجالاه ! وا ضيعتاه بعدك يا أبا عبد الله. عزفت السماء سمفونية العزاء وشاركت ملائكة السماء ذلك الرثاء، وشارك الكون النوح والبكاء، فأي فقد بعد فقد سيد الشهداء، وأي خطب حل بالأرض والسماء ، وأي ظليمة لحقت بالآل الأطهار؟! وكل تلك السلسلة من الأحداث المريرة والفقد العظيم حواه قلب واحد أبصر مختلف المحن والانتهاكات، وبهذا ذابت شمعتها بعد عام واحد من تلك الأحداث، ورحلت الى بارئها تشكو جور الظالمين القساة، رحلت بجسدها الفاني وخلدت بروحها السامية ومواقفها البطولية الرائدة التي أبهرت بها العدو قبل الصديق . رحلت مودعة أفق الحياة التي لم تُذِقها سوى الويلات، رحلت إلى جنة عالية قطوفها دانية حيث الروح والريحان ، لتجتمع في الفردوس الأعلى مع جدها رسول الله وأبيها حيدر الكرار وأمها سيدة النساء وأخوتها البواسل أجمعين، واولادها الذين تساقطوا نجوما على ارض كرب وبلاء، رحلت وظل حراكها وصبرها آيات للعابرين ابد الزمان .

اخرى
منذ سنة
2318

تساؤلات بريئة

بقلم: سراج الموسوي في خلجات روحي الهائمة، بفرح وابتسامة رقيقة أتساءل: أيٌّ كان أشد فرحًا بقدوم هذا المولود؟ أكانت الوالدة الحنون المؤمنة والصابرة على ما ترى، ويرون؟ أم كان ذلك الوالد الكفيل (بحامل الرسالة)؛ بوضع راية الكفالة بكف كرار غير فرار؟ أم كانت جموع الملائكة أشد فرحًا وسرورًا لقدوم فارس الهيجاء، ومبيد الكفرة الخُيلاء؟ أم كان بيت الله له الحصة الكبرى، تغبطهُ كل بيوت الله؛ على أول وآخر مولود يُولد على أرضه ساجدًا مسبحًا للواحد دون آلهة القوم المشركين؟ أم أن جدار البيت عبّر عن سروره أن بقي مشطورًا رغم أن الناس أرادوا ان يُسدوا فرحه بلا جدوى! أم أن انبياء الله جميعًا يغبطون النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله) على وزيره، وعلى رعايته الحنونة؛ فهو أقرب إليه من أمه التي انجبته؟ انتظرت برهة وعدتُ أسأل من جديد: أيُ مهد احتوى ذلك الطفل العالِم؟ ما كان يحمل من فوز؟ وكيف يتباهى بحمله لسيد الموحدين، وتشرفه لأن يكون قرب أرحم الناس بالناس وأشدهم عليهم حرصًا ورأفة؟ ماسكًا له بيده الشريفة يهزه؟ لقد انتابتني الغبطة للأيام التي شهِدت هذا النبأ العظيم. أُعيد الكرة في السؤال: ما حال شهر الخير رجب من بين الشهور، وهو يحمل اسم سيد الوصيين؟ وبأي وسيلة توسل للباري لتكون لياليه البيض أشد بياضًا من كل الأيام؟ لو كنت أستنطقه لنطق بفصيح الكلام: شرّفني ربي بأن أول أئمة الهدى يُولد في أيامي، وأنه لشرف ما بعه شرف، ورفعة ما بعدها رفعة، وفضل ما بعده فضل. أُرخي مشاعري وأرفع طرفي إلى العلياء وأُناجي: امامي يا صاحب العصر، أنت اليوم من ينتابه السرور، فجدك ناصر الدين قد وُلد، وبداية عصر جديد قد وعد الله به قد حان، وما هي إلّا أيام معدودة حتى يصل الأمر إليك؛ فتشع أنوارك ما بين المغربين، وتملأ الأرض بهجة ووئاما، وراحة وسلامًا. فإلى ذلك اليوم تتوق أفئدتنا شوقًا إليك، وتزداد آمالنا هوسًا بك، ولا تمل أعيننا من النظر إلى دربك، وانتظار هبوطك إلينا من علياك، والتزود منك. يا بن النجباء الأكرمين، وابن سيد الوصيين، ويعسوب الدين، وناصر المؤمنين، المرتضى الأمجد، وأخي الرسول الأوحد، امير الموحدين، ووصي خاتم النبيين. سيدي.. متى ترانا ونراك؟ وقد أحطْنا بك مُهنئين بمولد جدك الأمين، تُرى أتُرانا نحف بك وانت تستقبلنا باسِمَ الثغر، تُوزع علينا بركاتك ودُعاءك! أتساءل وأُمنّي النفس، وليس عند الله ببعيد.

اخرى
منذ سنة
457

لآلئ من نهج البلاغة (1)

بقلم: يا مهدي أدركني في تلك الحقول الشاسعة ذات الفرش الخضراء، هب نسيم يلاعب ستائر، من نور خيوطها حروف، نُسجت ببلاغة جعلتها تكون فوق كلام المخلوق دون كلام الخالق، كلمات تخرق الصدور لتتربع في تلك القلوب لتبعث الطمأنينة في الارواح لتتكامل وترتقي سلالم من سحب بيضاء محملة بقطرات ماء متصاعدة من قاع بحر ممتلئ بلآلئ مختبئة، نغوص معًا لنبحث عنها فنقتنيها لتتزين بها عقولنا، تلك اللآلئ التي نثرت من كتاب نهج البلاغة لأمير المؤمنين وإمام المتقين مولانا علي ابي الحسن والحسين صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين. الحكمة الأولى قال أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: كُنْ في الفِتْنَةِ كَابْن اللْبُونِ لا ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ، وَلا ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ. قالوا في نهج البلاغة: هو كلام فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق، فهو كلام أُخذت مفرداته من لغتنا العربية، تلك اللغة ذات الكنوز العظيمة لمن عرف أن يصوغها فهي متاحة في وجودها للجميع، ولكن هي تُزيّن مَن عرف كيف يستخدمها ويصل إلى أسرارها، فيفتح بها القلوب ويزين بها العقول، وقد امتاز أمير المؤمنين (سلام الله عليه) بتلك الصياغة والبلاغة، كيف لا وهو الذي علّمه رسول الله (صلى الله عليه وآله). إن أمير المؤمنين (سلام الله عليه) دأبه كدأب رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يترك مجالًا من مجالات الحياة إلا وقد وضع فيه لمسة من لمساته لتضيء الدروب المظلمة، وبرأفتهم ورحمتهم لم يتركوا شيعتهم من دون أن يعبدوا لهم الطريق ليسلكوه حتى يصلوا الى بر الأمان. وحتى تتبين هذه الكلمة لأمير المؤمنين (عليه السلام) نذكر التالي: أولًا: بيان المعاني اللغوية لمفردات الحكمة: المفردة الأولى: كن: فعل أمر، أريد به هنا التنبيه والتحذير. المفردة الثانية: الفتنة في اللغة: هي الامتحان والبلاء وأصلها مأخوذ من (فتنتُ الذهب والفضة) اي أذبتهما في النار ليتبين الجيد من الرديء، ففي الفتنة يمتاز الخبيث من الطيب. وفي الفتنة بلاء للقلب والعقل. استطراد: لقد جاءت كلمة (الفتنة) في القران الكريم في مواضع عديدة وبمعاني مختلفة، وسنستعرض البعض منها. الفتنة في القرآن الكريم: 1- قال تعالى {وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} سورة المائدة: آية (71)، جاءت الفتنة هنا بمعنى (المحنة التي تغر الإنسان او هي أعم من كل شر وبلية)(1). 2- قال تعالى { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} سورة الأنفال: آية (28)، وفي هذه الآية أتت كلمة الفتنة بمعن (بلية عليكم أنها تلهي عن ذكر الله)(2). 3- قال تعالى {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} سورة الأنفال: آية (39)، في هذه الآية جاء تكليف للمؤمنين بالقتال وان لا يهنوا من اجل الدين (فهنا كناية عن تضعيفهم اي الكافرين بالقتال حتى لا يغتروا بكفرهم ولا يلقوا فتنة يفتن بها المؤمنون، والفتنة هنا ما يمتحن به النفوس وتكون لا محالة مما يشق عليها)(3). 4- قال تعالى {بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} سورة الزمر: آية (49)، أي بل النعمة التي خولناه منها فتنة اي ابتلاء وامتحان نمتحنه بذلك ولكنهم اكثرهم لا يعلمون بذلك(4). 5- قال تعالى {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} سورة العنكبوت: آية (2)، وجاء في تفسيرها (أظن الناس أن يتركوا فلا يتعرض لحالهم ولا يمتحنوا بما يظهر به صدقهم او كذبهم في دعوى الإيمان بمجرد قولهم: آمنا؟)(5). والفتنة ذكرت في القرآن الكريم اربعًا وثلاثين مرة، وفي هذه الكثرة تأكيد من الله تعالى وتحذير للمؤمنين من الوقوع فيها، وكذلك الروايات الشريفة أكدت على أن الناس سيقعون فيها لا محالة، وقد مر بها الأقوام السابقون وهي باشتداد على مر الدهور حتى تصل الى ذروتها في زمن الظهور، فإن الابتلاءات التي سيمر بها الناس في زمن الغيبة في اشتداد حتى قد يكسر البعض وذلك ليُغربل الناس ويمتاز الجيد من الرديء، فعن أبي بصير قال سمعت أبا جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) يقول: "والله لتميزنَّ، والله لتمحصنَّ، والله لتغربلنَّ كما يغربل الزؤان(6) من القمح"(7). ولكن كما ان الله تعالى حذر منها وكذلك أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم) فهم لا يشخصون حالة مرضية في المجتمع إلا ويُصحبونها بالوقاية فضلًا عن العلاج، ولمعرفة اساليب الوقاية منها لابد من التعرف على اسباب الوقوع في الفتن التي اشارت لها الروايات الشريفة ومن ثم تجنبها، ومنها التالي: الأول: الجهل بالفتن وانواعها فقد يتخيل المرء ان الفتن تأتي من باب المصائب والمحن والابتلاءات فقط ويغفل عن كونها قد تأتي من باب النعم فهي قد تكون على هيأة ازواج واولاد واموال، فهنا يجب على المؤمن ان يكون حذرًا كيسًا وان لايقع في هذه الفتن. الثاني: الاتباع الأعمى(8)، فهو اتباع قد يكون لمن يدعي العلم وهم كثيرون في زمننا الحالي، او اتباع لهوى النفس فعن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه (إنما بدءُ وقوع الفتن أهواءٌ تتبع، وأحكام تبتدع)(9). الثالث: الإكثار من الدعاء والتوسل بالله تعالى والمعصومين صلوات الله وسلامه عليهم من عدم الوقوع فيها، وبالخصوص (دعاء زمن الغيبة). لذا فعلى المؤمن ان يكون حذرًا فطنًا وأن يهتم بتغذية عقله بالمعارف التي تنجيه من الوقوع في فخاخ هذه الفتن فيزيد من رصيده العلمي المبتني على أسس عقائدية رصينة يستقيها من منابعها ليحرز عدم تلوثها بالشبهات التي قد تخلط الحق بالباطل، فقد ورد عن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) انه قال:عَـجِبْتُ لِمَنْ يَتَفَكَّـرُ فى مَـأْكُولِهِ كَيْـفَ لا يَتَفَـكَّـرُ فى مَعْـقُـولِهِ، فَيُجَنِّبُ بَطْنَهُ ما يُؤْذيهِ، وَ يُودِعُ صَدْرَهُ ما يُرْدِيهِ(10). المفردة الثالثة: ابن اللبون: وهو ابن الناقة الذكر إذا استكمل سنتين ودخل في الثالثة(11). المفردة الرابعة والخامسة: لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب فإن ظهر ابن الناقة الذكر لم يشتد بعد ليُركب عليه ويُثَقَّل عليه، وليس له ما للإناث من ضرع فيحلب ويستفاد منه، فهو لا ينتفع منه في هذا الموضع. ثانيًا: جمع لشذرات الحكمة مما تقدم نخلص الى ان أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) يأمر الناس عامة والمؤمنين من شيعته خاصة أن لا يُنتفع منهم في أيام الفتن والابتلاءات، فأمرهم ان يتشبهوا بابن اللبون فلا يكونوا في هذه الأيام كعود كبريت يزيد من إشتعال الفتن ولا حتى كالأوكسجين الذي يساعد على ابقاء النار واستمرارها. تنبيه: هناك من يدعو إلى الخضوع والخنوع والعزلة وعدم الإختلاط والنزول الى المجتمع ومعرفة ما يدور فيه تجنبًا من الوقوع في الفتن وخوفًا من الانزلاق وزل الأقدام، باعتبار تأكيد الأئمة سلام الله عليهم على اجتناب هذه الحركات، فقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (أخمل نفسك أيام الفتنة وكن ضعيفًا مغمورًا بين الناس، لا تصلح لهم بنفسك ولا بمالك ولا تنصر هؤلاء)(12). فهل من المعقول ان الإمام (صلوات الله وسلامه عليه) يطلب من اصحابه الخمول والضعف؟! ولكن لو حلقنا قليلًا في سماء روايات أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم نجد في جنبات نورهم كلمات تصدح بالحركة والعمل الدؤوب لا الخمول والضعف والانكسار، فكيف نوازن بين هذين الأمرين لنخرج بثمرة من هذه الحكمة؟ بل كيف نواجه الفتن في زمننا هذا الذي قد نأمل أنه قد اقترب كثيرًا من زمن الظهور المبارك، الزمن الذي أكدت الروايات الشريفة على تزاحم الفتن فيه؟ هذا من جانب. ومن جانب آخر نجد ان الكثير من الروايات أكدت على أن أفضل الأعمال هو الانتظار، هذا اذا وضعنا في الحسبان ان كلام امير المؤمنين (سلام الله عليه) مأخوذ على نحو القضية الحقيقية لا الخارجية(13). هل معنى الانتظار هنا يقوي جانب الخمول والركود في وسط أمواج الفتن؟ أم ان المراد منه هو عمل دائم لا انقطاع له وفق أرضية التمهيد المبارك؟ يتبع إن شاء الله تعالى _______________________________ (1)تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي، ج6، ص67. (2) التفسير المعين للواعظ والمتعظين، ص 180. (3) تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي، ج 9، ص(76-77). (4) تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي، ج17، ص274. (5) تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي,ج16، ص101. (6) الوؤان: وهو ما ينبت من القمح مما يشبه حبه حب القمح. (7) منقول من كتاب على ضفاف الإنتظار للشيخ حسين الأسدي، ص28، من كتاب الغيبة للنعماني: 212/اب 12/ح7. (8) منقول من كتاب شذرات مهدوية، للشيخ حسين عبد الرضا الأسدي، الشذرة 18، ص215. (9) نهج البلاغة: 88/ ح50. (10) بحار الأنوار، ج1، ص218. (11) كتاب أنوار الحكم ومحاسن الكلم، ج1، ص31. (12) منقول من كتاب انوار الحكم ومحاسن الكلم، ج1، ص32، عن كتاب شرح نهج البلاغة 18: 82. (13) يعني ان الخطاب موجه الى كل شيعة أمير المؤمنين سلام الله عليه وليس مختص بزمن معين وحادثة معينة.

اخرى
منذ سنة
4722

لآلئ من نهج البلاغة (2)

بقلم: يا مهدي أدركني ثالثًا: بيان معنى الانتظار ان الإنتظار هو عمل مستمر دؤوب نحو هدف سامٍ وغاية عظمى، هو حماس في عمل ونشاط في دوام واستمرار في جهاد(14). فهو لا يعني الركود والخمول والانكسار إطلاقًا، فالمنتظر الحقيقي له غاية عظمى وهي التمهيد لإمام منتظر والاستعداد التام لمناصرته، فالانتظار في الحقيقة هو اعتقاد وعمل وسلوك وتغيير على مستوى النفس والمجتمع. فكيف يكون المؤمن منتظرًا حقيقيًا بهذا المعنى وفي نفس الوقت كابن اللبون في مواجهة الفتن التي ستشتد عليه كلما إقترب زمن الظهور؟ بالتأكيد ان اهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم) لم يتركونا في حيرةٍ من أمرنا من دون اي توجيه، بل هناك خطوات رسموها لنا، إن اتّبعناها سنتمكن من التوفيق بين الأمرين بتحقيق الانتظار الحقيقي مع التجنب من الوقوع في الفتن، ومنها التالي: الأول: إن من شروط تحقق الإنتظار هو توفر المعرفة العقائدية والفقهية لدى المنتظر، وهذا يعني تأسيس قاعدة علمية محاطة بأنوار المعرفة الإلهية التي يتمكن من خلالها المنتظر أن تكون له القابلية والقدرة العقلية على تمييز الحق من الباطل. الثاني: معرفة بعض الخطوط العريضة عن شخصية الإمام المنتظر (سلام الله عليه) والتي تتضمن معرفة اسمه الكامل وحسبه وبعض المعلومات التي تساعده على معرفة شخصه في وقت الظهور، وذلك من خلال الروايات التي وصلتنا من أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم. الثالث: السعي والعمل -كل حسب مكانته وموقعه في المجتمع- من أجل التغيير وإكمال العدد الذي سيكون جيشًا ولو في المستقبل عبر الأجيال مناصرًا للإمام (صلوات الله وسلامه عليه). الرابع: وهو حلقة الوصل بين العمل الدائم المستمر كمنتظر وبين ان يكون المنتظر كابن اللبون، وذلك من خلال النقاط التالية: اولًا: معرفة علامات الظهور الحتمية ولو بالإجمال. ثانيًا: تثقيف النفس ومن يرتبط بها على مستوى حلقات تتوسع الواحدة تلو الأخرى لتوعية الأهل والأصدقاء والمجتمع. ثالثًا: الإحاطة بالفتن التي سيتعرض لها من خلال مطالعة الروايات التي صرحت بها، وكيف يتم التعامل معها باللجوء الى اهل العلم والمختصين الذين وكَّل الأئمة سلام الله عليهم أمور الأمة اليهم. ومن هذا يتبين أن ما قاله أمير المؤمنين سلام الله عليه لا يعني الاستسلام لهذه الفتن والاختباء منها لو وقعت، ولكن يجب علينا أن تتعامل معها بحذر وفطنة بحيث لو تعرضنا لها نعرفها ويمكن لنا ان نميزها وكيف نتعامل معها ونقي أنفسنا وأهلينا من الوقوع فيها. رابعًا: فتن زمن الغيبة والظهور: سنعرض هنا بعض الفتن التي ذكرتها الروايات الشريفة وكيف يمكننا التعرف عليها وتشخيصها كي لا نقع في شراكها وبالتالي تكبل الفرد من أن يكون عنصرًا فعالًا في مشروع التمهيد المبارك، وهي مستوحاة من كتاب (شذرات مهدوية)(15) ، وسنذكر منها التالي إجمالًا: أولًا: فتن الغيبة الكبرى: عن عبد الله بن المفضل الهاشمي، قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد (صلوات الله وسلامه عليهما) يقول: "إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة لا بدَّ منها، يرتاب فيها كل مبطل"(16). إن في زمن الغيبة الكبرى لا بد من وقوع الفتن والإبتلاءات التي بها يتغربل الناس فيثبت المؤمن ويرتاب المبطل، ومن هذه الفتن: الفتنة الأولى: طول الغيبة: إن من يعتقد بوجود الله تعالى وبصفاته الكمالية فهو مسلم بلا ريب بحكمته جل وعلا وإن كل أفعاله لا تخلو من حكمة، فإن العلة الحقيقية وراء غيبة الإمام (سلام الله عليه) وطولها غير مكشوفة لنا ولكن حتمًا ان وراء ذلك حكمة، وعليه يجب على المؤمن ان يقبل تعبدًا ويسلم لهذا الأمر، ويثبت ويرابط على الانتظار حتى وان خشيَّ من عدم إدراكه لعصر الظهور في حياته، فإن هذا لا ينفي وجود الإمام (عليه السلام) كي لا يقع في فتنة التشكيك في أصل ولادته، فإن الإنسان بطبعه عجولًا فقد قال تعالى في محكم كتابه الكريم {خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ ۚ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ}(17). الفتنة الثانية: ادعاء المشاهدة: والمراد من المشاهدة هنا هو ادعاء السفارة الخاصة، وهذه من أخطر الفتن التي تمر بها الشيعة الآن فكم وكم ممن ادعى السفارة الخاصة للإمام (عليه السلام) بل وحتى تجرأ على كونه من ذراري الإمام (سلام الله عليه) وانه من ولده وتجب الطاعة التامة له، وللأسف الشديد نجد العديد ممن انخرط تحت رايته ليكون من اتباعه ناشرين الدعاوى الباطلة سعيًا لتشتيت وحدة الشيعة وتمزيقها، وقد حذر الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) من هذه الفتنة ووصف كل من يدعي ذلك بالكذب، فقد خرج التوقيع إلى أبي الحسن السمري: "يا علي بن محمد السمري اسمع! أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جورا، وسيأتي من شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"(18) على أن هذا لا ينفي رؤية الإمام (عليه السلام) من دون ادعاء السفارة، فقد يراه شيعته ولكن لا يعرفونه، فعن إسحاق بن محمد، عن يحيى بن المثنى، عن ابن بكير، عن عبيد بن زرارة قال: "سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: يفقد الناس إمامهم فيشهدهم الموسم فيراهم ولا يرونه"(19). الفتنة الثالثة: تعجيل الظهور بنشر الفساد: وهذه الفتنة هي من احد اساليب التضليل التي تكمن وراءها أيدٍ خفية تعلن أنها تنادي بتعجيل الظهور وشوقها لإمام مستور ولكن في الحقيقة هي تسعى للفساد، وقد برر بعضهم فعلهم هذا بقول الرسول الله صلى الله عليه وآله: "لا يقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي يملأ الأرض عدلا وقسطا وكما ملئت ظلما وجورا"(20)، فادّعوا ان الإمام (عجل الله تعالى فرجه) لا يخرج إلا بعد ان تمتلأ الأرض ظلمًا وجورًا فهم بذلك يسرعون في عملية الظهور، وهذا الكلام وجدانًا باطل وذلك لأن الله تعالى لا يطاع من حيث يعصى فإن هذه القاعدة ثابتة ولا يمكن تزييفها، فحذار من الوقوع في هذه الفتنة. فتن عصر الظهور: الأولى: فتنة صيحة إبليس: إن من أهم العلامات الحتمية التي تحدث قبيل الظهور المبارك هي صيحة في شهر رمضان الكريم تصدر من السماء تخرق الأسماع والعقول وتذهل النساء والرجال والأطفال والشيوخ معلنة قرب ظهور الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ولكن إبليس اللعين الذي آلى على نفسه إلا أن يضل الناس ينادي في آخر الليل، ويشكك الناس ليوقعهم في الفتنة، فعن هشام بن سالم عن زرارة عن أبي عبد الله (عيه السلام) قال : "ينادي منادٍ باسم القائم (عليه السلام)"، قلت: خاص ام عام؟ قال (عليه السلام): "عام كل قوم بلسانهم"، قلت: فمن يخالف القائم (عليه السلام) وقد مودي باسمه؟ قال (عليه السلام): "لا يدعهم إبليس حتى ينادي في آخر الليل ويُشكَّك الناس"(21). الفتنة الثانية: فتنة خروجه شابًا: إن طول الغيبة وإمتدادها لسنين يوحي للإنسان بأن الإمام (سلام الله عليه) سيخرج بهيأة شيخ كبير أشيب، متناسين او غافلين عن قدرة الله عز وجل وإمكان إجراء المعجزة في أوليائه وحججه على ارضه، فخروج الإمام (سلام الله عليه) بصورة شاب عمره أقل من أربعين سنة قد توقع البعض في شباك الريب والشك، لذا فإن أئمتنا (صلوات الله وسلامه عليهم) لم يفُتْهم هذا الأمر وقد ذكروه في روايات عديدة ليجنبوا شيعتهم من الوقوع في الفتن وليكونوا على بينةٍ من أمرهم، فقد ورد عن ابي عبد الله (عليه السلام) انه قال: "وإنَّ من أعظم البلية أن يخرج إليهم صاحبهم شابَّاً وهم يحسبونه شيخًا كبيرًا"(22). الفتنة الثالثة: قرآن المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) إن البعض ادعى بان للإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) قرآنًا خاصًا به، وهو مختلف عن القرآن الذي نزل على جده المصطفى (صلى الله عليه وآله) وحيث ان القرآن الكريم يمثل أهم مصادر التشريع، فهذا يعني بأن الإمام المهدي (عليه السلام) سيأتي بدين جديد وتشريعات جديدة، ومن هذا الباب حاولوا ضرب التشيع وإشعال نار هذه الفتنة. في الحقيقة ان وجود قرآن لدى الإمام (سلام الله عليه) هذا أمر واقع ولا يمكن إنكاره، حيث إنه بعد ارتحال النبي الأعظم (صلى الله عليه واله) الى الرفيق الأعلى جلس أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) حبيس داره ستة أشهر يجمع القرآن الكريم حسب ترتيب النزول ولما أكمله خرج الى المسجد وعرضه على الناس لكنهم رفضوه فأخفاه عنهم (عليه السلام) وقال لهم : " لن تروه حتى يظهر ولدي آخر الزمان"(23). ولكنه ليس قرآنًا آخر، إنما هو القرآن نفسه، كتب معه أمير المؤمنين (عليه السلام) التفسير الصحيح له الذي أخذه مباشرة من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأيضًا كان قد رتّبه حسب النزول. ختامها مسك وخير ما نختم به المقال قول الله عز وجل في كتابه الكريم {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}(24). وتطبيقًا لقول أمير المؤمنين وسيد الوصيين (صلوات الله وسلامه عليه) إن الفتنة التي يجب ان نكون فيها (كابن اللبون لا ظهر فيركب ولا ضرع فيركب) هي فتن الضلال التي تصيب الظالمين، واذا لم نحذر منها فلربما وقعنا في شراكها، فعلى المؤمن ان يستعين بذكائه الذي اودعه الله تعالى فيه ليحذر منها ويقي نفسه وذلك بالعمل الدؤوب والحماس والسعي في طلب المعرفة ليقشع برياح علمه سحب الظلام لينير قلبه بشمس المعرفة. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين ابي القاسم محمد واله الطيبين الطاهرين _______________________________ (14) منقول من تعريف الانتظار من كتاب (على ضفاف الانتظار للشيخ حسين عبد الرضا الأسدي، ص11. (15) كتاب شذرات مهدوية للشيخ حسين الأسدي، الشذرة 18، ص 226. (16) الغيبة للنعماني: 212/باب12/ح6. (17) سورة الأنبياء: آية [37]. (18) بحار الأنوار للعلامة المجلسي، ج52,باب من ادعى الرؤية في الغيبة الكبرى وانه يشهد ويرى، ص151. (19) نفس المصدر السابق. (20) بحار الأنوار للعلامة المجلسي، ج51، ص81. (21) منقول من كتاب شذرات مهدوية للشيخ حسين الأسدي، الإمامة والتبصرة: 129 و130/ح133. (22) كتاب الغيبة للنعماني: باب 10/فصل 4/ح43/ ص(194-195). (23) منقول من كتاب على ضفاف الانتظار للشيخ حسين الأسدي، نور البراهين للسيد نعمة الله الجزائري2: شرح ص459. (24) سورة الأنفال: آية [25].

اخرى
منذ سنة
3413

محورية التكليف عند السيدة زينب‘ في واقعة كربلاء (1)

بقلم: فريال ياسر الأسدي المقدمة عندما نذكر السيدة زينب‘ هذا يعني أننا نذكر كربلاء وتطوف قلوبنا حول تلك السيرة العطرة، سيرة ابنة الوحي ومربية الأجيال، وهذا يعني أننا نسمع صدىً في أعماق شعورنا {ما رأيتُ إلّا جميلاً}، وفي هذه العبارة تتلخص كل شخصية زينب‘ وكل معرفتها بتكليفها ومحوريته في حياتها، فأي جمال هذا الذي يتجلى لربيبة الوحي ولا تراه العيون المحجوبة عن الجمال الحقيقي في هذا الكون ، وأي جمال تستشعره تلك العارفة بالله ولا تُحسِهُ القلوب القابعة في أكنة الآثام والرذائل. السيدة زينب علیها السلام من سیاقات البحث العلمی: الکشف عن الشخصیة التی یٌراد البحث عنها على فرض أنَّ هناك مَنْ لا يعرفها بالرغم من أنَّ المعروف لا يُعرّف، إلا أن ذلك من مقتضيات البحث العلمي تتطلب ذلك، فضلا عن ضرورة التعرف على نشأة السيدة زينب‘ ، وأُسس تكوين شخصيتها ، ففي الیوم الخامس من شهر جمادي الأولى ، سنة(6 هـ ) ولِدَت السيدة زينب× في بيت علي بن أبي طالب × ابن عم الرسول’ ، وأمها فاطمة الزهراء بنت الرسول’. (زينب الكبرى للنقدي ص17) وقد ذُكِرَت لها القاب عِدّة منها "العقيلة" وهذا وصفٌ للسيدة زينب وليس اسمًا (مقاتل الطالبين، الأصفهاني ، ابو فرج:60) ،وهذا الوصف بحقها جرى على الالسن وله في كتب اللغة معاني عدة منها:" المرأة الكريمة والنَفيسَة و المُخدّرة" . (لسان العرب لابن منظور، العين للفراهيدي في مادة عقيلة) "وهي الوليد الثالث في البيت العلوي بعد الحسن والحسين‘,، قضت السيدة زينب × ما يقارب خمس سنوات من عمرها مع جدها الأكرم رسول الله ’ فكانت تحت الرعاية المباركة لجدها رسول الله ’ وأمها الزهراء ، ونمت وترعرت ونشأت في مدرسة أبيها إمام المتقين واكتسبت منه أعلى مقامات العلوم الإسلامية والإنسانية والمعنوية". (البغدادي، إيراهيم حسين، زينب فيض النبوة وعطاء الإمامة: 22) وهذا تعريف موجز للسيدة زينب: {اللهم تقّبل منا هذا القربان}. مفهوم محورية التكليف محورية من الحور، "والحور: الرجوع عن الشيء وإلى الشيء، حارَ إلى الشيء وعنه حوراً ومنه المحور: الحديدة التي تجمع بين الخُطَافِ والبكرة، والحديدة التي تدور عليها البكرة يقال لها محور" (ابن منظور، لسان العرب:3/ 383ـ 387) المحورية: "اسم مؤنث منسوب إلى محِوَر وهو مصدر صناعي من محور بمعنى مركزية" .( مجمع المعاني الجامع،www.almaany.com) التكليف لغة من كلف : يدل على إيلاع بالشيء وتعلق به ، والكلفةُ: ما تكلفه على مشقة، والتكاليف المشاق أيضا والواحد تَكلِفة. والتكليف تفعيل من الكُلفة، وهو جعل شخص ذا كلفة بتوجيه أمر إليه يجعله في مشقة ومحدودية . (المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم:10/109ـ111) ويعرّف السيد الشهيد محمد باقر الصدر التكليف على أنه تشريف من لله سبحانه وتعالى للإنسان فيقول : "التكليف هو تشريف من الله سبحانه وتعالى للإنسان وتكريم له ؛لأنه يرمز إلى ما ميّز لله به الإنسان من عقل ، وقدرة على بناء نفسه ، والتحكم في غرائزه ، وقابليةٍ لتحمل المسؤولية خلافا لغيره من أصناف الحيوانات ومختلف الكائنات على الأرض". (الصدر، محمد باقر، الفتاوى الواضحة:39) ويقول المحقق الطوسي في وصف التكليف: "التكليف حسنٌ لاشتماله على مصلحة لا تحصل بدونه. (الحلي، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد:437) ويعلق العلامة الحلي في شرح تجريد الاعتقاد :التكليف حسنٌ لأنَّ الله تعالى فعله ، والله تعالى لا يفعل القبيح، ووجه حسنه اشتماله على مصلحة لا تحصل بدونه وهي التعريض لمنافع عظمية لا تحصل بدون التكليف". (المصدر السابق:438) ومن تعريف مفردة المحورية ، و مفردة التكليف، وبعد الاطلاع على مفهوم التكليف أستطيع القول: إنَّ تعريف محورية التكليف اصطلاحا، هو تجلي التكليف بعد تشخيصه في حياة الفرد الُمكلَّف. أي بعد أنْ يشخّص التكليف تكون كل المحورية له... وعرفنا المحورية بأنّها المركزية، أي إنّ التكليف يكون له وزنٌ عالٍ وقيمةٌ تتمحور على أساسه حياة الفرد، وليس في نفسه محورية أخرى غير محورية التكليف، وهذه المحورية تكون خالصة لله سبحانه وتعالى ولا نجد ذلك إلا في شخصية المعصوم الذي تتجلى محورية التكليف في وجدانه بكل صدق في القول والعمل على أساس الاخلاص والنية لله تعالى، ثم تأتي بعد المعصوم مستويات تتحدد قرباً وبعداً من المعصوم بحسب فاعلية التكليف في حياتهم، ومن سيرة المعصومين العطرة سلام الله عليهم نرى أنَّ محورية التكليف في حياتهم لها وزناً عالياً تتركز وتتجلى في مواقفهم السياسية، الإمام الحسن ‘ صالح وكل من حوله كان يناديه بالاستمرار في المواجهة، والإمام الحسين‘ تحرك وواجه وكل مَنْ حوله يناديه بالتراجع وعدم المواجهة، فالتكليف إذا تشخّص عندهم في السكون سكنوا ولم تحركهم العواصف التي تحيط بهم المتمثلة بالرأي العام، وإذا ثبت أن التكليف في الحركة تحركوا ولم توقفهم القوى الأخرى، وهذه صورة رائعة لمحورية التكليف. محورية التكليف وبطلة كربلاء ‘ يتبع إن شاء الله تعالى.

اخرى
منذ سنة
1133

محورية التكليف عند السيدة زينب‘ في واقعة كربلاء (2)

بقلم: فريال ياسر الأسدي محورية التكليف وبطلة كربلاء ‘ مات معاوية وحل محله شاب فاسدٌ شريرٌ لا يصلح أنْ يقود أمةً حديثةَ عهدٍ، رفض الإمام أنْ يبايعه وقال عبارته الخالدة: "مثلي لا يبايع مثله" (ابن الأثير ، الكامل في التاريخ:3/263) وهذا الرفض لم يكن سرياً، بل أعلن الإمام رفضه للبيعة، وكذلك أعلن أنّه يريد الخروج إلى مكة، وقرر × اصطحاب النساء والأطفال معه، وهو × يعلم المصير الذي سوف يلاقيه في كربلاء وهذا العلم سواء كان من الغيب الذي أطلع الله عليه الإمام أم من إخبارات النبي’ مثل قوله:{إنَّ ابني هذا يعني الحسين يُقتل بأرض من العراق فمن أدركه فلينصره} ( مغنية، محمد جواد، الحسين وبطلة كربلاء:344، نقلاً عن أسد الغابة:1/ 146) فلماذا اصطحب الأطفال وهو يعلم بمصيره؟ كان جواب الإمام× عندما سأله محمد بن الحنفية عن أسباب اصطحابه النساء: " شاء الله أنْ يراهنَّ سبايا" (المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار:44/364) أي إن اصطحابه لأهل بيته أمر إلهي وتكليفٌ دينيٌ، وأنه إرادة الله تعالى ومشيئته، وقد أدركت السيدة زينب‘ هذا الأمر الإلهي والتكليف الديني فقالت لابن عباس عندما سمعت نصيحته للإمام الحسين × بأن لا يأخذ النساء معه إلى العراق ، فاعترضت عليه باكية وقالت:" يابن عباس تُشير على شيخنا وسيدنا أن يخلفنا ها هنا ويمضي وحده ؟! لا والله بل نحيى معه ونموت معه وما أبقى لنا الزمان غيره " (البحراني، هاشم، مدينة المعاجز: 3/ 485) إن رد السيدة زينب‘ فيه إشارة واضحة إلى التسليم الكامل لأمر الله تعالى ، وعملها بتكليفها الملقى على عاتقها وتقبلها لهذا التكليف الذي جعلت محوريته قضيتها الأولى في خروجها مع الإمام ×. قلنا: إنَّ المشيئة الإلهية اقتضت خروج السيدة زينب إلى كربلاء (وشاء الله أنْ يراهنَّ سبايا) والسؤال الذي تبادر إلى الذهن: لماذا شاء الله أنْ يراهنَّ سبايا هل في هذا مصلحة؟ ولمن تلك المصلحة، للإمام الحسين× والتعريف عن ثورته بعد مقتله بوصفه نوعاً من الإعلام الواسع لكشف العدو أمام المجتمع أم للسيدة زينب ومكانتها الشامخة المرموقة لتنال بذلك فضلاً لهداية الناس، أم لمن؟ "وهذا التعريف المتأخر عن ثورة الإمام الحسين× ليس لأجل مصلحة الحسين× نفسه ولا لمصلحة أصحابه المستشهدين معه، لأنّهم نالوا بالشهادة ما رزقهم الله جل جلاله من المقامات العالية في الدار الآخرة، وإنما هذا الإعلام إرادة الله سبحانه وتعالى لأجل هداية المجتمع، فما يقال من أنّه إكمال لثورة الحسين عليه السلام، يراد به الجانب الظاهري في الدنيا، لا الجانب الباطني في الآخرة " .( انظر: البغدادي، ابراهيم حسين، زينب بنت علي: 105) ولكن حتماً في البداية لم يدرك المصلحة في اصطحاب النساء والأطفال إلا الحسين× لأنّه شخّص تكليفه، ورفع شعاراً واعياً وتحدى كل من حاول أنْ يثنيه عن عزيمته، ثم بعد ذلك شخّص تكليف الجماعة فأمرهم بالذهاب معه وعندها حتما أدركت السيدة زينب‘ هذا الأمر بوعي فشخّصت تكليفها وسارت بخطىٍ واضحةً لتنفيذه، إنّ قرارها هذا جاء عن إيمانٍ وحكمةٍ وجاء عن منهاج تربوي راقٍ تلقته ‘ فكانت تملك الاستعداد وتملك سعة الروح فكلفها الله بما تطيقه، كل خصائصها التربوية وما يميزها عن غيرها من النساء برزت في لحطة اتخاذها القرار وهو ترجمة لمستوى إيمانها‘، لذلك جاء قرار الخروج عن قوة وإرادة وتشخيص صحيح مبني على أسس عقائدية صحيحة، وهذا القرار جعلته محوراً لأيامها القادمة. وفي كربلاء شخّصت ‘ تكليفها وأعطت ألواناً من الدروس والعبر وألواناً من الصبر والثبات لقد كانت مواقفها لا تقل صلابة وقوة عن مواقف الشهداء الذين بذلوا أنفسهم ودماءَهم في سبيل المبدأ الذي سار ومضى عليه الإمام. إنّها في كربلاء وفي كل المواقف التي عاشتها سطرت لنا أروع القيم والموازنة بين العزة والذل وبين الظلم والعنف وبين الانهزامية والتصدي من أجل إعلاء الحق، إنّها جسدت كل ما سمعته من كلمات إمام زمانها إذْ قال×:" ألا أنّ الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنين: بين السلة، والذلة، وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك، ورسوله، والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام" . (ابن طاوس، اللهوف على قتلة الطفوف: 59) لقد كانت‘ بعد مقتل الإمام × كتلة من الفاعلية والنشاط، لأنّها أدركت تشخيصها الآني، وسعت لتكليفها راضية أولاً بقضاء الله وقدره وساعية لإدارة المسؤولية الملقاة على عاتقها فهي لم تكن مسؤولة عن تشخيص تكليفها فحسب بل هي في هذه اللحظة تقود الركب الحسيني ومسؤولة عن تشخيص التكليف على المستوى العام وأمام الجماعة، إنّها تقف مرة أخرى لترى في أرض كربلاء اجساداً طاهرة على الرمضاء، وخياماً تحترق، وأطفالًا تدور في متاهات الفاجعة، من هذا كله تدرك (عليها السلام) النور الذي يضم أرض كربلاء، والجمال الذي يحتضن تلك الأجساد الطاهرة، وصدى كلمات إمامها الشهيد×" يا أخية، لا يذهبن بحلمك الشيطان، يا أخية، اتقي الله وتعزي بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون وأن أهل السماء لا يبقون، يا أخية إني أقسم عليك فأبري قسمي، لا تشقّي علي جيبا، ولا تخمّشي عليَّ وجها، ولا تدعي بالويل والثبور إذا أنا هلكت" . (المصدر السابق:49 ) محورية التكليف النصر الحقيقي للمشروع الزينبي إنَّ التكليف مخطط له من الله ورسوله وأولي الأمر، وعندما يجعل الله التكليف فلا يمكن أن نخضعه لأفكارنا البشرية المحدودة في مسألة الهزيمة والنصر لأنَّ المشروع الإلهي دائما خارج الأبعاد المقيدة وله استراتيجية بعيدة المدى ليس على المستوى الدنيوي فحسب بل تعبر الى العالم الأخروي الذي هو المصير الحقيقي لمشاريعنا، إنَّ للنصر في المفهوم الإلهي معنى آخر مختلفاً عن كل الموازين العالمية المعروفة، فنصر الفرد المسلم هو في طاعة الله سبحانه وتعالى وعبوديته فأداء التكليف بحد ذاته هو نصر في المنظور الإلهي بغض النظر عن المكاسب التي قد تتحقق وقد لا تتحقق يقول الإمام الخميني:" نحن مكلفون، نعمل بتكليفنا، فإذا عملنا بتكليفنا فقد انتصرنا، سواء أثمرت الثورة أم لم تثمر." (قصار الكلمات، للإمام الخميني) وفي عاشوراء يتقابل طرفان، طرف يقوده ابن بنت رسول الله’ والصفوة الصافية من أهل بيته و أصحابه، والطرف الآخر رؤوس الاجرام والنفاق يقودهم يزيد وأعوانه، وهناك فرق شاسع بين الطرفين، يقول الشيخ محمد مهدي الآصفي (قدس سره): "إن التقابل العجيب بين هاتين الفئتين اللتين تقاتلتا في كربلاء وبين أهدافهما يعتبر واحداً من أغرب نماذج الصراع...لقد كان أحد الطرفين حقاً امتداداً لإبراهيم وموسى وعيسى ورسول الله’ ويحمل معه ميراث هؤلاء الصديقين وهمومهم وطموحاتهم ويعد الآخر حقاً امتداداً لقابيل وفرعون ونمرود والقتلة في التاريخ، وعلى نتائج هذا الصراع يتوقف مصير هذا الخط أو ذاك." (الآصفي، محمد مهدي، في رحاب عاشوراء:2/23) وما حدث في عاشوراء وبحسب الظاهر أنَّ بني أمية قد انتصروا على الحسين×، ولكن لو تعمقنا بالرؤية وتركنا خلفنا أصول المعركة والأبعاد العسكرية والسياسية ومنطور الهزيمة والنصر التي عادة يتخذها أرباب التحليل السياسي لوجدنا أنّ المعسكر الحسيني هو المنتصر، فهذا المعسكر هو الذي يملك القيمة والمبدأ فحتما تكون له العاقبة المحمودة والنصر، فالحسين× انتصر بتحقيق تكليفه أمام الله ورسوله والمسلمين وكذلك انتصرت السيدة زينب‘ عندما قادت النهضة الحسينية وأكملت ما أبتدأهُ الإمام× وتجلت محورية التكليف في وجدانها وأدارت كل المواقف التي مرت بها بعلمٍ وحكمة في القول والعمل وقدمت لنا إرثاً تربوياً راقياً فكانت بحق المربية التي تركّز وتجلّى التكليف بعد تشخيصه في حياتها، فالتكليف له وزنٌ عاليٌ وقيمة تتمحور على أساسه مواقفها‘ إذْ برزت بوصفها شخصية قيادية نهضت بقوة بأثقل تكليف كُلِّفتْ به امرأة فقد ترجمت من خلال كل المواقف التي مرت بها، ترجمت أطروحة الإمام الحسين× الإصلاحية عندما قال: "وأني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله’ أريد أنْ أمر بالمعروف وأنهي عن المنكر وأسير بسيرة جدي’ وأبي علي× فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ومَنْ رد عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين . " (الأمين، محسن، المجالس السنية في مناقب ومصائب العترة النبوية:1/53) لقد نهضت‘ بقوة وإرادة متسلحة بمحورية التكليف لتبين للمسلمين حقيقة النهضة الحسينية والوجه الحقيقي ليزيد ذلك الذي ادعى أنه أمير المؤمنين ومدى فساده العقائدي، إذْ سجلت‘ في رحلة سبيها سطوراً جديدة في معركة الحق ضد الباطل وأعطت معاني أخرى للنصر وفق المنظور الإلهي، فالنصر بحسب رؤيتها‘ عبارة عن تحقيق عبودية الله سبحانه وتعالى وتحصيل مرضاته ولا نحصل على ذلك ألا من خلال لزوم أوامره وطاعته لذلك تقول‘:" إلهي تقبل منا هذا القربان" . (البحراني، عبدالله بن نور، عوالم العلوم:11/958) هذه الفلسفة الإلهية للنصر هي في الواقع جوهر النهضة الحسينية، لأنَّ منطلق تلك النهضة هو تحقيق الرضا الإلهي حتى لو أدى ذلك بحسب الظاهر الى عدم النصر الظاهري.

اخرى
منذ سنة
2150

بين أولادي وأخوتي

بقلم: ندى الزيرجاوي عندما نتكلم عن المرأة نتكلم عن العاطفة، عن الحنان، نتكلم عن قلب ينبض بمشاعر وأحاسيس، لا يستطيع الرجل أن يتفهمها أو يصلها بسهولة، لأن تركيبة المرأة بخلقتها وبتكوينها يختلف تمامًا عن الرجل، فلا يشعر بقلب المرأة إلا أمرأة مثلها، لأنها تملك ذلك الشعور والإحساس نفسه. ما رأيكم بقلب انشطر إلى شطرين! نعم هناك في ذلك الجبل... سمعت من الكثير أن هناك قلبًا ساكنًا في جبل، وأردت أن أعرف ما نوع ذلك القلب، هل هو قلب مثل بقية القلوب ينبض، يشعر، يتألم، يحب ينكسر، ولكن بعد التحقق في الأمر جيدًا، وجدته قلبًا ينبض بالتقوى، يشعر بالمسؤولية، يتألم من أجل الدين يحب الحق. لا ينكسر... بل وقف صامدا أمام جمة من المصائب التي واجهته، فيا ترى لمن هذا القلب؟ وما هو اسم ذلك الجبل الذي يحتويه؟ وإذا بالجواب يأتي من حبات الرمال لأقدس بقعة في الأرض، إلا وهي أرض كربلاء، إنها زينب، عقيلة الطالبين، فخر المخدرات، وقفت هنيئة وقلت: إنها ليست جبل الصبر بل هي الصبر بكل ما يحويه من المعاني، نعم اختارها الله وحباها لتقوم بالدور الرسالي في واقعة الطف، وخصّها بهذه الخصوصية. لأنني لم أرَ، ولم أسمع بأن أمًا تتعثر بأجساد أولادها، وتتخطاهم ولا تبالي لما جرى لهم، مذهولة الفكر، تبحث عن إمام زمانها، وخليفة الله في أرضه، لأن رسالتها كانت تتطلب ذلك... ليس لأنه أخوها فقط بل لأنها عالمة غير معلمة عرفت حق الإمامة.

اخرى
منذ سنة
970

قاعة التعارف

بقلم: غيداء عبد الأمير ذات يوم من الايام جاءتني دعوة من أحد الاصدقاء لحضور حفل يضم العديد من الشخصيات المهمة التي سوف تدلي بسيرتها الذاتية، لم أكن متحمسة جدًا لتلبية تلك الدعوة إلا انني من باب الفضول ارتأيت أن أحضر... رأيت القاعة مكتظة بالحضور، إلا انه ومن حسن حظي فقد حصلت على مقعد في الصف الأول، وقلت في قرارة نفسي: سيكون حظي الأوفر في رؤية من حضر من هذه الشخصيات. بدأت أتطلع وأجول بناظري في مسرح القاعة، حيث وُضعت عليه منضدة خشبية فخمة، عليها باقة من الورد كبيرة الحجم وذات ألوان جميلة، ووضعت أيضا ثلاثة كراسي فاستنتجت أن المشاركين ثلاثة... بعد مرور برهه قصيرة من الزمن وبعد أن أخذ كل واحد من الحضور موقعه، ساد القاعة هدوءٌ، ودخل المشاركون، وكلٌّ اخذ موقعه... انتابني شعور رهيب من الخوف لشدة هيبة المشاركين الحاضرين، فنظرت للأول فإذا به يلبس لباسًا عسكريًأ وكان ذا ملامح حادة، إلا أنه كان مكللًأ بهالة من الوقار الشديد، أما الضيف الآخر فكان وجهه مفعمًا بالطاقة، وتجلله هالة من نور عرفت لاحقًا انها من كثرة الدعاء له، أما الضيف الثالث فكان بشوش الوجه، وترتسم على وجهه ابتسامة كانت تدخل في النفوس، يفيض كثيرًا من التفاؤل والراحة حيث رأيت حتى باقة الزهور الكبيرة الموضوعة على المنضدة الخشبية تهفو وتميل إليه.. هنا بدأ عريف الحفل بافتتاح الحفل بأي من الذكر الحكيم وكان صوت القارئ يتسم بالخشوع حيث تلى آيات من سورة المدثر وشدّت سمعي تلك الآية الكريمة: (( ۚ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ (31) حيث جلت بناظري إلى الضيوف الحضور وأصابتني رعشة، وبدأت كل اعضائي ترتجف في تلك اللحظة، وبدأ قلبي يخفق سريعًا، فقلت في نفسي: تمالكي أعصابك فلم تري بعد ما يخبئه المشاركون من أسرار. استجمعت قواي واكمل القارئ الآيات الكريمة وعند انتهائه رجع إلى مكانه ،وبدأ عريف الحفل يرحب بالمشاركين مجددًا وأنا متشوقة لمعرفة من هم؟ وماذا سيقولون من أسرار؟ فبدأ بالترحيب بالأول وطلب منه ارتقاء المنصة والتعريف عن نفسه وكانت البدلة العسكرية قد رسمت مبدئيًا صورة عن شخصية هذا الضيف، ارتقى المنصة وساد القاعة هدوء بحيث لو وقعت إبرة على الأرض لسُمع صوتها، بدأ المشارك الأول بالتعريف عن نفسه فقال: اسمي (مطر)! قلت في قرارة نفسي: مطر! انطباعي عن المطر انطباع كل شخص، وهو ذلك الماء النازل من السماء، لم أتوقع هذا الاسم لهذا الضيف، إلا أنني كنت مخطئة جدًا بسبب عدم إلمامي بما يحمله هذا الاسم من معنى، فعندما أكمل حديثة انكشفت الحقائق المخفية ومما قاله: أنا جندي من جنود الله، مطيع ومنفذ لأمر خالقي جل وعلا، وزادني شرفًا أنني ذُكرت في كتابه المنزل ،وأشار إلّي في قرآنه الذي لا ريب فيه في عدة مواضع ومنها: ((وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ)) (٨٤) سورة الاعراف ((فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ ))(٨٢) سورة هود ((أو كصيّب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق ))(١٩)سورة البقرة ألا ترون أنني كنت ذلك العذاب لكل من سولت له نفسه أن يقف بوجه أوامر خالقه؟! نعم أنا ذلك الجندي، صوري متعددة، فتارة أكون حجارة، ومرة أكون (صيّبًا) (١) ، الا ان النتيجة واحدة وهي: دمار من حكم على نفسه بالدمار لان الله سيدي وخالقي ليس بظلام للعبيد. رجع الضيف وكله وقار وكل الحضور انتابهم ذلك الشعور من الذهول لمعرفة تلك الحقائق التي ربما يعرفها البعض، الا أن الدنيا لا تبقي لصاحب لب بالتفكر... ورأيت في وجوه من كان بقربي نظرات الانكسار وطأطأت الرؤوس والرجوع الى النفس ومحاسبتها على التقصير بحق نفسها وبحق الله جل وعلا ذكره، ولسان حالهم يقول لأتدارك نفسي قبل أن اكون مصداق الآية (أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56))سورة الزمر). شكر عريف الحفل الضيف وطلب من الضيف الآخر ارتقاء المنصة، قام الضيف الآخر وكما ذكرت لكم فقد كان وجهه مليئًا بالطاقة، بدأ بالحديث : انا اسمي (ماء) وانا ايضا جندي من جنود الله، الا أن عملي مرتبط بالمساعدة والإحياء لا الإهلاك... وأضاف: شرّفني خالقي وسيدي جل وعلا بذكري في عدة مواضع من القرآن الكريم منها: ((الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)) (٢٢)سورة البقرة ((وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)) (٥٧) سورة الاعراف ((هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ))(١٠)سورة النحل (مثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فاتت اكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطلّ والله بما تعملون بصير) ٢٦٥سورة البقرة. فأنا اسمي مرتبط بخروج الثمر وإحياء الأرض فأنا الماء وانا (الوابل) (٢) وانا (الطل) (٣) وكلي عرفان لكل الموجودات التي تنتفع مني، لأنها لا تفتأ تحوطني بدعائها لي، وهذا من نعم الله عز وجل عليّ، والتي كما قال الإمام الحسين صلوات الله عليه ( "اعْلَمُوا أَنَّ حَوَائِجَ النَّاسِ إِلَيْكُمْ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ فَلَا تَمَلُّوا النِّعَمَ فَتَتَحَوَّلَ إِلَى غَيْرِكُم )(٥) لكن ليس دومًا يكون عملي المساعدة، فأنا كما اخبرتكم جندي، والجندي لا يكون الا طوع أمر مولاه، فأنا ذلك الماء الذي يُسقى به أهل جهنم جزاء أعمالهم جزاء بما كانوا يكسبون، وهو قول الله عز وجل : قوله عز وجل((مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ))(١٦)سورة إبراهيم ختم الضيف حديثه بالدعاء للجميع بالتوفيق لقضاء حوائج الناس والنجاة من النار والفوز بالجنة، شكر عريف الحفل الضيف وطلب من الضيف الأخير التعريف عن نفسه، ولفت انتباهي أن باقة الورد قد مالت مع أول حركته وقيامه من مكانه، فكأنّ لسان حالها يقول: خذني معك فأنا أريد أن أكون في المكان الذي تكون فيه! ارتقى الضيف المنصة وبدأ بالتعريف عن نفسه : انا اسمي (غيث) وأنا أيضا جندي من جنود الحق تعالى وطوع أوامره، واسمي تشدو به كل أرض عطشى وقد ذكرني العليم القدير في محكم كتابه في عدة مواضع ومنها: ((إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ))(٣٤)سورة السجدة. ((وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ)) (٢٨)سورة الشورى ثم تبسم ابتسامة جميلة والتي لم تفارق محياه، ابتسامة تذكرني بصفات المؤمنين، حيث إن من صفات المؤمن أن بشره في وجهه، ثم وجه شكره للجميع ورجع إلى مكانه... لقد رأيت أرضًا جرداء من الشباك قد ارتعشت لرؤيته ولسان حالها/ أنا بحاجة إليك. قام عريف الحفل باختتام الحفل وشكر الضيوف المشاركين والحضور، وكانت هذه أصعب لحظة مررت بها، فقد علمت أنها لحظة الفراق، لكنني في نفس الوقت كنت ممتنة لأني قد حضرت هذا الحفل، فقد تعلمت منه الكثير. 1-الصيب: المطر نزل من السماء في حال ظلمات )تفسير ابن كثير. ٢-الوابل: المطر الشديد الوقع.مجمع البيان ج٢ ص١٨٣) 3-الوابل: مطر عظيم القطر مجمع البيان ج٢ ص١٨٤ ٣-الطل: المطر الصغار،)مجمع البيان ج٢ ص١٨٦ 4-(طل) أي: مطر لين( مجمع البيان ج٢) ٥-بحار الأنوار/ العلامة المجلسي/ج ٧٥/ ص ١٢٧

اخرى
منذ سنة
808

ندمٌ متأخر

بقلم: حنان الزيرجاوي هو جمادٌ... نعم، ولكنْ في صمت الجماد كثير من الكلام... كان عليه أن يسبّحَ تسبيحة الزهراء (عليها السلام) علّه يفقه الحياة، أتى حانيًا عنقه من الذل والهوان، حتمًا سيُدار عليه الحُسبان، هو بيد مَن كان وبظهر مَن يلوّع كان، يا لَجرمي! يا ليت ما كان لم يكن! يتقلّبُ كذبيحةٍ على دكّة الذبح من فرط تفكيره، يحاول أن يُلقي معاذيره، تعب أخدعه من النظر إلى الباب التي كانت وراءها فاطمة البتول، ماذا يقول الآن وهو بين يدي الله والرسول. تعالوا نسأل الخيوط والسلاسل، تعالوا نسأل يومًا فيه تهدمت المنازل، تعالوا لساعة فيها العيون ذوابل. نعم، هكذا سمع النذير يقول، فماذا يجيب الرسول؟! أخذ يتلعثم ويقول بتهدّج: لولد فاطمة أقدم الاعتذار، لأنني مأمورٌ بيد الذي اغتر بالحياة أيما اغترار، ضربت فاطمة فهاجت وماجت البحار. لفاطمة كنت شاهدًا على ظلمها من الأشرار، أسقطوا محسنها وليس له من يُجار، "وا محمداه" كان نداؤها سيدة الوقار، وكادت السماء أن تنهار. ضَربْتُ فاطمة ضربة، كادت بنفسي أن تموت حسرة، كنتُ أتلوّى عليها ضربًا وهي تناولني بيدها الرؤوم، رؤوفة حتى هنا يا سيدتي، وا خجلتي وا خجلتي، وأخذ السوط بنفسه يلوم... ثم نادى النذير: النار، علّها تقول شيئًا لبضعة المختار، فلما رأتها أكبرتها والدمع تحجر في عينيها، فقالت لها بنت الرسول فاطمة: أو هل تعرفين معناي؟ أنا المفطومة عن الخلق، أنا المفطومة ووُلدي عنكِ قد قال الله مولاي، أنا بنت من دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، أنا بنت رسول الملك الديان، أنا التي عجز عن وصفها البيان... أتعلمينَ أي دار ستحرقين؟ أتعلمين الآن أي جسد ستلهبين؟ تصاعدت النيران بلظاها، كأن لهيبها أيدٍ تلطم بنفسها وتستغيث مولاها... وهي تردد: اقتحمت الدار ولا علم لي، صدقيني، هؤلاء الأوغاد هم من أوقدوني، صدقيني يا سيدة نساء العالمين، وبعد ما سمعتكِ تستغيثين، صرخت (اللهم اجعلني بردا وسلاما على فاطم كما جعلتني بردا وسلاما على إبراهيم) فضجت النيران بالعويل والصراخ، وراحت تتمرغ بالتراب لتطفئ نفسها، علّ التراب يطهر جرمها...

اخرى
منذ سنة
718