أقلام

الابتسامة نوع من أنواع العطاء

بقلم: شيماء سامي (..وتبسُّمك في وجه أخيك صدقة) هذا ما قاله النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم)، فالابتسامة غذاء الـروح، وبها تتقوّى نفوس البشر، وهذا ما كشفت عنه الأبحاث الجديدة، حيث قام علماء بدراسة تأثير الابتسامة على الآخرين، فوجدوا أن الابتسامة تحمل معلومات قوية تستطيع التأثير على العقل الباطن للإنسان، كما وجدوا أن لكل إنسان ابتسامته الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد، وأن كل ابتسامة تحمل تأثيرات مختلفة أيضاً، وعندما قاموا بتصوير هذه الابتسامات وعرضها بشكل بطيء وجدوا حركات محددة للوجه ترافق الابتسامة، وأن الإنسان نفسه قد يكون له أكثر من نوع من الابتسامة، وذلك حسب الحالة النفسية وحسب الحديث الذي يتكلَّمه والأشخاص الذين أمامه. ومن النتائج المهمة لمثل هذه الأبحاث أن العلماء يتحدثون عن عطاء يمكن أن تقدمه للآخرين من خلال الابتسامة، فالابتسامة تفوق العطاء المادي لعدّة أسباب منها: - يمكنك من خلال الابتسامة أن تدخل السرور لقلب الآخرين، وهذا نوع من أنواع العطاء بل قد يكون أهمها؛ لأن الدراسات بيّنت أن حاجة الإنسان للسرور والفرح ربما تكون أهم من حاجته أحياناً للطعام والشراب، وأن السرور يعالج كثيراً من الأمراض على رأسها اضطرابات القلب. - من خلال الابتسامة يمكنك أن توصل المعلومة بسهولة للآخرين؛ لأن الكلمات المحملة بابتسامة يكون لها تأثير أكبر على الدماغ حيث بيّنت أجهزة المسح بالرنين المغناطيسي الوظيفي أن تأثير العبارة يختلف كثيراً إذا كانت محمَّلة بابتسامة - بابتسامة لطيفة يمكنك أن تبعد جو التوتر الذي يخيّم على موقفٍ ما، وهذا ما لا يستطيع المال فعله، وهنا نجد أن الابتسامة أهم من المال، ولذلك فإن اقل ما تقدمه للآخرين هو الابتسامة. - لاحظ كثير من الأطباء تأثير الابتسامة في الشفاء، وبالتالي بدأ بعض الباحثين بالتصريح بأن ابتسامة الطبيب تعتبر جزءاً من العلاج! إذن عندما تقدم ابتسامة لصديقك أو زوجتك أو جارك إنما تقدم له وصفة مجانية للشفاء من دون أن تشعر، وهذا نوع من أنواع العطاء. من أجل هذه الأسباب وغيرها عُدَّت الابتسامة نوع من أنواع العطاء، فالحمد لله الذي جعل لنا الابتسامة صدقة نكسب منها الأجر بإدخال السرور في قلوب من حولنا وفي قلوبنا كذلك، وكما قيل: "ورُبَّ ابتسامةٍ صادقةٍ تسلّلت لِواذاً إلى خصْمٍ معاند".

اخرى
منذ سنة
799

مسلم بن عقيل عليه السلام السفير الناصح

المهام الجِسام تحتاج إلى رجال ذوي بأس ليحملوها, يمتلكون المؤهلات القيادية, ويتحلون بالصبر والاستقامة والاخلاص للقضية, لكي يؤدوها على أتم وجهها. مسلم بن عقيل عليه السلام كان النموذج الكامل, المؤهل لحمل سفارة المعصوم عليه السلام, وتحمل قيادة الأمة وتهيئتها, لتكون على استعداد لاستقبال قائدها الهمام, الذي لطالما راسلوه وبعثوا إليه الكتب ليقدم عليهم قائلين “اقدم علينا يابن فاطمة ستجدنا جندا لك مجندة”. الظلم الذي عاناه المجتمع الإسلامي عموما, ومجتمع الكوفة خصوصا, دعاهم ليستنصروا الخليفة الشرعي للنبي الخاتم صلى الله عليه وآله, وسبطه والمؤتمن على رسالته, وبعد تواتر وتوالي كتب أهل الكوفة وتكاثرها, قرر الإمام الحسين عليه السلام –والحال الظاهري هكذا من الولاء- أن يقدم على الكوفة لإعلان الثورة ضد الطغيان الأموي الحاكم, وليستحكم الأمر ويتأكد الإمام عليه السلام من نوايا القوم, فقد أوكل مهمة الاطلاع على الأوضاع الى ابن عمه وثقته مسلماً عليه السلام, ليذهب الى الكوفة ويستقصي الأمر, وقد كتب الإمام الحسين عليه السلام رسالة إلى أهل الكوفة قائلا “بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى الملأ من المسلمين والمؤمنين, أما بعد فإنَّ هانئاً وسعيداً قَدِما عليَّ بكتبكم, وكانا آخر من قَدِمَ من رسلكم, وقد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم ومقالة جُلِّكم, إنه ليس علينا إمام, فأقبل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الهدى والحق, وإني باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي…..” ومن علمنا بأن الامام المعصوم عليه السلام لا ينطق عن الهوى, وأنه لا يجامل أو يداهن, فإننا نعلم إن اختياره لمسلم ابن عقيل عليه السلام إنما هو لملكات كبيرة ومزايا عظيمة يحملها مسلم. لقد كان مسلم بن عقيل عليه السلام, انسانا صالحا, ومؤمنا عابدا, وقائدا فاهما, خًبًرَ الإدارة والسياسة, وكيف لا يكون كذلك؟! وهو سليل بيت منهم نبي الله صلى الله عليه, والأئمة المعصومون, وأباؤه عليهم السلام هم سادات العرب ومشايخهم وشجعناهم, فجده أبو طالب عليه السلام كان سيد البطحاء, وأبوه عقيل كان صلبا في ذات الله, ولطالما مرغ أنف معاوية بن أبي سفيان في بلاطه وأمام حاشيته في الشام, من خلال تبيان مساوئه ومثالبه. وصل ابن عقيل عليه السلام إلى الكوفة, وجمع الناس وهيأهم لنصرة ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله, واجتمع له على ما تنقل كتب التاريخ والسير ما يقرب الثمانية عشر ألف مقاتل. سار مسلم بن عقيل عليه السلام بالنهج الديني القويم, فلم يغدر ولم يفتك, ولم يتجبر, وحتى مع أعدائه كان يلتزم النهج الشرعي, لذا فهو لم يقم بقتل اللعين عبيد الله بن زياد في بيت هانئ, لأن الإسلام حرم الغدر والحيلة, كما ورد في الأثر “الإسلام قيد الفتك”. بعد أن استوثق مسلم عليه السلام من نوايا القوم –ولو ظاهريا- كتب إلى الإمام الحسين عليه السلام بالقدوم, لكن أحداث دراماتيكية حدثت بعد ذلك قلبت الأمور رأسا على عقب, فنكث القوم بيعتهم, وتركوا مسلما لوحده في غربة وعناء, لم يقف معه من القوم إلا المخلصة المؤمنة طوعة رضي الله عنها والتي آوته وسقته وأطعمته. بعث ابن زياد العيون للبحث عن مسلم عليه السلام, وبعد ان عثروا على مكان تواجده في بيت طوعة, تجهزت الجيوش لاعتقال مسلم عليه السلام, إلا أنه لم يسلم نفسه, فتجهز لملاقاة تلك الجموع غير آبه بعددهم وعدتهم, وأخذ يجندل الأبطال, ويكسر الكتائب, فبعث ابن الأشعث لابن زياد يطلب المدد, فاستغرب ابن زياد لعنه الله ورد قائلا “اني ارسلتك لرجل واحد” فرد ابن الاشعث قائلا : “أ تحسب أنك ارسلتني إلى دهقان من دهاقنة الكوفة, لقد ارسلتني إلى بطل من أبطال العرب” لم تصمد الجيوش أمام بسالة وإقدام مسلم عليه السلام, فعمدوا إلى الحيلة والغدر, وهذه شيمتهم, فحفروا حفيرة في الأرض وغطوها, ولما مر مسلم عليه السلام عليها سقط فيها, وأجهز عليه القوم طعنا بالرماح, ورميا بالنبال, وضربا بالحجارة, حتى إذا خارت قواه أوثقوه وبعثوا به لابن زيد لعنه الله. أمر بن زياد بقطع رأس مسلم عليه السلام, وأن يرمى جسمه من أعلى قصر الإمارة, وأن يمثل بجثته, وأن تُسحل بالحبال في أسواق الكوفة, وما هذه الأوامر من ابن زياد إلا دليل على بعد هذا النكرة عن قيم الإسلام الأصيلة, وعن القيم الإنسانية, وتعكس الهوة الأخلاقية بين مسلم الذي رفض الفتك بابن زياد غدرا, وبين ابن زياد الذي يقطع الرؤوس ويمثل بالجثث. استشهد مسلم في الثامن من ذي الحجة, وفي رواية في التاسع من ذي الحجة, أي يوم عرفة, ورميت جثته من أعلى القصر, وسحلت في الأسواق بالحبال, وراح شهيدا حميدا ناصحا لله ولرسوله, مؤديا الأمانة التي كلفه بها الإمام الحسين عليه السلام فكان نعم السفير الناصح. فسلام عليك يابن عقيل, يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيا, ولعن الله قاتليك وخاذليك والراضين بقتلك والشاكين بأمرك. بقلم: عبد الكاظم حسن الجابري

اخرى
منذ سنة
1428

ظلم وتحريف!

زهير بن القين انموذجاً تساؤل دار في ذهني، بعد أن أغلقت كتابا كنت اقرأ فيه، شعرت كأن جدران غرفتي تتساءل معي باستغراب، حتى أحسست أن تساؤلها كاد يُطبق على فكري وشرودي؛ مال هذا الزمن مع الأطياب والأشراف ؟! فيُقذفون بالسحر والجنون هنا، ومخالفة العقيدة هناك؛ هززت رأسي وتألم قلبي. طُرق بابي، ولم أكن أريد أن أتكلم مع أحدٍ؛ فأنا أبحث عن إجابة عما يدور من خواطر واسئلة مبعثرة في خلجات فكري؛ لكني استجبت للطرق بتململ وقلت: أدخل. واذا بها أختي الكبرى؛ هي مثقفة، تقرأ الكثير، وطالبة مجتهدة في كليتها، تكبرني ببضع سنين؛ لكنها تكبرني دهرا بمعرفتها التي اكتسبتها من كثرة مطالعتها وعشقها للغوص في بحور المعرفة، وهي من شجّعتني على حب القراءة والمطالعة. بوجلٍ سألتني: عزيزتي، قلقت عليك، لِمَ لَمْ تخرجي من غرفتك للجلوس معنا؟ أجبتها بلهفه: أيا حبيبتي، لقد هداك الله اليّ! قالت مستغربةً: ماذا؟! امسكتها من يدها وسحبتها الى مكان جلوسي وقلت: أرجوك اجلسي بقربي وأجيبي عن سؤالٍ حيرني. -لا حار لُبكِ أُخيتي؛ أجابت بحنان. سألت ولم أتردد: لِمَ الاشراف يُرمَونَ بالتُهم والخروج عن الدين والمذهب؟! أجابت: عزيزتي الناس ذووا النفوس الدنيئة لا تُطيق ان يروون أو يسمعون من هم أرقى منهم شرفاً؛ فيقذفونهم بشتى التُهم ، ولكن أخبريني عن أي مُتهم تريدين ان تبحثي؟ قلت: عن احد أصحاب الامام الحسين عليه السلام؛ زهير ابن القين. ردّت وقد بانت في نبرت صوتها المرارة والألم: آه يا حبيبتي أنه أحد المظلومين، والذين ظلمهم التأريخ، والكثير من الباحثين الى يومنا هذا!! أجبتها وفي قلبي لهفة وفي صوتي حزن: كيف أخبريني؟ تنهدت اختي وقالت: زهير ابن القين كان سيدا في قومه، شجاع لا يخاف لومة لائم، لم يذكر التأريخ لنا شيئاً عن صباه سوى القليل، منها انه كان يقتفي أثر الامام الحسين عليه السلام ليحرسه، وكان الامام صغيرا، فزهير يكبره بسنوات وكان لكثرة حبه للإمام لا يُطيق ان يُصيبه أي مكروه؛ فقد كان يحبه حبا جما، كان صُلب الايمان بصير بعقيدته وبحبه لآل بيت الرسول. لكنه اخفى عقيدته وحبه ليتسنى له القيام بأقدس مهمة وكَّلهُ الله بها؛ وهي نصرة الامام الحسين عليه السلام في عاشوراء؛ حتى قالوا عنه أنه عثماني الهوى. وأردفت بحماس: وهل يُعقل أن يكون عثماني العقيدة ولا يكون مواليا لمعاوية وابنه الذي مهّد لهما عثمان طريق الخلافة؟ ولم يذكر التأريخ لزهير أي موقف يدل على عثمانيته، أو أي كلام يعلن فيه هذا الامر، لا في زمن عثمان ولا بعده، ولماذا لم يطالب بدم عثمان كما طالب البعض؟ قلت مندهشة: حقاً، لم يخطر ببالي هذا التساؤل. أكملت اختي قائلةً: وأمرٌ آخر، لماذا واكب الامام الحسين عليه السلام في مسيره للعراق؟ حيث ان الامام خرج قبل ان يُكمل مراسم الحج، فلماذا لم يُكمل زهير حجه هو أيضا؟! فلو لم يخرج لكان ابتعد عن قافلة الامام مسير خمسة أيام على أقل تقدير. وتابعت تطرح الاسئلة: ثم لماذا كان يسير بنفس طريق الإمام وقد كان فارساً يعرف الصحراء وطرقها، وسيدا في قومه ذا مال وفير، فيستطيع ان يستعين بدليل يستأجره ليدله على الطريق إن لم يعرف الطريق، كي يبتعد عن المسلك الذي يسلكه الامام. قلت وانا متلهفة لسماع المزيد من فيض أختي الحبيبة: اكملي عزيزتي اكملي. قالت: وإذا سلّمنا بأن هذا ما حدث، وعندما نزلوا في مكان واحد، وأرسل الإمام رسولاً لزهير وهو كاره للقاء الامام! لكنه يذهب مع الرسول بتحريض من زوجته! وحين عاد من اللقاء عاد مستبشرا بأنه سيموت مع الامام! حينها تذكر حديثاً دار بينه وبين سلمان المحمدي. قاطعتها ولم ادعها تُكمل وقلت: اذكري لي هذا الحديث. قالت: قرّي عينا سأذكره لك، لما رجع زهير الى اهله ليخبرهم بقراره تذكر حديثاً ذكره لهم قائلا: (إنّا غزونا البحر وفتح الله علينا وأصبنا غنائم فقال لنا سلمان المحمّدي (رضي الله عنه): أ فَرِحتم بما فتح الله عليكم وأصبتم من الغنائم؟ فقلنا: نعم! فقال: اذا أدركتم سيد شباب ال محمد فكونوا أشد فرحا بقتالكم معهم مما اصبتم اليوم من الغنائم)1. الا يحق لنا ان نسأل: كيف ينسى زهير مثل هذا الحديث ولا يذكره الا في هذا الموقف؛ بل الأرجح انه لم ينس هذا الحديث المهم، بل اخفاه ليظهره في وقته وزمانه المناسب. وهنا استغربت كثيرا وسألت اختي: كيف لم ينتبه المؤرخون لهذا ونقلوا ما نقلوا بدون تمحيص؟! استشعرت أختي مني الاستغراب وزادت عليه قائلة: وهل يُعقل أن الامام يُسلم ميمنة الجيش بيد زهير وهو حديث العهد بمعرفة ولاية اهل البيت؟! رجعت بذاكرتي لأحداث كربلاء وقلت: نعم.. إن قيادات الجيش كانت محصورة في ثلاث مناطق، الميسرة بيد حبيب ابن مظاهر رضي الله عنه، والقلب بيد ابي الفضل العباس عليه السلام، والميمنة بيد زهير ابن القين رضي الله عنه. ردت مؤكدةً لكلامي: اجل حبيبة قلبي.. ثم إن الامام قال لزهير بعد ان خطب بالقوم ليعظهم (أقبل، فلعمري لئن كان مؤمن ال فرعون نصح لقومه وابلغ في الدعاء، لقد نصحت لهؤلاء وابلغت مالو نفع النصح والابلاغ )2 . واردفت اختي بسؤال: فماذا بعد تشبيه الامام لزهير بمؤمن ال فرعون الذي اخفى ايمانه ولم يظهره الا في حينه وحاجته. لعمري أن هذا الحديث عن لسان امامنا لكافٍ لكل ذي لب على ايمان زهير بولاية اهل البيت؛ كان قد اخفى ولايته ليحفظ نفسه من القتل او الاسر حتى يلتحق بركب العشق والخلود. تكسّرت انفاسي في صدري وخرجت مني نهيدة كادت ان تخنقني، وبصعوبة قلت: لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم؛ فعادت اليَّ بعض انفاسي لأنطق بها قائلة: ما لهذا التاريخ يُمجّد من لا مجد له ولا رفعة، ويرمي بالتُهم مَن النقاءُ يغار من نقائه؟! اجابت أختي الحبيبة: عزيزتي دأب المؤرخون التابعون للسلاطين على تغيير الحقائق، وتحريف ما يمكن تحريفه؛ لكي تصل صورة الدين وحُماته مشوهة تُدخل الريب في قلوب المتابعين والباحثين، او أن يذكروا وقائع غير صحيحة ومبطنة يغفل عنها بعض الباحثين ويستغلها البعض ضد المذهب... ثم قالت لي مرشدةً: اوصيك بقراءة كتاب (مع الركب الحسيني من المدينة الى المدينة )3 بعد ان وجدت ضالتي قلت: ليس لهذا الامر الا مُحيي الشريعة. قالت اختي مستبشرة: أحسنتِ .. اذا فلنقرأ داء الفرج، ثم نخرج لوالدتنا فهي بانتظارنا. ________________________ 1-المفيد-الارشاد ج2 ص73 2- 750 قصة من حياة الامام الحسين(ع) 296 3-وقائع الطريق من مكة الى كربلاء ج3 ص209 سراج الموسوي

اخرى
منذ سنة
372

عندما يتحول قعر السجن الى سراج منير

باءت كل محاولاتهم الدنيئة بالفشل حين أرادوا ثني إمامنا أبي إبراهيم موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)، عن الاستمرار بالتثقيف والتوعية وبث المعرفة الدينية والعقائدية في نفوس فئات متعددة في أوساط المجتمع الإسلامي في القرن الثاني الهجري . مرحلة قيادة الأمة في ظل الكوكب السابع من كواكب العصمة والهداية التي استمرت على مدى (35) عاما، كانت زاخرة بالعطاء الفكري والعلمي والتميز الواضح لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في نشر علومهم وبث معارفهم وأعداد جيل من الشباب يعي خطورة المرحلة، ودقة إحاطة العدو العباسي بضرورة القضاء على هذا الإمام الهمام، فلا بد من استثمار كل لحظة من لحظات وجوده من قبل اتباعه أيما استثمار، واغتنام فترته الذهبية في اغتراف المزيد من فيض علومه وهدي معارفه. بين ولادة الإمام الكاظم (عليه السلام) في 7 / صفر / 127 هجرية، وحتى يوم استشهاده بدس السم إليه بالرطب المسموم (روحي له الفداء) في 25 /رجب / 183 هجرية، نجد العطاء الفذ من قبل الإمام لأتباعه، والمنهج الواضح في أسلوب التعامل مع أعدائه، وصبرا وصمودا أمام كل أساليب الوعيد والتهديد والوان العذاب، وأباءا كبيرا أمام أنواع المغريات الدنيوية. ازدادت المضايقات على الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) من الأبواء محل ولادته والمدينة وحتى البصرة وانتهاءاً ببغداد وسجن الشاهك بن سندي، الذي أمره هارون العباسي بأن يضيّق على الإمام الكاظم (عليه السلام) أشد التضييق في العبادة ولقاء محبيه ومعرفة أحواله من قبل أتباعه وشيعته. لقد جعل الإمام الكاظم (عليه السلام) قعر السجون المظلمة سراجاً منيراً يضيء إلى أهل الأرض والسماء، وأحال تلك المطامير إلى منزل من منازل اللطف الالهي، يرهب العباسيين ويهدي الضالين لنور الإيمان، وموئلاً للخائفين ينجي من لجأ إليه بصدق. نتعرف في حياة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) على كثير من الشخصيات التي استثمرت وجود راهب آل محمد (عليه السلام)، وتبرز لنا أسماء لامعة في تأريخ التشيع، مثل: علي بن يقطين وهشام بن الحكم وعبد الله بن جندب وغيرهم، اذ دأبت هذه القامات على الأخذ بنصائح الإمام الكاظم (عليه السلام ) والعمل بتوجيهاته في مجال الحكم والسياسة وتقديم الخدمة كابن يقطين، أو العقيدة والمناظرات والدفاع عن المذهب الحق كابن الحكم، أو الفقاهة والورع كابن جندب . حري بنا اليوم أن نطيل المكوث أمام أعتاب باب الحوائج كاظم الغيظ في بغداد، وأن تأسرنا هذه القباب الذهبية في الكاظمية المقدسة، وتأخذ لب القلوب تلك اللحظات الروحانية الجميلة التي يعيشها زوار الجوادين (عليهما السلام)، وأن نلثم هذه الأبواب لأنها محال رحمة الله، وفيض الشفاعة، ولنتعلم من منهج العبد الصالح ماينير طريقنا في شتى ميادين الحياة. بقلم: حيدر السعيدي

اخرى
منذ سنة
313

مِن أسئلتكم

تساؤلات حول آية الغار. السؤال: قال تعالى: (إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) * من هو المتكلم بهذه الآية ومن هو المخاطب ؟ * وعلى من نزلت السكينة ؟ * ومن هو الاول ومن هو الثاني في ( ثاني اثنين ) ؟ * ومن صاحب الرسول الذي كان معه في الغار ؟ * وأين اختفت ناقة الرسول العضباء ؟ هل دخلت معهم للغار ؟ الجواب: إنّ المتكلم هو الله تعالى حيث يخاطب نبيّه الأكرم (صلّى الله عليه وآله) وبدوره (صلوات الله عليه) يخاطب مَن صاحبَه في الغار، لكن من هو هذا الصاحب؟ ومَن هو ثاني اثنين؟ هذا ما سوف نعرفه مِن كتب الفريقين إن شاء الله تعالى. أثارت هذه المسألة لغطاً كبيراً بين الفريقين، فمهم مَن أصاب في إرجاع ضمائر الآية الكريمة إلى موضعها الصحيح فخرجَ بنتيجةٍ سليمة، ومنهم مَن أرجعها إلى غير موضعها تعنتاً وعناداً. لـكن لو دققنا في كتب أبناء العامة التفسيرية والتاريخية لوجدنا نـفي مقام الصاحب عن أبي بكر للنبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، كما إنّ هناك مِن علماء الشيعة مَن أثبت ذلك المقام له مع ملاحظة عدم كون مقام الصاحب مقام أفضلية على غيره؛ فلا يلزم منها أي نوع من أنواع التكريم لأبي بكر ، خصوصاً إذا كان حزن أبي بكر لا مبرر له ، بعد أن رأى المعجزات الإلهية التي توجب التصديق بأن الله تعالى حافظ لنبيه (صلى الله عليه وآله). وإذا كانت كتب ذلك المذهب تنفي كون أبي بكر في الغار، فلماذا نحن نحاول اثبات ذلك ؟! وعليه سيكون الجواب في نقطتين: الاولى تفسير الآية في كتب أبناء العامة. والثانية في كتب الشيعة. الـنقطة الاولى: تفسير الآية من كتب أبناء العامة ( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم ) . 1/يقول تعالى : ( إلا تنصروه ) أي : تنصروا رسوله ، فإن الله ناصره ومؤيده وكافيه وحافظه ، كما تولى نصره ( إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين ) [ إذ هما في الغار ] ) أي : عام الهجرة ، لما هم المشركون بقتله أو حبسه أو نفيه ، فخرج منهم هاربا صحبة صديقه وصاحبه أبي بكر بن أبي قحافة ، فلجأ إلى غار ثور ثلاثة أيام ليرجع الطلب الذين خرجوا في آثارهم ، ثم يسيرا نحو المدينة ، فجعل أبو بكر - رضي الله عنه - يجزع أن يطلع عليهم أحد ، فيخلص إلى الرسول - عليه السلام - منهم أذى ، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يسكنه ويثبته ويقول : يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا همام ، أنبأنا ثابت ، عن أنس أن أبا بكر حدثه قال : قلت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن في الغار : لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه . قال : فقال : يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله ثالثهما . أخرجاه في الصحيحين . ولهذا قال تعالى : ( فأنزل الله سكينته عليه ) أي : تأييده ونصره عليه ، أي : على الرســول في أشهر القولين : وقيل [وتدل على القلّة] : على أبي بكر ، وروي عن ابن عباس وغيره ، قالوا : لأن الرسول لم تزل معه سكينة ، وهذا لا ينافي تجدد سكينة خاصة بتلك الحال ؛ ولهذا قال : ( وأيده بجنود لم تروها ) أي الملائكة ، ( وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا ). [فإذا كانت السكينة قد نزلت على أبي بكر دون النبي الأعظم (صلّى الله عليه وآله) فمعنى ذلك أنّ أبا بكر هو الذي قد أيّده الله بجنود لم نرها؛ لأن قوله: (وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا) معطوف على قوله: (فَأَنْـزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ) ، وحيث إنّ هذا معلوم البطلان؛ فيتعيّن المعنى الأول وهو انّ السكينة قد نزلت على النبي (صلى الله عليه وآله) وحده، وقد حُرم منها أبو بكر]. قال ابن عباس : يعني ( كلمة الذين كفروا ) الشرك و ( كلمة الله ) هي : لا إله إلا الله . وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ... قال : سئل رسول الله - صلى الله عليه [وآله] وسلم - عن الرجل يقاتل شجاعة ، ويقاتل حمية ، ويقاتل رياء ، أي ذلك في سبيل الله ؟ فقال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله . وقوله : ( والله عزيز ) أي : في انتقامه وانتصاره ، منيع الجناب ، لا يضام من لاذ ببابه ، واحتمى بالتمسك بخطابه ، ( حكيم ) في أقواله وأفعاله(2) . 2/وجاء في صحاح أبناء العامة أنّ ابا بكر لم يكن بالغار انما كان يصلي مع سالم في المدينة، بدليل الجمع بين الحديثين التاليين: *"لمَّا قَدِمَ المهاجِرونَ الأوَّلونَ العُصْبَةَ ، موضِعٌ بِقُبَاءٍ ، قَبْلَ مَقْدِمِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، كانَ يؤُمُّهُم سالمٌ ، مولَى أبي حذيفَةَ ، وكانَ أكثرَهُم قرآنًا"(3). رواية اخرى: "كان سالمٌ مَولى أبي حُذَيفَةَ يَؤمُّ المُهاجِرينَ الأوَّلينَ وأصحابَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في مسجدِ قُباءَ ، فيهم أبو بكرٍ وعُمَرُ وأبو سَلَمَةَ وزيدٌ وعامرُ بنُ رَبيعَةَ"(4) . إذاً صاحب النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليس أبا بكر كما قرأنا في أصح الكتب عند القوم. النقطة الثانية: تفسير الآية في كتب الشيعة الامامية يقول الشيخ ناصر الشيرازي: "هناك كلام طويل بين مفسّري الشيعة وأهل السنة في شأن صحبة أبي بكر النّبي(صلى الله عليه وآله) في سفره وهجرته، وما جاءت من إشارات مغلقة في شأنه في الآية آنفاً. فمنهم مَن أفرط، ومنهم من فرّط. فالفخر الرازي في تفسيره سعى بتعصبه الخاص أن يستنبط من هذه الآية اثنتي عشرة فضيلة لأبي بكر! ومن أجل تكثير عدد فضائله أخذ يفصّل ويسهّب بشكل يطول البحث فيه ممّا يتلف علينا الوقت الكثير. وعلى العكس من الفخر الرازي هناك من يصرّ على استنباط صفات ذميمة لأبي بكر من سياق الآية. وينبغي أن نعرف ـ أوّلا ـ هل تدل كلمة «الصاحب» على الفضيلة؟ والظاهر أنّها ليست كذلك، لأنّ الصاحب في اللغة تدلّ على الجليس أو الملازم للمسافر بشكل مطلق، سواء كان صالحاً أم طالحاً، كما نقرأ في الآية (37) من سورة الكهف عن محاورة رجلين فيما بينَهما، أحدهما مؤمن والآخر كافر (قال له صاحبه أكفرت بالذي خلقك من تراب)؟! كما يصرّ بعضهم على أنّ مرجع الضمير من «عليه» في قوله تعالى (فأنزل الله سكينته عليه) يعود على أبي بكر؛ لأنّ النّبي(صلى الله عليه وآله) لم يكن بحاجة إِلى السكينة، فنزول السكينة إِذن كان على صاحبه، أي أبي بكر. إِلاّ أنّه مع الالتفات إِلى الجملة التي تليها (وأيّده بجنود لم تروها) ومع ملاحظة اتحاد المرجع في الضمائر، يـتّضح أن الضمير في «عليه» يعود على النّبي(صلى الله عليه وآله)أيضاً، ومن الخطأ أن نتصور بأنّ السكينة إنّما هي خاصّة في مواطن الحزن والأسى، بل ورد في القرآن ـ كثيراً ـ التعبير بنزول السكينة على النّبي(صلى الله عليه وآله)وذلك حين يواجه الشدائد والصعاب، ومن ذلك ما جاء في الآية (26) من هذه السورة أيضاً في شأن معركة حنين (ثمّ أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين). كما نقرأ في الآية (26) من سورة الفتح أيضاً (فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) مع أنّه لم يَرِدْ في الجمل والتعابير المتقدمة على هاتين الجملتين أي شيء من الحزن وما إِلى ذلك، وإنّما ورد التعبير عن مواجهة الصعاب والتواء الحوادث. وعلى كل حال، فإنّ القرآن يدلّ أن نزول السكينة إنّما يكون عند الشدائد، وممّا لا ريب فيه أنّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يواجه اللحظات الصعبة وهو في (غار ثور)!. والأعجب من كل ما تقدم أن بعضاً قال: بأنّ التعبير (وأيده بجنود لم تروها)يعود على أبي بكر. مع أنّ جميع المحاور في هذه الآية تدور حول نصرة الله نبيّه(صلى الله عليه وآله)، والقرآن يريد أن يكشف أنّ النّبي ليس وحده، وإذا لم ينصره أحد من أصحابه وجماعته، فإنّ الله سينصره. فكيف يمكن لأحد أن يترك الشخص الذي تدور حوله بحوث الآية، ويتّجه نحو شخص ثانوي وتبعي في منظور الآية ؟! وهذا يَدلّ على أن التعصب بلغ حدّاً بأصحابه، بحيث منعهم حتى من الإِلتفات إلى معنى الآية"(5). وأمّا الناقة العضباء فهناك من قال باختفائها كمعجزة. ________________________________ (1) تفسير ابن كثير: اسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي, ص155. (2) فتح الباري شرح صحيح البخاري : ابن حجر العسقلاني, باب استقضاء الموالي واستعمالهم, ص 179. (3) طبقات الكبير لابن سعد، الجزء الثاني، ص 303 (4) صحيح البخاري - الأحكام - استقضاء الموالي واستعمالهم, ح6640 . بقلم: علوية الحسيني

اخرى
منذ سنة
435

" لِنَقتَبِس مِنَ القَمَرِ"

سَأذهب بِمَعيَّتكم حيثُ القمر؛ لِنَستمد من بريق نوره المضيء، كثيرةٌ هي الرّوايات المعتَبَرة التي تُبَين وتوضح خصائص، وفضائل، وصفات الضيغم (الضرغام)، المروية عن أهل البيت(عليهم السلام)، وبعد البحث عن هذه الصفات، والمناقب استوقفتني خصيصة، من هذه الخصائص الجمة وهي: نافذ البصيرة، عن الإمام الصادق (عليه السلام )أنّه قال: "كان عمّي العبّاس بن علي (عليه السلام) نافذ البصيرة ، صُلب الاِيمان ، جاهد مع أخيه الحسين ، وأبلى بلاءً حسناً ، ومضى شهيداً"(١). إذا أردنا معرفة هذه الخصيصة، أو السِّمة من سِمات أبي الفضل العباس (عليه السلام) العظيمة علينا أولاً أن نعرف، ما هي البصيرة؟ البصيرة: هي البينة والدلالة التي يبصر بها الشيء على ما هو به، والبصائر جمعها (٢) ، وقيل: البصيرة للقلب كالبصر للعين، أي إنه كما للعين نور البصر تتم رؤية الأشياء بها، فإن للقلب نور البصيرة أو البصائر، يتم إدراك الأشياء بها. وقد وردت آيات كريمة في هذا المجال منها، قال تعالى: "قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ".(٣) أما معنى كلمة نَفاذ : هي بمعنى جَواز (مرور )، إذن كانت للعباس (عليه السلام ) قوى قلبية مدرِكة للأشياء ،وهذه القوى تَجوزُ في حقائق الأشياء> فكيف وصل أبو الفضل لهذه المنزلة؟ إن العوامل المؤثرة في سلوك وشخصية الإنسان بصورةٍ عامةٍ، تعتمد على ثلاثةِ أشياء هي: الوراثة، البيئة، التعليم أو الثقافة، بالإضافة إلى الإرادة الحقيقية التي تكون العامل الأساسي لصيرورة الإنسان صالحاً أو فاسداً، رِحتُ أبحثُ عن حياةِ أبي الفضل العباس (عليه السلام )، فأما من ناحية الوراثة فَنجد أنّ والده أمير المؤمنين علياً بن أبي طالب (صلوات الله عليهم)، كان أفضل النّاس، وأشجعهم ،وأعلمهم، بل كانت كل الصفات، والمناقب، والفضائل الحميدة مستجمعة فيه. ووالدته أُم البنين فاطمة بنت حزام بن خالد، فقد كان أبوها من أشراف العرب ،وكانت أُسرتها من الأُسر الجليلة التي كانت تشتهر بالسخاء، والشجاعة ،والكرم ، كانت (سلام الله عليها) من النساء المؤمنات، الفاضلات التي عُرفت بإخلاصها، وحبها لأهل البيت( عليهم السلام)، وكانت تتحلى بمحاسن الصفات. أما البيئة فقد ترعرع، ونَشأَ في أفضل البيوت، والأُسر المفعمة بالروحانية، والنورانية ،والحب، والإخلاص الإلهي، وهل هناك بيت أفضل من بيت فيه علي ،والحسن، والحسين، وزينب، وأم البنين (عليهم السلام جميعاً)؟! ومن ناحية الثقافة والتعليم، فقد ذُكر في سيرته أنّه (صلوات الله عليه)، بالإضافة إلى غرس والدته العظيمة فيه الصفات الحميدة ،وتلقّي العلوم من والده، فإنّه كان مُلازماً ومُرافقاً لريحانتي رسول الله( صلى الله عليه وآله) في حِلِّهم وترحالهم، وخاصة مرافقته لأخيه الحسين (عليهم السلام )،فإن هذه العوامل، بالإضافة إلى العوامل الأهم: عبادته الخالصة لله، و طاعته، وتسليمه لإمام زمانه، وإرادته الحقيقة، لأن يكون من أفضل الشخصيات الإسلامية التي عرفها التاريخ، وأن يكون نافذ البصيرة ،ونعم الأخ المواسي ،والأخ المدافع عن أخيه ، وغيرها من الصفات الجليلة، المروية عن المعصوم، وقول المعصوم حجّة. "حارت بك الأقلام والعقول في وصف كنهك أيها الجنديل" وإنّ البصيرة مفهوم من المفاهيم التي أسسّتها مدرسة أبي الفضل العباس (عليه السلام)، فبإمكان أي إنسان أن يكون ذا بصيرة، فماذا يجب عليَّ أن أفعل لكي أحصل على البصيرة ،وأتفوق بها ؟ إنّ الوصول إلى البصيرة يستدعي، ويتطلب أموراً: 1- التفقّه في الدين، وهي معرفة الأحكام الشرعية من الحلال والحرام، وتطبيقها، وهي التي جعلها الله بمثابة الدرع الواقي، والطريق السليم لنحافظ على أنفسنا من الضرر، كذلك معرفة الله تعالى، والاعتقاد بالعقائد الحقّة عن طريق أدلة، وبراهين عقلية، ونقلية نصل بها إلى اليقين، عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام): "تفقّهوا في دين الله، فإنّ الفقه مفتاح البصيرة، وتمام العبادة، والسبب إلى المنازل الرفيعة، والرتب الجليلة في الدين والدنيا، وفضل الفقيه على العابد كفضل الشمس على الكواكب، ومن لم يتفقّه في دينه لم يرضَ الله له عملاً"(٤). 2- الإخلاص في عبادة الله جلّ وعلا ،وطاعته ،والتسليم لأوامره ونواهيه. 3- الطاعة ،والتسليم ،والتقرب لإمام زماننا صاحب العصر والزمان( عجل الله تعالى فرجه)،ونسعى لأن نكون، كما كان أبو الفضل العباس للإمام الحسين(عليهم السلام). ما هي العوامل التي تحرم الإنسان من البصيرة؟ العامل الأول: الذنوب، وهي من أهم العوامل التي تحرم الإنسان من البصيرة ، وقد وضّحها مولانا الإمام الباقر(عليه السلام) حيث قال: "ما من عبدٍ إلا وفي قلبه نكتة بيضاء، فإذا أذنب ذنباً خرج في النكتة نكتة سوداء، فاذا تاب ذهب ذلك، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطّي البياض، فاذا غطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خيرٍ أبداً وهو قول الله عزّ وجل «كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ»"(٥). العامل الثاني: اتّباع الهوى، والقناعات، والآراء الشخصية من دون تفكّر ودليل، قال تعالى : "أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ"(٦). العامل الثالث: الاغترار، وكثرة التمنّي، وعدم الاستفادة من العمر، وبالتالي الغفلة عن الغاية التي خُلِقنا لأجلها، قال مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) : "دوام الغفلة يُعمي البصيرة... وذهاب البصر خيرٌ من عمى البصيرة"(٧). وفقنا الله وإياكم لِنكون من ذَوي البصائر ،بحق نافذ البصيرة أبي الفضل العباس(عليه السلام ). ________ 1- ذخيرة الدارين : 123 نقلاً عن عمدة الطالب. 2- مجمع البيان، ج7، ص154. 3- سورة يوسف،الآية: 108. 4- المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار، مؤسّسة الوفاء, الطبعة الثانية المصححة، ج 10 ص 247. 5-الكافي - الشيخ الكليني - ج 2 - الصفحة 273. 6-سورة الجاثية، الآية: 23. 7-الواسطي، علي، عيون الحكم والمواعظ، ص256. #إشراقة

اخرى
منذ 11 شهر
457

من اسئلتكم

السؤال: لماذا نكثر من الدعاء ولا نجد الإجابة من اله تعالى؟ الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم: وقال ربك ادعوني استجب لكم .. إن الله تعالى سبحانه وتعالى أمرنا بالدعاء وطلب حوائجنا منه، وتعهّد على نفسه بالإجابة (واذا سالك عبادي عني فاني قريب اجيب دعوة الداع اذا دعان)... ومما لاشك فيه ان الله اقرب الينا من حبل الوريد وهو يسمع ويرى تقلب عبده ومناجاته له وإلحاحه في طلب حوائجه دنيوية كانت او أخروية ولكن تأخر الاستجابة قد يصيبنا بخيبة أمل ويأس إن كنا قليلي الصبر، ولم نكن نعي او نتأمل مع من نتكلم. وفي الحقيقة أن هناك آداباً وشروطاً يجب توفيرها حتى ننال المبتغى، وان من شروط استجابة الدعاء هي التالي: 1- البدء بالبسملة أي قل قبل الدعاء : ( بسم الله الرحمن الرحيم )،فعن الامام الحسن بن علي عليهما السلام :" بسم الله الرحمن الرحيم اقرب الى اسم الله الاعظم من سواد العين الى بياضها "0 2- الثناء على الله لقوله تعالى : ( ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها ). 3- الصلاة على محمد وآل محمد قبل وبعد الدعاء 0 4- اليأس مما في ايدي الناس وطلب الفضل والخير من الله وحده0 5- حضور القلب عند الدعاء لقوله تعالى : ( امّن يجيب المضطر اذا دعاه ويكشف السوء )0 6- الثقة بإجابة الدعاء لقول النبي صلى الله عليه وآله: " ادع الله وانت موقن بالإجابة "0 7- الالحاح في الدعاء فاذا طبقنا هذه الشروط ولم تتحقق الاجابة هنا يجب علينا التيقّن إلى الحكمة الالهية من عدم الاستجابة ففي دعاء الافتتاح نقرأ للإمام عليه السلام: فان ابطأ عني عتبت بجهلي عليك ولعل الذي ابطا عني هو خير لعلمه بعاقبة الامور ان عدم الاجابة قد يعود الى أن الإجابة قد تلحق ضرراً بالعبد لجهله بمصلحته والله سبحانه اعلم وارحم على عبده من نفسه فان أجابه فهذا مخالف لحكمته. وقد يحبسه عنه ويؤخره ويثيبه عليه في يوم الحساب حتى يقول العبد: يا ليت لو لم تستجب لي دعوة، كما أخبرت الروايات بذلك. وقد يكون التأخير بسبب حب الله لعبده وهو يرى تقلبه ومناجاته وإلحاحه، فعن الامام الصادق عليه السلام قال: ان العبد ليدعو فيقول الله عز وجل لملائكته احبسوه بحاجته فاني احب ان اسمع صوته. بقلم: رجاء الأنصاري

اخرى
منذ سنة
389

المباهلة...يوم تجلي الحق

على امل زائف ووعود أعمتْها الغرائز وابكتها اأقدار قبل ان ترسوا على شواطئ البرهان. اجتمع بضعة عشر رجلاً من نصارى نجران في كواليس الظلام تقودهم اماني سُكبت في إناء ناضح، ليباروا الحق ويسدلوا ستائر الزيف على معراج الحقيقة.. اعتلوا قارب الخيال وثمة صوت يصدح في خلجات صدورهم: اطلبوه للمباهلة فان باهلكم بأصحابه فلكم الغلبة وان باهلكم باهل بيته فلا تباهلوا . تسارعت خطواتهم وملئت نفوسهم نشوة النصر المتأجج.. حطوا رحالهم وهم بزينتهم، الحرير الممزوج بالفضة والذهب امام رجل اختاره الله لينير الوجود من جمال انواره المنبعثة على حدود الزمن -السلام عليك رمقهم بنظره واشاح بوجهه عنهم.... لحظات توالت بسرعة لتخبر القوم انهم غير مرحب بهم اﻻن. فخرجوا من عنده يتهامسون فيما بينهم يتعثرون بأذيال الخيبة، عبثاً يحاولون لملمة بقايا هيبتهم، حتى توارى يأسهم خلف فيض الوجود الثاني (علي عليه السلام) اخلعوا زينتكم واقصدوه وكونوا كما هو، فسيرد عليكم ويجيب عن سؤالكم فدخلوا عليه كما اخبرهم وعلى وجوههم يرتسم الف سؤال ويتلاطم الف معنى شق هسيس صمتهم شذى صوته مرحِّبا بهم وعليكم السلام .فتكلم كبير الأساقفة -يا محمد، ما تقول في السيد المسيح؟ -عبد اصطفاه الله وانتجبه ...فقال الأسقف: اتعرف له يا محمد أباً ولده؟ -لم يكن عن نكاح فيكون له والد -فكيف قلت انه عبد مخلوق، وانت لم تر عبدا مخلوقا إﻻ عن نكاح وله والد؟ وعندما وصل الحديث الى طريق مسدود بين الحق والباطل اوحى الله سبحانه وتعالى الى نبيه: بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61) فاتفق الطرفان على مكان سوي.. يوم الرابع والعشرين من ذي الحجة للمباهلة ونقطة لقاء ليعلن الحق سيادته. عند الساعة الأولى للصباح حضر القوم وعيونهم ترقب الجهة التي سيأتي منها محمد صلى الله عليه واله وماهي إﻻ لحظات واذا بشمس وجه يرسل شعاعاً ﻻ متناهياً ليخبر القوم عن وصوله وقد حمل الحسين عليه السلام على صدره، والحسن على يمينه، وخلفه فاطمة المتشحة بنور ملكوتي، وخلفها نفس محمد ..علي عليه السلام. فأطال اأسقف بنظره ونادى: جاءنا ليباهلنا باهل بيته وهم بقية اأنبياء واهل التقوى والصفوة ولم يأتنا بأهل الكبر والغنا والشدة : «إن بأهلنا ـ محمد ـ بقومه باهلناه، فانه ليس بنبي، وان باهلنا بأهل بيته خاصة فلا نباهله فانه لا يقدم على أهل بيته إلا وهو صادق»! فما أن رأى القوم أهل بيت النبي بين يديه حتى فزعوا وجبنت قلوبهم، وقال الأسقف: اني أرى وجوها لو اقسمت على الله ان يزيل جبلا من مكانه لأزاله، أفلا تنظرون محمدا رافعاً يديه ينظر ما تجيبون به وحق المسيح إذا نطق بكلمة لا نرجع إلى أهل ولا إلى مال، وجعل يصيح بهم: ألا تنظرون إلى الشمس قد تغير لونها، والأفق تنجع فيه السحب الداكنة، والريح تهب سوداء وحمراء، وهذه الجبال يتصاعد منها الدخان، لقد أطل علينا العذاب.. قالوا للرسول (صلى الله عليه وآله): نعطيك الرضا فاعفنا عن المباهلة، فصالحهم على الجزية وانصرفوا خائبين خاسرين... وقال النبي (صلى الله عليه وآله): «والذي نفسي بيده، إن الهلاك قد تدلّى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمُسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي نارا، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا». رجاء الأنصاري

اخرى
منذ سنة
485

إرث العفة والطهارة (قصتي مع الحجاب)

كنت أمضي في طريقي وأقد أتعبني الكعب العالي هذا اليوم ، وإذ بي أرى تلك الفتاة التي تتوشح بالسواد، ما بالها يا ترى! ولماذا تلبسه هنا؟ ألا يعيقها بدراستها بالإضافة إلى أنه ما هذا التعقيد! كم هي مسكينة؟ نظرت إلى نفسي ورددت بفخر: كم أنا جميلة وخاصة عندما ألبس تلك النظارة الشمسية ، سوف أذهب إليها لترى جمالي وتتحسر على نفسها! قلت لها: مرحبا ، هل يمكن أن أجلس؟ يبدو أنها تقرأ شيئاً! بدأت تُتَمتم شيئاً وضربت على فخذها الأيمن ( 3) مرات تعجبت من تصرفها ابتسمت ابتسامة جميلة وقالت: أهلاً وسهلاً حبيبتي قلت: يبدو إني ازعجتك قالت: لا أبداً على الرحب والسعة، تفضلي لقد أكملت حين وصولك. قلت: سيعتبر تطفلاً مني ولكن أودّ أن أسألك ماذا كنت تقرئين؟ أجابت: كنت أقرأ شيئاً من القران ودعاء العهد لإمامنا الحجة (عجل الله فرجه) قلت: ولماذا ضربت على فخذك الأيمن؟ قالت: إنها من آداب هذا الدعاء يقرأ في خاتمته: العجل العجل يا مولاي يا صاحب الزمان، وإنها تدل على الحزن والشوق للإمام وانتظاره قلت في نفسي: ماذا تقول هذه؟ أنا أعرف الإمام ولكن لا أعرف شيئاً عنه، أحسست بالجهل لم أتوقع منها هذه المعرفة، وأنا حتى لا ادرك ما يشرحه الاستاذ في معظم الأحيان، لأني أفكّر بجمالي وماذا نأكل وماذا نشرب ومتى سنذهب للنادي! سأغير الموضوع لكي لا تنتبه على أني لا أعرف شيئاً قلت: بالتوفيق إن شاء الله، ما اسمك؟ قالت: عفاف، وأنت؟ قلت: اسمي فاطمة عفاف: الله، ما اجمل اسمك إنه من أجمل الأسماء هنيئاً لك به قلت: في نفسي منصدمة أجمل الأسماء! لأول مرة أشعر أن شخصاً يقول لي: إن اسمي جميل، ولكني لا احبه كثيراً وأتذمر كثيراً على والدتي إذ لم تسمّني بالأسماء العصرية! قلت ببرود: شكرا يا عفاف واسمك جميل أيضاً احست عفاف بمشاعري قلت: اسألك سؤالاً، لماذا ترتدين هذه العباءة في الجامعة؟ لاشك إن أهلك متعصبون وأجبروك على لبسها. قالت: كلا، أبداً بل أنا من ارتديتها عن إرادة وعزم ومحبة ولم أَجِد أفضل من إرث الزهراء لأرتديه. قلت: إرث الزهراء ! ألا ترين أنها تخفي جمالك وتقيدك بدراستك! قالت: ومن قال هذا؟ بل على العكس إني أَجِد حريتي وراحتي فيها وإني لم أتقيد يوماً منها بل بالعكس زادتني مثابرة ورفعة. قلت بتعجب: كيف؟! قالت عفاف: اسمعي يا عزيزة قلبي، إن الله يحب المرأة كثيراً ويريد بها كل الخير وهي كالجوهرة من الناحيتين، بالله عليك، الشخص الذي يحافظ عليك ويخاف عليك من الطريق ويبذل جهداً أن لا تتأذي هل يحبك أم يريد ان يحرمك من شيء؟ قلت: بكل تأكيد يحبني . قالت عفاف: كذلك الله يا حبيبتي عندما شرع الحجاب والعباءة للمرأة فهو يريد بها الرفعة والكرامة وهي كالجوهرة يحتفظ بها لشخص واحد ولا تكون سلعة لكل من هب ودب قلت: لم انتبه إلى هذا الشيء حقيقة وكنت أفكر بأن الله جميل يحب الجمال! ماذا عن العباءة هل ضروري لبسها؟ قالت: أنا لا انكر أن اللبس الفضفاض لا بأس به ومقبول ولكن الحجاب الكامل هي العباءة التي تحافظ على المرأة من جميع الجهات بل أَجِد أنها من الضروريات يا فاطمة، خصوصاً في هذا الوقت الحالي، ألا ترين ما يحدث من مشاكل وبلاءات بسبب هذا الموضوع وأن أغلب الشباب في ضياع اخلاقي وقال الله تعالى (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق) (1). إن إنجازاتك وجمال روحك وأخلاقكِ ورداءك المليء عفة وحياء هي المقياس الحقيقي إن هذه العباءة هي أمانة الزهراء، فقد بذلت فخر المخدرات زينب (سلام الله عليها) جهداً في الحفاظ عليها حتى في أقسى الظروف وهي مسبية، وإن على الفتاة أن تبذل جهداً لكي تتفوق في دراستها وأخلاقها وترسم صورة جميلة لعباءة الزهراء ففيها تزداد رفعة ومنزلة. قلت في نفسي: إلهي ما هذا الكلام الجميل اتيت لأستهزئ بحجابها وعباءتها، وها أنا خجلت من ملابسي وحجابي المزيف وعرفت مَن المسكينة الآن! أشعر أني رخيصة والنظرات تحيط بي من كل جانب، كنت أفكر إنهم معجبين بجمالي! الآن عرفت كم أنا ضائعة وكنت أعيش في عالم الأوهام المزين من قبل الشيطان. بدأت دموعي تتساقط من غير إرادة وكنت أودّ أن اختبئ بعباءتها لما انتابني من شعور بالخزي، كالنسمة هبت وقامت مسحت دموعي وقالت: لا بأس يا حبيبتي، ما زال الطريق أمامك وأنك كنتِ لا تعلمين ولديك غشاوة وأن الله يحب التوابين. قلت: شكراً لك من الأعماق، شكراً لكلماتك الطيبة، هل تقبلينني صديقة لك؟ قالت: لا شكر على واجب اشكري الله والإمام الحجة فهم يريدون بك خيراً فصار هذا الحوار بيننا. نعم بكل تأكيد صداقتنا ستكون على محبة مولاتنا فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) قلت: أنا خجلت منها لقد أسأتُ إليها كثيراً وإلى اسمها! قالت: هذا سابقاً أما الآن، فعندك حياة جديدة وفرصة جديدة لتعوضي كل شيء وإن شاء الله تكونين قرة عين لها. هيا بنا فقد حان وقت الصلاة تأتين معي؟ قلت: بكل تأكيد، هيا بنا. _____________________ (1) سورة البروج أية 10 بقلم: حوراء مالك

اخرى
منذ 11 شهر
695

على عتبة الاشتياق

مرت الايام وهي حبلى بالأحداث لتسد جفوناً خالجها النوم، فالروح كغصن أسير يتلوى على مدارجها.. يسكب الليل أفيونه لينام ملئ جفونه، ثمة حدث خلف الستار يقوده إلى مبتغاه، فكلماته التي تصدح بحب ال البيت (عليه السلام) في مجالس العزاء لم تعد تفي بالغرض فأبجدية المعارك بحاجة إلى حتوف الابطال! تألق الأمل في عينيه، فقلبه ينبض بهدوء، وهو يسرد رؤياه على عمته، ياسر، أيها الحبيب، إنه اللقاء، فالشهادة كرامة من الله، فتشبث برؤياك! السماء تزخر بالنجوم، والقمر يسح بأنواره، يرسل ضوءً ذهبياً.. ليرشد تلك الارواح الى سفر الخلود. الأرض ستهدي فلذات أكبادها، لتزهر الحياة بنجيع دمائهم. فقبل استشهاده بيوم، وسم ياسر ساعاته الاخيرة مرتشفاً من كأس العاشقين، في رياض العسكريين (عليهم السلام) صلى صلاة المودعين... فثمة هاجس يطرق شغاف قلبه: ما أقرب اللحاق بقافلة سيد الشهداء... رن هاتفه، أطال النظر الى شاشته... وكأنه يرى صورتها ... بعد استشهاده... رق قلبه لها، ترقرقت دموعه في آماق عينيه، _ أهلاً أماه ومرحباً بك، كيف حالكم، زرت الإمامين نيابة عنكم، أوصلي سلامي لأبي وإخوتي، واهتمي بنفسك كثيراً. ولدي الغالي، وأنت اهتم بنفسك كثيراً. ساد الصمت وكأنه يود أن يقول لها: أماه، عندما يصل إليك خبر استشهادي، فافرحي وقولي: ولدي البطل لا يخاف الموت. استودعك الله يا أماه، كوني قوية كما عهدتك. كنخلة ميساء تسمرت في مكانها، طوّقتها الافكار والتساؤلات! هل ينعى نفسه وهل هذا الوداع الاخير؟! فعند بوابة الانتظار تناثرت كلمات القائد على شغاف قلوبهم كالبلسم: إن هذا يومكم، يوم يبرز فيه الابطال ويوم تعانق ارواحكم فيها ارواح الماضين في الدفاع عن المذهب، سيفيض نحركم دماً عبيطاً ليحبس التاريخ أنفاسه عند رذاذ الخطوب. فمن اراد الحياة الابدية فليحق بي، العدو لا يبعد عنا سوى امتار، فإما النصر او الشهادة. انتفض قبل اصدقائه منادياً: نحن لها، هيهات من الذلة...إن لم يجبك بدني... سار امامهم والمنايا تلتحق بهم على إثر شذاهم... ففي قاطع (المكيشيفة) أبلى رجال الله بلاءً بلغت فيها القلوب الحناجر وزلزلوا زلزلا عظيما... أصوات الرصاص امتزجت بصيحاتهم: الله اكبر، لبيك يا داعي الله ضربوا لهم من بين السواتر إلى الخلد طريقا عذبا مرت ثلاث ليال وغيمة الحزن تطوف على وجه والده انقطع الاتصال به، وضع يديه على وجه، وكأنه يخترق المسافات، ليصل إليه (أين أنت)؟! فثمة هاجس يومض في داخله ليكشف له الأسرار. نهض بخطى واهنة... أسبغ وضوءه، افترش سجادته: إلهي يا راد يوسف ليعقوب من بعد مغيبه، ويا كاشف ضر ايوب، اردد علي ولدي ياسر... عيناه تعلقت بالسماء، وقلبه يناجي غائباً طال انتظاره... هل غفت عيناك واستعجلت الرحيل؟! فيا أيها الراحل، تمهل، لم يحن بعد الوداع... ففي دياجي الليل إليك الروح تحبو، وقد أظناها الاشتياق... تُردّد الأصداء صوتك، لتغسل وجهك المرمل ألفُ دمعة، وألف دمعة تأهبت واحتشدت، لتؤدي تحية الشرف العسكري، لروحك وهي تحلق نحو الزرقة المتسامية، حيث الروح والريحان، والشهداء والصديقين. تبكيك أمك تخاطبك: كيف تغفو وتنام؟ انت حلمها الأجمل، سأبقى على عتبة الانتظار، أقبع، أعدّ اللحظات لأراك، مع خيوط الفجر الندية يهمس لي طيفك باشتياق: (يمه ذكريني من تمر زفة شباب) رجاء الأنصاري

اخرى
منذ 11 شهر
514

أختي الزينبية: حجابُكِ تجسيدٌ لولائكِ زيارة الأربعين نموذجاً.

لم يُفرض الحجاب على المرأة المسلمة إنقاصا من كرامتها أو للحط من شأنها بل فُرِضَ تكريما لها وإعلاءً لقيمتها بل وحمايةً لها من النفوس الدنيئة ووقايةً لها من الوقوع في الرذيلة، بالإضافة إلى صيانة عفاف المجتمع وطهارته. كما أنه لم يفرض على المرأة لتُحجب عن الحياة أو لتُمنع من ممارسة حقوقها أو ليُحال دون قيامها بواجباتها أو بما ترغب من المباحات فضلاً عن المستحبات.. وإذا كان الحجاب واجباً على المرأة في كل زمان ومكان وينبغي أن تتمسك به وأن تؤديه بأكمل وجه، فإن هناك أمكنة لها قدسية، وأزمنة لها خصوصية يتأكد فيها التشديد في مراعاة الحجاب وبكلا قسميه الظاهري والباطني. ونقصد بالحجاب الظاهري حجب المرأة لمفاتنها عن الناظر الأجنبي سواء كانت مفاتن جسمية كالمفاتن المعروفة في جسم المرأة أو مفاتن سلوكية كطريقة المشي والجلوس والكلام وما إلى ذلك، وأما الحجاب الباطني فهو حجابٌ للروح عن كل ما من شأنه أن يدنس عفة المرأة أو يمس طهارتها من قبيل النظر المحرم وما شابه ذلك.. وبذلك يكون حجاب المرأة متكاملاً... ومن الأزمنة التي لابد للمرأة فيها أن تشدد من مراعاتها للحجاب الشرعي بكل تفاصيله هو موسم زيارة الأربعين للإمام الحسين (عليه السلام)، ومما يضيف إلى هذا الزمان خصوصية أخرى هو قداسة المكان الذي يُتوجه إليه في هذه الزيارة وهو مرقد الإمام الحسين (عليه السلام)، كما إن طهر وعفاف أولى زائراتٍ للإمام الحسين (عليه السلام) في زيارة الأربعين لاسيما عقيلة الطالبيين (عليها السلام) له خصوصية كبرى في نفوس الزينبيات حيث يستلهمن منه ضرورة الاقتداء ببنت سيدة النساء في كل خطوة يخطينها في السير إلى الامام الحسين (عليه السلام). ولأن المرأة لا يمكن لها أن تفكر بالتبرج والظهور بأبهى حُلّة وأجمل مظهر إلا في حال انبساطها وسرورها غالباً؛ بخلاف الحزن الذي تنشغل فيه عادةً عن الالتفات إلى مثل هذه الأمور، كان للمسير إلى الامام الحسين (عليه السلام) خصوصية أخرى تحتم على المرأة التشديد أكثر في مسألة الحجاب والابتعاد عن التفكير بالتبرج والتجمل وهو استشعار الحزن والألم لما جرى على السادة الأبرار والسيدات الطاهرات.. ولكل ما تقدم أختي الزائرة نضع بين يديك جملة من الملاحظات المهمة التي لا نستبعد علمك بها ولكن نحيطها اهتماماً من باب التذكير لك ولأخواتك الزائرات المؤمنات وفقك الله تعالى وإياهن لكل ما فيه رضاه وتقبل منكن جميعا كل خطوة تسرنها في هذا الطريق المبارك، وكل جهد تبذلنه في إحياء هذه الشعيرة العظيمة، وكل عناء تتكبدنه في سبيل مواساة زينب العقيلة عليها أفضل التحية والسلام. إن الحجاب على قسمين: ظاهري وباطني. أولاً: الحجاب الظاهري: وهو حجابٌ ذو مواصفاتٍ لابُدّ منها ليكون ساتراً للمفاتن أمام جميع الرجال سوى الزوج والمحارم منهم، وقد أمر الله (عز وجل) الفتيات و النساء الالتزام به في القرآن الكريم، كما أكدت عليه السنة المطهرة من أحاديث النبي المصطفى (صلى الله عليه وآله) و الأئمة المعصومين (عليهم السلام). وبما إن مفاتن المرأة لا تقتصر على الجانب المادي فقط بل تمتد لتشمل الجانب السلوكي أيضاً، إذاً يمكن القول: إن الحجاب الظاهري ينقسم هو الآخر أيضاً إلى حجاب مادي ــ لو صح التعبير ــ وآخر سلوكي. فأما الحجاب المادي فالواجب فيه هو أن تستر الفتاة أو المرأة كافة أجزاء بدنها ما عدا الوجه و الكفين عن جميع الرجال غير الزوج و المحارم، ولا يشترط فيه زي معين ولكن الأفضل أن ترتدي العباءة الزينبية المعروفة لأنها أجلى مصاديق الحجاب الشرعي وأكثرها تحقيقاً لستر المحاسن وحجب المفاتن. ومن أهم الشروط التي ينبغي توفرها في الحجاب المادي: 1. أن يكون فضفاضاً... فلا يصح حجابكِ أختاه الكريمة إذا كان ضيقاً بحيث يُظهر مفاتن البدن. وتذكري أن هنالك ملابس تسبب الالتصاق بالبدن, مثل الصوف والحرير إذا اجتمعا معاً. ومعلومٌ لديك أختاه العفيفة أن التصاق العباءة بالجسد يؤدي إلى ما يؤدي إليه اللباس الضيق، فتنبهي.. 2. أن لا يُعد الحجاب من الزينة... وبما أنكِ أختاه العزيزة صاحبة ذوقٍ رفيعٍ فمما لاشك فيه أنك تميزين جيداً ما يُعد زينةً من كريستالات، أو فصوص لمّاعة، وما شابه ذلك من أمور تشد إليها أعين الناظرين، فاحذري أن يكون حجابكِ مشتملاً على أيٍّ من ذلك لأنه يُعد حينئٍذ من الزينة ومعها لا يعد حجابك مطابقاً لمبتغى إلهكِ وخالقكِ... 3. أن يكون ساتراً لبشرة الجسم.. أي أن لا يكون شفّافاً يُظهر البشرة وسماتها. وقد تتسم بعض الألبسة النسائية اليوم بهذه الصفة أو تشتمل على ما يعد زينة فاحرصي على أن لا ترتديها حتى تحت العباءة أختي الموالية؛ لأن الزينة إنما تُرتدى في مناسبات الفرح والسرور لا عند مناسبات حزن الأطهار وفقد الأبرار.. ومن صحة الحجاب وموافقته للشرع ستر القدمين فضلاً عما قرب منهما من الرجلين، فلا تتهاوني عزيزتي في سترهما، ولأنك في سفر الزيارة حيث يتعرض جوربك الى التمزق أو الاتساخ فمن الأفضل أن تحملي معك جورباً آخر أو أكثر على سبيل الاحتياط .. وللجورب الذي يكون ساتراً شرعاً مواصفات هي: 1. ألا يكون شفافاً . 2. ألا يكون من الزينة . 3. ألا يكون مثيراً . فإن لم تتوفر هذه الشروط مجتمعة في الحجاب فاعلمي أختاه المؤمنة أن الشرع لا يعد ذلك حجاباً شرعياً وهذا يعني ترتب الإثم على من ترتديه بمقدار ما أهملت من شروط أوجب الشرع توفرها فيه. وما أحزنه من موقف حين نغضب الله تعالى لأمرٍ بسيط تعجز أنفسنا عن الالتزام به... وما أقساه من موقف على قلب إمام زمانكِ عجل الله فرجه وهو يرى عجزنا عن التمسك بواجب تمسك به الموالون والمخالفون أيضاً فكيف يصدق دعاءنا بنصرته أو رغبتنا في الاستشهاد بين يديه؟؟!! ثانياً: الحجاب السلوكي معلومٌ لديكِ أختي المؤمنة إنما أمر الله (تعالى) أن يُحجب جسم المرأة عن الناظرين الأجانب لما فيه من مواضع فاتنة تجذب انتباههم، و تغريهم بإمعان النظر فيها، بل قد تُثير فيهم الطمع في الوصول إليها، لذا كان الحجاب المادي ــ الذي تقدَم ذكره ــ حصناً للمرأة من الأذى و حصناً لغيرها من الوقوع في الخطيئة .. ولعلكِ توافقينني الرأي أختاه العزيزة أنّ سلوك المرأة هو الآخر قد يتضمن من المفاتن و المغريات ما يتضمن ... من قبيل المِشية المغرية، والضحكة الفاتنة، والجِلسة المثيرة، والخضوع بالقول وما شاكل ذلك. ولذا لم يقتصر الأمر الإلهي على وجوب الحجاب المادي فقط بل تعدّاه لوجوب الحجاب السلوكي أيضاً، فكان جزءً من الحجاب الشرعي للمرأة، وعليه أختي الموالية فلا يمكن أن تكون المرأة محجبة حجاباً شرعياً تاماً إن لم تلتزم بالحجاب السلوكي قال (تعالى):"فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) "(1). و قال أيضاً:"وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ(31) "(2). وإذا كان الحجاب السلوكي واجباً في كل حين وعلى ايِّ حال، فإنه في المناسبات الدينية يتأكد وجوبه لاسيما في زيارة الأربعين للإمام الحسين (عليه السلام) حيث السير على الأقدام لمسافات بعيدة والتي في الأعم الأغلب لا تخلو من المشقة والتعب والعناء، وهذه الأحوال قد تقود الإنسان أحياناً إلى التساهل في أداء الواجبات وعدم العناية بالإتيان بها كما أراد الشرع المقدس، ولما كانت المرأة تتميز برقتها وبضعف قوتها الجسمية قياساً بالرجل بشكل عام فعليها أن تأخذ هذه النقطة المهمة في نظر الاعتبار.. لذا أختي الغالية إن كنتِ ممن ينال منهم التعب سريعاً، وتتميزين بعدم القدرة على المشي لمسافات طويلة، فمن الأفضل لكِ غاليتي أن ترتبي أمر زيارتكِ بما يتوافق مع قدرتكِ وقابليتكِ، كأن تقسّمي المسافة بين منزلكِ وبين كربلاء مثلاً فتستقلي السيارة في قطع قسم منها وتمشين في قطع القسم الآخر بحسب ما يناسب قدرتكِ، واعلمي أن ذلك لا يقلل من أجركِ وثوابكِ إن شاء الله لأنكِ إنما تقومين بذلك حفاظاً على واجباتكِ كأداء الصلاة في وقتها فقد يأخذ منك التعب مأخذه فتقصري في هذا الواجب، كما لا أعتقد أنه سيضعف علاقتك بسيد الشهداء (عليه السلام)؛ لأنك حافظتِ بذلك على ستركِ فقد يحصل لكِ عارض لضعف قدرتك على المسيرــ لا سمح الله ــ فيجبر بعض إخوتكِ من الأجانب على حملكِ ونقلكِ إلى مركز المعالجة، بل سيُسَر بتفكيركِ هذا أبو الشهداء (سلام الله عليه) حتماً وهو أبو الغيرة بل ومنبعها، كما لا أظن أن قراركِ هذا سيوهن علاقتكِ بعقيلة الطالبيين (عليها السلام)؛ لأن العناء قد يؤثر فيكِ فتتكاسلين عن العناية بحجابكِ كما يجب، أو تتماهلين برعايته كما ينبغي، وهي (سلام الله عليها) أم الستر والخدر والعفاف والحجاب، بل ستكونين عندها ذات شأنٍ كريم.. ملاحظات حول الحجاب السلوكي في زيارة الأربعين... تأتي إن شاء الله... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الأحزاب 32 (2) النور 31 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 11 شهر
814

من اسئلتكم:

السؤال: لماذا أخرج الإمام الحسين (عليه السلام) النساء معه إذا كان يعلم بأنهن سيقعن في السبي؟ الجواب: قال الإمام الحسين (عليه السلام) لعبد الله بن العباس ، لمّا طلب منه أن يبقي النساء في المدينة ولا يحملهن معه إلى كربلاء : قد شاء الله أن يراهن سبايا . هناك الكثير من الشبهات التي تطرح على واقعة عاشوراء المفجعة ، وكلها في الحقيقة واهية لا أساس ثابت لها ، لكن من يطبّل لها كثير ، والإعلام المنحرف يحاول إبراز هذه الشبهات الواهية بلباس علمي وديني ! وقد أجاب علماؤنا ولله الحمد عن جميع تلك الشبهات مستندين في ذلك إلى ما ورثوه من علوم وكلمات عن أهل البيت (عليهم السلام) . ومن هذه الشبهات هي أنه لماذا أخرج الحسين (عليه السلام) معه نساءه المخدرات مع علمه بأنه سيقتل وستسبى بعده عياله ، أوَليس هذا مخالفاً لضرورة حجاب المرأة وأنه لا جهاد عليها وأن جهادها حسن البعل ؟! وحتى تتضح الصورة ننقل الأجوبة التالية: الجواب الأول : إن المشيئة الإلهية قد تعلقت بأن تسبى عيال الحسين (عليه السلام) كما قال الإمام الحسين (عليه السلام) ذلك لابن عباس ، ومع تعلق المشيئة الإلهية بأمر فليس للإنسان إلا التطبيق وعدم المناقشة ، والحسين (عليه السلام) أولى بتطبيق ما يريده الله تعالى . فإذا علما أن الله تعالى لا يأمر إلا بما فيه مصلحة للإنسانية ، تيقّنّا أن خروج النسوة مع الحسين (عليه السلام) كان لحكمة إلهية ، حتى لو لم نعلم بتلك الحكمة ، إذ إن المدار ليس على علمنا بالعلة والحكمة لتشريع الأمر الإلهي ، بل المدار على نفس التشريع الإلهي وكفى . فضلاً عن أنه قد تعرفنا على بعض الحكمة من خروج النساء مع الحسين (عليه السلام) مما ستعرفه في بقية الأجوبة . الجواب الثاني : لقد كانت للسلطة الأموية أجهزة إعلامية تعمل ليل نهار على إخفاء الحقائق وتدليسها ، واستطاعت أن تصور معاوية ويزيد بصورة المؤمنين الحافظين لدين الله تعالى ودين رسوله (صلى الله عليه وآله) ! وهل هناك أشهر من نصرة أمير المؤمنين (عليه السلام) وأولاده للإسلام ، ومع ذلك استطاع الإعلام الأموي أن يغير هذه الحقيقة ويصور الإمام علي وأولاده بصورة أعداء الإسلام ، وهذا ما تكشف عنه الكثير من الروايات ، فقد روي عن المبرد وابن عائشة أن شامياً رأى الحسن بن علي (عليهما السلام) راكبا فجعل يلعنه ! و الحسن لا يرد . فلما فرغ أقبل الحسن (عليه السلام) فسلم عليه وضحك فقال : أيها الشيخ أظنك غريبا ، ولعلك شبهت ، فلو استعتبتنا أعتبناك ، ولو سألتنا أعطيناك ، ولو استرشدتنا أرشدناك ، ولو استحملتنا أحملناك ، وإن كنت جائعا أشبعناك ، وإن كنت عريانا كسوناك ، وإن كنت محتاجا أغنيناك ، وإن كنت طريدا آويناك ، وإن كان لك حاجة قضيناها لك ، فلو حركت رحلك إلينا ، وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك ، لأن لنا موضعا رحبا وجاها عريضا ومالا كثيرا . فلما سمع الرجل كلامه ، بكى ثم قال : أشهد أنك خليفة الله في أرضه ، الله أعلم حيث يجعل رسالته وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إلي والآن أنت أحب خلق الله إلي . وحول رحله إليه ، وكان ضيفه إلى أن ارتحل ، وصار معتقدا لمحبتهم . ومعه ، كان لا بد من فضح حقيقة يزيد وتجرئه على حرمات الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) ، إذا ما أقدم على سبي حرائر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ، وإلا فإن قتل الرجال ربما يخفى على الكثير من الناس ، خصوصاً وإن الإعلام الأموي قد صوّر الحسين وأصحابه على أنهم خوارج خرجوا عن طاعة الأمير يزيد ! ولكن سبي النساء كشف عن حقيقة الأمر . إذن ، الحكمة في إخراج النسوة مع الحسين (عليه السلام) هو لأجل تعرية وفضح الخصم ، والكشف عن جرأته على مقدسات الدين وحريم النبي (صلى الله عليه وآله) ، وأن الخصم لا يتقيد بأبجديات المبادئ الدينية ، وكان استخدام هذا النمط من المواجهة والجهاد في ظرف اغلقت فيه أيّ فرصة أخرى لدحض إجرام الخصم وباطله أمام أنظار وأذهان الناس المفتتنة بأكاذيب الخصم الناسية لوصايا القرآن والنبي (صلى الله عليه وآله) في حق العترة المطهرة ، ولولا موقف العقيلة زينب (عليها السلام) لكان الخصم يلتف بدعايته ووسائل إعلامه على الحقيقة ، ويغيب على الناس في ذلك الوقت فضلاً عن الأجيال اللاحقة ، يغيب عنها حقيقة الموقف . الجواب الثالث : لا شك أن الانتصار في المعارك له أشكال متعددة ، فالمعركة قد تخسر في جانب ولكنها تنتصر في جوانب أخرى ، ومعركة عاشوراء ، وإن انتصر فيها جانب الضلال عسكرياً ، ولكن معركة الحسين كانت هي المنتصرة في الجوانب الأخرى ، وكان من أهم أشكال انتصار الحسين (عليه السلام) هو الانتصار الإعلامي الذي ذاع صداه في الأرجاء ، والذي أطاح بهيبة وجبروت السلطة الأموية ، مما جرّأ الناس على القيام بثورات متعددة ضد بني أمية كما هو واضح لمن طالع التاريخ بعد واقعة عاشوراء . وكان الممثل الرسمي للإعلام الحسيني هو الإمام السجاد (عليه السلام) وزينب الكبرى (عليها السلام) . إذن ، كان من أهداف إحضار النساء إلى كربلاء هي مهمة إكمال المعركة الحسينية في جانبها الإعلامي ، وقد انتصرت زينب (عليها السلام) أيما انتصار في هذا الجانب ، وهذا ما تشهد به خطبها المتعددة في الكوفة والشام ، التي أبكت العيون وكشفت الحقائق ، وجعلت الذين لم ينصروا الحسين (عليه السلام) يندمون أي ندم على خذلتهم له . الجواب الرابع : لقد كان يزيد (عليه اللعنة وسوء العذاب) يحاول الضغط على الحسين (عليه السلام) بأي وسيلة من الوسائل ، ولذا بعث عليه ثلاثين رجلاً يقتلونه – إذا لم يبايع - ولو كان معلقاً على أستار الكعبة . فلو ترك الحسين (عليه السلام) نساءه في الحجاز لكان ذلك سبباً لأن يجعلهن يزيد رهينة لتحجيم حركة الحسين (عليه السلام) وورقة ضغط لتراجع الحسين عن مبادئه ، كما ذكر ذلك السيد ابن طاووس في كتاب الملهوف . ولذا حمل الإمام (عليه السلام) أهل بيته ليتسنى له محافظتهم وحراستهم . ولكن عندما انقلبت الموازين ، وتراجع أهل الكوفة عن بيعتهم ، وحوصر الإمام (عليه السلام) ، فكان نتيجة ذلك أن تقع عيال الحسين في الاسر ، فكان ذلك الامر من قضاء الله وقدره ومشيئته التي لابد من الصبر عليها . الجواب الخامس : إن خروج النساء إذا كان موافقاً للضوابط الشرعية فلا مانع منه شرعاً ، فلا مانع من خروج المرأة من أجل طلب أمور دينها ، وهكذا لا مانع من خروجها من أجل الحفاظ على الدين أو إثبات أمر ديني ، وحيث إن الدين أغلى من كل شيء ، فلا مانع من خروج المخدرة لأجل الدفاع عن الدين ، وهذا الأمر قد أكده القرآن الكريم في أكثر من مناسبة . إذ يستعرض لنا القرآن الكريم بأن المجاهدة في سبيل الله ومقارعة المعسكر الآخر كما تكون بالنفس والمال ، كذلك تكون بالمخاطرة بإهانة العرض لا بنحو الابتذال والتدنيس ، كما في قصة مريم (عليها السلام) ، ففي سورة آل عمران ( إذ قالت الملائكة يا مريم ان الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح ... قالت رب أنّى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ) وفي سورة مريم ( فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً قالت إني أعوذ بالرحمن منك ان كنت تقيا قال انما انا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً قالت أنّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أكّ بغياً ... فأجاءها المخاض الى جذع النخلة قالت يا ليتني متّ قبل هذا وكنت نسياً منسيا فنادها من تحتها ألا تحزني ... فإما ترين من البشر أحداً فقولي اني تذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم انسيا فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا اخت هارون ما كان أبوك إمرئ سوء وما كانت امك بغياً فأشارت اليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً قال اني عبدالله آتاني ... ) وفي سورة المؤمنون ( وجعلنا ابن مريم وامه آية ) . فمريم قد تعرضت لوظيفة حمل النبي عيسى (عليه السلام) من غير أب لتتحقق المعجزة الإلهية لإثبات نبوة عيسى (عليه السلام) وبعثته بشريعة جديدة ناسخة لشريعة موسى (عليه السلام) ، مع أن تحقيق المعجزة هذه كان يخاطر بسمعة مريم وعرضها ، إلى درجة مواجهة بني إسرائيل لها بالقذف والبهتان ، ولكن كل ذلك لا يعنى ابتذال وتدنيس مريم ، بل غاية الأمر إهانة عرضها . فتحمّلت المسؤولية الإلهية وأعباء المعجزة والرسالة الجديدة ، مع أنها أصعب من الجهاد بالنفس والقتل بالسيف للإنسان الغيور وبالنسبة للمرأة العفيفة التي أحصنت فرجها . ولذلك قالت (ياليتني متّ قبل هذا وكنت نسيا منسيا) ولكن جهادها وتحملها أقام الحجة على كفار بني اسرائيل ، فجعلها الله تعالى آية حجة تشارك ابنها النبي عيسى (عليه السلام) في الحجية . وهناك واقعة أخرى يسردها لنا القرآن ، وهي واقعة المباهلة (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندعوا أبناءنا وابناءكم ونساءنا ونسائكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين) . فههنا في واقعة المباهلة احتج الله بالزهراء (عليها السلام) على حقانية الشريعة المحمدية ونبوة سيد الرسل (صلى الله عليه وآله) جنبا إلى جنب الاحتجاج بالأربعة بقية أصحاب الكساء . ففي هذه الواقعة قد تحملت الصديقة الزهراء (عليها السلام) بأمر من الله تعالى انزله في القرآن ، تحملت المشاركة في المباهلة أمام ملأ أهل الكتاب ، وهو نمط من المنازلة والمواجهة . وهكذا خروج زينب وأخواتها (عليهن السلام) مع الحسين (عليه السلام) ، كان من أجل الدفاع عن الدين وعن حرمات الرسالة المحمدية . وهذا ما كشفت عنه مواقف زينب الكبرى (عليها السلام) في الدفاع عن الإمام السجاد (عليه السلام) حيث تعرض (عليه السلام) لأكثر من مرة إلى القتل من قبل ابن زياد ويزيد (عليهما لعنات الله تعالى والملائكة والناس أجمعين)، وهكذا دفاعها عن بنات الحسين (عليهن وعليه السلام) عندما أراد بعض أهل الشام أن يسترقهن ، ومواجهتها لابن زياد ويزيد وكشف حقائقهما المخفية وكفرهم عن أهل الشام . بقلم: الشيخ حسين عبد الرضا الاسدي

اخرى
منذ 11 شهر
500