أقلام

خطوات وقيود

بقلم: سراج الموسوي نحث الخطى، لنلثم أعتابك سيدي تقبيلا؛ تتطاير حبات الرمل وذرات التراب من بين الأقدام معلنة أن المحب قادم، نطوي المسافات رغم أنوف الحاقدين، نسير على الرؤوس لا الأقدام إجلالًا وإكبارًا للمطهر من الدنس تطهيرًا، تلهج الألسن باسمك سيدي، يا باب الحوائج الى الله، نتعلم منك الصبر، وكظم الغيظ، والثورة على الطغيان، بسجدةٍ طويلةٍ نبلُّ بها تربة السجود… نسير وتتراءى لنا القيود التي هدّت عرش الظالم، كل خطوة تحضنها عَبرة وعِبرة… عَبرة على مظلومٍ لم يطوِ بين حناياه إلّا الخير لكل البشر، وعِبرة لكل ظالم بأنّ جبروته لا يدوم، ويبقى أبد الدهر ملعونًا. سجن وقيود وسُمّ، أهذا الجزاء لأسياد الدنيا وأُمرائها، وخير شباب الآخرة ومالكي جنانها؟! لا خير في دنيا أهانت سيدًا وأمّرت ْ هارونًا... أيا بن الشرفاء، علّمت أسياد الدنيا وملوكها أن المُلك مُلك القلوب لا ملك العروش، وأن الطاعة إنما هي طوعية لا جبرية، أفهمْتَ الدنيا يا بن الطيبين، أن طاعة الله لا يحدّها مكان أو زمان ، أو رخاء أو شدة، لقد جعلت السجن واحة غنّاء بطاعة الرحمن رغم القيود، وجعلت الطامورة الظلماء نورًا يشع إلى عنان السماء بسجدة خاشعة. سلامي لك سيدي وأنت ساجد بأثقال من حديد، تشكر بها ربك أن استجاب دعاءك في أن تتفرغ لعبادته، سلامي لك سيدي وأنت محمول على رؤوس لم تضمر سوى الغدر والضغينة لكل خير…سلامي لك مسمومًا قطعت أحشاءك يدٌ مغلولة إلى عنقها... سلامي لك موصولًا ما دامت الدنيا، وأزهرت الآخرة لوصولك إليها، والسلام عليك يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيا.

اخرى
منذ سنة
2557

نعم عقبى الدار...

بقلم: منتهى محسن تعثر بثيابه وهو يركض حافيًا خلف أبيه، وقد تأبط راية صغيرة، راحت ترفرف عاليًا مع هتافات الناس الملتهبة. _ أبي أتوسل إليك دعني أذهب معك. _ الطريق طويل يا ولدي وستتعب حتمًا. _ لن اشتكي أبدًا من التعب ولن أطلب أي شيء، سأسير وأستريح مع الآخرين ، أعطني هذه الفرصة أبي أرجوك. _لا أقدر صدقني لدي الكثير من المهام ولن أتفرغ لك، وربما لن أراك خلال الرحلة اطلاقًا. _ أبي كل عام تعدني بالذهاب وها أنا أبلغ السادسة من العمر ولم تنفذ وعدك إياي، كل أقراني يذهبون مع المشاة إلا أنا يا أبي... إلا أنا! _ ولدي كاظم لا تبك، دموعك تؤلمني، حسنا... سأصحبك ولكن بشروط؟ _ سأنفذ كل أوامرك، سأتبعك إتباع الظل، وسأساعدك في كل ما تطلب، شكرًا لك يا أبي. _ لكني لم أخبرك بشروطي بعد؟! _ اقبل كل شروطك ولن أعارض على أي شيء، سأذهب سريعًا لجلب حاجاتي وألحق بك. لم تكن ممانعة والد (كاظم) صادرة من دون سبب فلقد سبق أن صحب زوجته وولديه موسى وجعفر ، إلّا أنه رجع إلى دياره دونهما. _ أبي أصحيح أنك أسميتني (كاظم) تيمنا بمولانا الكاظم (عليه السلام)؟ _نعم يا قرة عيني، أسميتك حبًا بإمامنا موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام). _ وهل حقًا أن البغاة سجنوا الإمام في طامورة لا يصلها بصيص نور؟! _ نعم يا ولدي لقد عانى الإمام الكاظم (سلام الله عليه) الكثير من الظلم والتضييق في سبيل الحفاظ على دين الله تعالى ومقارعة طغاة عصره. _ وهل صحيح أنه ترك على الجسر بعدما قتلوه بالسم وحيدًا دون أهله وذويه؟! _ نعم يا ولدي فلقد عهدت الدولة الباغية إلى حمل نعشه الشريف إلى الجسر ونادوا على الجنازة المطهرة باستخفاف. _ ويلهم لو كنت هناك لرميتهم بالحجارة والصخور حتى يخرسوا . _ لعن الله ظالمي محمد وآله الأطهار من الآن إلى قيام يوم الدين. _ أبي كم بقي من المسير؟ كم أتوق لرؤية منائر وقبب الإمامين الكاظمين (عليهما السلام). _ لم يبق إلا القليل بني، ألم تتعب بعد؟! _ أبدًا يا أبي كأني أطير في السماء ولست راجلًا. المسير نحو الآلاء مسير نحو الفردوس، لا تتعب الخُطى ولا تنفد الهمم ولا تمل الأقدام، والرغبة المشتعلة في القلوب العاشقة تتوقد شوقًا وحُبًا لِلثم تلك الآلاء، ولذا لم يكلّ (أبو كاظم) من قيادة الجمع والعروج بهم نحو قبب الأولياء كل عام، بالرغم من فقدانه لزوجته وولديه في حادثة جسر الأئمة، حيث زهرقت أرواحهم الطاهرة اختناقًا وهو يترجلون المسير باتجاه محبوبهم وإمامهم، وبرغم فداحة الفقد ولوعة البعد إلا أن ذلك لم يثنه عن المسير بتاتًا. _ أبي أرغب بحمل راية أكبر، فهذه الراية الصغيرة لم تعد تناسبني، راية خُط بداخلها قول: "نِعم عقبى الدار" _ أين سمعت هذه العبارة بني؟ _في المدرسة؛ مع معلم الحصة الإسلامية لقد رددنا سويًا قوله تعالى: "سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار" جوابًا لسؤال أحد الطلاب حول: ما جزاء أهل البيت عند الله تعالى. _ ها قد أوشكنا على الوصول بني، تمسك بالمشاية سأتركك الآن، ربما لن تراني حتى انتهاء طقوس الزيارة، لا تفارق مجموعة الرجال وابقَ في المقدمة. _ اطمئن يا أبي سأبيض وجهك إن شاء الله، سأجعلك تفتخر بي. زاد اللغط وتزايدت الحشود، وتناوبت الطبول قرعًا، والسلاسل ضربًا، والمواكب دويًا، وانتشرت رائحة الأطعمة المتنوعة التي تُعد على جانبي الطريق الممتد حتى ضريح الإمام المسموم (عليه السلام)، وبالرغم أن الساعة شارفت على منتصف الليل إلا أن الشوارع المكتظة بالزائرين أحالت الليل إلى نهار، والسكون إلى دفق من المشاعر المتأججة. سجلت الدقائق والساعات سمفونية المجد والرفعة، ورسمت معالم حرية الفكر والمعتقد، زادتها جمالًا ترانيم أنفاس الموالين وشعاراتهم التي تتعالى على طول الطريق: (يا ويلي على المسموم، يا ويلي على المظلوم). وما زال كاظم يحث الخطى مع الجموع بثبات ورايته الخضراء يديرها بكل اتجاه محافظًا على تصدره الموكب المنطلق من مدن الجنوب الموالية، فجأة لاحظ كاظم حركة خبيثة لأحدهم وقد تخفى بزي النساء وما أن صوّب النظر إليه حتى بان على ملامحه بعض الريبة والإرباك. التزم كاظم الصمت لكنّ عينيه لم تفارق ذلك الصعلوك وهو يتوغل بين الحشود كجرذ خائف. مضت الدقائق ثقيلة على قلب الصغير كاظم وقد توجس خيفة لكنه لم يشأ أن يرعب الحشود بأي تصرف، وظل يراقبه من بعيد وهو يتلفت لأكثر من مرة... وفي مفترق الطرق وبينما كاد الرجل أن يفعل فعلته النكراء هجم عليه الصغير كاظم محتضنًا إياه حتى انتبه إليه الناس وهو يصرخ: _ابتعدوا سريعًا، هذا القذر سيفجر نفسه. ردد ذلك ثلاث مرات فارتدت الجموع وتدافعت وابتعدت قليلًا، حتى غاب صراخه بعد الدوي الهائل الذي ألحقه التفجير الجبان، وهكذا التحق (كاظم) في يوم استشهاد الإمام الكاظم (عليه السلام)، ولم يتبق منه إلا رايته الخفاقة التي أودعها عند أحد رجالات الموكب، ولحق بطابور الشهداء الذي انضم إليه قبله أمه وأخواه ليلتقوا من جديد عند مليك مقتدر.

اخرى
منذ سنة
1049

الذكاء العاطفي

بقلم: منتهى محسن ظهرت في الآونة الأخيرة دراسات وكتب تتحدث عن نوع جديد من الذكاء وهو ما يدعى " الذكاء العاطفي" الذكاء العاطفي: هو مصطلح يعبر عن قدرة الفرد على التعرف على عواطفه الشخصية، وفهمها بصورة سليمة، وإدراك مدى تأثيرها على الأشخاص من حوله، ويستطيع الأشخاص الذين يتمتعون بمعدل ذكاء عاطفي عالٍ السيطرة على سلوكهم وضبطه، ولديهم فعالية أكثر على معرفة وإدارة مشاعرهم الخاصة، وإدارة مشاعر الآخرين أيضاً، وكلما ارتفعت مهارات الذكاء العاطفي، أدى ذلك لعلاقات شخصية فعالة وناجحة بشكل أكبر. ويعتقد بأنه يساهم بأكثر من 80 % من احتمال نجاح الفرد أو فشله في الحياة في حين أن الذكاء التقليدي يساهم بأقل من 20 % فقط. ويتمثل الذكاء العاطفي بقدرات خمسة: 1- قدرة الشخص على فهم ومعرفة مشاعره الخاصة: وذلك بمراقبة مشاعره النفسية أثناء حدوثها وإدراكه لأسبابها وفهمه لأبعادها في سكونها وتقلباتها، والأشخاص الأكثر تفهمًا هم أكثر قدرة على إدارة دفة حياتهم وأكثر ثقة في قراراتهم الخاصة. 2- القدرة على السيطرة والتحكم بمشاعرهم النفسية: ولا تتحقق هذه القدرة إلا بتحقق القدرة الأولى، والأشخاص الأكثر قدرة على التحكم بمشاعرهم هم الأكثر قدرة على النهوض بعد السقوط والتغلب على المحبطات. 3- القدرة على تحفيز النفس على العمل: هذه القدرة تعمل على تحقيق الأهداف والتحكم بالنزوات وتقديم العمل وتأخير الراحة، والذوبان في العمل بكل المشاعر والعواطف. 4- القدرة على ملاحظة وفهم وإدراك العواطف والمشاعر الإنسانية لدى الآخرين: والأشخاص ذووا القدرة العالية بهذا المجال قادرون على التقاط وملاحظة التغييرات الاجتماعية البسيطة فيمن حولهم وفهم احتياجاتهم النفسية، وهم أفضل من غيرهم في التعامل مع البشر. 5- القدرة على التعامل مع العلاقات الشخصية والتحكم بها: هذه القدرة هي التي تحدد مدى شعبية الشخص وتقبل الناس له وقدرته على الرئاسة والقيادة، والخطير في الأمر أنّ هذه القدرات الخمس تتكون في السنوات الأولى من عمر الشخص وما فقد منها يصعب استدراكه. هذا والذكاء العاطفي لا يقتصر على المستوى المهني أو الاجتماعي فحسب، بل يشمل بشكل أساسي استخدام العواطف بذكاء في العلاقة بين الشريكين إن كان قبل أو بعد الزواج. لقد أثبتت الدراسات بأن الأزواج السعداء ليسوا أذكى أو أغنى أو أكثر ثقافة من الأزواج التعساء، وليسوا بالطبع متخصصين في علم النفس أو فن التواصل أو في تقنيات المفاوضات، بل هم يتجادلون ويختلفون مثل بقية الأزواج. ولكن ما يميز هؤلاء الشركاء هو امتلاكهم لذكاء عاطفي متقدم عن الآخرين يجعلهم قادرين على بلورة حياتهم بعدم السماح للمشاعر السلبية بأن تطغى أو تسيطر على العلاقة، مما يجعلهم يجدون دائمًا اللذة والحافز للبقاء سويا. أن نطلب أي أن لا نتردد في التعبير عن رغباتنا وحاجاتنا أمام الشريك، أن نعطي أي أن نشارك الآخر بأروع ما لدينا من مشاعر وأفكار وأعمال إيجابية، ومنها أبسط الأشياء كالابتسامة الصادقة أو إطراء جميل يشعر الآخر كم هو محبوب ومرغوب ومميز في نظرنا، أن نعطي العلاقة ما تستحق من انتباه وعناية مستمرة في أوقات الفرح والمحنة أيضًا، أن نتذكر دائمًا المناسبات الحميمة. كما إن للذكاء العاطفي أهميته لدى الأطفال والذي يشمل ضبط النفس والحماس والمثابرة والقدرة على تحفيز النفس، وهذا المهارات يمكن تعليمها لأطفالنا لنوفر لهم فرصًا أفضل، أيًّا كانت ملكاتهم الذهنية... حيث تشير الدراسات أن مجموعة التفاعلات والمشاعر التي يعيشها الطفل في أعوامه الأُولى تؤسس وتؤصل مجموعة دروس عاطفية تبقى مدى الحياة كمرجعية راسخة للتعامل مع محيطه والبشر من حوله ولهذا عندما تستثار هذه العواطف يكون أول تصرف لهذا الشخص انعكاس لهذه العواطف الدفينة التي تذهل الشخص نفسه عند حدوثها، وهذا ما يسمى في علم النفس: (اختطاف النفس). والجدير بالذكر أن الدماغ لا يخزِن المعلومات فحسب بل يخزن المشاعر والعواطف في جزء من الدماغ، لذا كان من الأهمية عرض موضوع "الذكاء العاطفي " ومحاولة إلقاء الضوء عليه، ونطمح في الأخير أن نكون قد فهمنا معنى وكيفية ربط الذكاء بالعاطفة وأهمية ذلك على نجاحنا في كافة أصعدة الحياة...

اخرى
منذ سنة
800

هل نبحث عنه؟

بقلم: وفاء لدماء الشهداء وأنا أعيش لوعة مصاب سيدة النساء فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وأكتوي بنار فقدها الأليم، انتقل من ألم إلى ألم، ومن رزية إلى رزية، فيذوب قلبي أسى، وتحترق عيوني دمعة، ويستوقفني وأنا أتقلب في رحاب ذكراها الحزينة، مشهد حب منقطع النظير، حب مقدس رعته صاحبة الذكرى بكل وجودها، وغذته من ربيع حياتها، إنه حبها لإمام زمانها الإمام علي (عليه السلام) لا أريد الحديث عن مصاديق هذا الحب وصوره في رحلة حياتها المضنية معه، ابتداءً من رحلتها مع الأمير (عليه السلام) وصبرها وجهادها، مرورًا بكل المواقف التي خلدها التاريخ لتبقى رمزًا ونموذجًا أمثلًا لكل امرأة رسالية، وانتهاء بما تحملته من مشاق وما كابدته؛ لإرجاع الحق المسلوب، وإيقاظ النفوس الميتة من سباتها المدمر، ولو بالطواف على بيوت المهاجرين والأنصار، وتذكيرهم بوصايا الرسول (صلى الله عليه وآله)... ولكني سأذكر موقفين اثنين أثّرا فيَّ، وأقدحا في ذهني عاصفة من التساؤلات. الموقف الأول: بعد إسقاط الجنين وحادثة الباب الأليمة، وما حدث من عظيم الرزايا على يد تلك الزمرة الخبيثة اللئيمة، كانت أولى كلماتها (عليها السلام): أين علي؟ لم تلتفت إلى حالها وما جرى عليها، بل بحثت عن إمام زمانها وسيدها وأميرها علي. أما الموقف الآخر، فحينما أخذ الأمير (عليه السلام) مقيدًا، هنا خرجت (سلام الله تعالى عليها) خلفه؛ لتهدد أولئك الأجلاف الذين لم يحفظوا حق ذوي القربى، وتنكروا للكتاب والرسول والرسالة، وضربوا بكل ذلك الكم الهائل من الآيات والروايات عرض الجدار، خرجت لتنقذ إمام زمانها علي (عليه السلام) من بين أيديهم الملوثة بالآثام، تلك الأيدي المعتدية على الله تعالى ورسوله بإزالة الحق عن محله، وغصب الأمر في وضح النهار من أهله، دون حياء أو خجل، أو خوف أو وجل، وبالفعل كان لخروجها أثر في رجوع الإمام علي (عليه السلام) معها دون أن يصيبه منهم أذى في بدنه، وإن كان لا يساورني أدنى شك في أنه كان يذوب بلوعة المصاب؛ لتنكُّب الأمة عن الصراط المستقيم، وضلالها عن الطريق الواضح القويم. هنا دعوني أتساءل: ترى هل نبحث عن إمام زماننا؟ هل نعيش لوعة فقده؟ هل نكتوي بنار غيابه؟ هل نبذل جهدًا لإزاحة غيوم الغيبة عن سماء الفرج؟ هل نخطط لكيفية إشراق الأرض بنوره بعد كل هذه المعاناة الطويلة؟ ما هو دورنا؟ وماذا نعمل؟ وكيف نفهم الانتظار يا تُرى؟ هل نفهم الحب والانتظار كشعارات وكلمات نرفعها هنا وهناك؟ أم حركة وعمل، وعطاء وجهاد وبذل، وسعي دؤوب لأداء التكاليف بروح المحبة والأمل؟ إن مولاتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) أحبّت إمام زمانها علي (عليه السلام) بعد أن عرفته، فالحب وليد المعرفة وهذا هو الطريق الذي ينبغي أن نسلكه؛ كي نحظى بحب الإمام المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف). فما أجمل أن تكون ذكرى استشهاد الزهراء (عليها السلام) ملهمة لنا، وما أجمل أن نتعلم في كل ذكرى تمر علينا درسًا منها، نضيء به حياتنا، ونزداد قربًا وحبًّا من خالقنا، فما هو رأيكم لو جعلنا هذه الذكرى بكل ما فيها من آلام وأحزان، ودروس لحياة الإنسان، باعثًا ومنطَلقًا لتعميق علاقتنا مع إمام الزمان؟ إن وافقتموني فلا بد أن نعقد العزم على معرفته، ونقترب من ساحة لطفه ورعايته، ونبدأ في دراسة حياته وتضحياته وغيبته، ونقرأ بشكل آخر تاريخ المحن والآلام الذي مر على أحبّته وشيعته، لنعيش مع كل عام مرّ بعد غيابه، حرارة الفقد ولوعة الابتعاد. نعم لنحاول أن نقرأ الأحداث التي تشهدها الأرض المعذّبة قراءة أخرى، نرى فيها كمّ الظلم والمحن والفتن؛ فنستغيث من عمق أرواحنا التواقة للعدل والسلام، أين أنت يا بن الحسن؟ حبذا لو التفتنا إلى أنفسنا، وعملنا على إصلاح واقعنا، وانطلقنا من دائرة أسرنا إلى ساحة مجتمعنا؛ لنعمل على زيادة عدد المنتظرين، المتسلحين بالعلم والمعرفة والالتزام والوعي والهم الرسالي، ليكن إحياؤنا لذكرى شهادة الزهراء (عليها السلام) هذا العام وكل عام وعيًا لحركتها، وسيرًا على هديها، فهذا ما يقر عينها، ويسعد قلبها، ويساهم في تعجيل فرج ولدها الموعود (عجل الله تعالى فرجه الشريف)

اخرى
منذ سنة
720

أنت المحمد في العالمين

بقلم: رجاء محمد بيطار "أولنا محمد، أوسطنا محمد، آخرنا محمد،... كلنا محمد" كلمات قدسية رفرفت أمام ناظري، فشدّت بصري إلى عليين... حديث نطق به الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) فكان -كما كل حديث شريف- نبراسًا نهتدي به، فنخرج من الظلمات إلى النور، فالله ولينا وهو رسوله،... به نؤمن ونقتدي، وبأهل بيته، بحبهم نستمسك، فهم العروة الوثقى، وهم الصراط المستقيم،... وهم كلهم "محمد"! أتوقف عند الكلمة وأتأمل مليًا ثم أغض الطرف، فمن أنا لأُفسر وأستنبط؟! ولكن قلبي يخفق فتتململ الكلمات في وجداني، وعشقي ينطق فيتمايل اليراع ويتأرجح فوق بناني، ويهتز كياني... إنه "محمد"، وإنهم "محمد"، وإن لم تكن لدي كل أدوات التفسير إلّا أنني أحمل قلبًا يعرف ربًا ويميز دربًا ويطلب من علاهم قربًا. وتنبثق من الكلمات -سوى الهدى الذي ترويه- أنوار مستفيضة... لا تعشي العيون فحسب، بل هي إلى القلوب أدنى وأقرب، تغشاها بألق مستديم لا يحول ولا يزول ولا يريم. وأخط شعاعًا من ذلك الألق فوق القرطاس، سطوري تنهج الصراط المستقيم، وكلماتي أرسمها غيضًا من فيض تلك الكلمات، بل عبيرًا فاح وراح يهز الكائنات... وأجد النجوى إليّ أقرب... فلماذا أتحدث بصيغة الغائب مع من ليس بغائب، وصيغة المخاطب هي الأنسب، لأنه في كل لحظة أمامي، يسكن فؤادي ويملأ أيامي، تمامًا كما يملأ مشاعري وكلامي... "مولاي" كلمة أرقى بها إليك... هي فوق ما أراه لنفسي أضعافًا مضاعفة... ولكن قاموس الكلمات لا يسعفني أكثر، فاعذرني ، وامنحني -أنت الجواد حتى أقصى غاية الجود- أن أُناجيك وأنا الهباء المتناثر تحت تراب قدميك... مولاي... يا كل النور المتألق في فضاء الكون... أنت بيننا، فوق رؤوسنا، متغلغل في سويداء أفئدتنا... بل أنت في متناول أبصارنا لو لم تكن كليلة دون رؤيتك، بعدما أعمتها الذنوب والأهواء والعيوب... وأنت يا مولاي تقول: "إن وجه الانتفاع بي في غيبتي كالانتفاع بالشمس إذا غطاها السحاب" إذًا تبقى لنا القلوب نستدل بها على معرفتك ونخاطبك بها في حضورك وغيبتك، يا معشوق القلوب، واسمح لي بأن أتجرأ وأقول، يا أحب حبيب ومحبوب... مولاي يا "محمد"! ويتلجلج اليراع من جديد، فبين "محمد" و"محمد" تتلاحق الأنفاس وتجهد... عذراً مولاي... عذراً، فدون ما أبغي أشواط وأميال، وأحلام وآمال، لست أدري إن كنت قادرة على بلوغ مداها، ودون ما أبغي آهات وحاجات، فعذرًا يا مولاي، عذرًا لأننا نحن البشر تغلب علينا حاجاتنا، ونتخذها دخلًا بيننا وبين أحبتنا، حتى ولو كان هؤلاء الأحبة هم أحبة الأرواح لا أحبة القلوب فحسب... ولكن، أراني اللحظةَ أتأمل وأتفكر، وما كنت ناسية لأتذكر... هي لحظات عشتها قبل سنوات، فحملتني إلى قمةٍ ما كنت أظن أن أبلغها يوماً، ولا في الأحلام، أنا القليلة القليلة حتى الانعدام... لحظة ما زلت أحياها وأتنفس شذاها، وأستلهم كنه معناها... لحظة، كنت فيها بين يدي مولى المتقين "علي"...نفس "محمد"...كان مثواه يمتد بين خافقيّ وناظريّ، هو في قلبي يحتلّ كله،...هو في وجداني يحتلّ كله، فكيف وقد أضحى أمامي في المكان حولي يحتلّه كله؟ قلت: إننا بشر تغلب علينا حاجاتنا، ولم أقل: إننا بشر تغلب علينا حواسنا وإدراكنا. وإذا المكان والزمان يتوحدان، يتداخلان. والروح والفؤاد يتداخلان؛ هاهنا مثوى يعسوب الدين، إمام المتقين وقائد الغر المحجلين... هاهنا مَن صفاته تضيق بها الحروف والكلمات، فأبحث عنها بين حنايا الخفقات والعبرات، فتسعفني وتنجدني وأذرفها مع الآهات... وتضيع كل الحاجات في ذروة ما بعدها ذروة، وتتلجلج العبارات... إذ كيف أطلب لدنيا أو لآخرة، وحاجتي الكبرى قد تناهت إليّ... لقد بلغتك يا غاية المأمول فدونك كل مأمول، وما بي حاجة إلى المزيد... فهل فوق ما أنا فيه من نعمة؟!... وهل يطلب بالغ الجنة أكثر من الجنة؟!... ...وأعود إليك يا مولاي،... ما فارقتك لأعود إليك، فكلكم "محمد"، و"علي" نفس "محمد"! حري بي وأنا بحضرتك، أنت الماثل أمامي في كل آونة "كالشمس خلف السحاب"،... أن تعتريني نفس تلك اليقظة التي اعترتني هناك، أن لا أطلب لكي أجاب،... بل أن أتدفأ وأستنير، وأنعم بدفئك ونورك بلا سؤال ولا جواب،... إذ يكفيني أن أُقبل الأعتاب، وأن أذرف دمع العشق على كل باب،... ويطرح السؤال نفسه،... مولاي،... نحن نعيش حزن السنين،... وتعيش أنت حزن الدهور... نحن على ما ابتلينا به صابرون،... وأنت أنت الصبور الشكور... نريدك يا أمل الآملين،... ولا نزرع البر في الزارعين... أنهوى رجاك ونرجو علاك،... ونمضي مع الخلق في الخائضين؟ فكيف نكون لنصرك ذخرًا،... ولسنا نمد إليك اليمين أ مولاي قد أخرتك الدهور،... وصبرك مع آلك الصابرين فهلا تنفست فينا بتقوى الإله لنصبح آل اليمين أ مولاي عذرًا، وصبرًا وشكرًا، فعفوك عفو النبي الأمين وصبرك صبر الوصي الحزين، وشكرك شكر القوي المتين فأنت "المحمد "في الأولين... وأنت "المحمد" في الآخرين،... وأنت "المحمد" في العالمين...

اخرى
منذ سنة
1587

الانتظار السلبي عند اليهود

بقلم: زين العابدين لعل من أهم التكاليف -إن لم يكن التكليف الأوحد للمسلم في زمن الغيبة- هو الانتظار الإيجابي المقترن بالحركة والسعي الحثيث لإبقاء العلاقة الصالحة مع صاحب الزمان أولًا وتمهيد الأرضية الخصبة والصالحة لاستقبال مشروعه الإلهي ثانيًا وهذا الأمر بمجرد اقترانه بمشروع السماء لوراثة الأرض وخلافتها ليس بالأمر الهيّن. ومن هنا، فلابد أن يكون المنتظِر على وعي تام وتطوير مستمر لقابلياته الذهنية واقترابه من فكر وتراث أهل البيت (عليهم السلام) خصوصًا سيرهم (عليهم السلام) وكذا الاستفادة من القصص والدروس المذكورة في القرآن الكريم والمروية عن أهل البيت (عليهم السلام) والتي يستفاد منها وعورة الطريق في التمهيد أولًا والنصرة والتسليم للمنتظَر ثانيًا والثبات معه في مختلف الظروف ثالثًا، فإن كل مرحلة من هذه المراحل تمثل عقبة وامتحانًا يتساقط فيه المنتظرون أفواجًا إذا لم يتسلحوا بالوعي والمعرفة بالقدر الذي يكفي لأن يجتازوا هذه العقبات. وإن من القصص العجيبة والمخيفة التي وردت في القران الكريم والتي تخص المنتظرين لبعثة نبينا الكريم (صلى الله عليه وآله) من اليهود ما ورد في تفسير الآية ٨٩ من سورة البقرة (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) حيث ينقل السيد الطباطبائي في تفسير الميزان هذه القصة عن مولانا الصادق (عليه السلام) اقتبستها كما هي لعظمتها ولخطرها حيث إنها تضع أيدينا على أهم البلاءات التي يُبتلى بها المنتظرون: "في تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: «ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق» الآية قال (عليه السلام): كانت اليهود تجد في كتبهم أن مهاجر محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما بين عير وأحد فخرجوا يطلبون الموضع، فمروا بجبل يقال له حداد فقالوا حداد و أحد سواء، فتفرقوا عنده، فنزل بعضهم بتيماء، و بعضهم بفدك، و بعضهم بخيبر، فاشتاق الذين بتيماء إلى بعض إخوانهم، فمر بهم أعرابي من قيس فتكاروا منه، و قال لهم أمر بكم ما بين عير و أحد، فقالوا له إذا مررت بهما فأذنا لهما، فلما توسط بهم أرض المدينة، قال ذلك عير و هذا أحد فنزلوا عن ظهر إبله و قالوا له قد أصبنا بغيتنا فلا حاجة بنا إلى إبلك فاذهب حيث شئت و كتبوا إلى إخوانهم الذين بفدك و خيبر أنا قد أصبنا الموضع فهلموا إلينا فكتبوا إليهم أنا قد استقرت بنا الدار و اتخذنا بها الأموال و ما أقربنا منكم فإذا كان ذلك أسرعنا إليكم، و اتخذوا بأرض المدينة أموالا فلما كثرت أموالهم بلغ ذلك تبع فغزاهم فتحصنوا منه فحاصرهم ثم آمنهم فنزلوا عليه فقال لهم إني قد استطبت بلادكم و لا أراني إلا مقيما فيكم، فقالوا: ليس ذلك لك إنها مهاجر نبي، و ليس ذلك لأحد حتى يكون ذلك، فقال لهم فإني مخلف فيكم من أسرتي من إذا كان ذلك ساعده و نصره فخلف حيين تراهم: الأوس و الخزرج، فلما كثروا بها كانوا يتناولون أموال اليهود، فكانت اليهود تقول لهم أما لو بعث محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لنخرجنكم من ديارنا و أموالنا فلما بعث الله محمدا آمنت به الأنصار و كفرت به اليهود و هو قوله تعالى: و كانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا إلى آخر الآية." فنجد أن هؤلاء المنتظرين قد تركوا الأهل والأرض واستغنوا عن كل شيء وهاجروا إلى البلد الذي يعتقدون أنه بلد المنقذ الذي ينتظرونه، وكانوا يحاربون ويبذلون ويثقفون ويمهدون له، كل هذا الانتظار كان حركيًا وإيجابيًا، وربما يكون ظاهرًا انتظارًا مقبولًا عند الله وعند رسوله، ولكن بعد أن وصلوا إلى العقبة الثالثة التي ذكرناها في مقدمة المقال، وهي عقبة التسليم المطلق لأمر المنتظَر، بان الخلل واضحًا جدًا، حيث أن كل هذا البذل والانتظار والمعاناة التي عانوها، لكنهم كانوا يريدون إمامًا على مقاسهم، يريدونه كما يتمنون أن يكون، وهذا من أعظم الدروس لنا كمنتظرين لمنقذ نعتقد بأنه معصوم ويجب علينا التسليم المطلق لكل ما يصدر عنه (عليه السلام). فهل نحن مستعدون؟ فلنسأل أنفسنا هذا السؤال قبل كل حركة أو فعل: هل نحن منتظرون لإمامنا الذي نتمنى أن يلبي طموحاتنا أم نحن منتظرون للإمام كيفما كان سلوكه وحركته ولربما يكون سلوكه غير موافق تمامًا لأهوائنا و رغباتنا؟ وأخيرا نسأل الله تعالى أن يرزقنا الهمة والعزيمة على أن نكون من خيرة الممهدين والطائعين والثابتين مع مولانا صاحب الزمان (روحي له الفداء) بوعي وبصيرة لا تجعلنا نقول قبال قوله أو نفعل قبال فعله إنه أرحم الراحمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين…

اخرى
منذ سنة
1516