كيف نتعامل مع إخفاق الطفل؟

يدخل الطفل بدوامة من الصراع مع نفسه أثناء شعوره بالإخفاق بعمل ما، فالطفل الذي يخفق بعمل ما فإنه سيشعر بالانكسار النفسي مالم يتدخل الأهل أو المربي في إرجاع ثقته بنفسه من جديد، فمثلا لو حاولنا تعليم الطفل سياقة الدراجة الهوائية لعدة مرات ولم تفلح محاولاتنا معه، فمن المؤكد أن الطفل هنا سينتابه شعور سيئ حول نفسه يكمن في عدم قدرته على تعلم سياقة الدراجة، ولو أن الطفل أخفق في مادة الرياضيات مثلاً في أول امتحان له فإنه سيشعر بحالة من فقدان الأمل وباليأس، ويفكر بينه وبين نفسه بترك الدراسة والتعليم خصوصاً إذا لاقى ملامة من والديه أو معلميه! لذلك يجب الانتباه جيداً لطريقة معاملة الطفل بعد الإخفاق بعمل ما، لأن الموضوع حساس جداً ويتطلب التصرف بشكل سليم وحكيم للنهوض بثقة الطفل وإرجاعه إلى الطريق الصحيح، إذ إن التفكير في الإخفاق يدفع بالنفس الى الاستسلام والخضوع وعدم المحاولة من جديد، لذلك توجب علينا أن نلتفت جيداً إلى هذا الجانب، والنقطة الاساسية في هذا الجانب هو إرجاع وشحن الطفل بطاقة ايجابية لزيادة مشاعر الحماس والقوة من جديد للوصول إلى حالة الاتزان السابقة. هناك نوعان من طرق التعامل مع اخفاق الطفل، يمارس الأهل والمعلمين إحداهما عادة: النوع الأول من المربين هم من يتصرفون مع إخفاق الطفل باللوم والتقريع والنقد والتجريح والمقارنة والتوبيخ واطلاق مختلف الصفات السلبية على الطفل كالغبي، والفاشل، وانك لا تنفع لفعل شيء ، واختك افضل منك ، و و و... وهذا ما يزيد الطين بلة حيث سيسبب حالة من فقدان الثقة بشكل أكبر وهبوطها الى اقل مستوى ، وهذا ما يسبب إحباطاً ويأساً أكثر، والخطأ الذي يرتكبه الاهل هنا هو ظنهم بان مثل هذه الاساليب السلبية هي محفزات ومثيرات للطفل مما يوقعهم في التخبط والفوضى ، ويجعلهم يساهمون في فقدان الطفل لثقته بنفسه وبأهله. أما النوع الثاني من المربين ( الأب والأم والمعلم) فانهم يتصرفون بشكل إيجابي وبمرونة اكثر مما يدفع بالطفل الى ارجاع ثقته بنفسه وزيادة تقديره لذاته وهذا ما يُرجع البسمة والحماس في نفسه ، فالتشجيع والمديح المتزن يفعل الكثير، لأنه يرفع من معدل هرمون الدوبامين في الجسم ويخفض هرمون الضغط النفسي ( الكورتزول ) مما يجعل النفس تشعر بالارتياح النفسي والهدوء والقدرة على المحاولة مرة أخرى وهذا ما نريده بالضبط، فلو انتاب الطفل شعور إيجابي بالمحاولة مرة أخرى فإننا نقوم بإعطائه فرصة ثانية للنجاح ، ويجب هنا ان نتحلى بالصبر والروية، فهي اهم نقطة في الطريق الصحيح. ويجب علينا كآباء وامهات ومعلمين ان نجعل الطفل يشعر بأن إخفاقه في فعل شيء ما، هو أمر طبيعي وأنه يحصل للجميع ، وأن باستطاعته النجاح في المرة القادمة مستخدمين التشجيع والمديح في تحفيزه لزياده حماسه وطاقته. إن المربي الواعي هو من يستطيع ان يعلم أبناءه وطلابه كيفية التعامل مع مختلف الظروف والتحديات ، وليس ذاك الذي يضرب ويشتم ويصرخ عاليا !! فالذي يفتقد الى المهارات والاساليب التربوية لا يمكنه ان يعلم الاطفال لأنه يحتاج الى تعليم وتربية من جديد، ففاقد الشيء لا يعطيه! والخلاصة أننا نحتاج الى عدة خطوات للتعامل مع إخفاق الطفل: ١- أن نجعل الطفل يشعر بأن الإخفاق في هذه المرة لا يعني عدم نجاحه في المرة القادمة ويمكن ان نضرب له الامثال في كبار المخترعين الذين جربوا آلاف التجارب قبل نجاحهم، فهذا التوضيح يزيد من قناعته وايمانه بذاته. ٢- أن نبتعد عن الانفعال العاطفي السلبي مع الطفل فلا نظهر الحزن واليأس لكي لا يشعر بالفشل بل يجب علينا ان نتعامل بحكمة مع الأمر ليتعلم الطفل منا كيف يواجه هذا الموقف مرة اخرى. ٣- أن ندعم الطفل بالمديح والتشجيع المتزن، فمثلا نقول له ( انت تستطيع ان تفعل هذا الشيء انا واثق منك ، انا متأكد من نجاحك في المرة القادمة) فمثل هذه الكلمات تساعده في ارجاع الثقة اليه مرة اخرى وتجعله يحافظ على رباطة جأشه وهذا ما يحفزه الى اعاده المحاولة والتجربة مرة أخرى، لأنه سيتأكد انه سيلاقي الدعم الايجابي النفسي من اهله وهذا ما نطلب فعله من جميع الاخوة الاباء والامهات والمعلمين. قاسم المشرفاوي

اخرى
منذ سنتين
2696

حزنٌ قبل المصيبة

لماذا يبتدئ حزننا وشعائرنا منذ الأول من شهر محرم الحرام رغم أن الإمام الحسين (عليه السلام) وسائر أخوته وولده وأصحابه استُشهِدوا في العاشر منه؟ هناك أصلان لهذه العادة: أصل سُنَني، وأصل أخلاقي أما الأول: فيعني ما كانت عليه سنة محمد وآل محمد (صلى الله عليه وآله)؛ عن الإمام الرضا (عليه السّلام) قال: كان أبي(صلوات الله عليه) إذا دخل شهر المحرّم لا يرى ضاحكاً، وكانت الكآبة تغلب عليه حتّى يمضي منه عشرة أيّام، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه، ويقول: هو اليوم الذي قتل فيه الحسين(صلوات الله عليه(١). هنا يبين الإمام حزن أبيه الإمام وهو حزنه وحزن سائر آبائه وولده الذي يبدأ من الأول منه حتى يتدرج فتصل ذروته في اليوم العاشر، حيث يوم المصيبة. بل روى بعضهم: أنّ علي بن الحسين (عليه السلام) لم ير ضاحكاً يوماً قط، منذ قتل أبوه)(٢). يعني حتى في غير أيّام شهر محرّم!. وفعل أئمتنا هذا هو بعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) لكن هاك انظر الى الحجة الكبرى: رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي يبكي عليه قبل استشهاده بخمسين عاماً! فعن أم سلمة (رضي الله عنها) أنّها قالت: " كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) جالساً ذات يوم في بيتي، فقال: " لا يدخل عليَّ أحد "، فانتظرت فدخل الحسين (عليه السلام)، فسمعت نشيج رسول الله(صلى الله عليه وآله) يبكي، فاطلعت فإذا حسين في حجره والنبيّ (صلى الله عليه وآله) يمسح جبينه وهو يبكي، فقلت: والله ما علمت حين دخل، فقال: " إنّ جبرئيل (عليه السلام) كان معنا في البيت فقال: تحبه؟ قلت: أمّا من الدنيا فنعم، قال: إنّ أمتك ستقتل هذا بأرض يقال لها كربلاء"(٣). وروى المحب الطبري بسنده عن أسماء بنت عميس أنّها قالت: " عقّ رسول الله عن الحسن يوم سابعه بكبشين أملحين... فلمّا كان بعد حول ولد الحسين فجاء النبيّ (صلى الله عليه وآله) ففعل مثل الأوّل، قالت: وجعله في حجره فبكى (صلى الله عليه وآله)، قلت: فداك أبي وأمي ممّ بكاؤك؟! فقال: " ابني هذا يا أسماء، إنّه تقتله الفئة الباغية من أمتي، لا أنالهم الله شفاعتي "(٤). فلا لوم على حزننا بعد وقوع الواقعة العظمى وتردد المقتل على أسماعنا ليقرعها بالمصيبة وما جرى في ذاك اليوم المدمى. أما الأصل الأخلاقي: فإن هذه المصيبة لها حرارة، ومع أنها لا تبرد أبداً لكن رش الدمع على جمرها أهون على المؤمن المفجوع من عدمه، وقد كثر الحث من قبل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على البكاء على الحسين كما في كلام الإمام الرضا (عليه السلام) لابن شبيب: "يَا ابْنَ شَبِيبٍ: إِنْ كُنْتَ بَاكِياً لِشَيْ‏ءٍ فَابْكِ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليه السَّلام)"(٥) وما للبكاء من تأثير وفوائد على الكيان العقائدي أولاً ثم رفعها لدرجات وإماثتها لذنوب الباكي ثانيا؛ فهذا يتطلب للحصول على هذه النفحات والمغانم واستغلال يوم الاستشهاد وما بعده يتطلّب مقدمات توصل لذروة التفاعل خصوصاً وأن كثيراً من الناس منغمس في مشاغله في الشهور والأيام السابقة لشهر محرم، وهناك من يحتاج الى ترقيق لقلبه كي لا تجف دمعته فيهيئ لكل ذلك من اليوم الأول من محرم.. وفي هذا الحرص شغفٌ واضح لصلة قربى النبي [صلى الله عليه وآله] ومواساته، والولاية للإمام الحسين (عليه السلام). ____________________________ (١) أمالي الصدوق: 190 مجلس27، حديث 199. (٢) تاريخ اليعقوبي 2: 259 أحداث أيّام مروان بن الحكم. (٣) المعجم الكبير للطبراني: (3 / 108 (2819)، وأنظر: مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 189. (٤) ذخائر العقبى للطبري: 119، وأنظر: ينابيع المودة للقندوزي: 2 / 200، مسند زيد بن علي: 468، البحار للمجلسي: 43 / 239. (٥) وسائل الشيعة: 502 / 14. زهراء حسام

اخرى
منذ سنتين
2508

ذكرى

هنالك ذكريات تُرغم أفئدتنا على البهجة دون اختيارنا، نشعر بمرورها شعوراً أسطورياً، كمَن مرّت عليه الذكرى المائة لانتصاره على وحشٍ كاسرٍ لا يُهزم، كان قد مرّغ أنفه في التراب بضربةٍ واحدة وهو يقف في منتصف الميدان منتشياً بهتافات المشجعين.. ذلك لأننا حققنا فيها انتصاراً أيضاً على أعتى وحشٍ يمكن أن يقابله الإنسان في حياته، وحش نفسه الأمّارة بالسوء. ذكرى دخولك وتخرجك من الجامعة مثلاً وأنت على حالك لم تغيّرك كل الأجواء المشحونة بالخطأ.. أو لعلّها غيّرتك الى الأفضل فيكون انتصارك مضاعفاً؛ إذ إن هناك من لا يحتمل أن يكون كما الآخرين، مذنباً أو حتى صالحاً متقاعساً، بل أن طموحاته هي أن يبلغ الأفضل فيفتّش في كومة الرذيلة بحثاً عن الفضيلة مدّخراً إياها لنفسه، صاعداً بها سلالم الرقي بعيداً عن المتشابهين. ذكرى إطلاقك أول كلمة، أول مشروع، في الدعوة الى الله تعالى، أو الدفاع عن مقدساتك أو إشاعة الخير؛ فهذا زمن اللامبالاة، زمن قول: (نفسي ثم نفسي ثم نفسي)، زمن التسفيه لمن يحتضن مبدأه ويذود عنه، لمن يتأبط مشاكل أبناء جلدته ويجول دروباً موحشة ودهاليز رطبة طلباً لفكّ عقدها، لكنك شعرت بالمسؤولية وحملتها فوق منكبيك غير مبالٍ إلا برسالتك. ذكرى عقد قرانك أو زواجك وأنت ظفرت بشريكٍ كما تريد ويريد دينك رابحاً بأكبر التجارات التي يمكن أن تتعامل بها، لم يؤثر فيك المجتمع بكافة شرائحه، الذي يسعى إلى أن يحظى بفكك السفلي ليضغط عليه بقوة ويصب في فمك خمرة تعاليمه حتى يفقدك عقلك فتتخبط باحثاً عن مؤهلات المال والجمال والحسب والنسب دون الدين والأخلاق، فتخسر سعادتك وتربية أبنائك، لكنك قاومته ولم ترزخ تحت وطأته. هذه أمثلة، لذكريات تستحق الاحتفال، ولكلٍّ منا انتصار مختلف له ذكرى مبهجة. زهراء حسام

اخرى
منذ سنتين
950

ظاهــــرة الانـتـحــار

الانتــحار بســم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّدٍ وآله الطاهرين، ونعوذ بك اللّهمّ مِن شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا. وبــــعد، يعد الانتحار مِن أخطر المشاكل التي تواجه المجتمع، وأشد الأسى على الاُسر؛ لما يتركه مِن آثار سلبية وخيمة بعد موت المنتحرين. والمنتحر: هو الشخص الذي له نظرة تشاؤمية عن كل موضوع، فيقمع ارادته مِن التحرك والسعي لتحقيق الأهداف، ويحكم عليها بالنفي من الحياة. أســـــباب الانتحار: للانتحار أسبابٌ عديدة, منها: 1- ضعف العقيدة فمن ييأس مِن رحمة الله فهو مِن الخاسرين. 2- الأسباب النفسية كالتوتر الزائد, والاكتئاب, والقلق. 3- المشكلات الشائكة كتراكم الديون, وسوء التدبير. 4- عدم تحقيق الأهداف كعدم تحقيق النجاح, أو الوظيفة, أو الزواج, أو الترقي بالمنصب. 5- تناول الخمر وادمانه. 6- الحسد وكثرة مراقبة الآخرين. 7- الفراغ وانعدام الشخصية. 8- التأثر بالإعلام الهابط. 9- الكفر بالله تعالى. 10- سوء فهم عاقبة الانتحار. طُــرق الانتحار: للانتحار طرق عديدة منها: الشنق, الحرق, الغرق, تناول السموم, تناول المبيدات, قطع الأوردة الدموية, الحوادث المتعمدة المرورية, السقوط مِن مكانٍ شاهق, حبس النفَس, تناول أشرطة الدواء بأكملها, وغيرها من الطرق. مشــكلة اليوم: إنّ ما نواجهه اليوم هو تزايد حالات الانتحار بين أبنائنا عموماً وطلبة الصف السادس خصوصاً نتيجة إخفاقهم في الدراسة, أو عدم حصولهم على المعدل المتوقع, أو لوم الأهل لهم على المستوى العلمي, ومما يؤسف أنه بات البعض يقلّد الآخر حتى تفشت هذه الحالة وإن لم تصل إلى حد الظاهرة. حُـــكم الانتحار: 1-الانتـحار مِن المحرّمات لاشك أنّ الانتحار مِن المحرّمات؛ إذ هو إزهاقٌ للنفس بغير حق, وأنّ الدّين الإسلامي قد حرّم قتل النفس، كما في قوله الله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ)(1). والنهي هنا بمعنى الانزجار والحرمة, ومن هذه الآية استنبطت الروايات الحكم الشرعي لإزهاق النفس بغير حق. 2- الانتحار مِن الكفر قد عدّ الله تعالى الانتحار مِن الكفر كما قال سبحانه: الله تعالى: ﴿...وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُون)(2). نــعم إنّه مِن الكفر؛ لأنّه تشكيكٌ بقدرة الله تعالى الــلامتناهية, وتوهينٌ مِن علم وهيمنة وسلطنة وتدبير وحكمة الله سبحانه لأمور عباده, فهو الحكيم بتدبير شؤون عباده, العليم بمصالحهم, فيكون يأس الانسان متعرض مع الآية الكريمة: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير)(3). 3- المنتحر مصيره النار كما قال تعالى: تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نــَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا﴾(4). عـــلاجُ الانتحار: 1- تعزيز جانب العلاقة بالله تعالى, وقراءة الآيات الكريمة التي تبث روح التفاؤل والنجاح. 2- ضرورة اتخاذ مرشد صالح للتردد عليه وطلب المشورة منه. 3- الابتعاد عن رفقاء السوء. 4-توعية الناس بمخاطر المخدرات وآثارها. 5- العدالة في تقييم مستوى الطلبة واعطاء كلّ ذي حقٍ حقه. 6- القضاء على أوقات الفراغ واستثمار الوقت بما هو نافع. 7- تشخيص الهدف والتأمل بتحقيقه. 8- ضرورة معرفة أنّ من تأخرت عليه استجابة الله تعالى، فهو عبدٌ يحب الله سبحانه سماع صوت دعائه, "روي عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ إِنَّ الْعَبْدَ لَيَدْعُو فَيَقُولُ الله عَزَّ وَجَلَّ لِلْمَلَكَيْنِ قَدِ اسْتَجَبْتُ لَهُ وَلَكِنِ احْبِسُوهُ بِحَاجَتِهِ فَإِنِّي أُحِــبُّ أَنْ أَسْـمَعَ صَوْتَهُ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَدْعُو فَيَقُولُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَجِّلُوا لَهُ حَاجَتَهُ فَإِنِّي أُبْغِضُ صَوْتَهُ"(5). رواية اخرى: "عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ قَالَ قُلْتُ لأبِي الْحَسَنِ (عَلَيهِ السَّلام) جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنِّي قَدْ سَأَلْتُ الله حَاجَةً مُنْذُ كَذَا وَكَذَا سَنَةً وَقَدْ دَخَلَ قَلْبِي مِنْ إِبْطَائِهَا شَيْ‏ءٌ فَقَالَ يَا أَحْمَدُ إِيّــَاكَ وَالشَّيْطَانَ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْكَ سَبِيلٌ حَتَّى يُقَنِّطَكَ إِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه) كَانَ يَقُولُ إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْأَلُ الله عَزَّ وَجَلَّ حَاجَةً فَيُؤَخِّرُ عَنْهُ تَعْجِيلَ إِجَابَتِهِ حُبّاً لِصَوْتِهِ وَاسْتِمَاعِ نَحِيبِهِ... فَلا تَمَلَّ الدُّعَاءَ فَإِنَّهُ مِنَ الله عَزَّ وَجَلَّ بِمَكَانٍ وَعَلَيْكَ بِالصَّبْرِ وَطَلَبِ الْحَلالِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَإِيَّاكَ وَمُكَاشَفَةَ النَّاسِ فَإِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ نَصِلُ مَنْ قَطَعَنَا وَنُحْسِنُ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْنَا فَنَرَى وَالله فِي ذَلِكَ الْعَاقِبَةَ الْحَسَنَةَ... فَكُنْ بِالله أَوْثَقَ فَإِنَّكَ عَلَى مَوْعِدٍ مِنَ الله أَ لَيْسَ الله عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ وَقَالَ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله وَقَالَ وَالله يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً فَكُنْ بِالله عَزَّ وَجَلَّ أَوْثَقَ مِنْكَ بِغَيْرِهِ وَلا تَجْعَلُوا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا خَيْراً فَإِنَّهُ مَغْفُورٌ لَكُمْ"(6). 9- ضرورة مراجعة طبيب نفسي لبعض الحالات. 10- تعزيز الشخصية والثقة بالنفس. خــاتمة روحيّة: دع اليأس وقُل: ها قد جئتُك يا ربّي وليس لي لسان.. وعلى شَفَتَيَّ ألف كلمة.. إلاَّ أنَّ حروفها ممزوجةٌ بأبديَّة لطفك.. حيثُ لا كتفَ للوجود يتكئ عليه فقط أنت يا ربَّ هناك. فقد انسابَت مِنّي كلمَةٌ مِن وراء الرُّوح.. فَخُذني على ظهرٍ مِن محبَّة ألطافِك.. على مدىً فَوق الزَّمَان.. على وطنٍ حيثُ لا مكان.. دُلّني عل نفسي لأنَّ الطِّين سلبَ منّي بقيّة الوجدان وأشعرني بالخذلان. __________________ (1) الاسراء: 33. (2) يوسف: 87. (3) المائدة:120. (4) النساء:30-29. (5) الكافي: ج2, باب مَن أبطأت عنه الاجابة, ح3. (6) المصدر نفسه, ح1. والحمد لله على حسن القضاء، ودفع البلاء، وصلِ اللّهم وسلّم على محمدٍ وآله الأصفياء. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنتين
5883

ولدي لا يطيعني، ماذا افعل؟

يعاني الأهل كثيراً ويشعرون بالتذمر والسخط من تصرفات وسلوكيات أبنائهم! ويعاني الأطفال كثيراً من الأوامر والتوجيهات الصادرة من ذويهم ، وبين هذه المعاناة وتلك فرق شاسع! فمعاناة الأهل تكمن في عدم تنفيذ أبنائهم النصائح والتوجيهات المستمرة ، مما يجعلهم يشعرون بالتذمر والإحباط حيال مقاومة أبنائهم . وهنا يلزم على الأهل أن يفهموا أسباب المقاومة وهل أن مقاومتهم أمر طبيعي أم اضطراب سلوكي ليتم معالجته والسعي للخلاص منه؟ أما معاناة الأطفال فتكمن في شعورهم بالمضايقة والتقييد وسلب الحرية وعدم الشعور باستقلالية الذات ، فنشاهد المقاومة وعدم الانصياع لكل الأوامر والتوجيهات بسبب هذا الشعور الذي يدعوهم إلى اإثبات الذات وطلب الاستقلالية. إن المشكلة تكمن في أن الآباء والأمهات لا يفكرون بعقلية أطفالهم، فلو تنزلوا قليلا عن طبيعة تفكيرهم ككبار، لوجدوا الحل حاضراً أمامهم ، فهم نسوا أيام طفولتهم، فلم يعودوا يشعرون كما يشعر أبناؤهم، ولو تذكروا قليلا لفهموا جيدا طبيعة تفكير اطفالهم ومعاناتهم، لذلك نرى قلة الانسجام والتفاعل بين الأهل والابناء لاختلاف طريقة التفكير بينهما، فلا نقطة التقاء تجمعهم .وبهذا لا يتم تواصل بينهما الا بمقدار ضعيف إن لم ينعدم! فبين هذه التحديات والصراعات التي تحدث باستمرار بين الاهل والأبناء، كيف السبيل الى خلق جسور تواصل وتفاهم وانسجام بينهما؟ وعلى ماذا يعتمد هذا التواصل بالدرجة الاولى؟ أ على الاهل أم على الأبناء ؟ تساؤلات كثيرة في هذا الموضوع سنحاول الإجابة عليها قدر الإمكان بإذن الله تعالى. لو سألنا انفسنا كآباء وأمهات، لماذا نريد أن يطيعنا أبناؤنا ، فالجواب على ما اعتقد في أننا نريد مصلحتهم وصلاحهم وهم لا يعرفون مصلحتهم جيداً، لانهم اطفال وادراكهم ضعيف او جزئي ، ولكن هل يفهم الأطفال هذا الشيء اذا كانت توجيهاتنا وأوامرنا تسبب مضايقتهم وتقييد طفولتهم؟! فنحن نتدخل بكل صغيرة وكبيرة تصدر منهم، ولا نترك لهم المجال للتعبير عن طفولتهم وهذا ما يعذبهم كثيرا ويجعلهم يتمردون علينا! يُخطئ بعض الأهل في طلب الطاعة من الاطفال وكأن شخصيته لا تكتمل إلا بطاعة اطفاله له وانقيادهم الاعمى لأوامره، فهم السلطة العليا في البيت وبخلاف ذلك تتم معاقبتهم والتنكيل بهم! فالأب يشعر بالنقص اذا تجاهل ولده أوامره او لم يستجب لطلبات أمه المتكررة ، والحال أنه لا يمكن ان نطلب الدقة المتناهية في طاعة الطفل اتجاه كل ما نريد ظنا منا اننا نعلمه الطاعة ، إذ في حقيقة الامر اننا ندفع به الى التمرد والمقاومة والثورة علينا! نحن لاندعوا الى تمرد الابناء وعدم امتثالهم لأوامر والديهم، ولكن ندعوا الى تعديل أسلوب الوالدين لمساعدة الطفل على الطاعة !! الطاعة التي ندعوا اليها هي تلك الطاعة الواعية والتي تساعد الطفل على فهم حدوده، وليست تلك التي تعلمه الانقياد الخاطئ والتي تقضي على كيانه وذاته. بعض الاباء والامهات يكررون الاسلوب الذي تلقوه أيام طفولتهم مع ابنائهم، ظنا منهم انه الاسلوب الامثل، فهذا ما بقى عالقا في عقلهم اللا واعي. في الحقيقة، لا يمكن ان نتواصل مع ابنائنا اذا لم نفهم احتياجاتهم النفسية ، فبدون ذلك لا يمكن ان نصل الى قلوب ابنائنا ولا يمكن أن نكون مؤثرين عليهم ، فالأطفال الذين يشعرون بالاحترام ، والتقدير ، والقبول ، والانتماء للأسرة ، والحب ، يكونون أكثر طاعة لوالديهم، والسبب هو شعورهم بتقدير الذات ! أما اولئك الأطفال الذين يفتقدون لهذه الحاجات النفسية فانهم يكونون أكثر عداوة ومقاومة لأوامر والديهم ،فهم لا يشعرون بتقُبل ذويهم ومحيطهم لهم، لانهم يفتقدون لمشاعر الأمان والحب ! ونود ان نؤكد هنا انه ما لم يتخلص الأهل من اساليبهم الخاطئة كاللوم ، والمقارنة ، والاستهزاء ، واطلاق الصفات السلبية والالقاب الحيوانية على ابنائهم، فانه لا يمكنهم التأثير عليهم بسبب عدم جاذبيتهم لأولادهم، فلا وجود لمكانة الأب والأم في نفوس الأبناء بسبب عدم وجود عنصر التعاطف من جهة الاهل. وهذه مشكلة يعاني منها الكثير من الابناء. فكيف تريد من ابنك ان يطيعك وانت تنتقص من ذاته؟ وهل يمكن ان يؤثر الاب والأم في شخصية الطفل اذا كانا لا يمتلكان الاسلوب المهذب والكلام المحترم اتجاه ابنائهما؟! لا يمكن ان يستمع الطفل الى شخص ينتقص من ذاته ويستهزأ به، لان هذا الشخص يفتقد الى عنصر التأثير والجذب. وبسبب الأسلوب الخطأ يتولد حاجز نفسي بين الاهل والابناء يؤدي إلى عدم الطاعة. إن والطاعة التي نريدها من الابناء ليس معناها سحق شخصية الطفل وتحويله الى نسخه مكررة من أبيه او أمه ،فان في ذلك تدميراً لذواتهم وقضاءً على استقلاليتهم ، بل الطاعة في الامور التي فيها مصلحتهم في الحاضر والمستقبل والتي تعلمهم حدود الانضباط وتخلق منهم افرادا صالحين في المجتمع، متمتعين بثقة عالية بالنفس، ومؤمنين باستقلاليتهم كأفراد لهم حرية قرارهم عندما يكبرون ، فالأبناء يتشكلون وفق الطريقة التي نتعامل بها معهم، فلنحسن التعامل معهم ؛ ولنزد من امكانيتنا ومهاراتنا التربوية فهو السبيل الوحيد لاحتواهم. قاسم المشرفاوي

اخرى
منذ سنتين
3134

نفحات غديرية

جذبني منظره، بلحيته الطويلة المسترسلة وقد زانتها شعيرات بيضاء تفرقت هنا وهناك، وهدوئه، وتلك الدموع التي بدت تغزو عينيه، وتقاطيع وجهه المتعب الذي بدى عليه الحزن، تعلقت عيناه في كبد السماء وانحدرت تلك الدموع من عينيه، لتختفي تحت شعيرات لحيته، وهو يتمتم بدعاء غريب لم أسمعه من قبل، لكنه أخذ بمجامع قلبي، كلمات تلامس شغاف القلب، تقرع صدري وتغوص في أعماقه فتتناغم مع روحي، فرحتُ أنصت إليه رغم زحام المارة وضجيج الحجاج الذي ملأ المكان... بعد برهة أكمل مناجاته... دنوتُ منه وزاحمت ركبتي ركبته... فهمست له : _من أين لك هذه الكلمات؟ ابتسم وهو يمسح بقايا دموع علقت بمآقي عينيه: -إنه من دعاء الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عرفة ثم أردف قائلاً: هل تريد نسخة منها؟ -أومأت برأسي باستحياء موافقاً وفي داخلي أشعر بالهزيمة ناولني كُتيباً صغيراً جداً، فحشوته في جيبي، ثم شكرته. كان لطيف الكلام، عذب المنطق، شديد الإنصات لي حين أكلمه، تجاذبنا أطراف الحديث فعرّجتُ قاصداً على بيعة الغدير كما يسمونها. قلت: أنتم تدّعون أن الخلافة كانت لعلي بعد وفاة النبي صلى الله عليه؟ لم تتغير تقاطيع وجهه السمح وأجاب بهدوء وسكينة: لا ندعيّ، بل هو اليقين وهو الحق، ابتسمْت هازئاً وأجبت: تعتمدون كتباً قد حُرفت! اعتدل في جلسته ورمق بطرفه السماء وكأنه كان يطلب عوناً : بعيداً عن كتبنا وصحاحكم، هل لي أن أطرح عليك سؤالاً؟ -نعم تنهد قليلاً ثم قال: ما هي مهنتك؟ أجبته مستغرباً: طبيب أسنان انفرج ثغره عن نصف ابتسامة... وتابع: أرأيت أذا أردت أن تسافر لبضعة أيام _كما الحال الآن_، فمن تترك في عيادتك؟ قلت ببساطة: طبيب أسنان بديل. - ولِمَ لم تترك نجاراً أو حداداً أو أي صاحب حِرفة أخرى؟ - أتسخر مني! - لا، حاشا، لكن أنت طبيب ولا تترك في عيادتك إلا من هو مثلك يجيد حِرفتك وتأمنه على مرضاك ،فكيف بنبي الأمة يعدو علي (عليه السلام) ويترك فيهم من هو ليس أهلاً للخلافة! ألا تقولون في كتبكم إن الثاني كان يقول (اللهم لا تبقني لمعضلة وليس لها أبا الحسن ) (١) فكيف يترك الأمة بدون راع ينظم أمورها ويحقق عملية التغيير في ذلك المجتمع وهو في عمره الشريف القصير لم يستوفِ المهمات المناطة بالرسالة الإسلامية؟ وهذا ما لا يتأتى مع شريعة السماء وقاعدة اللطف. لم ينهِ كلامه إذ ناداه شاب في مقتبل العمر: شيخنا وقت الصلاة قرب ونحن بانتظارك.. اعتذر مني بلطف ورحل. ظلت عيناني تشيعانه، فقد غاصت كلماته في كياني وأحدثت ثورة كبيرة في داخلي وبدأ قلبي كقارب تتقاذفه الأمواج من كل جانب. نهضتُ مسرعاً لألحق به، لكنه غاب في الزحام، جلست حيثُ كان يجلس، تصفحت الكُتيب ثم طويته بسرعة، لم أعد أعلم ماذا أفعل! هنا تقابلنا قبل عامين، وهنا انبعثت فيّ الحياة فولدت من جديد، أخرجت الكُتيب ورحتُ ألثم حروفه وأتلمس غلافه لعل يدي تصافح يد من هداني الصراط المستقيم. ____________________________ ١_ينابيع المودة ثرى الامير

اخرى
منذ سنتين
659

شبهاتٌ حـول التشيّع/ في القضية الحسينيّة(1) شعيرة اللطم

مقـدّمة يعدّ اللطم على الصدور تعبيراً عن الألم والحزن، الذي يعتلج قلوبنا، وتعبيراً عن مدى ما أصابنا من عظم المصيبة، فالحرقة التي تصيب النفس - والحزن يسيطر عليها - يمكن للإنسان أن ينفّس عنها، وعمّا أصابه بفعلٍ ما، يكون ترويحاً وتنفيساً ومجاراةً ومواساةً لمن حلّت به هذه الفاجعة، أو القضية المؤلمة. ويعدّ اللطم مصداقاً مهماً من مصاديق التفجّع على ريحانة الرسول وسبط البتول . وسوف نستعرض الموضوع ضمن المطالب التالية: المطلب الثاني: إثبات مشروعيّة اللطم من كتاب الله تعالى 1-من تفسير كتب السنّة 2-من تفسير كتب الشيعة المطلب الثالث: اثبات مشروعيّة اللطم من الفريقين السنة والشيعة المطلب الأول: مشروعيّة اللطم في كتاب الله تعالى. لـغةً: لطم : ل ط م : اللَّطْمُ الضرب على الوجه بباطن الراحة. قال تعالى: (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَــصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ)(1). معنى صكَّ لغةً: ص ك ك : صَكَّهُ ضـربه وبابه ردَّ ومنه قوله تعالى :{ فصكَّت وجهها }. 1-تفسير الآية في كتب أهل السنّة قال الطبـري في تفسيره : " حدثني ابن حُمَيد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن العلاء بن عبد الكريم الياميّ, عن ابن سابط, قوله ( فَصَكَّتْ وَجْهَهَا ) قال: قالت هكذا; وضرب سفيان بيده على جبهته. قال: [حد]ثنا مهران; عن سفيان ( فَصَكَّتْ وَجْهَهَا ) وضعت يدها على جبهتها تعجبا, والصكّ عند العرب: هو الضرب. وقد قيل: إن صكها وجهها, أن جمعت أصابعها, فضــربت بها جبهتها"(2). قال البغوي في تفسيره: " قال ابن عباس : لطمت وجهها . وقال الآخرون : جمعت أصابعها فضربت جبينها تعجبا ، كعادة النساء إذا أنكرن شيئا ، وأصل الصك : ضرب الشيء بالشيء العريض". *ايــرادٌ وجوابـه: يقول المخالف: إنّ القصص المذكورة في القران الكريم العبرة فيها تخص أصحاب ذلك الزمان فلا يمكن لنا ان نقلد بالفعل زوجة النبي عندما لطمت وجهها. فماذا تقولون ؟ -قـلنا في مقام الإجابة متسائلين: ما هو المانع من الاعتبار منها ؟! إن قالوا: إنّ هذه القصص تخص العبرة منها اصحابها فقط, ثبت أنّ الله انزلها في القرآن الكريم ولأمة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) لــغواً منه وعبثاً, والتالي باطل فالمقدم مثله بالبطلان, فحاشاه سبحانه من العبثية واللغو فهو الحكيم. وحتماً هو تعالى أنزلها في القرآن لحكمةٍ هو قاصدها، متحققةٍ غايته منها. 2-تفسير الآية في كتب الشيعة قال العلاّمة الطباطبائي –قدس سره- في تفسيره المشهور بالميزان: "و الصك الـــضرب باعتماد شديد. انتهى. والمعنى: فأقبلت امرأة إبراهيم (عليه السلام) - لما سمعت البشارة - في ضجة و صياح فــلطمت وجهها و قالت: أنا عجوز عقيم فكيف ألد؟ أو المعنى هل عجوز عقيم تلد غلاما؟ و قيل: المراد بالصرة الجماعة و أنها جاءت إليهم في جماعة فصكت وجهها و قالت ما قالت، و المعنى الأول أوفق للسياق." اذاً صكّـت يعني ضربَت وجهها. المطلب الثالث: مشروعيّة اللطم من كتب الفريقين أولاً/ اللطم في كتب أهل السنّة 1- ‏حدثنا : ‏يعقوب ‏، ‏قال : حدثنا : ‏أبي ‏ ‏، عن ‏ ‏ابن إسحاق ،‏ ‏قال : حدثني : ‏ ‏يحيى بن عباد بن عبد الله ابن الزبير ‏،عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏عباد ،‏ ‏قال:ســمعت ‏ ‏عــائشة تقول ‏: ‏مـــات رسول الله ‏(ص[صلى الله عليه وآله]) ‏ ‏بين ‏ ‏سحري ‏ ‏ونحري‏، ‏وفي ‏ ‏دولتي ‏ ‏لم أظلم فيه أحدا فمن ‏سفهي ‌‏وحداثة سني ‏ ‏أن رسول الله ‏ ‏قبض ‏ ‏وهو في حجري، ثم وضعت رأسه على وسادة وقمت ‏ ‏ألـــتدم ‏ ‏مع النساء وأضــرب وجـهي(3). في حين أنّ امامهم البخاري ومسلم يقول: "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ[وآله] وَسَلَّمَ : (لَيــْسَ مِنَّا مَنْ لَطـــَمَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ)(4). وهنا نوجّه سـؤال إلى ابناء السنّة والوهّابيّة: هل عائــشة ليست منكم؟! لماذا لطمت وجهها عند وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟! فجدلاً نقول: نحن الشيعة موقفنا كــموقف عائشة, وما تحكمون به عليها احكموا به علينا. و " عن ابن إسحاق ، قال : حدثنا : يحيى بن عباد ، عن أبيه ، عــن عــائشة ، قالت : مات رسول الله (ص[صلى الله عليه وآله]) وهو بين سحري ونحري، في بيتي ، وفي يومي، لم أظلم فيه أحدا ، فمن سفاهة رأيي وحداثة سني أن رسول الله (ص[صلى الله عليه وآله]) : مات في حجري، فأخذت وسادة فوسدتها رأسه ، ووضعته من حجري ، ثم قمت مع النساء أبكي وألـــدم(5). ثانياً/ من كتب الشيعة ورد في كتبـنا أنّ كلّ الجزع والبكاء مكروه ما خــلا الجزع والبكاء لقتل الحسين(عليه السلام)، ومن مظاهر الجزع: هو اللــطم، سواء كان على الصدور، أو على الخدود، أو على الفخذين. وما ذكر في الرواية كمثال لمظهر من مظاهر الجزع, وهو اللطم على الخدود، ولــم تمنع الرواية من اللطم على مكان آخر, كاللطم على اليد أو على الفخذ أو على الرأس. إنّ اللطم على الإمام الحسين(عليه السلام) ليس هو لطماً لأجل مقتل شخص مسلم عادي؛ فالحسين(عليه السلام) هو إمام المسلمين وقدوتهم، وخليفة الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله)، وحينئذٍ فإنّ ورود الاستثناء بشأن اللطم عليه له ما يبرّره. وورد النهي عن اللطم على الميّت العاديّ؛ لأنّه غالباً ما يكون مصاحباً للجزع وعدم التسليم والرضا بالقضاء, وهذا العنصر مـــفقود في حال اللطم على أبي عبد الله الحسين(عليه السلام)؛ لأنّ الجزع عليه ليس اعتراضاً على القضاء، بـل إشــفاقاً على الدين وإمام المسلمين والقرآن الناطق، ومن هو بمنزلة لحم ودم النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، بل نفسه كما يدلّ عليه قوله (صلّى الله عليه وآله): (حسين منّي وأنا من حسين). ومن هذه الأدلّة على مشروعيّته: 1- روي عن الإمام الصادق(عليه السلام): "إنّ البكاء والجزع مكروه للعبد في كلّ ما جزع، ما خـــلا البكاء والجزع على الحسين بن عليّ عليهما السلام؛ فإنّه فيه مأجور"(6). 2- يعدّ اللطم جائــزاً وفقاً لأصالة الإباحة؛ فطالما لــم يكن في اللطم ضرر، فمقتضى أصل الإباحة هو عدم الإشكال في اللطم ما لم يرد نهي, ولم يرد نهيٌ بذلك, بل يعدّ نوعاً من اظهار السخط على قتلة الحسين (عليهم لعنة الله تعالى). 3- عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام): (وقد شققن الجيوب، ولطمن الخدود - الفاطميات - على الحسين بن عليّ، وعلى مثله تُلطَم الخدود، وتُشقّ الجيوب)(7). 4- ولمّا مرّوا بالسبايا على الإمام الحسين(عليه السلام) وأصحابه عليهم السلام، وهم صرعى، "صاحت النساء، ولطمن وجوههنّ، وصاحت السيّدة زينب: يا محمّداه..."(8). 5- حينما أنشد دعبل الخزاعي تائيته المشهورة، بحضرة الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، قال فيها: أفاطمُ لو خِلتِ الحسين مجدّلاً *** وقد مات عطشاناً بشطّ فراتِ إذاً لــلطمتِ الخدّ فاطمُ عنده *** وأجريت دمع العين في الوجناتِ(9). فَلَـــم يعترض الإمام الرضا (عليه السلام)، ولم يقل: إنّ أُمّنا فاطمة (عليها السلام) لم تفعل ذلك لأنّه حرام أو مكروه، بــل هو قد بكى وأعطى الشاعر جائزة، وأقرّه على ما قال. وكلّنا يعلم أنّ قول وفعل المعصوم حجّـة،, فكل ما أقرّه نقرّه اقتداءً به. 6-نقرأ في زيارة الناحية المقدّسة التي زارَ بها إمامنا المفدّى قائم آل محمّد (عجّل الله فرجه الشريف) انّه قال: "فلمّا رأين النساء جوادك مخزيّاً، إلى أن قال: على الخدود لاطــمات، الخ". فـنسوة آل محمّد لطمنَ ولــم يعترض على لطمهنّ إمام زمانهنّ الإمام السجّاد (عليه السلام) إذ لـــو كان اللطمُ حراماً لــنهاهنّ. فثبت بـسكوته اقراره. *ايــرادٌ وجوابه: إن قالوا: كيف نجمع بين الروايات التي تحثّ على اللطم وبين قول الإمام الحسين عندما نهى السيدة الحوراء (عليها السلام) بأن لا تخمش عليه وجهاً ؟ قـلنا في مقام الإجابة: ليس كلّ نهي يدلّ على الحرمة؛ فإنّه كما يوجد النهي التحريمي يوجد النهي التنزيهي، ويمكن أن يكون طلب الإمام الحسين(عليه السلام) لأُخته زينب (عليها السلام) عدم شقّ الجيب من باب الشفقة، أو من باب عدم الوقوع في شماتة الأعداء، ومع عدم وجود الدليل على تعيين أحد المحتملات، فلا مجال لإثبات الحرمة التكليفية من الحديث. _________________________ (1) الذاريات: 29. (2) تفسير الطبري, ص 521. (3) مسند ابن حنبل/ حديث عائشة (ر), ح 25816. (4) صحيح البخاري, ح1294,وصحيح مسلم, ح 103 . (5) دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة, ج 7, ص 213. (6) كامل الزيارات, ب32,ح 286. (7) تهذيب الأحكام 8: 325 ,ح 120, كتاب الإيمان والنذور والكفّارات. (8) مقتل الحسين للخوارزمي 2: 44, ح 10، مقتل الحسين لأبي مخنف: 203. (9) كشف الغمّة: 3, بحار الأنوار 45: 257, ب 44. والسلامُ على الحسين وآله ما بقيت وبقي الليل والنهار. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنتين
6158

من أسئلتكم

السؤال: هل سيدخل المجنون الجنة أم النار؟ الجواب: إن من صفات الله تعالى هي صفة (العدل) ، وقد أمر عباده به، وإن من العدل هو تكليف العباد في هذه الدنيا بالأحكام والتكاليف الشرعية، لأنه من القبيح أن يحاسبهم أو يعاقبهم يوم القيامة وهو لم يكلفهم ولم يوضح لهم وهو قادر على ذلك، وإن من شروط التكليف (القدرة والعلم بما كلف به العبد) فإذا كان العبد مسلوب القدرة والاختيار أو ليس عنده علم بالتكاليف فهو معذور لا يعاقب ، والأمر كذلك اذا كان الشخص فاقداً لعقله ، فالعقل هو الأساس للثواب والعقاب ، فاذا سلب ما وهب سقط ما وجب، فحتى يدخل الانسان الجنة أو النار لابد أن يكون ذلك الجزاء على أساس عمله في الدنيا ، والإنسان إنما يعمل على أساس عقله، فإذا ذهب العقل فكيف يدخل الجنة أو النار! ، ففي الحديث عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) قال: "إذا كان يوم القيامة احتج الله عز وجل على سبعة: على الطفل، والذي مات بين النبيين، والشيخ الكبير الذي أدرك النبي(صلى الله عليه وآله) وهو لا يعقل، والأبله، والمجنون الذي لا يعقل، والأصم، والأبكم، كل واحد منهم يحتج على الله عز وجل، قال: فيبعث الله عز وجل إليهم رسولاً فيؤجج لهم ناراً ويقول: إن ربكم يأمركم أن تثبوا فيها، فمن وثبت فيها كانت عليه برداً وسلاماً، ومن عصى سيق إلى النار" [الخصال للشيخ الصدوق، ص:283]. إذاً، هم سوف يُكلّفون يوم القيامة ، وهذا يعني أن لهم قدرة واختياراً وتمييزاً بما كُلّفوا به ، ودخولهم الجنة منوط بحسن اختيارهم وتسليمهم للأمر الإلهي، ودخولهم النار منوط بعدم إذعانهم وعصيانهم وهذا هو من لطفه سبحانه وعدله بعباده. وفاء البطاط

اخرى
منذ سنتين
571

الأبناء وركوب المخاطر

يحاول الآباء ويحاول الأبناء، وبين هذه المحاولة وتلك فرق شاسع! فمحاولة الآباء هي التدخل بكل ما يفعله الأبناء بنية توجيه الأبناء وتعليمهم، أما محاولة الأبناء فتنطلق من حب اكتشاف الأشياء ومعرفتهم، وهذا ناتج من تساؤلاتهم الداخلية التي يبحثون من خلالها على إجابات شافية ووافية يمكن أن تقنعهم، فيحاول البعض منهم أن يجد جواباً شافياً لبعض الأمور المهمة، فالأطفال يحبون أن يتعلموا بأنفسهم، ويحولون كل شيء إلى متعة، وهذه الميزة هي التي تجعلهم يعيشون اللحظة، فهم لا يفكرون بالماضي، ولا يتخوفون من المستقبل، لذلك يشعرون بالسعادة. هنا ملاحظة مهمة، وهي: إن من الأمور المهمة التي تجعل الأهل يفهمون أبناءهم هي مراجعة أيام طفولتهم واستذكارها جيداً لمعرفة كيف يفكر أطفالهم ولماذا يفعلون اشياء في نظر الأهل لا قيمة لها ولا أهمية. إن الطفل يحاول جاهداً أن يتخلص من القيود والضوابط لينطلق من عالمه الخاص لمعرفة واكتشاف العالم الواسع، وشيئاً فشيئاً يتعلم أموراً عديدة تكسبه خبرة حياتية وتعطيه قوة وانضباطاً ذاتياً يستطيع من خلالهما مواجهة تحديات الحياة وصعوباتها. وهذا يعني أن ممارسة الأهل الحصار على الطفل وتقييده تجعله يفقد رغبته في البحث والاكتشاف والمحاولة، وبالتالي يشعر بالتعاسة والحزن اتجاه هذه التدخلات الكثيرة والتي يكون منشؤها هو الخوف الزائد على الأبناء، ولكنه يبعث برسالة سلبية للأطفال، مفادها: أنكم غير مؤهلين لممارسة بعض الأمور الحياتية البسيطة، فعدم السماح للأطفال مثلاً بركوب الدراجة الهوائية يعد خوفاً لا مبرر له في ظل توفر شروط البيئة الآمنة، ومنع الطفل ذي الاربع سنوات من الجلوس على الكرسي أو غسل يديه أو ارتداء ملابسه بحجة السقوط أو عدم قدرته على ذلك، يجعله يشعر بالضعف والعجز والخوف، مما يضعف ثقته بنفسه ويهز كيانه ويمس ذاته! بعض الأهل يعيشون حالة من الخوف والهوس المرضي الذي يكون من مظاهره منع الطفل من اللعب بشكل نهائي خوفاً عليه من المخاطر، فالركض والجري ممنوع على الطفل لكي لا يسقط ويتعثر وبعدها ينجرح ويتألم. ولو أراد أن يسبح لوحده في الحمام فإنه سيستمع لمختلف الاحتمالات من أمه التي تجعله يشعر بعدم الأمان، وهكذا... وبالتالي فإن الطفل يعيش حالة من المخاوف التي تسبب له مشاكل وعقداً نفسية تستمر معه لسنوات طويلة ويصعب التخلص منها بسهولة. في المقابل، نشاهد بعض الآباء الواعين الذين يتركون لأبنائهم ممارسة هذه الافعال وغيرها، والتي تجعل أطفالهم يشعرون بالرضا عن الذات، بسبب شعورهم بالسعادة عند ممارستهم فعل هذه الامور، فشخصية الأبناء تتشكل وفق الاعمال التي يستطيع فعلها ووفق ما يسمعه من الاخرين عن نفسه. فمن الأمور الضرورية هو ترك بعض المسؤوليات المناسبة للأطفال لفعلها بأنفسهم، فإنهم يحتاجون أن يجربوا ويتعلموا، بل لا يمكن أن يتعلموا بدون الخوض في التجربة، إذ التجربة تقويهم وتعطيهم زخماً معنوياً على مواصلة الحياة. إن الحياة عبارة عن مجموعة من التجارب الفاشلة والناجحة، والفشل عادة هو بداية النجاح، فلنترك لأبنائنا الخوض في التجربة ليتعلموا منها وليكتشفوا منها ما هو مفيد ومضر، لكن علينا أن نراقبهم من بعيد لنكون حاضرين معهم وقت الحاجة. عليكم أيها الآباء وأنتن أيتها الأمهات، أن تعرفوا وتميزوا جيداً بين الأشياء والألعاب المسموح بها والتي تدخل ضمن النطاق الطبيعي الذي يدخل ضمن الحاجات النفسية والبيولوجية لتكوين شخصية الطفل وتطورها، وبين فعل الأشياء التي تسبب للأطفال الاصابات والمخاطر. فلا يمكن أن نعيش بمخيلة سلبية تتوقع حدوث الاشياء السلبية والضارة بشكل مستمر ودائم، بحيث تبني حياتها على توقعات لا صحة لها على أرض الواقع سوى أنها مجرد إرهاصات لتفكير سلبي، لأن مثل تلك الاحتمالات السلبية لو عاشها الإنسان وتفاعل معها فإنها ستسبب له حياة أليمة وكئيبة سيعيشها هو وأسرته لسنوات وسوف تنتقل إلى أبنائهم بل وأبناء أبنائهم. لذلك عزيزي الأب وعزيزتي الأم، تخلوا عن تفكيركم السلبي واتركوا الخوف من المستقبل وعيشوا اللحظة بلحظتها لتشعروا بالسعادة والسلام الداخلي مع الذات… قاسم المشرفاوي

اخرى
منذ سنتين
1859

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
61018

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
39828

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
36337

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
31279

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
30952

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
29517