Profile Image

علوية الحسيني

تجاسُر يزيدَ على الرأسِ الشريف بالوثائق

بقلم: علوية الحسيني -"... أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة: حدثني: أبي، عن أبيه، قال: أخبرني: أبي حمزة بن يزيد الحضرمي، قال: رأيتُ امرأةً من أجملِ النساء وأعقلهن، يُقالُ لها: ريا، حاضنة يزيد، يُقالُ: بلغتْ مئة سنة، قالت: دخل رجلٌ على يزيد، فقال: أبشرْ، فقد أمكنَكَ اللهُ من الحُسين، وجيء برأسه، قال: فوضع في طست، فأمرَ الغلام، فكشف، فحين رآه، خمَّر وجهه كأنّه شمَّ منه، فقلتُ لها: أقرعً ثناياه بقضيب؟ قالت: إي والله". المصدر: سير أعلام النبلاء: للذهبي، ج٣، ص٣١٩، مؤسسة الرسالة، ط٩، ١٤١٣- ١٩٩٣.

العقائد
منذ شهرين
155

نفحاتٌ ملكوتيةٌ من الخطابِ الزينبي (١٢) "يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر! أتبكون!"

بقلم: علوية الحسيني استفتحتِ السيّدةُ زينبُ (عليها السلام) خطبتَها بنداءِ من تُخاطبُهم، وهم أهلُ الكوفة، وذلك بعد أنْ حمدتِ الله (تعالى)، وسلّمت على جدّها رسولِ الله (صلى الله عليه وآله)؛ لتُعلمَ من يجهلُها أنّها من ذُرّيةِ العترةِ الطاهرة. عبارتُها "يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر! أتبكون!" رغم إجمالها، إلا أنّها تشتملُ على إشاراتٍ تاريخيةٍ، وعقائديةٍ، وأخلاقية، وبلاغية، يُشارُ إليها ضمنَ النواحي التالية: ■الناحيةُ الأولى: الناحيةُ التاريخيةُ قد يسألُ سائلٌ: هل إنّ الكوفةَ آنذاكَ كان يسكنُها فقط شيعةُ الإمام؟ من الممكنِ أنْ يُجاب: "إنَّ الشيعةَ في الكوفةِ يمثّلون سُبعَ سكّانِها، وهم خمسةَ عشرَ ألفِ شخصٍ كما نقلَ التاريخُ، وبحدودَ اثني عشر ألفاً زُجّوا في السجون، وقسمٌ منهم اُعدِموا، وقسمٌ منهم سُفّروا إلى الموصل وخُراسان، وقسمٌ منهم شُرّدوا، وقسمٌ منهم حيلَ بينهم وبين الحُسين (عليه السلام) مثل بني غاضرة، وقسمٌ منهم استطاعوا أنْ يصلوا إلى الحسين (عليه السلام)"(1) ولازمُ هذا أنّ سكانَها من شيعةِ الإمام، ومن شيعةِ بني أمية؛ لأنَّ الشيعةَ (هم الجماعةُ المتعاونون على أمرٍ واحدٍ في قضاياهم، يُقالُ: تشايعَ القومُ إذا تعاونوا، ورُبّما يُطلقُ على مُطلقِ التابع، قال (سبحانه): "فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِى مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ"(2)). فالمشايعةُ تعني الاتباعُ والطاعة، وهذا هو ما تؤكده رواياتُ أهلِ البيتِ (عليهم السلام). فإن قيل: ألا يُحتَمَلُ أنْ يكونَ بعضُ شيعةِ الإمامِ قد شاركوا في الغدرِ به؛ بعدَ أن أرسلوا إليه كتابًا يستغيثون به؛ ليُخلِّصَهم من طُغيان حاكمهم، وما إنْ جاء الإمامُ حتى ساندوا طاغيتهم على قتلِ الإمام؟ من الممكنِ أنْ يُقال: نعم، فقد يكونُ من يدّعي أنّه من شيعةِ الإمامِ الحُسين (عليه السلام) إلا أنّه مُنافقٌ، فخذل إمامه، وغدر به مع الخاذلين الغادرين؛ بنصرتِهم لابن زياد (عليه لعنة الله). وبالتالي يشملُه خطابُ السيّدةِ (عليها السلام). وعليه، ستثبتُ الأدلةُ من كتبِ الفريقين مقامَ الإمامِ الحسينِ (عليه السلام)، وأنّ الغدرَ به هو خروجٌ عن المِلّةِ؛ وذلك في الناحية العقائدية. ■الناحية الثانية: الناحية العقائدية. إنّ الاعتقادَ بنبوّةِ النبي محمد (صلى الله عليه وآله) يستوجبُ طاعته في أقواله، والاستنان بأفعاله. ومن جملةِ أقوالِه (صلى الله عليه وآله) أنّه يعدُّ الإمامَ الحسينَ (عليه السلام) منه، وهو منه، ويقرنُ حبَّ الإمامِ بحُبِّ الله (تعالى)؛ روي عن النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله): "حُسينٌ مني، وأنا منه، أحبَّ اللهُ من أحبَّ حُسينًا، حسينٌ سبطٌ من الأسباط"(3). فحُبُّ الإمامِ بموالاته، ونصرته، هو يعني موالاة الله (تعالى)، ونصرته، ونيل مرضاته. وبغضُ الإمامِ بخذلانِه، والغدرِ به، وهو يعني محاربةَ اللهِ (تعالى)، ونيلَ سخطِه. ومن هُنا أطلقتِ السيّدةُ زينب (عليها السلام) على أهلِ الكوفةِ صفةَ (الختل والغدر)؛ مُشيرةً إلى خطورةِ فعلِهم من الناحيةِ العقائدية؛ إذ ذلك يعني مُحاربةَ اللهِ (تعالى) ورسوله، فلهم عذابُ جهنم، وساءت مصيرًا؛ لأنّه ثلمٌ للتوحيدِ، والنبوةِ، والإمامة. يقولُ (تعالى): "إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم"(4). فما كانَ بكاؤهم إلاّ نفاقًا؛ لأنّ فعلَهم لم يوافق حالَهم. ■الناحيةُ الثالثةُ: الناحيةُ الأخلاقيةُ. السيّدةُ زينبُ (عليها السلام) تستهجنُ الأخلاقَ الذميمةَ التي اتصفَ بها أهلُ الكوفة، ومنها الغدر، والخداع، والمكر، والمخاتلة، والنفاق، و ليس فقط تجاه الإمام الحسين (عليه السلام) فقط، بل هذا تأريخهم المُسودُ بذلك تجاه أمير المؤمنين علي، والإمام الحسن (عليهما السلام)، وكذا تجاه الصحابي الجليل مسلم بن عقيل (رضوان الله عليه). واستهجانها هذا بيّنَهُ أهلُ البيت (عليهم السلام) في رواياتِهم المرويةِ عن جدِّهم رسولِ الله وعن آبائهم (صلى الله عليه وعليهم)؛ كما رويَ عن الإمامِ الصادقِ (عليه السلام) في عاقبةِ أهلِ الغدرِ أنّه قال: "قَالَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه) يَجِي‏ءُ كُلُّ غَادِرٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِإِمَامٍ مَائِلٍ شِدْقُهُ حَتَّى يَدْخُلَ النَّارَ وَيَجِي‏ءُ كُلُّ نَاكِثٍ بَيْعَةَ إِمَامٍ أَجْذَمَ حَتَّى يَدْخُلَ النَّار"(5). ورويَ عن الإمام علي (عليه السلام) أنّه خطبَ في الكوفةِ يومًا ما، وقال: "...أَلا إِنَّ لِكُلِّ غُدَرَةٍ فُجَرَةً وَلِكُلِّ فُجَرَةٍ كُفَرَةً أَلا وَإِنَّ الْغَدْرَ وَالْفُجُورَ وَالْخِيَانَةَ فِي النَّار"(6). والحديثانِ يؤكدانِ ما ثبتَ من الناحية العقائدية، وهو مصيرُ أهلِ الغدرِ والختلِ جهنم، وساءت مصيرًا. ■الناحيةُ الرابعةُ: الناحيةُ البلاغيةُ استخدمتِ السيّدةُ زينبُ (عليها السلام) أسلوبًا بلاغيًا في هذا المقطع، هو: النداء بغرض التعجّب؛ فحينما قالت: "يا أهل الكوفة، يا أهلَ الختلِ والغدرِ" نادتهم بحرفِ النداء (يا)، لكن ليس لغرضِ النداء، "بل لغرضِ التعجّب"(7)، أيّ تتعجّبُ من بكائهم؛ حيثُ إنّه إنْ دلّ على شيءٍ فإنّما يدلُّ على نفاقِهم ليس إلا. فليتأملِ القارئ في بلاغةِ السيّدةِ (عليها السلام)، حيث خرّجتِ النداءَ عن غرضِه الأصلي إلى غرضٍ آخر، وهو التعجُّب؛ لتوصلَ مظلوميةَ أهلِ البيت (عليهم السلام) ولو بصورةٍ بلاغية، وإلا فلا يوجدُ عاقلٌ لا يتعجّبُ مما فعلَه أهلُ الكوفة. ___________________ (1) مركز الأبحاث العقائدية. (2) الملل والنحل: للشيخ جعفر السبحاني, ج6, ص7-11. (3) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج43, باب فضائلهما ومناقبهما والنصوص عليهما, ح36. وصحيح البخاري: لمحمد البخاري , ج1, باب معانقة الصبي, ح 364. (4) سورة المائدة: 33. (5) الكافي: للشيخ الكليني, ج2, باب المكر والغدر والخديعة, ح2. (6) المصدر نفسه, ح6. (7) التحفة الباهرة في بلاغة المخدّرة الطاهرة: لحسين البحراني, ص65. وصلّى اللهُ على روحِ الحسينِ حبيبِه قتيلاً لدى النهرينِ بالفلواتِ قتيـلًا بلا جُـرمٍ فجيعًا بفقده فريـدًا يُنادي أين حُماتـي؟ وقد رفعوا رأسَ الحُسـينِ على القنا وساقوا نساءَ ولها خفراتِ فقُلْ لابنِ سـعدٍ وابنِ زيادٍ عـذّبَ اللهُ روحَك ستلقى عذابَ النارِ باللعناتِ

البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلام
منذ شهرين
148

معرفةُ المرأةِ باللهِ (سبحانه) وأثرُها في معرفةِ القضية الحسينية (4)

بقلم: علوية الحسيني المطلب الثالث: الارتباط الوثيق والدور الجلي الحقيق بين المعرفة بالله (تعالى) وبالقضية الحسينية ▪️الفرع الاول: الارتباط الوثيق بين المعرفة بالله (تعالى) والقضية الحسينية إنّ مجرّدَ الاعتقادِ بتوحيدِ الله (تعالى) ليس كافيًا، بل لابُدَّ من الاعتقادِ بجميعِ أصولِ الدّين؛ فهي كالسلسلة، ما إن تُقطع إحدى حلقاتها حتى يضطرب الإيمانُ كُلُّه. وتلك السلسلةُ متمثلةٌ بالتوحيد، فالعدل الإلهي، فالنبوة، فالإمامة، ثم المعاد. ووجهُ الارتباطِ بين حلقاتِ هذه السلسلة هو أنّ اللهَ الواحدَ الأحدَ –وهذا هو أصلُ التوحيد- من عدلِه فرضَ تكاليفَ على عبادهِ، كلٌّ حسبَ استطاعته -وهذا هو أصلُ العدلِ الإلهي-، وأنّه حينما أرادَ إيصالها إلى عبادِه أوجبَ على نفسِه أنْ يبعثَ لهم قادةً هُداةً يكونون واسطةً بينَه (تعالى) وبين عبادِه عن طريقِ الوحي النازل عليهم –وهذا هو أصلُ النبوة-، ثم بعد انتهاء حياةِ النبي (صلى الله عليه وآله) لم يترك الأمّةَ سدى؛ إذ أوحيَ إليه أنِ اتخذِ أوصياءً من بعدك؛ ليحفظوا الشريعة من الانطماس، وليقوموا بما كان يقومُ به، فنصّبَ أولياء من بعده –وهذا هو أصلُ الإمامة-، ثم بعد انتهاءِ حياةِ جميعِ البشر لابُدَّ من أنْ يُثابَ المُحسنُ الذي أطاع الله والنبي والإمام، ويُعاقب من عصاهم؛ لما يقتضيه عدلُ الله (تعالى) فيعطي كلّاً حقّه –وهذا هو أصلُ المعاد-. وبهذا يتبيّنُ أنّ الإمامَ الحسينَ (عليه السلام) هو واسطةٌ بين العبادِ وبين اللهِ (تعالى) عن طريق النبي (صلى الله عليمه وآله)؛ أيّ يُملي على العبادِ ما كان يُمليه عليه النبي (عليهما السلام) من معارف. صحيحٌ أنّ الطرقَ إلى اللهِ (تعالى) بـعددِ أنفاسِ الخلائق، لكنّ الإنسانَ المُنغمسَ في عالمِ المادّة -ما سوى المعصوم- لا يعرفُ اللهَ بالله، ولا يؤدي مجرّدُ عقلِه إلى اللهِ (تعالى)، بـل يعرفُ اللهَ (تعالى) بأفعالهِ وصفاتهِ –بأفعالهِ أيّ بمخلوقاتِه، ومِن مخلوقاتهِ أهل بيت النبوّة، ويعضدُ ذلك ما نقرأهُ في الزيارةِ الجامعةِ الكبيرةِ: "مَن عـرفَكم فقد عَـرَفَ الله"، فبعدَ معرفةِ مخلوقاتِه ننتبهُ ونعرفُ اللهَ (تعالى)؛ إذ هُم (عليهم السلام) الأدلّاءُ على الله-. فلابد من مرشدٍ وهاد, وهم محمد وآل محمد (عليهم السلام), إذ هم مظاهر التجلي, كما قرأنا "مَن عرفكم فقد عرف الله". وسيّدُ القضية الحسينية الإمامُ الحسينُ (عليه السلام) هو الدالُّ على معرفةِ اللهِ (تعالى)؛ من خلالِ ما هو مُكلّفٌ به من وظيفةٍ إلهيةٍ من حِفظِ الشريعةِ وبيانِ معالم الدّين، وهدايةِ وإرشادِ عبادِ الله (تعالى). فالإيمانُ بكُلِّ ما جرى في القضيةِ الحسينية له يؤدي إلى الإيمان بالله (تعالى) بتوحيده، وعدله، ونبوّته، عروجًا على إمامته، بـل وحتى بمعاده. ▪️الفرع الثاني: دورُ المرأةِ في معرفتِها بالله (تعالى) وتوظيفه بالقضيةِ الحسينية إنّ الوصولَ إلى الكمالِ الرّوحي يتطلبُ تحمُّلَ المشاق، والتسليمَ المطلق لله (سبحانه)، والذوبان في هيمنتِه وسلطنتِه (جلّ شأنه)، فالإنسانُ وإنْ كانَ مجبولًا في فطرتِه على حُبِّ الوصولِ إلى الكمال، إلّا أنّ التعلُّقاتِ الدنيوية التي تطرأ عليه عرضًا تجعله محجوبًا عن الوصول. وها هي الأنموذجُ النسوي الأمثل -من بعدِ أُمِّها الزهراء (عليها السلام)- السيّدةُ زينبُ (عليها السلام) قد نالتْ ما نالتْ من فيوضاتٍ، وهيّمتْ قلبها لإرادةِ الواحدِ القهّار، فأصبحتْ من خواصِ اللهِ خَلقًا، وأثمرهم عطاءً. ومن هُنا، على المرأةِ النهوضُ بدورها الرسالي الذي تُشاطِرُ به الرجل، انطلاقًا من معرفتها بالله (تعالى)؛ لتجسيدِ التلبيةِ في الولاءِ لأولياءِ الله (سبحانه) والإذعانِ لأوامرِهم ونواهيهم المنقولة لنا عن بعضهم البعض. فدينُ الإسلامِ دينُ النهوض "لم يعترفْ بكونِ المرأةِ ربةَ بيتٍ فقط، بل هي في نظره إنسانةٌ كاملةُ الإنسانية، دورها في الحياةِ دورٌ إنساني رائد. أمّا المهامُ المنزليةُ فتعاونٌ مُشتركٌ بين الرجلِ والمرأةِ؛ لتدبيرِ شؤونِ حياتِهما المنزلية، فإنُ يتطوعَ أحدُهما للقيامِ بها فإنّه يُشكر على تطوعه. ومن أبرزِ معالمِ دورِ المرأةِ في عملها الرسالي أنْ تكونَ داعيةً بين بني جنسها الأنثوي في أيّ مكان: في البيتِ أو في العملِ أو المدرسة أو الحرم الجامعي أو التجمعات النسوية، فإذا وجدتِ القدرةَ على أداءِ الرسالةِ كان ذلك واجبًا عليها كواجبها في أداءِ الصلاةِ والصوم والحج والأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، فالأمرُ يدورُ على الاستطاعةِ أو عدمها، فإذا كانتِ المرأةُ عالمةً بأنّها تستطيعُ أنْ تهديَ جمهورًا من النساء أو الرجال وجبَ عليها أنْ تقومَ بذلك في دائرةٍ مكاناتها الطبيعة والواقعية، وإذا كانت تستطيعُ توسعةُ هذه الإمكاناتِ من دونِ أنْ تضغطَ على ظروفِها فإنّه من الواجب عليها أنْ تفعلَ ذلك، وربما تكونُ المصلحةُ في أنْ يكونَ القيامُ بهذا الدورِ الثقافي من بعضِ مسؤولياتها الخاصة، بحيث تتقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة في بعض الحالات"(10). إذًا على المرأةِ أنْ تدركَ وظيفتَها وأهميةَ مكانتها؛ لتنهضَ لتبليغِ رسالةِ السماء كما نهضتِ السيّدةُ زينب (عليها السلام) قبلَ وأثناءَ وبعد الثورة الحسينية. يقولُ اللهُ (تعالى): {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ الله وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبا}(11). ظاهر الآيةِ يدلُّ على أنّ الذين يُبلّغونَ رسالاتِ الله هم الرجالُ والــنساءُ، بدلالةِ السياقِ الخطابي للقرآن الكريم حينما يُريدُ تكليفَ الجنسين يُعبّرُ عن ذلك بصيغةِ الجمعِ كما هو واضحٌ في آيةِ {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون}(12)، إذ التكليف بإقامةِ الصلاة لا ينحصرُ بجنسِ الرجالِ دونَ النساء، بل صيغةُ الجمعِ تدلُّ على شمولِ كلا الجنسين بالتكليف، فكذلك أمرُ تبليغِ رسالاتِ الله (تعالى)، والظهورُ حُجّةٌ، وفي ذلك قوّةٌ للدليل على شمولِ النساءِ بتبليغِ الرسالات تلك. إذًا فمِن الخطأ حصرُ مسؤوليةِ الدعوةِ إلى الله (تعالى) وإلى دينه بالرجال دون النساء، حيثُ إنّ الإسلامَ أولى مسألةَ تحصيلِ العلمِ أهمّيّةً قصوى، حتّى أنّه عدَّه فرًضًا واجبًا على كُلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ. وقد تعرّضتْ جُملةٌ من الآياتِ القرآنيّةِ والأحاديثِ الشريفة لبيانِ فضلِ العلمِ والعلماءِ وما لهم من الأجرِ الكبير عند الله (عزَّ وجلَّ)، وكُلُّ ذلك ترغيبًا في العلمِ والمعرفةِ ودعوةً إلى تحصيله. جاء في الحديث: "طلبُ العلمِ فريضةٌ على كُلِّ مُسلمٍ ومُسلمةٍ"(13)، وفي هذا الحديث تأكيدٌ على أنَّ طلبَ العلمِ أمرٌ لا يتمايز فيه أحدٌ عن أحدٍ، فهو واجبٌ على الرجلِ والمرأة، بل الصغير والكبير، الشاب والشيخ، الحاكم والمحكوم، ولا يختصُّ بطبقةٍ أو جنسٍ. كما وهناك أدلةٌ عامةٌ تدلُّ على مشاركةِ المرأة الرجل في الدعوة، قال تعالى: {أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْض}(14). إذاً، اُخيّة شمِّري عن ساعدي الجدِّ، ولا تخافي في اللهِ (تعالى) لومةَ لائمٍ ببيانِ معالمِ الدّين، وإحياءِ سُننِ النبي الأمين (صلى الله عليه وآله الطاهرين)، ولا تنسي قوله (تعالى): {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَة}(15). فالآيةُ الكريمةُ تُشيرُ إلى مبتدأ تبليغِكِ وهو نفسكِ ثم أهلكِ، وهذا ما أكّدَ عليه أميرُ المؤمنين (عليه السلام): "مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَاماً فَلْيَبْدَأْ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ، وَلْيَكُنْ تَأْدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ، وَمُعَلِّمُ نَفْسِهِ وَمُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالْإِجْلاَلِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ وَمُؤَدِّبِهِمْ"(16). فمعرفتُكِ بالله (تعالى) لذاتكِ ومجتمعكِ من المُمكنِ أنْ توظَّفَ بالقضيةِ الحُسينية؛ من خلالِ الاقتداءِ بأبرزِ شخصياتِ الطفِّ من النساء، وهي السيدةُ زينبُ (عليها السلام). _______________________ (10) تربية الفتاة في الإسلام: للشيخ مجيد الصائغ, ص200ـ207. (11) الأحزاب: 39. (12) النور: 56. (13) بحار الأنوار: ج 2، ص 32، باب 9، من كتاب العلم، ح 20. (14) آل عمران: 195. (15) التحريم: 6 (16) نهج البلاغة: ح70. والحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصلّى اللهُ على سيّدنا محمدٍ وآله الطاهرين..

العقائد
منذ شهرين
164

نفحاتٌ ملكوتية من الخطاب الزينبي (٨)

بقلم: علوية الحسيني "أتدرون أيّ كبدٍ لرسول الله فَرَيتُم؟!" في هذهِ العبارةِ تُشيرُ السيدةُ زينبُ (عليها السلام) إلى عظمةِ الجُرمِ الذي اقترفه بنو أمية (عليهم لعنةُ اللهِ وملائكته والناس أجمعين)، فإذا كانَ قتلُ الإنسانِ بشكلٍ عام جرمًا كبيرًا فكيف لو كانَ المقتولُ هو فلذةَ كبدِ رسولِ اللهِ (تعالى) محمد (صلى الله عليه وآله)؟! وعليه، سيتمُّ بيانُ ظاهرِ هذه العبارةِ ضمنَ النواحي الثلاثة: عقائديًا، وأخلاقيًا، وبلاغيًا. ■الناحيةُ الأولى: الناحيةُ العقائدية إنّ أصولَ الدّين كعقدِ اللؤلؤ، ما إنْ تسقط حبةٌ منه حتى يتشوّه، وهكذا أصولُ الدّينِ مترابطةٌ فيما بينها، ويستحيل الإيمان ببعضها دون الآخر. فمن يؤمن باللهِ الواحدِ الأحد عليه أنْ يؤمنَ بأقوالِ وأفعالِ نبيّهِ الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وبخلفائه (عليهم السلام)، لا أنْ يُحاربَهم، بل أو يُقاتلهم! ومن هنا يفتضحُ كفرُ بني أمية بكافةِ أصولِ الدّين، وخروجهم عن الملّة؛ وإلاّ فما إقدامُهم على قتلِ نفسٍ زكيّةٍ بغير حق إلا عصيان منهم للهِ (تعالى)، يقولُ (تعالى): "مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعا"(1) وهذا الفعلُ بحدِّ ذاتِه خرمٌ لأصلِ التوحيد. وعليه، فقد خرموا أصل العدلِ الإلهي كذلك في عدّةِ مواقف، هذا وقد لَهِجَ طاغيتُهم يزيدُ (عليه لعنةُ الله) بما يصرح بإنكار النبوة، حيث قال: ليتَ أشياخي ببدرٍ شهدوا * جزعَ الخزرجِ من وقعِ الأسل قد قتلنا القرمَ من ساداتِكم * وعدلنا ميلَ بدرٍ فاعتدل فأهلّوا واستهلّوا فرحًا * ثم قالوا يا يزيد لا تسل لستُ من خندفٍ إنْ لم أنتقم * من بنى أحمدَ ما كانَ فعل لعبتْ هاشمُ بالملكِ فلا * خبرٌ جاءَ ولا وحىٌ نزل. وأنكروا النبوة أيضاً من خلالِ طعنِهم بوصيةِ نبي الله الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) حينما أوصى بالثقلين؛ "حدثني: ‌‏زهير بن حرب... ثم قال: قامَ رسولُ الله ‏ (ص[صلى الله عليه وآله]) ‏يومًا فينا خطيبًا بماءٍ يُدعى خُمًّا بين ‏ ‏مكةَ ‌‏والمدينة، ‏فحمِدَ اللهَ وأثنى عليه ووعظ وذكر، ثم قال:... وأنا تاركٌ فيكم ‌‏ثقلين‏ ‏أولُهما كتابُ اللهِ فيه الهدى والنور فخذوا بكتابِ اللهِ واستمسكوا به، فحثَّ على كتابِ الله ورغَّبَ فيه، ثم قال: وأهلُ بيتي، أُذكِّرُكم اللهَ في أهلِ بيتي، أُذكِّرُكم اللهَ في أهلِ بيتي، أُذكِّرُكم اللهَ في أهلِ بيتي، فقال له ‏ ‏حُصين‏: ‏ومَنْ أهلُ بيتِه يا زيد؟ ‏أليس نساؤه من أهلِ بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حُرِمَ الصدقةُ بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آلُ ‏علي ‏وآلُ ‏عقيل ‌‏وآلُ ‏جعفر ‏وآلُ ‏عباس"(2). ومن يطعن بأصول الدّين فهو كافر، فالطاغية وأسلافه وجلاوزته لن ينفك الكفر عنهم؛ لهذا نجدُ أنّ السيدةَ زينب (عليها السلام) تسألُ سؤالًا استنكاريًا قائلةً: "أتدرون أيَّ كبدٍ لرسولِ الله (صلى الله عليه وآله) فريتم؟! ومناسبةُ هذا السؤال هو كونُ الطرفِ الآخر يعلمُ بمقامِ الإمامِ الحسين (عليه السلام)، لكنّه أقدمَ على قتله، فسألته استنكارًا لا حقيقةً. ■الناحيةُ الثانية: الناحيةُ الأخلاقية. من تربّتْ في بيتٍ عمودُه أميرُ المؤمنين وسيدةُ نساءِ العالمين (عليهما السلام) كيف لا تبلغُ الكمالَ الأخلاقي؟! فها هي السيدةُ زينبُ (عليها السلام) تتكلمُ حتى مع عدوِّ اللهِ (تعالى) بالأخلاقِ التي ينبغي أنْ تتخلقَ بها كامرأة عند مخاطبةِ الرجال، وأيُّ رجال؟! إنما هم أشباهُ الرجال. فلم تجعلْ سؤالَها "أيَّ كبدٍ لرسولِ اللهِ فريتم؟" سؤالًا حقيقيًا؛ -لعلّه ومن هذه الناحية الأخلاقية- لئلا يُبرِّر الطاغيةُ ابنُ زياد وجلاوزته شنيعَ فعلِهم فيما لو سألتهم: لماذا قتلتَ الإمامَ الحسين (عليهم السلام)؟ بـل جعلته سؤالًا استنكاريًا، كأنّها تريدُ أنْ توبّخهم، بدلًا من أنْ تُطيلَ الكلامَ معم فيما لو كان سؤالًا حقيقيًا، إلاّ أنّ الضرورةَ اقتضتْ أنْ تخطبَ السيدةُ (عليها السلام)؛ لما رأتْ من ابنِ زياد (عليه لعنة الله) من أقوالٍ وأفعالٍ مخالفةٍ للنهجِ المحمدي. فترفعتْ أخلاقيًا عن مجادلةِ ذلك الإمعة، واكتفت بالاسترسالِ بالخطابِ على شكلِ أسئلةٍ توبيخية، هدفُها التعجّبُ من شدّةِ الجُرأةِ على قتلِ سبطِ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله). ■الناحيةُ الثالثة: الناحيةُ البلاغية لم تخلُ العبارةُ من جنبةٍ بلاغيةٍ من سيّدةِ البلاغةِ والبيان زينب (عليها السلام)؛ فالسيّدةُ استخدمتْ أسلوبين بلاغيين: الأول: الاستفهام الاستنكاري، "فخرج الاستفهامُ عن معناه الحقيقي إلى معنى الإنكار؛ لغرضٍ هي أعلمُ بمناسبتِه مع الخطاب، بل واسترسلتْ في هذا الأسلوب في ثلاث عبارات"(3). الثاني: أسلوب المجاز المرسل، "فحينما قالت "أيّ كبدٍ" ذكرتْ جزءًا من رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله)، وأرادت به الكُل؛ بعلاقةِ الجزئيةِ المعروفة بلاغيًا"(4). والإمامُ الحسين (عليه السلام) فعلًا هو جزءٌ من رسولِ الله (صلى الله عليه وآله)؛ كما رويَ عنه (صلى الله عليه وآله): "حسينٌ منّي، وأنا من حسين"(5). وهذا نظيرُ البلاغةِ القرآنيةِ حينما يقولُ اللهُ (تعالى): {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَة}(6)؛ فاللهُ (تعالى) ذكرَ الجزءَ (الرقبة)، وأرادَ الكُل (العبدُ المؤمن). ___________________ (1) سورة المائدة: 32. (2) ‏صحيح مسلم: لمسلم بن الحجاج النيسابوري, ج7, كتاب فضائل الصحابة, باب فضائل علي بن أبي طالب (ر[عليه السلام]), ح2408. (3) التحفة الباهرة في بلاغة المخدرة الطاهرة: لحسن البحراني, ص62-63. (4) ظ: البلاغة الواضحة: لعلي الجارم ومصطفى أمين, ص108-109. (5) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج43, باب فضائلهما ومناقبهما [الحسنان عليهما السلام] والنصوص عليهم ,ح35. (6) سورة النساء: 92. فالسلامُ على الحُسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أخت الحسين، وعلى أصحابِ الحسين.

البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلام
منذ شهرين
210

نفحاتٌ ملكوتيةٌ من الخطابِ الزينبي (٩) "وأيّ كريمةٍ له أبرزتم؟!"

بقلم: علوية الحسيني فجيعةٌ غطّتْ على جميعِ فواجعِ الطف، حتى باتَ لسانُ حالِ الأئمةِ (عليهم السلام) يستنهضون قائمَهم الإمامَ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) للأخذِ بثأرِ من تسبّبَ بفواجعِ الطف، ومنها (فجيعةُ السبي -إبرازُ سليلاتِ الطُهرِ من خيمهنَّ-). أسألُ اللهَ (تعالى) أنْ أُجيدَ بيانَ هذه العبارة عقائديًا، وأخلاقيًا، وبلاغيًا، ضمنَ النواحي التالية: ■الناحيةُ الأولى: الناحيةُ العقائدية بقطعِ النظرِ عن عدمِ أخلاقيةِ التصرُّفِ الذي أقدمَ عليه بنو أمية بسبيهم حرائرِ بيت النبوّةِ (عليهنَّ السلام)، فإنَّ عقيدةَ من يُقدِمُ على ذلك لهي عقيدةٌ شوهاء؛ وإلا فمن ذا الذي يخالفُ قولَ النبي (صلى الله عليه وآله) حينما أمرَ بالمودةِ في قُرباه فهو يكفرُ بكلامِ الله (تعالى)؛ فأمرُ المودةِ في القربى من عندِ الله (تعالى)، وهو الذي أمَرَ نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنْ يُخبِرَ الناسَ عن طريقِ القرآن الكريم، حيثُ قال (تعالى): {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ}(1), والسيّدةُ زينبُ (عليها السلام) من بيت ذوي القربى، إلا أنّهم لم يراعوا فيها إلًّا ولا ذمةً! فبعدَ قولِ اللهِ (تعالى) قالَها النبيُّ (صلى الله عليه وآله)، وحيثُ إنّ بني أمية وأتباعهم أظهروا العداوةَ للقربى، إذًا فهم كافرون، عليهم غضبٌ من اللهِ (تعالى) ونقمة؛ قال (تعالى): {وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ الله}(2)؛ ولهذا فإنّها (عليها السلام) كانت قد أشارت إلى هذا الغضبِ الإلهي في بدايةِ خُطبتِها في الكوفة؛ بقولها: "أَلَا بِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ سَخِطَ الله عَلَيْكُمْ وَفِي الْعَذَابِ أَنْتُمْ خَالِدُون". وفي موضعٍ آخر أشارتْ إلى ذلك قائلة: "وَبُؤْتُمْ‏ بِغَضَبٍ مِنَ الله". من هُنا نفهمُ البُعدَ العقائدي من مَقطعِ كلامِ السيّدةِ زينب (عليها السلام) وكأنها تريدُ أنْ تقولَ: إنَّ إبرازَكم لكريمةٍ تُنسَبُ لرسولِ اللهِ محمد (صلى الله عليه وآله) هو طعنٌ في كلامِ اللهِ (تعالى)، وطعنٌ في العقيدة بالله (تعالى)، والطاعنُ في العقيدةِ كافرٌ كبني أمية (عليهم لعنة الله). ■الناحيةُ الثانيةُ: الناحيةُ الأخلاقية عاشتِ السيّدةُ زينبُ (عليها السلام) خمسَ سنينٍ من عمرها الأولى مُعاصرةً لنبي اللهِ الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)، سيّد الأخلاق، فلا شكّ أنّ أخلاقَها مُبتنيةٌ على جذورٍ رصينة. كما كان لأبويها وأخويها (عليهما السلام) دورٌ كبيرٌ في تربيتها، فضلًا عن استعدادِها النفسي لتلقّي الفيض. ومن أبرزِ ما تربّتْ عليه (عليها السلام) الحشمةُ والعزُّ، حتى باتَ لا يُرى ظلُّها؛ حيثُ رويَ عن يحيى المازني أنّه قال: "كُنتُ في جوارِ أميرِ المؤمنين (عليه السلام) في المدينةِ مدةً مديدةً وبالقربِ من البيتِ الذي تسكنُه زينبُ ابنته، فلا واللهِ ما رأيتُ لها شخصًا ولا سمعتُ لها صوتاً، وكانتْ إذا أرادتِ الخروجَ لزيارةِ جدِّها رسولِ الله (صلى الله عليه وآله) تخرجُ ليلاً، والحسنُ عن يمينِها، والحسينُ عن شمالِها، وأميرُ المؤمنين أمامها، فإذا قَرُبتْ من القبرِ الشريفِ سبقَها أميرُ المؤمنين (عليه السلام) فأخمدَ ضوءَ القناديل. فسأله الحسنُ مرةً عن ذلك؟ فقال: أخشى أنْ ينظرَ أحدٌ إلى شخصِ أختِك زينب"(3) بل وحتى حينَ خروجِها إلى كربلاء، لم يتخلّ أخواها عن حمايتها؛ فتذكرُ لنا بعضُ المصادر: "إنّ العباس (عليه السلام) ومنذُ وصول قافلةِ الإمامِ الحسين (عليه السلام) إلى أرضِ كربلاء في اليوم الثاني من شهرِ محرمٍ، اختارَ لنفسِه نوعًا خاصًا من العبادة: فقد كانَ إذا جنَّ الليلُ يركبُ الفرسَ ويحومُ حولَ المُخيماتِ لحراسةِ العائلة"(4). وما كانَ عليها وعليهم إلاّ التسليمُ لمشيئةِ اللهِ (تعالى) بالثورةِ ضدَّ الظالمِ الغاشم الطاغية يزيد وأذنابه (عليه وعليهم لعنة الله)، فشاءَ اللهُ تعالى أنْ يُبرِزَها حزبُ الشيطان، ويأخذوها سبيّةً إلى شرّ دار! ونجدُ أنّ السيّدةَ (عليها السلام) لطمتْ على وجهِها حينما ودّعَها الإمامُ الحسينُ (عليه السلام) في يومِ عاشوراء؛ "حيثُ جمعَ النسوة، وأوصاهنّ بعدّة وصايا، وأمرَهن بلبسِ أزرهنَّ ومقانعهنَّ، فسألته عن سبب ذلك، فقال لها: كأنّي أراكم عن قريبٍ كالإماءِ والعبيدِ يسوقونكم أمامَ الركابِ ويسومونكم سوءَ العذاب! فلمّا سمعتِ السيدةُ زينبُ ذلك بكتْ ونادتْ: وا وحدتاه، وا قلةَ ناصراه، ولطمتْ على وجهها"(5). ومن هُنا يتضحُ معنى عظم إبرازِ الكريمةِ بالسبي. ■الناحيةُ الثالثةُ: الناحيةُ البلاغية لم يخلُ هذا المقطع أيضًا من البلاغةِ -كسابقه-؛ طالَما أنّ حديثَ السيّدةِ (عليها السلام) مُسترسل، ففيه أسلوبان بلاغيان: الأول: الاستفهام الاستنكاري، "فخرجَ الاستفهامُ عن معناه الحقيقي إلى معنى الإنكار"(6)؛ حيثُ أنَّ القومَ على يقينٍ بمقامِ عقيلةِ بني هاشم، لكنّهم أقدموا على سبيها. الثاني: أسلوب المجاز المرسل، "فحينما قالت "أيّ كريمةٍ" ذكرتْ جزءًا من السبايا، وهو شخصُها المُبجّل، وأرادتِ الكُل، وهو جميعُ النسوةِ اللواتي كُنَّ خرجنَ مع الإمام الحسين (عليه السلام)، وتم سبيهنَّ"(7). إلا أنّ الأسلوب البلاغي الثاني يبقى ظنيًّا؛ لأنّ السيّدةَ (عليها السلام) قد تقصدُ شخصَها فقط؛ بقرينةِ قولها: "أبرزتم"؛ حيث أنّ التأريخَ ينقلُ لنا أنّها (عليها السلام) لم يُرَ خيالها، أي لم تكن مُبرزةً، ولهذا قالت: "أبرزتم". ثم إنّ أفضليتَها (عليها السلام) على سائرِ نساءِ الطفِّ أمرٌ لا شكّ فيه، وهذا ممكنٌ أنْ يُعينَ على استبعادِ الأسلوبِ البلاغي الثاني. _____________________ (1) سورة الشورى: 23 (2) سورة النحل: 106. (3) زينب الكبرى: للشيخ جعفر النقدي ص 22. (4) ظ: زينب الكبرى من المهد إلى اللحد: للسيد محمد كاظم القزويني, ص204. (5) المصدر نفسه, ص21. (6) التحفة الباهرة في بلاغة المخدرة الطاهرة: لحسن البحراني, ص62-63. (7) ظ: البلاغة الواضحة: لعلي الجارم ومصطفى أمين, ص108-109. وأمَضُّ ما جُرعَت مِن الغُصَص التي قَدَحت بجانحة الهدى ايراءَها هَتكُ الطغـاة علـى بنـات محمـدٍ حُجبَ النبوّة خِدرَها وخِباءَها فتنـازعت أحشـاءها حَرقُ الجَوى وتَجاذَبت أيدي العدوِّ رِداءَها عَجَباً لِحِلـم الله وهـي بعيـنـه بَرزت تُطيلُ عَويلها وبكاءها

البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلام
منذ شهرين
199

نفحاتٌ ملكوتيةٌ من الخطابِ الزينبي (١٠) "مُنتَحيًا على ثنايا أبي عبد الله سيّد شباب أهل الجنّة تنكتها بمِخْصَرتك"

بقلم: علوية الحسيني ظاهرًا هذا هو الموقفُ الذي دفعَ السيّدةَ زينبَ (عليها السلام) لإلقاءِ خطبتِها البليغة؛ حينما كانت في مجلس الطاغيةِ يزيد (عليه لعنة الله)؛ وكان (لعنه الله) يتجاسرُ على رأسِ الإمامِ الحسين (عليه السلام) بضربِ ثناياه الشريفة بالمخصرة، مما أفجعها، حتى قالت ما قالت. ولاشكَّ أنّ لهذهِ العبارةِ جوانب عقائدية، وأخلاقية، وبلاغية، يتمُّ توضيحُ شيء منها بالتالي: ■الناحيةُ الأولى: الناحيةُ العقائدية نعلمُ -كما وصلَنا عن أئمتِنا (عليهم السلام)- أنّه لولا ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) لمُحيَ الدّينُ محوًا على يدِ الطاغيةِ يزيد ومن مكّن له من الحكم (عليهم لعنة الله جميعًا)، ومن لم يكنْ يعلمُ بذلك فليعلمْ من خلالِ التأمُّلِ في تجاسرِ يزيد على رأسِ سيّدِ شبابِ أهلِ الجنة -كمثال- وإلا فشنائعُ أفعالِ ذلك العتل كثيرةٌ. وقد روَتْ هذا الحدثَ الفجيعَ كتبُ أبناءِ العامة؛ إذ روى الذهبي: "... ثم قاتلَ [الإمام الحسين] حتى قُتِل، قتلَه رجلٌ مذحجي، وحزَّ رأسَه، ومضى به إلى عُبيدِ الله، فقال: وقرْ ركابي ذهبا فقد قتلتُ الملكَ المُحجّبا قتلتُ خيرَ الناسِ أمًا وأبا فوفدَهُ إلى يزيد ومعه الرأس، فوضعَ بين يديه، وعنده أبو برزة الأسلمي، فجعلَ يزيدُ ينكتُ بالقضيبِ على فيه، ويقول: نفلقُ هامًا من أناسٍ أعزة علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما"(1) وهذا فعلٌ غيرُ مُستبعدِ الصدورِ ممّن هتكَ حُرمةَ الكعبةِ حينما رماها بالمنجنيق! ولو تأمّلْنا في قولِ السيّدةِ زينب (عليها السلام) وتساءلنا: لماذا هُنا تحديدًا وصفتِ الإمامَ الحسين (عليه السلام) بأنّه سيّدُ شبابِ أهلِ الجنة، دونَ أنْ تصفَه بصفةٍ أخرى، أو تُطلِقُ قولَها؟ لكان الجوابُ: إنّها حكيمةٌ، والحكيمُ أفعالُه وأقوالُه مُعلّلةٌ بغرض؛ وتتجلّى الحكمةُ من قولِها (سيّد شباب أهل الجنة) تذكيرًا للطاغيةِ بأنّ عقيدتَه شوهاء؛ لأنّ سيّدَ شبابِ أهلِ الجنة هو إمامُ أهلِ الأرض، والخروجُ على الإمام، فضلًا عن قتله والتمثيل برأسه الشريف لهوَ انسلاخٌ عن الدّينِ المحمدي. والنصوص متوفرة كثيرة حتى عند يزيد تشهدُ أنّ رسولَ الله (صلى الله عليه وآله) قد وصفَ الإمامَ الحسينَ (عليه السلام) بأنّه سيّدُ شبابِ أهلِ الجنة؛ "فعن ‏ ‏أبي سعيدٍ الخدري، قال: قال رسولُ الله ‏(ص[صلى الله عليه وآله]): ‏الحسنُ‏ ‏والحسينُ ‏ ‏سيّدا شبابِ أهلِ الجنة"(2). تُرى بأي ّ طريقةٍ بعدُ أُثبتُ للعالمِ بأسرِه كفرَ الطاغيةِ يزيد؟! إن السيّدة زينب (عليها السلام) قد أعطت للطاغيةِ وجلسائه وجميعِ الحضور، ومضةً عقائديةً بحقِّ الإمام، ووجوب احترامه، وأنّ الخروجَ عليه -فضلًا عن التمثيل برأسه- هو الكفرُ الصريح؛ لأنّه فعلٌ مُخالفٌ للعقيدةِ بمن جعلَه إمامًا وهو اللهُ (تعالى)، وما أراه إلاّ بدرجةِ كُفرِ فرعون بل أشد. ■الناحيةُ الثانيةُ: الناحيةُ الإنسانية. لم ينقلْ لنا التاريخُ واقعةً كواقعةِ الطف، وهذا يدلُّ على وحشيّةِ العدو، وعدمِ إنسانيته؛ بعدم مراعاته للقواعد الإسلامية في الحروب، هذا على فرضِ كونِ الإمامِ الحسين وعيالاته (عليه وعليهم السلام) أناسًا عاديين، وإلاّ لاكتفى بمبارزة الإمام. بل ولكونه جبانًا، ثملًا، لن يخوضَ حربًا مباشرةً مع الإمام الأسد الفارس (عليه السلام)، فقد تجسّدتْ عدمُ إنسانيته بالغدر بالإمام، بل وبالجرأةِ بالتمثيلِ برأسه، وضرب ثناياه أمامَ سليلاتِ النبوّةِ (عليهنّ السلام) -هذا فضلًا عن سبيهنَّ-فهذه هي بهيميّةُ يزيد (عليه لعنة الله). ■الناحيةُ الثالثةُ: الناحيةُ البلاغية. اشتملَ خطابُ السيّدةِ زينب (عليها السلام) هذا على أسلوبٍ بلاغي، غاية في الأهمية، وهو الإطناب. "أي زيادةُ اللفظِ على المعنى لفائدةٍ مرجوّة"(3). فالسيّدةُ زادتْ على لفظِ (أبي عبد الله) لفظ (سيّدِ شبابِ أهلِ الجنة)، وكذا زادتْ على لفظِ (مُنتحيًا على ثنايا) لفظَ (تنكتُها بمِخْصَرتك)، فأطنبتْ بالكلام؛ أي أطالته؛ لفائدةٍ طبعًا. فحينما أضافت لـ(أبي عبد الله) صفةَ (سيّد شباب أهل الجنة) فلعلّها تقصدُ عدّةَ أمورٍ، منها: 1- دفعُ الإيهامِ عن سامعي خُطبتِها من عامةِ الناس، "وهذا أحدُ أغراضِ الإطنابِ بلاغيًا"(4)؛ فليسَ كُلّ من كان حاضرًا في مجلسِ الطاغية يزيد (عليه لعنة الله) يعلمُ بمقامِ السبايا والرؤوس المشالات. لهذا أجّجتِ الحضورَ بخُطبتِها (عليها السلام)، مما جعل البعضُ يثور على يزيد الذي كان قد خدعهم بأنّ السبايا هم من الخارجين على أمير المسلمين؛ "كالشيخ الذي قال للسبايا: الحمدُ لله الذي قتلكم وأهلككم وأراحَ البلادَ عن رجالِكم، وأمكنَ أميرُ المؤمنين منكم"(5). فما أبلغ الحوراء! 2- إثارةُ الحميّةِ عند المُتلقين"(6)، وهذا غرضٌ لا يقلُّ أهميةً عن السابق؛ إذ يُروى " أنّ رسولَ ملكِ الرومِ كان حاضرًا في مجلسِ الطاغية، فلّما عرفَ صاحبَ الرأسِ وبّخَ الطاغية، ووثبَ إلى رأسِ الحسينِ (عليه السلام) فضمَّهُ إلى صدره وجعلَ يُقبِّلُه ويبكي حتى قتلَه الطاغيةُ لئلا يُفتَضَح"(7). *وحينما أضافت لــ(منتحيًا على ثنايا) لفظ (تنكتها بمِخْصَرتك)، فلعلّها تقصدُ توضيحَ مرادها"(8), لأنّ المُخاطبَ الطاغيةَ (عليه لعنة الله) لا يفقهُ إلا بالإطناب؛ فبلاغةُ السيّدةِ كثيرةٌ عليه؛ مما اضطرها إلى التوضيحِ بأنّ معنى (مُنتحٍ) هو اتخاذُه ناحيةً يقرُبُ فيها من الرأسِ الشريفِ لينكُتَ الثنايا الطاهرة! فلم يكنْ إطنابُها معيبًا؛ لأنّه لم يخل من فائدة. ____________________ (1) سير أعلام النبلاء: للإمام الذهبي, ج3, ص309. (2) مسند أحمد بن حنبل: لأحمد بن حنبل, مسند أبي سعيد الخدري, ج3, ح10616. (3) البلاغة الواضحة: لعلي الجارم ومصطفى أمين, ص250. (4) التحفة الباهرة في بلاغة المخدرة الطاهرة: لحسين البحراني, ص88. (5) اللهوف في قتلى الطفوف: للسيد ابن طاووس, ص102. (6) مصدر سابق, ص88. (7) اللهوف في قتلى الطفوف: لسيد ابن طاووس, ص110-111. (8) المصدر نفسه. وثواكلٌ في النوحِ تُسعِدُ مثلَها أرأيتَ ذا ثكلٍ يكونُ سعيدًا؟! حنّتْ فلم ترَ مثلَهنَّ نوائحًا إذ ليس مثلُ فقيدهن فقيدًا

البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلام
منذ شهرين
157

نفحاتٌ ملكوتيةٌ من الخطابِ الزينبي (١١) "ولن ترخصوها بغسلٍ بعدها أبدا"

بقلم: علوية الحسيني السيّدةُ زينبُ (عليها السلام) في خطابِها هذا تُشيرُ إلى عظمةِ الذنبِ الذي اقترفَه بنو أميّة (عليهم لعنة الله)؛ بقتلِهم ريحانةِ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله), وسبيهم عياله، فضلًا عن شتمهم للآل الأطهار. ومن جزالةِ خطابِ السيّدةِ (عليها السلام) في المقطعِ هذا نستشِفُّ ثلاثَ إشاراتٍ: عقائدية، وأخلاقية، وبلاغية، كلٌ منها تُشكّلُ درسًا لمن يجهلُ مقامها، أشيرُ إليها ضمن النواحي التالية: ■الناحيةُ الأولى: الناحيةُ العقائديةُ إنّ خطابَ السيّدةِ (عليها السلام) لا ينافي صريحَ آياتِ القرآنِ الكريم في عفو ومغفرةِ اللهِ (تعالى) عن ولعباده المذنبين، كقولِ اللهِ (تعالى): {قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ الله لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين}(1)؛ وذلك لأنّ المغفرةَ يتلطّفُ اللهُ (تعالى) بها على عبادِه التائبين توبةً نصوحة؛ الذين يعملونَ السوءَ جهلًا منهم بمعصيته؛ كما يقولُ (تعالى): {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ الله عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيما}(2). نأتي الآنَ لإخراجِ بني أميّة وأتباعهم (عليهم لعنة الله) من هذه الآية، ونُثبتُ أحقيّةَ قولِ السيّدةِ حينما نفت بقولها (لن) نفيًا مؤبدًا بأنّ بني أمية وأتباعهم لا يمحون خطأهم الجسيم –إمّا بخداع الناس، أو بتفكيرهم بالتوبة-، فعن خداع الناس، شاءَ اللهُ (تعالى) أنْ يفتضحَ أحدوثتهم، وعن توبتِهم فلن تتحقق، ونقول: 1/ بنو أمية وأتباعُهم (عليهم لعنة الله) لم يفعلوا تلك الرزايا جهلًا منهم، وهذا ليس بادّعاءٍ؛ بل روي في كتب أبناء العامة أنّهم أقدموا على قتل الإمام الحسين (عليه السلام) بغـضًا بأبيه؛ حيث روى القندوزي في ينابيعه: أنّ الإمامَ الحسينَ (عليه السلام) دنا من أعدائه وقال: "يا ويلكم أتقتلوني على سُنّةٍ بدلتُها؟ أم على شريعةٍ غيرتُها؟ أم على جُرمٍ فعلتُه؟ أم على حقٍ تركتُه؟ "، فقالوا له: "إنّا نقتلك بُغضًا لأبيك"(3). والشعورُ بالبُغض لم يأت عن جهل. ومن يبغض عليًا (عليه السلام) فلاشكّ أنّه مُنافقٌ؛ وقد روى مسلم في صحيحه: "حدثنا: ‏ ‏أبو بكر بن أبي شيبة، ...عن ‏ ‏زر، ‏قال: قال علي: ‏والذي فلقَ الحبةَ، وبرأ النسمةَ، إنّهُ لعهدُ النبي الأمي ‏(ص[صلى الله عليه وآله وسلّم]) ‌‏إليّ ‏ ‏أنْ لا يُحبُّني إلا مؤمنٌ، ولا يُبغضُني إلا مُنافقٌ"(4). إذًا بنو أمية منافقون، والآياتُ التي ذمّتِ المنافقين، وبيّنتْ مصيرهم كثيرةٌ؛ نأخذُ منها ما يشفي غليلَنا من تلك الفئة الباغية، ما قاله (تعالى): {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّار}(5). فليُلاحظُ الجميعُ أصالةَ الخطابِ الزينبي، وكيف أنّه يستدلُّ بالتدريج عقائديًا ليصلَ إلى الجذرِ القرآني. اللهمَّ إنّي أشهدُ أنّ السيّدةَ زينب وآلها (عليها وعليهم السلام) من الدُعاةِ إلى جنتك، وأنّ يزيدَ وأشياخَه وأتباعَه (عليه وعليهم لعنة الله) من الدعاةُ إلى نارك. فها هو دورُ العقيدةِ في الخطاب الزينبي، عبارةٌ مُجملةٌ استبطنتِ الإشارةَ إلى أوائلِ أصول الدّين، ببيانِ مصيرِ من يعتدي مُتعمّدًا على مقامِ الإمامة، فهو منافقٌ، مُعادٍ للنبوّة، ومعادي النبوة لن تنفعَه لقلقلةُ لسانِه بالادّعاء بالإيمان وإنِ ادّعاه. فكانَ المصيرُ جهنمَ وساءتْ مصيرًا, وما ربُّنا بظلاّمٍ للعبيد. 2/ بنو أمية واتباعُهم (عليهم لعنة الله) ليسوا من التائبين، إذ لم يروِ لنا التأريخُ توبةَ ابن زياد، و طاغيته يزيد، أو الشمر، وشرذمتهم (عليهم جميعًا لعائن الله). وها هي زيارةُ عاشوراء المرويةُ عن الإمام الباقر، وبسندٍ آخر عن الإمام الصادق (عليهما السلام)، فيها لعنٌ دائمٌ إلى يوم القيامة على قتلةِ الإمامِ الحسين (عليه السلام): "...اللهم اللعن يزيدَ خامسًا، والعنْ عبيدَ اللهِ بن زياد، وابنَ مرجانة، وعمرَ بن سعد، وشمرًا، وآلَ أبي سفيان، وآلَ زيادٍ، وآلَ مروان إلى يوم القيامة". ونحنُ نعتقدُ أنّ قولَ المعصومِ حجّةٌ، ولا يقول شططًا، فالملعونُ غير تائبٍ؛ وإلاّ لما لحقتُه اللعنةُ إلى يوم الدّين، يوم يُجزى الظالمون بمصيرهم. وأما من يعتقدُ بتوبةِ الطاغية، ويُشمّرُ ساعديه للدفاع عنه، فأيُّ دليلٍ يُقدّمُه فهو مُتهالكٌ أمامَ آياتِ كتابِ الله (تعالى)، ونصوصِ العترة الطاهرة، وكفى بالثقلينِ حجّةً. ■الناحيةُ الثانيةُ: الناحيةُ الأخلاقية. أيضًا فعلُ بني أمية وأتباعِهم (عليهم لعنة الله) لم يخلُ من هدمٍ لمبادئ الأخلاق، وحيث إنّ المُخاطبين هم أهلُ الكوفة -كما روي في تأريخ الخطبة-؛ فأهلُ الكوفةِ كانوا أشدَّ تعلّقًا بالدنيا وما فيها، وإلاّ لباعوها وثاروا ضدَّ حاكمِهم ابنِ زياد (عليه لعنة الله), لكنّهم شروا الدنيا، وباعوا الآخرةَ، وهذه أخلاقُ الحريص على دنياه؛ يروى عن الإمامِ الصادقِ (عليه السلام) انّه قال: "مَنْ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِالدُّنْيَا تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِثَلاثِ خِصَالٍ: هَمٍّ لا يَفْنَى، وَأَمَلٍ لا يُدْرَكُ، وَرَجَاءٍ لا يُنَال"(6). وفعلًا لم ولن يتمكنوا من ترخيصِ فعلتِهم الشنيعة بالإمامِ الحسين (عليه السلام) كما أخبرتْهم السيّدةُ (عليها السلام)، حتى لم يُفارقْهم الهم، ولم يُحقِّقوا آمالَهم، ولم ينالوا رجاءهم من طاغيتهم، ولهذا يروي لنا التأريخ أنّ أغلبَهم بكى بكاءً شديدًا؛ شعورًا منهم بتأنيبِ الضمير لما حصلَ لسيّدِ شبابِ أهلِ الجنة (عليه السلام) بسببهم. وقد تمَّ بيانُ ذلك في حلقةٍ سابقة. هذا فضلًا عن اتصافِهم بخُلُقٍ قبيحٍ آخر، وهو إيذاءُ وإهانةُ واستذلالُ المسلمين، وعلى رأسهم آل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم، فما فعلوه حقًا لن يُمحى أثرُه من صفحةِ التأريخ. فطاغيةُ أهلِ الكوفةِ لم يكنْ فعلَ ما فعلَ ولا قالَ ما قالَ لو تكاتفَ أهلُ الكوفة ووقفوا بوجهه، إلّا أنّهم خضعوا له، ووقفوا يتربّصون، ولم ينصروا أهلَ بيتِ النبوّة. فلعلّ السيّدةَ (عليها السلام) تُشيرُ إلى خلودِ رزيةِ قتلِ الإمامِ الحسين (عليه السلام) وافتضاحِ أمرِ قتلته، فلن يرخصوا فعلتَهم بغسلٍ أبدِ الآبدين. وبعبارتها هذهِ أعطتْ درسًا أخلاقيًا لأهلِ الكوفة، لو وعتها أذنٌ واعيةٌ. ■الناحيةُ الثالثةُ: الناحيةُ البلاغيةُ. ظاهرًا إنّ السيّدةَ زينبَ (عليها السلام) اقتبستْ عبارتَها هذهِ من آيةٍ من آياتِ القرآن الكريم، اقتباسًا غير نصيٍ، وإنّما معنويٌ، كقوله تعالى: {لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاء الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللّهِ وَهُمْ كَارِهُون}(8)؛ حيث أصرّ القتلةُ (عليهم لعنة الله) على قلبِ الحقائقِ، والإصرارِ على ذنبِهم، حتى أنّهم لن يغسلوا جرمَهم من صفحاتِ التأريخ، وما ذلك إلا لأنّ غرضَهم الفتنةُ. وهذا الاقتباسُ يُعدُّ اسلوبًا من أساليبِ البلاغة والبيان، فضلًا عن إشارتِه إلى التأصيل القرآني، وأنّ السيّدةَ لا تقول شططًا، كأسلافها (عليها وعليهم السلام). ___________________ (1) سورة يوسف: 19. (2) سورة النساء: 17-18. (3) ينابيع المودة لذوي القربى: للقندوزي, ج3, ص80. (4) صحيح مسلم: لمسلم النيسابوري, ج1, كتاب الإيمان, باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي (ر) من الإيمان وعلاماته, ح78. (5) سورة النساء: 145. (6) الكافي: للشيخ الكليني, ج2, باب حب الدنيا والحرص عليها, ح17. (8) سورة التوبة: 48. تبًا لكم يا ويلكـم أرضيتـمُ بالنارِ ذلّ هنالك المحبوسُ؟! بعتمِ بدنيا غيركم جهـلاً ب كمِّ عزِّ الحياةِ وإنّه لنفيسُ أخسرُ بها من بيعةٍ أمويـةٍ لُعِنَتْ وحظّ البائعينَ خسيسُ

البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلام
منذ شهرين
149

نفحاتٌ ملكوتيةٌ من الخطابِ الزينبي (١٣)

بقلم: علوية الحسيني "فلا يَستَخفّنكم المُهَل، فإنّه لا يَحفِزُه البِدار، ولا يَخافُ فَوتَ الثار" عبارةٌ صدَحَتْ بها السيّدةُ زينبُ (عليها السلام) بكُلِّ عقيدةٍ راسخةٍ بحكمةِ وعدلِ الله (تعالى)، وأساليب بلاغية، في وجهِ أهلِ الكوفةِ حينما ألقتْ خُطبتَها عليهم بعد مقتلِ الإمام الحسين (عليه السلام). وعليه، سيتمُّ بيانُ العبارةِ ضمنَ النواحي التالية: ■الناحيةُ الأولى: الناحيةُ العقائديةُ . امرأة كالسيّدةِ زينب (عليها السلام) نشأتْ في بيتِ مهبطِ الوحي، وموضعِ الرسالةِ الإلهيةِ كيف لا تكونُ عقيدتُها راسخةً منذُ طفولتها وحتى بعثها؟! العبارةُ المتقدمة حوتْ بعضَ المطالبِ العقائدية؛ كقدرة، وعدل، وحكمة، وأناةِ اللهِ (تعالى). *فقولُها: "فلا يَستَخفّنكم المُهَل"؛ إشارةٌ منها إلى تحذيرِ الأمّةِ التي قتلتِ الإمامَ الحسينَ (عليه السلام)، وشايعتْ وبايعتْ على قتله ورضيتْ به، من الاغترار بتأخيرِ حلولِ الغضبِ الإلهي عليهم، وتنهاهم من الاستخفافِ بجرمِهم وإنْ طالتْ مدّةُ المُهَلِ التي يمهلُهم اللهُ (تعالى) بها. ولهذهِ الجملةِ جذرٌ قرآني، فالإمهالُ مُفردةٌ قرآنيةٌ أشارَ اللهُ (تعالى) إليها في أكثرِ من آيةٍ بصريحها، أو بما يُرادفُها؛ فقد أمهلَ قومًا سابقين، لكنّه لم يهملهم؛ قال (تعالى): "وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا"(1)، وقوله (تعالى): "فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدا"(2). فمن يستخفّ بالإمهالِ فقد استخفّ بكتابِ الله (تعالى)، بل وبه (تعالى)، والمُستخِفُّ باللهِ (تعالى) كافرٌ، لكنّهم (عليهم لعنة الله) استخفوا، حتى باتوا يُصبِحون ويُمسون على طاعةِ طاغيتِهم ابنِ زيادٍ (عليه لعنةُ الله). وعِلّةُ تأخيرِ العقوبةِ الإلهيةِ عليهم راجعةٌ لحكمةِ الله (تعالى)؛ ولعلّ من أحدِها هو أنه (ليزدادوا إثمًا فوقَ إثمهم)؛ كما يقول (تعالى): "وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِين"(3). وهذه الآيةُ استشهدَ بها الإمامُ زينُ العابدين (عليه السلام) في خُطبته، فهي ليست ببعيدةٍ عن مُرادِ السيّدةِ زينب (عليها السلام). فتعتقدُ السيّدةُ زينبُ (عليها السلام) بما يعتقدُ به أسلافُها الأطهارُ (عليهم السلام) أنّ اللهَ (تعالى) حكيمٌ؛ وأن كُلَّ أفعالِه مُعللة بالأغراض، فقد يمهلُ الظالمين دونَ أن يهملهم، وأنّه (تعالى) عادلٌ بين عباده؛ فيقتصُّ للمظلومِ من الظالم، وإنْ طال الأمدُ، ولهذا أشارتْ إلى ذلك في خطابها، فقد كانت تؤدي عملَها الرسالي وهي في السبي، فما أعظمَها من رسالية! *وقولُها: "فإنّه لا يَحفِزُه البِدار"، والضميرُ يعودُ على الله (تعالى). "والحَفْزُ هو: حَثُّ الشَّيْء مِنْ خَلْفِهِ سَوْقًا وَغَيْرَ سَوْقٍ، فيُقالُ: حَفَزَه يَحْفِزُه حَفْزا"(4). والبدارُ يعني "الإسراع"(5). أي إنّ اللهَ (تعالى) لا شيء يحثّه على الإسراع في عقوبتِكم يامن قتلتم الإمامَ الحسينَ (عليه السلام)، وشايعتُم، وبايعتم على قتله، ورضيتم بذلك؛ بل يُمهلِكم لحكمةٍ هو أعلمُ بها. وكأنّ السيّدةَ (عليها السلام) تُريدُ أنْ تُفهمَ أهلَ الكوفة بعقيدتِها في حكمةِ الله (تعالى)، وتقضي على ظاهرةٍ منحرفةٍ عقائديًا جُبِلوا عليها، هي ظاهرةُ الاستخفافِ بالحكمةِ الإلهية؛ وإلاّ لما ظنوا أنَّ الإمهالَ الإلهيَ إهمالٌ. أيضًا لهذه الجملةِ جذرٌ قرآني؛ إذ يقولُ (تعالى): "فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّا"(6). وكذا يقولُ (تعالى): "أَتَىٰ أَمْرُ الله فَلَا تَسْتَعْجِلُوه"(7). فما أبعدَ أعداء الإمامِ الحُسينِ (عليه السلام) عن القرآن الكريم! *وقولُها: "ولا يَخافُ فَوتَ الثار" إشارةٌ منها (عليها السلام) إلى حلم وقدرة اللهِ (تعالى), وأنه من القدرة والهيمنة بحيث لا يخاف أن يفوته مطلوب منه، وبالتالي فإن ثأر الإمام الحسين (عليه السلام) سيأخذه الله تعالى ولو بعد حين. ولهذه العبارةِ جذرٌ قرآني كذلك؛ وهو قولُ اللهِ (تعالى): "وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورا"(8). وهنا تحديدًا في هذه العبارة بين طيّاتِ كلامِ السيّدةِ زينب (عليها السلام) ومضاتٌ عقائديةٌ تربطُ فيها بين الإمامين الحسين والمهدي (عليهما السلام)؛ فهي تعتقدُ بأنّ قائمَ آلِ محمد، الإمامَ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) سوف يأخذُ بثأرِ أخيها الإمامِ الحسين (عليه السلام)؛ فهناكَ حديثٌ مرويٌ عن الإمامِ الصادقِ (عليه السلام) لاشكَّ أنّه سمعه عن رسول الله، أو عن أجداده (عليهم الصلاة والسلام) في تفسير هذهِ الآيةِ روي أنّه قال: "ذلك قائمُ آلِ (بيت) محمدٍ (عليهم السلام) يخرجُ فيقتلُ بدمِ الحُسينِ (عليه السلام)"(9)، فحتمًا أنّ السيّدةَ زينبَ (عليها السلام) كانتْ قد سمعتْه من أبويها، أو أخويها (عليهم السلام)، حتى وصلتْ إلى هذا النضجِ العقائدي بحيث تربطُ بين إمامين بكلمتين. وأما تفسيرُ قولِ الله (تعالى): "فلا يسرف في القتل" كما يروي الإمامُ الصادقُ (عليه السلام): "أي لم يكنْ ليصنعَ شيئًا فيكون مسرفًا... يقتلُ واللهِ ذراري قتلةِ الحسين (عليه السلام) لفعالِ آبائهم (بفعال آبائه)"(10). بل، وإنّ اللهَ (تعالى) أشارَ إلى تحقيقِ عمليةِ أخذِ الثأر؛ بدليلِ ذيلِ الآيةِ الكريمة. ■الناحيةُ الثانيةُ: الناحيةُ البلاغيةُ حينما أخبرتِ السيّدةُ زينبُ (عليها السلام) خبريها لم تكنْ تريدُ إفادةَ المُخاطبين بذلك؛ لأنّهم على درايةٍ بفساد منهجهم، بل أرادت "الخروج إلى غرضٍ آخر من خبريها، وهو التحذير"(12). وقد عرفنا مفادَ التحذيرِ في الناحية العقائدية، فراجع. ومن بلاغتِها أكّدت أحدَ خبريها بمؤكِّد، في قولها: "فإنّه لا يخافُ فوتَ الثار" وهذا من مُستحسناتِ البلاغة. _______________ (1) سورة المزمل: 11. (2) سورة الطارق: 17. (3) سورة آل عمران: 178. (4) لسان العرب: لابن منظور, ج5, فصل الحاء. (5) نفسه, ج15, فصل الواو. (6) سورة مريم: 84. (7) سورة النحل: 1. (9)كامل الزيارات: لابن قولويه القمي, ص63. (10) المصدر نفسه. (12) التحفة الباهرة في بلاغة المخدرة الطاهرة: لحسين البحراني, ص58. الله يا حامي الشريعةِ الله أتقرُّ وهي كذا مروعة بك تستغيثُ وقلبُها لك عن جوا يشكو صدوعه فاشحذْ شظا عظبٍ له الأرواحُ مذعنةٌ مطيعة واطلبْ به بدمِ القتيلِ بكربلاءَ في خيرِ شيعة

البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلام
منذ شهرين
147

نفحاتٌ ملكوتيةٌ من الخطابِ الزينبي (١٤)

بقلم: علوية الحسيني "فلترِدنَّ وشيكًا موردهم ولتودنَّ أنَّك شُلِلتَ وبُكِمت ولم تكن قُلتَ ما قُلتَ وفعلتَ ما فعلت" ردّت السيّدةُ زينبُ (عليها السلام) في كلامها هذا في خُطبتها في مجلس الطاغية يزيد (عليه لعنة الله)؛ على ما أنشده اللعين بقوله: ليتَ أشياخي ببدرٍ شهدوا جزعَ الخزرجِ من وقعِ الأسل لأهلّوا واستهلّوا فرحًا ثم قالوا يا يزيد لا تُشَلْ... ففضحت أمرَه ببيانِ عِظَمِ جُرمه، وأطاحتْ بجبروتِه أمامَ شعبه، وسفهّتْ أشياخَه ببيانِ مصيرهم المُتهالك ومصيره. عبارةٌ فيها ما فيها من الإشارات العقائدية، والتوبيخات الأخلاقية، والأساليب البلاغية، سيتمُّ التطرُّقُ إليها ضمن النواحي التالية: ■الناحيةُ الأولى: الناحيةُ العقائديةُ إنّ معركةَ بدرٍ وقعت بأمرٍ من رسول الله، محمد (صلى الله عليه وآله)، حينما قرّرَ أنْ يضربَ رأس مال قريش، فخرجَ للسيطرةِ على قافلةِ أبي سفيان (عليه لعنة الله)، فتقاتلت الفئتان وجنودهما، وكان النصرُ للمسلمين. فكان الطاغيةُ يزيدُ (عليه لعنة الله) يقصد بأبياته الشعرية أنْ يدخلَ السرورَ على قلبِ أشياخِه (عليهم لعنة الله) الذين قتلهم الإمامُ علي (عليه السلام) في معركةِ بدر؛ فكأنّه يريدُ أنْ يقولَ: ((لو كان أشياخي حاضرين لقالوا لي: لا شلّ اللهُ يدك على ما فعلت بابن علي، بأخذكِ بثأرنا ممن قتلنا))! السيّدةُ زينبُ (عليها السلام) ردّتْ على الطاغيةِ بمُرادفِ ما نطق به، بردٍّ عقائديّ؛ حيث أكّدتْ أنّ مصيرَه كمصيرِ أشياخه، وهو جهنم، وساءت مصيرًا؛ فإن من يُقاتلُ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويقفُ بجنبِ المشركين لن يكون مصيره إلا النار؛ يقول (تعالى): "أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّم"(1). والمحادّة: هي "مجاوزةُ الحدِّ بالمشاقة، وهي والمخالفةُ والمجانبةُ والمُعاداةُ نظائر"(2). *فقولُها: "فلترِدنَّ وشيكاً موردهم" أي إنّ هذا مصيرُ أشياخك، وأنتَ ستلتحقُ بهم قريبًا؛ والوشيك: يعني السريع، فيقال: أمرٌ وشيكٌ: سريع"(3)، إشارةً منها إلى يوم الساعة، يوم القيامة، يوم الاقتصاص من الظالمين، ولعبارتها هذه جذرٌ قرآني أيضًا؛ وهو قول الله (تعالى): "وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبا"(4)، وكذا قوله (تعالى): "وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُون"(5). *وقولُها: "ولتودنَّ أنَّك شُلِلتَ وبكمت ولم تكن قلتَ ما قلتَ وفعلتَ ما فعلتَ" إشارة منها (عليها السلام) إلى هولِ يومِ القيامة، فكأنّها تُحذّره مما سيرى من هولِ يومِ القيامة، وتشبه حال بمن يتمنى أنّه لم يقلْ تلك الأبيات متشمتًا بقتلِ سيّدِ شباب أهل الجنة، الإمام الحسين (عليه السلام)، ولو تمنى أّنه كان قد شُلّتْ يمينه قبلَ أنْ يكتبَ أمرَه بقتلِ الإمام الحسين (عليه السلام)، ويتجاسر على الرأس الشريف. وطُغيانُ الطاغيةِ ناشئٌ عن بعدِه عن كتابِ الله (تعالى)، وانشغالِه بالقردةِ والخمرِ والجواري، وإلا فآيةٌ واحدةٌ حولَ يومِ القيامة للمجرمين قادرةٌ على تهذيبِ النفس، والإعراضِ عن كُلِّ معصيةٍ؛ كقولِ الله (تعالى): "يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ* وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ* وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ* وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيه"(6). فكأنّ السيّدةَ (عليها السلام) تريدُ أنْ تُذكّرَه بيومِ العدل الإلهي، يوم لا يفتدي عن الظالم أحدٌ، يومَ تُجزى كُلّ نفسٍ بما كسبت، فأنّى له بأشياخه! ■الناحيةُ الثانيةُ: الناحيةُ الأخلاقيةُ شتّانَ ما بينَ أخلاقِ السيّدةِ زينب (عليها السلام)، وأخلاقِ الطاغيةِ يزيد (عليه لعنة الله)؛ فنجدُ أنّ ذلك الطاغيةَ أخذَ يفتخرُ بشنيعِ فعله، وبأشياخِه الهالكين. ويبدو أنّ الطاغيةَ يتجاهلُ أنّ الأفضليةَ عندَ اللهِ (تعالى) هي التقوى والعمل الصالح؛ لقولِه (تعالى): "إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم"(8)، على أنّه ليس كريمَاً في نسبِه حتى يكون متقيَا؛ فنسلُ أبي سفيان تشهدُ له الأوراق السوداء من كُتُبِ التأريخ. في حين أنّ ردّ السيّدةِ (عليها السلام) كان بالخُلُقِ الممدوح، وهو بالتفاخرِ أيضًا؛ لكنّه تفاخرٌ بالعقيدةِ السليمة؛ فلازمُ قولِها من ذمِّ مصيرِ أشياخِ الطاغية هو ولاؤها لأعداءِ أشياخه، وهم محمدٌ وآلُ محمدٍ (عليهم الصلاة والسلام)؛ وقد روي الإمامُ الصادق (عليه السلام) عن سلفه، أنّه قال: "ثلاثةٌ هُنّ فخرُ المؤمنِ وزينةٌ في الدنيا والآخرة: ...وولايةُ الإمام من آل محمد (صلى الله عليه وآله)"(9). وكذا تفاخرٌ منها بالثباتِ على الاعتقادِ بميعادِ الله (تعالى)، وعدله؛ بقولها: "ولتودنَّ أنَّك شُلِلتَ وبكمتَ ولم تكنْ قلتَ ما قلتَ وفعلتَ ما فعلتَ"، وما أجملَه من خُلُقٍ حسن! ■الناحيةُ الثالثةُ: الناحيةُ البلاغيةُ في هذا المقطعِ الخطابي أسلوبان بلاغيّان: الأولُ: خروجُ الخبرِ عن غرضِه الحقيقي إلى غرضِ التحذير"(10). الثاني: ردُّ العجزِ على الصدرِ؛ وذلك بقولها: " قلتَ ما قلتَ، وفعلتَ ما فعلتَ" فجعلتِ السيّدةُ (عليها السلام) أحدَ اللفظين المُتجانسين أحدُها في أولِ الفقرة، والآخرُ في آخرِها"(11). _____________________ (1) سورة التوبة: 63. (2) الميزان في تفسير القرآن: للسيد الطباطبائي, ج9, ص317. (3) لسان العرب: لابن منظور, ج10, ص513. (4) سورة الأحزاب: 63. (5) سورة الروم: 12. (6) سورة المعارج: 11-14. (8) سورة الحجرات: 13. (9) الكافي: للشيخ الكليني، ج٨، ح٣١٢. (10) التحفة الباهرة في بلاغة المخدرة الطاهرة: لحسين البحراني, ص58. (11) المصدر نفسه, ص152. وا خجلةُ الإسلامِ من أضدادِه ظفـروا له بمعايبَ ومعـاير رأسُ ابنِ بنتِ مُحمدٍ ووصيّه يُهدى جهارًا للشقي الفاجر!

البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلام
منذ شهرين
181

رزيةُ يومِ الخميس من كُتُبِ المُخالفين/ بالوثائق

بقلم: علوية الحسيني "حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: يَوْمُ الْخَمِيسِ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ ثُمَّ جَعَلَ تَسِيلُ دُمُوعُهُ، حَتَّى رَأَيْتُ عَلَى خَدَّيْهِ كَأَنَّهَا نِظَامُ اللُّؤْلُؤِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ): «ائْتُونِي بِالْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ -أَوِ اللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ- أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا»، فَقَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهْجُر". "وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ) وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ): «هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّونَ بَعْدَهُ»، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ) قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ، وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ، فَاخْتَصَمُوا فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ) كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالِاخْتِلَافَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ)، قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ): «قُومُوا»، قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: «إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ) وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ»". ______________ صحيح مسلم: لمسلم بن الحجاج النيسابوري, ج3, كتاب الوصية, باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه, تحقق: محمد فؤاد عبد الباقي, دار إحياء التراث العربي - بيروت ص209-260, ح21 و 22.

العقائد
منذ شهر
123

وضوءُ النبيّ (صلى الله عليه وآله) من كُتُبِ أبناءِ العامة/ بالوثائق

بقلم: علوية الحسيني "حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: كُنْتُ أَرَى أَنَّ بَاطِنَ الْقَدَمَيْنِ أَحَقُّ بِالْمَسْحِ مِنْ ظَاهِرِهِمَا، حَتَّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ) يَمْسَحُ ظَاهِرَهُمَا"(1). هامش: (1) حديثٌ صحيحٌ بمجموع طرقه، والأعمشُ في حديثِ أبي إسحاق- وهو عمرو بن عبد الله السبيعي- كان مُضطربًا، أشار إلى ذلك يحيى القطان كما في مقدمة "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم ص 237، وقد أشار الدارقطني في "العلل" 4/44-47 إلى الاختلاف في سند الحديث ومتنه. وأخرجه أبو داود (163) ، والبيهقي 1/292 من طريق يزيد بن عبد العزيز، والبزار (788) ، والدارقطني في "السنن" 1/199 من طريق حفص بن غياث، والبزار (789) من طريق محاضر بن المورع، والنسائي في "الكبرى" (119) من طريق عيسى بن يونس، أربعتهم عن الأعمش، بهذا الإسناد. قال أبو داود في روايته: "ما كنتُ أرى باطنَ القدمين إلا أحقَّ بالغسلِ حتى رأيتُ رسولَ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ) يمسحُ على ظهرِ خُفَّيه". وأخرجه الدارقطني في "العلل" 4/47 من طريق سُفيان الثوري، والبيهقي 1/292 من طريقِ إبراهيم بن طهمان، كلاهما عن أبي إسحاق، به. وأخرجه ابن أبي شيبة 1/19 عن وكيع، بهذا الإسناد. ولفظه عن علي قال: "لو كانَ الدينُ بالرأي كانَ باطنُ القدمين أحقَّ بالمسحِ من ظاهرهما، ولكن رأيتُ رسولَ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ) مسحَ ظاهرهما". ________________________ مسند أحمد بن حنبل: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني ج2، ط1، ص139، ح737. تحقيق: شُعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة، 2001 م.

العقائد
منذ شهر
91