Profile Image

علوية الحسيني

"إن المؤمن إذا مات وترك ورقة واحدة عليها علم كانت الورقة سترا فيما بينه وبين النار".

تجلياتٌ معرفية في الخطاب المهدوي (9)

بقلم: علوية الحسيني "واحفظني في غيبتي إلى أنْ تأذن لي في ظهوري" *قوله: "احفظني" الحفظ عرفًا هو الصون، والوقاية من أمرٍ ما. *وقوله: "في غيبتي" إشارةً من الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) إلى الغيبة، صغرى كانت أو كبرى، إلا أنه الآن للكبرى أقرب؛ خصوصاً مع قوله (إلى أنْ تأذن لي في ظهوري)، فالإذن بالظهور أقرب إلى الغيبة الكبرى من الصغرى. ولم يحدد الإمام زمنًا معيّنًا في غيبته، ويطلب من الله (تعالى) الحفظ، إيمانًا منه بأنّ نظام الكون هو نظام العلّة والمعلول، والعلّة التامة لهذا الكون كلّه هو الله (تعالى)، فتتجلى حاجة معلولاته له (تعالى). ومن إطلاق كلام الإمام نستفيد دروسًا عقدية في العبودية الخالصة لله الواحد الأحد، وأدب التذلل في الكلام مع الخالق. وهذا ديدن السلف من أجداده (عليهم السلام)، في طلب الحوائج من الله (تعالى) بتذلل؛ حيث جاء في دعاء جدّه الإمام الحسين (عليه السلام) أنّه قال: " إلهي هذا ذُلّي ظاهِرٌ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَهذا حالي لا يَخْفى عَلَيْكَ، مِنْكَ أطْلُبُ الْوُصُولُ إلَيْكَ، وِبَكَ أسْتَدِلُّ عَلَيْكَ، فَاهْدِني بِنُورِكَ إلَيْكَ، وَأقِمْني بِصِدْقِ الْعُبُودِيَّةِ بَيْنَ يَدَيْك"(1). نعم, قد يتعرض الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) إلى الضر كالمرض، والبرد، والحر، والعطش؛ فهو وإن كان معصومًا إلاّ أنّه بشرٌ مثلنا، "كما تعتقد الشيعة الإمامية "(2). ولعله بقوله هذا أعطى درسًا بليغًا للغلاة الذين يجعلون لمقام الأئمة (عليهم السلام) مقام الألوهية، فسلك الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) مسلك أجداده الذين كانوا يحذرون من الانحراف مع الغلاة؛ حيث روي عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) أنّه قال: "لا تقولوا فينا ربا وقولوا ما شئتم ولن تبلغوا "(3). وبالتالي يجب الإذعان بأنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) يحتاج إلى الله (تعالى) ولهذا طلب الحفظ في غيبته. *وقوله: "إلى" فهذا الحرف يفيد الغاية، وانسجامًا مع سياق دعاء الإمام تكون الغاية زمانية. فيحتمل أنْ يكون المعنى: (احفظني في غيبتي حتى تأذن في ظهوري)، فظاهرًا أنّ الإمام يشير إلى درجات حفظه، فجعل حفظه في غيبته قبل ظهوره حفظًا مهمًا، يكون هو أكثر حرصًا على طلبه من الله (تعالى)؛ حتى ينجز له ربّه (تعالى) وعده الذي وعده به. ويؤيد ذلك سياق دعائه (عجّل الله فرجه الشريف) بمفرداته السابقة: "اللّهمّ احجبني عن عيون أعدائي, واجمع بيني وبين أوليائي، وأنجز لي ما وعدتني"، فوحدة السياق ظاهرة في انصراف الكلام نحو مرحلة ما قبل الظهور، وحفاظًا عليها يكون معنى (إلى) في قول الإمام "واحفظني في غيبتي إلى أن تأذن في ظهوري" بمعنى الغاية، أي احفظني قبل الظهور؛ إلحاحًا منه (عجّل الله فرجه الشريف) على الله (تعالى)، وقد تم بيان السبب أعلاه. وهذا لا يتنافى مع طلب حفظه زمن ظهوره، لكنه أحوج إليه زمن الغيبة. *وقوله: "أن تأذن في ظهوري" إنّ أمر الإذن له بالظهور راجع إلى الوقت الذي يحدده الله (تعالى)؛ "روي عن الإمام الجواد (عليه السلام): "... يجتمع إليه من أصحابه عدة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا... فإذا اجتمعت له هذه العدة من أهل الإخلاص أظهر الله أمره"(4). نعم، بعض الروايات وصفت مجريات الظهور، وكانت على ثلاثة أصناف: 1/ روايات حددت العلامات الحتمية قبل ظهور الإمام، ومنها ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "خمس علامات قبل قيام القائم: الصيحة والسفياني والخسف وقتل النفس الزكية واليماني"(5). 2/ روايات حددت وصْف سـنة ظهور الإمام، منها: ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "لا يخرج القائم إلا في وتر من السنين تسع وثلاث وخمس وإحدى"(6). 3/ روايات وصفت يـوم ظهور الإمام العلني، ومنها: ما "قال أبو جعفر (عليه السلام): كأني بالقائم يوم عاشوراء يوم السبت قائمًا بين الركن والمقام،...فيملأها عدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا"(7). لكن رغم تلك المعارف، يبقى العلم اجماليًا بالنسبة لنا؛ فيبقى هناك أمر غيبي، وهو (في أيّ سنةٍ وترية سيأذن الله (تعالى) بظهور الإمام؟). هذا ما لا يعلمه إلاّ الله (سبحانه وتعالى)، لكنه (تعالى) لم يترك عباده سدى، فقد رسم قواعد كليّة لنبيّه الخاتم محمد (صلى الله عليه وآله)، وبدوره نقلها إلى أهل بيته (عليهم السلام)، ووصلت بعضها إلينا، منها ما "روي عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله): لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من ولدي فيملأ الأرض عدلًا وقسطًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا"(8). حيث أعطت هذه الرواية قاعدة حتمية بتحقق ظهور الإمام، وبثت في العباد روح الإخلاص بالعبادة، والعمل على تهذيب النفس، والاستعداد الروحي ليوم الظهور. فزرعت فيهم الأمل لمواجهة مجهولية يوم الظهور. وأما الإمام فلا زال يترقب هلال الظهور، على مرّ العصور. وعند التأمل في روايات الظهور يظهر أنّ الظهور قسمان؛ ظهور أول سرّي أصغر، وظهور ثاني علني أكبر، وقال بذلك بعض العلماء. 1/ الظهور العلني الأكبر وهو ظهوره في مكّة المكرَّمة بين الركن والمقام في العاشر من محرَّم الحرام. 2/ الظهور السري الأصغر يمكن أن يُراد من الظهور الأصغر أحد الاحتمالين التاليين: الاحتمال الأوَّل: أن يُراد من الظهور الأصغر هو ظهور ذكره (عليه السلام) على ألسن الناس، خصوصًا بعد وقوع علامات الظهور، وأهمّها الصيحة، الأمر الذي أشارت إليه بعض الروايات الشريفة. عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «إذا نادى منادٍ من السماء: إنَّ الحقَّ في آل محمّد، فعند ذلك يظهر المهدي على أفواه الناس، ويُشربون حبّه، فلا يكون لهم ذكر غيره» كنز العمّال للمتَّقي الهندي ١٤: ٥٨٨/ ح ٣٩٦٦٥. الاحتمال الثاني: أن يُراد من الظهور الأصغر هو ظهوره الابتدائي لخاصَّة شيعته في المدينة المنوَّرة، "(9). وممكن ترجيح الاحتمال الثاني؛ بلحاظ أنّه أقرب إلى كونه ظهورًا, وأقرب إلى انطباق اللفظ (الظهور) عليه - رغم صحة الاحتمال الأول-. ومن خلال ذلك يتضح أنّ الله (تعالى) سيستجيب لدعاء الإمام "وأنجز لي ما وعدتني" فسيظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون، ظهورًا أكبر كان او أصغرا، بل كلاهما، مع اليقين بأنّ الإمام محفوظ بحفظ الله (تعالى)، كيف لا؟ وقد ادّخره لزمنٍ يطفح فيه كيل الظلم والجور! ليستبدل بذلك قسطًا وعدلاً وإيمانا. ومن خلال التأمل في روايات الظهور الأصغر يتضح لنا سبب إلحاح الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بالدعاء بأن يحفظه الله (تعالى)؛ حيث أنّ الروايات الواصلة لنا تشير إلى مهاجمة جيش السفياني للمكان الذي سيظهر به الإمام ظهورًا أوليًا سريًا، وهي المدينة المنورة، روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: "يبعث السفياني بجيش إلى المدينة فيأخذون من قدروا عليه من آل محمّد صلى الله عليه وآله ويقتل من بني هاشم رجالاً ونساءً، فعند ذلك يهرب المهدي والمنتصر من المدينة إلى مكّة، فيبعث في طلبهما وقد لحقا بحرم الله وأمنه"(10). وهناك نظرية افترضت كيفية كشف السفياني لظهور الإمام الأولي، وممارسة الإمام لمهامه بشخصيته الثانوية، غير المعلنة لجميع الناس، " فقالت: إنّ السفياني يتتبع التحركات السياسية والعقائدية وتمييز المهدوية منها من غيرها، إلى أنْ يصل لخبر ظهور الإمام، فيرسل إليه جيشًا ليعتقله"(11). ونلاحظ هنا الخطر المحدق بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) في المدينة فيما لو اعتقله جيش السفياني، ولهذا نجده (أرواحنا فداه) يلح على الله (تعالى) بالدعاء ليحفظه، بل وابتدأ دعاءه بـ"اللهم احجبني عن عيون أعدائي"، فما كشف الله (تعالى) شخص الإمام لجيش السفياني إلاّ لحكمةٍ بالغةٍ هو (تعالى) أعلم بها، ولا تعني عدم استجابة لدعاء وليّه، بل مجريات غيبه وحكمته تقتضي أن تحدث، مع إنّ الحفظ لوليّه متحقق. لذا نجد أنّ الروايات تخبرنا بأنّ الله (تعالى) سيأمر الإمام بالاختفاء من المدينة، والظهور بمكة المكرمة؛ روي عن الإمام السجاد (عليه السلام) أنّه قال: "فإذا ظهر السفياني اختفى المهدي ثم يظهر بعد ذلك"(12). ومن بعد الظهور الأصغر يظهر الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) ظهورًا أكبرًا في مكة المكرمة، ويصله قادة جيشه، ويحاججه بعض الناس هناك؛ طالبين منه الدليل على إمامته، بل خلافته على الأرض، فيؤمن بعضهم، ويعاديه آخرون، ثم يصلي الإمام بأتباعه، ويصلي بهم العشاءين، ثم يخطب بهم؛ روي عن أبي جعفر (عليه السلام): "ثم يظهر المهدي بمكة عند العشاء، ومعه راية رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقميصه وسيفه، وعلامات، ونور، وبيان، فإذا صلى العشاء نادى بأعلى صوته يقول: أذكركم الله أيها الناس، ومقامكم بين يدي ربكم، فقد اتخذ الحجة، وبعث الأنبياء، وأنزل الكتاب، وأمركم أنْ لا تشركوا به شيئًا، وأنْ تحافظوا على طاعته وطاعة رسوله، وأنْ تحيوا ما أحيا القرآن، وتميتوا ما أمات، وتكونوا أعوانًا على الهدى، ووزرًا على التقوى، فإنّ الدنيا قد دنا فناؤها وزوالها، وآذنت بالوداع، فإنّي أدعوكم إلى الله وإلى رسوله، والعمل بكتابه، وإماتة الباطل، وإحياء سنته.."(13). وبهذا يكون الله تعالى قد أنجز وعده، وحفظ وليّه. ______________ (1) مفاتيح الجنان: للشيخ عباس القمي، ص226. (2) ظ: عقائد الامامية: للشيخ المظفر, ص85. (3) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي، ج25، باب نفي الغلو، ص347. (4) معجم أحاديث الامام المهدي: للشيخ الكوراني, ج4, ص39, ح1360. (5) الكافي: للشيخ الكليني, ج8, ص310, ح483. (6) الغيبة: للشيخ الطوسي, ج1, ص473. عنه إثبات الهداة: للشيخ محمد الحر العاملي, ج ٣, ص514, ح354. (7) الغيبة: للشيخ الطوسي, ج1, ص473. عنه البحار: للعلامة المجلسي, ج٥٢ , ص٢٩٠, ح30, وإثبات الهداة: للشيخ محمد الحر العاملي, ٣ج, ص514, ح353, ومنتخب الأثر في الإمام الثاني عشر: للشيخ لطف الله الكلبايكاني, ص464, ح4. (8) الغيبة: للشيخ الطوسي, ج ١, ص445, عن إثبات الهداة: للشيخ محمد الحر العاملي, ج٣, ص514, ح350. (9) على ضفاف الانتظار: للشيخ حسين الأسدي, ص180-181. (10) معجم الملاحم والفتن/ الده سرخي ٣: ٢٣. (11) السفياني حتم مر: للسيد جلال الموسوي, ص79. (12) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج52, ص213. (13) معجم أحاديث الامام المهدي: للشيخ الكوراني, ج3, ص295, ح832. اللهم احفظ وليّك من بين يديه, ومن خلفه, وعن يمينه, وعن شماله, ومن فوقه, ومن تحته, بحفظ الإيمان, يا رحيم, يا رحمن.

العقائد
منذ سنة
732

مكرُ اللهِ (تعالى)

بقلم: علوية الحسيني جاء في دعاءٍ مروي عن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) مفادُه المكرُ بالماكرين الذين يمكرون بالإمام؛ "اللهم...وامكر بمن مكر به"(1). وظاهرُ هذه الفقرة أنّها مُتشابهة؛ أي يشتبهُ على القارئ المُرادُ منها، فهل المرادُ من المكرِ تلك الانفعالات النفسية أو شيء آخر؟ معلومٌ أنه تنزّهَ اللهُ (تعالى) أنْ يكونَ مكرُه بهذا المعنى الحاصل عندَ مخلوقاته. وهُنا عدّةُ أسئلة: ما جذورُ هذا المُتشابه؟ وكيفَ يتمُّ إحكامُه؟ وهل أنّ الإمامَ نفسَه أحكمَ المُتشابهَ في كلامه؟ جميعُ تلك التساؤلاتِ يُسلَّطُ الضوءُ عليها في المطالبِ التالية: ■المطلب الأول: الجذرُ القُرآني للمكر الإلهي لاشكَّ في أنّ هذا الدُعاءَ للإمامِ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) مُستمَدٌ من القرآنِ الكريم، ولفقرته المُتشابهة آيةٌ قرآنيةٌ مُتشابهةٌ أيضًا، وهي قولُ اللهِ (تعالى): {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ واللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِين}(2). وبالرجوعِ إلى تفسيرِ تلك الآيةِ الكريمةِ نجدُ أنّ المكرَ هو "إنزالُ المكروهِ بمن يستحقُّه...، فلذلك يقولُ اللهُ (تعالى): (خيرُ الماكرين) وقيل معناه: خيرُ المُجازين على المكر"(3). ■المطلب الثاني: إحكامُ مُتشابهِ المكر روائيًا 1/ على لسانِ الأئمةِ (عليهم السلام) لما سُئلَ الإمامُ الرضا (عليه السلام) عن تفسير قولِه (تعالى): {ومكروا ومكر الله}، قال: "إنَّ اللهَ (تبارك وتعالى) ...لا يمكرُ ولا يُخادعُ، ولكنّه (عزّ وجلّ) يُجازيهم... جزاءَ المكرِ والخديعة، (تعالى) الله عمّا يقولُ الظالمون علوًا كبيرًا"(4)، أي إنّه (تعالى) يتنزّهُ عن الاتصافِ بصفاتِ مخلوقاته؛ فليس مكرُه بالماكرين سوى مُعاقبتهم، ولهذا عدَّ الإمامُ الصادقُ (عليه السلام) الأمنَ من مكرِ اللهِ (تعالى) من أكبرِ الكبائر؛ بقوله: "إنّ من أكبرِ الكبائرِ عندَ اللهِ... الأمنَ لمكرِ الله"(5). 2/ على لسانِ الإمامِ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) رويَ عن الإمامِ المهدي (عجّل الله فرجه الله فرجه الشريف) واصفًا الله (تعالى) بقولٍ مُحكم: "يا من لا يُنعَتُ بتمثيلٍ، ولا يُمثّلُ بنظير"(6)، فها هو الإمامُ يُنزِّهُ اللهَ (تعالى) عن أنْ يكونَ له نظيرٌ حتى نقولَ هو (سبحانه) مثل كذا. وعليه، مُمكنٌ أنْ نقولَ: إنّ المُرادَ من دعائنا للإمامِ (عجّل الله فرجه الشريف) بطلبِ المكر من اللهِ (تعالى) هو مكرٌ ليس مثلَ مكرِ العبادِ الناشئ عن انفعالاتٍ نفسيةٍ، بل بمعنى أنّ اللهَ (تعالى) يمكرُ بمن يمكرُ به وبأوليائه، لكنّه مكرٌ بمعنى مُعاقبةِ الماكرين. ومن هُنا تتبيّنُ أهميةُ إرجاعِ حديثِ الإمامِ -الذي يشتبهُ علينا فهمُه- إلى الحديثِ الذي يُفهَم -المُحكم-؛ فمن اشتبهَ عليه معنى مكرِ اللهِ (تعالى) فليرجعْ إلى كلامِ الإمامِ المُحكم، ومنه ما رويَ في أعلاه. _____________________ (1) الدّعاء في زمان غيبة القائم. عن أبو محمّد الحسن بن أحمد المكتّب, قال حدّثنا أبو عليّ بن همّام بهذا الدّعاء, وذكر أنّ الشّيخ (قدّس الله روحه) أملاه عليه وأمره أن يدعو به وهو الدّعاء في غيبة القائم (عليه السلام) في كمال الدين واتمام النعمة: للشيخ الصدوق, ج2, ص ٥١٢, وبحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج53, ب31, ص ١٨٧. (2) سورة الأنفال: 30. (3) تفسير مجمع البيان: للشيخ الطبرسي, ج4, ص458. (4) التوحيد: للشيخ الصدوق, ب21, ح1. (5) الكافي: للشيخ الكليني, ج2, باب الكبائر, ح4, ص27. (6)عيون أخبار الرضا (عليه السلام): للشيخ الصدوق , ج1, ص185.

دراسات مهدوية
منذ شهرين
91

تجلياتٌ معرفية في الخطاب المهدوي (10)

بقلم: علوية الحسيني "وأحي بي ما دُرِسَ من فروضك وسننك" يواصل الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) دعاءه, طالبًا من الله تعالى أن يحيي به الفرائض والسنن. *فقوله: "أحي" يقال: "أحْياهُ: جَعَلَهُ حَيًّا"(1). *وقوله: "ما دُرِسَ" فعل مبني للمجهول من انْدَرَسَ, أي "انْطَمَسَ" (2). وقوله: "من فروضك" مستخدمًا الحرف (مِن) للتبعيض، ولعلها بيانية. والفرض: هو "ما أَوْجَبه اللّه عزّ وجلّ، سمي بذلك لأَنَّ له مَعالِمَ وَحُدُوداً" (3). وقوله: "سننك" جمع سنّة, و"السُّنَّةُ (في الشرع): العملُ المحمودُ في الدين مما ليس فَرْضًا ولا واجبًا" (4). وواقعًا هناك فرائض وسنن مندرسٌ أثرها, هي أحكام لله تعالى يريدها, فيدعو الإمام ربّه بأن يحييها على يديه, حين ظهوره (عجّل الله فرجه الشريف)؛ بكشفها لهم, ومنعهم من العمل بالمبتدع بها, أو المغيّر عليها -حسب القياس, أو المصالح المرسلة, أو سد الذرائع-. وبالتالي سيحصر الإمام مصادر استنباط الحكم الشرعي بالقرآن الكريم, والسنة النبوية القطعية -أقوال وأفعال وسكوت النبي وآله (عليهم السلام)-. واندراس تلك الفرائض والسنن يرجع إلى جملة من الأسباب, "منها: أولاً: أسباب خارجية, كغزو البلاد, أو احتلالها الذي أدى إلى تدمير العديد من المكتبات الشيعية, التي تحتوي على كتب متضمنة للفرائض والسنن المروية عن محمدٍ وآل محمد (عليهم السلام). ثانيًا: أسباب داخلية, كالحقد الطائفي الذي أعمى البعض وأدى بهم إلى حرق بعض تراثنا, فسبب اندراساً جزئياً لبعض الفرائض والسن" (5). لكن بعد ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) يعرّف الناس بنفسه, وبدين الله تعالى, ويطلب منه الناس الأدلة والبراهين على صدق ما يدعوهم إليه, فيقوم الإمام بوظيفته تلك, فيبلغهم معالم دين الله تعالى الواقعي, بأصوله, وفروعه, ويهذّب الموروث الروائي المنسوب إلى محمدٍ وآل محمد (صلى الله عليه وآله)؛ لذا جاء في بعض الروايات أنّه (عجّل الله فرجه الشريف) يعيد الإسلام جديدًا؛ "فعن عبد الله بن عطاء المكّي، عن شيخ من الفقهاء - يعني أبا عبد الله (عليه السلام)-، قال: سألته عن سيرة المهدي كيف سيرته؟ فقال: «يصنع كما صنع رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، يهدم ما كان قبله كما هدم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمر الجاهلية، ويستأنف الإسلام جديداً"(6). والتجديد لازمه الاحياء, فيُحيي ما اندرس من الفرائض والسنن المعطلة. ولا مناص من كونها معطلة, وإلاّ ما الغاية من إحياء الإمام لفريضة أو سنة متبعة! والدليل على ذلك التجديد ما نقرأه في فقرات دعاء العهد: "واجعله اللهم... ومجددًا لما عطل من أحكام كتابك" (7) فظاهر مفردة التجديد هو (غير) أحكام الدّين التي نحن عليها, وإلاّ فالدّين الإسلامي هو هو, لقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَام} (8), وبالتالي لابد من معرفة ما هو التجديد الذي سيقوم به الإمام المهدي (عجّل الله فرجع الشريف) في الدّين. ذلك "التجديد يحتمل عدّة أوجه" (9): 1- التجديد بإحياء علوم الدّين الواقعية, التي هي عند الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف), أما ما عندنا اليوم من علوم فأغلبها ظاهرية؛ أي أنها ممكن أن تصيب الواقع, وممكن أن لا تصيبه, "لكننا معذورون شرعًا أمام الله تعالى لو اتضح عدم اصابة أحكامنا الواقع؛ لأنّنا لم نقتحم الشبهة حال الشك بالحكم الواقعي, فالفقيه معذور شرعًا؛ لأنّه اجتهد وفق دليل ظني قد جعل الشارع المقدس له الحجية, فاستنبط حكمًا ظاهريًا بديلاً عن الواقعي المشكوك, وحدد وظيفة كلّ مكلّفٍ تجاه ربّه, وكذا المكلف معذور شرعًا؛ لأنّه لم يقتحم الشبهة, أي لم يرتكب ما هو مشكوك في حرمته, ولم يترك ما هو مشكوك في وجوبه" (10). 2- التجديد ببيان معالم دين الله تعالى جميعها, التي تعمّد مخالفوه وضع الأحاديث ودسّها ونسبتها للنبي وآله (عليهم السلام), فيأتيهم الإمام بمعالم دينٍ حقيقية غير محرّفة, صادقة غير مكذوبة, منجية غير مهلكة, فيرونَ الدّين بحلّته الجديدة. 3- التجديد ببيان ما نسيَ بيانه بعض الرواة؛ نتيجة الظروف القاهرة التي أصابت التراث الشيعي من الحرق والإتلاف آنذاك. 4- التجديد باعتبار (الإمامة) أصلاً من أصول الدّين, فيرى منكروها الدّين جديدًا. 5- التجديد من خلال القضاء على البدع التي يثيرها المغرضون ضد الدّين الإسلامي؛ بإدخال ما ليس من الدّين فيه, أو بإحياء بدعة وإماتة سنة, فيغيرّون بالدّين تعمدًا, وهنا يظهر دور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)؛ كما جاء في دعاء الاستغاثة به: "اللهم جدد به ما محي من دينك وأحيي به ما بدل من كتابك وأظهر به ما غُيِّر من حكمك حتى يعود دينك به وعلى يديه غضاً جديداً خالصاً مخلصاً لا شك فيه ولا شبهة معه ولا باطل عنده ولا بدعة لديه" (11). وبعد معرفة كيفية تجديد الدين على يدي الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف), ينبغي معرفة كيف سيُحيي ما جدّد من الفرائض والسنن. فمن يتأمل في ظاهر الحديث المروي عن الهروي حينما سمع الإمام الرضا (عليه السلام) يقول: "أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا. قال له: يا بن رسول الله وكيف يحيا أمركم؟ قال: أن يتعلم علومنا ويعلمها الناس؛ فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لتبعونا" (12), يحكم عقلاً بأنّ جدور هذا الحديث راجع إلى آباء الإمام الرضا (عليه السلام)؛ فمروياته مرويات محمد وآله (عليهم السلام), وبما أنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) ضمن الآل, فتعيّن أنّه سيعلّم الناس علوم أجداده (عليهم السلام) الواقعية. وبما أنّنا نعتقد أنّ قول وفعل وسكوت المعصوم حجّة, وأنّ إحياء علوم الدّين لا يكون إلاّ من خلال القول تبليغًا, والفعل امتثالاً, والسكوت تطبيقًا, فتكون الفريضة والسنة المتجددتان حجّة على العباد آنذاك. إذًا كل اطر العملية التبليغية التي سيقوم بها بهدف تعليم الناس علوم محمد وآل محمد (عليهم السلام), يعدّ إحياءً لعلوم الدّين. لذا نجد الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف), المبلغ الرسالي, أُلقي على عاتقه مهمة الأنبياء –تبليغ رسالات السماء-, وإحياء الدّين, كسلفه (عليهم السلام). إلاّ أنّ إحياءه للدّين سيكون مختلفًا نوعًا ما عن إحياء أجداده (عليهم السلام)؛ نظرًا لطول غيبته (عجّل الله فرجه الشريف) التي استغلها البعض في إماتة السنن, وإحياء البدع, بل وتبديل دين الله تعالى الواقعي, على اختلاف مذاهبهم الفقهية. ولازم دعاء الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) أنّه يحيي أيضًا أصول الدّين؛ لأنّه لا عمل بفروع الدّين ما لم يتم الإيمان بأصوله؛ فحين ظهوره سيبلّغ الناس العقيدة الحقّة, بتنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق بساحة جلالته, مما نسبت إليه الأديان والمذاهب والفرق الضالة, وكذا يبلغهم حقيقة العدل الإلهي, ويبطل الجبر والتفويض الذي قالت به بعض الفرق الكلامية, ويثبت أصالة الإمامة بين أصول الدّين, ودورها الرابط والمهم, ويعرّج على المعاد, ويشير إلى حقائق لم تكن تطرق اسماع البعيدين عن عقيدة محمد وآل محمد (عليهم السلام)؛ لأنّهم لم يستمدوا علومهم من العترة المحمدية (عليهم وعلى سيدهم السلام). كما ويلزم من دعائه (عجّل الله فرجه الشريف) أنّه سيُحيي أخلاق الدّين المندرسة بسبب تشتت الأهواء, والابتعاد عن الأخلاق القويمة في زمن الغيبة؛ نتيجة الفتن, والابتلاءات التي انجرف معها كثيرون. وإلاّ كيف يُحيي الإمام الفرائض والسنن المندرسة وأخلاقهم ليست أخلاقًا محمدية؟! إذًا الهرم المعرفي الثلاثي (اصول الدّين, وفروعه, وأخلاقه) لا يمكن تثنيته, ولا توحيده بالإحياء. ________________ (1) القاموس المحيط: للفيروز آبادي, ج4, ص322. (2) المصدر نفسه, ج2, ص215. (3) لسان العرب: لابن منظور, ج7, ص202. (4) المعجم الوسيط: مادّة (سنن) و(بدع). (5) ظ: التراث المهدوي استقراء التطور الفكري في مسيرة التراث المهدوي الشيعي: لمجتبى السادة, ف11. (6) الغيبة: للنعماني, ص٢٣٦, ب ١٣, ح13. (7) مفاتيح الجنان: للشيخ القمي, دعاء العهد, ص603. (8) سورة الرعد: 19. (9) ظ: شذرات مهدوية: للشيخ حسين الأسدي, الشذرة20, ص265-272. (10) ظ: اصول الفقه, للسيد محمد باقر الصدر, ج3, ص26. (11) المزار: لمحمد بن المشهدي, ص٦٦٩. (12) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج2، ص30، ح13. اللهم جدّد بوليّك ما مُحي من دينك, وأحيي به ما بُدّل من كتابك, وأظهر به ما غُيِّر من حكمك, حتى يعود دينك به وعلى يديه غضاً جديداً خالصاً مخلصاً, لا شك فيه, ولا شبهة معه, ولا باطل عنده, ولا بدعة لديه, بحق محمدٍ وآله الطاهرين.

العقائد
منذ سنة
567

الصيحتان الجبرائيلية والإبليسية (دراسة مقارنة) المبحث الأول: الصيحة الجبرائيلية (١)

بقلم: علوية الحسيني ■تمهيد بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله ربّ العالمين, وصلى الله على سيّدنا محمدٍ وآله الطاهرين. لا شك في أنّ القضية المهدوية تشكّل جزءً كبيرًا من المنظومة المعرفة, رغم اندراجها تحت حقل العقيدة، وبالتالي لا يمكن البحث فيها, أو القراءة عنها إلّا بعد التثبت من العقيدة. ولهذه القضية علامات حتمية, ورد في الروايات الشريفة أنّ هناك خمس علامات, لا بد من تحققها قبل ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف), منها: الصيحة, أو النداء السماوي. والحتم: هو "اللازم الواجب الذي لا بد من فعله. وحتم الله الأمر يحتمه: قضاه" (1). فهي في عالم الثبوت ثابتة, أما في عالم الإثبات فأصل ثبوتها ثابت, إلاّ أنّ الاختلاف حاصل في إدراك كيفيّتها. والصيحة صيحتان: جبرائيلية لا نستطيع أخذ معناها اللغوي؛ لأنّها لا تعني العذاب, بل هي مجرد دال على مدلول, وهي ضرورة اتباع الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) -كما سيأتي-. وفي قبالها توجد صيحة إبليسية تضلل الناس عن اتباع الصيحة الأولى. ولا زال الأبالسة يعدّون لها منذ سنوات, ساعين لتحقيق هدفهم. كما وشاع في الآونة الأخيرة كلام الناس حول الصيحة, ووصفوها بوصفٍ لم يرد في الروايات, بل وزعموا أنّها قاتلة، والبعض الآخر أخذ يروج لتحليلاته الشخصية، وهناك من يتبعه! فنظرًا لأهمية هذا الموضوع الذي أثار لغطًا بين الناس, وخلطًا بالمفاهيم سيتم فرد كلّ من الصيحتين في مبحث مستقل بدراسةٍ مُجملة. ■المبحث الأول: الصيحة الجبرائيلية: حدث جاء التأكيد عليه في الروايات الحتمية لظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف), ولبيان هوية هذه الصيحة لا بد من الوقوف على مصدرها, ووقتها, ومضمونها, وهدفها, والدليل على اعجازها, وهذا ما سيتم التطرق له ضمن المطالب التالية: ▪️المطلب الأول: مَصدر ومُصدر الصيحة: إنّ مَصدَر الصيحة الجبرائيلية هو السماء, ولذا تُسمى بـ(الصيحة الجبرائيلية)؛ إشارةً إلى مُصدِرها وهو المَلَك جبرائيل (عليه السلام). وهذا أمرٌ ممكن؛ وهو نظير الصوت الذي خلقه الله تعالى وكلّم به نبيّه موسى (عليه السلام). ونظير الصوت الذي سوف يصدره المَلَك اسرافيل (عليه السلام) في نفخة الصور -الإماتة, والإحياء-، وجميع ذلك خاضع لهيمنة وسلطنة وعلم الله تعالى. ▪️المطلب الثاني: وقت الصيحة الجبرائيلية: ذكرت الروايات أن وقت الصيحة سيكون في ليلة الثالث والعشرون من شهر رمضان المبارك, الموافق يوم الجمعة المبارك. وهذا الأمر: أولاً: محتوم صادر عن لسان أهل البيت (عليهم السلام). وثانيًا: إنّ عدم بيان هذا الحدث الكوني المهم نقض لغرض الأئمة (عليهم السلام) من ارشاد شيعتهم خصوصًا, والمسلمين عمومًا إلى التثقيف لهذه الصيحة, بل ونقض لغرض الله (تبارك وتعالى) من جعل الأئمة امتدادًا لوظيفة النبي (عليه وعليهم السلام) من تحقيق اللطف بعباده. وظاهرًا أنّ وقت الصيحة اختاره الله تعالى, وحتّمَ أمره؛ لسببين: 1- كون شهر رمضان أفضل الشهور. 2- كون قلوب المسلمين في هذا الشهر مقبلة على الله (تبارك وتعالى). 3- لحكمةٍ خفية هو (تعالى) أعلم بها. 4- ليلفت نظر غير المؤمنين إلى أحقيّة المذهب الشيعي؛ حيث إنّ أئمة هذا المذهب حصروا ليالي القدر -رغم مجهوليتها تحديدًا- بين ليلة التاسع عشر, والواحد والعشرون, والثالث والعشرون؛ كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "في ليلة تسع عشرة من شهر رمضان التقدير وفي ليلة إحدى وعشرين القضاء وفي ليلة ثلاث وعشرين إبرام" (2). أما غير المؤمنين فطبقًا لما هو مروي في كتبهم إنّ ليلة القدر كل ليلة وترية ضمن العشر الأواخر من شهر رمضان (3). 5- ليلفت نظر غير المسلمين إلى أحقية الدّين الإسلامي, حيث إنّ يوم الصيحة هي ليلة القدر, وليلة القدر هذ الليلة التي نزل فيها القرآن الكريم على قلب النبي الخاتم محمد (صلى الله عليه وآله), كتاب الدّين الخاتم, الذي سوف يسود العالم بقيادة المنقذ العالمي الموعود, المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الرشيف). ▪️المطلب الثالث: مضمون الصيحة الجبرائيلية: إنّ مضمون الصيحة هي ضرورة اتباع قائم آل محمد (عجّل الله فرجه الشريف)؛ فقد وردت رواية عامة عن الإمام الصادق (عليه السلام) روي أنّه قال فيها: "...يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إِنَّ قُدَّامَ هَذَا الأَمْرِ خَمْسُ عَلامَاتٍ:... وَلا يَخْرُجُ القَائِمُ حَتَّى يُنَادى بِاسْمِهِ مِنْ جَوْفِ السَّماءِ فِي لَيْلَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ (فِي شَهْرِ رَمَضانَ) لَيْلَةِ جُمُعَةٍ, قُلْتُ: بِمَ يُنَادى؟ قَالَ: بِاسْمِهِ وَاسْم أَبِيهِ: أَلا إِنَّ فُلانَ بْنَ فُلانِ قَائِمُ آلِ مُحَمَّدٍ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوهُ، فَلا يَبْقَى شَيْءٌ خَلَقَ اللهُ فِيهِ الرُّوحَ إِلَّا يَسْمَعُ الصَّيْحَةَ، فَتُوقِظُ النَّائِمَ وَيَخْرُجُ إِلى صَحْنِ دَارِهِ، وَتَخْرُجُ العَذْرَاءُ مِنْ خِدْرِها، وَيَخْرُجُ القَائِمُ مِمَّا يَسْمَعُ، وَهِيَ صَيْحَةُ جَبْرَئِيلَ (عليه السلام" (4). ولا بد من الوقوف عند بعض مضامين هذه الرواية, ضمن النقاط التالية: 1- كيف تخرج العذراء من خدرها؟ ظاهرًا أّنّ الخروج حقيقي, فهو كناية عن شدّة الفزع من صوت الصيحة, حيث إنّ الاذن البشرية تألف الأصوات المعتادة, فيكون من باب فزعها ذلك الخروج, بقرينة سياقية متصلة سابقة لسياق هذه الجملة, وهي "فَتُوقِظُ النَّائِمَ وَيَخْرُجُ إِلى صَحْنِ دَارِه", ولاحقة لها, وهي "وَيَخْرُجُ القَائِمُ مِمَّا يَسْمَع". فممكن حمل خروج الرجل (النائم والقائم والمستيقظ من نومه على أثرها) إلى صحن داره على أنّه يخرج ليترقب ويتتبع مصدر الصوت, وهي دلالة فعلية, وجدانية, نلتمس وجودها في واقعنا المعاش, نظير أنّكَ اليوم عندما تسمع صوت جرس الباب يدق, تتوجه إلى الباب لترى من الطارق, ونظير ما إذا سمعت صوت انفجارٍ مدوٍ تهرع إلى الشارع مصدر الصوت لترى ما حصل. وهكذا تخرج النساء لترى ماذا حصل في السماء, فممكن حمل (خروجهنّ من خدورهن) على (خروجهنّ من بيوتهنّ ليرينَ ما حصل في السماء)؛ فالخدر لغةً هو: " سِتْرٌ يُمَدُّ للجارية في ناحية البيت ثم صار كلُّ ما واراك من بَيْتِ ونحوه خِدْراً, الخدر هو المتعارف لغةً، وهو: " سِتْرٌ يُمَدُّ للجارية في ناحية البيت ثم صار كلُّ ما واراك من بَيْتِ ونحوه خِدْراً" (5). أما هدف الصيحة وإعجازها يأتي لاحقًا إن شاء الله تعالى. _________________ (1) لسان العرب: لابن منظور, ج12, ص113. (2) الكافي: للشيخ الكليني, ج4, ص١٦٠, باب ليلة القدر. (3)ظ: البخاري في (الاعتكاف) باب الاعتكاف في العشر الأواخر برقم 1986، 1992، والترمذي في (الصوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) باب ما جاء في ليلة القدر برقم 792. (4) الغيبة: للنعماني, ص301, ب16, ح6. (5) لسان العرب: لابن منظور, ج4, ص230.

دراسات مهدوية
منذ سنة
2202

المبحث الأول: الصيحة الجبرائيلية (٢)

بقلم: علوية الحسيني ▪️المطلب الرابع: هدف الصيحة الجبرائيلية: تعتقد الشيعة الإمامية أنّ الله (تبارك وتعالى) عادل حكيم, لا يفعل عبثًا, فبالتالي كل فعلٍ من أفعاله نابع عن حكمةٍ منه, وعائد بالنفع على عباده. فمن عدله (تبارك وتعالى) أنّه دلّ عباده على الطريق القويم من خلال آية كونية, ليتفكروا بها وبمضمونها, ويصلوا إلى الحق بصورة أسرع. وهذا نظير أنّك إذا ذهبتَ ضيفًا لأحد أقاربك, ولم يشخص موقع منزله تحديدًا, ولم يعيّن لك أقرب نقطة دالة, فإنّ تصرفه هذا غير راجح عقلاً, بل غير لائق مع كرمه؛ فكيف يدعوك لضيافته دون أن يرشدكَ إلى مكان الضيافة! فهكذا أكرم الأكرمين, الله (تبارك وتعالى) جعل الصيحة الجبرائيلية تمهيدًا لظهور منقذ البشرية, وأمرنا باتباع وليّه حين ظهوره, وهذا حسب منطوق الرواية. أما مفهومها فيدل على اجتناب الشر وأهله, وهو السفياني وجيشه. وما ذلك إلّا لطف منه بعباده, وتحنن عليهم؛ تحقيقًا لغرضه, وهو الوصول بهم إلى الكمال, والحكيم مَن حقق غرضه, والعادل مَن أجرى مسببات رضاه. ▪️المطلب الخامس: اعجاز الصيحة الجبرائيلية إنّ الصيحة أمر خارق للعادة, يعجز البشر عن الإتيان بمثله –رغم محاولات اتباع ابليس في صيحتهم, كما سيأتي في المبحث القادم-. وإلّا كيف يفهم جميع أهل الأرض لغة الصيحة رغم اختلاف لغاتهم؟ وهذا سؤال واقعي, لا مفر منه, وطالما نحن بصدد بيان هوية الصيحة, ودراسة وتحليل مفرداتها، تعيّن التعرض لجوابه, الذي يحتمل عدّة وجوه متغايرة: 1- فيزيائيًا: على فرض أنّ جبرائيل (عليه السلام) سيحمل أداةً صوتية يتكلم بها-نظير ما للمَلَك اسرافيل (عليه السلام) مِن صورٍ ينفخ فيه- "فإنّ الصوت المنبثق من الجهاز يتعرض للضغط الجوي, مما يؤدي إلى تموجه, فيصل إلى بقاع الأرض بصورةٍ تدريجية, وهذا ما يسمى بالموجات ثلاثية الأبعاد" (12). وبالتالي ممكن أن تكون الموجة الأولى بلغةٍ معينة, والموجات الأخر بلغاتٍ مغايرة للأولى. *وقد يشكل على هذا الاحتمال بالقول: إنّ عدم استقامة الصوت وتموجه يتحقق بالقرب والبعد بين مصدر الصوت والسامع, والحال أنّ جبرائيل (عليه السلام) في السماء السابعة حين اصداره للصوت, والأرض قريبة عن السماء, فلا يتحقق التموج, بل يصل بسرعةٍ واحدة! - فممكن أن يُجاب: بأنّ الأرض كروية، فبالتالي تصلها موجات صوتية متعددة لا بسرعةٍ واحدة. ومهما تعددت الإشكالات, يبقى الإعجاز قائمًا, ويكفينا صحة الروايات بشأن هذا الحدث الكوني المحتوم. 2- روائيًا: الرواية جعلت فاعل النداء مبني للمجهول, بقولها: "حَتَّى يُنَادى بِاسْمِهِ مِنْ جَوْفِ السَّماء", نعم, يبقى اسم الصيحة جبرائيلية, لكن غموض هذه الرواية يجعلنا نتأمل في رواية أخرى, تقول أنّ لكلّ بلدٍ ملائكة, وهم يتولون أمر تبليغ كل بلدة بنص كلام الصيحة, "سُئِلَ أبو عبد الله (عليه السلام) عن العلَّة في الصيحة من السماء كيف يعلمها أهل الدنيا والصيحة هي بلسان واحد ولغات الناس تختلف؟ فقال: إنَّ في كلِّ بلد ملائكة موكَّلون، فينادي في كلِّ بلد ملك بلسانهم..." (13). فهنا تتعدد الاحتمالات بشأن لغات الصيحة, "وهناك من العلماء من جمع بين الروايتين, وخرج باحتمالاتٍ موضوعية, هي: 1- إنّ جبرائيل (عليه السلام) أخِذ طريقًا للإشارة إلى أنّ الملائكة هم الذين يصدرون الصيحة. 2- إنّ جبرائيل (عليه السلام) يأمر الملائكة بإصدار الصيحة, وكل ملك بلغةِ البلد يفهم بلدته. 3- إنّ جبرائيل (عليه السلام) والملائكة يتقاسمان الصيحة, فيبدأها هو (14). ورغم دقة واحتمالية وقوع جميع الاحتمالات, يرجّح الاحتمال الأخير منها؛ للحفاظ على اسم الصيحة وتسميتها بفاعلها, مع قرن مساعدة ملائكة كلّ بلد لجبرائيل (عليه السلام), فجبرائيل (عليه السلام) رغم ما له من منزلة عظيمة, فلا يستبعد وجود ملائكة يترأسهم, ويؤيد هذا ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) من تعدد الأمناء على الوحي من الملائكة, وما يطرق اسماعنا هو فقط جبرائيل, فكثرتهم لازمها تفضيل أحدهم عليهم, وهو جبرائيل (عليه السلام): " وَمِنْهُمْ أُمَنَاءُ عَلَى وَحْيِهِ، ‏وأَلسِنَةٌ إِلَى رُسُلِهِ، وَمُخْتَلِفُونَ بِقَضَائِهِ وَأَمْره" (15). ________________ (12) ظ: أساسيات الفيزياء: لفريدريك بوش ، دافيد جيرد. (13) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج59, ص193, ح55. (14) ظ: الصيحة قراءة في أعماق الصوت: للشيخ حسين الأسدي, مجلة الموعود, العدد ٢/ ذو الحجة/ ١٤٣٧هـ. (15) نهج البلاغة: ج1, ص19.

دراسات مهدوية
منذ سنة
1032

المبحث الثاني: الصيحة الإبليسية (١)

بقلم: علوية الحسيني عرفنا في الروايات الشريفة أنّ هناك خمس علاماتٍ حتمية, لابد من تحققها قبل ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف), ومنها: الصيحة. وعرفنا هوية الصيحة الجبرائيلية, ولابد من معرفة هوية الصيحة التي تقابلها, وهي الصيحة الإبليسية, وبما أنّ الصيحة الأولى من العلامات الحتمية, كذلك العلامة الثانية كذلك, فلازم اللازم لازم. ونظرًا لأهمية هذا الموضوع أُفرد في مبحثٍ مستقل, وسيتم بيان هوية هذه الصيحة, من مصدرها, ووقتها, ومضمونها, وهدفها, ونفي اعجازها, وذلك ضمن المطالب التالية: ▪️المطلب الأول: مَصدَر ومُصدِر الصيحة الإبليسية إنّ مَصدر الصيحة الإبليسية هو الأرض, ولذا يُعبر عنها (بصيحة ابليس)؛ إشارةً إلى مُصدِرها وهو -ظاهرًا- ابليس اللعين الذي طرده الله تعالى من الجنة, فنزل من السماء, وسكن الأرض, هو وذريته. وهذه الصيحة أرضية, لا دخالة للملائكة بها, بل هي من فعل ابليسي. فبعد طرد ابليس من الجنة إلى الأرض, شكّل له أعوانًا وجنودًا, كما أخبرنا الله تعالى: {وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُون} (18), فلا يستبعد أن ينفذ الصيحة أحد جنود ابليس, وهم الشياطين من الجن, بل لا يستبعد أن يكونوا من الإنس الكفرة؛ بدليل الآية الكريمة: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} (19), التي جاء في تفسيرها أنّ "الأزّ هو التحريك بشدة وإزعاج, والمراد تهييج الشياطين إياهم إلى الشر والفساد وتحريضهم على اتباع الباطل وإضلالهم بالتزلزل عن الثبات والاستقامة على الحق" (20). وإرسال الشياطين على الكفرة وطلبهم فعل الشر والفساد "ليس جبرًا من الله تعالى؛ بل هم الذين جعلوا الشيطان عليهم ولهم وليًا, فهيمن عليهم, وجعلهم أداةً طيّعة" (21) وبالتالي فكل إنسان يعصي الله تعالى فهو موالٍ للشياطين, وجنود ابليس, ويشكلون حزبًا خاصًا بهم, بقيادة شيطانهم الأكبر -الذي يحتمل أن يكون من الإنس أيضًا- أسماهم الله تعالى بحزب الشيطان؛ بقوله: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُون} (22). إذًا مَصدَر الصيحة الإبليسية هو الأرض, ومُصدِرها هو إمّا ابليس, أو أحد شياطينه, أو أحد مواليهما من الإنس الكفرة. وما طرق أسماعنا اليوم من وجود مشروع ماسوني, يسمى بمشروع (الشعاع الأزرق -الهيلوغرافيا-), الذي عملت الجهات الصهيوأمريكية على انشائه منذ أكثر من عشر سنوات تقريبًا, ممكن أن يكون أبرز مصداقٍ لهذه الصيحة. وهذا المشروع "هو مشروع اصدار أصوات يسمعها جميع أهل الأرض, يخيّل للناس أنّه صادر من السماء, الهدف منه هو تشكيك الناس بعقائدهم, إلى أن يتخلوا عن أديانهم. ولعلّ الغرض الأسمى لهم هو التمهيد لهيمنتهم الدولية بقيادة المسيح الدّجال, الذي يرجون له" (23) ▪️المطلب الثاني: وقت الصيحة الإبليسية إنّ وقت هذه الصيحة هو آخر نهار اليوم الثالث والعشرون من شهر رمضان المبارك, الموافق يوم الجمعة. وتأتي هذه الصيحة كردّة فعلٍ على الصيحة الجبرائيلية –المشار إليها في المبحث الأول- أولاً وبالذات. وزمن الصيحة هذه يؤيد القول بأنّ مُصدِر الصيحة هم أناس كفرة, أتباع الشيطان؛ حيث إنّ الشياطين الجنيّة مغلولة الأيدي في شهر رمضان المبارك, فلا تستطيع الضر بالمؤمنين, لحكمةٍ من الله تعالى. إذًا هذا المطلب يكون تأييدًا للمطلب السابق, ففاعل الصيحة الإبليسية هو من فعل فاعل إنسي, كافر, ذي طباع وغايات إبليسية. ▪️المطلب الثالث: مضمون الصيحة الإبليسية إنّ مضمون الصيحة الكافرة هذه هو اتباع الخط المخالف لأهل البيت (عليهم السلام) المتمثل بالسفياني؛ حيث إنّه يخرج في شهر رجب, وتحصل الصيحة بعد شهرين من خروجه –في شهر رمضان كما علمنا في المطلب الثاني-. ولو لاحظنا الروايات لوجدناها تدرجت بتعريفنا بشخصية الشخص الذي يُصاح باسمه, فكانت على ثلاثة أصناف: 1- روايات مطلقة, منها ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: فِي آخِرِ النَّهَارِ صَوْتُ المَلْعُونِ إِبْلِيسَ يُنَادِي: أَلا إِنَّ فُـلاناً قُتِلَ مَظْلُوماً، لِيُشَكِّكَ النّاسَ وَيَفْتِنَهُمْ، فَكَمْ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ مِنْ شَاكٍّ مُتَحَيِّرٍ قَدْ هَوى فِي النَّارِ... وَالصَّوْتُ الثَّانِي مِنَ الأَرْضِ، وَهُوَ صَوْتُ إِبْلِيسَ اللَعِينِ، يُنَادِي بِاسْمِ فُلانٍ أَنَّهُ قُتِلَ مَظْلُوماً، يُرِيدُ بِذَلِكَ الفِتْنَةَ، فَاتَّبِعُوا الصَّوْتَ الأَوَّلَ [الصيحة الجبرائيلية]، وَإِيَّاكُمْ وَالأَخِيرَ أَنْ تُفْتَنُوا بِه" (24), فلعلّ جواب الإمام كان مناسبًا لإدراك الشخص السائل, فكان مطلقًا, دون أن يشخّص له المصداق. 2- روايات أخرى مصرّحة باسم ذلك الشخص, وهو عثمان؛ روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "قلت: وكيف يكون النداء؟ قال: ينادي مناد من السماء أول النهار يسمعه كل قوم بألسنتهم: ألا أنّ الحق في علي وشيعته. ثم ينادي إبليس في آخر النهار من الأرض: ألا أنّ الحق في عثـمان وشيعته فعند ذلك يرتاب المبطلون" (25). ولو رجعنا إلى كتب اللغة لوجدنا معنى اسم عثمان هو "فرخ الثعبان، وقيل: فرخ الحية ما كانت، وكنية الثعبان أبو عثمان" (26), فمن خلال هذه الرواية نفهم أنّ عثمان المنادى باسمه هو عدو المنادى باسمه في الصيحة الجبرائيلية (قائم آل محمد عليه وعليهم السلام) وقد يُفهم أنّه عثمان بن عفان باعتباره الخط المعارض, حيث كان عثمان خليفة جائرًا, ولم يكن أمير المؤمنين (عليه السلام) راضيًا على حكمه, فعندما قتل عثمان اتّهم أتباعه الإمام علي (عليه السلام), "فلعلّ الصيحة الإبليسية تريد اثارة الفتنة بين أتباع علي (عليه السلام) –ومن ضمنهم الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) ومن آمن بالصيحة الجبرائيلية وبين أتباع عثمان" (27) 3- روايات مصرّحة بنسب ذلك الشخص المصاح باسمه, وهو سفياني اللقب والمنهج, روي عن الصادق (عليه السلام): "...ثم ينادي ابليس في آخر النهار: ألا إن الحق مع الـسفياني وشيعته فيرتاب عند ذلك المبطلون." (28) يذكر أنّ شخص السفياني قد أوضحه الإمام السجاد (عليه السلام) فقال: "هو من ولد عتبة بن أبي سفيان" (29), ولا يخفى عداء الأمويين للعلويين, وقد بيّن لنا الإمام الصادق (عليه السلام) جذور ذلك العداء بقوله: "إنّا وآل أبي سفيان أهلُ بيتين تعادينا في الله، قُلنا: صَدَق الله، وقالوا: كَذَب الله، قاتل أبو سفيان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقاتل معاوية عليَّ بن أبي طالب، وقاتل يزيدُ بنُ معاوية الحسين بن علي عليه السلام، والسفياني يقاتل القائم" (30), فثبت بذلك أنّ المصاح باسمه هو عدو قائم آل محمد (عليهم السلام) والجمع بين الثانية والثالثة يكون بأن المقصود من هذه الأسماء هي الإشارة إلى الخط المخالف لأهل البيت (عليهم السلام) كما تقدم. هدف الصيحة الإبليسية، ونفي إعجازها. يأتي لاحقًا إن شاء الله تعالى. ________________ (18) سورة الشعراء: 95. (19) سورة مريم: 83. (20) الميزان في تفسير القرآن: للسيد محمد حسين الطباطبائي, ج14, ص109. (21) ظ: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: للشيخ ناصر مكارم الشيرازي, ج9, ص503. (22) سورة المجادلة: 19. (23) ظ: حقيقة مشروع الشعاع الأزرق ( الهيلوغرافيا ): للكاتب أحمد سيف الدين سكاف. (24) الغيبة: للنعماني: ص262, ب14, ح13. (25) الغيبة: للشيخ الطوسي, ص435. (26) لسان العرب: لابن منظور, ح12, ص385. (27) مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عليه السلام), الأسئلة والأجوبة المهدوية, س127. (28) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج52, ص206. (29) الغيبة: للشيخ الطوسي, ص444. ح437. (30) معاني الأخبار: للشيخ الصدوق, ص346, ح1.

دراسات مهدوية
منذ سنة
1614

المبحث الثاني: الصيحة الإبليسية (٢)

بقلم: علوية الحسيني ▪️المطلب الرابع: هدف الصيحة الإبليسية إنّ من يكون عدوًا لله تعالى ولرسله (عليهم السلام) فإن هدفه هو كفر الناس بالله تعالى, وبجميع رسله وشرائعهم. وما نلحظه من هذا الحدث الحتمي هو اضلال الناس عن اتباع الحق, لكن هذا الإضلال يتفاوت بالدرجات حسب فئات السامعين للصيحة, والتفصيل كالتالي: 1- غير المسلمين: إنّ سائر الأديان, ومن لا دين لهم لا يعني لهم (السفياني) المنادى باسمه, لعدم إيمانهم به؛ لكن هدف الصيحة الإبليسية هو زعزعة تصديقهم بما سمعوا من الصيحة الجبرائيلية بأن الحق مع قائم آل محمد (صلوات الله عليهم أجمعين)؛ فيرتابون, وتغشاهم الحيرة في اتخاذ قرار الاتباع, فمنهم من يؤمن بها, ومنهم من يكفر بها. 2- المسلمون: أما المسلمون الذين هم غير الشيعة فتأثرهم بالصيحة الإبليسية سيكون أكثر درجةً من تأثيرها على غير المسلمين؛ إذ تهدف إلى حصول فتنة بين أتباع الإمام علي (عليه السلام), وبين أتباع عثمان (الخليفة الثالث) الذي اتهموا الإمام علي بقتله آنذاك, فتحدث معمعة بينهما, ومنهم من يؤمن بها, ومنهم من يكفر ويبدّل موقفه؛ فيناصر أتباع الإمام. 3- المؤمنون: أما المؤمنون وهم الشيعة الإمامية فهنا يختبر مدى ثباتهم على عقيدتهم, فمن كانت عقيدته راسخة لا يتبّع الصيحة الإبليسية, فلا يوالي السفياني, ويبقى مصرًا على إيمانه بإمام زمانه. أمّا من كانت عقيدته متزلزلة فلربما يقع في الشك، خصوصاً إذا كان ممن لم يسمع ولم يقرأ الروايات عن الصيحة وكيفية الوقاية من صيحة إبليس. *وهنا التفاتة لطيفة لا بد من بيانها تعضيدًا للكلام؛ حيث روي أنّ زرارة سأل الإمام الصادق (عليه السلام) عن كيفية معرفة الحق من الباطل, فقال له الإمام: يعرفه الذين كانوا يروون حديثنا، ويقولون: إنه يكون قبل أن يكون، ويعلمون أنهم هم المحقون الصادقون" (31). وظاهرًا في ذلك إشارة من الإمام الصادق (عليه السلام) إلى ضرورة تثقيف المؤمن بقضية الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف), باطلاعه على أحاديث العترة المحمدية. وبهذا يندفع ما يسبب حيرةً لمن سمع الصيحة الإبليسية المُضلة. ▪️المطلب الخامس: الصيحة الإبليسية ليست اعجازًا: رغم أنّ المستفاد من ظاهر الروايات أنّ الصيحة الإبليسية يسمعها جميع أهل الأرض, إلّا أنّ هذا الأمر "ليس بمعجز؛ لعدّة أسباب" (32), منها: 1- لو كانت الصيحة الإبليسية معجزة للزم أن يغرر الله تعالى بالقبيح, والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. فالمعجزة يقبح عقلاً اظهارها على يد كاذب منافق كالسفياني ومن يصيح باسمه, وبالتالي من يسميها معجزة لازم قوله أنّ الله تعالى يغرر بالقبيح بإجراء المعجزة على يد عدوه وهذا باطل. 2- لو كانت الصيحة الإبليسية معجزة للزم أن تكون وليدة العناية الإلهية, والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. فصيحة إبليس هي وليدة تخطيط ودراسة وتنفيذ أعداء الله تعالى, بل وحذّرت روايات العترة المحمدية من اتباع مضمونها. 3- لو كانت الصيحة الإبليسية معجزة للزم أن يكون أصحابها متحلين بأكمل الفضائل والأخلاق الإنسانية, والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. فمن يتأمل في سيرة السفياني يجدها دموية, محاربة لله (تبارك وتعالى), وللرسول وآله (عليهم السلام), فضلًا عن انحطاط أخلاقه, وانعدام إنسانيته, هو وأتباعه. ■الخاتمة الحمد لله الواحد المعبود، عمّ بحكمته الوجود، وشملت رحمته كلّ موجود، أحمده سبحانه وأشكره وهو بكلِّ لسانٍ محمود, على جميع النعم, لاسيما نعمة موالاة المنقذ الموعود (عجّل الله فرجه الشريف). وفي النهاية لا يخطر على بالي إلاّ أن أقول أنّي وبحمد الله أبديتُ جهديَ المتواضع, أسألُ الله تعالى أن وفّقت فى تقديمِ جهدٍ وإن كان متواضعًا في هكذا موضوع. ويبقى محلاً للنقد البنّاء, فلست أدّعي كماله. وتوصلتُ في بحثي المتواضع هذا إلى النتائجِ الآتية: 1/ الصيحة الجبرائيلية لطف من الله تعالى بالمؤمنين, وتنبيه للمسلمين وغير المسلمين. 2/ الصيحة الإبليسية حتمية الوقوع باللازم, ينحرف معها المعاند, والكافر, ومتزلزل العقيدة, وتبقى كيفيتها غيبية, وكل ما يورد فهو احتمال. 3/ الصيحة الجبرائيلية والإبليسية لا يتسببان بموت الناس. 4/ حث أهل البيت (عليه السلام) على ضرورة الالتزام بتراثهم. _________________ (31) إثبات الهداة: للشيخ الحر العاملي, ج3, ص736، ح104. بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج52, ص294، ح46. معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام): للشيخ الكوراني, ج3, ص475، ح1018. (32) ظ: محاضرات في الإلهيات: للشيخ السبحاني, ص259, 261-263. اللّهم ثبتنا على دينك, واستعملنا بطاعتك, وليّن قلوبنا لولّي امرك. والحمد لله رب العالمين, وصلى الله على محمدٍ, وآله الطاهرين.

دراسات مهدوية
منذ سنة
853

أوكسجين الــعـبادة/ من أسئلتكم

بقلم: علوية الحسيني السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته لا أعرف كيف أبدأ لكن لجأتُ إليكم بعد الله تعالى لتنقذوني مما أنا فيه، أنا أعاني من حالة ترك الصلاة والعبادة بعد أن كنت من المواظبات عليها منذ الصغر ولا أترك فريضةً ولا دعاء ولا تسبيحًا. أحسست في داخلي بأنَّ الله تعالى غير موجود؛ لأنه لا يستجيب لي، أعاني كثيرًا فما دعوته مرة واستجاب. أموري مُتعسرة وحالي (واقف)، حياتي صعبة جدًا. سُدّت الأبواب في وجهي. أرى الكون مظلمًا. حينما ينادي المؤذن للصلاة أقول وماذا أعطاني الله تعالى فأجلس أبكي. رجاءً ساعدوني أنا لست صغيرة وأخاف أنْ يأخذ الله تعالى عمري وأنا مُقصرة معه. الجواب: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته أهلًا ومرحبًا بالمؤمنة التي لم تستطع أنْ تفارق العبادة, حتى لجأت لطلب حلٍّ للرجوع إليها. أراكِ في حالةِ اختناقٍ وتطلبين أوكسجين الحياة, وهذا هو حال المؤمن الذي يبتعد عن الله (تعالى), كما أخبرنا هو (سبحانه) في سورة طه: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) رغم ما حلّ بكِ من مشكلة, لكني ومن خلال قولكِ (أنكِ تستغفرين, وتعزمين على التوبة من ترك الواجبات) أحسستُ أنّ فطرتكِ سليمة, متشوقة لرضوان الله تعالى الواحد الأحد, وحقًا تطلب الحياة الرغيدة, لكنها لا تعلم كيف السبيل, مع محاولة استيلاء جنود الشيطان الرجيم عليها. يا أمة الله العزيزة! لاحظتُ من خلال سؤالكِ أنّ هناك أربع مشاكل, وليست مشكلة واحدة, لذا اسمحي لي أنْ أتطرق إليها جميعًا؛ لأهميتها, ومن غير الصحيح تغافلها, وهي: 1/شعورك بأنّ الله (تعالى) غير موجود. 2/أنّ الله (تعالى) لم يستجب لكِ دعوة أبدًا. 3/ترككِ الصلاة. 4/نظرتكِ للكون مظلمة. وقد تعمدتُ ترتيب المشكلات بدءاً من أهمها, وإن كانت هي ليست محل سؤالكِ, إلاّ أنّها مشكلة خطيرة جدًا, إذا لم يتم وضع علاج لها, لن تنفعكِ الحلول في رجوعكِ إلى المواظبة على الصلاة. المــشكلة الاولــى: وهي شعوركِ بأنّ الله (تعالى) غير موجود! حول هذه المشكلة اسمحي لي أن أبين لكِ خطر آثارها, فإذا لم تقتنعي بالحلول, فأرجو أنْ تتواصلي معي؛ لأنَّ الإيمان بوجود الله (تعالى) يجب أن يكون راسخًا في ذهنك وقلبكِ, وإلاّ ما فائدة تعبّدكِ لله (تعالى) وأنتِ لا تشعرين بوجوده. عزيزتي المؤمنة! اعلمي أنّ الموجودات في الكون إما أنْ تكون مادية (نراها بالعين الباصرة), أو مجردة عن المادة (لا نراها), وبالتالي لا يمكنكِ أن تنكري وجود كل ما لا ترينه, فمثلًا ذرات الكهرباء داخل الأسلاك الكهربائية لا يمكن أنْ تقولي أنّها غير موجودة فقط لأنك لا ترينها. وإنّ انكار وجود الله (تعالى) من الكفر, أ فسماءٌ ذات أبراج, وأرضٌ ذات فجاج لا تدلان على الله العليم الخبير؟! فتأملي في هذا الكون البديع, ستجدين الدقة والنظام, وتساءلي من الذي أوجده؟ ثقي أنّ فطرتكِ ستجيبكِ: هو الله (جلّ جلاله) تعاملي مع الله (تعالى) على أنّه ربُّكِ, لا على أنّكِ أحد عباده, فالاعتراف بجلال الألوهية أعظم من الاعتراف بذل العبودية. المــشكلة الــثانية: أنّ الله (تعالى) لم يستجب لكِ دعوة أبدًا! هنا اسمحي لي أن أقول لكِ أنّ اعتقادكِ هذا غير صحيح؛ فمن منّا يستطيع أنْ يُحصي نعم الله تعالى الوهاب التي أنعم بها عليه دون أن يطلبها؟! أرجو منكِ قراءة (دعاء الجوشن الصغير), والتأمل في مفرداته, ستجدين كم من البلاء أنتِ منه في عافيةٍ, وكم من نعمةٍ أنتِ غارقة بها دون أن تسأليه ليعطيكِ. ودعيني أسألكِ سؤالًا عزيزتي: هل دعوتِ يومًا ما بأن يجري الله (تعالى) الدماء في شعيرات وأوردة جسمكِ بانتظام؟ هل دعوتِ يومًا ما أن لا يهدم الله (تعالى) لكِ بيتكِ؟ هل دعوتِ يومًا ما أن يُديم الله (تعالى) عليكِ سلامة بصركِ؟ هل دعوتِ يومًا ما أن ينظم الله (تعالى) دقات قلبكِ؟ هذا كلّه بل وأكثر منه أنعمَ به عليكِ دون أن تطلبي, وتذكري بعض فقرات دعاء أبو حمزة الثمالي الذي تقرئينه في شهر رمضان, حيث جاء في الدعاء: "إلهي أنت الذي تفيض سيبك[نعمكِ] على من لا يسألك وعلى الجاحدين بربوبيتك، فكيف سيدي بمن سألك وأيقن أن الخلق لك، والأمر إليك، تباركت وتعاليت يا رب العالمين". أختاه! لا تعبدي الله (تعالى) عن رغبةٍ وروتين؛ لأنّ عبادتك ستكون فاترة. ولا تعبديه عن تجارة؛ لأنّها سوف تسلب منكِ روح العبادة. بل اعبديه (تعالى) عن حبٍّ, تجدين ماءَ حياةِ روحكِ العطشى, وتهيم روحكِ لإرادته, والتسليم بقضائه وقدره. المــشكلة الثـــالثة: ترككِ الصلاة! اعلمي عزيزتي أنّ تارك الصلاة على عدة أقسام: 1/تارك الصلاة من باب وجوبها, فينكر أن الله (تعالى) قد أوجبها. فهذا كافر ومصيره الخلود في النار؛ لأنه مكذّب بنبي الله (صلى الله عليه وآله), ومن يكذب النبي (صلى الله عليه وآله) فقد كذّب الله (سبحانه وتعالى). 2/تارك الصلاة من باب الإهمال لها رغم اعترافه بوجوبها, فيتركها وينشغل بالأمور الدنيوية وملذاتها. فهذا الشخص فاسق, اسودّ قلبه بالذنوب, فيعاقب بالنار على ذنبه هذا, إلا أن يتوب. 3/تارك للصلاة من باب الاستخفاف بها, فيصلي أيامًا, ويترك أخرى. فهذا شخص مستخف بصلاته, مضيّع لها, روي عن رسول الله (صلى الله عليه واله) أنّه قال: "من صلى الصلاة لغير وقتها رفعت له سوداء مظلمة تقول ضيعتني ضيعك الله كما ضيعتني". فانظري حالكِ اختي أي قسمٍ من تلك الأقسام, وأسرعي بالتوبة والعودة إلى رضا الله (سبحانه وتعالى), وإنّي أخشى أن يتسلط عليكِ الشيطان الرجيم أكثر من هذا فيدعوكِ لارتكاب المحرمات الكبيرة؛ وهذه نتيجة متحققة, كما نقلها لنا أهل البيت (عليهم السلام)؛ حيث روي عن رسول الله محمد (صلى ألله عليه وآله) أنّه قال: "لا يزال الشيطان هائبًا لأبن آدم [يهيب ويحترم ابن آدم] ذعرًا منه [خائفًا منه] ما صلّى الصلوات الخمس لوقتهن[أي عندما يصلي صلواته ولا يتركها]. فاذا ضيعهن [أي إذا ضيّع ابن آدم صلواته] اجترأ عليه [أي تجرأ عليه الشيطان] فادخله في العظائم [أي جعله يرتكب الذنوب العظيمة متى ما ضيّع ابن آدم صلواته المفروضة.] وأعلمي أختي أنّ صلاتكِ نفع لكِ وليس لله (تعالى), فهو الغني عن عباده, قال (تعالى) في سورة فاطر: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد) وأعلمي أنّ الإنسان متى ما كان عبدًا لله الرحمن, عاصيًا للشيطان، فلا سلطان عليه, ومتى ما كان ابن آدم متبعًا للشيطان فهو ضال ومصيره النيران, يقول الله (تعالى) في سورة الحجر: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِين) والآن يا أختاه, طالما تحملين قوة الشباب، والعمر يمضي, فاتكئي على جدار الأسف، واسجدي لله تعالى عفوًا, لتخفّفي عن ظهركِ ثقل الذنوب والخطايا بابتعادكِ عن عباداتكِ, واغسلي وجهكِ بكوثر الدموع من خوف الله (تعالى) والشوق له, وانطلقي نحو وادي الغفران الآمن, ستجدين الله (تعالى) تائبًا عنكِ, غافرًا لكِ, مباهيًا بكِ عباده العاصين, وسيشرق عليكِ أشعة العفو الذهبية, عندئذٍ ستتذوقين طعم حلاوة المناجاة معه, وتلهجين باسمه دومًا, ويمتلأ قلبكِ محبةً له وخوفًا وشوقا. المـــشكلة الرابــعة: نظرتكِ للكون مظلمة! إنّ عدم استجابة الله (تعالى) لبعض دعواتنا لا يعني أنْ ننظر للكون نظرةً مظلمة, تشاؤمية, فلله حكمةٌ بالغةٌ في عدم استجابته, وهو أحكم الحاكمين. فنحن العباد ننظر للمسألة من جانبٍ معيّن؛ لقصور عقلنا عن إدراك مصالحنا, بينما يراها الله العزيز الحكيم من عدّة جوانب، ومن يتولّى الله فهو حسبه. ثم إنّه (تعالى) لم يعجّل باستجابة دعاء بعض أنبيائه, كنبي الله نوح (عليه السلام) الذي لبث يدعو قومه قرابة ألف سنة, فلماذا لم يستجب له ربّه (تعالى) بأن يهدي جميع قومه؟ وذلك نبي الله يوسف (عليه السلام) الذي بقي في السجن, فلماذا لم يفرّج الله (تعالى) عنه منذ أول لحظة ليجمعه بأهله, وليجعله حاكمًا؟ وذلك هو نبيّنا الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) لماذا لم يستجب الله (تعالى) له في أنْ يحفظ ابنته وذريتها من أن يمسهم كلُّ ظالمٍ بسوء؟ فيا عزيزتي ليست المسألة مسألة أنا أدعو وغدًا يستجيب لي الله تعالى, هذا فرضٌ خاطئ نحن نفرضه على الله العزيز القدير. قرأتُ في بعض الروايات أنّه (تعالى) يصب الابتلاء على بعض عباده, ليرفع منزلتهم, ويضاعف أجرهم في الآخرة, وليسمع حسيس دعائهم ومناجاتهم. فكما فعل هكذا مع أنبيائه وأوليائه, يفعله مع جميع عباده, وسيأتي يومٌ يحقق لكِ دعوتكِ, في الدنيا - إنْ شاء- أو يدّخِرُها لكِ في الآخرة ، فقط أحسني الظن بالله الواحد الأحد. روي عن إمامنا الرضا (عليه السلام) أنّه قال: "أحسِن الظن بالله, فإنّ الله (عزّ وجل) يقول: أنا عند ظن عبدي المؤمن بي، إن خيرًا فخير, وإن شرًا فشر". فيا عزيزتي المؤمنة! إنّ حقيقة الإنسان هي كونه ينسى شكر خالقه حينما يكون في نعيم, كأن يترك العبادات الواجبة التي هي صورة من صور شكر الله (تعالى). وينسى التضرع لخالقه بالدعاء حينما يكون في بلاء. لكن هذه الحقيقة استُثني منها المواظبون على صلاتهم, كما أخبرنا (تعالى) بقوله في سورة المعارج: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا* إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا* وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا* إِلَّا الْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُون) فلتكن نظرتكِ للكونِ مشرقةً, لاسيما أنتِ مسلمةٌ أنعم الله (تعالى) عليكِ بنطق شهادة أن لا إله إلاّ الله, وأنّ محمدًا رسول الله، والإيمان بهما, هذه النعمة التي غيركِ محروم منها؛ حيث لا ربّ له سوى الأبقار والفئران. كما وأنتِ مؤمنة, أنعم الله (تعالى) عليكِ بنطق شهادة ولاية الأئمة (عليهم السلام), والإيمان بهم, بينما غيركِ يعيش في حالة تيه, لا تراث صحيحاً لهم ليرجعوا إليه في العقيدة والفقه والأخلاق. كما وزيدي من درجة إشراق نظرتكِ للكون, فسيأتي يومٌ يظهر فيه إمام زمانكِ, المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف), وإن شاء الله (تعالى) تعيشين في دولته, وتنالين رضاه, بالتزامكِ بعباداتكِ, فمن أرضى الإمام فقد أرضى الله (تعالى). فالتفتي إلى دوركِ في المجتمع, ولا تحصريه بأمرٍ معين, وعوّدي نفسكِ على أن تكوني قدوة ممهدة في كلِّ قولٍ وفعلٍ, ولكِ في السيدتين الزهراء والحوراء (عليهما السلام) أسوةٌ حسنة, فاغتنمي تأسيكِ بهما, وراجعي سيرتهما. ______________________ وفقكِ الله (تعالى) لرضوانه, ولا أخلاكِ عن رعايته, بحق محمدٍ وآله.

العقائد
منذ سنة
854

تجلياتٌ معرفية في الخطاب المهدوي (11)

بقلم: علوية الحسيني "وعجِّل فرجي وسهِّل مخرجي" قوله: "وعجِّل" فعلٌ صيغته مشدّدة, والأصل: "عَجِلَ عَجِلَ عَجَلاً, وهو بمعنى الإسراع, وجاء في القرآن الكريم: {وَعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} أي أسرعتُ إلى طاعتكَ ربّي لترضى عنّي. وعَجَّلَ بالتشديد تفيد نفس المعنى, وهو التشديد بالإسراع, فيقال: عجّل للضَّيْف: أي قَدَّم إليه الطعام" (1), وقد ذكر الفعل مشددًا في القرآن الكريم, بقوله تعالى: {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَاب} (2), "فطلبوا استهزاءً بيوم المعاد أن يسرع الله تعالى لهم بحظّهم من العذاب قبل يوم القيامة" (3). *وقوله: "فرجي" أي غمِّي؛ فيقال: "فَرَجَ اللهُ الغَمَّ: [أي] كَشَفَه" (4). فظاهر العبارة أنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) يلح بدعائه على الله تعالى بأن يسرع كشف غمّه نتيجة غيبته. *قوله: "وسهِّل" أيضًا صيغة الفعل مشدّدة, والأصل "سَهُلَ سَهُلَ سُهُولَةً: مالَ إلى اللِّين وقَلَّت خشونته" (5). *وقوله: "مخرجي" المخرج هو "موضعُ الخَروج" (6).. لو تأملنا في مفردة دعاء الإمام هذه, لوجدنا أنّه يشخّص بدقة ما يريد, وهو الحكيم في قوله؛ إذ دعا بتسهيل خروجه, ولم يقل بتسهيل الظهور؛ لتغاير المفردتين, فالخروج قد يعني "خروجه عليه السلام من المدينة إلى مكة" (7), وما طلبه التسهيل والإسراع في موردٍ كهذا إلاّ لشدّة ما سيمرّ به بعد ظهوره الأصغر في المدينة المنورة؛ إذ سيرسل السفياني جيشًا إلى المدينة؛ فعن النبي (صلى الله عليه وآله): ... خرج عليهم السفياني من الوادي اليابس... فيبعث جيشاً إلى المشرق وجيشاً إلى المدينة" (8). والإمام في هذه الحال لم يعلن (عجّل الله فرجه الشريف) عن ظهوره الأكبر, فنتيجة للخطر المحدق بالإمام توجّه بالدعاء بإلحاح بأن يسهّل خروجه من المدينة؛ إذ قد يتمكن جيش السفياني من اعتقال الإمام قبل خروجه منها, وهو آنذاك لا ناصر له إلاّ الله (تعالى), بل حتى لو دعا الناس إليه، لأمكن أن لا يصدّقه أغلب الناس. ولازم تلك الرواية أنّ عدو الله (تعالى) السفياني سيعلم بتواجد الإمام في المدينة, فيرسل جيشًا لاعتقاله أو قتله. ولعل ترقب السفياني هذا, ودس جواسيسه في أماكن كمكة والمدينة, يكون نتيجة سماعه وجنوده الصيحة الجبرائيلية, في ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان, فلعله يستفهم من أهل العلم آنذاك عن خارطة ظهور الإمام, إذ أنّ إغلب الناس سيترنمون باسم الإمام؛ حسب ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: "إذا نادى منادٍ من السماء: إنَّ الحقَّ في آل محمّد، فعند ذلك يظهر المهدي على أفواه الناس، ويُشربون حبّه، فلا يكون لهم ذكر غيره" (9). فيستغل الجواسيس آنذاك هذه الفرصة ويسترقون المعلومات, ويحصلون على مكان تواجد الإمام, نظير استراق الشياطين أخبار السماء. فيترقب السفياني حصول حراك ضدّه, ليرسل شرذمته إلى المدينة, ومكة, محل الظهور. *وهنا سؤال: هل يعلم الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بوقت ظهوره؟ جوابه منبثق من العصمة التي تتطلب كل كمال، فبما أنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) معصوم, "والعصمة تتجلّى بعلم لدنّي يكشف للمعصوم ما خفي علينا,... فهو إذن يعلم بساعة الظهور, إمَّا من باب أنَّ العصمة تعني فيما تعنيه علماً لدنّياً غيبياً بتعليم من الله تعالى، وإمَّا من باب أنَّ من خصائص الأئمَّة (عليهم السلام) أنَّهم إذا أرادوا أن يعلموا الشـيء، فإنَّ الله تعالى يُعلِّمهم ذلك الشيء بمجرَّد توجّه نفوسهم القدسية إلى معرفته" (10). ونحن نعلم أن ذلك العلم اللدني من الله (تعالى), وبإذنه؛ فقد روي "عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الاوَّلِ مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلام) قَالَ: مَبْلَغُ عِلْمِنَا عَلَى ثَلاثَةِ وُجُوهٍ مَاضٍ وَغَابِرٍ وَحَادِثٍ, فَأَمَّا الْمَاضِي فَمُفَسَّرٌ, وَأَمَّا الْغَابِرُ فَمَزْبُورٌ, وَأَمَّا الْحَادِثُ فَقَذْفٌ فِي الْقُلُوبِ وَنَقْرٌ فِي الاسْمَاعِ, وَهُوَ أَفْضَلُ عِلْمِنَا, وَلا نَبِيَّ بَعْدَ نَبِيِّنَا" (11). ومعه، فحتى لو قيل: إنه (عجل الله تعالى فرجه) لا يعلم بوقت ظهوره اليوم، وسيعلمه في وقت خاص، فهذا ليس بنقصٍ, بل هو اصطفاء له, وتمييز عن غيره؛ لكونه معصوما. *وعليه, فإن قيلَ: بما أنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) معصوم, والمعصوم لا يصدر منه اللغو, فإذا كان يعلم بوقت ظهوره فما فائدة دعائه؟ يمكن الإجابة على هذا الإشكال اجمالًا ضمن النقاط التالية: 1- إنّ الدعاء ليس لغواً على كل حال, فدعاء الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) شوق منه لتحقيق رضا الله تعالى, بسيادة العدل في دولته الموعودة, التي سادها الظلم والجور, وللقاء بأنصاره, وشيعته, ومن سيلتحق به, بعد أن أحرقهم شوق الانتظار, وهذا بحد ذاته فعل حسن, يحكم العقل بحسنه. 2- إنّ دعاء الإمام رسالة لنا بعدم الانقطاع عن الدعاء مهما كان القدر مفروغًا منه؛ روي "عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ادْعُ وَلا تَقُلْ قَدْ فُرِغَ مِنَ الأمْرِ فَإِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَة" (12), فرغم كون خروج الإمام مفروغًا منه إلاّ أنّ الإمام لم ينقطع عن الدعاء, فدعا بتسهيل مخرجه. 3- إنّ دعاء الإمام بتعجيل الفرج محققٌ لغرض الله (تعالى), وهو هداية العباد, وتحقيق القسط والعدل, وتطبيق معالم الدّين, وهذا كافٍ لرفع اللغوية. *فإن قيل: إنّ ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) من الأمور المحتومة, اللابدية الوقوع, فكيف يدعو الإمام ربّه بأن يغيّر محتومًا؟ وإن استجاب الله (تعالى) له فهذا من قبيل اجراء البداء على علمه (تعالى)! *يجاب: إنّ هذا الإشكال مندفع بعدم لزوم المحذور مع اجراء البداء؛ انطلاقًا من فهم معنى البداء بالنسبة لله تعالى, وتفصيله يقع ضمن الوجهين التاليين: ▪️الوجه الأول: لو أُجريَ على الفقرة الأولى من دعاء الإمام, وهي "وعجّل فرجي": فإن حُمل تعجيل الفرج على تعجيل الظهور العالمي للإمام؛ بقرينة حاليّة, وهي انكشاف غم الإمام بالظهور, فكأنّه (عجّل الله فرجه الشريف) دعا باللازم, وهو (تعجيل الفرج), لا بالملزوم وهو (تعجيل الظهور). فهذا ممكن في عالم الثبوت والإثبات؛ والشواهد على ذلك كثيرة, منها ما روي عن رسول الله, محمد (صلى الله عليه وآله), أنّه قال: "لولم يَبقَ من الدنيا إلّا يوم، لــطوَّل الله ذلك اليوم حتّى يظهر المهدي من آل محمّد (صلى الله عليه وآله)"(13), فمنطوق الرواية صريح في حتمية ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف), وهذا أمرٌ مفروغٌ منه, ولكنّها تشير إلى إمكان تأخير الله (تعالى) ليوم الظهور, وجعله آخر يومٍ في الدنيا. فكما أمكن تأخير ذلك اليوم, أمكن تقديمه, ومن هنا انطلق الإمام بالدعاء بتعجيل فرجه, أي بتعجيل يوم كشف غمته والإذن له بالظهور. والنتيجة/ ممكن حصول البداء في تعجيل فرج الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف), ولا محذور في ذلك؛ وذلك لأن التغيّر سيحصل في علمنا نحن, لا في علم الله (تعالى)؛ لأنّه (تعالى) بعلمه الأزلي علم أنّ الإمام سيدعو بتقديم يوم ظهوره. ▪️الوجه الثاني: لو أُجري على الفقرة الثانية من دعاء الإمام, وهي "وسهّل مخرجي": فهنا يمكن القول بجريان البداء؛ فبناءً على أنّ خروج الإمام يختلف عن ظهوره, فكما جرى بالظهور يجري في الخروج؛ لاشتراك المفردتين في هدفٍ واحدٍ؛ لهذا دعا الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) ربّه باللطف وتسهيل العقبات عند ظهوره الأولي, أو خروجه, أما نقرأ أنّ الله (تعالى) سيحميه, ويخرجه من المدينة بلينٍ ولطف! فهذا بداءٌ بالنسبة لنا؛ حيث كنّا لا نعلم, وقد علمنا. ___________________ (1) ظ: المعجم الوسيط: لمجموعة مؤلفين, ج2, ص586. (2) سورة ص: 16. (3) ظ: تفسير الميزان: للسيّد محمد حسين الطباطبائي, ج17, ص186. (4) المعجم الوسيط: لمجموعة مؤلفين, ج2, ص678. (5) المصدر نفسه, ج1, ص458. (6) المصدر نفسه, ج1, ص225. (7) صحيفة صدى المهدي, العدد 85, ربيع الأول, 1435هـ, الأسئلة الموجهة إلى مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام. (8) معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السلام: للشيخ الكوراني, ج5, ص354. (9) كنز العمّال: للمتَّقي الهندي, ج١٤, ص٥٨٨, ح ٣٩٦٦5. (10) مقال: عنصر الخفاء في القضية المهدوية: للشيخ حسين الأسدي, مجلة الموعود, العدد ٤/ ذو الحجة/ ١٤٣٨هـ. (11) الكافي: للشيخ الكليني, ج1, باب جهات علوم الأئمة, ح1. (12) الكافي: للشيخ الكليني, ج2, باب فضل الدعاء والحث عليه, ح5. (13) الصواعق المحرقة: لابن حجر العسقلاني, ص249. اللّهم عجّل فرجه, وسهّل مخرجه, واجعلنا من أنصاره وأتباعه, بحق محمدٍ وآله.

العقائد
منذ سنة
746

تجلياتٌ معرفية في الخطاب المهدوي (12)

بقلم: علوية الحسيني "واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا" يستمر الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بدعائه, فيطلب من الله (تعالى) السلطان النصير, فهو يريد أن تكون العلّة التامة لنصره هي الله (تعالى) أصالةً, لذلك قال (من لـدنكَ), فنسبة النصر إلى الله (تعالى) للاختصاص, وهي نظير قوله تعالى: {ألَا إِنَّ نَصـْرَ اللَّهِ قَرِيب}(1). وأصل دعاء الإمام آية قرآنية, وهي قوله تعالى: { وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرا} (2), وعليه, ينبغي الرجوع إلى تفسير هذه الآية الكريمة لمعرفة حدود مقصدها عمومًا, ومغزى الإمام من الدعاء بها خصوصًا. يذكر أنّ هذا دعاء النبي الأكرم, محمد (صلى الله عليه وآله), فحينما فسّرت هذه الآية كان مفاد تفسيرها هو اللهم "اجعل لي عـزّا أمتنع به ممن يحاول صدي عن إقامة فرائضك وقرة تنصرني بها على من عاداني فيك. وقيل اجعل لي ملكا عزيز[عزيزا] أقهر به العصاة فنصر بالرعب حتى خافه العدو على مسيرة شهر. وقيل حجّة بيّنة أتقوى بها على سائر الأديان الباطلة. وسماه نصيرا لأنه تقع به النصرة على الأعداء فهو كالمعين" (3). والمتأمل في سياق الآية الكريمة التي دعا بها النبي الأكرم, محمد (صلى الله عليه وآله) يجد جملة سابقة لها, تشير إلى وجـه الشبه بين مهمة النبي محمد, وحفيده الإمام المهدي (عليهما السلام), بل وإلى بيان مغزى الإمام من وراء اختياره لهذه الآية تحديدًا ليلهج بها في دعائه، فالآية بتمامها هي {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرا} (4). ومن أحد وجوه تأويل ادخاله واخراجه بصدق, والمتناسب مع هدف الإمام ظاهرًا, هو "أدخلني المدينة، وأخرجني منها إلى مكة للفتح" (5), فلعله يشير إلى دخول المدينة بظهوره الأولي الأصغر, وخروجه منها متوجهًا إلى مكة لظهوره الأكبر, فهنا طلب السلطان النصير حال ظهوره مطلقًا؛ ويؤيد ما تم استظهاره قرينة متصلة, ضمن نفس سياق دعاء احتجاب الإمام, وهي قوله: "وافتح لي فتحًا مبينا", وسيأتي شرح مفرداتها في الحلقة القادمة إن شاء الله (تعالى). إذًا دعاء الإمام بطلب السلطان النصير هو لغرض الفتح؛ كطلب جدّه النبي الأكرم, محمد (صلى الله عليه وآله), كان لغرض فتح مكة, ونشر دين الإسلام فيها. وبما أنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) سيّد العقلاء, وسيرة العقلاء جارية على أنّ الحكيم منهم حينما يريد أن يتكلّم, يقول كل ما يريده, ونص دعاء الإمام ظاهر في العموم, حيث إنّ الإمام لم يقيّد أي نصرةٍ يطلبها من الله (تعالى), فتعيّن أن يطلب بدعائه جميع أقسام النصرة؛ لأنّه لو أراد قسمًا منها لذكرها, ثم إنّ حصره النصرة بقسمٍ دون آخر ليس مناسبًا مع مقام عصمته؛ لاعتقاده بقدرة الله تعالى الواسعة, التي تتعلق بكل شيء ممكن, وأمر نصرته بكافة أقسام النصرة ليس بمحال على الله العلي القدير, فأطلق في دعائه. وعليه, يمكن تقسيم النصرة المطلوبة في دعاء الإمام على ثلاثة أقسام: •أولاً: النصرة القولية: انطلاقًا من كون قول المعصوم حجّة, فإنّ تراث محمدٍ وآل محمد (عليهم السلام) المبشّر بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) ودعاءهم له, هو أحد مصاديق نصرة الإمام القولية. فلعله يقصد (بحق كلام أسلافي اجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرا), بالقول الثابت, فقوله قولهم (عليهم السلام), وقولهم قول رسول الله (صلى الله عليه وآله), لاسيما وأنّه (عجّل الله فرجه الشريف) سيحاجّ شفويًا من يحاجّه. ومحاجّته القولية مؤيدة بالنصر؛ لأنّه يعتمد على أدلة صحيحة, حيث يحاجّ أتباع كل دين بكتابهم؛ روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): "ويستخرج التوراة وسائر كتب الله (عز وجل) من غار بأنطاكية، ويحكم بين أهل التوراة بالتوراة، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل القرآن بالقرآن" (6). أما نصرة الإمام القولية على من لا دين لهم, فالبرهان سيّد الموقف. •ثانيًا: النصرة الفعلية: كما ويطلب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) من الله (تعالى), النصرة الفعلية, أي النصرة بأفعاله, وتتجلى صور هذه النصرة بعدّة أمور, منها: 1- جسم الإمام من خلال بعض الروايات الشريفة التي وصفت الإمام (عجّل الله فرجه الشريف), ذكرت أنّ جسمه كأجسام بني اسرائيل, فعبّرت عنه بذي الجسم الإسرائيلي؛ روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "المهدي من ولدي، وجهه كالكوكب الدرّي، واللون لون عربي، والجسم جسم إسرائيلي" (7). ويحتمل دلالة معنى كون جسم الإمام جسمًا اسرائيليًا هو "شبه جسمه بجسم نبي الله موسى (عليه السلام) بالقوة الملحوظة من سياق الآيات الكريمة التي تطرقت إلى وكزه للقبطي, وإلى سقيه لابنتي شعيب من بئرٍ عميق" (8). فلعلّ الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يدعو الله (تعالى) أن يديم صحة جسمه, ليستطيع أن يحقق النصر. ولاشكّ أنّ الإمام إنسان, وكلّ إنسان يحتاج لجسده كي ينفذ أفعاله, -حتى وإن منحه الله (تعالى) بعض المعجزات-, فهو بالتالي لا بد أن تكون يده سليمة كي يقاتل بها, وقدمه كذلك كي يذهب إلى دولٍ ليفتحها, وهكذا سائر أعضاء جسده, الذي به يحقق النصر كسلطان. فبتلك الصحة والجسم السليم يقتل قوى الشر, كالسفياني؛ حيث روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "أُفٍّ أُفٍّ، مَا أَنَا لِهؤُلاءِ بِإِمَامٍ، أَمَا عَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّما يَقْتُلُ السُّفْيَانِي" (9). وحتمًا أنّ للإمام غايات يريد تحقيقها, ومنها قتل السفياني, ولهذا يطلب السلطان النصير ليحقق احداها. 2- الإمام يُكمّل العقول: لا شكّ أنّ الله (تعالى) كرّم الإنسان بالعقل, وبه ميّزه عن سائر المخلوقات, فبالعقل يتفكر ويعقل ويعلم, وكثيرًا ما حثّت الآيات الكريمة على هذه العمليات الثلاث, رغم أنّ مدركات الناس متفاوتة, لكن كلّ على قدر سعة أفق عقله. صحيح نحن نعيش في عالم الاستكمال, لكن مهما بلغ الإنسان من العلم بعقله -النظري والعملي- في زمن الغيبة, لــن يصل إلى درجة الكمال العقلي المتحقق في زمن الظهور؛ حيث روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: "إذا قام قائمنا وضع الله يده على رؤوس العباد، فجمع به عقولهم وكملت بها أحلامهم" (10). اليـد هنا كناية عن النعم العظيمة التشريفية, التي يشرّف الله (تعالى) بها وليّه, الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف), وفي زمن ظهوره تجتمع العقول وتكمل. ومعنى اجتماعها هو اتحادها, "بالإيمان والصفاء والمحبة, واتحادها على التطور العلمي والثقافي والتكنلوجي" (11). أما اكتمال الأحلام هو اكتمال العقول؛ ولمفردة (الأحلام) جذر قرآني, جاء في قوله تعالى: { أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُون} (12), وفسرّت هذه الآية بــ "أنّ الأحلام جمع حلم وهو العقل،... والمعنى بل أتأمرهم عــقولهم أن يقولوا هذا الذي يقولونه ويتربصوا به الموت؟ فأي عقل يدفع الحق بمثل هذه الأباطيل؟" (13). وبالتالي سيكون عنصر تكامل العقول عنصرًا مهمًا في نصر الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف), فبعقول أتباعه جيشًا ومن سيؤمن به ينتصر على كل قوى الشر. •ثالثًا: النصرة التشريفية ولقد شرّف الله (تعالى) وليّه, وخليفته على الأرض, الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بتشريفاتٍ عديدة, تكون سبب تحقق نصره, منها: 1- الإمام مؤيد بالملائكة إنّ تعزيز الدعم الإلهي للإمام بالملائكة, إن صحّ أن نقول أنّه منقطع النظير عمّا سبقه من الدعم للأئمة السابقين؛ تناسبًا مع عالمية دولته, ودعوته, روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "لو خرج قائم آل محمد لـَـنَصَرَهُ الله بالملائكة المسومين والمردفين والمنزلين والكروبيين، يكون جبرئيل أمامه وميكائيل عن يمينه وإسرافيل عن يساره" (14). 2/ الإمام منصور بالرعب وتشريف آخر يحظى به الإمام, وهو أنّ الله (تعالى) يلقي الرعب في قلوب أعدائه قبل أن يخوضوا معه القتال, ولهذا نجد الكثير منهم يدخل طوعًا تحت لوائه, روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "القائم منا منصور بالرعب، مؤيد بالنصر" (15). وكفى بالرعب نصرًا... 3- عصر الإمام عصر تطور تكنلوجي ومن التشريفات ازدهار التكنلوجيا في عصره, واستعمالها كجزء علة في نصره, ونشر دعوته, روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "المؤمن في زمن القائم وهو في المشرق يـرى أخاه الذي في المغرب وكذا الذي في المغرب يــرى أخاه الذي في المشرق" (16). بالإضافة إلى وسائل النقل والحرب المستفادة ظاهرًا مما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): "القائم منا... تطوى له الأرض" (17). فطي الأرض قد يكون بالطائرات أو وسائل النقل الحديثة. وهذا سبب كبير في انجاح النصر. ▪️وبعد استعراض بعض مصاديق أقسام النصر الذي يطلبه الإمام في دعائه, بقي أن نشير إلى كيفية تحقق نصره (عجّل الله فرجه الشريف), حيث طرحت اطروحات أشارت إلى كيفية ذلك, "منها: ■الأطروحة الأولى: نصرٌ بالإعجاز الإلهي وقد نوقشت هذه الاطروحة بعدم واقعيتها؛ إذ حتى مع استظهار الاكتفاء بالإعجاز الإلهي بردّ العدو وأسلحته بمجرد دعاء, لكن ذلك معارض بقاعدة (ناموسية السنن الإلهية). ■الأطروحة الثانية: نصرٌ بالقوانين الطبيعية ومفاد هذه النظرية أنّ نصر الإمام يتحقق وفقًا لقوانين الطبيعة فقط, دون تدخل القدرة الإلهية. وأيضًا نوقشت هذه الاطروحة, وعورضت بمحالية عدم تدخل القدرة الإلهية, وإن كان للإمام قدرات ذاتية, لكنها تبقى في طول قدرات الله (تعالى), لا في عرضها. ■الأطروحة الثالثة: نصرٌ بقوّة الجيش وحداثة السلاح مع تأييدٍ إلهي. هذه الأطروحة أجملت في بيان مقومات نصر الإمام" (18). وترجّح الأخيرة؛ لتناسبها مع أقسام النصرة التي ذكرت أعلاه. فظاهرًا هي المستجمعة للنصر الذي يطلبه الإمام بسلطان منه. __________________ (1) سورة البقرة: 214. (2) سورة الإسراء: 80. (3) مجمع البيان في تفسير القرآن: للفضل بن الحسين الطبرسي, ج6, ص284. (4) سورة الإسراء: 80. (5) مصدر سابق. (6) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج52, ص351, ح103. (7) المصدر نفسه, ج51, ص80. (8) ظ: على ضفاف الانتظار: للشيخ حسين الاسدي, 39. (9) الكافي: للشيخ الكليني, ج8, ص331, ح509. (10) المصدر نفسه, ج1, ص25, ح21. (11) ظ: دولة الإمام المهدي عليه السلام: للسيد مرتضى المجتهدي السيستاني, مصدر ألكتروني. (12) سورة الطور: 30. (13) تفسير الميزان: للعلامة الطباطبائي, ج19, ص17. (14) الغيبة: للشيخ النعماني, ج1, ص237. (15) إعلام الورى بأعلام الهدى: للشيخ الطبرسي, ج2, ص291. (16) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج52, ص391, ح213. (17) مصدر سابق. (18) ظ: مقال دراسات/ أفكار في سلاح الإمام المهدي عليه السلام عند الظهور: للكاتب حسين عبد الأمير الظالمي, مجلة الانتظار, العدد12, 1429هـ. اللهم ادخله مدخل صدقٍ، وأخرجه مخرج صدقٍ، وأجعل له من لدنك سلطانًا نصيرا.

العقائد
منذ سنة
1235

تجلياتٌ معرفية في الخطاب المهدوي (13)

بقلم: علوية الحسيني "وافتح لي فتحًا مُبينا" ظاهرُ دعاء الإمام (عجل الله تعالى فرجه) هذا أنّه يُشير إلى طلب المدد الإلهي أثناء فتوحاته بعد خوض المعارك مع الأعداء, وبين هذه الفقرة الدعائية والسابقة - طلبُ النصر- ارتباط وثيق؛ لأنّ الفتح لازمه النصر. وهذه الفقرة كسابقاتها لها جذرٌ قرآني, وهي قول الله (تعالى): {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِينا}(1), التي كانت تُشير إلى بشارة الله (تعالى) لنبيّه الأكرم, محمد (صلى الله عليه وآله) بـفتح مكة, بعد صلح الحديبية الذي أُبرِمَ بينه (صلى الله عليه وآله) وبعض المسلمين الذين ذهبوا معه لأداء مناسك العمرة وبين بعض مشركي قريش؛ "لأنّ قريش منعته (صلى الله عليه وآله) والمسلمين من أنْ يدخلوا مكة, فحطّوا عند مكان يسمى الحديبية وأبرموا معاهدةً مع كبراء قريش, طلبت فيها قريش أنْ لا يدخل مكة في ذلك العام النبي محمد (صلى الله عليه وآله) والمسلمين, وإلاّ وقع القتال, فاختار (صلى الله عليه وآله) أنْ يتركَ العمرة حتى لا يريقَ دماءً بسبب سفاهة قريش, وعاد والمسلمون نحو المدينة. وبعد فترةٍ جاءت البشرى الإلهية بفتح مكة, فجهّز النبي (صلى الله عليه وآله) جيشًا ليفتح مكة, وينشر الإسلام فيها, ويؤدوا العمرة التي حُرِموا منها, بل ولينطلق بعد الفتح لنشر الإسلام في الجزيرة العربية, وربوع العالم, حتى أنّ قريشًا لم تقاوم أبدًا, حيث اعترفت بكيان المسلمين"(2). وبعد هذه النبذة المختصرة عن فتح مكة بقيادة نبي الله محمد (صلى الله عليه وآله), يأتي ولده الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) ويطلب فتحًا مبينًا كفتح جدّه (صلى الله عليه وآله), بل ويُشابهه في المخرج والمدخل والهدف, فيخرج الإمام (عجل الله تعالى فرجه) من المدينة كما خرج النبي (صلى الله عليه وآله) منها, ويدخل مكة محررًا فاتحًا, بهدف نشر الدّين الإسلامي, بصورة عالمية, ولهذا قال الله (تعالى) في أواخر سورة الفتح بقوله: { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدا}(3), فكما أظهر الله (تعالى) الدّين على يد نبيّه, يظهره على يد وليّه القائم (عليهما السلام) بعد أنِ اندرست بعض معالمه, وابتدع فيه, حتى نفر عنه البعض جهلاً بحقائقه, وتعمَّق الآخر غلوًّا بظواهره. وإنّ نطاقَ فتوحات الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) سيكونُ أوسع؛ لحكمةٍ إلهية خفية, ولطوعية بعض الأعداء بإبرام معاهداتِ صلحٍ معه, مما يُتيح له تحقيق الفتوحات. وتأتي الفتوحات كنتيجةٍ لازمةٍ لغرض إظهار الله (تعالى) لوليّه الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)؛ إذ الفتح هو افتتاح الدول الظالمة على يده, ونشره القسط والعدل والدّين الإسلامي في ربوعها, وهذا جزءُ علةٍ لسيادة الإمام العالمية, في قبال الدول الغربية التي سوف تعلن إسلامَها, وبالتالي لا تحتاج إلى مواجهات. وقبل الفتوحات يُعِدُّ الإمامُ (عجل الله تعالى فرجه) وسائلَ الاحتجاج العلمية, ليُخيّر أعداءه بين السلم والقتال, وهي التوراة والإنجيل, بالإضافة إلى مواريث الأنبياء السابقين (عليهم السلام). روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "أولُ ما يبدأ القائم (عليه السلام) بــأنطاكية فيستخرج منها التوراة من غارٍ فيه عصا موسى وخاتم سليمان"(4). ومن أبرزِ فتوحاتِ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) (فـتح القدس), فيسيرُ وجيشه إلى (بحيرة طبرية) "التي تقع بين الخليل والجولان, أحد أقضية عكّا في فلسطين"(5)؛ روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "...ثم يأتي الكوفة فيُطيل فيها المكث ...ثم يسيرُ حتى يأتيَ الـعذراء هو ومن معه وقد لحقه ناسٌ كثير"(6). فحين وصوله "يستخرج من البحيرة (تابوت السكينة) الذي وُضع به آنذاك النبي موسى (عليه السلام) ويدعوهم للإيمان به دون القتال, فيُسلم قليلٌ من اليهود"(7), والبعضُ الآخر الغالب يقاتلُ الإمام (عجل الله تعالى فرجه) ولن يعترفَ بتابوتِ السكينة ظاهرًا. فيفتحُ الإمام القدس على يديه فتحًا مبينًا, ويقهرُ اليهود, وينشرُ الدّين الإسلامي فيها. وكذا يفتحُ (القسطنطينية) "التي هي عاصمة الامبراطورية الرومانية"(8), حيث روي "أنّ الإمام يفتحها ورومية وبلاد الصين"(9), وعلى عظمة تلك الدولة ينتشرُ الإسلام, ويولّي الإمام (عجل الله تعالى فرجه) حاكمًا مؤمنًا عليها, ليبلغ رسالات الله (تعالى), ويتولى سيادة تلك العاصمة, وتطبيق قوانين الإسلام على رعاياها. وعليه, نستطيعُ أنْ نجزمَ من بعد تحقّقِ الفتوحات وراثة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) للأرضِ كُــلِّها؛ وخيرُ شاهدٍ مؤكدٍ ودليل هو إطلاقُ الآية الكريمة لمفردة (الأرض) التي وعده الله (تعالى) بها: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُون}(10), حيثُ جاء في تفسير الآية "بأنّ الله (تعالى) كتبَ في التوراة والزبور إضافة إلى القرآن بأنَّ الصالحين سيرثون الأرض جميعًا, والوراثة هي انتقال شيءٍ في ملكيةِ شخصٍ دون معاملة"(11). وروي أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) سُئِلَ عن ذيل هذه الآية, فقال: "القائم (عليه السلام) وأصحابه"(12). فلازمُ الفتوحات هي وراثة الأرض كلّها. *وهنا سؤالٌ: قد يُقال: إنّ كثرة فتوحات الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) تدلُّ على سياسته الدموية, وهذا يتنافى مع فلسفة ظهوره كرحمة للعالمين؟! فيُجاب: بأنّ أصل دعوة الإمام(عجل الله تعالى فرجه) سلميّة للغاية, وهناك مؤشرات على هذه الأصالة, "منها: 1/ وصف الروايات للإمام بأنّه رحـمةٌ للعالمين. 2/ قبول الإمام (عجل الله تعالى فرجه) لبيعة السفياني. 3/ إعراض الإمام (عجل الله تعالى فرجه) عن القتال في القسطنطينية بعد أنْ يستسلم أهلها. 4/ ابتداء الإمام (عجل الله تعالى فرجه) الإنذار بالدلائل والبراهين العقلية والنقلية. 5/ لن يقاتل الإمام (عجل الله تعالى فرجه) إلاّ من يقاتله. 6/ إطالة الإمام (عجل الله تعالى فرجه) في الوعظ الشفوي على أعدائه؛ تحفيزًا لهم على ترك القتال"(9). ومن الممكن إضافة (عنصر الرعب) كمؤشرٍ آخر لأصالة سلميّة دعوة الإمام (عجل الله تعالى فرجه), حيث إنّه أحدُ مقوماتِ نصره, فالأعداءُ الذين يلقون رعبًا وهيبةً في صدورهم نتيجة مواجهة الإمام (عجل الله تعالى فرجه), أغلبُهم يُذعن أنّ الحقَّ مع الإمام (عجل الله تعالى فرجه), لاسيّما أنّهم قد سمعوا حدثًا كونيًا سماويًا يحثّ على اتّباعه, وعدم مقاتلته, وهو (الصيحة الجبرائيلية التي يسمعونها بلغاتهم). كما يمكن عدُّ هذا المؤشر لازمًا للمؤشر الخامس؛ لأنّ نصر الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) مُتحققٌ, وفتوحاته واقعةٌ لامحالة, فمن آمنَ به فلنفسه, ومن كفرَ فعليها, مما يدعو الإمام (عجل الله تعالى فرجه) إلى فتح بلاد الظلم بالقتال, ومواجهة من يقف عقبةً في طريقه, بعد أنْ يدعوهم للسلام. *وإن قِيلَ: لماذا تكون خطة الإمام (عجل الله تعالى فرجه) بما سيقومُ به من فتوحات مُعلنة؟ حيثُ أنّ ذلك سيوجبُ تآمر الأعداءِ وتكاتفهم أكثر مما لو لم يُعلنْ في الروايات عن الفتوحات والنصر المؤزر! *فبالإمكان أنْ يُجاب: بأنّ الإمام (عجل الله تعالى فرجه) حينما طلب من الله (تعالى) أنْ يكون فتحه ذلك فتحًا مُبينًا, قاصدًا أنْ يكون فتحًا ظاهرًا للجميع؛ تناسبًا مع عالمية ظهوره, والدّين الذي يدعو له, والرسالة السامية الرحيمة التي يوصلها, وتنبيهًا لمن يحاول أنْ يقف في طريقه, ويقاتله. وباختصار: ليُعلمِ اللهُ (تعالى) جميعَ خلقه أنّ نصر هذا الإمام (عجل الله تعالى فرجه) عالميٌ ومتحققٌ بكافةِ أقسامه وشرائطه, ولا شكَّ أنّ هذا غرضٌ من أغراضِ الله (تعالى), فينبغي تحقيقه, حيث يقولُ في كتابه الكريم: {ليظهرَه على الدّين كلّه}. ومعه, يكون إعلان الروايات عن فتوحات الإمام وسيلةً لإعلامِ الجميع بـحكمةِ الله (تعالى) أولاً, وإعطاء (صبغة العالمية) لشخصِ ودينِ ودولةِ وليّه الموعود (عجّل الله فرجه الشريف). بل ولعلّ ذلك الإعلان يشكلُ ردعًا لأعدائه, ويدحضُ مجردَ تفكيرهم بالنصر. _____________________ (1) سورة الفتح: 1. (2) ظ: تفسير الأمثل في بيان كتاب الله المنزل: للشيخ ناصر مكارم الشيرازي, ج16, ص412-417. (3) سورة الفتح: 28. (4) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج52, ص390, ح212. (5) أطلس سيرة الإمام المهدي عليه السلام: لرسول كاظم عبد السادة, ص602. (6)المصدر نفسه, ج52, ص224, ح87. (7) ظ: الملاحم والفتن: للسيد ابن طاووس, ج1, ص147. (8) مصدر سابق, ص615. (9) ظ: بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج52, ص333, ح61, عن الغيبة للسيخ الطوسي. (10) سورة الأنبياء: 105. (11) ظ: مصدر سابق, ج10, ص256-257. (12) تفسير القمي: لعلي بن ابراهيم القمي, ج2, ص77. (13) ظ: على ضفاف الانتظار: للشيخ حسين الأسدي, ص160-161. اللّهم افتح له فتحًا مبينا.

العقائد
منذ سنة
845

نشاطاتٌ رمضانية للمرأة الشيعية (٩)

بقلم: علوية الحسيني الصحة ركنٌ أساسيٌ آخر قد تغفل عنه بعض النساء في شهر رمضان خصوصًا, وفي الأشهر الأخرى عمومًا, وهي (الـصحة), التي هي عماد الإنسان المعين له على ممارسة كافة نشاطاته. فينبغي أن تجعل له جانبًا من الأهمية, دفعًا للضرر الذي يصيب الجسم نتيجة اهمال الصحة, وانحدارها بالأمراض. وانطلاقًا من حديث نبوي شريف ينبغي أن تلتفت المرأة إلى أنّها مسؤولة عمن ترعاهم, أو تكون بحكم الراعية لهم، روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، ...والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم" (1). ورعاية المرأة -زوجةً كانت أو بنتًا أو أختًا- يجب أن تُفعّل, إذ الإسلام فرض عليها تفعيل دورها من عدّة نواحي, ومنها ناحية الرعاية, إذًا يتحتم عليها أن ترعى الأبناء والزوج, والوالدين, والأسرة. وبما أنّ الرعاية مفهوم عام, فسوف يتم تسليط الضوء على أحد مصاديقها, وهي (الرعاية الصحية). فيا أختاه! بإمكانك أن تفعّلي تلك الرعاية من خلال إعدادكِ للطعام في شهر رمضان خصوصًا, وفي الأشهر الأخرى عمومًا. وحيث إنّ الصائم لا بد له من رعايةٍ صحيةٍ خاصة, فينبغي لكِ أن تراعي القواعد الصحية في طهي الطعام, وطرق تقديمه, وتقديم الأنفع على النافع منه. ومن هنا ينبغي عليكِ أن تكوني كالخبير الصحي في الأطعمة؛ حتى تؤدي رعايتكِ الصحية حق الأداء, بالرجوع إلى ما اعتمد عليه خبراء التغذية مباشرةً, أو اتباع ارشاداتهم. فبإمكانكِ أختاه قبل تقديم أيّ وجبة طعام أن تُراعي القواعد الصحية من حيث الفيتامينات, والتقديم والتأخير, وإمكان قرن أكلتين معًا, مع مراعاة التركيز على النقاط التالية: 1- بالنسبة لفوائد الأطعمة بإمكانكِ معرفتها من خلال الموروث الروائي الصادر عن أهل البيت (عليهم السلام), المجموع في كتاب اسمه "(الكافي), وذلك في جزئه الثالث تحديدًا" (2). 2- بالنسبة لوجبة الإفطار ينبغي مراعاة تقديم الطعام أوّلًا, ثم الأشربة -كالعصائر أو الشاي-؛ تطبيقًا لقاعدةٍ قرآنيةٍ صحيةٍ غذائية تقول: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَض} (3). 3- ضرورة طبخ الطعام الجيّد, والابتعاد عمّا يضر بصحة عائلتكِ, روي عن الإمام الصادق (عليه ‌السلام): "اعمل طعامًا، وتنوّق فيه" (4), والتنوّق هو المبالغة في الجودة. ويدخل ضمن مراعاة جودة الطعام الصحي: التقليل من الدهون والأملاح التي تسبب أمراضًا لا تحمد عقباها, فينبغي عدم التفريط في الصحة ولو بأكلةٍ واحدة؛ يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): "كَمْ مِنْ أَكْلَة مَنَعَتْ أَكَلاَت" (5). 4- قد تحتمل الضرر أسرتكِ من أكلها بعض الطعام, رغم احتوائه على فوائد عظيمة, فهنا بإمكانكِ تعليمها الدعاء المروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في دفع احتمال الضرر من بعض الطعام؛ فيروى "أنّ الأصبغ بن نباتة دخل على أمير المؤمنين (عليه‌ السلام) وقدّامه شواء, فقال له الإمام: ادن فكل, فقلت: يا أمير المؤمنين هذا لي ضارّ, فقال: ادن اُعلّمك كلمات لا يضرّك معهنّ شيء ممّا تخاف، قل: "بسم الله خير الأسماء ، بسم الله ملء الأرض والسماء ، الرحمن الرحيم ، الذي لا يضرُّ مع اسمه شيء ولا داء" (6). 5- لا تقدّمي الطعام الساخن جدًا؛ لزوال البركة منه, ومشاركة الشيطان فيه؛ حيث روي عن الإمام الصادق (عليه‌ السلام) أنّه قال: "إنَّ النبيّ (صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله) أُتي بطعام حارّ جدّاً ، فقال: ما كان الله ليطعمنا النار، أقرّوه حتّى يبرد ويمكن، فإنّه طعام ممحوق البركة، وللشيطان فيه نصيب" (7). 6- ذكّري أسرتكِ ببلوغ الصحة نصابها إذا تم الالتزام بمقدمات الطعام, كغسل اليدين قبل الطعام, والمضغ الجيد, وتصغير اللقمة, والأكل باليمين, وهذه, والمزيد غيرها كلّها سنن نبوية" (8). 7- ترك وجبة السحور قد تسبب خللاً في صحة الصائم, لذا حثّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على عدم تركها؛ روي عن علي (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "تسحروا ولو على شربة ماء ...وقال (صلى الله عليه وآله) السحور بركة ولله ملائكة يصلون على المستغفرين بالأسحار وعلى المتسحرين" (9). 8- عليكِ مراعاة الاستنان بسنة النبي وآله (صلوات الله عليهم) في نوع الطعام عند الإفطار, ففعلهم ليس عبثًا, وبالتالي تشخيصهم لغذاء معيّن هو أكثر صحة؛ روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا افطر بدأ بحلواء يفطر عليها فان لم يجد فسكرة أو تمرات فإذا أعوز ذلك كله فماء فاتر وكان يقول ينقى المعدة والكبد ويطيب النكهة والفم ويقوى الأضراس ويقوى الحدق ويحد (يجلو - خ) الناظر ويغسل الذنوب غسلا ويسكن العروق الهايجة والمرة الغالبة ويقطع البلغم ويطفى الحرارة عن المعدة ويذهب بالصداع المقنعة" (10). ____________________ (1) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج72, ص38. (2) الكافي: للشيخ الكليني, ج3, باب الأطعمة والأشربة. (3) سورة البقرة: 187. (4) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج24, باب استحباب اتخاذ الطعام ، وإجادته, ح1. (5) نهج البلاغة, ج4, ص42. (6) ظ: وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج24, باب ما يستحبّ الدعاء به عند أكل الطعام الذي يخاف ضرره, ح1. (7)المصدر نفسه, باب كراهة أكل الطعام الحار جداً ، واستحباب تركه حتى يبرد أو يمكّن ، وتذكر النار عنده, ح5. (8) ظ: سنن النبي (صلى الله عليه وآله): للعلاّمة الطباطبائي, ب9, ص211. (9) جامع أحاديث الشيعة: للمحقق البروجردي, ج9, ص253. (10) المصدر نفسه, ص258. اللهم أدم عافيتك علينا, ولا تبتلنا بما يقعسنا عن تكليفنا.

المناسبات الدينية
منذ سنة
460