Profile Image

علوية الحسيني

"إن المؤمن إذا مات وترك ورقة واحدة عليها علم كانت الورقة سترا فيما بينه وبين النار".

المرأة ونصرة العترة المحمدية بين القوّة والفعليّة

بقلم: علوية الحسيني إنّ دائرة نصرة العترة (عليهم السلام) واسعة تشمل الرجل والمرأة؛ لإطلاق الأدلة، فضلاً عن وجوب نصرتهم عليها، وعليه سيتم تناول الموضوع ضمن المطالب التالية: ■المطلب الأول: سبب حث الأئمة (عليهم السلام) على النصرة إنّ السبب من وراء ذلك عقائدي بحت؛ حيث يكمن في بيان الإخلاص، وعمق الإيمان بأصول الدّين، صعودًا إلى الإيمان بما قاله النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)، وهذا هو أصل النبوة، ثم بما شاء الله تعالى لهم من منزلة عظيمة، وهذا هو التوحيد، وبعدله سبحانه وهذا هو العدل الإلهي، حيث كانوا (عليهم السلام) هم ثاني من نطق بالربوبية بعد نبي الله محمد (صلى الله عليه وآله) في عالم الذر حينما سألهم الله تعالى (مَن ربّكم)؟ ونزولاً إلى الإيمان بمصير من ينصرهم (عليهم السلام)، وهذا هو المعاد، وحيث إنّ نصرتهم توجب الجنة. فمن خلالهم وصلتنا معرفة عن المعاد بصورة عامة –جنة أو نار-؛ إذ هم الخلفاء بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله). وبالتالي نصرة الأئمة تشكّل حلقة ربطٍ بين اصول الدّين جميعها، السابقة لأصل الإمامة، وهي التوحيد والعدل الإلهي والنبوة، واللاحقة له، وهي المعاد، ومن بابٍ أولى تظهر لا بدية الإيمان بأصل الإمامة إذ إنّ نصرة أي إمام تكون فرع الإيمان به. إذًا النصرة تسبقها مرحلة مهمة وهي الإيمان، "والايمان إقرار باللسان، ومعرفة بالقلب، وعمل بالجوارح"(1). فلا يكفي قولكِ: (إنّي مؤمنة بالأئمة وأناصرهم)، ولا يكفي اعتقادكِ القلبي بنصرتهم، بل لابد من أن تقرني مع ذلك عملًا بالجوارح، والنصرة من الأعمال الجوارحية. والنصرة تتجلى في كلّ شيء يرضي الله تعالى. ولهذا كانوا يحثون على أن يكون شيعتهم زينًا وليس شينا، والزين هو في رضا الله تعالى. ■المطلب الثاني: مصاديق النصرة إنّ النصرة قد تكون جوارحية، وقد تكون جوانجية بلحاظٍ، وبلحاظٍ آخر قد تكون قولية وقد تكون فعلية، وعلى ذلك تتعدد مصاديق النصرة: أولاً/ من الأمثلة عن النصرة بالجوارح: •تستطيعين أختاه بيدكِ مناصرة الأئمة (عليهم السلام) بكتابة كتابٍ، أو ورقةٍ، تبين أفضالهم، وتذكر بمقامهم، أو من خلال النشر، أو بإتقان عملكِ البيتي او الوظيفي. •وتستطيعين مناصرتهم بقدمكِ بذهابكِ إلى أماكن لا يغضب الله تعالى لو وجدكِ فيها، فبامتناعكِ من الذهاب إلى بعض المناسبات التي تكون محفوفة بالغناء والموسيقى، هذه نصرة للأئمة؛ لأنّهم لا على هذا أدبوا شيعتهم، بل كان تأديبهم وتربيتهم لنا على كلّ طاعةٍ لله تعالى، لا على سخطه. •وتستطيعين مناصرتهم بسمعكِ، من خلال إيقاف سمعكِ على الكلام النافع لكِ، والابتعاد عن اللغو والزور والغيبة والنميمة والبهتان. •وتستطيعين مناصرتهم ببصركِ، من خلال ايقاف بصركِ على الحلال، والابتعاد عن فضول النظر فضلاً عن النظر إلى الحرام. فهذه الأعمال الجوارحية لو اقترنت بالإقرار اللساني بالإيمان بالأئمة، والاعتقاد القلبي، لشكلت لنا نصرة حقيقية خالصة لهم (عليهم السلام). ثانيًا/ من الأمثلة على النصرة القولية كأن تنصر الأئمة بقول الحق، بأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر –مع توفر الشروط-، أو تنتصر لمغتابٍ اغتيب في حضرتها. ثالثًا/ من الأمثلة على النصرة الفعلية كأن تحسن البر بوالديها، وتحسن تبعل زوجها، وتربية أبنائها، وتحافظ على حشمتها وحجابها وعفتها، وتتصف بكل الصفات الأخلاقية الحسنة. حيث أنّ جميع ذلك مطلوبٌ منها كموالية لهم، لتعدّ الأجيال التي تتربى على التضحية والفداء من أجل عترة سيّد الأصفياء (عليهم السلام). رابعًا/ لحاظات أخرى للنصرة: فبمالكِ أختاه تستطيعين النصرة، من خلال أداء الحقوق المالية المترتبة في ذمتك كالخمس، والكفارات، وغيرها من دفع الصدقة، ومساعدة المرضى والمحتاجين، أو العمل على تزويج مؤمن، أو كفالة يتيم، فهذه نصرة مالية، وهي ما يرتضيه الأئمة (عليهم السلام)، حيث روي عن الإمام عليّ عليه السلام: "إنّ الله تبارك وتعالى اطلع على أهل الأرض فاختارنا واختار لنا شيعة ينصروننا، ويفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا، ويبذلون أموالهم وأنفسهم فينا، أولئك منّا وإلينا". وعلى ذلك تكون مناصرتكِ آصرة بينكِ وبين ساداتكِ. ■المطلب الثالث: خطورة عدم النصرة يا أختاه! إنّ المرأة التي لا تعيش هم النصرة فهي مخذولة في الدنيا والآخرة؛ والخذلان فرع عدم طاعتهم (عليهم السلام)، وهذا خطر كبير أشارت له الزيارة الجامعة الكبيرة: "من أتاكم نجا، ومن لم يأتكم هلك"، فإن أتيتِ إليهم تمسكتِ بنهجهم ووصاياهم، التي هي أوامر الله تعالى، فأنت ناجية فالحة كما يقول تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون}(2)، والآيات التي تليها كفيلة ببيان صفات المؤمنين. فالمؤمنة المتبعة لأوامر ربّها، ناجية، مناصرة لأئمتها (عليهم السلا). وإذا لم تتمسكي بنهجهم ووصاياهم (عليهم السلام) فقد خسرتِ خسرانًا مبينًا. ونظير هذا ما ورد في قول نبي الله محمد (صلى الله عليه وآله): "إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي [ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا] ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض". فمن لم تتمسك بكل من القرآن الكريم، والعترة المحمدية فإنّ الضلال مصيرها؛ بلحاظ أنّهم (عليهم السلام) المفسرون للقرآن، الناقلون لتشريع الرحمن، الهادون نحو الجنان. ولهذا اختاه تجدين أنّ الإمام السجاد (عليه السلام) يعلّمنا أدب طلب نصرة الدّين بدعائه: "اللهمّ اجعلني ممّن تنتصر به لدينك ولا تستبدل بي غيري"، وكأنّه يعلمنا المنافسة في هذا العمل حينما يقول: ولا تستبدل بي غيري، وهذا يدل على عظمة النصرة وخطورة الخذلان، ولستِ بعيدة عن الخطاب الدعائي هذا. ■المطلب الرابع: كيفية استعداد المرأة للنصرة أما كيفية الاستعداد فتكمن من خلال العلم والعمل الصالح، فمن تعلم ثم تعمل بما علمته نجت وناصرت، ومن علمت ولم تعمل هلكت، ومن عملت بلا علم تهافتت وسقطت. وقد حثّ أهل البيت (عليهم السلام) على هذه الثنائية، حيث روي عن الإمام عليّ (عليه السلام): "شيعتي والله الحلماء، العلماء بالله ودينه، العاملون بطاعته وأمره"(4). وخير مثالٍ على هذا السلوك ما قالته السيّدة زينب (عليها السلام)؛ حينما قالت: "إلهي إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى"، فقد أقرنت العلم بالعمل حتى وصلت إلى هذا المقام السامي الذي لا تناله إلاّ ذات حظٍ عظيم، فآمنت علمًا، وسلّمت عملاً. وكفاكِ فخرًا بالاقتداء، بالسيّدة الحوراء (عليها السلام)، وإلاّ لكنتِ محل سطوة تلك الخطورة. وإنّ أول استعدادٍ للنصرة هو تزكية النفس، وتهذيبها، وترويضها المنطلق من علمٍ سليم؛ لأنّ كل عمل لابد أن يسبق بمرحلة نفسية ثم تعمله الجوارح. والمرأة مخلوق أودع الله تعالى فيها هذه الروح، وأوجب عليها نصرة ائمتها (عليهم السلام) قلبيًا وجوارحيًا؛ فتعمل على تهذيب نفسها. وقبل ذلك كلّه لابد من أن يكون لها علم -كما أشرتُ أعلاه- لتنطلق منه وتعمل به، وتناصر. ومن هنا تتضح أهمية العلم للمرأة؛ فعليكِ أختاه بتنظيم وقتكِ، وتخصيص مقدار منه للعلم النافع، المشعر بالرحمة الإلهية، المعين على النصرة الولائية. ■المطلب الخامس: النصرة الخاتمية ولا يخفى عليكِ أيّتها المؤمنة أنّ نصرة الأئمة (عليهم السلام) نوعٌ من أنواع التمهيد لظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، والنصرة سواء أكانت في زمن الغيبة أو في زمن الظهور، مكنونة في نفس كلّ موالية، فهي (مناصرة بالقوّة) كما يقال في علم المنطق؛ أي ممكن أن تصبح مستقبلاً مناصرة لمواليها (عليهم السلام)، وهذا المستقبل سواء أكان زمن الغيبة أو الظهور. بدليل ما نقرأه في زيارة أمين الله: "ونصرتي لكم معدّة"، ويكفي مجرد العزم على نصرته (عجّل الله فرجه الشريف) بخلوصٍ وصدقٍ وعزم، روي عن الإمام الباقر عليه السلام: "القائل منكم: إن أدركت القائم من آل محمّد نصرته كالمقارع معه بسيفه والشهيد معه له شهادتان"(5). ويلي وجوب النصرة التمهيدية النصرة في زمن الإمام (عجّل الله فرجه الشريف). فما أسعدكِ لو أمركِ الإمام لدعوة الناس إلى دين الله تعالى! وهل تتوقعين اختاه أنّه يختار لتلك المهمة امرأة لا علم لها؟ حتمًا لا؛ إذ أنّه سيختار ذوات العلم، اللواتي قرنَّ العلم بالعمل وناصرنَ أنفسهنَّ بالتغلب على الهوى والغرور والأنا والصفات الرذيلة، ثم ناصرنَ في بيوتهنّ بجهادهنَ المعروف الذي أشرنا إليه أعلاه. إذًا يجب على النسوة معرفة أهمية مقامهنّ في زمن الغيبة وزمن الظهور، ولهذا يؤكد العلماء المختصون بالقضية المهدوية على التوجيهات التالية بشأن نصرة المرأة لإمام زمانها: "ليس للمرأة بما هي امرأة خطاب خاص في عصر الغيبة، بل الخطاب موجه للمؤمنين عموماً وهي مِن بينهم، فبالنتيجة المرأة في عصر الغيبة مكلّفة بالتكاليف الموجهة للمؤمنين. وفيما يخص تكاليف المؤمنين في عصر الغيبة: أولاً: الالتزام بالأحكام الشرعيّة. ثانياً: طاعة الفقهاء العدول الواجدين لشرائط التقليد. ثالثاً: الدفاع عن مصالح المؤمنين-مصالح الشيعة-. رابعاً: نشر فكر أهل البيت عليهم السلام بمختلف الوسائل من الخطابة والتأليف والشعر والنثر وعقد المجالس وإحياء المناسبات. خامساً: انتظار فرج مولانا صاحب الزمان عليه السلام والدعاء له. سادساً: التفقّه في الدين"(6) فما عليكِ أختاه إلاّ العلم، والعمل، والإخلاص، لتدوم الآصرة بينكِ وبين مواليكِ؛ لإنتاج نصرةٍ تليق بمقامهم (عليهم السلام)، نظير الآصرة الكيميائية بين الذرات التي تنتج مركبًا. .......................................... (1) مما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في أمالي الطوسي: للشيخ الطوسي، ج1، ص 379. (2) المؤمنون: 1. (3) الغاشية: 23-24. (4) المصدر سابق، ص576. (5) فروع الكافي، ج8، ص81. (6) مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف). اللهم اجعلنا ممن تنتصر بهنَّ لدينك، وتعز بهنَّ نصر وليك، ولا تستبدل بنا غيرنا، فإنّ استبدالك بنا غيرنا عليك يسير، وهو علينا كبير، إنّك على كل شيء قدير.

المرأة بين الإسلام والغرب
منذ سنة
2152

توحيدية الطاعة

بقلم: علوية الحسيني ■تمهيد بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، محمّدٍ وآله ذوي السؤدد والجاه. قال تعالى في محكم كتابه، وعظيم تنزيله: بسم الله الرحمن الرحيم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} (١) صدق الله العلي العظيم. حينما أفاض الله سبحانه نعمه الظاهرة والباطنة على عباده، ومنحهم مقاماً عظيماً بين مخلوقاته، ووفر لهم سبل تحقيق التكليف وأنواعه، كان حريًا بالعبد شكر خالقه، وذلك بالامتثال لطاعته. فما مدار طاعته لله تعالى، وما هي آلية الطاعة، والدليل عليها، وارتباطها بأصول الدّين، وآثارها الروحية؟ هذا ما سيتم بيانه ضمن المطالب التالية: ■المطلب الأول: مدار طاعة الله تعالى. إنّ الإيمان هو عرى العقيدة، وعليه تدور طاعة الله تعالى مدار الرحى، فهو السكينة المبثوثة في قلوب المؤمنين، بدليل ما روي عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ الله عَزَّ وَجَلَّ أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ هُوَ الإيمَان" (٢). ولتلك السكينة أو الإيمان ركنان لا ينفكان أبداً: اقرارٌ وعمل، بدليل ما روي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَحَدِهِمَا (عَلَيهِما السَّلام) قَالَ: الإيمَانُ إِقْرَارٌ وَعَمَلٌ..." (٣). -فإن قيل: إقرارٌ بماذا وعملٌ بماذا؟ -قلنا: إقرارٌ بالشهادة لله تعالى بالألوهية، ولمحمدٍ (صلى الله عليه وآله) بالرسالة، والعمل بما يترتب على تلك الشهادة من طاعةٍ وتسليم، وتصديقٍ وتفويض لله، ولرسوله، ولمن يوصيان بطاعته، فعن جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ قَالَ سَأَلْتُ: أَبَا عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) عَنِ الإيمَانِ؟ فَقَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا الله وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله قَالَ قُلْتُ أَ لَيْسَ هَذَا عَمَلٌ قَالَ بَلَى قُلْتُ فَالْعَمَلُ مِنَ الإيمَانِ قَالَ لا يَثْبُتُ لَهُ الإيمَانُ إِلا بِالْعَمَلِ وَالْعَمَلُ مِنْهُ" (٤). وبما أنّ المؤمن لا يكون مؤمناً فعلاً إلاّ إذا آمن بجميع أصول دينه، بمراتبها وشروطها -وأول أصول الدّين هو توحيد الله سبحانه، والتوحيد مراتب-، فيجب الإيمان بها جميعاً، ومن مراتبه: التوحيد في الربوبية، فالرب: " هو صاحب الإنسان ومدبر حياته ومخطط مساره، وخالقه"(٥). فكما يؤمن العبد بأنّ الله واحدٌ أحد، يجب أن يؤمن أنّ مدبّر أمره هو الله سبحانه، والتوحيد في الربوبية على أقسام، منها التوحيد في الطاعة، فوجبَ على العبد أن يطيع ربّه ليكون مؤمناً موحدا. وهذا الوجوب وجوبٌ عقلي، قبل أن يكون نقلياً -مما أشارت له الآية الكريمة-. ومعنى الوجوب العقلي: هو أنّ العقل يحكم بوجوب طاعة الخالق المدبر، وهو أمرٌ حسن، والعقل يدرك الحسن من القبح، فيوجب على صاحبه كل ما هو حسن. ووجوب الإيمان بالعقيدة يكون عن دليلٍ قاطع، وبرهانٍ ساطع؛ حتى يكون الإيمان راسخاً صلباً شامخاً، لا تعتريه الشكوك والظنون. ■المطلب الثاني: كيف أكون مطيعًا لله تعالى؟ عرفنا قبل قليل أنّ التوحيد في الربوبية أحد مراتب التوحيد، ولهذه المرتبة أقسام، منها التوحيد في الطاعة. ومعنى التوحيد في الطاعة: هو افراد الله سبحانه بالطاعة أصالةً دون أن أشرك معه أحداً، وتلك الطاعة تتمثل بالامتثال للأوامر، والاجتناب عن النواهي الواردة في الشريعة المقدسة كتاباً وسنةً. يقول الشيخ المفيد (قدّس سرّه): "فرائض الله جل اسمه لا تؤدى إلا بالطاعات في حدودها" (٦). فالعقل يدرك قطعاً أنّ ذمته مشغولة بالتكاليف الإلهية، والقطع حجة عليه، لذا يجب على العبد الامتثال لتلك التكاليف افراغاً لذمته. وأنّ الله تعالى الخالق لمخلوقاته الذي أخرجهم من كتم العدم إلى ساحة الوجود، هو المالك الحاكم لهم، المدبر لأمرهم، فالحاكمية تلازم الطاعة عقلاً؛ لأنّ حكومة الله تعالى بلا طاعة له تكون عبثًا ولغوًا - وتعالى عن ذلك علواً كبيراً-، ولهذا يلزم على المؤمن طاعة ربّه. ■المطلب الثالث: ما الدليل النقلي على طاعته تعالى؟ دلت آيات كريمة، وروايات شريفة، كثيرة، على طاعة الله تعالى، منها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم} (٧). فالآية جاءت مخاطبةً المؤمنين بصيغة الأمر في مفردة (أطيعوا)، وصيغة الأمر ظاهرة في الوجوب كما هو متبادرٌ إلى الذهن. ولو تتبعنا في سيرة محمدٍ وآل محمد (عليهم السلام جميعًا) لوجدناهم أشدّ الناس امتثالاً لطاعة الله تعالى في السراء والضراء، والشدة والرخاء، رغم عصمتهم وضمان دخولهم الجنة، إلاّ أنّهم وجدوا الله أهلاً للطاعة فأطاعوه، وهم خير مثالٍ وقدوة لمن أراد الاقتداء، فمن أطاعهم فقد أطاع الله تعالى. ■المطلب الرابع: الارتباط الوثيق بين أصول الدّين وطاعة الله تعالى. إنّ الاعتقاد بلزوم طاعة الله تعالى له ارتباطٌ وثيق بالإيمان بجميع اصول الدّين. •فوجه ارتباطه بأصل التوحيد قد عرفناه من خلال الترابط بين مراتب التوحيد. •ووجه ارتباطه بالعدل الإلهي هو أنّه تعالى لا يحيف في حكمه، فيثيب المطيع، ويعاقب العاصي. •أما وجه ارتباطه بالنبوة فيتضح من خلال الإيمان بشخص النبي (صلى الله عليه وآله) الذي يدلنا على التكاليف، وقوله وفعله وتقريره. •ووجه ارتباطه بالإمامة كذلك، فيلزم طاعة الله تعالى بما يلزم منه الإيمان بشخص الإمام والنص على إمامته. •ووجه ارتباطه بالمعاد فيتضح من خلال أداء العبد للتكاليف الإلهية ونيله الجزاء في يوم المعاد. ■المطلب الخامس: آثار طاعة الله تعالى. مما تجدر الإشارة إليه هو أنّ هناك آثاراً روحية تترتب على الإيمان بلزوم طاعة الله تعالى، منها: ١- القرب من الله (عزّ وجل). ٢-النجاة من الهلكة. ٣- نزول الرحمة والسكينة. ٤- حياة القلوب. ٥-دحض الشيطان. ٦-مراقبة النفس وتهذيبها. ٧-إشاعة روح تطبيق معالم الشريعة بتسليمٍ مطلق. ومن هنا حريٌّ بنا طاعة الله تعالى، والاتكاء على جدار الأسف؛ حزناً منّا على ما فرّطنا في طاعته سبحانه، والتمسك بتعاليمه، ففي ذلك الفلاح والصلاح. _______________ (١) النساء: ٥٩. (٢) الكافي: للشيخ الكليني، ج٢، ب١٠، ح١. (٣) المصدر نفسه، ب١٤، ح٢. (٤) المصدر نفسه، ب١٨، ح٦. (٥) الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل: للشيخ السبحاني، ج٢، ص٧٩. (٦) أوائل المقالات: للشيخ المفيد، ص١١٩-١٢٠. (٧) النساء: ٥٩. اللّهم ألهمنا طاعتك، وجنّبنا معصيتك، ويسّر لنا بلوغ ما نتمنى من ابتغاء رضوانك، وأحللنا بحبوحة جنانك، بلطفك ومغفرتك ورحمتك.

العقائد
منذ سنة
2597

الرياء سرطانٌ أخلاقي الجزء الأول

بقلم: علوية الحسيني تمهيد قال الله تعالى في محكم كتابه وعظيم تنزيله: {الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُون} (1) ظاهر الآية الكريمة يشير إلى أصحاب الرياء، رجالاً كانوا أو نساءً، مسلمين كانوا او مؤمنين؛ لاشتراكهما في أداء الصلاة، التي وصفهم الله تعالى بأدائها في سياق الآيات السابقة لهذه الآية، حيث قال تعالى: { فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ...الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُون}، والأشد هولاً هو أنّ الله تعالى قد أعدّ لهم ويلاً -وهو وادي من نار في جهنم، نستجير بالله-. وهذا كافٍ للتعريف بخطورة الرياء، فلابد من معرفة مفهومه وحكمه، وتسليط الضوء على بعض مصاديقه، ومناشئه، وتشخيص علامات المرائي، وطرق علاجها، مع بيان التبعات المترتبة على الرياء، وذلك من خلال المطالب التالية: ■المطلب الأول: مفهوم الرياء وحكمه •الرياء لغةً: "مصدر رأى تظاهر بخلاف ما في الباطن فعل ذلك رياءً" (2). •شرعًا: "الرياء هو إظهار وإبراز شي‏ء من الأعمال الصالحة أو الصفات الحميدة أو العقائد الحقة، للناس؛ لأجل الحصول على منزلة في قلوبهم والاشتهار بينهم بالصلاح والاستقامة والتدين، من دون أن تكون هناك نية إلهية صحيحة" (3). •جاء في تفسير الميزان للآية الكريمة أعلاه ﴿الذين هم يراءون﴾ "أي يأتون بالعبادات لمراءاة الناس فهم يعملون للناس لا لله تعالى" (4). •موقف الشارع منه، هو أنّه أحد المعاصي "... ومن أعظم المعاصي الأُخرى ... والرياء والسمعة في الطاعات والعبادات" (5). إنّ تفشي رذيلة الرياء بالتعبد لغير الله عزّ وجل -وإن كان خفياً- لهو من أخطر الامور فتكاً بأمة النبي محمد (صلى الله عليه وآله)؛ إذ انتشر الجفاف الروحي بالعلاقة مع الله سبحانه، وكثرت الحجب بيننا وبينه سبحانه، وقلّ الإخلاص في العبادة، فباتت (روتين) لتكميم أفواه الناس لئلا يخرجوه عن ملة الإسلام بكلامهم، لذا أشار القرآن الكريم إلى مجمل هذا الموضوع، وفصلته السنة النبوية من خلال أحاديث المعصوم (عليه السلام). ■المطلب الثاني: مصاديق الرياء للرياء مصاديق كثيرة، منها: ١-الرياء في الصلاة بدليل الآية الكريمة: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلا} (6). فظاهر الآية هو أنّ هناك من يحسِّن صلاته إن كان يصلي أمام الناس، وحال انفراده بربّه فصلاته أسوء مما تكون أمام الناس. ٢- الرياء في الإنفاق بدليل الآية الكريمة: {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِر} (7). نعم، كم منّا من يتصدّق على الفقراء من أجل جلب أنظار الناس إليه! في حين أنّ مضامين الروايات حثّت على عدم معرفة اليد اليسرى بما تنفق اليد اليمنى، فأين نحن من هذا الأدب في الانفاق؟ ٣- الرياء في الجهاد بدليل الآية الكريمة: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه} (8). فالآية تشير إلى من يخرج للجهاد ليمدح الناس بطولته، وليس حبًّا بهذه الفريضة، ولا امتثالاً خالصًا لأمر الجهاد، لذا نجد البعض يتقاعس عن أن يكون في الصفوف الأمامية في ساحات الوغى، ويدفع ببدله عنه، وهذا ناقوس خطرٍ على شوب نيته بالرياء عند مشاركته بالجهاد. ■المطلب الثالث: مناشئ الرياء ينشأ الرياء من خلال أسباب عديدة، منها: 1- حب الجاه من الطبيعي أنّ كل صفة قبيحة تجر المتصف بها إلى الاتصاف بصفات اخرى قبيحة، سواء أكانت مساوية لها في القبح، أو تنقصها، أو تزيدها. وها هو حب الجاه يجر صاحبه إلى الرياء؛ فإنّ المباهاة والافتخار والشعور بالتميز بما أنعم الله تعالى عليه يجعل الانسان يرائي الناس. 2- الاستجابة لتسويلات الشيطان أحيانًا يكون الإنسان بداية مساره متقيًا، محاسبًا لنفسه، مراقبًا لها؛ منعًا من الوقوع بالرياء قولاً وفعلاً، إلاّ انّ الشيطان لا يتركه دون أن يوسوس له، فيحوّل تقواه تمردًا، ومحاسبته تسيّبًا، ومراقبته عدمًا، حتى يرتكب خطيئة الرياء؛ كأن يقول له: أنت ذو منصب وجيه عند الناس فأرِهم ما أخفيته عنهم، فأنت مميز عنهم. والفالح من تعوّذ بالله من الشيطان ووساوسه، ولم يقع في شباك الشيطان الرجيم. 3- عدم فهم الإخلاص لله سبحانه الإخلاص اجمالاً هو عدم اشراك غير الله تعالى بكلّ شيء، حيث إنّ المعطي والمسبب هو وحده سبحانه، قال تعالى: {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين} (9)، والرياء يثلم الاخلاص ثلمًا. 4- كثرة الذنوب إنّ كثرة الذنوب تؤدي إلى كثرة الحجب التي تحول دون القلب ورؤيته للأمور، وتدفع بالإنسان نحو الرياء؛ إذ يغيب عنه مفهوم الرقابة الإلهية؛ لأنّ قلبه محجوب، فلا يستشعر المعيّة الإلهية، فكيف يستشعر الرقابة! فقلبٌ رانَت عليه طبقات الذنوب، لا يستبعد من صاحبه صدور الرياء منه، إذ يستسيغ ارتكاب أيّ ذنبٍ، ويقفل على نفسه باب التوبة النصوح، حتمًا سيعيش لأجل مراءاة الناس، وارضاءهم. 5- إدمان الرياء وحيث إنّ بني آدم خطاؤون، لكن خير الخطائين التوابون، وقد يرتكب العبد الرياء يومًا ما، لظنه أنه سرعان ما يتوب، ويرتكبه مرة اخرى وقد يتوب، ويتكرر ذلك، أو قد لا يتوب فيدمن هذا الذنب، حتى يكون مدعاة إلى استساغة الارتكاب. 6- معاشرة المرائين كما أنّ الطاقة الإيجابية والسلبية تنتقل من شخص لآخر، فكذا ممكن أن تنتقل الأخلاق القبيحة بالتأثير، وبالتالي يجب نصح المرائين، وإن لم ينفع فتترك معاشرتهم؛ لئلا يتطبع بطبعهم. __________ (1) الماعون: ٦ (2) ظ: المعجم الجامع. (3) الأخلاق من الأربعون حديثاً: للامام الخميني قدس سره. (4) ظ: الميزان في تفسير القرآن: للعلامة الطباطبائي قدس سره، سورة الماعون. (5) منهاج الصالحين: للسيد السيستاني دام ظله، ج١، م٣٠. (6) النساء: ١٤٢. (7) النساء: ٣٧-٣٨. (8) الأنفال: ٤٧. (9) غافر: ٦٥. اللهمّ إنّي أعوذ بك أن تحسّن في لامعة العيون علانيّتي، أو تقبّح فيما اُبطن لك سريرتي، محافظاً على رياء النّاس من نفسي بجميع ما أنت مطّلع عليه منّي، فأبدي للنّاس حسن ظاهري، وافضي إليك بسوء عملي تقرّباً إلى عبادك، وتباعدًا من مرضاتك، يا أرحم الراحمين.

ظواهر اجتماعية غير منضبطة
منذ سنة
3897

الوصول إلى رضا السفيرة الإلهية

بقلم: علوية الحسيني ■السائل: السلام عليكم ما هو السبيل إلى رضا فاطمة الزهراء (عليها السلام)؟ ■المجيب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته بما أنّ السّيدة الزهراء (عليها السلام) يرضى لرضاها النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، والله (سبحانه وتعالى)، فبالتالي يكون رضاها من رضا الله تعالى. وهي بدورها (عليها السلام) رسمت لنا سبل الوصول إلى رضوان الله تعالى، ومن يسع إلى تحقيق ذلك الرضوان الإلهي، يكن كان لها أقرب، وهي عنه أرضى. هنالك شروط ذكرتها السيّدة الزهراء (عليها السلام)، في أحد الروايات المروية عنها؛ حيث رويَ عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) أنّه قال: "قال رجل لامرأته: اذهبي إلى فاطمة (عليها السلام) بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسليها عني: أنا من شيعتكم أو لست من شيعتكم؟ فسألَتها، فقالت (عليها السلام): قولي له: إن كنتَ تعمل بما أمرناك وتنتهي عما زجرناكَ عنه، فأنت من شيعتنا وإلاّ فلا. فرجعتُ [أي زوجة الرجل] فأخبرته، فقال: يا ويلي ومَن ينفك من الذنوب والخطايا، فأنا إذن خالدٌ في النار، فإنّ مَن ليس مِن شيعتهم فهو خالد في النار؟ فرجعَت المرأة فقالت لفاطمة (عليها السلام) ما قال زوجها، فقالت فاطمة (عليها السلام) قولي له: ليس هكذا فان شيعتنا من خيار أهل الجنة، وكل محبينا وموالي أوليائنا ومعادي اعدائنا، والمسلم بقلبه ولسانه لنا لـــيسوا من شيعتنا إذا خالفوا أوامرنا ونواهينا في سائر الموبقات، وهم مع ذلك في الجنة، ولكن بعد ما يطهرون من ذنوبهم بالبلايا والرزايا أو في عرصات القيامة بأنواع شدائدها، أو في الطبق الأعلى من جهنم بعذابها، إلى أن نستنقذهم بحبنا منها وننقلهم إلى حضرتنا" (١). فالرجل الذي سأل هل أنّه من شيعة محمد وآل محمد (عليهم السلام) يريد أن يعلم هل أنّ السيّدة الزهراء (عليها السلام) راضية عنه أو لا، فكان جوابها (عليها السلام): أنّ من نرضى عنه يجب أن يكون ممتثلاً لأوامر الله تعالى، منتهيًا عن نواهيه تعالى. نعم، حالنا كحال ذلك الرجل، لسنا من أهل العصمة، فنرتكب الذنوب، ولا نعلم خاتمة أمرنا، لكن باب التوبة مفتوح، والعاقل من عرف عدوّه فاستعاذ منه، وأما من مات ولا توبة له فخاتمة أمره هي مرآة لمحل مصيره، فيعذّب في النار حتى يطهر من الموبقات التي ارتكبها ولم يتب منها في دار الدنيا، وقد تشمله شفاعة محمد وآل محمد (عليهم السلام) –ومن ضمنهم السيدة الزهراء (عليها السلام)- بإذن الله تعالى، فيأمر سبحانه وتعالى به إلى الجنة، فينال بعدها الرضا الإلهي، بتوسط رضا السيّدة الزهراء (عليها السلام). ونستطيع أن نقول بعبارة اخرى: بما أنّ إيماننا بأصول الدّين في مرحلة التصور الذهنية يبدأ من التوحيد وينتهي إلى المعاد، لكن في عالم التصديق الخارجي يكون العكس؛ حيث يتجلى لنا أصلان من أصول الدّين يكونان حلقت وصلٍ بين التوحيد والعدل من جهة، وبين المعاد من جهة أخرى، وهما (النبوة والإمامة)، وحيث إنّ السيّدة الزهراء (عليها السلام) ربطت بين النبوة والإمامة فلولاها لم يخلق الله تعالى النبي الأكرم، وعلي بن أبي طالب (عليهما السلام)؛ إذ إنّه تعالى جعل إكمال دين محمد (صلى الله عليه وآله) بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ لئلا تنطمس معالم الدّين، وهذه الولاية سفيرتها هي السيّدة الزهراء (عليها السلام)، الحجّة على أبنائها الحجج، فكانت الحلقة الرابطة المقدّسة المؤدية إلى الإيمان بأوائل الأصول. وهذه الميزة الاصطفائية جعلت رضا الله تعالى معلّقاً على رضاها، وغضبه تعالى على غضبها، وبالتالي يكون من رضيت عنه فإن الله تعالى راضٍ عنه، ومن غضبت عليه فالله تعالى غاضب عليه، ومن هنا جاء سؤالكم المبارك، الذي يستبطن سؤالاً مفاده (كيف نصل إلى رضوان الله تعالى؟)، وهو مرادف لما طرحتموه (كيف نصل إلى رضا السيّدة الزهراء (عليها السلام)؟). وقد وعد الله تعالى عباده المؤمنين بالرضوان؛ حيث قال تعالى: {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَر} (2) فيكون مقتضى حكمة الله تعالى عدم خلف الوعد، ووعده بالرضا يتحقق بواسطة رضا السيّدة الزهراء (عليها السلام). إذًا من خلال السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) عرفنا أنّ هناك وليًّا، وهو أمير المؤمنين (عليه السلام) حفظ لنا الشريعة، وتلك الشريعة وصلت لهم عن طريق السفير الإلهي، النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، نقلاً عن الله الواحد الأحد. فإلى هذه الأصول وصلنا عن طريق السيّدة الزهراء (عليها السلام)، وهذا مصداق ما نقرأه بالزيارة الجامعة الكبيرة: "السلام على الأدلاء على الله"، وعليه، من يدلّ على الله تعالى يكون تجلٍ من تجليات الرحمة الإلهية، لكنها رحمة محاطة بهالة قدسية لم يحط الله تعالى بها أحد من قبل، لا ملك مقرّب، ولا نبيٌّ مرسل، مقتضى هذه الهالة هو أنّه تعالى جعل رضاه من رضاها، بجعلٍ إلهي. وبعد معرفة تلك المقرونية بين الرضا الإلهي والرضا الفاطمي، يكون السبيل لتحصل ذلك الرضا مطلقًا هو قوله تعالى {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُول} (3)، فبطاعة الله تعالى ورسوله نيل الرضا، وذلك بالامتثال للتكاليف الإلهية، بالإضافة إلى الاعتقاد بالاعتقاد الحق، والتخلّق بأخلاق المطاع (صلى الله عليه وآله). ____________________ (١) تفسير الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، ص٣٠٨. (2) سورة التوبة: ٧٢. (3) سورة آل عمران: ٣٢. اللهم جللنا برضاك بحق فاطمة وأبيها، وبعلها، وبنيها، والسر المستودع فيها، إنّك سميعٌ مجيب.

العقائد
منذ سنة
2068

ومضاتٌ فاطمية لإنارة غياهب الجاهلية (٤)

بقلم: علوية الحسيني "كوَّنها [الأشياء] بقدرته، وذرأها بمشيئته، من غير حاجة منه إلى تكوينها، ولا فائدة في تصويرها، إلا تثبيتًا لحكمته وتنبيهًا على طاعته، وإظهارًا لقدرته، وتعبّدًا لبريته، وإعزازًا لدعوته". (كوَّنها [الأشياء] بقدرته) أي إنّ الله سبحانه خلق الأشياء دون استعانة بشيء؛ لقدرته المطلقة، وعدم وجود المانع من تعلق قدرته بها؛ فتسمى هذه الأشياء مخلوقات، مقدورات، ممكنات، وقدرة الله تعالى متعلّقة بالممكنات -المقدورات- على حدٍ سواء، فقدرته سبحانه عامة؛ لانتفاء المانع من تعلّقها بتلك الأشياء. وهذا ما يعضّده قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} (1). ولا بد من الإشارة إلى أنّ الباء في كلمة (بقدرته) ليست باءً تعني المغايرة، أي ليس المعنى هو أنّه تعالى شيء وقدرته شيء مغاير له ويستعين به لخلق أشيائه، بل تعتقد الشيعة الإمامية بعينية الصفات الذاتية لله تعالى، فقدرته عين ذاته، كما ويدل على ذاتية صفة القدرة لذاته تعالى: 1- حـكم العقل بـذلك، إذ يحكم العقل بلـزوم اتّـحاد صفاته مـع ذاته، ووجــوب تنزيهه سبـحانه من التركيب والتجزئـة؛ لأن ذلك يلزم الاثنيـنيّة والغيريّـة (إله - قدرة)، والـحال إنه سبحانه غير مركب، لأن القدرة تلزم منها الحاجة فالفقر. 2- تـضافر الروايات بذلك، مثل ما روي عن قال الإمام الـصادق (عليه السلام): "لـم يـزل اللهُ جلّ وعـزّ ربُّنا والـعلمُ ذاتـــــهُ ولا مـعلوم، والسمعُ ذاتــــهُ ولا مسموع، والبــصرُ ذاتـــه ولا مُبصر، والقـدرةُ ذاتــــهُ ولا مـقدور"(2)، أي إنّ القدرة عين ذات الله سبحانه. (وذرأها بمشيئته) الذرأ يأتي بمعنى الخلق بلا مثال، وهذه إشارة إلى المقطع السابق من خطبتها (عليها السلام) - ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها، وأنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها- والمعنى أنّه سبحانه خلق الأشياء بمشيئته تعالى. والمراد من المشيئة هي قدرة الله تعالى على تقدير الأشياء، وهي غير الإرادة كما يعلم أهل الكلام. روي "عن علي بن إبراهيم الهاشمي قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام يقول: لا يكون شيء إلا ما شاء الله وأراد وقدر وقضى، قلت: ما معنى شاء؟ قال: ابتداء الفعل، قلت: ما معنى قدر؟ قال: تقدير الشيء من طوله وعرضه، قلت: ما معنى قضى؟ قال: إذا قضى أمضاه، فذلك الذي لا مرد له"(3). إذاً الله سبحانه بعد أن كوّن الأشياء بقدرتها ذرأها بمشيئته –وقد عرفنا أنّ المشيئة هي تقدير الأشياء- فكأنّ السيّدة الزهراء (عليها السلام) تريد أن تربط هذه الجملة بالسابقة، مشددةً على عمومية قدرة الله سبحانه. عندما سأل سائل المعصوم (عليه السلام): ما معنى قدر؟ قال (عليه السلام): تقدير الشيء من طوله وعرضه... . فالتكوين هو بذرأها، والذرأ بالمشيئة، وكلاهما راجعان للقدرة، والقدرة هي تقدير الشيء من طول وعرض –كما هو نص الحديث- . (من غير حاجة منه إلى تكوينها) السيّدة الزهراء (عليها السلام) تنفي حاجة الله سبحانه إلى أن يخلق الأشياء؛ لغناه المطلق، وإنّما الحاجة في ذلك ترجع إلى المخلوقات. (ولا فائدة في تصويرها) الجملة معطوفة على السابقة؛ فالجملتان تشتركان في حكمٍ واحدٍ، وهو نفي احتياج الله تعالى إلى هيكلة الأشياء بهذه الهيكلية التي هي عليها الآن. (إلاّ تثبيتاً لحكمته وتنبيهاً على طاعته، وإظهاراً لقدرته، وتعبّداً لبريته، وإعزازاً لدعوته) هذه العبارات هي جواب لسؤال مقدّر مفاده: إذا لم تكن هناك حاجة لله تعالى لأن يخلق المخلوقات بهذه الصور المعيّنة، فلماذا صوّرها بهذا التصوير؟ فكان جواب السؤال كما قالت السيّدة الزهراء (عليها السلام): 1- تثبيتاً لحكمة الله تعالى 2- تنبيهاً على طاعة الله تعالى 3- اظهاراً لقدرة الله تعالى 4- تعبّداً لبريّة الله تعالى 5- إعزازاً لدين الله تعالى *فأما الغرض الأول: فلأنّ الله سبحانه حكيم، والحكيم لا يصدر منه العبث، فتثبت له الحكمة من تصوير الأشياء بتلك الصور، وتلك الحكمة هي الغرض الثاني –الآتي بيانه- وهي التنبيه على طاعة الله تعالى، ولهذا جعلت السيّدة الزهراء (عليها السلام) غرض الحكمة أول الأغراض، فما أدق سلامة عقيدتها!. *وأما الغرض الثاني: فلأن الأشياء بصورها تكون مرئية –مجردة كانت كالملائكة حيث رأتها أعين الأنبياء، أو مادية كجميع المخلوقات التي ترى بالعين الباصرة- إذاً تكون محسوسة، وجميعها معلولة، والمعلول يدل بوجوده على وجود علّته، لكن ليس معنى ذلك أنّه لو لم توجد المعلولات (الأشياء المخلوقة) لا توجد علّتها (الله تعالى)؛ فانّ المخلوقات ليست دليلاً على وجود الله تعالى، بل هي تنبيهات للدلالة على وجوده، فأصل قضية وجود إله هي قضية بديهية وليست اجتهادية، والقضايا البديهية تحتاج إلى تنبيه وليس استدلال، وهذا ما تسالم عليه المتكلمون والفلاسفة. لــكن سبقتهم في التأصيل السيّدة الزهراء (عليها السلام) بقولها: "تنبيـــهاً على طاعته"، وحيث أنّ الطاعة فرع الوجود، ففرض الوجود مقرون بالتنبيه أصالةً، وبالطاعة عرضاً. *وأما الغرض الثالث: فقد اتضح للقارئ في الجملتين الأوليتين –جملة التكوين والذرأ- فثبت أنّ تصوير الأشياء على صورها هو إظهار لقدرة الله تعالى العامة، حيث هو القادر على كلّ شيء. *وأما الغرض الرابع: فهو مترتب على الأغراض السابقة، فالتعبّد فرع الطاعة، والطاعة فرع الوجود، إذاً التعبد فرع الوجود. أي إنّنا بعد أن تنبهنا إلى وجود إله قدير صوّرنا بهذا التصوير البديع وجب علينا شكره على عظيم النعم –وهذا ما يحكم به العقل- والشكر لا ينحصر بالقولي فقط، إنّما يتعدّى للفعلي منه، فتكون طاعة الله تعالى فيما يأمر به شكراً له، والتعبّد له –أي التسليم المطلق لما أمر به- لازم من لوازم الطاعة. *وأما الغرض الخامس والأخير: فهو إعزاز لدين الله تعالى، أي إنه تأكيد لما جاء به الدّين الإسلامي من دعوة، وهي دعوة لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، دعوة نفي الصدفة عن كونها علّة لإيجاد هذه المخلوقات على بديع الصور. ومن صفات ذلك الإله أنّه قادر، حكيم، مصوّر، مبدئ. _________________ (1) آل عمران: 189. (2) التوحيـد: للشيخ الصدوق، ص 139، ب 11، ح1. (3) الكافي: للشيخ الكليني، ج1، باب المشيئة والإرادة، ح1. اللّهم بفاطمة وأبيها، وبعلها، وبنيها، والسّر المستودع فيها، صلِ عليها وعلى أبيها، وذويها، ولا تشغلنا عن بليغ كلامها، وعلوم ما فيها.

العقائد
منذ سنة
1052

همهمة عابد (١) عبدٌ متسكِّع

بقلم: علوية الحسيني إلهي أنا عبدك المتسكع بين طرقات الجهل، لم أجد غير بابك حين أقامتني الخصاصة، فلجأت للدعاء حين فتحت أبواب السماء، إيذانًا بتلبية خفي النداء. اشرِق يا ربّي شمس المحبة الإلهية في فضاء العلم على قلبِي، فلقد علمتُ مِن السلف الأطهار، والهداة الأبرار أنّها تذيب الأدران، والتعلقات بالغير الأقران، وتوجب مع العمل بالتكاليف أعلى درجات الجنان. ستبرق عندئذٍ يا إلهي بارقة الفطرة السليمة، وتصرخ منادية: (اللهُ اللهُ ربّي لا اُشرك به شيئاً)، فتسمو الروح حيث سلك أهل الجذب، عندئذٍ يكون الجسد أداةً طيّعةً لتلك الروح. فيكون (الطواف) هو طواف العقل حول عظمة المعبود الأزلي، وهو ما يسمى بالرؤية القلبية، حيث التنزيه والتقديس. وتكون (عرفة) هي اعترافٌ بالعجز عن إدراك عظمة الخالق. ويكون (رمي الجمرات) هو رمي النفس الأمارة بالسوء بجمرات التهذيب. ويكون (السعي سبعة أشواط) هو سعي العقل بين مقامات التوحيد السبع. فاشدد يا إلهي على تلك العزيمة جوانحي، فلست أملك سوى حروف تلك الهمهمة ومقاصدها. يا ملاذ الجهلاء المتسكعين هب لي علمًا يدنيني من قربك.

العقائد
منذ سنة
827

هل إنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) يقتل العلماء؟

بقلم: علوية الحسيني عبارةٌ أخذَ يرددها مَن جهلَ قضيّة إمام زمانه، فسمعَ أضاليلَ مِن ضُلاّل، حتى قالَ باطلًا: "فإنّهُ أوّل ما يبدأ بقتل الطلاب الحوزويين (طلبة العلم)". وجواب هذه الشبهة إجمالًا يكمن في بيان عدم صحة هذه الشبهة، وهل من المعقول أن يقتل الإمام أهل العلم؟ وإن أمكن ذلك فلماذا أهل العلم؟ وهل يقتلهم جميعًا -الصالح والطالح-؟ جواب تلك الأسئلة يتضح في المطالب التالية: ■المطلب الأول: معقولية قتل الإمام لجميع أهل العلم، على حدّ قولكم أيّتها القِيل الباطلة الناطقة بالشبهة إنْ قتَلَ الإمام لجميع أهل العلم، رغم أنّ الحوزات العلمية المباركة تسمى بيوتات الإمام الحُجّة؛ وفيها يُتدارس علوم محمّد وآل محمّد، ومَن يتدارس وينشر تلك العلوم هم (طلبة العلوم الدينية)... فهذا يلزم منه أن يكون الإمام معاديًا للعلم، داعيًا للجهل! والحالأنّه (عجّل الله فرجه الشريف) يسلك مسلك أجداده (عليهم السلام) بالترحم على مَن يُحيي أمرهم "رحم الله عبدًا أحيا أمرنا... يتعلم علومنا ويعلمها الناس، فإنّ الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا..." (1). وإلّا كيف كان أجداده يترحمون على مَن يتعلم علوم العترة المحمدية (عليهم السلام) ويأتي الإمام ويقتلهم! فهذا لازمه أن يكون الإمام ناكرًا لأحاديث أجداده (عليهم السلام)، وحاشاه من ذلك. إنّ الإمام المفترض الطاعة هو تجلي لرحمة الله تعالى للمؤمنين، داعٍ إلى الهدى والكمال -ومن الكمال طلب العلم-، ناهٍ عن الظلم والجهل. ■المطلب الثاني: منشأ هذه الشبهة وتحليلها ورد في كتاب الارشاد للشيخ المفيد (قدّس سرّه)، ما مضمونه: "انّ الامام الحجة عجّل الله فرجه الشريف إذا وصل الكوفة يخرج إليه بضعة عشرة آلاف في أعناقهم المصاحف، يدعون البترية، يطلبون منه الرجوع عن الكوفة، ولعلّ عبارة (في أعناقهم المصاحف) كناية عن حملهم وحفظهم للقرآن الكريم، مما يوهم البعض أنّهم حملة العلم، لكنّهم كالحمار الذي يحمل اسفارًا، كما وصف الله تعالى مَن حمل التوراة ليضل الناس، محرّفًا فيها، حيث قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارا} (2). إنّ صاحب الشبهة الذي جاء بها مرددًا مستبشرًا، لو تأمل في نص الرواية لكان قد بقي لعقله حياة، ولكان أبعد من الضلال أقرب إلى النجاة، ولم يكن سمعه أو نظره وعاءً للشبهات. الرواية رويت عن الإمام الباقر (عليه السلام)، قال فيها -كما هو مروي-: "إِذَا قَامَ القَائِمُ (عليه السلام) سَارَ إِلَى الكُوفَةِ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا بَضْعَةَ عَشَرَ أَلْفاً يُدْعَوْنَ البَتْرِيَّةَ، عَلَيْهِمُ السِّلاحُ، فَيَقُولُونَ لَهُ: ارْجَعْ مِن حَيْثُ جِئْتَ (فَلا حاجَةَ) لَنَا فِي بَنِي فَاطِمَةَ، فَيَضَعُ فِيهِمُ السَّيْفَ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى آخِرِهِمْ. ثُمَّ يَدْخُلُ الكُوفَةَ فَيَقْتُلُ بِهَا كُلَّ مُنَافِقٍ مُرْتَابٍ، وَيَهْدِمُ قُصُورَهَا، وَيَقْتُلُ مُقَاتِلَهَا حَتَّى يَرْضَى اللهُ (عَزَّ وَعَلا)" (3). ■المطلب الثالث: نقض الشبهة ممكن نقض الشبهة بكلمةٍ واحدة؛ بالطعن في سندها، بالقول: إنّ الرواية مرسلة. لكن على فرض الأخذ بها وفق المباني الرجالية، فنحتاج إلى الانتقال إلى مناقشة متن الرواية. فأول ما يستوقفنا في المتن هو تفسير مفردة (البترية)، حتى نعلم سبب قتل الإمام لهم. وبالرجوع إلى الكتب المعتبرة، التي كتبها أهل الاختصاص في القضية المهدوية، نجد أنّ البترية هي: "إحدى الفرق الزيدية التي تخرج على الإمام المهدي عليه السلام معترضين عليه بالمجيء إلى الكوفة وأنهم لا حاجة لهم بالإمام (عليه السلام) فيعمل الإمام على تصفيتهم وقتلهم لنفاقهم ولكونهم لم يكونوا صادقين في تدينهم ولا مؤمنين بالتزامهم وإنما جعلوا عبادتهم للدنيا فهم شر جماعة تُخذل الناس عن نصرة الإمام عليه السلام" (4). والزيدية: "هم من الفرق الشيعية التي آمنت بإمامة زيد بن علي بن الحسين بعد استشهاد والده الإمام السجاد (عليه السلام)" (5). وحيث أنّ فرق الشيعة عديدة، وجميعها ضالة، سوى فرقة الشيعة الإمامية الاثني عشرية (الجعفرية) الذين يعتقدون بإمامة الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيتضح للقارئ أنّ البترية (الزيدية) عوامهم وعلماؤهم لا يعتقدون بإمامة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) فينصبون له العداء، ويحاولون شلّ دعوته إلى دين الله تعالى، وإلى المذهب والفرقة القويمين. وبغض النظر عن خروجهم على الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بالقتل، فإنّ نعتهم بالانحراف والكفر ثابت لهم من بادئ الأمر؛ حيث "أجمع أهل الإسلام قاطبة واتِّفقوا على مَرِّ الاعصار والأعوام على خروج المهديِّ المنتظر (عليه السلام)، حتى عُدَّ ذلك من ضروريات الدين، وهو اتفاقٌ قطعي منهم، لا يشوبه شك، ولا يعتريه ريب. اللهم إلا من شَذَّ، مِمَّن لا يُعتدُّ بخلافه، ولا يلتفت إليه، ولا تكون مخالفته قادحة في حُجِّيَّة الإجماع. مضافًا إلى تواتر أحاديث الإمام المهدي ( عليه السلام ) تواترًا قطعيًّا. وظاهر أنَّ من أنكر المتواتر من أُمور الشرع والغيب بعد ما ثبت عنده ثبوتًا يقينيًّا فإنّه ‏كافر، لردِّه ما قُطع بصـدوره، وتحقَّقَ ثبوته عـنه (صلى الله عليه وآله) . ولا شُبهَة في كفر من ارتكب ذلك بإجماع المسلمين؛ لأنّ الرادَّ عليه ( صلى الله عليه وآله ) كالرادُّ على الله تعالى، والرادُّ على الله كافر باتِّفاق أهل المِلَّة، وإجماع أهل القبلة" (6). إنّ علماء الزيدية علماء سوء؛ لضلالهم، ومن هنا يتضح للقارئ سبب قتل الإمام لهم. خصوصاً وأنهم يخرجون ضده حاملين السلاح، مما يُشير إلى أنهم خرجوا يُقاتلونه ويبغون تقويض حركته الهادية المهدية. ___________________ (1) حديث روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) في عيون أخبار الرضا: للشيخ الصدوق, ج2, ص275. (2) الجمعة: 5. (3) الإرشاد: للشيخ المفيد, ص٣٦٤. (4) موجز دائرة معارف الغيبة: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجل الله فرجه, ٧٣/٤. (5) فرق الشيعة: للنوبختي، ص89. (6) الروض الفسيح في بيان الفوارق بين المهديّ والمسيح (عليهما السلام): للشيخ محمّد باقر الإلهيّ القمّي. اللهم وفقنا والمشتغلين للعلم والعمل الصالح، وأنلنا رضاك ووليّك، بحق محمد وآل محمد.

دراسات مهدوية
منذ سنة
6270

نبضاتٌ عقائدية (2) كيف نعرف الله سبحانه وتعالى؟

بقلم: علوية الحسيني بعد أنْ أثبتنا وجوب معرفته تعالى، تعيّن بيانُ كيفية تلك المعرفة، وقد جعل أهل البيت (عليهم السلام) معرفة الله سبحانه وتعالى أول الدّين، وأوليّة الشيء تدل على شرفه؛ حيث روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "أوّل الدين معرفته"(1). ولا عبادة لمن لا معرفة له بالله تعالى، كما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): إنّما يعبد الله مَن عرف الله، فأمّا مَن لا يعرف الله كأنّما يعبد غيره هكذا ضالاً"(2). فكيف نعرف الله سبحانه وتعالى؟ جوابه يتضح في المطالب التالية: ■المطلب الأول: حدود معرفة الله تعالى إنّ لدائرة معرفة الله تعالى حدودًا يقفُ عندها العقل والنقل، ولا يتجاوزها العقل، ولا حتى النقل، فقد دلّ كلٌّ منهما على عدم إمكان وجواز اكتناه الذات الإلهية المقدسة. فأمّا العقل فسيأتي دليله، وأمّا النقل فقد روي عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: "دعوا التفكر في الله فإنّ التفكر في الله لا يزيد إلا تيها لأن الله تبارك وتعالى لا تُدركه الأبصار ولا تبلغه الأخبار"(3) إذًا لابد من الوقوف على ما هو داخل حدود المعرفة بالله تعالى. وذلك يكون عبر التالي: •الفرع الأول: نقلاً 1/ ادنى المعرفة سُئل الإمام الهادي (عليه السلام) عن أدنى المعرفة بالله تعالى، قال : الإقرار بأنّه لا إله غيره، ولا شبه له ولا نظير، و أنّه قديم مثبت موجود غير فقيد، وأنّه ليس كمثله شيء"(4) . ما ذكره الإمام كافٍ لمعرفة العبد بربّه، حيث إنّ ما انتقاه من مفرداتٍ واضحةٌ إجمالاً؛ من حيث كون الله تعالى هو الإله, ولم يشبهه ويماثله شيء, ولم يكن له شيءٌ مقابلاً أو مماثلاً ليقال أنّه تعالى يناظر ذلك الشيء. وقديم بمعنى أنّه لم يكن مخلوقًا، بل هو الذي خلق المخلوقات، وموجود معنا في كلّ مكانٍ بوجوده غير المادي المختلف عن وجودنا، بل وعن وجود الموجودات غير المادية أيضًا. 2/ أعلى المعرفة. وهنا يتجلى الكمال المعرفي، ولا يناله إلاّ ذو حظٍ عظيم، وقد ناله نبي الله الخاتم، محمد وآله الميامين (صلى الله عليه وعليهم)، وأيّ معرفةٍ أشرف من المعرفة بالواحد الأحد! روي عن الإمام الصادق (عليه السَّلام) أنه قَالَ: " لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي فَضْلِ مَعْرِفَةِ الله عَزَّ وَ جَلَّ مَا مَدُّوا أَعْيُنَهُمْ إِلَى مَا مَتَّعَ الله بِهِ الْأَعْدَاءَ مِنْ زَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ نَعِيمِهَا، وَ كَانَتْ دُنْيَاهُمْ أَقَلَّ عِنْدَهُمْ مِمَّا يَطَئُونَهُ بِأَرْجُلِهِمْ، وَ لَنُعِّمُوا بِمَعْرِفَةِ الله جَلَّ وَ عَزَّ، وَ تَلَذَّذُوا بِهَا تَلَذُّذَ مَنْ لَمْ يَزَلْ فِي رَوْضَاتِ الْجِنَانِ مَعَ أَوْلِيَاءِ الله"(5). ولم تخلُ روايات أهل البيت (عليهم السلام) من بيانِ أعلى المعارف التوحيدية، فبعضها ولجت في بحر الأحدية، وأخرى وقفت على ساحل الواحدية، حتى سطعت بأنوارها الملكوتية على قلب خيار البشرية. ومنها ما روي عن الإمام الكاظم (عليه السلام): "...واعلم أنّ الله تعالى واحد، أحدٌ، صمدٌ، لم يلد فيورث، ولم يولد فيشارك، ولم يتخذ صاحبة ولا ولدًا ولا شريكًا، وأنّه الحي الذي لا يموت، والقادر الذي لا يعجز، والقاهر الذي لا يغلب، والحليم الذي لا يعجل، والدائم الذي لا يبيد، والباقي الذي لا يفنى، والثابت الذي لا يزول، والغني الذي لا يفتقر، والعزيز الذي لا يذل، والعالم الذي لا يجهل، والعدل الذي لا يجور، والجواد الذي لا يبخل، وانه لا تقدره العقول، ولا تقع عليه الأوهام، ولا تحيط به الاقطار، ولا يحويه مكان، ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير. (ما يكون من نجوى ثلاثة إلاّ هو رابعهم ولا خمسة إلاّ هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلاّ هو معهم اينما كانوا ) وهو الأوّل الذي لا شيء قبله، والآخر الذي لا شيء بعده، وهو القديم وما سواه مخلوق محدث، تعالى عن صفات المخلوقين علوًّا كبيرًا"(6) •الفرع الثاني: عقلاً 1/ أدنى المعرفة. أدنى ما يستطيع العقل أنْ يحكم به كمعرفةٍ بالله تعالى هو وجود إله منظم لهذا الكون، وطبقًا لقاعدة: الأثر يدل على المؤثر يحكم بأنّ للخالق وجود فلابد من معرفته، لكن لا بالتقليد؛ بل بالبرهان القاطع. 2/ أعلى المعرفة. وكذا يتجلى هنا الكمال المعرفي؛ فنفس القواعد العقلية الدنيا ممكن الوغول فيها، حسب إدراكات العارف؛ لتنبهه على معرفة الله تعالى، بل وتزداد الدرجات بدراسة القواعد الفلسفية التي لا تتعارض مع الكتاب والسنة النبوية، فتكون عندئذٍ شعاعًا وهّاجًا للعقل، وأداةً لاستنباط نوعٍ من المعارف العليا التوحيدية. ■المطلب الثاني: طرق معرفة الله تعالى. الطريق الأول: الله تعالى. رسم أهل البيت (عليهم السلام) ضلعًا من أضلع مربع طرق المعرفة بالله تعالى, فقال سيّدهم أمير المؤمنين (عليهم السلام) في دعائه: "يا من دلّ على ذاته بذاته"(7) وروي عن الإمام السجاد (عليه السلام) في دعائه الذي علّمه لأبي حمزة الثمالي: "إلهي... بِكَ عَرَفْتُكَ وَأَنْتَ دَلَلْتَنِي عَلَيْكَ، وَدَعَوْتَنِي إِلَيْكَ، وَلَوْ لاَ أَنْتَ لَمْ أَدْرِ مَا أَنْت"(8) وهذا الطريق صعب جداً إلا على المعصوم (عليه السلام) -نبيًا كان أو إمامًا-؛ لقصور الإدراك البشري عندنا؛ حيثُ إنّ الإنسان المنغمس في عالمِ المادّة لا يعرف الله تعالى بالله، بـل يعرفه بأفعالهِ وصفاتهِ. •الطريق الثاني: الفطرة. لقد أعطى رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) قاعدةً كليّة في ما روي عنه من حديث: كلُّ مولودٍ يولد على الفطرة"(9) وبقرنِ مقدمةٍ صغرى مروية عن الإمام الباقر (عليه السلام): "فطر الله الناس... على المعرفة به"(10) فينتج أنّ المعرفةَ طريقٌ لمعرفة الله تعالى. والمقصود من الفطرة: أن الإنسان لو تُرك من دون مؤثرات خارجية لاهتدى إلى وجود إله خالق للكون. •الطريق الثالث: النبي وآله (عليه وعليهم السلام( النبي وآله (عليهم السلام) فعلٌ من أفعال الله تعالى؛ لخلقه إياهم هداةً، قادةً، ومن المعلوم أنّ الفاعل يمكن التعرف إلى صفاته عبر فعله، وعليه يمكن التعرف إلى الله تعالى عبرهم، يعضّد ذلك ما نقرأهُ في الزيارةِ الجامعةِ الكبيرةِ: "مَن أراد الله بدأ بكم"(11) •الطريق الرابع: العلم روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "بالعلمِ يُعرف الله"(12) ظاهر الحديث يشير إلى أهمية قرن المعرفة بالعلم، لا المعرفة بالتقليد، فمن يعرف ربّه بالعلوم النقلية أو العقلية أفضل من الذي يعرف ربّه تقليدًا لأبويه مثلًا. •الطريق الخامس: العقل روي عن الإمام عليّ (عليه السلام): "لم يُطلعِ [الله تعالى] العقول على تحديد صفته، ولم يحجبها عن واجب معرفته"(13), اشارةً منه (عليه السلام) "في مقطعه الأول إلى استحالة معرفة ذات الله تعالى, وفي مقطعه الثاني إلى إمكان معرفته بصفاته وأفعاله"(14( ■المطلب الثالث: معرفةٌ مستحيلة على الله تعالى هناك طرق نهت عن سلوكها الروايات، وكذا العقل يحار فيها، فيهلك صاحبها, وهي: 1/الأوهام لما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "التوحيد ألاّ تتوهّمه"(15)، فمن يعرف الله تعالى بالتوهم "يجعل من الله جزئيًا محسوسًا، حيث تدركه القوة الواهمة، وهذا خُلفُ كونهِ تعالى منزهًا عن المحسوسية"(16)، حيث يلزمه كون الله تعالى محاطًا بالعقل. 2/الحواس ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "لا تدركه الحواس فتحسّه"(17), حيث يلزمه هيمنة الحواس عليه تعالى. 3/الرؤية قال تعالى " لا تُدْرِكُهُ الابْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الابْصار"(18), حيث يلزمه كون الله تعالى جسمًا, وانحصاره في مكان. 4/الشبيه لما روي عن الإمام الرضا (عليه السلام): " إِنَّ الله لا يُشْبِهُهُ شَيْ‏ء"(21)، حيث يلزمه مخالفة نص الآية (ليس كمثله شيء(، فلا شبيه له لنعرفه من خلاله. أما ماذا يترتب على معرفة الله تعالى؟ فجوابه يأتي في النبضة الثالثة إن شاء الله تعالى. ____________ (1) نهج البلاغة, 13, خ1. (2) تفسير العياشي: لمحمد العياشي, ج2, ح155. (3) التوحيد: للشيخ الصدوق, ب67, ح13. (4) المصدر السابق, ح283. (5) الكافي : 8 / 247. (6)بحار الأنوار: 75/296 ـ 319. (7) مفاتيح الجنان: للشيخ عباس القمي, ص96. (8) المصدر نفسه, ص232. (9) الكافي: للشيخ الكليني, ج2, باب فطرة الخلق على التوحيد, ح3. (10) المصدر نفسه, ج2, ح3. (11) مفاتيح الجنان: للشيخ عباس القمي، 611. (12) الأمالي: للشيخ الصدوق, ص468, م90, ح1. (13) نهج البلاغة, خ49. (14) ظ: مركز الأبحاث العقائدية. (15) نهج البلاغة, ح470. (16) ظ: شرح ‏نهج ‏البلاغة: لابن ‏ميثم البحراني، ج5، ص465. (17) نهج البلاغة, خ186. (18) الكافي: للشيخ الكليني, ج1, باب ابطال الرؤية, ح11. (19) نهج البلاغة, خ186. (20) مصباح المتهجد: للشيخ الطوسي, ص332. (21) الكافي: للشيخ الكليني, ج1, باب النهي عن الجسم والصورة, ح8. (22) تحف العقول: لإبن شعبة الحراني, ص238.

العقائد
منذ سنة
3535

نبضاتٌ عقائدية (3) التوحيد شعبه وأقسامه

بقلم: علوية الحسيني يترتب على معرفة الله (تعالى) توحيده في الذات, والصفات, والخالقية, والربوبية, والعبادة, انطلاقًا من الآية الكريمة, التي هي أمّ الآيات المحكمة: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء}(1). والتوحيدُ بصورةٍ عامة هو نفيُ الشريك, وبطلان تعدد الآلهة. والاعتقاد السائد هو وجود إله، وهذا ما لا غبار عليه, لكن الاختلاف يحصل في الاعتقاد بوحدانية الإله, أو بتعدده, ومن هنا تشعبت المذاهب والأديان؛ حيث إنّ جميع الأنبياء كانوا يدعون إلى وحدانية الله (تعالى), بدليل قول الله (تعالى): "لَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت"(2). لذا, علينا أولًا دراسة شُعَب التوحيد, لتكون أثرًا مترتبًا على معرفة الله (تعالى). أولاً: التوحيد في الذات. أي إنّ الله (تعالى) بسيط, لا جزء له, غير مركب –أحدي-, وأنّه (تعالى) متفردٌ, لا ثاني له, ليس له مثل ولا نظير –واحدي-. ببيان إنّ الماهية إمّا أن تكون بسيطة, أو مركبة. وهذه المركبة لا تخلو من أن يكون التركيب فيها أحد احتمالاتٍ ثلاثة: 1/ تركيب عقلي, كتركيب الماهية من الجنس والفصل, وهذا التركيب محال على الله (تعالى)؛ لأنّها أجزاء عقلية, وسبحانه (تعالى) لا أجزاء عقلية له. 2/ تركيب مقداري, كتركيب الماهية من الخط والجسم والسطح, وهذا التركيب محال على الله (تعالى)؛ لأنّ جميع ذلك جواهر, والجواهر حادثة, وسبحانه (تعالى) عن أن يكون حادثًا؛ فهو الأزلي. 3/ تركيب خارجي, كتركيب الماهية من مادةٍ وصورة, وهذا التركيب محال على الله (تعالى) أيضًا؛ لأن ذلك لازم الجسم, وسبحانه تعالى عن أن يكون جسمًا. فإذا بطل احتمال أن تكون ذات الله (تعالى) مركبة, تعيّن كونها بسيطة, فليس كمثل الله تعالى شيء, وهو المطلوب. والخلاصة: أن التركيب يستلزم الحاجة إلى الأجزاء، والله تعالى غني مطلق. *وهنا سؤال: ما هي الأدلة على واحدية الله (تعالى)؟ وجوابه: الدليل على ذلك قسمين: *الدليل النقلي: 1/ قول الله (تعالى): {هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّار}(3). 2/ قوله (تعالى): {أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّار}(4). 3/ قوله (تعالى): { وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّار}(5). فالآيات الكريمة تشير إلى قهر الله الواحد لعباده المحدودين, المتناهين الحدود , فهو (سبحانه) لا محدودية لقهّاريته وسلطانه, فهو القاهر لهم بالمحدودية من جميع النواحي, فلا محدوديته لازمة لقهاريته (تعالى). ولو كانت وحدته عددية لكان بجنبها عدد آخر أكمل منها؛ فالاثنان أكمل من الواحد, والثلاثة أكمل من الاثنين, والأربعة أكمل من الثلاثة, وهكذا. فحاشا الله (سبحانه وتعالى) أن تكون وحدته عددية؛ حيث قال أمير الموحدين (عليه السلام): "كُلُّ مُسَمّىً بِالْوَحْدَةِ غَيْرَهُ قَلِيل"(6), إشارةً منه إلى اتسام العدد واحد بالقلّة, وهو غير الله (تعالى), ولهذا ينفي عنه العددية في قول آخر واصفًا وحدة الله (تعالى): "وَاحِدٌ لاَ بِعَدَد"(7). وفي خطبةٍ له أخرى يقول (عليه السلام) مبيّنًا لازم القول بالوحدة العددية: "وَمَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَه"(8). أي إنّ سبب استحالة الوحدة العددية على الله (تعالى) هي جعله حادثًا, مخلوقًا في زمان ومكان ما. والحادث من كان عدمًا, واحتاج إلى علة لتوجده من كتم العدم إلى ساحة الوجود, وليس الله (تعالى) محتاجًا, ولا مخلوقًا. وبالتالي: إنّ وحدة الله (تعالى) حقيقية, غير عددية. الدليل العقلي: وهو اثنان: 1/ التعدد يستلزم التركيب أي لو كان الله (تعالى) متعددًا وليس واحدًا, لكان مركبًا. وتوضيح ذلك: إنّ الإله لو كان اثنان لكان كلّ واحد منهما مركبًا من جزء يشترك به مع الآخر, وجزء يختلف به مع الآخر. والمركب محتاج إلى أجزائه, وسبق وأن نفينا أن يكون الله تعالى مركبًا, فبطل هذا الفرض. ويؤيد حكم العقل بواحدية الله (تعالى) الآية الكريمة: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَد}(9). ويؤيد حكم العقل بواحدية الله (تعالى) هنا الآية الكريمة: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}(10). 2/ صرف الوجود لا يتثنى ولا يتكرر إنّنا حينما نجد حقيقة بدون ماهية فوجودها صرف, لا تشوبه شائبة – نقص أو فقدان-, فتلك هي حقيقة الله (تعالى), فهو لا يتثنى, ولا يتكرر. والواحدية الثابتة لله (تعالى), هي الواحدية الحقيقية؛ أي وحدة بساطته في ذاته؛ فليس له شبيه يوافقه. ووحدة انفراده بعد النظير, والمثيل. وهنا سؤال: ماذا يترتب على توحيد ذات الله (تعالى), طالما كانت الذات مجهولة الاكتناه؟ جوابه يأتي في النبضة الرابعة إن شاء الله (تعالى). _________________ (1) سورة الشورى: 11. (2) سورة النحل: 36. (3) سورة الزمر: 4. (4) سورة يوسف: 39. (5) سورة ص: 65. (6) نهج البلاغة, خ65. (7) المصدر نفسه, خ231. (8) المصدر نفسه, خ152. (9) سورة الإخلاص: 4. (10) سورة الأنبياء: 22.

العقائد
منذ سنة
773

تجلياتٌ معرفية في الخطاب المهدوي (6)

بقلم: علوية الحسيني "اللهم احجبني عن عيون أعدائي" هذا أحد الأدعية المروية عن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) في الاحتجاب عن أعدائه (1)، يحتوي مضامين عالية من المعارف، ويسمى "باحتجاب الإمام المهدي (عليه السلام). ابتدأ الإمام دعاء بصيغة الدعاء، فنادى ربّه بقوله: "اللّهم": وهي "صيغة نداء ودعاء مثل: يا الله، حذف منها حرف النداء وعُوِّض عنه بميم مشدَّدة" (2). "احجبني" حجَبَ: الحجاب: الستر. حجبَ الشيء, يحجبه حُجبا وحِجابا, وحجبه: ستره. وقد احتجب وتحجب إذا اكتنّ من وراء حجاب" (3). إنّ طلب الدعاء هو خير درسٍ على شدة الارتباط بالله تعالى، وهذا اخلاص عبودية الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) لله الواحد الأحد، ودليل أيضًا على فقره لله تعالى الغني عن خلقه، إذ الإمام بشر مخلوق، وكل المخلوقات فقيرة إلى خالقها، وعقيدتنا في الأئمة (عليهم السلام) "أنَّهم بشر مثلنا، لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، وإنما هم عباد مكرمون، اختصّهم الله تعالى بكرامته، وحباهم بولايته" (4). فللإمام ما لنا من قواعد البشرية المحتاجة إلى خالقها، إلّا إنّه (عجّل الله فرجه الشريف) اصطفاه الله تعالى للولاية؛ لعلمه تعالى الأزلي بأهلية الإمام لها، وشدة أورعيته عن اقتحام الشبهات وارتكاب الذنوب، لكنه رغم عصمته يتذلل لله العزيز الجبار أدبًا، واستنانًا بسنة جدّه محمد (صلى الله عليه وآله). وطلب الإمام الاحتجاب لا يخدش كمال الإمام كمعصوم؛ فقد طلب الاحتجاب الأئمة من قبله الإمام علي (عليه السلام) في دعائه الشهير "بدعاء الاحتجاب" (5). وما طلبه هذا إلّا لوجود قوّة مضادة لمساره، وهم الأعداء، وهو تصرف عقلائي يتخذه كل من رام دفع الضرر عن نفسه. قوله: "عن عيون أعدائي" جرت سيرة العقلاء على أنّ المتكلم الحكيم إذا أراد أن يتكلّم فكل ما يريده يقوله، والإمام سيّد العقلاء، فقيّد كلامه بقيدٍ احترازيٍ، وهو (عيون الأعداء)، اشارةً منه إلى الأمور التالية: 1- إنّ قلوب الأعداء لا تناله، فهي ران عليها، وكذا فطنتهم لا تدلهم على الإمام (عجّل الله فرجه الشريف)، لذا قيّد كلامه بعيون أعدائه. وسواء كان قصد الإمام عين نفس العدو، أو الجاسوس التابع للعدو، فلا فرق من هذه الناحية. 2- إنّ الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) لم يطلب الاحتجاب عن عيون أوليائه وأتباعه، لأنّه ظاهر لهم، وغائب عنهم في آنٍ واحد، كونه حيًا، يعيش بيننا؛ فظاهرٌ لهم حيث يراهم، وهم يعيشون معه بشعورهم، وغائبٌ عنهم حيث يرونه ولا يعرفونه. وهذه هي نظرية (خفاء العنوان) والتي تقول: "إنّ الناس يرون الامام المهدي عليه السلام بشخصه من دون أنْ يكونوا عارفين او ملتفتين لحقيقته" (6)؛ استنادًا إلى روايات عديدة منها: "ما روي عن الحميري، عن محمد بن عثمان العمري: والله إن صاحب هذا الامر يحضر الموسم [موسم الحج] كل سنة، فيرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه" (7). 3- إنّ طلبه الاحتجاب عن عيون أعدائه، وخوفه على نفسه، لا ينافي عصمته (عليه السلام)؛ لسببين: السبب الأول: قرآني، حيث أنّ النبي موسى (عليه السلام) قد خاف من أمرين، وأكد خوفه في مورد منفصل ثالث: أ- خاف من تكذيب قومه له، كما قال تعالى حكايةً: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِين* قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ* قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُون} (8). ب- خاف من قومه أن يقتلوه، كما قال تعالى حكايةً عن لسان نبيّه: {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُون} (9). ج- إقرار النبي (عليه السلام) بالخوف حينما واجه فرعون، حيث قال تعالى حكايةً: {فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِين} (10). فحتمًا إنّ النبي موسى (عليه السلام) ما ينطق عن الهوى، فكلامه كلام الوحي، وكلام الوحي كلام الله تعالى، وبالتالي يكون خوف النبي لأمر حكيم يعلمه الله تعالى، لا خوفاً من الموت مثلاً، فلا ينافي عصمته. وكذا وليّ الله الخاتم، الإمام القائم (عجّل الله فرجه الشريف)، خوفه من أعدائه، ولذلك طلب من الله تعالى أن يحجبه عنهم. السبب الثاني: روائي، حيث ذكرت بعض الروايات صريحاً مفردة الخوف؛ عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: "لابُدَّ لِلْغُلامِ [الإمام المهدي عليه السلام] مِنْ غَيْبَةٍ، فَقِيلَ لَهُ: وَلِمَ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: يَخافُ القَتْل"(11). فها هو رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) يصرّح بأحد أسباب غيبة الإمام واحتجابه، وهو خوفه (عجّل الله فرجه الشريف). فلو كان نقص كمالٍ منه لما ذكره (صلى الله عليه وآله). 4- ليبقى (عجّل الله فرجه الشريف) محافظًا على حياته؛ لأنّه بوجوده المبارك سيقضي الله تعالى على الفساد والجور والعدوان، وبه تحقيق وعد الله تعالى بأن يجعل وليّه خليفة في الأرض ولهذا طلب الاحتجاب عن عيون أعدائه؛ ليحقق لطف الله تعالى بعباده؛ حيث إنّ وجود الإمام لطفٌ لهم, والأتباع منتظرون ظهوره، فبالتالي متى ما حافظ الإمام على حياته، واكتنزها ليوم الظهور, فإنّه سيحقق وعد الله تعالى. *إنّ طلب احتجاب الإمام عن عيون أعدائه ليس أمرًا مستحيلًا، بل ممكنًا؛ حيث حصل وأن حجبه الله تعالى عن عيون أعدائه منذ غيبته الصغرى، عندما كانت تبحث عنه السلطات الظالمة آنذاك لكنها لم تعرف شكله؛ لأن الإمام العسكري (عليه السلام) كان يخفي ابنه عن أعين العامة، ولهذا استبعد جنود العدو أن يخرج الإمام من بيته، فخرج ولم يعرفه أحد منهم، وغاب غيبته الصغرى" (12). فما حصل مع الإمام سابقًا بالاحتجاب عن عيون أعدائه هو هين عند الله تعالى في زمن غيبته. ________________ (1) المصباح: للكفعمي, ص ٢١٩, ف26. بحار الأنوار: للعلاّمة المجلسي, ج91, ص ٣٧٨, ب52, الاحتجابات المروية. مهج الدعوات: للسيد ابن طاووس, ص303, حجاب مولانا صاحب الزمان (عليه السلام). (2) معجم اللغة العربية المعاصر. (3) لسان العرب: لابن منظور, ج1, ص298. (4) عقائد الامامية: للشيخ المظفر, ص85. (5) موسوعة أمير المؤمنين علي بن ابي طالب [عليه السلام]: للشيخ باقر شريف القرشي, ج4, ص203-204. (6) مقال الغيبة أقسامها وأسبابها: للشيخ عادل الحريري. (7) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج52, ح4, عن اكمال الدين. (8) سورة الشعراء: 10-12. (9) سورة الشعراء: 14. (10) سورة الشعراء: 21. (11) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج٥٢, ص٩٠, ب٢٠, ح١ - عن علل الشرائع. (12) ظ: دائرة معارف الغيبة. اللهم احفظه من كل باغٍ وطاغٍ، بحق محمد وآله الطاهرين.

العقائد
منذ سنة
1024

تجلياتٌ معرفية في الخطاب المهدوي(7)

تجلياتٌ معرفية في الخطاب المهدوي(7) بقلم: علوية الحسيني "واجمع بيني وبين أوليائي" تحتمل هذه الفقرة من دعاء الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) احتمالين: ■الاحتمال الأول: لعلّ الإمام يشير إلى عالم الدنيا, زمن الظهور, بجمع أوليائه وأنصاره له، وكذا زمن رجعة حيث يرجع بعض الأموات إلى الحياة الدنيا؛ شوقًا منه (عجّل الله فرجه الشريف) إلى أوليائه وأتباعه الذين سيعاصرون زمنه, أو الذين سيرجعون للحياة الدنيا. ■الاحتمال الثاني: لعلّ الإمام يشير إلى عالم الآخرة, فيكون دعاؤه طلبًا للجنة لهم, بأنْ يجمعهم الله (تعالى) معًا دون تفريق في الجنة, بل وتحتمل العبارة أن يكون دعاء الإمام بأنْ يجمع الله (تعالى) أولياءه وأتباعه معه في نفس الجنة التي يسكنها الإمام (عجّل الله فرجه الشريف), لا في الجنة فقط. ولعل الاحتمال الأول ظاهرًا أقرب للصحة؛ لأن سياق دعائه (عجّل الله فرجه الشريف) بصدد عالم الدنيا, تحديدًا في زمن الغيبة والظهور, حيث يُتم الإمام كلامه قائلاً: "اللّهمّ احجبني عن عيون أعدائي، واجمع بيني وبين أوليائي، وأنجز لي ما وعدتني، واحفظني في غيبتي إلى أن تأذن لي في ظهوري، وأحي بي ما درس من فروضك وسننك، وعجّل فرجي وسهّل مخرجي..." أما أولياء الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، فهم كل من اتصف بصفات المؤمنين التي ذكرها الله (تعالى) في كتابه الكريم, والنبي محمد, وأهل بيته (عليهم السلام) في الروايات الصادرة عنهم, فمن صفات أوليائه: ۱ـ "أهل الورع والاجتهاد، وأهل الوفاء والأمانة، وأهل الزهد والعبادة، أصحاب إحدى وخمسين ركعة في اليوم والليلة، القائمون بالليل، الصائمون بالنهار، يزكّون أموالهم، ويحجّون البيت، ويجتنبون كلّ محرّم"(1) 2- من قدّم ما استحسن، وأمسك ما استقبح، وأظهر الجميل، وسارع بالأمر الجليل، رغبة إلى رحمة الجليل"(2) 3- مَن اتّقى الله وأطاعه، وما كانوا يُعرفون إلاّ بالتواضع والتخشّع، وأداء الأمانة، وكثرة ذكر الله، والصوم والصلاة، والبر بالوالدين، وتعهّد الجيران من الفقراء وذوي المسكنة والغارمين والأيتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكف الألسن عن الناس إلاّ من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء"(3) 4- الحلماء، العلماء بالله ودينه، العاملون بطاعته وأمره، المهتدون بحبّه، أنضاء عبادة، أحلاس زهادة، صُفر الوجوه من التهجّد، عُمش العيون من البكاء، ذُبل الشفاه من الذكر، خُمص البطون من الطوى، تُعرف الربّانية في وجوههم، والرهبانية في سمتهم، مصابيح كلّ ظلمة"(4) ومعه: ■-فعلى الاحتمال الأول: يكون كل اتصف بتلك الصفات, وبالأكمل منها من أنصار الإمام عند ظهوره، وهم قادة جيشه البالغ عددهم (313), بعدد قادة معركة بدر. روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): "فيقوم القائم بين الركن والمقام فيصلي.... ويجئ والله ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا فيهم خمسون امرأة يجتمعون بمكة على غير ميعاد قزعا كقزع الخريف يتبع بعضهم بعضا"(5) وكذلك بقية جيشه وجميع الموالين له, ومن سيدخلون إلى الدين الإسلامي, أو الذين سيعتنقون التشيّع. •-وهنا سؤال: كيف يجمعُ الله (تعالى) بين الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) وبين من مات وكان متصفًا بهذه الصفات؟ •- جوابه يدور ضمن الاحتمالين: ■فعلى الاحتمال الأول, يرجع الله (تعالى) إلى الحياة الدنيا من كان متصفًا بتلك الصفات وبالأكمل منها؛ ليعيش في زمن الإمام. وينقل لنا الشيخ الصدوق (رحمه الله) عقيدتنا في الرجعة قائلاً: "وإنَّ الذي تذهب إليه الشيعة الإمامية، اَنّ الله (تعالى) يُعيد عند ظهور المهدي قومًا ممن كان تقدم موته من شيعته و قومًا من أعدائه"(12). فينحصرُ شوق الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) بالاجتماع بأوليائه. نعم, تطرّقت روايات أهل البيت (عليهم السلام) إلى رجوع جماعات من الأموات إلى الحياة الدنيا في زمن ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف), قد مضى على موتهم قرون, منها ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "يخرج مع القائم عليه السلام من ظهر الكوفة سبعة وعشرون رجلاً من قوم موسى، وسبعة من أهل الكهف ويوشع بن نون وسليمان وأبو دجـانة الأنصاري والمقداد ومالك الأشتر فيكونون بين يديه أنصارًا"(13) فهؤلاء مشمولون بشوق الإمام لأن يجمعهم به. ■وعلى الاحتمال الثاني: فكل من كان متصفًا بتلك الصفات, وبالأكمل منها, سيكون مصيره الجنة إن شاء الله (تعالى)؛ لأنها أعدّت للمتقين, ووعد الله (تعالى) عباده المتقين بها, والله لا يخلف وعده, قال (تعالى): { جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا* لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا* تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيا}(14) فما إنْ حقق الله (تعالى) وعده للمتقين من أولياء الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) فقد جمعهم مع الإمام في الجنة - نفس الجنة, أو دونها-. وهذا هو الجمع الخالد الذي لا موت بعده, وقد وعدَ الله (تعالى) بخلود ساكنيها فيها؛ حيث قال (تعالى): {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون}(15), بقطع النظر عن اسم الجنة –على اختلاف درجاتها ومسمياتها-, فاجتماع الإمام بأوليائه متحققٌ لا محالة. __________________ (1) صفات الشيعة: للشيخ الصدوق, ص2, مما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام). (2) المصدر نفسه, ص17, عن الإمام الصادق (عليه السلام). (3) تحف العقول: لابن شعبة الحراني , ص295, عن الإمام الباقر (عليه السلام). (4) أمالي الطوسي: للشيخ الطوسي, ص576, عن الإمام علي (عليه السلام). (5) معجم أحاديث الامام المهدي: للشيخ الكوراني, ج5, ص11, ح1452. (12) أعيان الشيعة: للسيد محسن الأمين, ج1, ص132.. (13) المصدر نفسه, ج2, ص653. (14) سورة مريم: 61-63. (15) سورة البقرة: 82. (16) تفسير مجمع البيان: للشيخ الطبرسي, ج10, ص385. اَللّـهُمَّ اجْعَلْني مِنْ اَنْصارِهِ, وَاَعْوانِهِ, وَالذابين عَنْهُ, وَالْمُسارِعينَ إلَيْهِ في قَضاءِ حَوائِجِهِ، وَالْمُمْتَثِلينَ لأوامِرِهِ, وَالْمُحامينَ عَنْهُ، وَالسّابِقينَ إلى إرادَتِهِ, وَالْمُسْتَشْهَدينَ بَيْنَ يَدَيْهِ.

العقائد
منذ سنة
1024

تجلياتٌ معرفية في الخطاب المهدوي(8) "وأنجز لي ما وعدتني"

بقلم: علوية الحسيني يطلب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) من الله (تعالى) أنْ يُنجز له ما وعده به؛ انطلاقًا من عقيدته بالله (تعالى) أنّه (تعالى) صادق, لا يُخلِفُ وعده أبدًا. * قوله: "وأنجز"، الإنجاز عرفًا هو الإتمام, أو الإيفاء بالشيء. *وقوله: "ما وعدتني"، إشارةً منه (عجّل الله فرجه الشريف) إلى الوعد بوراثة الأرض, الذي ذكره الله (تعالى) في كتابه الكريم في موضعين: الأول: في قوله (تعالى): {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين}(1). حيث جاءت أحاديث كثيرة على لسان أهل البيت (عليهم السلام) بشأن تفسير هذه الآية مؤكدةً على أنّ الله (تعالى) سيورثُ خلافة الأرض للإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، كما روي عن الإمام علي (عليه السلام) بشأن تفسير هذه الآية أنّه قال: "هم آل محمد, يبعث الله مهديهم بعد جهدهم فيعزهم ويذل عدوهم"(2). الثاني: في قوله (تعالى): {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}(3), فالله (تعالى) هنا يجزم بأنّه يعطي الخلافة في الأرض للذين آمنوا وعملوا الصالحات, وسيد المؤمنين اليوم, وعامل الصالحات هو الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف). ويؤيد تشخيص ذلك المصداق ما روي "عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نزلت في القائم وأصحابه"(4). وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: "لا تقومُ السّاعةُ حَتّى يَقُومَ قائِمٌ للحَقِّ مِنّا، وَذَلِكَ حِينَ يَأْذَنُ اللهُ (عزَّ وجلَّ) لَهُ، وَمَنْ تَبعَهُ نَجا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ هَلَكَ، اللهَ اللهَ عِبَادَ اللهِ فأتوهُ وَلَوْ حَبْواً على الثَلْجِ، فإنّه خَليفَةُ اللهِ (عزَّ وجلَّ)"(5). ويتحقق ذلك الوعد من خلال اذن الله (تعالى) للإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بالظهور ثم القيام, "المشار إلى الفرق بينهما سابقًا"(6). وما طلب الإمام من الله (تعالى) لمصلحةٍ شخصية, بل تعجيلاً لفرج شيعته المضطهدين, وشوقًا منه إلى تحقيق العدل في ربوع الأرض, حيث روي عنه (عجّل الله فرجه الشريف) أنّه قال: "أكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإن ذلك فرَجُكم"(7). ولابد من الاشارة إلى أنّ طلب الإمام من الله (تعالى) تعجيل إنجاز الوعد لا ينافي عدم علم الإمام بحكمة ربه بعدم السماح له بالظهور, بل طلبه الدعائي هذا نابع من استنانه بسنة أجداده (عليهم السلام) في الإلحاح بالدعاء, حيث روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "وَالله لا يُلِحُّ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ عَلَى الله عَزَّ وَجَلَّ فِي حَاجَتِهِ إِلا قَضَاهَا لَه"(8). ▪️- وهنا سؤال: رغم إلحاح الإمام بالدعاء لماذا إلى الآن لم يستجب الله (تعالى) لوليّه ويُظهره؟ ▪️- جوابه: إنّ لغيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) حكمتين: ظاهرة, وباطنة. فأما الحكمة الظاهرة: فتتجلى في ما يلي: 1/ عدم الاستعداد العالمي لظهور الإمام من جميع النواحي, حيث إنّ حكومته (عجّل الله فرجه الشريف) تتطلب تهيئة البشر وإذعانهم بتخطئة مسلكهم, حكومةً وعقيدة. 2/ عدم تكامل العقول بالعلم والمعرفة, حيث إنّ حكومة الإمام تتطلب كمالاً في السلم المعرفي. 3/ خوفُ الإمام القتل على نفسه, وهذا له مدخلية بعدم اكتمال عدد أصحابه ليتولوا الدفاع عنه فيما لو مسّه الأعداء بضر, وهذا مصداقه واضح لنا, من كثرة أعداء أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم. وأما الحكمة الباطنة: فلله (تعالى) في غيبه شؤون, وهذا تجسد لاختصاصه (تعالى) بالغيب, حيث قال في كتابه العزيز: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّه}(9). ومعه، فقد يُقال: بأن علم وقت الظهور بالضبط هو من الغيب الذي اختصه الله تعالى لنفسه، والعلم الغيببي الذاتي خاص بالله تعالى، حيث روي عن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف): "أنا بريءٌ إلى الله وإلى رسولِه ، ممّن يقول إنّا نعلم الغيب، ونشاركُه في مُلكِه، أو يُحِّلُنا محلاً سوى المحلَ الذي رضيه الله لنا"(10). نعم, بتعليم من الله تعالى يمكن أن يطلع الإمام على ذلك، وإلى إمكان اطلاع الله (تعالى) بعض أوليائه على جزءٍ من علم الغيب أشار (تعالى) في كتابه الكريم بقوله: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا* إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُول}(11). فبعضُ القضايا معروفةٌ لنا وللإمام, وبعضها غيبية علينا معلومة للإمام، وبعضها خاصة بالله تعالى, ومن تلك القضايا الغائبة عنا نحن, وجهُ الحكمة في غيبة الإمام, وعدم إنجاز وعد الله (تعالى) إلى الآن بالأذن بالظهور, فتثبت الحكمة الباطنة من عدم الظهور. نعم، يظهر من بعض الروايات أن لأهل البيت (عليهم السلام) علم ذلك، ولكن لم يؤذن لهم باطلاعنا عليه، ومن ذلك ما روي عن عبد الله بن الفضل أنّه قال: "سمعت جعفر بن محمد (الإمام الصادق عليه السلام) يقول: (إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة لابد منها يرتاب فيها كل مبطل. فقلت له: ولمَ جعلت فداك؟ قال: لأمر لـم يؤذن لنا في كشفه لكم. قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟ فقال: وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدمه من حجج الله (تعالى) ذكره. إنَّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلا بعد ظهوره... . يا ابن الفضل، إنَّ هذا أمرٌ من أمر الله، وسرٌ من سر الله، وغيبٌ من غيب الله. ومتى علمنا أنه (عزّ وجل) حكيمٌ صدقنا بأنَّ أفعاله كلها حكمة، وإنْ كان وجهها غير منكشف لنا"(12). _______________ (1) سورة القصص: 5. (2) الغيبة: للشيخ الطوسي, ص183 – 185، ح143. (3) سورة النور: 55. (4) الغيبة: للشيخ النعماني, ص247. (5) عيون أخبار الرضا (عليه السلام): للشيخ الصدوق, ج2, ب٣١، ص٥٩-٦٠، ح٢٣٠. (6) ظ: تجليات معرفية في الخطاب المهدوي, ح4. (7) كمال الدين: لشيخ الصدوق, ج2, ص485. (8) الكافي: للشيخ الكليني, ج2, باب الإلحاح بالدعاء, ح3. (9) سورة هود: 123. (10) الاحتجاج: للشيخ الطبرسي, ج,2 ص487. (11) سورة الجن: 26. اللهم إنّه عبدك الذي استخلصته لنفسك, وارتضيته لنصرة دينك, واصطفيته بعلمك, وعصمته من الذنوب, وبرأته من العيوب, وأطلعته على الغيوب, فأنجز له ما وعدته, يا كاشف الكروب.

العقائد
منذ سنة
733