Profile Image

علوية الحسيني

"إن المؤمن إذا مات وترك ورقة واحدة عليها علم كانت الورقة سترا فيما بينه وبين النار".

تجلياتٌ معرفية في الخطاب المهدوي (15)

بقلم: علوية الحسيني "وقِني جميع ما أحاذره من الظّالمين" الفقرة دعاء الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) هذه مضمون آياتٍ قرآنية كريمة تحث على الوقاية، والحذر من الأعداء. *فقوله: "قِـني" فعل أمر من الماضي (وقى), وهذه صيغة طلبية في الدعاء من الداني (المخلوق) إلى العالي (الخالق). فالفعل وقى: "...صانَهُ وسَتَرَهُ عن الأَذَى وحَمَاهُ وحَفِظَه, فهو واقٍ؛ ومنه قولهُ تعالى: (ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ)؛ أَي مِن دَافِعٍ,...ومنه قولهُ تعالى: (فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْم)" (1). فالإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) يطلب من الله (تعالى) أن يصونه من أن يُمس بالأذى أو الضرر. *قوله: "جميع ما أحاذره" الحذر: هو "الْخِيفَة, ورجلٌ حَذِرٌ وحَذُرٌ وحاذُورَةٌ وحِذْرِيانٌ: مُتَيَقِّظٌ شَدِيدُ الحَذَرِ والفَزَعِ، مُتَحَرِّزٌ؛ وحاذِرٌ: متأَهب مُعِدٌّ كأَنه يَحْذَرُ أَن يفاجَأ" (2). وقيل في الفرق بين الحذر والخوف هو "أنّ الحذر أوسع, فهو تحذّر من أمرٍ مظنونٍ أو متيقن, وبالحذر يدفع الضرر, بينما الخوف لا يدفعه, ويكون من أمرٍ متيقن الضرر, ولهذا يقال خذ حذرك, ولا يقال خذ خوفك" (3), وهذا لا يعني نفي الخوف عن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف), ففرض اثباته لا محذور منه -كما سيأتي-. *قوله: "من الظالمين" فالظُلم لغةً: هو "وضع الشيء في غير موضعه" (4), والظالم هو فاعل الظلم. ولا شكّ أنّ أشد أنواع الظلم هو الاجتراء على حدود الله (تعالى) التي أوضحها في كتابه الكريم, أو على لسان نبيّه الأكرم محمد (صلّى الله عليه وآله) , حيث قال تعالى: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الـظَّالِمُونَ} (5). أي: أساء إليها، وذلك بالتعرض لسخط الله تعالى ومقته، وأخذه وسطوته. والثقلان -القرآن الكريم, والنبي وآله (عليهم السلام)- هما حدود الله (تعالى)؛ لأنّ بيان طاعة الله (تعالى) وموارد معصيته تتم من خلالهما, فطاعتهما طاعته (تعالى), ومعصيتهما معصيته؛ يقول (تعالى): {وَمَن يـَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا} (6). فقرن الله تعالى طاعته بطاعتهم؛ لأنّهم الهداة؛ فكما القرآن الكريم هادٍ, كذا النبي وآله (عليهم السلام)؛ روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) حينما سئل عن قول الله (تعالى) {إنّما أنتَ منذرٌ ولكلّ قومٍ هاد}, قال: "رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه) الْمُنْذِرُ وَلِكُلِّ زَمَانٍ مِنَّا هَادٍ يَهْدِيهِمْ إِلَى مَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه) ثُمَّ الْــهُدَاةُ مِنْ بَعْدِهِ عَـلِيٌّ ثُمَّ الاوْصـِيَاءُ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِد" (7). وعليه, فإن كلّ من يعادي الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) فهو ظالم, متعدٍ على حدود الله (تعالى), مصيره جهنم خالدًا فيها وساءت مصيرا. ومن هنا تتضح خطورة هذا العدو, طالما أنّه لم يرعَ لله (تعالى) إلاًّ ولا ذمة, فلن يفرق عنده أن يقتل شخصاً عادياً أو أحد أولياء الله (تعالى), ولهذا دعا الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بأن يقيه الله (تعالى) ما يحذره من ذلك العدو الظالم الكافر. الظالمون الذين يحذر الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) منهم مصداقٌ كلّي ينطبق على كلّ من يحاربه (عجّل الله فرجه الشريف), ويمنع دعوته, كالسفياني وأتباعه, واليهود والنصارى المعارضين, والمخالفين لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) المعادين, والذين كانوا شيعة, لكن تبدّلت عقيدتهم؛ لركاكتها, فأصبحوا أعداءً للإمام (عجّل الله فرجه الشريف). هؤلاء يحذَرُهُم الإمام (أرواحنا فداه), فهم وأتباعهم ظالمون, ضالون مضلون, عليهم من الله (تعالى) ما يستحقون. *فإن قيلَ: إنّ طلب الإمام الوقاية والحذر لازمه الخوف من أعدائه؛ لأنه لا حذر بدون خوف. *يمكن أن يجاب: بأنّ حذر الإمام وطلبه الوقاية راجع إلى أصول موضوعية, "منها: 1/ هناك قاعدة عقلية, تسمى بـ(قاعدة لزوم دفع الضرر), ومقتضاها أنّ الإنسان إذا واجهه ضرر ولو محتملاً, فعقله يوجب عليه أن يدفع ذلك الضرر –بالفرار منه أو مواجهته-. والإمام سيّد العقلاء, فاختار دفع ضرر أعدائه عنه, لاسيما وأنّ الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) مطلعٌ على تاريخ أعدائه, وواضح له هدفهم, لذا فضررهم له مرتكز في ذهنه. 2/هناك مصاديق لبعض الأنبياء (عليهم السلام) خافوا عدوّهم, وحذروا منه, منهم النبي موسى (عليه السلام)؛ قال تعالى حكايةً: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّلِمِين} (8), فترقبه نتيجة حذره, وحذره نتيجة خوفه. وكذا النبي الأكرم, محمد (صلى الله عليه وآله) خرج من مكة خائفًا حذرًا حينما مات أبو طالب. وفي الحقيقة فإن هذا الخوف إنما هو خوف على الرسالة وعلى المهمة الموكلة له أن لا تتم قبل وقتها، بالتعرق للقتل مثلاً من الأعداء، فهو خوف على دين الله تعالى لا على نفسه، خصوصاً وأنه يعلم أن مصيره إلى الجنة. فتبيّن أنّ الحذر أمرٌ حاصل عند كليم الله (تعالى) وحبيبه, فلا محذور في حصوله عند الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف), فهو يخاف القتل, ويحذر منه, ولهذا طلب من الله (تعالى) أن يقيه مما يحذر" (9). 3/ هناك آيات قرآنية عديدة, تشير إلى أن يتخذ الإنسان من القرآن الكريم -بأدعيته وأذكاره- حجابًا يدفع به ضرر عدوّه, منها قوله (تعالى): {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا* وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا* وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا} (10), والإمام قرين القرآن الكريم, فيتخذ الدعاء القرآني حجابًا, ويقول: " اللهم قِني ما أحاذره من الظالمين". وهذا بحد ذاته له ارتباط وثيق بفقرة دعائه السابق -اهدني صراطًا مستقيمًا-؛ حيث يحقق الإمام أصدق درجات العبودية لله (تعالى), بالخضوع والدعاء, فاتخذ من الـدعاء بوقايته مما يحذر وسيلة لبيان مدى افتقاره إلى الله (تعالى) الواحد المعبود. ومن هذا يتضح أن تصريح رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) بأنّ القائم من ذريته غاب لأنّه يخاف القتل؛ حيث روي عنه (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: "لابُدَّ لِلْغُلامِ [الإمام المهدي عليه السلام] مِنْ غَيْبَةٍ، فَقِيلَ لَهُ: وَلِمَ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: يَخافُ القَتْل"( 11), ليس خادشًا بعصمة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) لــما ذكر هذه الصفة, بل ولما اتصف هو بها, طالما هي لحكمةٍ إلهية. ولازم قول النبي (صلى الله عليه وآله) هذا، أنّ حذر الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) المقارن لخوفه لا دخالة له في خدش العصمة. فيكون دعاؤه (عجّل الله فرجه الشريف) هذا هو من باب اعتقاده بأنّ الدعاء يرد البلاء, كما ورد عن أسلافه (عليهم السلام) حيث روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): " ...الدعاء يرد القضاء وقد ابرم إبراما" (12). فالإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) دعا الله (تعالى) بأن يقيه ضرر الأعداء, سواء أكان ذلك الضرر مبرمًا أو غير مبرم, وسواء أكان قد قضي له الضرر أو لم يقض؛ وذلك انطلاقًا من عقيدته بالله (تعالى) ذاتًا وصفاتًا حق الاعتقاد, فعلمه (تعالى) الأزلي يشمل لحظة دعاء الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) تلك, وقدرته (تعالى) الواسعة تشمل وقاية وليّه الضرر, وعدله (تعالى) يقتضي نصرة الحق وأهله, ودحض الباطل وشرذمته, وحكمته (تعالى) تقتضي تحقيق غرضه (تعالى) من جعل الأئمة (عليهم السلام) خلفاءَ لنبيّه الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم), ليصلوا بعباده إلى الكمال بكافة نواحيه. _________________ (1) تاج العروس من جواهر القاموس: للعلامة مرتضى الزبيدي, ج20, ص304. (2) لسان العرب: لابن منظور, ج4, ص175. (3) ظ: الحاوي في تفسير القرآن الكريم: للأستاذ عبد الرحمن بن محمد القماش, مصدر إلكتروني. (4) لسان العرب: لابن منظور, ج12, ص373. (5) سورة البقرة: 229. (6) سورة النساء: 14. (7) الكافي: للشيخ الكليني, ج1, باب أنّ الأئمة عليهم السلام هم الهداة, ح2. (8) سورة القصص: 21. (9) ظ: مقال عنصر الخفاء في القضية المهدوية: للشيخ حسين الأسدي, مجلة الموعود, العدد4/ذو الحجة/ 1438هـ. (10) سورة الإسراء: 45-46. (11) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج52 ص90, ب20, ح1- عن علل الشرائع. (12) الكافي: للشيخ الكليني, ج2, باب أنّ الدعاء يرد البلاء والقضاء, ح6. اللّهم قِ وليّك ما يخاف ويحذر, إنّك عزيز جبارٌ مقتدر.

العقائد
منذ سنة
612

تجلياتٌ معرفيةٌ في الخطاب المهدوي (16)

بقلم: علوية الحسيني "واحجبني عن أعين الباغضين النّاصبين العداوة لأهل بيتِ نبيّك ولا يصل منهم إليّ أحد بسوء" سبق وأنْ دعا الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بأولِ فقرةٍ من فقرات دعائه بالاحتجاب عن عيون أعدائه؛ حيث قال: "اللّهمّ احجبني عن عيون أعدائي". فلعلّ الإمام بدايةً أجمل, ثمّ فصّل, فعدّد مصاديق أعدائه. وهذا نظيرُ إجمالِ الله (تعالى) بدايةً في بيانِ قضية فلاح المؤمنين, ثم تفصيله وإعطائه صفاتهم(1). وطلبُه (عجّل الله فرجه) الاحتجاب من سوء الباغضين, الناصبين العداء له ولأهل البيت (عليهم السلام) طلبٌ واقعي, وليس وجدانيًا فقط, بل هو أعم كما سيأتي البرهان على ذلك. *قوله: "احجبني" هو طلبٌ للاحتجاب, من الفِعل "حجَبَ: الحجاب: الستر. حجبَ الشيء, يحجبه حُجبا وحِجابا, وحجبه: ستره. وقد احتجب وتحجب إذا اكتنّ من وراء حجاب"(2). *وقوله: "الباغضين" جمع باغض, وهو فاعل البغض "نقيض الحب"(3). *وقوله: "الناصبين العداوة لأهل بيت نبيّك"، النصب معناه نصبُ الحرب نتيجة العداء, يقال: "أنصبت لفلانٍ نصباً، إذا عاديته وناصبته الحرب مناصبةً"(4). فكل مَن ينصب العداء لمحمدٍ وآل محمد (عليهم السلام), فهو ناصبي. وظاهرًا الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) يدعو بدفعِ السوء الصادر منهم بكافةِ أقسامه. وقد أردف الإمام صفة الناصبين بعد الباغضين, ولعله بلحاظ النظر إلى وحدةِ هدف الطائفتين، نعم, قد تختلفان في الدّين, بل والمذهب, لكنهما تشتركان في بطلان المنهج بطلانًا محضًا, وما يترتب عليه كالإساءة إلى من يخالفهما؛ بدليل اختلاف دعوتيهما عن دعوة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف), الحق المحض. •ومن مصاديق تلك الفئات: 1/ اليهود تُعدُّ اليـهود إحدى الفئات المبغضة للإمام المهدي ( عجّل الله فرجه الشريف), ولا يخفى خبث المشاريع الماسونية التي تحاول خداع الناس بكون (الدّجال) هو المنقذ العالمي الموعود, ولو باستعمال الأكاذيب قبل زمان خروجه للناس, وبالخدع البصرية حين ظهوره. 2/ النصارى إنّ عداء النصارى للإسلام عمومًا, ولآخر إمام حقٍ خصوصًا, ليس كعداء اليهود, فهناك مشتركات بين المسلمين والنصارى, ومنها نزول النبي عيسى (عليه السلام) من السماء؛ لينشر العدل, لكن بعض القساوسة والرهبان حرّفوا بالإنجيل؛ ليجعلوا نصوصه تتلاءم مع مصالحهم الشخصية, وأهوائهم؛ لأغراضٍ شتى, منها سياسية. فمن الطبيعي من يتعصّب لدينه, دون البحث عن الحق, فإنّه يُسيء لكلِّ من يُخالفه في المعتقد, فكيف لا يُسيء إلى قائد الدعوة العالمية الإسلامية؟! 3/ النواصب وهي طائفةٌ تدّعي الإسلام, بل وتزعم أنّها على حق, تكفّر ثلاثة أثلاث المذاهب الإسلامية –فضلًا عن الأديان-, منهجها السيف والبطش, منها منبع السفياني وأسلافه, ومعروف نهجهم ضد العلويين سابقًا, فلا عجب من استمراره حتى مع قائم آل محمد (عجّل الله فرجه الشريف). والسوء الذي يريد أنْ يصيب السفياني به الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) ليس بقليل؛ لما قد يُعيث بالأرض فسادًا وظلمًا. 4/ المسلمون غير الشيعة الإمامية فالسوء الذي يصيب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) من هذه الفئة, هو تأثرها بموروثها البعيد عن منهج أهل البيت (عليهم السلام), وعدم إقرارها بحصر أحقية أهل البيت (عليهم السلام) بالخلافة بعد النبي محمد (صلى الله عليه وآله). نعم, هؤلاء يؤمنون بوجود مهدي, لكنّه لم يولد بعد! وهم رغم ذلك ينكرون تراثهم الروائي, وصحاح كتبهم كبعض المبادئ التي من الممكن أنْ توصلهم إلى باحة النجاة, كالأحاديث الواردة في تراثهم بأنّ المهدي من ذرية السيدة الزهراء (عليها السلام), وأنّ اسمه اسم النبي (صلى الله عليه وآله), وأنّ عدوّه من آل أمية. لكنهم عكفوا وتعبّدوا بما يردده دهاقو علمائهم، حتى باتت طاعة ذرية الإمام الحسين –ومنهم الإمام المهدي الذي لا يعتقدون به- (عليهم السلام) ليست مفروضة, بل التشكيك بهذه العقيدة؛ نصرةً لعقيدتهم. على حين نجد بعضهم يكنُّ السلام والاحترام لجميع الأئمة, لكنه لا يقرّ بإمامتهم. ولهذا تذكر الروايات أنّ أقوامًا تُحاجّ الإمام عند ظهوره الأكبر بين الركنِ والمقام, فيقول: "ألاَ وَمَنْ حَاجَّنِي فِي كِتَابِ اللهِ فَأنَا أوْلَى النَّاس بِكِتَابِ اللهِ، ألاَ وَمَنْ حَاجَّنِي فِي سُنَّةِ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وآله فَأنَا أوْلَى النَّاس بِسُنَّةِ رَسُول الله"(5). وهذا مما يسبب له أذىً؛ نتيجة عدم بحثهم عن الحق طيلة فترة غيبته, فيطلبون منه الدليل على مصداقيةِ ما يدعو إليه, ليؤمنوا به, تاركين ما كانوا يتبعون, ومكسرين قيود الاستعباد التي قيّدهم بها دهاقينهم, فيعتنقون التشيّع, ولا يبعد أنْ يكونوا من الدعاة تحت يدي الإمام, فينيرون بصيرة غير الشيعة. *وهنا سؤال: ما هو السوء الذي دعا الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) أنْ لا يُصاب به؟ يمكن أنْ يقال: قد يكون السوء معنويًا أو ماديًا محسوسًا. ■فالسوء الــمعنوي يمكن أنْ يتصور بعدّة أمورٍ, منها: 1/ التشكيك بأصل فكرة المنقذ العالمي الموعود. وهذا السوء قد يكون صدوره أوضح فيما لو انبعث من غير المسلمين –فضلاً عن المسلمين-, الباغضين للإمام؛ كاليهود مثلًا, حيث يزعمون أنّ المنقذ العالمي الموعود هو الدّجال. 2/ التشكيك في ولادة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف). وهذا قد يكون صدوره أوضح فيما لو صدر من النواصب؛ فلم ننسَ الشبهات المطروحة حول فرية السرداب, ونفي غيبته, وباللازم نفي وجوده وولادته. بل ويُحتمل صدور هذا السوء من المسلمين الذين يجحدون ما تسالم عليه المسلمون كافة. حيث أنّ المهدي في عقيدتهم لـم يولد بعد, فيشككون الشيعة الإمامية بمعتقداتهم, وهذا مما يسبب اذى معنويًا للإمام (عجّل الله فرجه الشريف)؛ لأنّ ذلك التشكيك قد ينحرف بسببه العديد من متزلزلي العقيدة، والإمام يريد أرضية معدّة لظهوره. 3/ ظهور من يدّعي المهدوية فإنّ التفاف بعض الناس السذّج حول كلِّ من يدّعي أنّه المهدي الموعود يوجب إدخال السوء على قلب الإمام (عجّل الله فرجه الشريف)؛ حزنًا منه عليهم, نتيجة خسرانهم الخسران المبين, وخشيةً عليهم من عدم تصديقهم له عند ظهوره الأكبر؛ فإنّ طبيعة الإنسان حينما ينخدع بالباطل أكثر من مرّة لا يألف الحق بعدُ إلاّ بالبرهان. فقد تكون فترة دعوتهم إلى الحق فيها مشقة على الإمام وأتباعه. 4/ ظهور من يدّعي السفارة إنّ مّن يدّعي السفارة عن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) لاشكَّ أنّه يريد الشهرة, وبالتالي يلتفُ الناس حوله, فيبدأ يتقوّل على لسان الإمام ما لم ينزّل الله (تعالى) به من سلطان، بل وقد يدّعي استمداد الغيب منه! وهذا من موجبات السوء للإمام, لأنّ كلًا من الداعي ومُلبي الدعوة لم يمتثل لنهي الإمام بعدم اتباع من يدّعي المشاهدة والسفارة"(6)؛ حيث قال الإمام (عجل الله فرجه) في أحد توقيعاته المباركة: "وسيأتي شيعتي من يدَّعي المشاهدة، ألَا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة، فهو كاذب مفتر"(7). ■أما السوء المادّي فمن الممكن أن يُتصور بعدّة أمورٍ, منها: 1/ مهاجمة جيش السفياني للمدينة المنورة حين الظهور الأولي للإمام (عجل الله فرجه) فيها. روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: "يبعث السفياني بجيش إلى المدينة فيأخذون من قدروا عليه من آل محمّد(صلى الله عليه وآله) ويقتل من بني هاشم رجالًا ونساءً، فعند ذلك يهرب المهدي والمنتصر من المدينة إلى مكّة، فيبعث في طلبهما وقد لحقا بحرم الله وأمنه"(8) . 2/ قتل النفس الزكية يمثل تهديدًا للإمام بالقتل روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "وَقَتْلُ النَّفْسِ الزَّكِيَّةِ مِن المَحْتُوم"(9) . 3/ خروج الدجال روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "... يَا خَيْثَمَةُ سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لا يَعْرِفُونَ اللهَ مَا هُوَ التَّوْحِيدُ، حَتَّى يَكُونَ خُرُوجُ الدَّجَّال"(10). بغضِّ النظر عن تشخيص الدجال، هل هو حركة, أم شخص, ففي الحالتين لا شكَّ في أنَّ هدفه يسبب سوءًا للإمام. 4/ ظهور يأجوج ومأجوج "وهم أقوام حركتهم مفسدة, يعيثون في الأرض فسادًا مطلقًا, يتزامن ظهورهم مع ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف), مما يسبب له سوءاً أو أذى ماديًا؛ بتخريب قيم ومبادئ المجتمعات, وممتلكاتها, ونفوس مواطنيها. وقد أشار إليهم الله (تعالى) في كتابه الكريم في سورة الكهف, قائلاً: "{حتّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً * قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يـَأْجُوجَ وَمَـأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأْرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدّا}, فحجبهم الله (تعالى) بذلك السد, إلى أنْ يشاء وينفتح, فيرجعوا ليغزوا البقاع, {حتّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً * قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأْرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا}"(11). وقوله تعالى: {حتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُون}(12), فشرُّهم واضحٌ من سياق الآيات الكريمة"(13). *تنبيهات: 1/ ليس كلُّ مخالفٍ من أبناء العامة يمسُّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بسوء, بل حتى وإنْ كان ناصبيًا؛ لخضوع الأحداث إلى البداء, وللاعتقاد بيوم الأبدال. روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): "ثم يأتي [أي الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)] الكوفة...هو ومن معه، وقد لحق به ناس كثير، والسفياني يومئذٍ بوادي الرملة حتى إذا التقوا، وهو يوم الأبدال يخرج أناسٌ كانوا مع السفياني من شيعة آل محمد (عليهم السلام)، ويخرج أناسٌ كانوا مع آل محمد (عليهم السلام) إلى السفياني، فهم من شيعته حتى يلحقوا بهم، ويخرج كلُّ ناسٍ إلى رايتهم وهو يوم الأبدال"(14). 2/ ليس كلُّ نصرانيٍ عدوًا للإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)؛ فظاهر الروايات يشير إلى إسلام الكثير منهم؛ لسببين رئيسيين: مُحَاجَجَة الإمام إياهم بالإنجيل الصحيح, ونزول النبي عيسى (عليه السلام) من السماء, واعتناقه الإسلام, فحبًا به واتبّاعًا له لا يمسون الإمام بسوء؛ لأنّه فضلاً عن كونه حاكم البقاع, فهو قائد نبيّهم. 3/ ليس كلُّ يهوديٍ يُعادي الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف), فكثيرٌ منهم يدخل في دين الله (تعالى) طوعًا, بعد أنْ يحاجّهم الإمام بالتوراة الصحيحة غير المحرّفة. نسأل الله (تعالى) أن يدفع عن وليّه سوء الباغضين المعادين. __________________ (1) انظر سورة المؤمنون: 1-11. (2) لسان العرب: لابن منظور, ج1, ص298. (3) المصدر نفسه, ج7, ص121. (4) الصحاح: للجوهري, ج1، ص225. (5) الغيبة: للشيخ النعماني, ج1, ص228. (6) ظ: مقال دراسات استراتيجية الاعداء في حربهم ضد الامام المهدي عليهم السلام حالياً: للكاتب مجتبى السادة, مجلة الانتظار, العدد16/محرم/ 1430هـ. (7) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج52, باب من ادعى الرؤية في الغيبة الكبرى وانه يشهد ويرى, ص151, ح1. (8) معجم الملاحم والفتن: لمحمود الده سرخي, ج3, ص23. (9) الغيبة: للشيخ النعماني, ص265, ب14, ح15. (10) بحار الأنوار: ج14, ص348-349, ب24, ح10,عن تفسير فرات. (11) سورة الكهف: 93-94. (12) سورة الأنبياء: 96. (13) ظ: موجز دائرة معارف الغيبة: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام, حرف الياء, 1/488. (14) مصدر سابق. ج52, ص223, ح87. اللهم احجبه عن أعين الباغضين الناصبين له ولآله العداء, وامنعه من أنْ يمسَّه منهم السوء.

العقائد
منذ سنة
553

رسالاتٌ في زمن الوباء (١)

بقلم: علوية الحسيني تنبيهاتٌ شرعية لاشك أنّ لكلّ واقعةٍ حكماً, فما من حركةٍ إلاّ ومعها معرفة, والله (سبحانه وتعالى) لم يترك عباده سدى, بل نظّم أمور حياتهم بقوانين إلهية, صرّح بها النبي محمد وآله (عليه وعليهم السلام). وبعض الأفعال قد يغفل الإنسان عن حكمها الشرعي, فيفعلها من دون التثبت من جوازها, وخصوصًا في زمن الوباء المنتشر، حيثُ نجد أنَّ البعض لم يكن معتادًا على بعض السلوكيات ولكنه نتيجةً للحجر المنزلي فقد مارسها, ومنها: ■أولاً: اليأس من الحياة والنجاة يأسٌ متجدد, وشؤمٌ متفاقم, حالتان نجدهما عند البعض من الناس نتيجةً لما يمر به العالم من بلاء الوباء المنتشر, فيعيش الناس الرعب النفسي التام, دون الالتفات إلى حقيقة دفعِ القضاءِ بالدعاء, أو أنّ من يلوذ بالله (سبحانه وتعالى) ينجو. واليأس من المحرّمات المنهي عنها, قال (تعالى): "وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُون"(1). بل هو من الكبائر؛ لما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "الكبائر: القنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله"(2). فليكنِ الأملُ بالله (سبحانه وتعالى) كبيرًا في دفع الوباء. ■ثانيًا: الغضب غير المُبرر حتمًا إنّ البعض نتيجةً للحجر الصحي يشعر بحالةِ اكتئابٍ وضيقٍ - مهما كانت دواعيها- فنجده يغضب على أمورٍ ساذجة, مما يوقعه الشيطان بالتعدّي على حقوقِ الآخرين - قولاً أو فعلاً-, بل وقد يصل بهم الأمر إلى حدِّ التلفظ بعباراتِ الكفر, والعياذُ بالله تعالى. قد نجد أنّ الأب يغضب على أبنائه بسبب صراخهم, أو الزوج على زوجته بسبب طبخةٍ غير جيّدة, أو أم الزوج على زوجة ابنها بسبب عدم التنظيف الجيّد, أو الأخ على أخيه لتشاجرِ أبنائهما, وما شابه ذلك من صور واقعِ حالنا المعاش. إلاّ أنّ المؤمن ينبغي أنْ يدرك خطورة غضبه وما يترتب عليه من مخالفاتٍ شرعية, فالغضبُ من موجبات سرور الشيطان الرجيم؛ لأنّه يجعل الإنسان يخالف كلام ربّه "وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين"(3). كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "إِنَّ هَذَا الْغَضَبَ جَمْرَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تُوقَدُ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ وَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا غَضِبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ وَدَخَلَ الشَّيْطَانُ فِيه..."(4). ومن أبرز المخالفات الشرعية المترتبة على الغضب: ١/السب روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "قَالَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه): سبَابُ الْمُؤْمِنِ فُسُوق"(5) . والفاسق لن يقبل الله (سبحانه وتعالى) له عملًا؛ قال (تعالى): "لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِين"(6). ٢/اللعن اللعنة هي الطرد من رحمة الله (سبحانه وتعالى)؛ روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: " إِنَّ اللَّعْنَةَ إِذَا خَرَجَتْ مِنْ فِي صَاحِبِهَا تَرَدَّدَتْ بَيْنَهُمَا فَإِنْ وَجَدَتْ مَسَاغًا وَإِلا رَجَعَتْ عَلَى صَاحِبِهَا"(7). ومن تُرَدُّ عليه اللعنة في الدنيا يكن في الآخرة من الملعونين؛ كما يقول الله (تعالى): "وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِين"(8). فالحكم الشرعي لهذا السلوك هو أنّه معصية, يجبُ التوبة منها: "ومن أعظم المعاصي الأُخرى: سبّ المؤمن ولعنه وإهانته وإذلاله وهجاؤه وإخافته وإذاعة سرّه وتتبّع عثراته والاستخفاف به ولا سيّما إذا كان فقيرا"(9). فهلاّ انزجرنا؟!. ■ثالثًا: ألعابٌ محرمة قد نجد البعض وخصوصًا أثناء فترة الحجر الصحي يتسلى ببعض الألعاب الرقمية أو الواقعية, دون أن ينتبه إلى موقف الشرع منها, وليس ذلك تعقيدًا للحياة كما يزعم البعض, بل هو راجعٌ إلى ترتب مصالح ومفاسد تعود للمكلف أو عليه, وإن كانت غير ظاهرة لنا, فعلى المكلف الطاعة. ومن جملة السلوكيات التي توجبُ التنبيه على حكمها الشرعي هي التسلّي ببعض الألعاب المحرّمة على نحو الفتوى, أو الاحتياط, ومنها: ١/ الشطرنج وهو من الألعاب التي روي أنّ "النبي (صلى الله عليه وآله) نـهى عن اللعب بها"(10)؛ لأنه من الميسر؛ حيث روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "قال أمير المؤمنين (عليه السلام): الشطرنج والنرد هما الميسر"(11). وقد نهى الله (سبحانه وتعالى) عن الميسر بقوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمــَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون"(12). وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه سُئل عن قول الله (سبحانه وتعالى) "فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور" قال: "الرجس من الأوثان هو الشطرنج وقول الزور الغناء"(13). بل وإنّ من يلعب الشطرنج لا ينزل الله (سبحانه وتعالى) عليه رحمته؛ كما روي عن الإمام الكاظم (عليه السلام) حينما سأله رجل "إني أقعد مع قوم يلعبون بالشطرنج ولست ألعب بها ولكن أنظر. فقال: ما لك ولمجلس لا ينظر الله [لا ينزل رحمته] إلى أهله"(14). فالحكمُ الشرعي لها هو الحرمة, والتسلّي بها معصية؛ "ومن أعظم المعاصي أيضًا: ...القمار سواء أكان بالآلات المعدّة له كالشطرنج"(15). بل وحرمة اللعب به على نحو الاحتياط وإنْ كان الطرف الآخر آلة إلكترونية"(16). ٢/ الدومينو وكذلك هي من المحرمات, واللعب بها من المعاصي (17)؛ للسبب نفسه. فهلاّ كففنا لعبًا ولهوًا بالباطل؟! ■ رابعًا: سماع الغناء قد نجد البعض يحاولُ التخفيف من إرهاق التفكير بالوباء العالمي, فيلجأ إلى الاستماع للغناء, ولاشك إنّ في ذلك إشكالاً شرعياً عظيماً, حيث إنّ الغناء من المحرمات, ولذا اقتضى التنبيه الشرعي على حكمه؛ روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "لما مات آدم (عليه السلام) وشمت به إبليس وقابيل، فاجتمعا في الأرض فجعل إبليس وقابيل المعازف والملاهي شماتةً بآدم (عليه السلام)، فكلّ ما كان في الأرض من هذا الضرب الذي يتلذذ به الناس فإنّما هو من ذاك"(18). وبيتٌ فيه غناء من المحتمل أن تصيبه الفجيعة؛ لأنّه هتك حدود الله (سبحانه وتعالى)؛ روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "بيتُ الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة، ولا تُجاب فيه الدعوة، ولا يدخله المَلَك" (19). وما أحوج بيوتنا اليوم إلى أنْ تُدفع الفجائع عنها, ومنها فجيعة الإصابة بالوباء! ■خامسًا: فوات وقت الصلاة ومن السلوكيات التي توجب مخالفة حكم شرعي في كلِّ الأزمان عمومًا, وفي زمن الوباء خصوصًا, تخلّفُ البعضِ عن أداءِ الصلاة حتى ينتهي وقت أدائها, وذلك من المحرّمات, الموجبة لإطاعة الشيطان. روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: " قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا يزال الشيطان ذعرًا من المؤمن ما حافظ على الصلوات الخمس، فإذا ضيعهن تجرأ عليه فأدخله في العظائم"(20). والحالُ نحنُ بأمسِ الحاجة إلى الله (سبحانه وتعالى) دومًا, فكيف ونحنُ في زمن الوباء هذا؟!. __________________ (1) سورة يوسف: 87. (2) الكافي: للشيخ الكليني, ج2, باب اليأس, ح10. (3) سورة آل عمران: 134. (4) الكافي: للشيخ الكليني, ج2, باب الغضب, ح12. (5) المصدر نفسه, باب السباب, ح2. (6) سورة التوبة: 53. (7) الكافي: للشيخ الكليني, ج2, باب السباب, ح7. (8) سورة القصص: 42. (9) منهاج الصالحين: للسيد السيستاني (دام ظله), ج1, م30. (10) ظ: الكافي: للشيخ الكليني, ج6, باب النرد والشطرنج, ح17. (11) المصدر نفسه, ح3. (12) سورة المائدة: 90. (13) الكافي: للشيخ الكليني, ج6, باب النرد والشطرنج, ح2. (14) المصدر نفسه, ح11. (15) منهاج الصالحين: للسيد السيستاني (دام ظله), ج1, م30. (16) ظ: موقع مكتب سماحة السيد السيستاني, الاستفتاءات, س5. (17) منهاج الصالحين: للسيد السيستاني (دام ظله), ج1, م30. (18) الكافي: للشيخ الكليني, ج6, باب الغناء, ح1. (19) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج17, باب تحريم الغناء, ح1. (20) الكافي: للشيخ الكليني, ج3, باب من حافظ على صلاته أو ضيعها, ح8. . اللّهم لا تجعلنا من الغافلين, بحق محمدٍ وآله الطاهرين.

القضايا الاجتماعية
منذ سنة
1412

نشاطاتٌ رمضانية للمرأة الشيعية (٨)

بقلم: علوية الحسيني الجمال ركنٌ أساسيٌ قد تغفل عنه بعض النساء في شهر رمضان المبارك؛ نتيجة لتضاعف أعمالها، وضيق وقته، إلّا أنّه مهم, وينبغي الالتفات له, والمحافظة عليه بنشاط, كسائر النشاطات من الأشغال الأخرى. نحن نعتقد أنّ الله تعالى يفعل الجميل, إذًا هو جميل, ويحبُّ الجمال, فما بديع خلقه إلّا جميل, ومن ضمن مخلوقاته المرأة, أودع فيها صفة الأنوثة, والرقة, والجمال, فخلقها فأحسن تصويرها, فينبغي عليها المحافظة على تلك المعطيات. وقد تغفل بــعض النساء في شهر رمضان المبارك عن الاهتمام بهذا الجانب؛ نتيجة عدّة أمور, منها: كثرة الانشغالات, وتوهم أنّ التجمل من مفطرات الصيام! وسيتم علاج تلك الأمور, ولهذا اقتضى الأمر أن يسلط الضوء هذا المقال على (جمال المرأة في شهر رمضان) ليكون نشاطًا لها كسائر النشاطات الرمضانية خصوصًا, وفي باقي الشهور عمومًا. كما وسنعرف أنّ للتجمل صوراً, منها التزين, وللتزين صور, منها: التزيّن بالثياب, والطيب, والحلي, كما سيأتي. وقبل التفصيل ألفت نظركِ أختاه إلى أنّ حثّ المقال على التزيّن لا يعني التجمل والظهور بالزينة أمام الرجال الأجانب، بل حتى أمام الصبي غير المميز احتياطًا في بعض الموارد. إنّما يجوز اظهارها أمام الذين شرّع الله تعالى إظهارها أمامهم؛ قال (تعالى): {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاء}(1). من أبرز صور التجمل: 1/ التجمل بالملبس روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "البس وتجمل، فإن الله جميلٌ يحب الجمال، وليكن من حلال" (2) فاللبس لغرض الزينة, ولهذا اقتصر الكلام على التزيّن الذي شرّعه الله (تعالى) في كتابه الكريم, بقوله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} (3). فظاهر الحديث يشير إلى أنّ بعض التزيّن يكون بلبس الثياب الجميلة, وعادة المرأة أنّها ترغب بشراء الثياب الحسنة؛ لتلبسها, وهذه فطرة حسنة, والأحسن هو التجمل بلبسها في كلّ وقت, ولا تقتصر بلبسها على المناسبات فقط. فيا اختاه! لبسكِ لثيابكِ الجميلة في الشهر الجميل حسنة؛ لأنّ الله (تعالى) يحب الجمال؛ فإذا أحبّ (تعالى) فعلكِ جازاكِ بالإحسان. فلا تبخلي على نفسكِ بجعل ثيابكِ الحسنة حبيسة في خزانة الملابس, فمن موجبات احترام الذات هو تنعمها بالقدر الذي أنعم الله (تعالى) عليه, والعمل على تحسين هندامها. فبإمكانكِ ارتداء ثيابكِ الجميلة حتى في أثناء إعداد الفطور, مع وقايتها من الاتساخ بارتداء ما يسمى بـ(صدرية المطبخ)؛ لئلا تتلف. *التفاتة مهمة لكِ اختاه, وهي ضرورة مراعاة أن يكون الثوب فضفاضًا, لا يصف, ولا يشف, مهما كان الذي يعيش مَن معكِ في البيت, والتقوى فوق الفتوى. 2/ التجمل بالعطور تتوهم بعض النساء أنّ العطور من المفطرت, لذا تحرم نفسها من سُنّة لطيفة شرّعها الإسلام, تعطي رونقًا وجمالاً, في حين أنّ الحكم الشرعي لها أنّ العطور ليست من المفطرات. بل إنّ سنّة التعطّر أعطت لعبادةِ من يطبقها أفضلية على من لا يطبقها؛ حيث روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "ركعتان يصليهما متـعطر أفضل من سبعين ركعة يصليهما غير متعطر" (4), فهلاّ انتبهتِ اختاه؟ وأعتقد أنّ من لوازم حقوق الزوج أن تكون زوجته متعطرة دومًا لتكون خير زوجة؛ روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): " خير نسائكم الطيبة الريح" (5). بل لو تأملتِ أختاه في بعض الروايات لوجدتِ أنّ شراء العطور, ودوام استعمالها ليس من الإسراف؛ كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "ما أنفقت في الطيب فليس بسرف"(6), لكن هذا لا يعني أنّكِ ستجعلين زوجكِ غارقًا في الديون بسبب اعتمادكِ على هذه الرواية! 3/ التجمل بلبس الحُلي معروفٌ أنّ أكثر النساء يتجملنَ بالحلي, إلاّ ما ندرت منهن, لكن بعضهنّ يغفلنَ عن التحلي بالقلائد, أو الأسورة, أو الأقراط, فلا ترتديها في شهر رمضان بدعوى أنّها صائــمة وزاهـدة في الدنيا! ولا أعلم ما هو الربط بين الصوم وعدم التحلي بالحُلي؟ فيا اختاه تفضلي بقراءة درر أهل البيت (عليهم السلام), كيف رسموا لنا الصورة الأنثوية للمرأة في جميع سلوكياتها, حتى في صلاتها؛ روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في باب كراهة صلاة المرأة بغير حُلي, أنّه قال: "لا ينبغي للمرأة أن تعطل نفسها ولو أن تعلق في عنقها قــلادة" (7). فيا اختاه! تجملي في شهر الجلال والجمال, ولا تصدقي ما يُقال. 3/ التجمل بالاعتناء بالشعر. شعر المرأة من زينتها, وحتى تتجمل به ينبغي أن تحسن الاعتناء به دومًا, وشكر الله (تعالى) على هذه النعمة اللطيفة. في شهر رمضان تنتاب بعض النساء حالة شبه عدم اهتمام بالشعر, فيتعرّض للتساقط أو التشوهات الشكلية نتيجة الإهمال, فاعلمي يا اختاه أنّ هناك حثاً على الاهتمام بتصفيف الشعر كما روي عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله) "من اتخذ شعرا فليحسن ولايته أو ليجزه" (8)، ومن حسن ولايته هو ترتيبه, أو ادهانه؛ روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "إذا أخذت الدهن على راحتك فقل: " اللهم إني أسألك الزين والزينة والمحبة وأعوذ بك من الشين والشنآن والمقت " ثم اجعله على يافوخك، ابدأ بما بدأ الله به" (9). وهناك طرق عملية للمرأة في شهر رمضان بإمكانها اتباعها للعناية بجمال شعرها, يشار إليها بعد هذه الوقفة. ■وهنا وقفة مهمة: جميع ما ذكر "يجب تركه من قبل المرأة المعتدة -في فترة عدّة وفاة زوجها- إلى أن تكمل عدّتها" (10) ونعود الآن إلى موضوعنا, لنضع خطوات عملية, ممكن أن تحافظي من خلالها على جمالكِ في شهر رمضان المبارك, إن لم يكن لديكِ متسع من الوقت لتخصصيه للعناية بجمالكِ, منها: 1/ أثناء طبخكِ للأرز بإمكانكِ الاستفادة من ماء الأرز بوضعه على الشعر, فهو غني بالبروتينات المفيدة. 2/ أثناء إعداد أطباق المائدة, ومنها السلطة, بإمكانكِ الاستفادة من الليمون للعناية بجمالية البشرة. 3/ عجن الخبز تلك المهمة التي تتعب كثيرًا من النساء, اعلمي أنّها تعطي جمالية لليدين؛ حيث تلين الجلد, وتلمع الأظافر, فلا تكترثي من التعب. 4/ كثرة الحركة أثناء الأشغال المنزلية تزيد الجسم رشاقةً وجمالية, فهي بمثابة الرياضة, فتحرق السعرات الحرارية الزائدة. 5/ إياكِ وعبوس الوجه لأي سببٍ كان, حتى وإن احترقت طبختكِ, فذلك يسبب بظهور التجاعيد مبكرًا على بشرتكِ, مما يقلل من جمالكِ, بل استشعري الاسترخاء والسرور, وأنتِ في ضيافة الله (تعالى), فهذا جمالٌ باطني يزيد في جمالكِ الظاهري. والخلاصة: أنّ الإسلام دينٌ يدعو إلى التحلي بالذوقيات بأكمل الدرجات, ومن تلك الذوقيات (الذوق في المظهر الخارجي ولوازمه, ومنه الجمال) فهلّا تجملتِ؟ ___________________ (1) النور: 31. (2) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج5, باب عدم كراهة لبس الثياب الفاخرة الثمينة..., ح5. (3) الأعراف: 32. (4) مكارم الأخلاق: للشيخ الطبرسي, ص42. (5) الكافي: للشيخ الكليني, ج5, باب خير النساء, ح6. (6) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج2, باب استحباب كثرة الانفاق في الطيب, ح2. (7) المصدر نفسه, ج4, باب كراهة صلاة المرأة بغير حلي, ح2. (8) المصدر نفسه, ج20, ح3. (9) الكافي: للشيخ الكليني, ج6, باب الدهان, ح6. (10) ظ: منهاج الصالحين: للسيد السيستاني, ج3, م581. اللّهم أدم حُسن خَلقنا وخُلقنا.

المناسبات الدينية
منذ سنة
955

رسالاتٌ في زمن الوباء (٢) النظافة

بقلم: علوية الحسيني إنّ النظافة أمرٌ حسن, وكلُّ حسنٍ يحكم بلزومه او انبغائه العقل, وبالتالي يرى ضرورة تحقيقه. وقد أولاها الدّين الإسلامي أهمية قصوى؛ فالله (سبحانه وتعالى) أشار إليها في القرآن الكريم, وكذا نبيّه الأكرم محمد وأهل بيته (عليه وعليهم السلام) في رواياتهم. فالمسلمون يتصفون بالنظافة في كلِّ حالٍ امتثالاً لما جاء في كتابهم وموروثهم الروائي. النَّظافةُ لغةً: هي "النَّقاوة. والنَّظَافَة: مَصْدَرُ التَّنْظِيف وَالْفِعْلُ اللَّازِمُ مِنْهُ نَظُفَ الشيءُ، بِالضَّمِّ، نَظَافَة، فَهُوَ نَظِيف: حَسُن وبَهُوَ. ونَظَّفَه يُنَظِّفُه تَنْظِيفاً أَي نَقَّاهُ"(1). ونظرًا لأهمية النظافة في الدّين الإسلامي على كلّ حالٍ عمومًا, وفي زمن الوباء هذا خصوصًا, ستكون رسالتنا اليوم ضمن ثلاثِ نقاط أساسية. ●النقطة الأولى: القرآن الكريم يحثُّ على النظافة لم ترد مفردةُ النظافة صريحةً في القرآن الكريم, بل جاءت بلفظ (طهارة), وهي تفي بمعنى النظافة وإن كانت أعم. القرآن الكريم أشار إلى نوعين من الطهارة: المادية, والمعنوية. أولًا: الطهارة المادية 1/ قال تعالى: { وَثِيَابَكَ فَطَهِّر}(2). 2/ قال تعالى: { وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِه}(3) إذا نظرنا لها من الناحية المادية, فالأمطار تطهر المتنجسات. ثانيًا: الطهارة المعنوية 1/ قال تعالى: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِين}(4). 2/ قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِه}(5), إذا نظرنا لها من الناحية المعنوية, فالأمطار علامة للتفكر وتطهير الفكر من جميع أوساخ الغفلة. وليس القسم الثاني محل كلامنا, وإنّما ذُكِر استطرادًا؛ تبركًا بالآيات, وزيادةً للمنفعة. ●النقطة الثانية: روايات أهل البيت (عليهم السلام) تحثُّ على النظافة أما الروايات الشريفة فقد جاءت مُفصِلةً لأقسام النظافة, فمنها: ■أولاً: نظافة الجسد لقد أولت الروايات الشريفة اهتمامًا بالغًا في نظافة الجسد, وأكدّت في بعض الأحيان على وجوب النظافة. حتى روي عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله): "بئسَ العبد القاذورة"(6) إشارةً منه إلى ضرورة النظافة, وبغض الله (سبحانه وتعالى) للعبد القذر. بل ونجد الروايات قد تطرقت إلى نظافة أعضاء الجسد, فمنها: 1/ نظافة الفم فمن الروايات ما أشارت حتى إلى تخليل الأسنان, أي تنظيف ما بينها, لإزالة بقايا الطعام عنها. روي عن النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): "تخلّلوا، فإنّه من النظافة، والنظافة من الإيمان"(7). وقد جاء الطب الحديث مؤكدًا على ذلك ومبينًا الحكمة منه، فكثيرًا ما يؤكد الأطباء على ضرورة مراعاة نظافة الفم؛ لئلا تتولد بكتريا تتسبب بالعديد من الأمراض. وبما أنّ الأسنان أجسامٌ صلبة فمن الممكن أنْ تعلق عليها الفيروسات التي قد تنتقل إلى الآخرين عن طريق الهواء أو اللعاب. (وهذه القطيرات وزنها ثقيل نسبياً, فهي لا تنتقل إلى مكان بعيد وإنما تسقط سريعًا على الأرض. ويمكن أن يلقط الأشخاص مرض كوفيد-19 إذا تنفسوا هذه القُطيرات من شخص مصاب بعدوى الفيروس, ولهذا أكدوا على ضرورة ارتداء الكمامة كإجراءٍ وقائي للحدِّ من انتشار المرض"(8). 2/ نظافة اليدين روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "تقليمُ الأظفار يمنعُ الداء الأعظم ويدرُّ الرزق"(9), فالرواية صريحةٌ بالإشارة إلى إمكانية إصابة الإنسان بمرضٍ ما نتيجةَ عدمِ تقليم أظفاره؛ لما ينمو تحتها من أوساخٍ, يصعب إزالتها بالمنظفات. كما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "غسلُ اليدين قبل الطعام، وبعده زيادة في العمر... ويجلو البصر"(10). وحتمًا هناك أمورٌ صحية أخرى مترتبةٌ على نظافة اليدين, وفي كلِّ الأحوال, لا قبل الطعام فقط, لكن قد يبدو أنّ الرواية أجابت عن سؤالٍ معيّن. هذا وتؤكد منظمة الصحة العالمية على "تنظيف اليدين جيدًا بفركهما بمطهرٍ كحولي لليدين أو بغسلهما بالماء والصابون؛ ليقتل الفيروسات التي قد تكون على اليدين, وفي حالِ عدم تنظيفهما قد تلامسان الفم أو الأنف أو العين, أو يصافح بإحداهما, مما يسبب انتقال الفيروس اللاصق على اليدين بمن لامسه"(11). ■ثانيًا: نظافة الثوب لاشك أنّ بعض البكتيريا كما تنمو على الجسد, كذا تنمو على الثوب, فمن الضروري الاعتناء بنظافة الثوب أيضًا, ومحاولة الوقاية التي يحكم بها كل عاقل. روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "من اتخذ ثوبًا فلينظفه"(12)؛ فذلك من كمالِ هيبةِ المؤمن ووقاره واحترامه لذاته, واحترام الناس له. وطرق تنظيف الثوب مطلقة, لم تقيّدها الرواية بطريقةٍ ما, ولم تُشِر إلى سبب التنظيف, لعلها تقصد التطهير فقهيا والتنظيف عرفياً. أما من الناحية الطبية, ولاسيما بخصوص الوباء المنتشر (كوفيد19) فقد بيّنت منظمة الصحة العالمية ضرورة "غسل الأغطية والملابس المتسخة وتعقيمها عن طريق غسلها في الغسالة بمسحوق الغسيل وماءٍ دافئ (تتراوح درجة حرارته تتراوح بين 60 و90 درجة مئوية). وإذا لم تتوفر الغسالة، فيُمكن نقع الملابس في الماءِ الحار والصابون في حوضٍ كبير واستخدام عصا لتحريكها بحذرٍ لتجنب رذاذ الماء. وإذا لم يتوفر الماء الحار، فيمكن نقع الملابس في سائل الكلور المركز بنسبة 0.05 في المائة لمدة 30 دقيقة تقريبًا. وأخيرًا، تُشطف الملابس بالماء النظيف وتُترك لتجف تمامًا تحت أشعة الشمس"(13). ■ثالثًا: نظافة البيوت روي عن النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله): "لا تبيّتوا القمامة في بيوتكم، وأخرجوها نهارًا، فإنّها مقعد الشيطان"(14). ولعل الشيطان المقصود في هذه الرواية هو مصدر السوء والشر, فلا يستبعد عندئذٍ أنْ تكون القمامة مصدرًا للأمراض والفيروسات. ولعل الشيطان المقصود هو إبليس أو أحد جنوده, باعتباره يسكن الأماكن القذرة. وعلى كلا الاحتمالين ينبغي أنْ يُنظف الإنسان بيته من القمامة. كما وروي عنه (صلى الله عليه وآله): "نظّفوا بيوتكم من حوك العنكبوت، فإنّ تركه في البيت يورث الفقر"(15). ولعل الرواية هنا ناظرةٌ إلى الفقر بمعنى سلبِ كلِّ ما يكون الإنسان غنيًا به كالصحة، ولا نعلم ما العلة في تسببِ بيت العنكبوت بالأمراض, كما لا نعلم كثيرًا من العلل. ولعلها ناظرةٌ إلى الفقر المتبادر إلى الذهن, وهو بالتالي مرضٌ معنوي يسبب العديد من الأمراض, كالكآبة وارتفاع الضغط من شدّة التفكير في الرزق المنحسر أو شبه المنحسر. وعلى الاحتمالين ينبغي الامتثال للرواية, وتنظيف البيت من حوك العنكبوت. هذا وتؤكد منظمة الصحة العالمية على ضرورة تنظيف البيت حتى من الهواء المشتبه به, من خلال التهوية الطبيعية. وكقاعدةٍ عامة، يمكن حساب معدل التهوية الطبيعية الناشئة عن دفع الرياح، داخل غرفةٍ مزودةٍ بنافذتين متقابلتين (مثلا: نافذة وباب)، "على النحو التالي: 65.0 × سرعة الريح (متر / ثانية) × مساحة أصغر فتحة (متر مربع) × 3600 السرعة / الساعة تغييرات الهواء في الساعة = مساحة الغرفة (بالمتر المكعب). أو حسابها كمعدل تهوية: معدل التهوية (لتر / ثانية) = 65.0 × سرعة الريح (متر / ثانية) × مساحة أصغر فتحة (متر مربع) × 1000 لتر / متر مكعب"(16). ■رابعًا: نظافة الشارع لاشكَّ أنّ الدين الإسلامي الذي يؤكّد على النظافة الشخصية, فإنّه يؤكد على الصالح العام أيضًا؛ فنجده قد أكّد على نظافة البيئة بدءً من أدنى درجات النظافة, وهي إماطة الحجر أو الشوك عن الطرقات, فكيف بالأمور الكبيرة التي يقتضي الالتفات إليها لمنع انتشار الوباء مثلا! حتمًا إنّ ذلك نابعٌ من الحفاظ على سلامة ونظافة الأفراد وبيئتهم؛ فهو ناظرٌ إلى جانبِ الإنسانية بالإضافةِ إلى كونهِ أدبًا شرعيًا, روي عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "من أماط عن طريق المسلمين ما يؤذيهم كتب الله له أجر قراءةِ أربعمائة آيةٍ، كلُّ حرفٍ منه بعشر حسنات"(17). ويؤكد الطب اليوم على أهمية النظافة, وضرورة الالتزام بها, واتخاذها كطريقٍ وقائيٍ ضد جميع الفايروسات عمومًا, وضد فيروس كورونا خصوصًا, لذا نجد تأكيدًا شديدًا من قبل منظمةِ الصحة العالمية على تعقيم الشوارع والممتلكات العامة, والطرقات. حيث بيّنت منظمة الصحة العالمية أنّ هناك منظفاتٍ من الممكن أنْ تحدَّ من انتشار الفيروس, "منها: 70% من الكحول الإيثيلي لتطهير المعدات المخصصة القابلة للاستعمال المتكرر (مثل مقاييس الحرارة) عقب كلِّ استخدام هيبوكلوريت الصوديوم بنسبة 0.5% (ما يعادل 5000 جزء في المليون) لتطهيرِ الأسطح التي تُلمس بشكلٍ متكرر في المنازل أو في مرافق الرعاية الصحية"(18). ________________ (1) لسان العرب: لابن منظور, ج9, ص336. (2) سورة المدثر: 4. (3) سورة الأنفال: 11. (4) سورة التوبة: 108. (5) سورة الأنفال: 11. (6) الكافي: للشيخ الكليني, ج6, باب التجمل واظهار النعمة, ص436, ح6. (7) مستدرك وسائل الشيعة: للميرزا النوري الطبرسي, ج16, ص319. (8) @موقع منظمة الصحة العالمية, كيف ينتشر مرض كوفيد-19 (9) الكافي, ج6, باب قص الأظافر, ص490, ح1 (10) وسائل الشيعة عن الكافي, ج6, ص290, ح3. (11) @موقع سابق, نصائح للجمهور بشأن مرض كوفيد10. (12) الكافي: للشيخ الكليني, ج6, باب اللباس, ص441, ح3. (13) @موقع سابق, كيف يمكن غسل الشراشف والفوط والملابس المتسخة للمرضى المصابين بعدوى كوفيد -19. (14) من لا يحضره الفقيه: للشيخ الصدوق ج4, ص5. (15) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج5, باب استحباب تنظيف البيوت من حوك العنكبوت وكراهة تركه, ص322, ح2. (16) مركز معالجة حالات العدوى التنفسية الحادة الوخيمة, منظمة الصحة العالمية, دليل عملي, مارس/ 2020. (17) الأمالي: للشيخ الطوسي, ج1, ص185. (18) @موقع سابق, ما هي المطهرات الموصى باستخدامها لتنظيف البيئة في مرافق الرعاية الصحية أو المنازل التي يوجد فيها المرضى الذين يُشتبه في إصابتهم بعدوى فيروس كورونا المستجد أو الذين تأكّدت إصابتهم بها. والحمد لله على ما لم أزل أتصرف فيه من سلامة بدني

القضايا الاجتماعية
منذ سنة
1775

رسالاتٌ في زمن الوباء (٣) حِميةٌ غذائية

بقلم: علوية الحسيني لاشك أنّ الغذاء المنظم يشكّل هالة تحافظ على الجسم من الضعف وطرو الأمراض, والعدوى بالفيروسات. البعض من الناس لعلّه ملتفت إلى تطبيق هذه الحمية الغذائية, والبعض الآخر لا يهمه حتى معرفة فوائد أصناف الطعام, لذا يكون عرضًة للإصابة بالانتكاسة الصحية أسرع من غيره. في زمن الوباء العالمي (كوفيد 19) أكّدت منظمة الصحة العالمية على ضرورة اتخاذ حمية غذائية؛ لتكون مناعة الجسم مرتفعة النسبة, حتى لا يهيمن الفيروس على جسد المصاب, تاركةً أمر معرفة القواعد الصحية لتناول الغذاء إلى أهل الاختصاص، فينبغي عقلًا مراعاتها؛ دفعًا للضرر المتحقق من الإصابة بالفيروس, أو المحتمل تحققه, والاحتياط طريق عقلي سليم. ولا بد من الإشارة إلى أنّنا حينما نتكلم عن الحمية الغذائية فهذا لا يعني الدعوة إلى الإفراط في تناول الغذاء, بل التنظيم, وانتقاء الأطعمة المفيدة, وعلى قدر الحاجة لسد الرمق, وإلّا لكان الإفراط سببًا في العديد من الأمراض والبكتريا, "فازدراد كمية كبيرة من الطعام تعرض الإنسان للإصابة ببعض الجراثيم؛ كضمات الكوليرا، وعصيات الحمى التيفية، والأطوار الاغتذائية للأميبا وذلك لعدم تعرض كامل الطعام لحموضة المعدة وللهضم المبدئي في المعدة حيث إنّ حموضة المعدة هي المسؤولة عادة عن القضاء على مثل هذه الجراثيم" (1). حينما نتأمل في آيات القرآن الكريم نجد أنّ الله (سبحانه وتعالى) أشار إلى أنواعٍ من الأطعمة والأشربة؛ إشارةً منه إلى كثرة فائدتها, وحتمًا أنّ لها دوراً في تقوية المناعة مما تحصن الجسم من الأمراض عمومًا, ومن الفيروس العالمي خصوصًا (كوفيد 19) لأنّها تفيد عنوانًا عامًا, وهو المناعة الصحية. ■أولاً: قواعد قرآنية لغذاءٍ صحي: نحن نعتقد أنّ الله (سبحانه وتعالى) حكيم, لا يقول عبثًا, وبالتالي ما جاء في القرآن الكريم من دقةٍ في وصف الغذاء, وتفضيل بعضه على بعض بالأصناف, حتمًا له غاية تعود نفعًا على الإنسان نفسه, ومن تلك القواعد: 1- قاعدة تقديم أكل الفواكه قبل اللحوم: إنّ المتأمل في الآيات الكريمة التي أشارت إلى أكل الفواكه واللحم, يجد أنّها جعلت أكل الفواكه قبل اللحوم؛ بدليل قول الله (سبحانه وتعالى): {وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُون} (2). فأشار بعض علماء التفسير إلى "أنّ تقديم الفاكهة على اللحم نتيجة أفضليتها عليه"(3). كما ويقول (سبحانه وتعالى): {وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُون} (4). خبراء علم التغذية, واستنادًا على اختصاصهم اكتشفوا الحكمة الطبية من هذه القاعدة القرآنية, فقالوا: "إنّ الفاكهة تعد المصدر الأساسي للجسم, وتحتوي على سكريات بسيطة ويسهل على الجسم امتصاصها, وهضمها، فلو تم أكلها قبل اللحوم لقضت على الجوع, بينما لو بدأ الإنسان بأكل اللحم أوّلًا فسوف يحتاج جسمه إلى ثلاث ساعات حتى تكتمل عملية الامتصاص, مما يسبب له الجوع مبكرًا, فيختل التوازن الغذائي" (5). وقال أطباء مختصون: بأنّهم طبقوا هذا النظام على مرضى, فوجدوا أنّ المرض ترك مكانه للشفاء, لأنّ مقياس درجة الحموضة والقلوية عندهم توازن (PH=7) أمّا إذا أكلوا اللحم قبل الفواكه لزاد عن (7), وهذا الذي يسبب أمراضًا تقلل من مناعة الجسم. وبالتالي، ينبغي على الإنسان أن يكون أكثر التزامًا بقواعد القرآن الكريم, باتباع حمية غذائية وفقه. 2- قاعدة الأكل قبل الشرب: قاعدة أخرى ممكن أن نتبعها كحمية غذائية لصحة الجسم, وهي قاعدة (الأكل قبل الشرب) التي أشار إليها الله (سبحانه وتعالى) في القرآن الكريم بقوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَض} (6). وفي آية أخرى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّه} (7). وآية أخرى كذلك: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} (8). وبدوًا وإن كانت الحكمة في هذا التقديم خفية علينا، إلّا أنّه يكفي لصدورها عن حكيم كالله (سبحانه وتعالى), للالتزام بها. ■ثانيًا: قواعد روائية لغذاءٍ صحي: الحمية الغذائية المقوية للمناعة الصحية أشار إليها أهل البيت (عليهم السلام), فبيّنوا طرقًا صحيحة لتناول الطعام؛ حتى يكتسب الجسم مناعةً وقوّة, فمثلًا من تلك القواعد: 1- قاعدة تقديم الطعام على الشراب: روي عن الإمام الصادق (عليه ‌السلام) أنّه قال: "إذا دخل عليك أخوك فأعرض عليه الطعام، فإن لم يأكل فاعرض عليه الماء، فإن لم يشرب، فأعرض عليه الوضوء" (9). فلعل الحكمة من ذلك هي حتى لا يضعف البدن ويختل بامتلائه بالماء إذا سبق الطعام فلا يأخذ وقايته التامة من الغذاء. 2- قاعدة اتخاذ الطعام الأجود: روي عن الإمام الصادق (عليه ‌السلام): "اعمل طعامًا، وتنوّق فيه" (10) والتنوّق لغةً هو المبالغة في التجويد, وما إشارة الإمام إلى الحفاظ على جودة الطعام إلّا لأجل الحفاظ على صحة الجسم. والخلاصة: رغم قصور المعلومات المتقدمة, إلّا أنّ العاقل من اتبع حمية غذائية صحيحة, لتكون له وقاية من الأمراض والفيروسات كما أوصى الله (سبحانه وتعالى) وأولياؤه (عليهم السلام). ____________________ (1) مع الطب في القرآن الكريم: لعبد الحميد دياب وأحمد قرقوز, ص130. (2)الطور: 22. (3) ظ: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزّل: للشيخ ناصر مكارم الشيرازي, ج17, ص172. (4) سورة الواقعة: 20-21. (5) موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم: للدكتور عبد الدائم الكحيل, موقع الكحيل. (6) سورة البقرة: 187. (7)سورة البقرة: 60. (8) سورة الأعراف: 31. (9) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ح24, باب استحباب عرض الطعام ، ثم الشراب ، ثم الوضوء على المؤمن إذا قدم, ح2. (10) المصدر نفسه, باب استحباب اتخاذ الطعام ، وإجادته, ح1. والحمد لله الذي هنأنا بطيبات رزقه, ونشّطنا فيها لابتغاء مرضاته وعافيته.

القضايا الاجتماعية
منذ سنة
1246

تجلياتٌ معرفية في الخطاب المهدوي (17)

بقلم: علوية الحسيني "فإذا أذنت في ظهوري فأيّدني بجنودك واجعل من يتبعني لنصرة دينك مؤيّدين وفي سبيلك مجاهدين وعلى من أرادني وأرادهم بسوء منصورين". هنا ينتقل الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بدعائه إلى مجريات ما بعد الظهور العلني, ويكرر افتقاره إلى خالقه الله (تعالى), فيطلب التأييد والنصر؛ لأنّهما لازمان, لا ينفكان إلاّ بمعجز, وحيث إنّ أصل أغلب مهام الإمام ليست إعجازية, وإنّما تعتمد على البراهين, واجتماع عدّة أمور -كما سيأتي- لذا طلب التأييد الحسي. *قوله: "فإذا أذنت في ظهوري" إشارةً منه إلى أنّ زمن الظهور العلني راجع إلى الله (تعالى) -رغم علم الإمام به أيضًا-, حيث أنّ تقديم أو تأخير ظهور الإمام أمرٌ ممكن بالنسبة لله القادر, وقدرته (تعالى) تتعلق بكل ممكن. ولعلها إشارة من الإمام إلى إلجام أفواه الغلاة من الأنام, الذين يقولون باستقلال الإمام عن الله (تعالى) بعلم الغيب, حيث يخاطبون الإمام بــ: (لِمَ لا تظهر؟)!. *وقوله: "فأيّدني بجنودك" الفاء هنا عاطفة, فبعد أن طلب الظهور, يطلب التأييد بجنودٍ, نسبهم إلى الله (تعالى) مباشرةً, فقال: "بجنودك". وظاهر الكلمة يدل على ثلاثة معان, وكلّها تنسب لله (تعالى). المراد من طلب التاييد هو: 1/ طلب التأييد بالأنصار, وهو ما أكدته الروايات الشريفة، مثل ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: "لا يَخْرُجُ القَائِمُ (عليه السلام) حَتَّى يَكُونَ تَكْمِلَةُ الحَلْقَةِ. قُلْتُ: وَكَمْ تَكْمِلَةُ الحَلْقَةِ؟ قال: عَشَرَةُ آلافٍ، جَبْرَئِيلُ عَنْ يَمِينِه، وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسارِه"(1). ولذا عد بعض الباحثين أن اكتمال عدد الأنصار من شرائط الظهور. وفي الحقيقة فإنّ هذا الشرط كان مفقودًا عند المعصومين (عليهم السلام), لذا كانوا لا يتحركون بالثورة، فهذا أحد الأسباب التي دعتهم الى ذلك. ومن هنا روي أنّ الإمام الصدق (عليه السلام) قال لسدير: "... وَاللهِ يَا سَدِيرُ لَوْ كَانَ لِي شِيعَةٌ بِعَدَدِ هَذِهِ الْجِدَاءِ مَا وَسِعَنِي الْقُعُود"(2). 2/ طلب التأييد بالملائكة, كما أيد الله (تعالى) نبيه بهم في معركة بدر، قال (تعالى): {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ* إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ* بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِين}(3). والروايات الدالة على هذا المعنى عديدة، منها: ما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "يُبَايَعُ القَائِمُ بِمَكَّةَ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَيَسْتَعْمِلُ عَلَى مَكَّةَ، ثُمَّ يَسِيرُ نَحْوَ المَدِينَةِ، فَيَبْلُغُهُ أَنَّ عَامِلَهُ قُتِلَ، فَيَرْجِعُ إِلَيْهِمْ فَيَقْتُلُ المُقَاتِلَةَ، وَلا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ يَنْطَلِقُ فَيَدْعُوا النَّاسَ بَيْنَ المَسْجِدَيْنِ... حَتَّى يَبْلُغَ البَيْدَاءَ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ جَيْشُ السُّفْيَانِيِّ، فَيَخْسِفُ اللهُ بِهِم"(4). وكذلك ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "إِذَا قَامَ القَائِمُ (صَلَوَاتُ اَللهِ عَلَيْهِ) نَزَلَتْ مَلَائِكَةُ بَدْرٍ وَهُمْ خَمْسَةُ آلَافٍ، ثُلْثٌ عَلَى خُيُولٍ شُهْبٍ، وَثُلْثٌ عَلَى خُيُولٍ بُلْقٍ، وَثُلْثٌ عَلَى خُيُولٍ حُوٍّ»، قُلْتُ: وَمَا الحُوُّ؟ قَالَ: «هِيَ الحُمْر »"(5). 3/ طلب التأييد بالأنصار والملائكة معًا، وهو احتمال وارد أيضًا؛ فبعض الروايات جمعت التأييد بالأِنس من الشيعة المخلصين, وبالملائكة, والجن, وحتى الرعب, منها: ما روي عن أبي حمزة الثمالي أنّه قال: "سمعت أبا جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) يقول: لو قد خرج قائم آل محمد (صلى الله عليه وآله) لنصره الله بالملائكة المسومين والمردفين والمنزلين والكروبيين، يكون جبرائيل أمامه، وميكائيل عن يمينه، وإسرافيل عن يساره، والرعب يسير مسيرة شهر"(6). والرعب الذي يؤيد الله (تعالى) الإمام به, وينصره به على اعداءه, خير سلاحٍ, "وهو إلقاء الرعب في قلوبهم بمجرد سماعهم بتحركات الإمام, فيعينونه على النصر عليهم"(7). ومنها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "...يظهر رَجُلٌ مِنْ وُلْدي، يَمْلأ الأرْضَ عَدْلاً وَقِسْطاً، كَمَا مُلِئَتْ جَوْرَاً وَظُلْمَاً ...وَيُؤَيّدُهُ اللهُ بالْمَلائِكَةِ، والجنّ، وَشِيعَتِنَا الْمُخْلِصين"(8). ولعلّ انتصاره بالجن يكون على الجن الطالح الذي يسخره أعداء الإمام للحرب, ولعلّ الله (تعالى) يسخر الجن لخدمة الإمام كما سخرهم للنبي سليمان (عليه السلام). *وقوله: " واجعل من يتبعني لنصرة دينك مؤيّدين" دعاء منه لأتباعه بأن يؤيدهم الله (تعالى) بنفس التأييد الذي أيّده به (بالملائكة, والجن, والإنس من الشيعة المخلصين, والرعب), وهذا ليس بمحال؛ فسبق وأن أيّد الله (تعالى) بالملائكة أم النبي موسى (عليهما السلام), فكذا أتباع الإمام. وأمّا تأييد الأتباع بالجن, والشيعة المخلصين, والرعب, فهو لازم نصرة الإمام, وفي ذلك نصرة الدّين. *وقوله: "وفي سبيلك مجاهدين" استمرار منه (عجّل الله فرجه الشريف) في دعائه لأتباعه, فبعد أن طلب لهم التأييد, يطلب لهم بلوغ منزلة المجاهد في سبيل الله تعالى, ولا يبعد أن يقصد الجهاد بكافة أقسامه -فكرياً, وبدنياً, ونفسياً, ومالياً-, ولهذا يمتاز أتباع الإمام عن غيرهم بهذه الميزات. *وقوله: "وعلى من أرادني وأرادهم بسوء منصورين" هنا كأنّ الإمام يشير إلى الوحدة بينه وبين أتباعه؛ فمن يرده من أعدائه بسوء, يرد السوء بأتباعه, وهذه قرينة حالية تكشف عن معنى كلامه السابق " واجعل من يتبعني لنصرة دينك مؤيّدين"؛ فكما يطلب دفع السوء عن نفسه, وعن أتباعه, فكذا طرق تأييده هي طرق تأييد أتباعه -مع فارق اختصاص الإمام بالمعجز دونهم-. وأمّا السوء الذي يطلب الإمام من الله (تعالى) صرفه عنه وعن أتباعه فقد تم التطرق له عند شرح الفقرة السابقة من دعائه: " واحجبني عن أعين الباغضين النّاصبين العداوة لأهل بيت نبيّك ولا يصل منهم إليّ أحد بسوء"(9). فطلب الإمام صرف سوء المعنوي والمادي مشمول بدعائه لأتباعه. وأما النصر الذي سيحققه أتباع الإمام -الذين سيرجعون للحياة الدنيا والذين يعاصرون زمن ظهوره- فسيأتي تفصيله عند شرح الفقرة التاسعة عشر من هذا الدعاء. _______________________ (1) الغيبة: للشيخ النعماني, ج1, ب19, ح2. (2) الكافي: للشيخ الكليني, ج2, باب في قلة عدد المؤمنين, ح4. (3) سورة آل عمران: 124-125. (4) بحار الأنوار: للعلاّمة المجلسي, ج52, باب 26, ح83. (5) الغيبة: للشيخ النعماني, ج1, باب13, ح44. (6) المصدر السابق, ج1, ص237-238. (7) ظ: موجز دائرة معارف الغيبة: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه), 67/ 431. (8) ارشاد القلوب: للديلمي,ج2, ص286. (9) ظ: تجليات معرفية في الخطاب المهدوي, ح16. اللّهم أيّده وأتباعه بجندك, وأنصره بنصرك, بحق أكرم الخلق عليك.

العقائد
منذ سنة
496

تجلياتٌ معرفية في الخطاب المهدوي (18)

بقلم: علوية الحسيني "ووفّقني لإقامة حدودك" إنّ من أهم وظائف الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) هي تبليغ رسالات الله (تعالى), فيدعو لنفسه, ويطلب التوفيق من الله (تعالى) حتى يقيم حدوده (تعالى). وحدود الله (تعالى) هي الإيمان به وبرسوله –وما يلزم ذلك-؛ لقوله (تعالى): {ذَٰلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّه} (1). وحدود الله (تعالى) هي حدود نبيّه محمد (صلى الله عليه وآله)؛ بدليل قوله (تعالى): {وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيها وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِين} (2). لعلها هذه إشارة من الإمام إلى خطورة فصل الكتاب الكريم عن السنة النبوية, وبالتالي فمن يقل: حسبنا كتاب الله، فقد تعدّى حدود الله تعالى, وظلم نفسه؛ لأنّه فرّق بين الإيمان بالله (تعالى) وبرسوله (صلى الله عليه وآله), ومن ظلم نفسه فله عذابٌ أليم؛ قال تعالى: {قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرا}(3), ونِعمَ به سبحانه مِن حكيمٍ ما أعدله. وكلّ إنسانٍ يعقل أنّ أشد أنواع الظلم هو التجري على حدود الخالق تعالى التي أوضحها في كتابه الكريم أو على لسان نبيّه الأكرم محمد (صلّى الله عليه وآله), حيث قال تعالى: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون} (4)؛ أي: أساء إليها، وذلك بتعريضها لسخط الله تعالى ومقته، وسطوته. فمن لطف الله (تعالى) بالعباد هو ظهور الإمام لإنقاذ الأنام. إذًا حدود الدّين هي سياج الدّين, المتمثلة بالعقيدة والفقه والأخلاق, المستمدة من النبي محمد وآله (عليهم السلام), وهي –أو على الأقل البعض منها- في زمن الغيبة معوجة, تحتاج إلى إقامة, أي تعديل الانحرافات, ومقيم العوج هو الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف), والمؤمن يندب إمامه كلّ جمعة قائلًا: "أَيْنَ المُنَتَظَرُ لإقامَةِ الأَمْتِ وَالعِوَج؟". ومن مظاهر ذلك العوج في حدود الله (تعالى): ■أوّلًا: حدود الله (تعالى) العقائدية: فأصول الدّين باعتقاد الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) خمسة -التوحيد, العدل, النبوة, الإمامة, المعاد- وبالتالي يرى في كلّ أصلٍ اعوجاجًا, فيعمل على تعديله؛ ببيان الحق. 1/ على مستوى الاعتقاد بالتوحيد: فعقيدةٌ تقول بأنّ الذات الإلهية مركّبة, وبمغايرة الصفات الذاتية للذات الإلهية, وتنسب الصفات السلبية ولوازمها لله (تعالى) كالجسمية, والرؤية البصرية, والمكان, والجهة -مثلاً-, وتجمد على ظواهر الألفاظ, فتثبت الصفات الخبرية لله (تعالى) بلا تأويل, لهي عقيدة معوجة منحرفة, تحتاج إلى إقامة, فيها تعدٍ على أعظم حدود دين الله (تعالى), وهو التوحيد. فهنا الإمام يُقيم حدود الدّين؛ ببيان التوحيد الصحيح, بأنّ التوحيد هو الاعتقاد ببساطة الذات الإلهية, ونفي التركيب عنها. وأنّ الله (تعالى) له صفات ذاتية هي عين ذاته. وأما الصفات السلبية فيجب سلبها عنه (تعالى) كالرؤية البصرية -مثلًا-؛ لأنّها تجعل المرئي جسمًا, والجسم محتاج إلى أجزائه, والمحتاج ليس بإله, والله هو الغني الحميد. ويبيّن للناس ضرورة تأويل بعض الصفات الخبرية, كتأويل (يد الله بقدرة الله تعالى), و(وعرش الله بعلم الله تعالى), وغيرها من الصفات التي أخبر بها القرآن الكريم. وحيث إنّ الإمام هو من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويل الكتاب, فيُعلّم الناس ذلك التأويل؛ ليُنزهوا الله (سبحانه وتعالى). 2/ على مستوى الاعتقاد بالعدل الإلهي: فعقيدةٌ لا تقول بركنية العدل الإلهي ضمن اصول الدّين, وتقول بأنّ الله (تعالى) يجبر عباده على المعصية, أو أنّه (تعالى) فوّض إليهم أمور حياتهم استقلالًا عنه (تعالى), لـهي عقيدةٌ معوجة منحرفة, تحتاج إلى إقامة. فهنا الإمام يقيم حدود الدّين؛ ببيان الاعتقاد الصحيح بالعدل الإلهي؛ فيُعلّم الناس أنّ العدل الإلهي ثاني أصل من أصول الدّين, ويجب الاعتقاد به, وأنّه لا جبر ولا تفويض, وإنّما أمرٌ بين أمرين, فليس الله (تعالى) يجبر الناس على ارتكاب المعاصي ثم يعذبهم فيكون ظالمًا لهم, وليس يفوّض إليهم الأمر استقلالًا عنه (تعالى) فيكون غير قادرٍ على صرف شيٍء منهم أو عنهم. وإنّما الاعتقاد الصحيح بعدله (تعالى) هو أنّه خلق العبد مختارًا في الفعل والترك مع احاطة قدرته بهم. 3/ على مستوى الاعتقاد بالنبوة: فعقيدةٌ تنسب الخطأ والسهو والنسيان للأنبياء (عليهم السلام) عمومًا, وللنبي محمد (صلى الله عليه وآله) خصوصًا, لـهي عقيدة معوجة منحرفة, تحتاج إلى إقامة. فهنا الإمام يقيم حدود الدّين؛ ببيان أنّ الاعتقاد الصحيح بالنبوة العامة والخاصة يكون بتنزيه النبي عن الخطأ والسهو والنسيان, في تلقي الرسالة السماوية, وتطبيقها, وتبليغها، وأنّه معصوم عن الكبائر والصغائر قبل البعثة وبعدها. وضرورة القول بعصمة جميع الأنبياء, والإيمان بهم, وبكتبهم, إلّا المحرّف منها, فسيأتي الإمام للناس بالتوراة والإنجيل الصحيحين. 4/ على مستوى الاعتقاد بالإمامة: فعقيدةٌ تقطع حبل الخلافة من بعد رسول الله (تعالى), وتجعل عباد الله (تعالى) سدى بلا هادٍ, وتخالف ما تواتر من حديث -كحديث الغدير والثقلين- حينما أوصى رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالخلافة من بعده إلى الإمام علي وذريته (عليهم السلام), بل وتطعن بعصمة من أذهب الله (تعالى) عنهم الرجس, وتنكر إمامتهم, وتفضّل من هم دونهم عليهم, لـهي عقيدة معوجة منحرفة, تحتاج إلى إقامة. فهنا الإمام يقيم حدود الدّين؛ ببيان ضرورة الاعتقاد بالإمامة كلطف من الله (تعالى) بعباده؛ حيث لم يجعلهم سدى بلا وليٍ هاد, بل وهي مكملة للنبوة, وكل ما ثبت للنبي يثبت للإمام -ما عدا الوحي والمعجز-. ويبيّن للناس الملازمة بين أصل الإمامة وأصول الدّين التي تسبقها؛ فمن أنكر الإمامة فقد أنكر النبوة, ومن أنكر النبوة فقد أنكار العدل الإلهي والتوحيد. كما ويبيّن لهم اهمية الاعتقاد بعصمة الإمام, ووجوب طاعته, وحيثُ إنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) هو الحاكم العالمي آنذاك, وولي الأمر, فيوجب عليهم طاعته؛ بأمرٍ من الله (تعالى) حينما قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ} (5). 5/ على مستوى الاعتقاد بالمعاد: فعقيدةٌ تقول بفناء النار, وإنكار الشفاعة, ومسائل نخشى الله (تعالى) من ذكرها, لهي عقيدة معوجة منحرفة, تحتاج إلى إقامة. فهنا الإمام يقيم حدود الله (تعالى)؛ ببيان العقيدة الحقة بالمعاد حين ظهوره. ■ثانيًا: حدود الله (تعالى) الفقهية: ففروع الدّين التي يتعبد بها الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) –حسب ما وصلنا عن آبائه عن جدهم الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وعليهم) هي: الصلاة, الصوم, الخمس, الزكاة, الحج, الجهاد, الأمر بالمعروف, النهي عن المنكر, التولي لأولياء الله تعالى, التبري من أعداء الله تعالى. والعبادة بغير تلك الفروع عبادة معوجة منحرفة, تحتاج إلى إقامة. فهنا الإمام يقيم حدود الدّين؛ ببيان ضرورة التعبّد بفروع الدّين هذه, كما ويبيّن كيفيتها الواقعية, فتنحل المذاهب الفقهية, وتذوب الرؤى المختلفة, وتحلّ الأحكام الواقعية محل الظاهرية, فلا تقليد, ولا استنباط حكمٍ, ولا فتوى, ولا احتياط, ولا حتى اجتهاد, بل حُكم الله (تعالى) الواقعي يؤخذ من خليفته على أرضه, الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف). وسبب تعبّد الأمة في زمن الغيبة بالأحكام التي أغلبها ظاهرية راجع إلى عدّة أسباب, "وقد تمت الإشارة إليها سابقًا, في شرح فقرة (وأحي بي ما درس من فروضك وسننك), والتي من أهمها ابتعادنا عن زمن النص" (6). إذًا, فالإمام يرى في كلّ فرعٍ اعوجاجًا, فيعمل على تعديله؛ ببيان الحق, وإن كان (بعض) ما تم التعبّد به مخالفًا للحكم الواقعي الذي يأتي الإمام ببيانه؛ وذلك أفضل من الوقوع في الشبهات عند الشك في واقعةٍ لم يصلنا حكمها. 1/ على مستوى التعبّد بالصلاة: فصلاةٌ يتوضأ لها بغسل القدمين, ويتكتف فيها المصلي, ويتشبه بالمجوس, ويجعل من كلمة (آمين) جزءاً من القراءة, لـهي صلاةٌ معوجة منحرفة, تحتاج إلى إقامة وتعديل؛ لكونها غير صلاة رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله). فهنا يبيّن الإمام للناس الصلاة الواقعية التي يريدها الله (تعالى) من عباده. 2/ على مستوى التعبد بالصيام: فصيامٌ لم يراعَ فيه مفطرية بعض المفطرات, ويستنبط لبعض أحكامه من بعض الاجتهادات الشخصية غير القائمة على دليل قطعي, لـهو صيامٌ معوج, يحتاج إلى إقامة. فهنا يبيّن الإمام للناس الصوم الواقعي الذي يُريده الله (تعالى) من عباده, بكافة تفصيلاته. 3/ على مستوى التعبّد بالخمس: فعبادةٌ لله (تعالى) مع انكار الخمس كفريضة, أو حصر موردها بالغنائم الحربية, لـهي عبادةٌ معوجة منحرفة, تحتاج إلى إقامة. فهنا يبيّن الإمام للناس ضرورة التعبّد بهذه الفريضة بأحكامها الواقعية. 4/ على مستوى التعبّد بالزكاة: فلا شك أنّ التعبّد بأحكامها الظاهرية يحتاج إلى إقامة. فيبيّن الإمام للناس أحكامها الواقعية من بلوغ حد النصاب الشرعي, ومواردها, وشروط مستحقها, وسائر تفرعاتها. 5/ على مستوى التعبّد بالحج: وكذا التعبّد بالحج لا يخلو من أحكام ظاهرية, (قد) لا تصيب الواقع, فتحتاج إلى إقامة. فيبيّن الإمام للناس أحكام الحج الواقعية. 6/ على مستوى التعبّد بالجهاد: التعبّد بالجهاد سواء أكان عينيًا أو كفائيًا لا يختلف حكمه عن سائر العبادات من حيث عدم خلوّه من الأحكام الظاهرية التي (قد) لا تطابق الواقعية, فبالتالي تحتاج إلى إقامة. فيبيّن الإمام للناس أحكام الجهاد الواقعية, لا سيما وأنّ أمر الجهاد سينحصر صدوره منه (عجّل الله فرجه الشريف), وبما أنه معصوم فيرى الحكمة في إصدار أمر الجهاد حسب الواقع المعاش آنذاك. 7/ على مستوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: عبادتان لا تنفكان عن بعض, أمرٌ بمعروف, وإلى جنبه نهيٌ عن منكر مقترف, لعلهما في زمن غيبة الإمام لم يطبقا تمام التطبيق؛ لضعف موقف الآمر الناهي -أحيانًا. أو لتملص البعض عن القيام بها رغم توفر الظروف المناسبة, وهذا عوج يحتاج إلى إقامة. ففي زمن ظهور الإمام يبيّن لهم ضرورة التعبّد بها, واعتماد نظام التناصح بين المسلمين. 8/ على مستوى التعبّد بتولي أولياء الله (تعالى) والتبري من أعدائه: فعبادةٌ بكافة فروع الدّين مع تماهل, أو مجاراة الآخر على حساب (التولي والتبري) من دون تقية لهي عبادة المنافقين, والله (تعالى) لا يحب المنافقين, وبالتالي هي عبادة معوجة منحرفة, تحتاج إلى إقامة. فيبيّن الإمام للناس أهمية موالاة أولياء الله (تعالى), والبراءة من أعدائه, ويأتي بأدلة واقعية, ويحوّل لقلقة الألسن القائلة (إنّي موالٍ لكم ولأوليائكم, معادٍ لأعدائكم) إلى واقع في زمن ظهوره. ■ثالثًا: حدود الله (تعالى) الأخلاقية: هنا على مستوى الأخلاق لا حاجة للتفصيل؛ إذ يكفي واقع الحال الأخلاقي في زمن الغيبة, وإن كان كلّ منّا يعيش في عالم الاستكمال, إلّا أنّه لم يبلغ حدّ الكمال, ومنه الكمال الأخلاقي. وبالتالي لم يتخلّق أحد -سوى المعصوم- بأخلاق الله (تعالى) بالمستوى المطلوب والممكن له, وهذا الحد من حدوده (تعالى) يحتاج إلى إقامة. فيبيّن الإمام للناس ضرورة التخلّق بأخلاق الله (تعالى), وينهى عن الرذائل الخلقية. وهذا هو الواقع الذي يريده الله (تعالى) من عباده. __________________ (1) سورة المجادلة: 4. (2) سورة النساء: 14. (3) سورة الكهف: 87. (4) سورة البقرة: 199. (5) سورة النساء: 59. (6) ظ: تجليات معرفية في الخطاب المهدوي, ح10. اللّهم وفّق وليّك لإقامة حدودك, وأكحل ناظرنا بواقعك.

العقائد
منذ سنة
517

تجلياتٌ معرفية في الخطاب المهدوي (14)

بقلم: علوية الحسيني "واهدني صراطًا مستقيما" بعد أن طلب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) من الله (تعالى) السلطان النصير, والفتح المبين, يطلب الهداية نحو الصراط المستقيم. وهذه الفقرة الدعائية -كسابقها- لها جذرٌ قرآني, وهو قول الله (تعالى): {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم} (1). ولمعرفة ظاهر مغزى الإمام من دعائه هذا لا بُدَّ من التطرق إلى نوع الهداية التي يطلبها الإمام, ثم بيان المراد من الصراط المستقيم. •فالهداية التي يدعو الإمام بها هي "(الهداية التكوينية), التي بها يكون هاديًا مرشدًا, يوصل العباد إلى المطلوب منهم كمالًا. وقد مَنّ الله (تعالى) عليه بها, نتيجة علمه الأزلي بأنّ هذا العبد سيمتثل للتشريع بدقة, فكانت الهداية التكوينية عناية خاصة بالإمام" (2). إذًا من وظائف الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) هي هداية العباد بإيصالهم إلى الكمال، لكن ما هو ذلك الكمال؟ سنعرفه من خلال بيان المراد الظاهري من (الصراط المستقيم). •أما الصراط المستقيم؛ ففسّر بعدّة تفاسير, مع تعددها اللفظي إلّا أنّها تصب في معنى واحد, وسنأخذ منها: 1- الصراط المستقيم هو عبادة الله (تعالى): حيث روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): حينما سُئل عن معنى قوله تعالى, قال: "﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ يعني أرشدنا إلى لزوم الطريق المؤدي إلى محبتك، والمبلغ إلى جنتك" (3). إذًا قد يريد الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الرشيف) بدعائه هذا أن يعطيه الله (تعالى) طريق العبودية الخالصة, وأشرنا في حلقاتٍ سابقة إلى أنّ الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يعكس صدق العبودية لله (تعالى) ربّه, فها هو ذا يطلب منه العبادة المخلصة, المتناسبة مع جلالة مقام ربّه. ولو تأملنا في أواخر سورة الحمد, لوجدنا "أنّ الصراط المستقيم هو للذين أنعم الله (تعالى) عليهم, والمنعم عليهم هم النبيون, والصدّيقون, والشهداء, والصالحون, بدليل قول الله (تعالى): {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِين}, وهم أعلى درجةً بالعلم والعمل من غيرهم" (4). فمن حيث العلم هم سادة التوحيد, أعرف الناس بربّهم, وبالأصول والفروع والأخلاق, ومن حيث العمل، فعصمتهم سيّدة مزاياهم, فلولا أنّهم لا علم بذلك لهم, ولا عمل, لـما طلبوا الوصول إلى الكمال, هم وأتباعهم. ومحل كلامنا ليس النبييّن (عليهم وعلى نبينا وآله السلام), بل في الصدّيقين, وهم الأئمة (عليهم السلام). نعم, إنّ هناك من الآيات الكريمة التي تفسّر بعضها بعضًا, فهناك استدلالٌ بالمباشر, يظهر منه أنّ الصراط يفيد (عبادة الله (تعالى)) كما يقول (تعالى): {وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْـبُدُوهُ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيم} (5). فقد يطلب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) طريق سلفه, وهو العبودية الحقة -مع تحققها فيه لكنه يطلب الأكمل-. أو ممكن أن نقول الوصول بنفسه إلى أعلى الكمالات, ثم بأتباعه, وهو التــوحيد الــحق -وإن كان الإمام حائزًا على أعلى درجات العبودية الحقة مقارنةً بنا, وعلى أدنى درجةٍ مقارنةً مع كمال الله (تعالى) الذي له الكمال المطلق- لكنه بـــشر, وجميع البشر يعيشون في عالم الاستكمال؛ حيث روي أنّ النبي وآله (عليهم السلام) يزدادون علمًا في كلّ ليلة جمعة؛ روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): " إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ وَافَى رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه) الْعَرْشَ وَوَافَى الأئِمَّةُ (عَلَيْهم السَّلام) وَوَافَيْتُ مَعَهُمْ فَمَا أَرْجِعُ إِلا بِــعِلْمٍ مُسْتَفَادٍ وَلَوْ لا ذَلِكَ لَنَفِدَ مَا عِنْدِي" (6). وزيادة العلم تؤدي إلى زيادة العمل, فزيادة العلم بالله تعالى الذي هو أشرف العلوم وأكملها يؤدي إلى زيادة تجلي العبودية له. ومعه ممكن أن نقول: بالعلم المُزاد تتحقق الهداية, وبالعمل التابع له يتحقق الصراط. فلولا توحيد الإمام لربّه لما دعا بهذا الدعاء, مما يدل ظاهرًا على أنّ العلم (كالتوحيد) يسبق العمل (كالعبودية). وعليه, فقد يكون معنى دعاء الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) هو أعطني تلك العناية الإلهية العلمية لأصل إلى درجة العبودية المحضة, أنا وأتباعي. "ولا شك أنّ عصر الإمام سيمتاز بالوحدة الفكرية؛ حيث الجميع سيؤمن بالله الواحد الأحد, وبالتالي ستسود الوحدة التوحيدية, بنشر الإمام كمال التوحيد, المعطى له نتيجة دعائه الذي هو لبّ التوحيد, -وقلنا أعلاه لولا أنّ الإمام غير مُهدى تكوينيًا, لما حقق الصراط- وعليه, فالإمام يطلب العلم ليعبد الله (تعالى), وبالدعاء يتعبّد ويطلب العلم به؛ فبالدعاء يصل الإمام إلى الله الواحد الأحد" (7). *فإن قيلَ: إنّ طلب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) الكمال يعارض عصمته, فيفترض أنّه واصل إلى أعلى الكمالات! *فممكن أن يُجاب: بأنّ التكامل لن يتنافى مع العصمة, فهو أكمل الخلق جميعًا, عدا النبي الأكرم محمد, وأمير المؤمنين, والزهراء (عليها السلام) والحسنين (عليهم السلام). لا يوجد تنافي بين العصمة وطلب الكمال طالما أنّ الكمال طريقه لا متناهي. بل أنّ طلب الكمال ملحوظ حتى في دعاء النبي الأكرم, وأهل بيته (عليهم السلام)؛ فالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أُمر أن يقول: (رَبِّ زِدْنِي عِلْما). وها نحن نصلي يوميًا على محمدٍ وآله (عليهم السلام), كما علّمنا القرآن الكريم على ذلك, والصلاة عليهم تعني طلب الرحمة والمقام الرفيع لهم, رغم أنّهم (عليهم السلام) قد حققوه. بل وصلّى على النبي وآله (عليهم السلام) قبلنا النبي وآله (عليهم السلام), وهنا هم يطلبون الكمال بفيض الرحمة عليهم, ونيل أعلى المنازل المادية والمعنوية" (8). وعليه, يكون دعاء الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) -بنيل الكمال بالهداية إلى صراطه- كمالاً من الكمالات. 2- الصراط المستقيم هو الإمام علي (عليه السلام): حيث روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "الصراط المستقيم أمير المؤمنين (عليه السلام)" (9). فلعلّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) حينما دعا أن يهديه الله (تعالى) صراطًا مستقيمًا, من باب كون الإمام علي (عليه السلام) هو ميزان الأعمال بالعلم والعمل, بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو لكون الإمام نفس النبي (عليهما السلام)؛ فللإمام علي من الكمال العلمي والعملي بالهداية والصراط ما للنبي (عليهما السلام). فقد يطلب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) في دعائه أن يهديه الله (تعالى) صراطًا مستقيمًا كصراط الإمام علي (عليه السلام)؛ أي عبودية الإمام سيّد الموحدين, علي (عليه السلام), التي هي أعلى الكمالات العبادية, النابعة من أعلى الكمالات العلمية التوحيدية؛ كلّ ذلك لأنّ دولته عالمية كاملة, وسيّد الكمالات هو التوحيد الحق المتجلّي بصدق العبودية لله الواحد الأحد. __________________ (1) سورة الفاتحة: 6. (2) ظ: الميزان في تفسير القرآن: للعلاّمة الطباطبائي, ج1, ص34-35. (3) تفسير الإمام العسكري, ص44. (4) ظ: الميزان في تفسير القرآن: للعلاّمة الطباطبائي, ج1, ص30-31. (5) سورة مريم: 36. (6) الكافي: للشيخ الكليني, ج1, باب في أنّ الأئمة يزدادون في ليلة الجمعة, ح3. (7) ظ: الدعاء المهدوي وآثاره في بناء الفكر والعقيدة البناء التوحيدي أنموذجاً: للشيخ حميد عبد الجليل الوائلي, مجلة الموعود, العدد4/ذو الحجة/1438هـ. (8) ظ: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: للشيخ ناصر مكارم الشيرازي, ج1, ص55. (9) تفسير الميزان: للعلامة الطباطبائي, ج1,ص41, عن الفقيه, وتفسير العياشي. اللهم اهدِ وليّك واهدنا على يديه صراطًا مستقيما.

العقائد
منذ سنة
489

رسالاتٌ في زمن الوباء (٤)

بقلم: علوية الحسيني حدائقٌ وزهور إنّ النبات من نعم الله (سبحانه تعالى) العظيمة التي تدعونا للتفكر بدقة النظم الكوني الدقيق؛ من خلال الترابط بين مخلوقاته, هو النبات. فكما الإنسان يعتمد في عملية تنفسه بالشهيق على الغاز الذي يطرحه النبات, غاز الأوكسجين (O2), فإنّه في الوقت نفسه يغذّي النبات بغاز ثنائي أوكسيد الكاربون (CO2) بالزفير الذي يعتمده النبات في عملية بنائه الضوئي. إذًا تحتل النباتات مكانة كبرى في صحة الإنسان, ومن خلال تنقية الهواء الذي يستنشقه من بيئةٍ لا تكاد تخلو من تلوث, "سواء أكان تلوثًا طبيعيًا, كالغبار. أو صناعيًا كمخلفات المحطات وصناعة الاسمنت والاسفلت, وتوليد الطاقة الكهربائية, ناهيك عن المحطات النفطية. بريًا, كمخلفات السيارات التي تستخدم الذي يحتوي على نسبة عالية من الرصاص الذي يسبب استنشاقه أمراضًا عديدة كالسرطان والتشوهات الولادية, وهذا ما يسبب ضعف المناعة التي جميعنا بحاجة إلى تقويتها (اليوم خصوصًا)" (1). كما لا شك أنّ للنبات تأثيراً على مزاجيات الإنسان, سلبًا وإيجابًا, فكلما كانت البيئة التي تحيط به خلاّبة, نقيّة, كلّما كان أكثر استرخاءً, وأقل توترًا. ورسالتنا اليوم في زمن الوباء (كوفيد 19) هدفها التقليل من تلك التوترات التي يعيشها اغلب الناس نتيجة التفكير بالوباء؛ وعليه, سيكون الكلام حول البيئة النباتية (زرع النبات والاعتناء به) كأحد الوسائل التي من الممكن أن تقلل من التوتر, والتي تشغل الفرد فيما هو أصلح له. قال (تعالى): {وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُون}(2), حرص الإسلام على الاعتناء بالبيئة؛ لعدّة أسباب, أهمها: التفكر في خلق الله (تعالى), والحفاظ على صحة جيدة من بيئة نقية, وللحفاظ على جمالية البيئة. إنّ الله (سبحانه وتعالى) هو الزارع الأول, لعظمة قدرته, ولطفه بتسخيره ما زرع لعباده؛ فعلّم الإنسان أسس عملية الزراعة, وتزيين الطبيعة بالمزروعات, فضلاً عن الحصول على ثمار. وكفى بذلك بيانًا واضحًا لأصل أهمية النبات للأرض عمومًا, وللإنسان خصوصًا, فيستطيع كلٌ منّا اليوم أن يزرع ويحصد ماديًا من صحةٍ جسدية, ومعنويًا من صحةٍ نفسية. ولم تخل حياة النبي محمد وأهل بيته (عليه وعليهم السلام) من زراعة النبات, والاعتناء به؛ لما لبعضها من ذكرٍ صريح في الآيات الواصفة للجنة, فضلاً عن اعطائها حقوقها باعتبارها خلقًا من مخلوقاته الله (سبحانه وتعالى), حتى روي عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله): " إذا أتى أحدكم بريحان فليشمه وليضعه على عينيه، فإنه من الجنة، وإذا أتى أحدكم به فلا يرده" (3). أما الإمام الصادق (عليه السلام) فبدوره حثّ على زراعة النبات, ووصف ذلك العمل بأنّه عمل صالح, طيّب مبارك؛ روي عنه أنّه قال: "ازرعوا واغرسوا، فلا والله ما عمل الناس عملاً أحلَّ ولا أطيب منه" (4). كما وحثّ على عدم افساد جمالية البيئة النباتية بقطع الأشجار المثمرة؛ حيث روي عنه (عليه السلام): "لا تقطعوا الثمار (أي الأشجار المثمرة) فيصبّ الله عليكم العذاب صبّا" (5) لعله من باب الإشارة إلى أنّ قطع النبات فيه إفساد في الأرض؛ بالإضرار بالبيئة مجتمعًا وفردا, ولا يجوز الإضرار بالنفس والآخرين, لذا يصيب الفاعل عذابٌ. الورد أيضًا حظي بأهمية من أهل البيت (عليهم السلام)؛ حيث روي عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) أنّه قال: "من تناول وردة أو ريحانة فقبلها ووضعها على عينيه، ثم صلى على محمد صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام كتب الله له من الحسنات مثل رمل عالج، ومحا عنه من السيئات مثل ذلك" (6). ثمار النبات أيضًا نال احترامًا من رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله)؛ حيث روي أنّه كان يقبّل ثمار النباتات المأكولة, ويحمد الله (سبحانه وتعالى) ثم يأكلها, وفي ذلك إشارة واضحة إلى ضرورة زرعها, والاعتناء بها, بغض النظر عن تعليل فعله هذا بسببٍ دون آخر؛ روي عن الإمام علي (عليه السلام) أنّه قال: "كان النبي صلى الله عليه وآله إذا رأى الفاكهة الجديدة قبلها ووضعها على عينيه وفمه، ثم قال: اللهم كما أريتنا أولها (له خ ل) في عافية، فأرنا آخرها (ه -خ ل-) في عافية" (7). وأيضًا فإن الفقه بدوره اعتنى بالبيئة النباتية بكافة أقسامها, من خلال بيانه لأهم أحكام الزراعة, بل وحتى المساقاة, والرسائل العملية لمراجعنا العظام تصدح بذلك, لمن شاء المراجعة. وعلى كل حال، فلو اعتنى كلّ فردٍ منّا بنظافة وتعقيم بيئته النباتية, كحدائق بيته, لعادَ بالفائدة على نفسه أوّلًا, وعلى مجتمعه ثانيًا. وبالتالي ممكن أن يخفف من حدة التوتر الذي يعيشه البعض من التفكير بالوباء العالمي, ولانشغل الأغلب بذلك كثقافة زراعية, وكقضاء وقتٍ في بيئة معقمة نقية أفضل من الخروج والاحتكاك بحاملي الوباء أو المشتبه بهم. ثم إنّ الحفاظ على بيئة نقية أمرٌ حسن, والحسن يدركه العقل, وعليه جاءت أحكام الدّين تحث على سلامة البيئة. فينبغي الانشغال بالاعتناء بالبيئة النباتية, بغرس ما يعود عليه بالنفع جسديًا –كالفواكه والخضر-, ومعنويًا -كالأزهار ونبات الزينة-, والعقل يـستحسن هذا العمل. وبالتالي قد تكفي نظرة واحدة لجميل ما زرعت في التخفيف من القلق أو التوتر, أو قد تجبرك على عدم الخروج من المنزل بمجالستها. ولا شك أنّ تلوث البيئة ضرر, لكنه محتمل أن يصيب مناعة الإنسان, فبالتالي ينبغي أن يدفع ذلك الضرر بالحفاظ على نقاء بيئته, ونقاء بيئته يتحقق بكثرة المغروسات التي تصفي الجو الملوث, فينبغي عقلاً الانشغال بزرع النبات, والاعتناء به؛ ليدفع عن نفسه وأهله ذلك الضرر المحتمل, حتى لو كان ضررًا نفسيًا كالقلق والتوتر نتيجة التفكير بالوباء العالمي" (8). القوانين الدولية والاعتناء بالنبات هناك قانون عام يسن القوانين الكفيلة بحماية بيئة كلّ دولة, أعلى من دور وزارة البيئة في كلّ بلد؛ "كالإعلان العالمي للبيئة في ستوكهولم" (9), الذي عُد اللبنة الأولى في صرح القانون الدولي للبيئة. وكبعض المبادئ, مثل "مبدأ الوقاية الذي أوجب على الدول اتخاذ التدابير اللازمة قبل وقوع اي ضرر في البيئة" (10). وأيضًا "مبدأ الحيطة والحذر" (11). وبموجب ذلك يتعيّن على كلّ دولة الاعتناء بالبيئة الخاصة بها, وبتعاون الفرد مع الدولة تكون البيئة أكثر صحةً وجماليةً ونقاءً. ولاشك أنّ الحديث يشمل البيئة النباتية, فهلاّ زرعت, ووقيت نفسك ودولتك! ومن هنا ينبغي على كلّ دولة إلفات نظر مواطنيها إلى الحفاظ على البيئة النباتية كتعاون معها -مع قيامها بواجبها-, وكإشغالهم لوقتهم أثناء الحجر المنزلي بغرس النبات كحلٍ بديل من خروجهم من المنزل, وبالتالي ستقل حدّة قلقهم بمجرد كل نظرة إلى خلق الله (سبحانه وتعالى) من نباتٍ أو زهرٍ زرعوه. العرف الاجتماعي والاعتناء بالنبات بعض البيوتات, -بل وحتى المناطق- لا تولي للنبات أهمية, فلابد من زيادة الوعي الثقافي البيئي, من خلال هذه النقاط التي قد تنفع في المقام: 1/ نشر حملة توعية في كلّ حي يتنافس فيها الجار مع جاره في غرس النباتات في حديقة المنزل أو داخله. 2/ النشر في مواقع التواصل الاجتماعي الإنجازات الزراعية؛ لتحفيز الآخرين على انجاز مثلها, استغلالًا للوقت, بالتأمل في صنع الله (سبحانه وتعالى), وبما يعود عليه بالنفع جسديًا ومعنويًا. وهنا لن يعترض عليك أحد ويتهمك بالرياء. 3/ نشر ثقافة زرع الزهور الملونة بجانب كلّ بيت -على أن لا يتجاوز عن مساحة منزله-, ولو تم تطبيق ذلك لأصبح كل فرعٍ من الأحياء جنة أرضية ممكن أن تتجول سريعًا فيها, تغنيك عن انتهاك قوانين الحظر -مع أخذ الإجراءات الوقائية من ارتداء الكمامة والكفوف-. 4/ شراء بذور بعض النباتات المتسلقة دائمة الخضرة, التي لا تحتاج إلى أشعة الشمس, وغرسها داخل أحواض في البيت قرب الجدران, وبنموها تعطي وتسحب كل قلق أو توتر, وسبحان من خلق. 5/ العمل الدائم على تقليب التربة, وصبغ أحواض الزراعة بألوان زاهية. ◇وخلاصة الرسالة: إنّ إعطاء بعض الوقت للنظر أو الاشغال مع النبات يوجب صفاء الذهن, والذكر الدائم لله (سبحانه وتعالى), فهو نزهة وعبادة, فهلّا اغتنمت! ____________________ (1) ط: التلوث البيئي معوقًا للتنمية ومهددًا للسكان: لحارث حازم و فراس البياتي, جامعة الموصل/ كلية الآداب/ قسم علم الإجتماع, المجلة العراقية لبحوث السوق وحماية المستهلك, ج2, العدد2, سنة 2010م, ص253-254. (2) سورة يس: 33. (3) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج1, باب استحباب شم الريحان ووضعه على العينين وكراهة رده, ح2. (4) الكافي: للشيخ الكليني, ج5, باب فضل الزراعة, ح3. (5) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج19, ص39. (6) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج1, باب استحباب تقبيل الورد والريحان والفاكهة الجديدة، ح1. (7) المصدر نفسه, ح2. (8) ظ: التلوث البيئي من منظور اسلامي (المواد الكيميائية) انموذجًا: م.د ناهدة جليل الغالبي و م.د ضرغام كريم كاظم, مجلة أهل البيت عليهم السلام, العدد19, ص141-146. (9) الإعلان العالمي للبيئة المنعقد في السويد عام 1972. (10) ظ: إعلان ريو, م15, سنة 1992. (11) ظ: اتفاقية الإتحاد الأوروبي, م130. والحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون, ولا يحصي نعماءه العادّون, على بديع صنعه المخلوق بالكاف والنون.

القضايا الاجتماعية
منذ سنة
1683

رسالاتٌ في زمن الوباء (٥)

بقلم: علوية الحسيني عملٌ يطيل العمر, ويكثر الحسنات, ويزيد في الرزق, ويقوي أواصر العلاقات, ويرضي الله (سبحانه وتعالى), ألا وهو صلة الأرحام. فمن منّا لا يرجو تحقيق كل ذلك! إنّ حاجة الإنسان إلى ربّه لا زالت قائمة, فلا غنى عنه (سبحانه وتعالى), وإظهار الحاجة يكون في وقت الشدّة أكثر من وقت الرخاء, وهذه حقيقة أغلب الناس. ومن الشدائد التي يمر بها العالم اليوم هي شدّة الوباء العالمي (كوفيد19), فنجد أنّ أكثر الناس يرجون الله (سبحانه وتعالى) أن يسلّمهم من هذا الوباء, ويطيل عمرهم في عافية, ومن أحد الحلول هو توصيتهم بصلة أرحامهم ليطيل الله (سبحانه وتعالى) في عمرهم. روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال: "يَكُونُ الرَّجُلُ يَصِلُ رَحِمَهُ فَيَكُونُ قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ ثَلاثُ سِنِينَ فَيُصَيِّرُهَا الله ثَلاثِينَ سَنَةً وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاء" (1). لكن نسبة كبيرة من الناس تقع في التناقض؛ حيث يطلبون زيادة العمر من خلال برّهم بأرحامهم بزيارتهم, وفي الوقت نفسه يعرّضون عمرهم وعمر أرحامهم للموت, رغم التحذير من عدم التجمعات والاختلاط. رسالتنا اليوم ليس هدفها قطع الأرحام؛ بل صلة الأرحام أثناء الحجر الصحي, من دون زيارتهم, وذلك من خلال عدّة أفكار, منها: 1/ الاتصال الهاتفي والسؤال عن الأرحام, فهذا الطريق الأسلم, بل هو الحد الشرعي لصلة الرحم؛ حتى روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: " قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلام) صِلُوا أَرْحَامَكُمْ وَلَـوْ بِالتَّسْلِيمِ يَقُولُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَاتَّقُوا الله الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالأرْحامَ إِنَّ الله كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبا" (2). فبكبسة زر ترى أرحامك ويرونك مع التطور التكنلوجي الذي نعيشه اليوم. 2/ عمل مجموعات إلكترونية في أحد مواقع التواصل الاجتماعي, تشمل كافة الأرحام -إن أمكن-, وتبادل الحديث والسؤال عنهم, هذا الطريق سيقوي الأواصر العائلية بين الأرحام كثيرًا, وسيجعلك في تواصل دائم مع أرحامك، مع حفظ الحدود الشرعية طبعاً، والحل: أن تكون مجموعة النساء مختلفة عن مجموعة الرجال. 3/ عمل جدول معيّن لتنظيم أوقات الاتصال, وأسماء الأشخاص الذين تتصل عليهم؛ كأن تخصص كل يوم للاتصال على الوالدين, والسبت على الإخوان, والأحد على الأعمام, والاثنين على الأخوال, وهكذا. فهذه الطريقة تضمن لك التفقد الدائم لأرحامك, دون أي تقصير أو نسيان. 4/ المبادرة بالاتصال على من قطعكَ من أرحامكَ, وتكرار الاتصال عليه, وهذا بحد ذاته خلق عظيم أرشدنا إليه نبي الرحمة محمد (صلى الله عليه وآله)؛ فروي عنه أنّه قال: "ولا تقطع رحمك وإن قطعك" (3). 5/ ممكن أن تصل أرحامك بالصدقة الواجبة والمستحبة دون اعلامهم أنّها صدقة؛ لئلا تسبب لهم حرجًا؛ روي عن الإمام علي (عليه السلام) أنّه قال: "...فقيل لرسول الله: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ فقال: على ذي الرحم الكاشح" (4). 6/ تتحقق صلة الأرحام بالدعاء لهم واهدائهم ثواب الأعمال المستحبة, وهذا من مصاديق إكرام الأرحام والوصل بهم, خصوصًا إذا أخبرتهم بذكرك لهم بالدعاء الصالح, وكيف لا تدعو وهم أصلك! روي عن الإمام علي (عليه السلام) أنّه قال: "وأكرم عشيرتك، فإنهم جناحك الذي به تطير، وأصلك الذي إليه تصير، ويدك التي بها تصول" (5). *وهناك أربع نقاطٍ مهمة لا بد من الإشارة إليها: ■أوّلًا: ينبغي عند التواصل مع الأرحام ضرورة مراعاة (وقت الصلاة), فرغم أنّ صلة الأرحام واجبة كذلك الصلاة واجبة, إلّا أنّ هذا لا يعني تقديم الكلام مع الأرحام عـلى الكلام مع الله (سبحانه وتعالى), فلننتبه. ■ثانيًا: ينبغي على العاقل أن لا يبالغ كثيرًا في قضاء وقته مع أرحامه, فلا يهذر ويسرف في القول؛ كأن يكلمهم بما لا يعنيهم, حتى لا يكلموه بتفاهات الأمور أيضًا؛ لما للوقت من أهمية عظيمة, فذلك أسلم للطرفين؛ إذ قد تريد انجاز أمرٍ بعد الاتصال فيأخذ الأرحام وقت عملك, وقد يريدون أن يقوموا بعملٍ ما, لكن نتيجة استرسالك في الحديث تمنعهم من ذلك. فلنتأمل, ونتكلم بالحد المعقول معهم. ■ثالثًا: ضرورة تشخيص من هم الأرحام؛ حتى لا يقع الإنسان بمحذور التكلم مع غير الأرحام إن كانوا من جنسٍ آخر, "والعبرة في الرحم بالصدق العرفي" (6), ومن هنا لا يتبجح الرجل ويقول بأنّه يريد أن يصل رحمه من خلال تواصله واسترساله بالكلام مع بنات أعمامه أو عماته, أو بنات خاله أو خالاته, فهنّ أجنبيات عنه. وكذلك المرأة لا يصل بها المقام إلى حد تحقيق صلة أرحامها بالتواصل مع أبناء أعمامها أو عماتها, أو أبناء خالها أو خالاتها بما يخرج عن جدود الشرع, فهُم أجانب عنها. والتقوى فوق الفتوى. ■رابعًا: لا كبرياء بين الأرحام, ومن هنا تبرز حرمة قطع الأرحام, فكم منّا يتكبر على أرحامه, لا يصلك إلّا إذا أنت وصلته, وإن لم تصله قطعك, وهذا هجر بحد ذاته, ويحرم هجر المؤمن؛ روي عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "أيما مسلمين تهاجرا فمكثا ثلاثا لا يصطلحان إلّا كانا خارجين من الإسلام ولم يكن بينهما ولاية، فأيهما سبق إلى كلام أخيه كان السابق إلى الجنة يوم الحساب" (7). هذا إن كان تهاونه في صلة أرحامه من باب الهجر لهم. أما إن كان من باب القطع بهم, فقاطع الرحم ملعون بصريح القرآن الكريم؛ قال الله (سبحانه وتعالى): {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ* أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} (8), وهذا افسادٌ في الأرض, تلك الأرض التي ينادي الجميع اليوم بتخليصهم من الفساد فيها, فليس الفساد ماليًا أو إداريًا فقط, بل أخلاقيًا, فهلّا أصلحنا فساد أنفسنا بصلتنا لأرحامنا؟! فما أحوجنا اليوم لرفع اللعنة عنّا وترقب الرحمة الإلهية بنا لا سيما ونحن نعيش ما كسبته أيدينا من بلاءٍ ووباء, فلنتأمل قليلًا. *وخلاصة الرسالة: صِل رحمكَ بجميع الوسائل, ما عدا الزيارة في الوقت الراهن؛ حفاظًا على حياتك وحياتهم من نشر الوباء. ولا تنس أن تصل حتى من قطعك. ___________________ (1) الكافي للشيخ الكليني, ج2, باب صلة الرحم, ح3. (2) المصدر نفسه, ح22. (3) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج71, صلة الرحم، واعانتهم، والاحسان إليهم، والمنع من قطع صلة الأرحام، وما يناسبه, ح63. (4) المصدر نفسه, ح61. (5) نهج البلاغة, ج3, ص57. (6) موقع مكتب السيد السيستاني دام ظله, صلة الأرحام, س3. (7) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج12, باب تحريم هجر المؤمن بغير موجب، وكراهته بعد الثلاث معه، استحباب المسابقة إلى الصلة, ح5. (8) سورة محمد: 22-23. اللهم سددني لأن أجزي من هجرني بالبر, وأكافئ من قطعني بالصلة, ولا تجعلني من أهل عقوق الأرحام, بحق محمدٍ وآله خير الأنام.

القضايا الاجتماعية
منذ سنة
1114

تجلياتٌ معرفية في الخطاب المهدوي (19)

بقلم: علوية الحسيني "وانصرني على من تعدّى محدودك" بعد أنْ يطلب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) التوفيق لإقامةِ حدود الله (تعالى)، فإنّه يُردِفُ طلبه بأنْ ينصره على من تعدّى محدوده. وقد سبق وأن استظهرنا أنّ حدود الله (تعالى) هي الهرم الثلاثي للدّين, المتمثلة بالعقيدة والفقه والأخلاق, ومحدوده (تعالى) هو ذلك الهرم المنتهَك من قبل البعض؛ فالذين يتعدّون حدود أصول الدّين بجزئها أو كلّها, هؤلاء أعداءٌ لله (تعالى), يطلب الإمام أنْ ينصره عليهم, وكذا فروع الدّين, وأخلاقه. بل مع لوازمه المحققة لمجتمعه, كاقتصاد المجتمعات, وقوانينها, وطبّها. هذا كلّه نشير إليه بالخروج عن حدِّ الإجمال قليلاً؛ وذلك لاحتمال أنْ يكون نصر الإمام على من تعدّى على محدودات الله (تعالى), على عدّة أوجه, منها:- 1/ نـصرٌ فكري إنّ الإساءات التي توجهت لشخص النبي (صلى الله عليه وآله), والشبهات التي هدفها المساس بالإمامة وشخوص الأئمة (عليهم السلام)؛ كي يضعف التمسك بها لابُدَّ أنْ يدحضها الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف). فالحربُ هنا فكرية, ولا بُدّ أن يكون النصرُ فكريًا أيضًا؛ لذا يدعو الإمام أنْ ينصره الله (تعالى) على من أشعل نار تلك الحرب –وهم الكثير من أعدائه وذراريهم-؛ بإزاحة ستار كلِّ الشبهات عن تلك الشخوص المقدّسة, وتعريف الناس جميعًا بعصمتهم, ومقامهم المعنوي عند الله (تعالى). لذا روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "إذا قام القائم لا يبقى أرض إلا نودي فيها شهادة أنْ لا إله الله وأنَّ محمدًا رسول الله"(1), وفي الحديث إشارةٌ إلى نصرِ دين الله (تعالى) مطلقًا -سواء على من يُشكك في ذلك الدّين أو على من يُحاربه-. والخلاصة: إنّ أصول الدّين ستنجلي عنها الشبهات, وسينتصر الإمام لأقدس الشهادات حين ظهوره, وهي شهادة (لا إله إلاّ الله, محمد رسول الله علي ولي الله). 2/نصرٌ فقهي إنّ الذين يتعدّون على فروع الدّين بالإنكار أو الاستخفاف أو الإيمان ببعض وعدم الإيمان بالآخر -كإنكار الخمس-, أو ينكرون السنة النبوية -قول وفعل وتقرير النبي والأئمة (عليهم السلام)- ويكتفون بكتاب الله (تعالى), ويزعمون أنّهم يستنبطون منه أحكامًا شرعية, ويكذّبون التراث الروائي الصحيح والمعتبر, أولئك هم حقًا أعداءٌ لرسول الله (صلى الله عليه وآله), وعدوُّ الرسول عدوٌ لله (تعالى), فلابُدّ للإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) من الانتصار عليهم؛ لأنّهم لم يراعوا قدسية الحديث المتواتر الذي أوصى بالتمسك بالثقلين, ولم يُدركوا جهلهم بعلوم الدّين حتى وصل بهم الأمر إلى حدِّ إنكار التقليد والاجتهاد والاحتياط. فالإمامُ سينتصر على أولئك المنتهِكين لفروع الدّين بطرقٍ موكولةٍ إلى حين زمنها. والخلاصة: إنّ الفقه وأهله المخلصين سيُزكى ويُنصرون من قبل الإمام حين ظهوره. 3/ نـصرٌ أخلاقي الظلمُ خُلُقٌ قبيحٌ, فلا وجود له في الدولة العادلة, لذا يستعين الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بالله (تعالى) ويطلب منه النصر على الظالمين الذين تعدّوا حقوق المظلومين, والظلم الذي تعرّض وسيتعرّض له الإمام هو ظلمٌ لأهل بيته ولجميع أتباعه. فلو أردت استضعاف دولةٍ ما لا يكفي أنْ تظلم فردًا أو عشرةَ أفرادٍ من تلك الدولة مثلًا, بـل تظلم قائدها وحينئذٍ سترى الاستضعاف بادٍ على جميع مفاصلها ومواطنيها. نعم, ممكن أنْ يُصب الظلم على الرعية بتعليمهم قبيح الأخلاق؛ حتى يُشكِّلوا عقبةً صعبةَ المعالجة في أوائل فترةِ ظهور الإمام, كتعليمهم السرقة والكذب والخيانة وما شابه ذلك, حتى روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّ الأمر سيصل إلى حدِّ سرقة ثياب المصلي! وأيُّ سوءِ خلقٍ أشنع من هذا! فقد روي عنه أنّه قال: "... ورأيت الرجل يخرج إلى مصلّاه ويرجع، وليس عليه شيء من ثيابه"(2). وبالتالي إنّ النصر الذي سيحققه الله (تعالى) للإمام من هذه الناحية هو نصرٌ أخلاقي؛ بانتصار القسط والعدل والخلق الحسن على الظلم والجور والخلق السيء. والنصرُ متحققٌ جزمًا لا محالة, حيثُ إنّ الإمامَ نفسَه أولُ المظلومين المستضعفين, لذا نجد أنّ الوعد الإلهي صريحٌ بأنْ يجعله الله (تعالى) وارثَ الأرض وحاكمها بعد الظلم والاستضعاف. قال (تعالى): {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين}(3) فبوراثته الأرض سينتصر على العتاة الظالمين أخلاقيًا. والخلاصة: إنّ الأخلاق ستبلغ أوج درجاتها على يدِ الإمام حين ظهوره. 4/ نصرٌ اقتصادي من الواضح أن بعض التجار الكبار يحتكرون البضائع, ويستضعفون الصغار منهم, حتى بدا السوق وكأنّه ملكٌ لهم, فانتشر الظلم الاقتصادي بسبب لؤمهم, وسوء تصرفهم؛ روي عن الإمام علي (عليه السلام): "... ويملك المال من لا يكون أهله، لكع [لئيم] من أولاد اللكوع [اللئام]"(4). هذا فضلًا عن سوء التدبير الاقتصادي كتلف المنتوجات بسبب سوء خزنها, فلعل ذلك يكون من أهم أسباب انتشار القحط والجوع قبل ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، حيثُ روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "إنَّ قدّام قيام القائم علامات: بلوى من الله (تعالى) لعباده المؤمنين، قلت: وما هي؟ قال: ذلك قول الله (عزّ وجل): ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥]، قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ يعنى المؤمنين،... ﴿وَالْجُوعِ﴾ بغلاء أسعارهم، و ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ﴾ فساد التجارات وقلة الفضل فيها،... ﴿وَالثَّمَراتِ﴾ قلة ريع ما يزرع وقلة بركة الثمار، ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ عند ذلك بخروج القائم (عليه السلام)..."(5). أضف إلى ذلك أنّ المجتمع الذي تتفشى فيه المعصية ترتفع البركة عنه, وتقل خيراته؛ روي عن الإمام علي (عليه السلام): "إنَّ الله يبتلي عباده عند الأعمال السيئة بنقص الثمرات، وحبس البركات، وإغلاق خزائن الخيرات"(6). لذا سينتعش الاقتصاد في زمن ظهور الإمام, حتى يخرج من الأرض بركاتها, ويضع قانونًا اقتصاديًا يحفظ منتوجاتها, وتكثر السماء ببركته مائها؛ رويَ أنّه "إذا قام القائم حكم بالعدل...وأخرجت الأرض بركاتها"(7). كما "وهناك أسبابٌ عديدة لا يسع المقام لنقلها فيها إشارة واضحة إلى كيفية النصر الاقتصادي الذي سيحققه الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) حين ظهوره"(8). والخلاصة: إنّ الاقتصاد سيزدهر في دولة العيش الرغيد في زمن ظهور الأمام. 5/ نصرٌ قانوني لاشك أنّ القوانين الوضعية لم تُحِطْ علمًا بجميع مصالح البشر, كما أنّ عدم تطبيقها على الجميع نتيجةَ التمييز بين الطبقات الحاكمة والمحكومة, والمُتحزبة والفقيرة, أدى إلى عدم المساواة وتفشي الظلم. بل بات أخذُ الرشوة من بعض القضاة والمحامين وموظفي الدولة أمرًا طبيعيًا, حتى تجرّأ أقل المواطنين مهنةً على طلب الرشوة, وانتشر الفساد المالي, والخيانات الإدارية. فهذا وأمثاله لا يرضى به الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف), وبالتالي سينتصر على كلِّ تلك الظواهر السلبية نصرًا قانونيًا؛ من خلال حكمه بالقانون الشرعي الإلهي, الذي يراعي مصالح جميع البشر, وينشر العدل. روي عن النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): "...تاسعهم قائم أمتي ، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلئت جورًا وظلمًا"(9). كما وسيحكم الإمام بإلهامٍ من الله (تعالى)؛ يقول الإمام الصادق (عليه السلام): "إذا قام قائم آل محمّد (عليهم السلام) حكم بين الناس بحكم داود لا يحتاج إلى بيّنة، يُلهمه الله (تعالى) فيحكم بعلمه، ويخبر كلّ قوم بما استبطنوه، ويعرف وليّه من عدوّه بالتوسّم"(10), الأمر الذي ينفي كلَّ شكٍ في حكمه (عجّل الله فرجه الشريف), وإنّ هذا لنصرٌ عظيمُ على من يحكم بالظن, أو يرتشي ليقبل شهادة زور. ولا إشكالَ أبدًا بحكمِ الإمام وفقًا لحكم النبي داوود (عليهما السلام), ولا منقصة؛ لعدّة أسباب, أهمها: "إنّ النبي داوود (عليه السلام) كانت يشارك الإمام بتبليغ أركان الدّين, وهي التوحيد والنبوة, بالإضافة إلى عقيدتنا في عصمة الأنبياء جميعهم, وضرورة الإيمان بهم وأخذ الدروس من حياتهم, وأنّ النبي داوود ليس نبيًا لليهود فحسب, وإنّما بُعِثَ لهم, فلا مانع من أنْ يُعطي الله (تعالى) للإمام كيفية حكم ذلك النبي, وهو الحكم بالعلم اللدني"(11). والخلاصة: أنّ السلطة القضائية والتنفيذية والتشريعية لدولة الإمام ستتحلى بالعدالة والشفافية والنزاهة بقيادته (عجّل الله فرجه الشريف), فلا ارتشاء, ولا ظلم, ولا حكم مبني على الظن. 6/ نصرٌ طبّي باتتِ المجتمعات تعاني الويلات من التدهور الطبي لمرضاها, إمّا لعدم اكتشاف المسبب الحقيقي لبعض الأمراض, أو لقلّة الإمكانيات المادية لتوفير العلاج, أو لخطأ التشخيص, أو لسوء التدبير في الحدِّ من انتشار الأوبئة المعدية, وأمثلة كثيرة تشير إلى ذلك التدهور. وعلى الرغم من التطور العلمي الطبي, لكنك لا تجد ولو دولة واحدة تعيش بمجتمعٍ صحي نقي, إذ كلّ المجتمعات لا تخلو من العلل والأمراض، فمنها ما ينتقل بالعدوى, ومنها ما لا شفاء منها بصيرورتها مزمنة, فضلًا عن قلّة الثقافة الطبية عند أغلب الشعوب. فالإمامُ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) في دولته سينتصر على جميع تلك الحالات غير الصحيحة في المجال الطبي, كيف لا وقد كان أجداده (عليهم السلام) ببركاتهم يشفى المريض, فالطب الجسدي والروحي علمه عندهم أيضاً. روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "من أدرك قائم أهل بيتي من ذي عاهةٍ برأ، ومن ذي ضعفٍ قوي"(12). والعاهةُ هي المرض, أما الضعفُ فهناك من العلماء من احتمل أمرين, هما: *أن يكون ذلك الضعف ضعفًا جسديًا بسبب الأمراض, ومعنويًا بسبب الحالات النفسية. *أو أنْ يزول ضعف المريض في دولةِ الإمام ويُبدله الله (تعالى) قوةً؛ اعتمادًا على قرينةٍ منفصلةٍ, وهي قولٌ رويَ عن الإمام السّجّاد (عليه السلام): "إذا قامَ القائمُ أذهب الله عن كلِّ مؤمنٍ العاهة، وردّ إليه قوّته"(13), وهذا بحدِّ ذاته انتصارٌ على المرض واستئصاله. ونصرٌ "كهذا الانتصار وغيره في المجال الطبي لا يسع المقام لاقتباسه, توكل مراجعته إلى مصدر تحليله"(14). والخلاصة: إنّ الإمام سينتصر على الأمراض, ويحقق مجتمعًا طبيًا واعيًا صحيًا. _______________________ (1) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج52, باب27 , ح89. (2) شرح اصول الكافي: للمازندراني, ج11, ص317. (3) سورة القصص: 5. (4) إلزام الناصب في اثبات الحجة الغائب: للشيخ علي اليزدي الحائري, ج2, ص261. (5) الغيبة: للشيخ النعماني, ج1, باب14, ح5. (6) نهج البلاغة, خ143. (7) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج52, باب27 , ح83. (8) ظ: دراسة مقارنة للوضع الاقتصادي بين الغيبة والظهور: للشيخ ماهر الحجاج, مجلة الموعود, العدد8/ ذي الحجة/ 1440هـ. (9) كمال الدين واتمام النعمة: للشيخ الصدزق, ج1, ص256. (10) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج52, باب 27, ح86. (11) إشكالية حكم الإمام المهدي عجل الله فرجه بشريعة داود: لحميد عبد الزهرة, مجلة التنتظار, العدد 12/ محرم/ 1429هـ. (12) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج52, باب27, ح68. (13) الغيبة: للشيخ النعماني, ج1, باب21, ح2. (14) ظ: دولة الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف: السيّد مرتضى المجتهدي السيستاني, مصدر إلكتروني. اللهم انصره وانتصر به, وارزقنا العيش في دولته, بلطفك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

العقائد
منذ سنة
689