Profile Image

علوية الحسيني

"إن المؤمن إذا مات وترك ورقة واحدة عليها علم كانت الورقة سترا فيما بينه وبين النار".

حوارٌ مبين في زيارة الأمين (١٠)

بقلم: علوية الحسيني/ ودعاء الربيعي "مستنةً بسنّة أوليائكَ" محور حديثنا لهذه الحلقة هو الاستنان بسنن الأولياء، ونذكر بيانه ضمن الأسئلة التالية: ■السؤال الأول: ما المقصود بالسنة في قول الإمام المعصوم؟ هل هو اتباع اقوال وأفعال أولياء الله، أو المراد من الاستنان بسنة الأولياء أمر آخر؟ ج/المراد بالسنة: هي أحد مصادر التشريع الإسلامي، وتأتي مع القرآن الكريم، ويليها الإجماع، ثم العقل. أي إنّ الأحكام التشريعية بأقسامها الخمسة (الوجوب، الاستحباب، الحرمة، الكراهة، المباح) يستخرجها الفقيه من القرآن الكريم، ومن السنة النبوية؛ فقول أو فعل النبي وأهل بيته (عليهم السلام)، أو سكوتهم عن واقعةٍ ما، تفيد حكًا شرعيًا. ولا يمكن الفصل بين السنة والقرآن الكريم، والاكتفاء بالقرآن دونها، فمثلاً لو وجدنا في القرآن الكريم آية كريمة تنص على وجوب الصلاة (وأقيموا الصلاة)، فهنا يجب الرجوع إلى السنة النبوية لتفسِّر لنا أحكام الصلاة، من حيث عدد الركعات، انتظام الأوقات، علاج الأخطاء، وكل ما يتعلّق بالصلاة. فنحن نعلم إنّ للقرآن باطناً وظاهراً، ولا يعلم باطن القرآن الكريم إلاّ أهل السنّة النبوية، محمد وآل محمد (عليهم السلام)، فيجب الرجوع إليهم، والاستنان بسنتهم؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم فَإِن تَنَازَعتُم فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ وَالرَّسُول} (1). أولوا الأمر -آل محمد (عليهم السلام)- يستمدون السنن النبوية من الرسول محمد (صلى الله عليه وآله)؛ بلحاظ كونهم الخلفاء بعد رسول الله، ولهذا وصف النبي (صلى الله عليه وآله) اولي الأمر، أهل البيت (عليهم السلام) بالثقل الأصغر، في حديث الثقلين: "إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض" (2). إذًا فالسنّة هي الدليل الشرعي الصادر من المعصوم -النبي والأئمة (عليهم السلام)- الذي تكون له دلالة شرعية على الحكم الشرعي، من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ صادر منهم (عليهم السلام). ومن هنا أصبحت لدينا سنّة قولية، وسنّة فعلية، وسنّة امضائية أو سكوتية. نأخذ مثالاً على كلٍ من تلك الأقسام: 1/ السنة القولية: مثل قول النبي محمد (صلى الله عليه وآله) إذا أوى إلى فراشه: "اللهم باسمك أحيا وباسمك أموت، وإذا قام من نومه قال: الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني وإليه النشور"، فقوله هذا يدل على حكم راجح، ومن يقتفي أثر نبيّه ويعمل بسنته يسمى مستنًا بسنة النبي (صلى الله عليه وآله). 2/ السنة الفعلية: مثل سجود النبي (صلى الله عليه وآله) عند استيقاظه من نومه، فيخرّ لله تعالى ساجدًا، والسجود فعل، فمن يفعل كما فعل نبيّه يسمى مستنًا بسنة النبي (صلى الله عليه وآله). 3/ السنة الامضائية: كما لو طلب رجل من النبي أو الإمام (عليه السلام) أن يرى صلاته هل يشوبها خطأ ما أو لا، فيصلي الرجل وينتهي، فيسكت المعصوم، فسكوته دلالة على امضاء وصحة صلاة الرجل، ودلّت صلاة الرجل على موافقتها لسنة المعصوم في الصلاة، بشرط أن لا يكون عن تقية. السنن متعددة –كسنن الأنبياء-، إلاّ أنّ خير السنن هي سنّة النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)؛ يقول تعالى على لسان نبيّه: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيم} (3)، والاتِّباع منه الاستنان. وخاتمة السنن هي سنّة النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)؛ بدلالة ما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يقول عند وفاته: لا نبي بعدي ولا سنة بعد سنتي" (4). ■السؤال الثاني: كيف يمكن للفرد أن يكون مستناً بسنن أولياء الله تعالى، هل هناك امور تساعد في ذلك؟ ج/نعم، وذلك من خلال اتباع ما جاء في كتاب الله تعالى، والسنة النبوية نفسها، وحديث الثقلين كافٍ لبيان كيفية الاستنان، "إنّي تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي ابدا كتاب الله وعترتي" فالنبي (صلى الله عليه وآله) يضمن لنا عدم الضلال إذا تمسكنا بالثقلين، كتاب الله تعالى، والعترة الطاهرة (عليهم السلام). ولا يخفى عليكم أنّ عقولنا قاصرة عن فهم الروايات الصادرة عن محمد وآل محمد (عليهم السلام) مما اقتضى دراسة سنوات عديدة، ولعلوم مختلفة، منها النحو، الفقه، الأصول، المنطق، الرجال، الدراية، العقائد، من أجل الاقتراب من فهمها بصورتها الصحيحة. *فالروايات منها التي يعود الضمير فيها إلى شيء وأخرى فاعلها محذوف، وهكذا، وهذا يتطلب معرفة دقيقة في علم النحو. *ومن الروايات ما تدل على الوجوب واخرى على الاستحباب مثلاً، وهذا يتطلب معرفة في علم الفقه. *ومن الروايات عامة وأخرى خاصة مثلاً فيقدّم الخاص على العام، وهذا يتطلب معرفة في علم الأصول. *ومن الروايات ما تشكل قياسًا منطقيًا يفيد في الاستدلال على اثبات أمر ما، وهذا يتطلب معرفة في علم المنطق. * ومن الروايات صحيحة السند واخرى ضعيفة مثلاً، وهذا يتطلب معرفة في علم الرجال والدراية بمعرفة الرواة ووثاقتهم، ومتن حديثهم المنقول ومدى موافقته للقرآن الكريم. * ومن الروايات ما تدل على الاعتقاد بالتوحيد وأخرى تدل على الاعتقاد بالعدل الإلهي مثلاً، وللتفرقة بينهما لابد من معرفة بعلم العقيدة. وبالتالي فإنّ وظيفتنا نحن كمكلفين أحد أمور ثلاثة: 1/ الاجتهاد: وذلك بأن أتولى دراسة تلك العلوم، على مدى سنوات عديدة، وأجتهد في فهم النصوص فأستخرج السنة النبوية لنفسي وأعمل بها. ويبدو أنّ دراسة هذه العلوم ولسنوات عديدة، مع استيعابها وفهمها بدقةٍ عالية لهو أمرٌ يصعب على الغالب. 2/ الاحتياط: وذلك بأن أعمل وفق فتاوى جميع المراجع الذين هم في شبهة الأعلمية وأجمع بينها، بما أتيقن معه بفراغ الذمة. ويبدو أنّ هذا أمرٌ صعبٌ للغاية، حيث قد يلزم على المكلف أن يأتي بالعمل مرتين، وهذا ما لا يتحمله إلاّ قلّة من الناس، وغيرها من صور الصعوبة. 3/ التقليد: وذلك برجوعي أنا الجاهل في تلك العلوم إلى العالِم بها، وأخذي السنة النبوية منه التي بعلومه فهمها ونقلها لمقلّديه. وهذا هو المتيسر والأهون وظيفةً مما سبق من الاجتهاد والاحتياط. لذا نجد أنّ الواسطة اليوم التي تنقل لنا السنّة النبوية من مصادرها الموثوقة، هي المرجعية الدينية، فيكون نفس العمل بالرسالة العملية للمرجع هو استنانٌ بالسنة النبوية واقعًا أو ظاهرًا. ■السؤال الثالث: ماهي الآثار الايجابية التي يحصل عليها الفرد بشكل خاص والمجتمع بشكل عام عندما يستن أفراده بسنن أولياء الله وعباده الصالحين؟ وهل هناك آثار سلبية تحصل نتيجة لترك الاستنان بسنن الاولياء؟ ج/ أما الآثار الإيجابية، فعديدة، منها: أ) بشكلٍ خاص أو فردي: 1/ القرب من رضا الرحمن، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): أقرب ما يكون العبد من ربه إذا دعا ربه وهو ساجد" (5)، والدعاء من سجود من السنن المستحبة. 2/ حب الله تعالى له: فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): قال الله عز وجل: ما تقرب إلي عبد بشيء أحبّ إلي مما افترضت عليه، وإنه ليتقرب إلي بالنافلة حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته" (6)، وأداء النوافل من السنن. ب) بشكلٍ عام، أو اجتماعي: 1/ دفع المضار، فإن جميع سنن النبي وآله (عليهم السلام) تعود نفعًا على من يستن بها، كسنة غسل اليدين قبل تناول الطعام، فهي تدفع الاصابة بأمراض نتيجة انتقال الميكروبات إلى الطعام. 2/ زيادة الخشوع في أداء الواجبات من العبادات؛ فمثلاً من السنن المستحبة صلاة الليل، فأداؤها يكون مقدمة لزيادة الخشوع في الصلاة الواجبة -الفجر-. 3/ إشاعة روح الإنسانية التي تبتغي الكمال الذي خلقنا الله تعالى له، وهو السمو في العبادة، والارتقاء بها سلوكًا إلى رضوانه. •وأما الآثار السلبية، فعديدة أيضًا، منها: 1/ قلة الحسنات 2/ انطماس التاريخ 3/ الحزن والندم في دار الآخرة 4/ الأضرار النفسية 5/ مطية التعب ■السؤال الرابع : ماهي مظاهر تجلي الاستنان بسنن أولياء الله عند علمائنا الأعلام؟ ج/ لقد عمل علماؤنا بسننٍ عديدة، منها مداراة الناس، وحيث أنّهم وعلى رأسهم مراجعنا العظام لهم الدور الأبوي الناصح الرؤوف في مداراة عباد الله تعالى؛ استنانًا بما روي "عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه): أَمَرَنِي رَبِّي بِمُدَارَاةِ النَّاسِ كَمَا أَمَرَنِي بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ" (7). ومنها أداء النوافل، فهذا العلامة الطباطبائي (قدّس سرّه) صاحب كتاب تفسير الميزان، كان يصلي النافلة مشيًا أثناء ذهابه إلى مدرسته، حتى ينقل أنّ بعض أقاربه سلّم عليه ماشيًا، وكان العلاّمة منشغلاً بأداء النافلة، فإنّه فقط ردّ (عليه السلام) فانزعج ذلك الرجل من عدم سؤال العلامة له عن أحوال عياله، وبعد ذلك علم الرجل أنّ العلاّمة كان مشغولاً بأداء نافلة. __________________ (1) النساء: 59. (2) حديث متواتر في كتب الفريقين. (3) آل عمران: 31. (4) أمالي الشيخ المفيد: ص53. (5) الكافي: 3/ 323 / 7،6 / 269 /4. (6) المصدر نفسه: 2/ 352 / 8،7. (7) المصدر نفسه: 2/ 4. اللّهمَّ صلَّ عَلَى أَبِي الْأَئِمَّةِ، وَسِراجِ الْاُمَّةِ، وَكاشِفِ الْغُمَّةِ، وَمُحْيِ السُّنَّةِ، وَوَلِيِّ النِّعْمَة، أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ أَبي طالِب.

البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلام
منذ سنة
841

زجـاجٌ مُــنكسر

بقلم: علوية الحسيـني عنوانٌ يستوقف القارئ ليعلم ما وراءه من سطور مبيّنة لمغزى المقال، ويتضح له المعنى المراد من ذلك هل هو المعنى الحقيقي أم المجازي. وعليه، أقول: جرى بعض الكتّاب على استعمال الألفاظ في معناها غير الحقيقي كنايةً؛ ليكون أبلغ في النفوس، وأرسخ في الأذهان، وعلى نهجهم أصغرهم تسير، لأبين ما بدا يُتساءل في الضمير. الزجاج المنكسر اليوم هو لجوء بعض الامهات إلى الأعمال الشيطانية من سحرٍ وشعوذةٍ، وتسليط تلك الأعمال على زوجة الابن، لدواعٍ عديدة تُذكر في محلها، وما ذلك إلا خلاصة استقراءٍ ناقص بين بعض النسوة وبيوتاتهن، وبناءً على طلب العديد منهنّ بأن أكتب حول هذه الظاهرة غير الشرعية، وغير الأخلاقية. وفي قبال ذلك لجوء زوجة الابن إلى تلك الأعمال الشيطانية لعقد لسان زوجها، وتوثيق المحبة بينها وبين زوجها، أو عقد لسان ام زوجها عنها؛ تجنباً للمشاكل. فمن نافذةٍ زجاجها منكسر ينظر الزوج إلى الموضوع، فيتخير بين تأييد الأم على الباطل وبين ترك طاعتها والبر بها، كما يتخير بين هجر الزوجة وبين الإحسان والمعروف إليها! مجتمعنا اليوم لا يخلو من هذه المشكلات العويصة التي هدمت أسرًا بكاملها، مع اقرار الأم أو الزوجة بذلك، وعلانية ممارستها لتلك الأعمال، أو ترددها على أهل السحر والشعوذة. بل الأدهى من ذلك قد تعلّق الأم رضاها عن أبنها على مساندتها وعدم الاعتراض بما تقوم به من أعمال شعوذةٍ، وطلب الشهادة زورًا على زوجة ابنها، وأعمال اخرى من هذا القبيل، والعياذ بالله! ونظيره تخلف الزوجة عن القيام بواجباتها الشرعية تجاه زوجها مالم يطرد امه من بيته، أو تهديده بعمل طلاسم وشعوذات ضد أمه! فمن الأمهات مَن تبالغ في مشاحناتها مع زوجة ابنها، ومِن زوجات الأبناء مَن تتهم أم زوجها بذلك، فيصدقها الزوج، فتتفاقم المشاكل، وآخر ما يؤول إليه المصير هو عقوق الوالدة، أو هجران أو طلاق الزوجة، فما كان السِحر يومًا ما حلاً ومنفذًا للمشاحنات. ولأجل الوقوف على هذا الموضوع، و إصلاح ذلك الزجاج المنكسر لابد من تسليط الضوء على نقاط ثلاث: 1- شرعية السحر 2- أسباب المشاحنات بين الام وزوجة الابن 3- علاج المشاحنات ■النقطة الاولى: شرعية السحر ●مناقشة الموضوع قرآنيًّا: إنّ الله تعالى في كتابه الكريم وصفَ السحر ببئسَ العمل، حينما تطرّق لقصة هاروت وماروت بقوله تعالى:{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (١). ● الموضوع روائيًّا: بعض الروايات تطرقت إلى تكرار فعل السحر، واخرى إلى تعلّم القليل منه، واخرى إلى بيان الغرض منه، فرويَ عن رسول الله صلى الله عليه واله: "ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر ، ومدمن سحر ، وقاطع رحم" (٢). وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "من تعلّم شيئاً من السحر قليلاً أو كثيراً فقد كـفر، وكان آخر عهده بربه، وحدّهُ أن يقتل إلاّ أن يتوب" (٣). وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: "الساحر كالكافر في النار" (٤). وروي عنه أيضاً: "أقبلت امرأة إلى رسول الله (صلى الله عليه واله) فقالت: إن لي زوجاً وبه غلظة عليَّ وإنّي صنعت شيئاً لأعطفه عليَّ؟ فقال لها رسول الله (صلى الله عليه واله): أفٍ لك كدرّتِ البحار، وكدرّتِ الطين ولعنتْك الملائكة الأخيار، وملائكة السماء والأرض" (٥). ● الموضوع فقهيًّا: لا أحد من الفقهاء يفتي بجواز العمل بالسحر والإضرار بالآخرين، ومن يراجع الرسائل العمليّة لمراجعنا الكرام سيجد ذلك. فالمرجع الأعلى السيّد السيستاني (دام ظله) يقول: بأنّ "عمل السحر و تعليمه و تعلّمه و التكسب به حرام مطلقا و إن كان لدفع السحر على الأحوط ، نعم يجوز بل يجب إذا توقفت عليه مصلحة أهم كحفظ النفس المحترمة المسحورة ، و المراد بالسحر ما يوجب الوقوع في الوهم بالغلبة على البصر أو السمع أو غيرهما ، و في كون تسخير الجن أو الملائكة أو الإنسان من السحر إشكال ، و الأظهر تحريم ما كان مضرا بمن يحرم الإضرار به دون غيره"(٦). ■النقطة الثانية: أسباب المشاحنات بين الام وزوجة الابن: أ/ أسباب ترجع إلى الام، ومنها: 1- عدم الاحترام المتبادل. 2- الغيرة. 3- توهمها بأنّ زوجة الابن قد أخذت ابنها منها. 4- حب السلطنة. 5- الابتعاد عن الله عز وجل. 6- الانقياد الأعمى التام لأفكار الشيطان وتسويلاته. 7- سوء تدبير إدارة المنزل. ب/ أسباب تعود إلى زوجة الابن، ومنها: 1- عدم احترام الكبير وتوقيره. 2-عدم التربية الدينية الصحيحة. 3- الغرور والتكبر والشعور بالأفضلية. 4- سذاجة وانطماس الشخصية. ■النقطة الثالثة: علاج المشاحنات: إنّ من وجهة نظر كل عاقل يكون العلاج الأمثل هو: 1- التآلف والتواد والنصح الدائم بدلاً من اللجوء إلى الشيطان وأتباعه. 2- إدراك كل من الأم والزوجة أنّ الأمومة والزوجية لا تعنيان ملكيتهما للزوج، فلا هذه تملكه، ولا تلك. 3-إبعاد الرجل عن الاطلاع على المشاكل الحاصلة بين امه وزوجته، ومحاولتهما حلّها بعيدًا عنه؛ تخفيفًا من كاهله، وتوقيرًا له. 4- اهداء الزوجة هدايا مناسبة لأم زوجها بين فترةٍ وفترة، ففي حديث مضمونه (تهادوا تحابوا) يدل على ذوبان المشاحنات، ونسيان المواقف الخلافية. 5- على ام الزوج إدراك أنّه لا يوجد إنسان كامل سوى محمد وآل محمد (عليهم السلام)، فلتتغاض عن سلبيات زوجة ابنها، أو تحاول معالجتها بعيدًا عن طرق الشعوذة والصراخ، وتمدح الإيجابيات وتحاول تنميتها، واختصارًا لتعاملها كأنها بنت لها، كما على زوجة الابن كذلك معاملة ام زوجها كأنها ام لها. 6- عدم افشاء المشاكل أمام الضيوف، أو الأهل، إذ ذلك يؤدي إلى الوقوع في ارتكاب الغيبة؛ بذكر عيب كل منها للأخرى في غيابها. 7- على الزوجة أن لا تؤلب زوجها على امه مهما كانت المشاكل كبيرة، وكذا على الأم ذلك؛ إذ سيكون الجميع في معرض خسران بعضهم بعضًا؛ فقد يؤدي ذلك إلى الطلاق، أو إلى العقوق، أو إلى البهتان، فضلاً عن وقوع الزوج نفسه في حرجٍ شديد إذا انحاز لإحداهن. 8- الدعوة إلى الإحسان؛ فالله تعالى يقول في كتابه الكريم: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم}. ____________________ (١) البقرة: ١٠٢ . (٢) وسائل الشيعة. (٣) المصدر نفسه. (٤) المصدر نفسه. (٥) المصدر نفسه. (٦) منهاج الصالحين: السيّد السيستاني دام ظله، ج٢، مسألة ٢٣. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمدٍ وآله الطاهرين.

ظواهر اجتماعية غير منضبطة
منذ سنة
6693

درع المرأة المسلمة ضد الشبهات الواهمة (١)

بقلم: علوية الحسيني (شاوروهنَّ وخالفوهنَّ) ■تمهيد: تواجه بعض النسوة العديد من التصرفات التي تهبّط معنوياتها، ومن ذلك أنه استند البعض على أقوالٍ يدّعى أنّها منسوبة للأئمة (عليهم السلام) ومن ذلك أنه قيل إنه روي عن لأمير المؤمنين(عليه السلام) "شاوروهن وخالفوهن"، وتفاوت الفهم لهذا الحديث؛ فما بين من فهم منهم أن لا رأي للنساء بتاتًا، وبين من فهموا منه أنّه يدل على تقليل شأن المرأة فيطلب مشورتها ثم يضرب بتلك المشورة عرض الجدار؛ ويستظهر وجوب مخالفة ما أشارت عليه المرأة. وربما غاب على المتكلم أنّ الله (سبحانه وتعالى) لم يجعل فارقًا في أصل كلّ خير بين الرجل والمرأة، كالمساواة في الثواب في الأعمال الصالحة، بقوله سبحانه: {أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ} (١). والمشورة خير كما هو واضح. والذي يظهر من الحديث هو التقييد بزمنٍ معيّن، كزمن الأمر بالجهاد، أو واقعة الحرب، أو حالاتٍ معينة يشوب آراء المرأة الخلل دومًا؛ إما لمرض، أو سذاجة، أو قد تكون سليمة إلاّ انها في زمن الحرب تعارض رأي زوجها أو أبيها أو أخيها في ذهابه ومشاركته في الحرب، فهنا مخالفة رأيها هو عين الصواب. وسيتم تسليط الضوء على حق المرأة بالمشورة ضمن المطالب التالية: ■المطلب الاول: هل يعقل أنّ الإسلام استهان بالمرأة؟ إن من يزعم ذلك هو بعيد كل البعد عن الإسلام، إذ هو الدّين الوحيد الذي أولى المرأة حقوقًا واحترامًا؛ وإلا فإن بعض الأديان حرّمت على المرأة التعلم، والجاهلية وأدت بناتها، وهذا غير خافٍ على أحد. وقد اعتبرت المرأة في الديانتين النصرانية واليهودية مصدر الإِثم ومرجعه فيهما حسب بعض الباحثين. أما الإسلام، فإنه قد أولى المرأة منزلةً عظيمة، فجعل سن مخاطبتها بالأحكام الإلهية –التكاليف- أسبق من زمن مخاطبة الرجل، كما هو معروفٌ في الحكم الشرعي، ويكفي ذلك لها احترامًا وتوقيرا. ■المطلب الثاني: هل أنّ القرآن الكريم نهى عن مشورة المرأة؟ إنّ المتأمل في ظواهر وبواطن الآيات الكريمة لم يجد نهيًا عن الأخذ بمشورة النساء، سواء أخذ المستشير برأيهن أم لم يأخذ. بــل أنّ القرآن الكريم قد وضع الحجر الأساس في اعطاء حق المشورة للرجل والمرأة معًا؛ بدليل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون} (٢). فالآية الكريمة في معرض مدح المؤمنين الذين: ١- استجابوا لنداء ربّهم بالامتثال لأوامره واجتناب نواهيه. ٢- أقاموا الصلاة. ٣- اعتمدوا الشورى بينهم. ٤- أنفقوا مما رزقهم الله تعالى. والآية تخلو من قرينة تدل على خطاب الرجل دون المرأة، فتأملوا. إذًا كما أنّ الاستجابة لأوامر الله تعالى، وإقامة الصلاة، والإنفاق في سبيله، أمرٌ مكلّف به الرجل والمرأة على حدٍ سواء، كذلك أمر الشورى فهو مشترك بينهما أيضاً. وجاء في تفسير الآية محل شاهدنا: "وقوله: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ قال الراغب: والتشاور والمشاورة والمشورة استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض... والشورى الأمر الذي يتشاور فيه... . فالمعنى: الأمر الذي يعزمون عليه شورى بينهم يتشاورون فيه، ويظهر من بعضهم أنه مصدر، والمعنى: وشأنهم المشاورة بينهم. وكيف كان ففيه إشارة إلى أنهم أهل الرشد وإصابة الواقع يمعنون في استخراج صواب الرأي بمراجعة العقول فالآية قريبة المعنى من قول الله تعالى: ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾" (٣). إذًا الشورى بصورة عامة لها تأصيل جذري في القرآن الكريم. وكذلك هناك بعض الآيات الكريمة جعلت المشورة حقًا مشتركًا، كما في قوله تعالى: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِما} (٤). فالآية تتكلم عن جواز امتناع المرأة عن ارضاع وليدها، وهذا يخضع للتراضي والتشاور فيما بينها وبين أب الطفل. نعم، هناك آياتٌ اخرى قد يظهر منها مشورة الرجال، من قبيل المشورة في شؤون الجهاد والحرب، قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين} (٥). وهذه الآية -وبعد الرجوع إلى بعض تفاسيرها- متعلقة بشؤون الحرب، حيث جاء الأمر الإلهي للنبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) بمشورة أصحابه، كما شاورهم في معركة بدر وأُحد (٦). وليس فيها طعن بمقام المرأة، أو عيب تعاب به إذا لم تشملها الآية الكريمة أعلاه بوجوب أخذ مشورتها؛ إذ إن الجهاد والحرب ليس من وظيفتها حتى تعطي مشورتها في هكذا أمور، ولهذا اقتصرت الآية على الرجال ظاهرًا. ولا أعلم لِمَ يجعلون القرآن الكريم عِضين [قسمين] يأخذون بعضه ويتركون بعضه الآخر؟! فهنالك آياتٌ بينات، بحق مشورة المرأة صادحات، ولسداد رأيها مشيرات، منها قوله (تعالى): ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِين} (٧). هنا القرآن الكريم يؤكد على قيمة رأي المرأة، وأصوبيته، وأهميته، ويكشف أنّ نبيًا من أنبياء الله تعالى قد أخذ برأيها ونفّذه، ويكشف لنا أنّ رأيها أظهر لنا مواهب النبي موسى (عليه السلام) وجعله قويًا، وأنمى عوده، بل كثير من البركات التي عمّت على موسى وشعيب وأهلهما من بركات رأي هذه المرأة الصالحة. ■المطلب الثالث: هل لنا في التاريخ نسوة محل مشورة؟ في تأريخنا الاسلامي نجد أنّ الاعتماد على رأي المرأة أمرٌ واضحٌ جدًا، كالسيدة خديجة (عليها السلام) مع النبي (صلى الله عليه وآله)، والسيدة الزهراء مع أمير المؤمنين (عليهما السلام)، والسيدة الحوراء مع الحسنين (عليهم السلام)، والسيدة معصومة مع الرضا (عليهما السلام)، والسيدة طوعة مع مسلم (عليه السلام). كل هذه النماذج المباركة لو غُصنا في تفاصيل حياتهن لوجدنا أنّ لهنَّ بصمة في مسار الإسلام، وليس في مساراتٍ شخصيةٍ منزليةٍ فقط. ■المطلب الرابع: المجتمع اليوم بحاجة إلى مشورة المرأة. وفق الاستقراء الناقص وجدنا أنّ المجتمع باختلاف عاداته وتقاليده لا يخلو من مشاورة النساء؛ بلحاظ أنّهنّ نصف المجتمع. وحينما نشير إلى أهمية رأي المرأة في ما تحسن المشورة فيه لا يعني الجزم بصحة ما تبديه، فالمرأة ليست مخلوقًا معصومًا، وكذا الرجل ليس معصومًا، وكلا رأييهما قابل للتخطئة، فالمسألة نسبية إذًا. أنّ رأي المرأة كثيرًا ما يكون خيرًا وبركة حتى في مسائل الإدارة والتدبير إن كانت رشيدة، قد أسست أساسًا رصينًا، له دخالة بصحة ودقة كلامها ولو إجمالاً. والغريب، أنّ بعض الرجال لا يرتقون إلى نسائهم من الناحية الفكريّة والعلميّة، ثم يقولون: "أن لا رأي لهن" ! أو "أنهن لا يحسنَّ شيئاً من الحياة"! وقد عرفنا بطلان هذه العبارة. كما لا تؤيدها الكثير من الشواهد التي تؤكد على دور المرأة، وأهميتها في بناء المجتمع، وإلاّ كيف يركز الاسلام على دور المرأة ويحثها على بناء ذاتها؟! كيف تُهمل تلك الشواهد حتى يقال: "لا رأي لهنَّ ولا قيمة لمشورتهن"؟!. وأخيرًا أقول: ▪️ أيّـها الزوج: اهتم ببناء زوجتك الفكري والأخلاقي والعلمي، وكن لها سندًا وعونًا، ولا تقف بطريقها لمصالحك الخاصّة. ▪️ أيّــها الأب: كما تغذيها بالرعاية المادية اهتم برعايتها معنويًا، وابدأ معها مبكرًا في التعليم، وضع لها جدولاً وبرنامجًا تطويريًا؛ لتكون زوجة واعية راشدة مستقبلاً. ▪️ أيّــتها الأُم: كوني كالزهراء (عليها السلام) التي كانت مرآةً لانعكاس دور الأم الرشيد، صاحبة الرأي السديد، لابنتها الحوراء (عليها السلام). ▪️ أيّــتها الأخت: طوري ذاتك، واهتمي ببناء افكاركِ واخلاقياتكِ، ولا تتعذري بعدم وجود المساعد، انهضي والله معكِ، وضعي حدًا للتقصير في بناء الذات؛ لتكوني من عمّال الله تعالى في أرضه، فعّالة، لكِ كلمة فبيتكِ ومجتمعك. والطريق الذي لا عقبات فيه لا عواقب نافعة فيه. __________________ (١) آل عمران: ١٩٥. (٢) الشورى: ٣٨. (٣) الميزان في تفسير القرآن: للعلامة الطباطبائي، تفسير سورة الشورى. (٤) البقرة: ١٣٣. (٥) آل عمران: ١٥٩. (٦) ظ: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: للشيخ ناصر الشيرازي، ج٢، ص٧٤٨-٧٤٩. (٧) القصص: ٢٦. اللّهم أنطقني بالهدى، وألهمني التقوى، ووفقني للتي هي أزكى، بحق محمدٍ وآله سادة الورى.

المرأة بين الإسلام والغرب
منذ سنة
1918

نفحاتٌ ملكوتية من الخطاب الزينبي (٥)

بقلم: علوية الحسيني "فكِدْ كيدَك، واسْعَ سعيَك، وناصِبْ جهدك، فوَ اللهِ لا تمحو ذِكْرَنا، ولا تُميت وحيَنا، ولا تُدرِكُ أمَدَنا، ولا تَرحضُ عنك عارها" أوامر حرفية مكتسية برزانة وقوة شخصية، ألقتها سيّدة جليلة على أرذل المخلوقات فعلاً، في مجلسٍ ضمّ الشريف والوضيع، والقاصي والداني، جاعلاً المظلوم ظالمًا، والظالم مظلومًا، فانبرت السيدة زينب (عليها السلام) للطاغية يزيد (عليه لعنة الله) صاحب ذلك المجلس، وبعد خطابٍ طويل مصدرةً تلك الأوامر المقترنة بالترهيب. والأوامر هي أن يكيد الطاغية كيده، ويستمر بسعيه في نصب العداء لآل محمد (عليهم السلام)، وأن يجتهد ويكد في بذل جهده في التوهين بمقامهم (عليهم السلام)، أوامر لها ابعاد أخلاقية وعقائدية وبلاغية، وكعادة خطابها، وهذا ما سنشير إليه في النواحي التالية: ■الناحية الأولى: الناحية الأخلاقية. إنّ المتتبع للسياق الخطابي لكلام السيّدة زينب (عليها السلام) يجده مكتسيًا بالأخلاق الفاضلة رغم بلاغة الكلمات، وصمود الشخصية، وفي هذا المقطع أمرت السيّدة زينب (عليها السلام) الطاغية بأن يكيد كيده مهما كان ذلك الكيد، ويستمر ببذل سعيه وجهده في نصب العداء للعترة المحمدية (عليهم السلام)؛ لأنّها سمعت تهديدًا من الطاغية يزيد (عليه لعنة الله) بأنّ سيكيد لهم كيدًا لم يسمع به أحدًا؛ وما تهديده إلاّ لجبنه وسفاهته، فروي أنّ الطاغية استثار غضبًا من بلاغة خطاب ابنة أمير المؤمنين، مستأصل أصل شجرته الخبيثة (عليه السلام)، حيث قال مهددًا: "اقسم لألحقنَّكَ بأخيكِ" بعد أن أخبرته السيّدة أنّ أمثالها لا يكلّم أمثاله، إلاّ أنّ الدهر جار عليها، وأراها ما أراها من مكائد الظالمين، وأنّها تستصغره وتستحقره، وهذا خطابٌ أخلاقيٌ طبيعي يصدر من مخدّرةٍ تجاه من أمر بوقوفها في مجالس أشباه الرجال أمثال الطاغية وشرذمته (عليهم لعنة الله). فهذا الخلق يسمى بالشجاعة الموسومة بالأدب – لا بالوقاحة-. ونجد قبال شجاعة وحكمة السيّدة (عليها السلام) جبن وسفاهة الطاغية (لعنه الله)؛ حيث كانت ردّة فعله أنّه أقسم بأن يقتل امرأة! ومما يدل على سفاهة رأيه هو اشارة أحد جلاوزته عليه بأنّه لو تم قتل امرأة سبية ستثور عليه المدينة، فأخذ الطاغية بالمشورة، وقال: "سحقًا لها –للسيّدة-، والله لأكيدنّ لهم كيدًا ما كاده سلطان برعيّة"، وحيث الجبن أسّه وأساسه كأسلافه أخذ يقسم بين جملةٍ وأخرى، وكأنّه يعلم بأنّه كاذب. وهنا، وحيث إنّ السيّدة (عليها السلام) لم تستبعد ما يقوله الطاغية الخائن لله ولرسوله (صلى الله عليه وآله)، احتملت أن ينفّذ الطاغية كيدًا لسليلات الرسالة (عليهن السلام)، وهذا ظنّها بشارب الخمر، هاتك الستر، منبع الفسق والشر، يزيد (عليه لعنة الله)، لهذا اكتفت بالرد عليه بشجاعةٍ ورزانة، مصححة له وللملأ أنّ آل الحسين (عليهم السلام) ليسوا رعيّة لأحد، بل الناس جميعهم رعيّة عند العترة المحمدية؛ بلحاظ حجّيتهم (عليهم السلام) على المسلمين. وعقّبتْ (عليها السلام) قائلة: "فكِدْ كيدَك، واسْعَ سعيَك، وناصِبْ جهدك، فوَ اللهِ لا تمحو ذِكْرَنا، ولا تُميت وحيَنا، ولا تُدرِكُ أمَدَنا، ولا تَرحضُ عنك عارها... إلى أن قالت: يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين"، فحار الطاغية جوابًا (عليه لعنة الله)، وطلب مترجيًا -حسب ظاهر حاله- أن يسكتوها، فطلب الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) من عمته السكوت، مثنيًا على خطابها. فهكذا كانت أخلاق السيّدة (عليها السلام) مع العدو الظالم، شجاعةٌ، وبسالة، وصمود، وشموخ، وحياء، ورزانة، وقوّة، وعدم خضوع. ■الناحية الثانية: الناحية العقائدية. بعد أن أعطت السيّدة زينب (عليها السلام) درسًا في الأخلاق لجميع الحضور من خلال هذا المقطع الخطابي، أعقبته بدرسٍ آخر في العقيدة؛ فكأنّها (عليها السلام) تريد أن تعلل سبب أمرها للطاغية بأن يكيد ويسعى وينصب جهده في العداء لآل الحسين (عليه وعليهم السلام)، حتى كان تعليلها عبارة عن منظومة معرفية في اصول الدّين جميعها -التوحيد، العدل الإلهي، النبوة، الإمامة، والمعاد- حينما أقسمت بالله تعالى وقالت له: "فوَ اللهِ لا تمحو ذِكْرَنا، ولا تُميت وحيَنا، ولا تُدرِكُ أمَدَنا، ولا تَرحضُ عنك عارها". * فجسّد جوابها إيمانًا بالتوحيد؛ حينما قالت: "لا تَمَحُو ذِكْرَنا" وفي بعض النسخ (لن تمحو ذكرنا)، فالجملتان تفيدان نفي (محو الذكر)، وذلك الجزم بالنفي صادر عن عقيدة راسخة في قدرة الله تعالى بحفظهم، وحيث إنّ الإيمان بصفات الله هو فرع الإيمان بأحديته وواحديته تعالى، فذلك هو الإيمان بالتوحيد. وقباله نجد كفر الطاغية يزيد (عليه لعنة الله) بالتوحيد؛ حينما يقسم أنّه يستطيع أن يقتل من يشاء دون أن يرهن الأمر بقدرة ومشيئة الله الواحد القهّار. *كما وجسّد جوابها إيمانًا بالعدل الإلهي، حينما قالت: " لا تَمَحُو ذِكْرَنا" إشارةً منها أنّ من عدل الله تعالى أن يديم ذكر مَن حافظ على شريعة ربّه من الانطماس، حينما حاول الطاغية، شارب الخمر أن يغيّر عقيدة الناس في الله تعالى بعد أن حاول اقناعهم أنّ الله تعالى يجبرنا على فعل المعاصي، فضلاً عن هتكه لحرمة بيت الله الحرام؛ "فبزمن الطاغية (عليه لعنة الله) أبيحت المدينة المنورة، وبطلت الجماعة من المسجد النبوي أيام، وأخيف أهل المدينة أياما، فلم يمكن لأحد أن يدخل المسجد حتى دخلتها الكلاب (والذئاب) وبالت على منبر النبي (صلى الله عليه وآله)"، فبثورة الإمام الحسين (عليه السلام) عرف الناس الحق من الباطل، ولهذا قال (عليه السلام): "لم أخرج اشرًا ولا بطرًا، وإنّما خرجت للإصلاح في امّة جدّي". *كما وجسّد جوابها إيمانًا بالنبوة؛ حينما قالت: "ولا تُميت وحيَنا" إشارةً منها إلى الإيمان بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله) معصوم في جميع أحواله، ومنها في تلقيه الوحي، فحينما أخبره الوحي أنّ الله تعالى يأمره بأن يأمر شيعته بالتمسك بما يدعو إليه نبيّه قولاً وفعلاً، آمنت بقوله (صلى الله عليه وآله) بجعل حبّ الحسين هو حبّ النبي (عليهما السلام)، وذلك الجعل صادر من الوحي، وبالتالي بقي كلام الوحي حيًّا، وحبّ الحسين (عليه السلام) دائمًا، وهذا هو الإيمان بالنبوة. وبها قد كفر الطاغية (عليه لعنة الله)، رغم رواية كتبه بذلك؛ "عن يعلي بن مرة، قال: كنا مع رسول الله (ص[صلى الله عليه وآله وسلم])، فدعينا إلى طعام، فإذا الحسين (ر) يلعب في الطريق، فأسرع النبي (ص[صلى الله عليه وآله وسلم]) أمام القوم،... ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلمٍ]): حسين مني وأنا منه، أحب الله من أحبه" (2). *كما وجسّد جوابها إيمانًا بالإمامة؛ بقولها: "ولا تُدرِكُ أمَدَنا" إشارةً منها إلى استمرار نسل الإمامة وإن كاد المكائد، ونصب الجهد لآل الحسين (عليهم السلام)؛ حيث شاءت ارادة الله تعالى إبقاء الإمام علي السجاد، ومحمد الباقر (عليهما السلام) ليدوم نسل الأئمة المعصومين المنصوص على أسمائهم. وإيمانها ذلك منبعث من رسوخ عقيدتها في حجّية قول الائمة المعصومين (عليهم السلام)، ومن أقوالهم أنّهم كانوا ينص السابق منهم على امامة اللاحق، فلو أنّ الطاغية (عليه لعنة الله) أراد إبادة آل الحسين (عليهم السلام) لكان كلام الأئمة في التنصيص على أسماء الأئمة لغوًا، والحال أنّ الأئمة (عليهم السلام) معصومون من اللغو، وبهذا الحال آمنت. *وجسّد جوابها إيمانًا بالمعاد؛ بقولها: "ولا تَرحضُ عنك عارها" إشارةً منها إلى يوم القيامة، تعالى حيث يثيب الله المطيعين، ويعاقب العاصين الظالمين، ولهذا نجدها ختمت قولها بعد هذا المقطع بالآية الكريمة: {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِين} (4)، ولا ينادي المنادي إلاّ في يوم الحساب؛ حيث تنادي ملائكة العذاب بطرد الظالمين من رحمة الله تعالى، ومنهم الطاغية يزيد (عليه لعنة الله). ■الناحية الثالثة: الناحية البلاغية. المقطع من حيث البلاغة حوى أساليب بلاغية، منها الوصل والإيجاز والاطناب (5). أما الوصل الذي هو عطف جملة على اخرى بالواو، فقد أوصلت السيّدة (عليها السلام) في قولها: " فكِدْ كيدَك، واسْعَ سعيَك، وناصِبْ جهدك" فعطفت نصب الجهد على السعي، والسعي على الكيد، عطفًا بين جملٍ إنشائية على بعضها؛ لمناسبةٍ بينهما في افادتهما معنىً واحدًا، ولإرادة المتكلمة لها. وأما الايجاز، فقد أوجزت السيّدة في هذا المقطع إيجاز قصرٍ، فكانت ألفاظها قليلة إلاّ أنّ معانيها متكثرة؛ حيث قالت: " فكِدْ كيدَك، واسْعَ سعيَك، وناصِبْ جهدك"، فكل جملة من هذه الجمل تفيد معانٍ كثيرة أوجزت في تلك الألفاظ؛ والغرض من ذلك هو حزنها (عليها السلام)؛ وإلاّ فماذا نتوقع أن يصدر من امرأة متفجّعة كالسيّدة زينب (عليها السلام) بعد أن سمعت الطاغية يهدد بإبادة النسل المحمدي؟! وأما الإطناب الذي هو الزيادة في الألفاظ المحققة لفائدة، فتجلى في قولها (عليها السلام): "فوَ اللهِ لا تمحو ذِكْرَنا، ولا تُميت وحيَنا، ولا تُدرِكُ أمَدَنا، ولا تَرحضُ عنك عارها"، إذ كانت تستطيع أن تقول واحدة من تلك الجمل، إلاّ أنّها (عليها السلام) أرادت تثبيت المعنى في ذهن السامعين وإثارة حميتهم، بالإضافة إلى إرادتها دفع الإيهام الذي حصل عند السامعين الحاضرين في المجلس بسبب قول الطاغية (لعنه الله) بقدرته على ابادة آل الحسين (عليهم السلام)، ولهذا أطنبت في القول موضحة كذب وفسق الطاغية. ____________________ (1) ينابيع المودة: للقندوزي، ج3، ص35. (2) المعجم الكبير: للطبراني، ج3، ص32. (4) هود: 18. (5) ظ: التحفة الباهرة في بلاغة المخدرة الطاهرة: للشيخ حسين البحراني. و لَئن نسيتُ فلَسـتُ أنسى زينبـاً *** ودوام مِحنتهـا وطـول عنـائهـا.. حَمَلت مِن الأرزاء ما أ عيا الورى *** حَمـلَ اليسير النَزر مِـن أعبائهـا.. سُبيَت، و أعظم ما شَجاني غَيرةً *** ـ يا غيرة الإسلام ـ سَلبُ رِدائها.. و وقوفهـا فـي مجلـسٍ جُلاسُه *** أهوى بهـا الشيطـان في أهوائها..

البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلام
منذ سنة
16067

شبهاتٌ حـول القضيّة الحسينيّة (2)

بقلم: علوية الحسيني الشبهة: يدّعي الروافض أنّ قتل الإمام الحسين (رضي الله عنه) عزٌ للمسلمين، فإذا كان عزًا فلماذا يسوؤهم عزّ الإسلام؟! إذًا لا يبقى إلاّ أن يكون قتله ذلاًّ للإسلام والمسلمين، ونسميه مُذل الإسلام! ■الجواب: في شبهة المخالف أمران مهمان لا بد من تسليط الضوء عليهما، ويبدو أنّه أحد عبيد دعاة الفتن، الذين يرددون الشبهات دون وعيٍ وادارك. عزّ الإسلام والمسلمين، وذله، سؤالان ستأتي الإجابة عنهما ضمن المطالب التالية: ■المطلب الأول: هل قتل الإمام الحسين (عليه السلام) عزٌ للمسلمين أم ذلٌ؟ •الفرع الأول: الجواب النقضي إن كان خروج الشخصيات الإسلامية العظيمة للقتال واستشهادها هناك يعدّ ذلاًّ للإسلام والمسلمين، فهل يسمى حمزة (عليه السلام) أسد الله تعالى وأسد رسوله (صلى الله عليه وآله) مذلًا للمسلمين؛ حينما خرج إلى معركة أُحد واستشهد هناك؟ فإن قلتم: إنّ قتله كان عزًا، فنتساءل: لماذا إذًا بكاه رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله)، والسيدتان صفيّة، وفاطمة الزهراء (عليهما السلام) هل يسوؤهم أن يروا الإسلام عزيزا؟! •الفرع الثاني: الجواب الحلّي لاريب إنّ يوم قتل الإمام الحسين (عليه السلام) يوم ذلٍ للإسلام والمسلمين على يد عدوّ الله يزيد بن معاوية و أتباعه وأشياعه (عليه وعلى أتباعه لعنة الله)؛ حيث هتكوا حرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حريمه، و قتلوا أولاده حتى الرضيع، و سبوا نساءه، واقترفوا جرائم لا يسمعها إنسان ـ فضلاً عن مؤمن ـ إلاّ ويتأثر و يتوجّع قلبه و يحزن و يتأسّف، فهو يوم ذلّة للدين و أهله. حيث روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال: "إِنَّ يَوْمَ الْحُسَيْنِ أَقْرَحَ جُفُونَنَا ، وَ أَسْبَلَ دُمُوعَنَا، وَ أَذَلَّ عَزِيزَنَا بِأَرْضِ كَرْبٍ وَ بَلَاءٍ، أَوْرَثَتْنَا الْكَرْبَ وَ الْبَلَاءَ إِلَى يَوْمِ الِانْقِضَاءِ. فَعَلَى مِثْلِ الْحُسَيْنِ فَلْيَبْكِ الْبَاكُونَ، فَإِنَّ الْبُكَاءَ عَلَيْهِ يَحُطُّ الذُّنُوبَ الْعِظَامَ "(1). ■المطلب الثاني: مذل الإسلام هو الطاغية يزيد وشرذمته لاشك أنّ مخلوقًا كيزيد الذي انتهك ما انتهك، وتخلى عن مبادئ الاسلام، لا يبعد أن يقترف جرمًا يذل به الاسلام وأهله. وهنا فرعان: •الفرع الأول: حول شرذمة يزيد –الشمر نموذجًا- الشمر احد الشخصيات الرذيلة التي أخذت تروّج للطاغية يزيد (عليه وعلى طاغيته لعنة الله)، مستغلاً قرابته نسبًا من أم البنين الكلابية (أم العباس عليه وعليها السلام)، حيث تذكر بعض المصادر أنّه ذهب إلى العباس (عليه السلام) يطلب منه مبايعة الطاغية، وترك مناصرة الإمام الحسين (عليه السلام)! فروي أنّه صاح بأعلى صوته: "أين بنو اُختنا؟ أين العبّاس وإخوته؟ فأعرضوا عنه[أي العباس واخوته]، فقال [الإمام] الحسين [عليه السلام]: ((أجيبوه ولَو كان فاسقاً))، قالوا: ما شأنك وما تريد؟ قال : يا بني اُختي أنتم آمنون، لا تقتلوا أنفسكم مع الحسين، والزموا طاعة أمير المؤمنين يزيد. فقال العبّاس: لعنك الله ولعن أمانك، أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له، وتأمرنا أنْ ندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء" (2). إلاّ أنّه (عليه لعنة الله) أدرك في أواخر حياته البائسة أنّه وطاغيته كانا على باطل، حتى بات يدعو ربّه أن يغفر له، معللًا اتباعه للطاغية أنّه كان مجبرًا على الطاعة، وكأنّه دابة منقادة لا خيار له! حيث روى "الهيثم بن الخطاب النهدي، قال: سمعت أبا إسحاق السبيعي، يقول: كان شمر بن ذي الجوشن الضبابي لا يكاد أو لا يحضر الصلاة معنا، فيجيء بعد الصلاة فيصلي، ثم يقول: اللهم اغفر لي فإني كريم لم تلدني اللئام، قال : فقلت له: إنك لسيء الرأي يوم تسارع إلى قتل ابن بنت رسول الله (ص[صلى الله عليه وآله]) قال: دعنا منك يا أبا إسحاق، فلو كنا كما تقول وأصحابك كنا شرا من الحمير السقاءات" (3). فدعاؤه هذا دليلٌ آخر على شناعة فعله وموالاته لطاغيته، وتوهينه لرموز الإسلام وهتك حرمهم. وعليه، فيعد الشمر أحد العوامل التي أدّت إلى ذل الإسلام والمسلمين، بإقدامه على قتل سبط رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله)، ارضاءً لطاغيةٍ كافرٍ جاحد، وعصيانًا لربٍ جبّارٍ واحد، فتأمل في كيفية إذلاله للإسلام بكفره بربّه وبالقرآن الكريم حينما قال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيما} (4)، فالله تعالى يغضب ويلعن –يطرد من رحمته- من أساء إلى الإسلام والمسلمين. •الفرع الثاني: حول يزيد الطاغية لم تنكر كتب أبناء العامة غلظة وتهتك يزيد (عليه لعنة الله)، حتى صرّحت بعضها بأنّه "كان ناصبياً فظاً غليظ القلب يتناول المسـكرات ويفعل المحرمات، واول ما تصدى للحكم افتتح حكومته بـقتل سيد الشهداء (عليه السلام)" (5). إذًا إنّ المذلّ لهو مَن قتلَ الإمام الحسين (عليه السلام)، وهو الطاغية العاتي يزيد (عليه لعنة الله)؛ إذ بيده ثلم الإسلام كما جاء في كتب أبناء العامة؛ حيث روي "عن النبي (صلى الله عليه [وآله]): لايزال هذا الدّين قائمًا بالقسط حتى يثلمه رجلٌ من بني امية يقال له يزيد"(6). وإنّ ثلم الإسلام لابد أن يكون على يد طغاة، كفرة، مارقين، ولم يخل يزيد من تلك الصفات، إذ إنّه من الفئة الباغية التي قتلت عمارًا (رضي الله عنه)، كما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله): "ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم الى الجنة ويدعونه الى النار"(7). وحيث إنّ الصحابي الجليل عمار بن ياسر (رضوان الله عليه) قد استشهد على يد جيش معاوية في حرب صفين التي خرج بها معاوية على أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، فكان معاوية من الباغين، وكذا ابنه يزيد، والباغي هو الذي يثلم الإسلام، فالباغي هو الفاسق، الظالم، الجائر. ومثالب يزيد كثيرة لا تسعها هذه السطور، وجميعها تدل على أنّه أذلّ الإسلام ومبادئه ورموزه، كيف لا وتذكر بعض المصادر أنّه قد تربى على يد نصراني؛ "رجّح بعض المؤرّخين أنّ بعض نساطرة النصارى تولّى تربية يزيد وتعليمه، فنشأ نشأةً سيّئة ممزوجةً بخشونة البادية وجفاء الطبع، وقالوا: إنّه كان من آثار تربيته المسيحية أنّه كان يقرّب المسيحيين ويكثر منهم في بطانته الخاصة، وبلغ من اطمئنانه إليهم أن عهد بتربية ولده إلى مسيحي، كما اتّفق على ذلك المؤرّخون"(8). ■المطلب الثالث: معنى ذلّ الإسلام بمقتل الإمام الحسين (عليه السلام) نعتقد أنّ الإمام (عليه السلام) عزيز، سامي المقام، وبالتالي يكون ما أصابه من ظلم هو استضعاف له، كما صرّح بذلك احد الأعلام قائلاً: "المراد أن أعداء أهل البيت (ع[عليهم السلام]) قاموا بهتك واذلال وتعدي على حرمات اهل البيت (ع[عليهم السلام]) أي الأعداء قاموا بالاستخفاف وانتهاك حرمة الاسلام والنبي (ص[صلى الله عليه وآله وسلم]) لا أن الذل والهوان كان شأن اهل البيت (ع[عليهم السلام])، فأهل البيت (ع[عليهم السلام]) لم يهنوا ولم يضعفوا ولم يستكينوا في انفسهم وذواتهم لكن الاعداء مارسوا آليات الاستضعاف والاستخفاف والإذلال، ولذلك قال أمير المؤمنين (ع[عليه السلام]) ما قاله هارون (ع[عليه السلام]) "إن القوم استضعفوني " لا أنه (ع[عليه السلام]) ضعف... والحاصل أنه فرق بين فعل الاعداء وبين شأن أهل البيت (ع[عليهم السلام]) في انفسهم"(9). وبهذا يتضح معنى أنّ الإسلام قد ذلّ بمقتل الإمام الحسين (عليه السلام)، لا بقصد خدش العقيدة، ولا بقصد تنزيه الطاغية وجلاوزته (عليهم لعنة الله) من شنيع فعالهم. _______________ (1) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج44, ص283. (2) مقتل الإمام الحسين (عليه السلام): للسيد عبد الرزاق المقرَّم, ص209. (3) الطبقات الكبرى: لابن سعد, ج1, ص499. (4) النساء: 93. (5) سير أعلام النبلاء: للإمام الذهبي, ج4, ص37. (6) جامع الأحاديث: لجلال الدين السيوطي, ج9, ص24, ح26889. (7) صحيح البخاري: لمحمد بن اسماعيل البخاري, ج3, ص207, باب من أعبرت قدماه في سبيل الله. (8) سيرة الأئمّة الاثني عشر: لهاشم معروف الحسني,ج2, ص42, وراجع أيضًا: حياة الإمام الحسين عليه‌ السلام: للشيخ باقر شريف القرشي, ج2, ص180. عن المناقب: للقاضي نعمان المصري, ص71، وسمو المعنى في سموّ الذات: للعلائلي, ص59. (9) مكتب سماحة الشيخ محمد السند دام ظله. اَللّهُمَّ صَلِ عَلَى السَّيِّدِ الزَّاهِدِ، وَالْإِمامِ الْعابِدِ، اَلرَّاكِعِ السَّاجِدِ، قَتيلِ الْكافِرِ الْجاحِدِ، صاحِبِ الْمِحْنَةِ وَالْبَلآءِ، اَلْمَدْفُونِ بِأَرْضِ كَرْبَلاء، مَوْلَى الثَّقَلَيْنِ، أَبي عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْن.

العقائد
منذ سنتين
1830

شبهاتٌ حول القضية الحسينية (4)

بقلم: علوية الحسيني ■الشبهة: إنّ يزيد لم يأمر بالإتيان بآل الإمام الحسين (رضي الله عنه) سبايا إلى الشام، بل ذهبوا إلى بيته ليقيموا النياحة، وقد أكرمهم، وخيّرهم بين المقام عنده والرجوع إلى المدينة (1)، وبالتالي فقصة السبي مبتدعة من الشيعة ليتهموا يزيد بها. ■الجواب: أرى المخالف من أصحاب القيل المبغضة الباطلة، نطق وكذب فأثِم؛ لأنّ الجواب على زعمه هذا من كتبه، لا أن يجعل الأخبار عضين، يؤمن ببعض ويكفر ببعض -كما هو حاله مع آيات القرآن الكريم-. فالجواب على هذا الزعم سيكون ضمن مطلبين، نثبت فيهما قيام الطاغوت يزيد (عليه لعنة الله) بتوهين مقام نساء الحسين وأطفاله (عليهم السلام). ■المطلب الأول: إنّ ما جاء به الناصبي ابن تيمية وأخذ يردده أتباعه لهو من الكذب الصريح؛ إذ لا يمكن تغطية الشمس بغربال، ومن يقول بذلك فهو من سفهاء العقول. وفي هذا المطلب فرعان: •الفرع الأول: 1- اختلف علماء ابناء العامة في كفر يزيد (عليه لعنه الله)، ولكنهم على كل حال نسبوا له الجرم الشنيع: قتل الإمام الحسين (عليه السلام) فلا يستبعد عقلاً من طاغية مثله أن يوهن مقام آل الحسين (عليهم السلام)؛ خصوصًا مع سيرته الإجرمية، فمن يتجاسر على بيت الله تعالى ويرميه بالمنجنيق، ويتعدَّ على حدود الله تعالى ويشرب الخمر ويفعل المنكرات ويستبيح الحرمات، ويأمر بقتل سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لا يستبعد أن يسيء لآل الحسين (عليهم السلام)، أو يتشمت بما جرى عليهم من جيشه. 2- لو تساءلنا: لماذا أخذ جنود الطاغية آل الحسين (عليهم السلام) إلى الشام حيث قصر يزيد؟ أ ليس تكليفهم كان أمّا استحصال بيعة الإمام الحسين (عليه السلام) ليزيد (عليه لعنه الله) أو قتل الإمام؟ فها هم قد قتلوا الإمام، فلماذا أخذوا أهله سبايا؟ الجواب عقلًا لا يخلو من أحد هذه الاحتمالات: أ) إنّ الجنود تصرّفوا بدون علم يزيد. وهذا يدل على أنّ يزيد ليس له الهيمنة على جنوده، فكيف بشعبه؟! وعلى فرض صحة هذا الاحتمال كان على يزيد أن يعاقب من جاء بآل الحسين (عليهم السلام) إلى الشام وسبّب لهم عناء المسير، وتعدى على حقهم حيث أنّهم لم يريدوا السفر فأجبرهم الجنود، ولكن يزيد لم يفعل، إذًا هو راضٍ بفعلهم، والساكت عن الحق شيطانٌ أخرس –كما يقول علماؤكم-، والشيطان ملعون، وإنّي ارى استحقاقه ما يستحقه الشيطان، إذًا يزيد ملعون. ب) إنّ الجنود تصرّفوا بعلم يزيد، لكنه تندم على قراره بجلب آل الحسين (عليهم السلام) سبايا لقصره. وهذا يدلّ على أنّ يزيد سفيه؛ حيث إنّه لا يحسن اتخاذ القرارات فيتكلم عن عدم حكمة، وإنّي لأراه هكذا. ج) إنّ الجنود تصرفوا بعلم يزيد، لكنه لم يندم على قراره، وكان متعمدًا بأن يوهم الناس بأن هؤلاء السبايا خرجوا عليه كحاكم، (عليه من الله ما يستحق). وهذا يدل على ظلمه وجوره، وجاء ابن تيمية مكذبًا مدافعًا للظالم. فلعنه الله تعالى ولعن أباه الذي مهّد له الطريق. وإنّي لأرى هذا الفرض يوجب لعن الأب وابنه، إذ العقل يحكم بأنّ الظلم قبيح، وعلّمني القرآن الكريم أنّ كلّ جذرٍ قبيح إذا أنبت غصنًا قبيحًا صارت الشجرة قبيحة، والقبيح ملعون، فالجذر وفرعه ملعونان، قال تعالى: {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَار} (2)، ومفسروكم فسروا تلك الشجرة بالكافر، وأنا أرى مصداقها جذركم وفرعه. •الفرع الثاني: الدليل النقلي روى الطبري في تاريخه: "لما قتل الحسين [عليه السلام] وجيء بالأثقال والأسارى حتى وردوا بهم إلى الكوفة إلى عبيد الله، فبينا[فبينما] القوم محتبسون إذ وقع حجر في السجن، معه كتاب مربوط، وفي الكتاب خرج البريد بأمركم في يوم كذا وكذا إلى يزيد بن معاوية، ... وجاء كتاب بأن سرّح الأسارى إليّ. قال فدعا عبيد الله ابن زياد محفز بن ثعلبة وشمر بن ذي الجوشن، فقال: انطلقوا بالثقل والرأس إلى أمير المؤمنين يزيد بن معاوية؛ قال: فخرجوا حتى قدموا على يزيد" (3). ■المطلب الثاني: نحن كشيعة امامية جعفرية كتبنا تصدح بظلامة الإمام الحسين (عليه السلام)، التي تناقلها الأئمة (عليهم السلام) عن رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) الذي نقلها عن جبرائيل الأمين (عليه السلام)، الثابتة في علم الله الأزلي، وبالتالي كلّ تشكيك بمصداقيتها هو تشكيك بعلم الله تعالى. وبالتالي تتعدد الأدلة ضمن الفروع التالية: •الفرع الأول: أدلة مصرّحة: جاء في كتبنا أنّه "بعد أن مكثت العائلة في الكوفة عدّة أيام جاء الأمر من يزيد إلى ابن زياد أن يسرّح عائلة الحسين عليه السّلام إلى الشام ، وفعلا فقد دخلت العائلة إلى الشام ، وإذا بأهل الشام يعبّد [يعيّد] بعضهم الآخر بالانتصار" (4). •الفرع الثاني: أدلة ضمنية: إن الموقف الذي قامت به زوجة يزيد (هند بنت عبد الله)، التي كانت خادمة في بيت أمير المؤمنين (عليه السلام) ثم انتقلت إلى الخدمة في بيت الإمام الحسن (عليه السلام) وخطبها معاوية هناك لابنه يزيد، فحينما أدخلوا السبايا خربة من خربات الشام جاءت لهن هند تستفهم عن حالهنّ، "فلبست عباءتها وتوجهت لهنّ، ويقول البعض أنّ يزيد صادفها فخشي كثيرًا من أن تعرفهنّ؛ إذ كانت خادمة في بيتهنّ، إلاّ أنّ تغطرسه جعله أن لا يبالي ما فعل! وما إن عرفت مقامهنّ أنّهنّ حرائر الرسالة ضربت رأسها بالحجر حتى سال على مقنعتها فغشي عليها، وعندما أفاقت خرجت إلى مجلس يزيد كان مجتمع فيه مع وجهاء دولته فاستنكرت عليه أمره بقتل الإمام الحسين (عليه السلام) والاتيان برأسه، وسبي آله، فافتضح أمره على يد زوجته، إذ كانت ضدّه" (5). نعم، كما نقل لنا التأريخ أنّها طلبت منه أن يسكن السبايا في داره الخاصة، ففعل مضطرًا، وأكرمهنّ بالمسكن والطعام والمعاملة الحسنة ليصلح فادح خطيئته، حتى جاءت إليهنّ نساء آل أبي سفيان يعزينهنَّ، بل وقبّلنَ أيدي وأرجل بنات رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأقمنَ العزاء في بيت يزيد" (6). لكن كما يتشبث صاحب الكتاب -ابن تيمية- والناقل -صاحب الشبهة- لما فيه بما نقله التاريخ، فلينظر إلى التاريخ بعينين لا بعينٍ واحدة، وليعلم أنّ نفس التاريخ ذكر لنا أنّ يزيد كان متخوفًا من انقلاب دولته ضدّه، "بل وفعلاً حاول البعض أن يهجموا على داره ويقتلوه، فأشار عليه مروان أن يطلق سراح السبايا ويرجعهم إلى مدينة جدّهم" (7). فإكرام يزيد لهم إن دلّ على شيء فهو يدل على نفاقه وجرأته على أن يكرم آل الحسين بعد أن قتل آباءهم (عليهم السلام)، فهو كالقاتل الذي يمشي وراء جنازة المقتول. ________________ (1) منهاج السنة: لابن تيمية، ج4، ص559. (2) ابراهيم: 26. (3) تاريخ الطبري: لمحمد بن جرير الطبري، ج5، ص463. (4) اعلام النساء المؤمنات: لمحمد الحسون وأم علي مشكور، ص580. (5) زينب الكبرى من المهد إلى اللحد: للسيد مصطفى القزويني، ص496-501. (6) معالي السبطين في احوال الحسن والحسين عليهما السلام: لمحمد مهدي الحائري، ج2، ف14، م16، ص164. وتاريخ الطبري، ج5، ص465. وكتاب الإيقاد، ص 180، وبعض المصادر الأخرى. (7) ظ: كامل البهائي: عماد الدين الطبري. والسّلامُ عَلَى الحَرائرِ فِي الحَدِيْدِ مُصَفَداتْ، فَوقَ أقْتَابِ المطِيَّاتِ، تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ حَرُّ الهَاجِرَات، يُسَاقُونَ فِي البَرَارِي وَالفَلَوَاتِ، أيْدِيهُمُ مَغْلُولَةٌ إِلَى الأعْنَاقِ، يُطَافُ بِهِم فِي الأسْوَاقِ، فالوَيْلُ للعُصَاةِ الفُسَّاق.

العقائد
منذ سنة
2487

نفحاتٌ ملكوتية من الخطاب الزينبي (٦)

بقلم: علوية الحسيني "ولئن اتّخَذْتَنا مَغْنَماً، لَتجِدَنا وشيكاً مَغْرَماً، حين لا تجدُ إلاّ ما قدَّمْتَ وما ربُّكَ بظَلاّمٍ للعبيد" في هذا المقطع إشارة واضحة إلى اسلوب الترهيب، المتخذ كأسلوب خطابي تربوي مع الطغاة الظالمين، وإلى قبح الظلم، وإلى العدل الإلهي بكيفية الانتصار للمظلوم على الظالم، ببيانٍ جزل، مؤكد بعضه بعضًا، وهذا ما سيتم بيانه ضمن النواحي الثلاث التالية: ■الناحية الأولى: الناحية العقائدية المقطع صريح في بيان العدل الإلهي، وبالملازمة نفي الظلم عنه، فمن عدل الله تعالى أن يثيب المحسن ويعاقب العاصي. لكن هنا أمرين مهمين لابد من الالتفات إليهما بدقة: ١- لا نستطيع حصر تحقق العدل الالهي في الآخرة دون الدنيا؛ إذ كم من محسنٍ أفاض الله تعالى عليه من نعمه في الدنيا كجزاء لطاعته لربّه، وكم من عاصٍ عاقبه الله تعالى بسطوة عقابه في الدنيا كجزاء لمعصيته لربّه. ٢- كما لا نستطيع حصر تحقق العدل الالهي في الدنيا دون الآخرة؛ إذ كم من محسنٍ ابتلاه الله تعالى بفجيع الابتلاءات رفعًا لمنزلته، وكم من عاصٍ غمره الله تعالى بوافر نعمه إمهالاً له. وإلى الأمرين أشارت السيدة زينب (عليها السلام)؛ فالمغرمة أي: الغرامة قد يدفعها العاصي -الذي هو الطاغية يزيد- في الدنيا، كما حصل له لما أصابه من الذل رغم كونه حاكمًا، ومعاداة المؤمنين له، قال تعالى متوعدًا الظالمين: {فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِين} (1). وفي الآخرة فسيدفع الغرامة حتمًا، وهي خضوعه للسطوة الإلهية بالعذاب العظيم، على سُنّة {أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُه}(2)، هذا على فرض قصد السيّدة (عليها السلام): "لتجدنَّ مغرما" حسب ما هو عليه في بعض النسخ. وعقيدتنا في عدل الله تعالى: "إن الله جل جلاله عدل كريم لا يعذب أحدا إلاّ على ذنب اكتسبه أو جرم اجترمه أو قبيح نهاه عنه فارتكبه" (3). أمّا النسخ الأخرى فورد أنّها قالت "لتجدنا مغرما" فمنطوق الجملة يشير إلى كون آل الإمام الحسين (عليهم السلام) هم الذين يغرِّمون الطاغية (عليه لعنة الله) في ساحة المحكمة الإلهية، حيث سبق وأن قالت له "وَ حَسْبُكَ بِاللَّهِ وَلِيّاً وَحَاكِماً وَبِرَسُولِ اللَّهِ خَصِيماً وَبِجَبْرَئِيلَ ظَهِيرا"، فتقام الدعوى، والحاكم فيها الله تعالى والمجني عليه فيها حبيب الله محمد (صلى الله عليه وآله)؛ إذ لم يرع القوم بعده إلاًّ ولا ذمة في آل محمد (عليه وعليهم السلام) منذ يوم السقيفة إلى يوم الطف ولازال مستمرا، وجبرائيل فيها مؤيّد وشاهد. وعليه، سيكون الحكم الإلهي هو تنفيذ قوله تعالى: {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعا} (4). بهذا التمثيل أعطت السيّدة زينب (عليها السلام) بالمنطوق درسًا عقائديًا في عدالة الله الواحد الأحد، تبيّن فيها كفر الطاغية يزيد وضلاله وظلمه بالمفهوم؛ حيث إنّ الظالم متعدٍ عن حدود الله تعالى. ■الناحية الثانية: الناحية الأخلاقية إنّ كلّ من يتصف بغير أخلاق الدّين المحمدي فهو جاهلي، والظلم خلق بعيد عما يدعو إليه الإسلام، والطاغية يزيد (عليه لعنة الله) هكذا، فبظلمه للإمام الحسين وآله (عليهم السلام) يكون من كبار الظالمين، وحيث إنّ السيّدة زينب (عليها السلام) قالت في هذا الآن: "ولئن اتّخَذْتَنا مَغْنَماً، لَتجِدَنّا وشيكاً مَغْرما"، فباتخاذ الطاغية لآل الإمام الحسين (عليه السلام) كغنائم حربٍ يدلّ على أنّه ظالم، والظالم لا أخلاق له؛ حيث إنّه تعامل مع آل الإمام الحسين (عليه السلام) كتعامله مع الغنائم، فغنائم الحرب هي تلك الأشياء التي تؤخذ من جيش العدو، أمّا الطاغية يزيد فاعتبر آل الإمام الحسين (عليهم السلام) غنائم حربٍ، وإلاّ لا سلطان له عليهم بعد أن أمر جيشه بقتل الإمام الحسين (عليه السلام). لكن الأخلاق القبيحة تفرعت عن أصله الذي ربّاه ونصبه للخلافة، كيف لا، وهو فرع الشجرة الملعونة التي أشار إليها الله تعالى في كتابه الكريم بقوله: {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَار} (5)، بل كيف لا يكون خبيث الخلق وقد تفوّه بصريح العبارة بانتقامه من آل النبي (عليه وعليهم السلام) حينما قال: "ليتَ أشياخي ببـدرٍ شَهِـدوا *** جَزَعَ الخزرجِ مِن وَقْعِ الأسَلْ فأهَلَّـوا واستَهـلُّـوا فَرَحـاً *** ثمّ قالـوا: يا يزيـدُ لا تُشَلّْ! لستُ مِن خِنْدَفَ إنْ لم أنتقـمْ *** مِن بني أحمدَ ما كان فَعَـلْ". وبهذا يتضح أنّ فطرة الطاغية يزيد (عليه لعنة الله) ملوثة بالأصل، ولم يتخلق بخصلةٍ من خصال المسلم العادي، فعلى الإسلام السلام إذا كان حاكمه -إن كان حاكمًا- بهذا الخلق القبيح. ولهذا روى آل محمد عن جدّهم (عليهم السلام) أحاديث كثيرة في الظلم، ولعلّهم تذكروا كلّ ظالمٍ لمحمدٍ وآله، حينما قالوا مرويًا عنهم: "قَالَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه) اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّهُ ظُلُمَاتُ يَوْمِ الْقِيَامَة" (6). بل وأشاروا (عليهم السلام) إلى هول عاقبة من يتصدى لإيذاء أولياء الله تعالى، وحتمًا يزيد منهم، حيث روي عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: "قَالَ أَبُو عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ أَيْنَ الصُّدُودُ لأوْلِيَائِي فَيَقُومُ قَوْمٌ لَيْسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ لَحْمٌ فَيُقَالُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ آذَوُا الْمُؤْمِنِينَ وَنَصَبُوا لَهُمْ وَعَانَدُوهُمْ وَعَنَّفُوهُمْ فِي دِينِهِمْ ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى جَهَنَّم" (7). فإذًا كانت جهنم مصير كل ظالم تعدّى على أولياء الله تعالى، فما بالنا بمصير من تعدّى على صفوة الله تعالى؟! ■الناحية الثالثة: الناحية البلاغية الأسلوب الملحوظ في هذا المقطع هو التوكيد، والقصر. فأما التوكيد ففي كلمة "لتجدَنَّ -حسب بعض النسخ-"، حيث أكدت السيدة زينب (عليها السلام) ايجاد الطاغية لعقابه بنون التوكيد الثقيلة، هذا فضلاً عن شدة الإيمان في العدل الالهي، فهو أسلوب بلاغي يستعمل لتأكيد المعنى. وأما أسلوب القصر فتجسد في قولها (عليها السلام): "لا تجد إلاّ ما قدّمتَ" فبدلاً من أن تقول الجملة مجردة: (تجد ما قدمت) قالتها مع أداتي النفي والاستثناء، وهذا القصر هو "قصرٌ حقيقي يختص فيه المقصور بالمقصور عليه ولا يتعدى غيره في الواقع" (8)، أي إنّه لن يجد إلّا أعماله. _______________ (1) البقرة: 193. (2) الكهف: 87. (3) أوائل المقالات: للشيخ المفيد، ص61. (4) البقرة: 165. (5) ابراهيم: 26. (6) الكافي: للشيخ الكليني، ج2، باب الظلم، ح10. (7) المصدر نفسه، باب من آذى المسلمين واحتقرهم، ح2. (8) ظ: البلاغة الواضحة: لعلي المصطفى ومصطفى أمين، ص219. وسلامٌ على الحوراءِ ما بقيَ الدهرُ وما أشرقتْ شمسٌ وما طلعَ البدرُ سلامٌ عـلى القلبِ الكبيرِ وصبرِهِ بما قدْ جرتْ حزنًا لهُ الأدمعُ الحمرُ

البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلام
منذ سنة
1560

معرفة المرأة بالله سبحانه وأثرها في معرفة القضية الحسينية (١)

بقلم: علوية الحسيني نحن نعلم أنّ لكل شيءٍ كمالًا، وكمال الدّين معرفة الله تعالى، والعاقل من بني البشر يرغب بنيل الكمال، فكما الرجل يرغب بنيل تلك المعرفة كذا المرأة؛ لصالحية العمل المستمدة من الآية الكريمة: { أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى}. تتجلى أهميّة هذا البحثِ في ربط العقيدة بالعمل الفقهي أو الأخلاقي، من خلال معرفة رأس هرم كل من الطرفين، فرأس هرم العقيدة هو توحيد الله تعالى ويكون بمعرفته سبحانه، ورأس هرم العمل -فقهيًا كان أم أخلاقيًا- هو الامتثال لأوامر الله تعالى والتخلّق بأخلاقه يكون بمطلق الإذعان والتسليم، والصبر على الضراء. ويؤيد ذلك ما روي عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السَّلام) أنه قَالَ: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي فَضْلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مَا مَدُّوا أَعْيُنَهُمْ إِلَى مَا مَتَّعَ اللَّهُ بِهِ الْأَعْدَاءَ مِنْ زَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ نَعِيمِهَا، وَ كَانَتْ دُنْيَاهُمْ أَقَلَّ عِنْدَهُمْ مِمَّا يَطَئُونَهُ بِأَرْجُلِهِمْ، وَ لَنُعِّمُوا بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ (جَلَّ وَ عَزَّ)، وَ تَلَذَّذُوا بِهَا تَلَذُّذَ مَنْ لَمْ يَزَلْ فِي رَوْضَاتِ الْجِنَانِ مَعَ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ. إِنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) آنِسٌ مِنْ كُلِّ وَحْشَةٍ، وَ صَاحِبٌ مِنْ كُلِّ وَحْدَةٍ، وَ نُورٌ مِنْ كُلِّ ظُلْمَةٍ، وَ قُوَّةٌ مِنْ كُلِّ ضَعْفٍ، وَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ سُقْمٍ". وله أهمية اخرى وهي: إماطة اللثام عن الدور المعرفي لرؤوس أهرام العقيدة والعمل الذي ممكن أن تصل إليه المرأة، وعدم حصر ذلك بالرجال، وهذا ما يدل على احترام وتوقير الدّين الإسلامي -من بين سائر الأديان- للمرأة. لقد حكى لنا التاريخ نماذج نسوية يقتدى بهنّ وصلنَ إلى درجة المعارف الإلهية، وانموذج بحثي اليوم من بعد السيدة الزهراء (عليها السلام) السيدة زينب (عليها السلام) أتاح للنساء فرصة إمكانية الولوج إلى عالم المعرفة الإلهية، حيث استمدت السيّدة علومها من أمها وأبيها (عليهما السلام) سادة التوحيد. فحكى لنا التاريخ نموذجًا صالحًا، بلغ مقام المعرفة بالله تعالى حتى انعكست الأشعة الذهبية من تلك المعرفة على عملها في السراء والضراء، لاسيما ما حصل من أحداث السبي وكربلاء. وعليه، تناولت في بحثي هذا معرفتين مهمتين هما: المعرفة بالله سبحانه وتعالى، والمعرفة بالقضية الحسينية، ودور المرأة في كلّ معرفة استقلالًا، ثـم بيّنت أثر المعرفة الاولى في الثانية ودور المرأة في توظيف ذلك الأثر. وكانت السيّدة زينب (عليها السلام) انموذج بحثي هذا، ومنه انطلقت لبيان نقاط اقتداء النساء في عصرنا هذا بالسيّدة (عليها السلام) في التبحر في المعرفتين أعلاه، ومعرفة دورها كجزء من المجتمع. هدفي من البحث هو النهوض بالعنصر النسوي، وتحفيز إبداعهن في شتى مجالات الحياة، لينشرنَ العلم والوعي، منطلقاتٍ من مبدأ رصين الأساس، ثمر النتاج، شديد الأهمية، ذلك المبدأ هو مبدأ السيّدة الحوراء (عليها السلام). البحث كان على ثلاثة مطالب: الأول منه انفرد بمعرفة الله سبحانه، وبيّنت فيه حدود تلك المعرفة وفضلها، ثم تطرقت إلى دور المرأة في تلك المعرفة وامكان وصولها للمعرفة الإلهية. والثاني منه انفرد بالمعرفة بالقضية الحسينية، وبيّنت فيه كذلك حدود تلك المعرفة وأهميتها، ثم تطرقت إلى دور المرأة في تلك المعرفة، وتمحور الكلام حول السيّدة زينب (عليها السلام). أمّا الثالث منه فلعدم انفكاك المعرفتين عن بعضهما بيّنت فيه الارتباط الوثيق بين المعرفة بالله تعالى وبين المعرفة بالقضية الحسينية، ثـم عرّجت على بيان كيفية توظيف معرفة السيّدة زينب (عليها السلام) في وقائع القضية الحسينية، وعلى أثر ذلك تطرقت إلى بيان مكانة المرأة اليوم إن أرادت الاقتداء بمولاتها الحوراء (عليها السلام) علمًا وعملاً، فأثبت مقامها الرسالي قرآنيًا، وضرورة مشاركتها للرجال في مهامٍ تنهض بالمجتمع نحو حياة أكثر وعيًا وعلمًا. وفي الخاتمة استصرخت بعض النساء اللواتي يتقاعسن عن القيام بدورهن الوظيفي، ولا يبدين اهتمامهن بمجريات أمور المجتمع، ويدّعين بأنّ الاسلام قد ظلم المرأة وجعل مكانة الرجل أعظم من مكانتها! فمن الطبيعي من تتكاسل عن النهوض بمجتمعها يحتاج لها معرفة بالله تعالى أولاً ثم بالقضية الحسينية وعلم وعمل السيّدة (عليها السلام) ثانيًا، حتى تعرف الدور المناط بها كامرأة. وأسأل الله الواحد الأحد حُسن القبول، وأن يجعله لي منارًا كي أسيرَ في دربِ الموحدين المُخلصين، وأن يضيء بهِ بصيرةَ كلٍّ مَن انغمرَ في عالم المُلكِ، هوَ نِعمَ المولى ونِعمَ المُجيب، وما توفيقي إلاّ باللهِ عليهِ توكلتُ وإليهِ اُنيب. المطلب الأول: معرفة المرأة بالله تعالى، يأتي تباعًا إن شاء الله تعالى في الحلقة ٢.

العقائد
منذ سنة
1613

معرفة المرأة بالله سبحانه وأثرها في معرفة القضية الحسينية (٢)

بقلم: علوية الحسيني المطلب الأول: معرفة المرأة بالله تعالى جاءت الآيات الكريمة والروايات الشريفة حاثة على معرفة الله تعالى، فالآيات رتبت على معرفة الله سبحانه الإيمان بصفاته، وعدله، ونبوته، وخلافته، ومعاده. في هذا المطلب سنعرف حدود تلك المعرفة، وهل بالإمكان أن يكون للمرأة دور في تلك المعرفة؟ أم أنّ المعرفة منحصرة بالرجال دون النساء؟. •الفرع الأول: حدود المعرفة بالله تعالى. إنّ كمال الدِّين هو معرفة الله سبحانه وتعالى، كما قال الإمام سيّد الموحدين علي (عليه السلام): "أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُه" ثم يبيّن الإمام كمال وكيفية معرفة الله تعالى فيقول: "وَ كَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ، وَ كَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُه" (3). والتوحيد هو الاعتقاد بأنّ الله تعالى واحدٌ أحدٌ، ليس كمثله شيء، قديمٌ، سميعٌ، بصيرٌ، عليمٌ، حكيمٌ، حيٌّ، قيومٌ، عزيزٌ، قدوسٌ، قادرٌ، غنيٌّ. لا يوصف بجوهرٍ، ولا جسمٍ، ولا صورةٍ، ولا عرضٍ، ولا خطٍ، ولا سطحٍ، ولا ثقلٍ، ولا خفةٍ، ولا سكونٍ، ولا حركةٍ، ولا مكاٍن، ولا زمان. وأنّه تعالى منزّه عن جميع صفات خلقه، خارج من الحدَّين حدّ الإبطال وحدّ التشبيه. وهذا ما تعتقد به الشيعة الامامية. لكن تبقى مسألة مهمة لابد من الإشارة لها وهي: كيف نعرف ذات الله تعالى؟ الجواب: لا يمكن ادراك كنه ذات الله تعالى عقلاً ونقلاً. فأمّا عقلاً: فالعقل البشري يعجز عن إدراك ماهية الذات المقدّسة؛ لقصور ادراكه، ولابدّ للواصف –العقل البشري- أن يكون إمّا بمرتبة الموصوف -الله تعالى-، أو أعلى مرتبة منه، لكي يصفه، فإن كان الواصف بمرتبة الموصوف فهذا يلزم إحاطة المحاط بالمحيط، وهو باطل. وإن كان الواصف أعلى مرتبةً من الموصوف فهذا يلزم انقلاب الممكن إلى واجب والواجب إلى ممكن، وهو باطل أيضاً. إذاً عقلاً لا يمكن إدراك كنه ذات الله تعالى؛ فالنّاقص لا يوازي الكامل، والعاجز لا يساوي القادر. وأمّا نقلاً: ففي رواية "عن أبي بصير، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): تكلموا في خلق الله ولا تكلموا في الله فإن الكلام في الله لا يزيد إلاّ تحيّرا" (4). ولكن هذا لا يعني أنّ الشيعة الامامية سدّت باب المعرفة بالله تعالى، وعطّلت العقول عن تلك المعرفة، وإنّما للمعرفة درجات، والائمة (عليهم السلام) لم يتركوا شيعتهم دون توضيح لأدنى المعرفة بالله تعالى، حيث روي "عَنْ الْفَتْحِ بْنِ يَزِيدَ عَن أَبِي الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلام) سَأَلْتُهُ عَنْ أَدْنَى الْمَعْرِفَةِ، فَقَالَ: الاقْرَارُ بِأَنَّهُ لا إِلَهَ غَيْرُهُ، ولا شِبْهَ لَهُ وَلا نَظِيرَ، وأَنَّهُ قَدِيمٌ مُثْبَتٌ مَوْجُودٌ غَيْرُ فَقِيدٍ، وأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ" (5). وهذا ما أشارت إليه الآيات الكريمة كقوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَاب} (6). •الفرع الثاني: هل للمرأة دور في المعرفة بالله تعالى؟ ظهور الآية الكريمة {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَاب}(7) يدل على أنّ اولى الألباب يتفكرون في خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وبالتفكر يعرفون الله تعالى من خلال آياته، واولي الألباب يشمل الرجال والنساء، بدلالة السياق الخطابي للقرآن الكريم حينما يريد تكليف الجنسين يعبّر عن ذلك بصيغة الجمع كما هو واضح في آية {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون} (8). إذاً التكليف بإقامة الصلاة لا ينحصر بجنس الرجال دون النساء، بل صيغة الجمع تدل على شمول كلا الجنسين بالتكليف، فكذلك أمر معرفة الله تعالى من خلال مخلوقاته –آيات-، والظهور حجّة، وفي ذلك قوّة للدليل على شمول النساء بإمكانية معرفة الله تعالى. ________________________ (3) نهج البلاغة : 39. (4) التوحيد: الشيخ الصدوق، ب67، ح1. (5) اصول الكافي: الشيخ الكليني، ج1، ب26، ح1. (6) آل عمران: 190. (7) آل عمران:190. (8) النور: 56.

العقائد
منذ سنة
1842

معرفة المرأة بالله سبحانه وأثرها في معرفة القضية الحسينية (٣)

بقلم: علوية الحسيني المطلب الثاني: المعرفة بالقضية الحسينية •الفرع الأول: حدود المعرفة بالقضية الحسينة إنّ القضية الحسينية بحد ذاتها ليست ملفًا حاويًا فقط للمآسي والفجائع كما يراه البعض، بـل فيها جوانب مشرقة، كانت شعاع انطلاق العديد من أبناء الشيعة الإمامية إلى السمو الروحي، والارتباط الحميم الوثيق بين العبد وربّه، لا بل وحتى المستبصرين. فالقضية الحسينية اجمالًا هي حلقةُ وصلٍ بين الإمامة والتوحيد، وعيشٌ يهدف للنصر والتجريد، ومحاربة جورٍ بقلبٍ كالحديد، والحفاظ على معالم الدّين من الانطماس أو التجديد. •الفرع الثاني: هل للمرأة دور في المعرفة بالقضية الحسينية؟ نعم، للمرأة دورٌ في القضية الحسينية بالجانب المأساوي والإشراقي، وخير انموذج السيّدة زينب التي واكبت أخاها الحسين (عليهما السلام). وكان دورها أساسيًا ومفصليًا في معركة الطف وما بعدها، فكانت المثل الأعلى للصمود، وهذا ما تجلّت به صفاتها (عليها السلام)، والتي أهمها: العلم والشجاعة، حيث "كانت ألمع خطيبة في الإسلام؛ فقد هزّت العواطف، وقلبت الرأي العام وجنّدته للثورة على الحكم الاُموي، وذلك في خطبها التاريخية الخالدة التي ألقتها في الكوفة ودمشق، وهي تدلّل على مدى ثرواتها الثقافية والأدبية. لقد نشأت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) في بيت الوحي ومركز العلم والفضل، فنهلت من نمير علوم جدّها وأبيها وأخويها، فكانت من أجلّ العالمات، ومن أكثرهنَّ إحاطة بشؤون الشريعة وأحكام الدين [وهذا الدور يشير إلى أهمية التربية الصالحة وحصاد نتاجه]" (9). ومما امتازت به البلاغة، فما خطبتها إلاّ دليل بلاغتها، فقد استخدمت أساليب البلاغة، كالتلميح والتصريح، والبديع، والتشبيه، المعاني، والكناية، والمجاز، والاستعارة، وغيرها. كما جسدت الصبر، فقد مثلت صبر أبويها (عليهما السلام). ونلحظ تعاليها على الظالم، فما جلوسها في ناحية إلاّ دليل على تعاليــها على اللعين وشرذمته، إلاّ أنّ اللعين يبدو أنّه قد اكتسى بثوب الذلة حينما تتجاهل أصـل وجوده، بل وسؤاله امرأة سبية، "فنظر اللعين ابن زياد الى الحاضرين أمامه وتفحص كلا منهم بنظرة، ثم تساءل عن هذه المنحازة وحدها ومعها نساؤها وهي شامخة الرأس عالية، فلم تجبه العقيلة السيدة زينب، فأعاد تساؤله ثلاثا دون ان ترد عليه، فقال بعض امائها، هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبنت الإمام علي (عليه السلام)". لعمري ما أصعبه من موقفٍ على اللعين ابن زياد وقد مسحت كرامته أرضاً بسكوتٍ من أميرة الكلام (عليه السلام)، فكيف به لو تكلّمت ؟ ولهذا كان لتعاليها -سكوتها- (عليها السلام) ردّة فعلٍ من ذلك اللعين "فقال متشفيًا فيها: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم". فمن خلال ذلك كلّه يكون بإمكان المرأة معرفة بالقضية الحسينيّة بالاقتداء بالنهج الزينبي. ___________________ (9) السيدة زينب (عليها السّلام) رائدة الجهاد في الإسلام: باقر شريف القرشي، 46.

العقائد
منذ سنة
1332

شبهاتٌ حول مذهب التشيّع/ في النبوّة (6)

بقلم: علوية الحسيني قال منكرو بعثة الأنبياء: "من القبيح عقلاً اتِّباع رجل مثلنا يأكل ويشرب ويمشي في الأسواق يعطى صفة النبي، وحيث لا مائز بينه وبيننا فلا يجب اتبّاعه". والجواب عن هذه الشبهة سيكون ضمن المطالب التالية: المطلب الأول: جذور هذه الشبهة. هذه الشبهة قد تناولها القرآن الكريم، حينما اتهموا النبي نوح (عليه السلام) بأنّه بشر مثلهم، بل ونعتوه بالجنون، وأنكروا رسالته السماوية، وادّعوا اختصاصها بالملائكة المتصلة بالغيب، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ* فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِين} (1). وفي نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) جرى هذا التهكم؛ حيث قال تعالى حاكيًا عن لسانهم: {وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرا} (2). فتهكمهم واضح بحق النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)، "حتى استفهم الوثنيون فيما بينهم بأسلوب الاستفهام التعجبي، من كون الرسول يماثل المرسل إليهم ببشريته، فرهنوا الإيمان به لو كان مَلَكًا من الملائكة، وهذا زعمٌ منهم" (3). إذًا لهذه الشبهة تأصيل جذري كما لاحظنا في سياق الآيات القرآنية الكريمة، بل ولعلّها سؤالٌ مركوز في ذهن بعض المؤمنين، ولا ضير في طرحه ومعرفة جوابه؛ إذ لا تقليد في الجانب العقائدي، فلو سُئل أحدنا: لماذا النبي بشر؟ وما سبب تفضيله على العالمين إن كان بشرًا مثلهم؟ فيجب أن يكون جوابه موافقًا للكتاب الكريم والروايات الشريفة. وإذا كانت جذور الشبهة بهذا العمق فلابد من بيان جوابها بشكلٍ تدريجيٍّ منتظم. المطلب الثاني: ضرورة إنسانية النبي ومسانخته لمن أُرسل إليهم. إنّ المتأمل في الكتاب الهادي الرشيد، يجد أنّ الآيات الكريمة عديدة في بيان بشرية النبي (صلى الله عليه وآله)، منها: أولًا: آياتٌ صرّحت بكون النبي (صلى الله عليه وآله) بشرًا؛ فأمرَ الله تعالى نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يخبر الناس ببشريّته حصرًا؛ حيث جاء الأمر: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} (4). ثانيًا: آياتٌ جاءت موضحةً لصورة النبي (صلى الله عليه وآله) للمرسلين بأنّه بعضهم، كقوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مــــِنْ أَنْفُسِكُم}(5)، فالمولى استعمل (مِن) التي تفيد التبعيض – كما يقال: الكرسيُّ مصنوعٌ من الخشب، أي إنّ الكرسي خشب-، فالنبي (صلى الله عليه وآله) من بني البشر، له نفس إنسانية مثيل أنفسكم. ثالثًا: آياتٌ تعدّ بشريّة النبي (صلى الله عليه وآله) من المنن العظيمة التي منّ الله تعالى على عباده بها؛ حيث قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِين} (6)، حيث إنّ النبي (صلى الله عليه وآله) لو كان غير بشر (مَلَكًا) لما استطاع يعلّم الناس علوم الدّين الإسلامي القويم؛ لأنّ المَلَك غير مرئي -في عالم الدنيا-، فبعث الله تعالى نبيّه بشرًا لتسهيل عملية هداية الناس، وليكون هو (صلى الله عليه وآله) قدوة لهم، فيقتدوا بشخصٍ يرون أفعاله، ويسمعون كلامه، حتى جعل الله تعالى قول وفعل وسكوت النبي (صلى الله عليه وآله) حجّة. رابعًا: آياتٌ تبيّن صفات النبي (صلى الله عليه وآله) البشرية، ومنها: 1/ النبي يحتاج إلى الله تعالى، قال تعالى: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّه} (7). 2/ النبي يموت، قال تعالى: { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُون} (8). 3/ النبي ينام، قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَه} (9). 4/ النبي يلبس الملابس، قال تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّر} (10). 5/ النبي يفقر ويغنى، قال تعالى: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} (11). 6/ النبي يتعلم من الله تعالى، قال تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك} (12). إذ "المراد بشرح صدره (صلى الله عليه وآله) في الآية جعله واسعًا لتلقي المعارف الإلهية الموحاة إليه" (13). 7/ النبي يأكل ويمشي، قال تعالى: {وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاق} (14)، وهذه الآية وإن استشهدوا بها لتأييد شبهتهم إلّا أنها على كل حال تدل على صفات النبي (صلى الله عليه وآله) البشرية، من مشيه، وأكله. فعقيدتنا في النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه بشرٌ مثلنا، إلاّ أنّ الله تعالى اصطفاه واجتباه؛ لاتصافه بصفات لا يدانيه بشر فيها. وإلى هنا يزداد التمسك بالشبهة، وما سلف أعلاه كان أشبه بالمؤيّد لها، فيبقى السؤال قائمًا: إذا كان النبي (صلى الله عليه وآله) بشرًا مثلنا فلماذا هو نبي دوننا؟ الجواب سيتكفل ببيانه المطلب التالي. المطلب الثالث: أفضلية النبي (صلى الله عليه وآله) في العوالم نعتقد كشيعة امامية أنّ الله تعالى لا يجبرنا على الأعمال الحسنة والسيئة، ولا يفوّض مطلقًا إلينا اختيارها، وإنّما أمرٌ بين أمرين. فأفضلية النبي (صلى الله عليه وآله) كان للنبي دخالة في تكوينها، مع جريان المشيئة الإلهية، في جميع العوالم. والتفصيل: أولاً: أفضلية النبي في عالم الملكوت. ففي عالم الذر، المسمى بعالم الملكوت، خلق الله تعالى مخلوقاته على هيئة أرواح، نثرهم وسألهم: مَن ربّكم؟ فأخذت جميع الأرواح تتأمل، ونطق أولها قائلاً: الله ربّي، وكانت تلك الروح هي روح النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) فكانت أول المسلمين بالله تعالى، فكان هذا من أهم أسباب أفضلية النبي في ذلك العالَم -الذر-؛ قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِين} (15)، وجاء في تفسير هذه الآية "أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) أول المسلمين؛ لأنّه أول من أجاب في عالم الذر فكان إسلامه متقدمًا على إسلام الخلائق كلّهم" (16). كما أنّ الجانب الروائي جاء عاضدًا لذلك؛ حيث روي عن أبي عبد الله (عليه السلام): "... فَلَمَّا أَرَادَ الله أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ نَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ مَنْ رَبُّكُمْ فَأَوَّلُ مَنْ نَطَقَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه) وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلام) وَالائِمَّةُ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِمْ فَقَالُوا أَنْتَ رَبُّنَا..." (17). وبالتالي، يكون أول من أسلم بربوبية الله تعالى أفضل من غيره الأنبياء والأوصياء، فحمّله ربّه العلم جزاءً له. ثانيًا: أفضلية النبي في عالم المُلك. ففي عالم الملك -عالم الدنيا- لا غبار على أفضلية النبي (صلى الله عليه وآله)، حيث أعطاه الله تعالى منصب النبوة؛ لعلمه تعالى الأزلي بأنّ هذا الشخص يستحق كافة الكمالات، فأنزل عليه من الوحي لبيان أصول وفروع وأخلاق الدّين الإسلامي، فصار رسولًا ونبيًّا، رغم بشريّته إلاّ أنّه تميّز عن سائر البشر بما مرّ من مواقف، قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا} (18). ونرى تأكيدًا من الله تعالى على بيان أنّ الوحي النازل على النبي الإنسان هو وحيٌ إلهي؛ لأنه تعالى بعلمه الأزلي كان يعلم أنّ هناك من سيحاول التشكيك في مصدر الوحي النازل على النبي (صلى الله عليه وآله). وفعلاً "زعم بعض الذين حاولوا الجمع بين تصديق الانبياء والأصول العلمية الحديثة المادية بأنّ الوحي نتيجة النبوغ، وزعم المستشرق مونتييه بأنّ الوحي هو تجلي الأحوال الروحية، وزعم بعض الغربيين بأنّ الوحي هو ظهور الشخصية الباطنة للنبي، وقد دحضت تلك النظريات"(19). وما ختْم الله تعالى النبوة والأديان بالنبي محمد (صلى الله عليه وآله) وبدينه إلاّ خير دليلٍ على الأفضلية؛ لعالمية دينه، وشموليته رسالته، ومحمودية مقامه عند خالقه، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون}(20). ثالثًا: أفضلية النبي في عالم المعاد. ففي يوم الحساب يتجلى لنا موقف آخر يبيّن لنا أفضلية النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)، حيث يكون شاهدًا على أمته أثناء حسابهم، قال تعالى: { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدا} (21)، فجعل الله تعالى له كشهيدٍ على أعمال أمته دليل على تمييزه وتفضيله منزلةً عند خالقه. المطلب الرابع: النهج النبوي في رد الشبهة. حتمًا أنّ النبي محمد (صلى الله عليه وآله) يأخذ نهجه من الله تعالى عن طريق الوحي، فهو لا يقول شططًا، ولا يفعل سفهًا؛ لعصمته. فجاءت الأوامر الإلهية له بأنّ يوضح لمنكري نبوّته، أو أفضليته، أو المستنكرين انسانيته، بأن يهجرهم؛ قال تعالى: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِين} (22). وما هجره لهم إلاّ بعد العمل على هدايتهم ورفضهم، فالنبي (صلى الله عليه وآله) بيّن معالم النبوّة ووجوب الإيمان بها، وخطورة الكفر بها، إلاّ أنّ القوم ران على قلوبهم فحجبوا عنها معرفة الحق، ولهذا رفع الله تعالى عن نبيّه (صلى الله عليه وآله) اللوم بتركه لهم؛ قال تعالى آمرًا نبيّه: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُوم}(23)، وعدّ ذلك تنزيهًا لنبيّه عن مجادلة الجاهلين لمقامه، قال تعالى: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين} (24). وهذا النهج يكشف لنا عن ركاكة الشبهة، وإلاّ لما صدر الأمر الإلهي بتجاهل من ينكر أفضلية النبي (صلى الله عليه وآله) الواضحة وضوح الشمس، وثبت أنّهم معاندون ليس إلّا، ولا يقبح اتباع النبي (صلى الله عليه وآله) لأنّه أفضل، إنّما القبيح عقلاً هو اتباع المفضول، وحيث إنّه لا فاضل إلاّ النبي (صلى الله عليه وآله) إذًا وجب عقلاً اتباعه. _________________ (1) الأعراف: 59. (2) الفرقان: 7. (3) ظ: الميزان في تفسير القرآن: للسيّد محمد حسين الطباطبائي، تفسير سورة الفرقان، آية: 7. (4) فصلت: 6. (5) التوبة: 128. (6) آل عمران: 164. (7) الأعراف: 188. (8) الزمر: 30. (9) المزمل: 20. (10) المدثر: 4. (11) الضحى: 8. (12) الانشراح: 1. (13) ظ: المصدر السابق، تفسير سورة الانشراح، آية: 1. (14) الفرقان: 7. (15) الأنعام: 163. (16) ظ: تفسير الصافي: للشيخ محسن الفيض الكاشاني، تفسير سورة الأنعام، آية: 163. (17) الكافي: للشيخ الكليني، ج1، باب العرش والكرسي، ح7. (18) الكهف: 110. (19) راجع الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل: للشيخ حسن العاملي، ج3، ص131-146. (20) التوبة: 33. (21) النساء: 41. (22) الأعراف: 93. (23) الذاريات: 54. (24) الأعراف: 199. وصل اللّهم على سيدنا في الوجود، صاحب لواء الحمد والمقام المحمود، محمد وآله الطاهرين أولي الكرم والجود.

العقائد
منذ سنة
1074

نريد وطنًا بعقيدة

بقلم: علوية الحسيني إنّ مجريات الوضع الراهن في العراق هي من موجبات إدخال الأسى على قلب حجّة الله على الأرض الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)؛ لأسبابٍ عديدة منها كونهم شيعته، وكون الدولة دولة حكومته العادلة. وبالتالي فإنّ كلّ فعلٍ أو ردّة فعلٍ من شيعته عمومًا، ومن شيعة العراق خصوصًا يغضبان الله تعالى ويغضبانه. وما نعرفه أنّ هيكلية الدّين الإسلامي عبارة عن ثلاثية لا ينفك بعضها عن بعض: 1/ أصول الدّين، وهي رأس المثلث، وتسمى بالعقيدة، التي تعنى بالاعتقاد بتوحيد الله تعالى، وعدله، وبنبوّة الأنبياء وتنزيههم عن المعصية، وبإمامة الأئمة وتنزيههم كذلك، وبالمعاد الذي هو يوم الحساب. 2/ فروع الدّين، وهي ما يسمى بعلم الفقه، الذي يعنى ببيان الأحكام الشرعية (واجب، حرام، مستحب، مكروه، مباح) في عبادات الإنسان ومعاملاته. 3/ أدبيات الدّين، وهي ما يسمى بالأخلاق، الذي يعنى بالتخلق بأخلاق القدوة الحسنة، محمدٍ وآل محمد (عليهم السلام). وبالتالي لو تخلّق المؤمن الشيعي بأخلاق الصفوة (عليهم السلام)، وأدّى تكاليفه الشرعية، لكنه جهل بأصول دينه –بعقيدته- لم يكن إيمانه كاملاً؛ لأنّه أخلّ بهيكلية النظام الدّيني الإسلامي. وفي يومنا هذا رأينا الحرق، والخراب، والدمار، والرقص، والغناء، والبهتان –اتهام الشخص بما ليس فيه-، فضلاً عن الغيبة، وسوء الظن، والتطاول على المرجعية أو التدخل في شؤونها، إن لم يزد على ذلك اتهام الله تعالى بالظلم لعباده!. وهذا وإن كان ردّة فعلٍ، وليس فعلاً دائميًا، إلاّ أنّه لا مسوّغ له بتاتًا؛ إذ يكشف عن عقيدةٍ مطعونة برماح الجهل بها، أو التشكيك فيها، أو الغفلة عنها. فحينما نردد كلمة (نريد وطنًا) يجب أن تكون عقيدتنا شامخة، هي منبع أقوالنا وأفعالنا. *فاتهام الله تعالى بالظلم لعباده، هو طعنٌ بعقيدتنا بثاني أصول الدّين وهو العدل الإلهي، وهذا سلوك خطير للغاية، مؤداه إلى الكفر –والعياذ بالله-؛ لأنّ الله تعالى عادلٌ لا يحيف في حكمه، ولأنّ الظلم قبيح، فامتنع على الله تعالى فعل القبيح. إنّ فهم مجريات الأحداث على أنّها ظلمٌ من الله تعالى هو فهمٌ قاصر ساذج، لا يصدر من مؤمن اثني عشري، قد نهل عقيدته من العترة المحمدية. فالظلم متحققٌ من العباد لأنفسهم، لا من الله تعالى، يقول تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون}(1). ويقول تعالى منزّهًا نفسه عن الظلم لعباده، جاعلاً لهم البلاء جرس تنبيهٍ لهم لعلّهم يرجعون إلى طريق الله تعالى واستشعار معيّته، {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون}(2). سكوتنا على الفساد الفكري والأخلاقي لا مبرر له شرعًا، ومن موجبات ظلم النفس وتعريضها للسطوة الإلهية؛ لأنّ الإنسان كخليفةٍ لله على الأرض يتعيّن أن يعمّ الصلاح والخير على نفسه ومجتمعه، ليليق بمنصب الخلافة، ومن يفعل غير ذلك فهو لضعفٍ أو جهلٍ في عقيدتنا في غرض الله تعالى في إيجادنا، ولهذا انتشر الفساد بكافة أقسامه –حتى المالي- في البر والبحر؛ نتيجة تهاون المجتمع بالتصدي للتعاون مع المختصين بالقضاء على الفساد الفكري ومحاربة البدع والشبهات. ونتيجة تهاون المجتمع أيضًا لردع الفساد الأخلاقي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة بالموعظة الحسنة. فما بال ثورتنا اليوم مقتصرة على الفساد المالي فقط؟!. ثم إنّ اقتصارها على هذا الفساد لا مدخلية له بظلم الله تعالى بتاتًا، فيبقى ظلم العباد لأنفسهم متحققًا على كلّ حال. *أمّا الرقص، والغناء، والبهتان، والغيبة، وسوء الظن، فهو طعنٌ بعقيدتنا في توحيد الله تعالى بالطاعة؛ إذ بهذه السلوكيات نطيع الشيطان، ونقرن طاعته بطاعة الرحمن، يقول الله الواحد الأحد في كتابه الكريم: {كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَان}(3). فاتباع خطوات الشيطان يعني الطاعة والموالاة له، ومن والى الشيطان فقد أشرك بموالاة الله الواحد، يقول تعالى: { وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينا}(4)، والخسران المبين هو خسران الدنيا والآخرة، فأمّا في الدنيا فإنّه يزيّن لأتباعه الفواحش ليرتكبوها، وما يترتب على الغناء والرقص والتسافل الروحي إلاّ ارتكاب الفاحشة، أو حتى التفكير فيها، يقول تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاء}(5). وعقيدتنا في الله تعالى أنّه صادق في قوله، فكلّ ما جاء في الآيات صدقٌ، إذًا تعيّن ضعف عقيدة كلّ من أقدم على ذلك. وأما في الآخرة فالمثوى جهنم وبئس المصير. وهكذا بالنسبة للغيبة والبهتان وسوء الظن فهو عدم طاعةٍ لأوامر الله تعالى الذي أمرنا بالاجتناب عنها؛ قائلاً: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ، وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضا}(6). وبالتالي لا يقدم على ذلك أحد إلا لضعفٍ في عقيدته في طاعة الله تعالى. *وأما التطاول على المرجعية أو التشكيك في كلامها والتدخل في شؤونها، فهو طعنٌ بعقيدتنا في الإمامة، وحصرًا في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، الذي أخبر آخر سفرائه بوجوب رجوع شيعته إلى رواة حديثهم، ومنهم نائب الإمام (عليه السلام) في حال غيبته، "وهو الحاكم والرئيس المطلق، وله ما للإمام في الفضل في القضايا والحكومة بين الناس، والراد عليه راد على الامام، والراد على الامام راد على الله تعالى، وهو على حدّ الشرك بالله، كما جاء في الحديث عن صادق آل البيت عليهم السلام"(7). أمّا الحرق، والتخريب، والدمار، هو فطعنٌ بعقيدتنا في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بعدم الحفاظ على دولته. روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) موضحًا عاصمة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) برواية مطلقة مفادها: "كأني بالقائم عليه السلام على نجف الكوفة، وقد سار إليها من مكة في خمسة آلاف من الملائكة، وجبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن شماله، والمؤمنون بين يديه، وهو يفرّق الجنود في البلاد"(8). فالوطن الذي يقدسه وليّ الله المنقذ، والملائكة، لهوَ خير وطنٍ ويجب الحفاظ عليه بكل ممتلكاته ومبادئ دينه. كما وأنّ هناك نصوصًا روائية حددت محل عاصمة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بأنّها الكوفة، منها رواية المفضل بن عمر عن الإمام الصادق (عليه السلام): قال المفضل: قلت: يا سيدي فأين تكون دار المهدي أو مجتمع المؤمنين؟ قال عليه السلام: دار مُلكه الكوفة، ومجلس حُكمه جامعها، وبيت ماله ومقسم غنائم المسلمين مسجد السهلة، وموضع خلواته الذكوات البيض من الغريين"(9). فالمجتمع الذي فسدت عقيدته، أو تعمّد الجهل فيها لا خير فيه حتى وإن حصل مواطنوه على متطلبات حقوقه، وليس الجهل العقائدي هو المعهود من شيعته ومنتظريه، فكل ما نريده وطنًا بعقيدة. نعم، حق التظاهر والمطالبة بمطاليب مشروعة مكفول دستوريًا؛ لما جاء في الدستور الوضعي العراقي سَنًّا لذلك الحق: "تكفل الدولة وبما لا يخل بالنظام العام والآداب: ...حرية الاجتماع والتظاهر السلمي وتنظم بقانون"(10) لكن بما لا يخل بالعقيدة، تعمدًا بالجهل، أو تماهلاً في التثقيف. فوطنٌ أبناؤه يجهلون ببعض عقائدهم لا نفع في خيراته المادية، ومن هنا يتضح أنّ هناك خيرات معنوية للوطن يجب أن نطلبها من الله تعالى للوصول إلى الكمال لحين زمن الظهور، واكتساء الوطن بالشرافة على جميع الأوطان، فلنردد (نريد وطنًا عقائديًا). فمن الثبات على العقيدة، والتثقف فيها تطبق فروع وأخلاقيات الدّين، وبالتالي لا غش، ولا فساد بكافة أقسامه، ولا اختلاس، ولا تزوير، وهلم جرًا من السلبيات المنتفَض ضدها. _______________ (1) النحل: 118. (2) الروم: 41. (3) البقرة: 168. (4) النساء: 119. (5) البقرة: 268. (6) الحجرات: 12. (7) عقائد الامامية: للشيخ المظفر، ص34. (8) البحار الأنوار: للعلامة المجلسي، ج52، ص337، عن إرشاد الشيخ المفيد. (9) المصدر نفسه، ج53، ص11. (10) الدستور العراقي، م38، ف3. اللّهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدُّنيا أكبر همّنا، واجعلنا من الممهدين المناصرين، بحق محمد وآله الطاهرين.

العقائد
منذ سنة
1203