علوية الحسيني

تجلياتٌ معرفية في الخطاب المهدوي (4)

بقلم: علوية الحسيني "فَأنْشُدُ اللَّهَ مَنْ سَمِعَ كَلامِي الْيَوْمَ لَمَّا بَلَّغَ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِب" *قوله: (فأنشُد الله) "النشيد: رفع الصوت... فتقول: استحلفتك بالله، وأنشدك بالله إلا فعلت: استحلفك بالله"(1)، فالإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يستحلف مواليه، رافعًا صوته، طالبًا منهم أن يبلّغ شاهدهم غائبهم ما جرى، من الظهور ومجرياته. *وقوله: (مَنْ سَمِعَ كَلامِي الْيَوْم) "مَنْ" يخاطب الامام (عجّل الله فرجه الشريف) العقلاء بغض النظر عن موقفهم، موالين كانوا أم محاججين. "سَمِعَ" فمَن سمع خطبة الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) قد يكون مباشرًا فيسمعه الحاضرون بحاسة السمع، وقد يكون غير مباشر، فيسمعه الحاضرون عن طريق التلفاز، أو الانترنت، أو وسائل التكنلوجيا المتاحة في ذلك الزمن. يذكر أن عصر التكنلوجيا لا زال في تطور مستمر، وسيتطور أكثر زمن الظهور؛ بدليل الحديث المروي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "إنّ المؤمن فــي زمــان القـــائم عليه السلام، وهو بالمشرق يرى أخاه الذي في المغرب، وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي بالمشرق"(2) فكما لم يكن متوقعًا قبل عشرات السنين أن يرى الإنسان الذي في الشرق أخاه في الغرب، أو العكس، ثم تعقّل ذلك؛ نتيجة التطور التكنلوجي، فحصل ذلك بوسائل التواصل الاجتماعي، فكذلك أمر سماعنا خطبة الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) قد يسمعها بتلك الوسائل أو بأحدث منها؛ إذ الرواية تشير إلى تطور تكنلوجي في زمن الظهور، فبه يؤخذ. "كَلامِي" الكلام جمع كلمات، "بلحاظ أنّ كل لغة تحتوي على كلمة بسيطة، ومركبة، وهيأة تركيبية، فالشهادة هي هيأة تركيبية تم ربط كلماتها بحروف فأصبحت جملة تامة"(3) فخطاب الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) هيأة تركيبية من أسماء وأفعال وحروف؛ لذلك سُمي كلمة. "الْيَوْم" إشارة منه (عجّل الله فرجه الشريف) إلى اليوم الذي يلقى خطابه في مكة المكرمة، وهو يوم ظهوره العلني، وقد شخصته بعض الروايات بأنه يوم العاشر من شهر محرّم الحرام، "عن أبي جعفر (عليه السلام): كأني بالقائم يوم عاشوراء يوم السبت قائمًا بين الركن والمقام، بين يديه جبرئيل (عليه السلام) ينادي: البيعة لله، فيملؤها عدلا كما ملئت ظلما وجورا"(4) نعم، بعض الروايات صرّحت أنّ يوم الظهور هو ليلة العاشر من محرم، فيكون من المحتمل أن الظهور ليلة العاشر، والبيعة يوم العاشر. ويوم الظهور يكون يوم الجمعة، لروايةٍ عن أبي عبد الله (عليه السلام قال: ...ويخرج قائمنا أهل البيت يوم الجمعة..."(5) وقد يُقال بالفرق بين الظهور والخروج والقيام؛ "فهناك معنيان يفهمان من لفظة الظهور للإمام المهدي (عليه السلام) المعنى الاول: هو معروفية شخصه الشريف لمجموعة من الناس، خصوصًا أعداءه والتي تسبق عملياته العسكرية بعدة أشهر، وإليه تشير رواية (فاذا ظهر السفياني اختفى المهدي) في غيبة الطوسي 444. أما المعنى الثاني الذي يفهم من لفظة الظهور، فهو الزمن الذي يكون فيه الإمام (عليه السلام) معروفًا لجميع الناس أعم من بداية المعروفية، أو الإعداد والحروب العسكرية من قبيل ما روي (يدخل الصخري الكوفة ثم يبلغه ظهور المهدي بمكة...) في كتاب الفتن ص 218 . أما لفظة القيام للإمام المهدي (عليه السلام) وخروجه، فالكلمتان تشيران إلى قيامه بالعمليات العـسكرية، والحروب، وتطهير الأرض من الظالمين، وهذا ما يستفاد من الروايات من قبيل ما ورد (أنّ الملائكة ... ينتظرون قيام القائم(عليه السلام) الى وقت خروجه عليه صلوات الله وسلامه) في معجم احاديث الامام المهدي(عجل الله فرجه) 4/17 . والمتحصل من ذلك أنّ الظهور يستعمل مرةً استعمالاً خاصًا يشير إلى بدايات الظهور، ومرة استعمالاً عامًا، وهو الأكثر، ويشير إلى الأعم من البداية والخروج. أما الخروج والقيام فيستعملان بمعنى واحد وهو التحرك العسكري"(6) *وقوله: (لَمَّا بَلَّغَ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِب): "لَمَّا" ظرف زمان معناه حين. "بَلَّغَ الشَّاهِدُ مِنْكُم" التبليغ أيضًا يكون بطريق مباشر، أو غير مباشر بواسطة وسائل الإعلام، كأن تتناقل وسائل الإعلام الأخبار. وبالتالي سيكون تكليف الشاهد هو البلاغ فقط؛ بلحاظ كونه رسولًا من الإمام (عجّل الله فرجه الشريف)، وتكليف الرسول هو البلاغ، قال تعالى {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِين}(7) وإنّ من يشهد الخطاب عموم الناس، وقد استعمل الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) الضمير (مـَن) فتكون حتى النساء مشمولات بالخطاب ويكون تكليفهن الإبلاغ أيضا. وتذكر الروايات كيفية اجتماع قادة جيش الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) البالغ عددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً منهم خمسون امرأة. ففي حديث روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ): "إِذَا أُذِنَ الاِْمَامُ دَعَا اللهَ بِاسْمِهِ الْعِبْرَانِيِّ ، فَأُتِيحَتْ لَهُ صَحَابَتُهُ الثَّلاَثُمِائَةِ وَثَلاَثَةَ عَشَرَ ، قَزَعٌ كَقَزَعِ الْخَرِيفِ ، فَهُمْ أَصْحَابُ الاُْلْوِيَةِ. مِنْهُمْ مَنْ يُفْقَدُ عَنْ فِرَاشِهِ لَيْلاً فَيُصْبِحُ بِمَكَّةَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَى يَسِيرُ فِي السَّحَابِ نَهَاراً يُعْرَفُ بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَحِلْيَتِهِ وَنَسَبِهِ. قُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ ، أَيُّهُمْ أَعْظَمُ إِيمَاناً ؟ قَالَ : الَّذِي يَسِيرُ فِي السَّحَابِ نَهَاراً ، وَهُمُ الْمَفْقُودُونَ ، وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ : ﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّـهُ جَمِيعًا ﴾"(8) ولعل سائلًا يتساءل: ألا يكون ذلك نوع من الإعجاز، والحال أنّ المعجزات من مختصات الأنبياء؟ فطريقة اجتماع أصحاب الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) لا يدركها العقل على حد تعبير الرواية. فيُجاب: "يمكن القول: إنَّ طريقة الجمع للأصحاب ستتمُّ من خلال محورين: المحور الأوَّل: ما ذكرته الروايات الشريفة، حيث ذكرت الروايات أنَّ الأصحاب يجتمعون إليه بأمر من الله تعالى، فهناك من يُفقَد من فراشه ليلاً، ليصبح في مكّة المكرَّمة. وأنَّ هناك من الأصحاب من يُحمَل على السحاب، ليصل إلى مكّة المكرَّمة، وهل المقصود الإعجاز بحملهم على السحاب، أو الكناية عن سفرهم بالطائرة؟ الظاهر الأوَّل، والثاني محتمل، والله العالم. المحور الثاني: وهذا المحور نذكره كاحتمال لا أكثر: أنَّ هناك مجموعة من الأصحاب سوف يكونون في مكّة المكرَّمة، بأن يكونوا قد جاؤوا للحجِّ في عام الظهور، وعلموا بطريقة وبأُخرى بأنَّ الإمام سيظهر في العاشر من محرَّم، فأبقوا أنفسهم هناك انتظاراً لساعة الصفر. خصوصاً إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنَّ النفس الزكيَّة سيُقتَل في آخر أيّام موسم الحجِّ، حيث ستكون علامة واضحة لمن ينتظر الإمام، ولا شكَّ أنَّ الأصحاب سيكونون على علم واضح بذلك"(9). "الْغَائِبَ" وهنا نستبعد أن يكون الغائبون هم قادة جيش الإمام (عجّل الله فرجه الشريف)؛ لأنهم أول من يلبّي ويحضر، فيتعين أن يكون الغائب عن الحضور غيرهم. نعم، الجميع سيعلم بقرب ظهور الإمام عن طريق الصيحة السماوية، فيكون من المتعين عليهم أن يتربصوا للظهور العلني، روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): "ينادي منادٍ من السماء باسم القائم (عليه السلام)، فيسمع من بالمشرق ومن بالمغرب، لا يبقى راقد إلَّا استيقظ، ولا قائم إلَّا قعد، ولا قاعد إلَّا قام على رجليه فزعاً من ذلك الصوت...، حتَّى تسمعه العذراء في خدرها فتُحرِّض أباها وأخاها على الخروج"(10)، وموعد الصيحة سيكون في شهر رمضان المبارك ؛ فعنه (عليه السلام) أنه قال: "الصيحة لا تكون إلاّ في شهر رمضان شهر الله وهي صيحة جبرئيل إلى هذا الخلق.(11) بل وجاء تشخيص أهل البيت (عليهم السلام) بصورة أدق في تعيين يوم الصيحة؛ دفعًا للالتباس الحاصل بين تلك الصيحة وصيحة أهل الباطل، ولا ننسى أنّ الزمن سيكون آنذاك زمن هرج ومرج، يفوق أهل الباطل أهل الحق عددا. روي عن الإمام أبو جعفر (عليه السلام): "الصوت في شهر رمضان في ليلة جمعة ليلة ثلاث وعشرين فلا تشكوا في ذلك واسمعوا وأطيعوا، وفي آخر النهار صوت إبليس اللعين ينادي ألا إن فلانا[عثمان بن عفان] قتل مظلوما ليشكك الناس [بأنّ عليًا عليه السلام قد قتله وأخذ الخلافة منه] ويفتنهم، فكم ذلك اليوم من شاك متحير[يتحير في اتباع المهدي حفيد الإمام علي عليهما السلام] قد هوى في النار [إشارةً إلى إتبّاعه لعدو الله ومحاربته لولي الله]، وإذا سمعتم الصوت في شهر رمضان فلا تشكوا أنه صوت جبرئيل وعلامة ذلك أنه ينادى باسم القائم واسم أبيه حتى تسمعه العذراء في خدرها فتحرض أباها وأخاها على الخروج"(12). فالصيحة التي تُعلم الناس بقرب ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) هي صيحة حقّة ، جبرائيلية، سماوية. والصيحة التي تشكك الناس بالإمام هي صيحة ضلالية، إبليسية، أرضية. ومن اتبّع الصيحة الأولى فقد فاز ونجا، ومن اتبّع الثانية فقد خسر وهلك؛ روي عن أبي جعفر (عليه السلام): "لا بد من هذين الصوتين قبل خروج القائم عليه السلام: صوت من السماء وهو صوت جبرئيل، وصوت من الأرض، فهو صوت إبليس اللعين، ينادي باسم فلان أنه قتل مظلوما يريد الفتنة، فاتبعوا الصوت الأول وإياكم والأخير أن تفتتنوا به"(13) فإن قيل: ما فائدة أنّ يناشد الإمام(عجّل الله فرجه الشريف) بأن يُعلم الشاهد منهم الغائب بظهوره وأنّ الصيحة قد أفهمت ذلك جميع العالم كلٌّ بلغته؟ يُجاب بنقطتين: ١- أنّ الصيحة أعلمت العالم بأنّ الحق مع الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) وتأمر باتبّاعه دون أن تشير إلى زمن ظهوره، فهي مجرّد إعلام وليس إعلانًا عن الظهور. في حين أنّ خطاب الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) إعلان عن ظهوره وليس إعلامًا. ٢- إنّ الصيحة تسبق الخطاب المهدوي؛ فالصيحة تحصل شهر رمضان المبارك، والخطاب يحصل في شهر محرّم الحرام. فيتضح أنّه حتى لو كان الغائب عن خطبة الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يعلم سابقًا بمفاد الصيحة ولم يحضر، فتكون مناشدة الإمام للحاضرين بإبلاغ الغائبين عن حضور الخطبة من باب التأكيد على ما سمعوه من الصيحة، وحاشا الإمام من أن يشوب كلامه تحصيل الحاصل الذي يزعمه البعض. ________________ (1) لسان العرب: لابن منظور، ج ٣، ص٤٢٢. (2)بحار الأنوار: للعلامة المجلسي، ج ٥٢، ص٣٩١، ح٢١٣. (3) ظ: دروس في علم الاصول: للسيد محمد باقر الصدر، ح٢، الدليل الشرعي اللفظي. (4) الغيبة: للشيخ الطوسي، ص ٤٥٣، ح٤٥٩. (5 ) الخصال: للشيخ الصدوق، ص٣٩٤، ح١٠١. (6) مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام. (7) النور: ٥٤. (8) الغيبة : للشيخ النعماني، ص ٣١٣، ب ٢۰، ح ٣. (9) على ضفاف الانتظار: للشيخ حسين الأسدي، ص١٢٦-١٢٧. (10)بحار الأنوار: للعلامة المجلسي، ج ٥٢، ص٢٣٠_٢٣١. (11) المصدر نفسه. (12) المصدر نفسه. (13) المصدر نفسه، ح٩٦. أبرز يا ربِّ مشاهدته، وثبت قواعده واجعلنا ممن تقر عيننا برؤيته، وأقمنا بخدمته، وتوفنا على ملته، واحشرنا في زمرته، بحق محمد وآل محمد.

العقائد
منذ 4 أشهر
355

تجلياتٌ معرفية في الخطاب المهدوي(5)

بقلم: علوية الحسيني "وَأسْألُكُمْ بِحَقَّ اللهِ وَرَسُولِهِ وَبِحَقَّي - فَإنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقَّ الْقُرْبَى مِنْ رَسُول اللهِ - إِلاَّ أعْنَتُمُونَا وَمَنَعْتُمُونَا مِمَّنْ يَظْلِمُنَا، فَقَدْ اُخِفْنَا وَظُلِمْنَا وَطُردْنَا مِنْ دِيَارنَا وَأبْنَائِنَا وَبُغِيَ عَلَيْنَا، وَدُفِعْنَا عَنْ حَقّنَا، فَأوْتَرَ أهْلُ الْبَاطِل عَلَيْنَا، فَاللهَ اللهَ فِينَا لاَ تَخْذُلُونَا وَانْصُرُونَا يَنْصُرْكُمُ الله". هنا في هذا المقطع الخطابي، كلام الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) موجه إلى أنصاره، إذ مثلما يوجد من يسمع خطابه من صنف المحاججين، فكذلك يسمعه من صنف الموالين، فيطلب الدعاء منهم والمعونة، ويبين ظلامته، وظلامة أجداده (عليهم السلام). *وقوله: "وَأسْألُكُمْ بِحَقَّ اللهِ وَرَسُولِه" "أسألكم" السؤال هو صيغة تدل على الطلب. وإن قيل: إنّ الإمام أعلى درجةً من مواليه –بالعصمة والجعل الإلهي- فكيف يسأل العالي الداني؟ فُيقال: بأنّ السياق القرآني استخدم هذه الصيغة على لسان النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) من قبيل قوله: {قل لا أسألكم عليه أجرًا إلاّ المودة في القربى}، فها هو النبي (صلى الله عليه وآله) يسأل قومه -موالين ومعارضين- المودة في قربته. فكذا الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) في خطابه مستخدمًا إياها. -"بِحَقَّ اللهِ" حق الله تعالى هو الإيمان بأصول وفروع دينه، والتحلي بأخلاقه المنزلة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، والتي حفظها وبلّغها الإمام (عجّل الله فرجه الشريف). وقد جاءت روايات معبرة عن حق الله تعالى مبيّنةً أنّ ذلك الحق هو العبادة؛ فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "حقّ الله على العباد أن يعبدوه ، ولا يشركوا به شيئا"(1). وأخرى بيّنت أنّ حق الله تعالى هو العلم، والعمل بالعلم؛ روي عن زرارة بن أعين، أنّه قال: "سألت أبا جعفر الباقر (عليه السلام): ما حق الله على العباد؟ قال: أن يقولوا ما يعلمون، ويقفوا عندما لا يعلمون"(2). -"وَرَسُولِه" أما حق رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهو طاعته، والالتزام بأحاديثه، ومن ضمنها حديث الثقلين، الذي اوصى فيه النبي (صلى الله عليه وآله) بالتمسك بالثقل الاكبر -القرآن الكريم-، والثقل الأصغر -أهل البيت عليهم السلام- روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "إني تارك فيكم الثقلين ما إنْ تمسَّكْتُم بهما لن تضلوا؛ كتاب الله المنزل وعــترتي أهل بيتي"(3). -"وَبِحَقَّي فَإنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقَّ الْقُرْبَى مِنْ رَسُول اللهِ" وللإمام (عجّل الله فرجه الشريف) حق خاص على مواليه، منصوص عليه من قبل جدّه رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) وهو حق القربى، فلقرابة الإمام (عجّل الله فرجه الشريف)، ورجوع نسبه الطاهر إلى النبي (صلى الله عليه وآله) شرافة، وتميز وميزة، توجب طاعته والإيمان به؛ حيث سبق وأن أوصى النبي (صلى الله عليه وآله) بقربته امتثالاً لأمر إلهي، حيث قال تعالى على لسان نبيه محمد (صلى الله عليه وآله): {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ}(4). العلاّمة الطباطبائي (قدّس سرّه) في تفسيره لهذه الآية ذكر "أنّ الأمر الذي نَفَته الآية هو الأجرُ على تبليغ الرسالة والدعوة الدينيّة، وعن الإمام الحسن بن عليّ (عليهما السّلام) أنّه خَطَب الناسَ بعد شهادة أمير المؤمنين بن عليّ (عليهما السّلام)، فقال: أنا من أهلِ البيت الذين افترض الله مودّتهم على كلّ مسلم، فقال: قُل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّةَ في القُربى)"(5). وبما أنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) من أهل البيت (عليهم السلام)، فيشمله حق المودة في القربى. وهو (عجّل الله فرجه الشريف) يسأل الناس بحقه عليهم. *وقوله: "إِلاَّ أعْنَتُمُونَا وَمَنَعْتُمُونَا مِمَّنْ يَظْلِمُنَا" متعلق الدعاء او القسم: المعونة ودفع الأذى من الظالمين والاعانة، والمنع من أذى الأعداء يتحقق بالدفاع والنصرة عن أهل البيت (عليهم السلام). *وقوله: "فَقَدْ اُخِفْنَا" والمراد من ذلك ما خاف منه أهل البيت (عليهم السلام) من قبل أعدائهم، وهذا لا ينافي عصمتهم كخيفة النبي موسى (عليه السلام). والمتتبع لسيرة الأطهار محمد وآل محمد (عليهم السلام) يجد أنّ أعداءهم قد أخافوهم وروعوهم من أولهم إلى قائمهم. *وقوله: "وَظُلِمْنَا" قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُون}(6). فجميع أعداء محمد وآل محمد (عليه وعليهم السلام) كذّبوا الله تعالى وآياته؛ تحقيقًا لمصالحهم وأهوائهم. وأشد ظلامة مرّت عليهم (عليهم السلام) هي واقعة كربلاء، وما جرى على الإمام الحسين (عليه السلام)، ونسائه، وعياله، كما هو واضح. *وقوله: "وَطُردْنَا مِنْ دِيَارنَا وَأبْنَائِنَا" كما طُرد الإمام الحسين وأهله (عليهم السلام) من مكة المكرمة، وطرد الامام الهادي وابنه العسكري من المدينة إلى سرّ من رأى. *وقوله: "وَبُغِيَ عَلَيْنَا" بغى الشّخص أي "تجاوَز الحدَّ واعْتَدى ، تسلَّط وظلَم"(7). وكلّ انسانٍ يعقل انّ أشد أنواع الظلم هو الجرأة على حدود الله التي أوضحها في كتابه الكريم أو على لسان نبيّه الأكرم محمد (صلّى الله عليه وآله) ، حيث قال تعالى: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}(8)، أي: أساء إلى حدود الله بالتعرض لسخط الله تعالى ومقته، ونيل سطوته. فحدودُ الله هي حدود محمّد وآله (عليهم السلام)، ومَن تعدّى على تلك الحدود فهو ظالمٌ لامحالة، وقد توعّد الله تعالى الظالمين بقوله تعالى: {قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا}(9). ونِعمَ به سبحانه مِن حكيمٍ ما أعدله. *وقوله: "وَدُفِعْنَا عَنْ حَقّنَا" وأجلى مثالٍ لذلك هو دفع من اجتمع تحت السقيفة حق الخلافة عن الإمام علي (عليه السلام). ودفع معاوية ذلك الحق للإمام الحسن (عليه السلام). ويزيد عن الإمام الحسين (عليه السلام)، وهكذا سائر الأئمة (عليهم السلام). *وقوله: "فَأوْتَرَ أهْلُ الْبَاطِل عَلَيْنَا" لعلّ مراد الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) قطعونا عن أهلنا بالقتل، فأوتروا أهل البيت (عليهم السلام)، كما قالت السيّدة زينب (عليها السلام) للطاغية يزيد: "وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأفة، بإراقتك دماء ذرية محمد (صلى الله عليه وآله) ونجوم الأرض من آل عبد المطلب وتهتف بأشياخك زعمت أنك تناديهم فلتردن وشيكا موردهم ولتودن أنك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت"(10). *وقوله: "فَاللهَ اللهَ فِينَا لاَ تَخْذُلُونَا وَانْصُرُونَا يَنْصُرْكُمُ الله" وهذا مثيل طلب الإمام الحسين (عليه السلام) النصرة من مواليه في واقعة كربلاء، حينما قال: ألاّ من ناصر ينصرنا. فلعل طلب الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) النصرة والمعونة من مواليه حتى يأخذ بثأر من رضي بذلك التخويف، والظلم، والطرد، والبغي، والدفع عن الحق من ذراري أعداء أهل البيت (عليهم السلام). وبما أنّ محمدًا وآل محمد (عليهم السلام) هم أشرف خلق الله تعالى، بل هم بابه تعالى، فتكون نصرتهم نصرةً لله عزّ اسمه وتباركت قدرته؛ فمن ينصر الله فقد نصره الله، قال تعالى في كتابه الكريم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}(11). فظاهر الآية يقول بوجود طرفين، الله تعالى، وناصر الله. وهناك طرف ثالث هو أولياء الله؛ لقرينة خارجية منفصلة، وهي آية كريمة اخرى تقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ}(12). فالنصرة فرع الطاعة، فكما أنّ طاعة الله تعالى ورسوله وأولي الأمر –أهل البيت عليهم السلام- واجبة، كذلك نصرتهم جميعًا واجبة؛ فلازم اللازم لازم. اذًا فالثلاثية في آية النصرة محتملة كما تحتمل الثنائية. وتتحقق النصرة أما بالقول، فلعلّ الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يطلب نصرتنا له بنقل كلامه حين ظهوره، وكيفية محاججته لأعدائه، أو بالرد القولي على كلّ من جحد الإمام ولم يحضر خطبته (عجّل الله فرجه الشريف). أو بالفعل، فلعلّ الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يطلب نصرتنا له بمحاربة الظالمين الجاحدين، ونصرة خليفة ربّ العالمين. أو بالقلب، فلعلّ الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يطلب نصرتنا له بالدعاء الخفي، وهذا الاحتمال وارد لمن يعيش في بلدةٍ مكتظة بمخالفين له في العقيدة، فيشكّل مجرّد التجاهر بالدعاء بالنصرة لإمام الزمان (عجّل الله فرجه الشريف) خطرًا عليه وعلى إمامه، فكيف به لو نصره قوليًّا، أو حتى فعليّا؟!. فتتعيّن عليه النصرة القلبية. وعلى كل حال، كأن الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) هنا يريد تذكير الناس بمظلومية أهل البيت (عليهم السلام)، ويُعلمهم أنّ الإيمان بهم إيمانٌ جمعي، فليس بمؤمن من آمن بالأئمة وأنكر القائم منهم (عليهم السلام)، ومن وقف على إمامة إمامٍ، ورغم ذلك فالإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يعطيهم فرصة للإيمان والتوبة. __________________ (1) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي، ج 3، ص 10. ج 71، ص 3، 11. (2) المصدر السابق: ج2، ص113، ح2. (3) أمالي الطوسي: للشيخ الطوسي، ص161. (4) الشورى: 23. (5) تفسير الميزان: للعلامة الطباطبائي، ج 52، ص18. (6) الأنعام: 21. (7)ظ: القاموس المحيط. (8) البقرة: 229. (9) الكهف: 87. (10) زينب الكبرى (عليها السلام) من المهد الى اللحد: للسيد محمد كاظم القزويني، ص401. (11) محمد: 7. (12) النساء: 59. اللهم عجّل فرجه، وأيّده بالنصر، وانصر ناصريه، واخذل خاذليه، ودمدم على من نصب له، وكذَّب به.

العقائد
منذ شهرين
185

ومضات بمناسبة قرب موعد الامتحانات

بقلم: علوية الحسيني إنّ العلم كمال، وكل كمال لابد له من مسلك يعرج إليه، وسبيل العروج إلى تحصيل العلم ورسوخه في الذهن يتمحور ضمن مراحل من خلالها يتم تأسيس قواعد رصينة تفيد في ترسيخ، وسهولة حفظ، وتدبر العلم، نسرد بعض منها: 1- الغذاء لابد من تغذية الروح أولاً؛ إذ للنفس اقبالٌ وادبار، وتطبّع بالآثار، فقد تتراجع نفس الطالب نتيجة تأثرها بالابتعاد عن الله تعالى، أو بحسد الآخرين، أو بكثرة مراقبته لدرجات زملائه، مما يعطّل عليه عملية تحصيل العلم ورسوخها في الذهن. فلا بد من الارتباط الروحي الوثيق بالله سبحانه وتعالى؛ من خلال الدعاء، وأداء الصلاة، والتقرّب إليه بالوسيلة. ومن الأدعية المجربة التي تساعد على الحفظ ما روي عن النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) أنه قال لأمير المؤمنين (عليه السلام): إذا أردت أن تــحفظ كل ما تسمع وتقرأ فادع بهذا الدعاء في دبر كل صلاة، وهو (سبحان من لا يعتدي على أهل مملكته، سبحان من لا يأخذ أهل الأرض بألوان العذاب، سبحان الرؤف الرحيم، اللهم اجعل لي في قلبي نورا وبصرا وفهما وعلما إنك على كل شيء قدير)(2). كما لابد من تغذية الجسد أيضًا بالغذاء الصحي؛ لتنشيط الذاكرة، وكتب الأطعمة كفيلة ببيان نوع الأغذية ذات الفيتامينات المساعدة على تنشيط الذاكرة، والحفاظ على حيوية الخلايا. 2- الكتابة. أي تقرير الدرس في دفترٍ خاص بأسلوب الطالب، على أن لا يخرج عن المفاهيم العلمية، مستعينًا بشرح الاستاذ، أو معتمدًا على كتب اخرى. وكثيرًا ما نجد الروايات تؤكد على كتابة العلم؛ حفاظًا على المعلومات من الفرار والنسيان؛ روي عن النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله): "قيّدوا العلم. قيل: وما تقييده؟ قال كتابته"(2)، فالتقييد إنما هو لأجل المنع من فرار المعلومة. ولا بد من الإشارة إلى ضرورة اطلاع استاذ المادة على كتابة الطالب –تقريره-؛ للتصحيح والتدقيق بصورةٍ دورية؛ حفاظًا على قلم الطالب من الخروج عن صلب الموضوع، أو خلط المطالب. 3- المباحثة وتتحقق باجتماع مجموعة من الطلاب، وقيام أحدهم بدور الأستاذ، فيشرح لهم الدرس، ويصغي إليه زملاؤه. ولهذه الوسيلة دور كبير في بث روح التعاون، ونبذ البخل العلمي؛ وتبادل المعلومات بين الطلبة، واستغلال الوقت بما هو نافع لهم كطلبة، وبناء شخصيتهم العلمية؛ حيث تؤهلهم للتدريس مستقبلاً، خصوصًا فيما إذا كان الطلاب قد قرروا درسهم؛ فيكون ما يشرحه لهم زميلهم مراجعةً لكن بطريقةٍ حتمًا مختلفة. 4- الدراسة. وهي أن يتولى الطالب دراسة كتابه بنفسه -بعد شرح الاستاذ، والتباحث فيها-، وقد تكون الدراسة شفوية -وذلك بقراءة الموضوع أكثر من مرّة-، وقد تكون تحريرية -بكتابة النقاط والتعريفات في مسودة لغرض الحفظ-. نعم، لابد من تهيئة ظروف مناسبة للدراسة تساعد الطالب على التركيز، وعدم التفكير بشيء سوى درسه، والوعد ببعض الهدايا التي تناسب مقامه وعمره، على أن لا تخرج عن حد النفع والحلال. 5- الـسؤال. بعض المطالب العلمية قد لا يرتفع الغموض عنها بمجرد شرح الاستاذ، إذ قد تنقدح في ذهن الطالب أسئلة لم يجد جوابًا لها بعد أن كتب درسه، وتباحث به، ودرسه، فيأتي دور السؤال ليحصل على جوابٍ يكون بمثابة المفتاح لفتح قفل المسألة الغامضة، روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "إن هذا العلم عليه قفل، ومفتاحه السؤال" (3). ولابد أن يكون السؤال تعلّمًا، لا لمجرّد السؤال، أو لإحراج الاستاذ، إذ ليس من أخلاقيات الإسلام ذلك. كما ويجب أن يوجّه الطالب سؤاله للأستاذ في الوقت المناسب، وهو بعد الانتهاء من شرح الدرس؛ فمن غير اللائق مقاطعة الاستاذ؛ فلعل جواب السؤال يأتيه آخر شرح الدرس، فلينتبه لذلك، وليحترم مقام استاذه. _______________________ (1) بحار الأنوار: 83/ 9. (2) منية المريد: 340. (3) بحار الأنوار: 1/ 198. وفق الله تعالى طلبتنا وطالباتنا للنجاح الباهر

اخرى
منذ 4 أشهر
446

ضياءٌ وإحياء من كلام ربِّ السّماء (١)

بقلم: علوية الحسيني إمهالٌ لا إهمال إنّ المتأمل في آيات القرآن الكريم يجد أنّ الله تعالى يمهل بعض أهل الباطل، وأخرى يعجّل لهم العقاب، وليس ذلك بتناقضٍ؛ لحكمته تعالى. فكل آيةٍ يفهم منها إمهال الله تعالى لعباده، نجدها مقرونة محددة بإطار زمني محدد لذلك الإمهال. وفي قبال ذلك لا توجد آية واحدة تنص على إهمــال الله تعالى لأهل الزيغ والبطلان؛ إذ ذلك منافٍ لحكمته. وسوف تضيء وتحيي لنا النهجَ الآياتُ القرآنية، من خلال النقاط التالية: ■النقطة الأولى: قواعد كليّة إنّ المتأمل في الآيات القرآنية التي تطرقت إلى الإمهال يستخلص منها قواعد كليّة، منها: 1- الإمهال مذكور لفظًا أو بما يرادفه. 2- الإمهال يعطيه الله تعالى لأهل الباطل. 3- الإمهال مؤطر بفترةٍ زمنية محدودة. 4- الإمهال لا ينافي عدل الله سبحانه وتعالى وحكمته. ■النقطة الثانية: تطبيقاتٌ جزئية إنّ المتأمل في الآيات الكريمة يجد أنّ الله تعالى عبّر عن لفظ الإمهال بنفس اللفظ، واخرى بلفظٍ مغاير، وهو لفظ (الذر: أي الترك)، وجميع تلك الآيات تنطبق عليها القواعد الكليّة الأربع أعلاه، نتبرّك ببعض منها ضمن النقاط التالية: •أولاً: قوله تعالى: {وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا}(1)، وكقوله تعالى{فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدا}(2)، ونستنتج من هاتين الآيتين: 1- الإمهال واضح بيانه في سياق الآيتين. 2- الإمهال كان متعلقًا بأهل الباطل، ومصداقهم حسب سياق الآيات هم المكذِّبون والكافرون. 3- الإمهال محدد بسقفٍ زمنيٍ محدد، لم تشخصه الآية، فنجدها عبّرت عنها بالقليل. فالرويد: أي "القليل"(3)، فيكون معنى أمهلهم رويدًا، كمهِّلهم قليلا. وهذه القلّة الزمنية محددة بمشيئة الله تعالى؛ إذ متى شاء أنزل على اولئك العقاب، وأنهى مدّة الإمهال. 4- إنّ إمهال الله تعالى لأولئك المكذِّبين والكافرين لا ينافي عدله وحكمته تعالى؛ إذ ليس معنى الإمهال الإهمال، بـل لرحمته بعباده يمهلهم فترة، ويحلم عليهم، لعلّهم يتوبون، فإذا لم يتوبوا جرى حكمه عليهم. •ثانياً: قوله تعالى {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُون} (4)، ونستنتج من هذه الآية: 1- الإمهال جاء بلفظ مغاير، إلاّ أنّه يؤدي نفس معناه، حيث جاء في تفسير هذه الآية: "أمر برفع اليد عنهم وتركهم وما هم فيه من الباطل وهو كناية عن النهى عن الجدال معهم والاحتجاج عليهم"(5). 2- الإمهال كان متعلقًا بأهل الباطل، فمن يكن تفكيره ومنطقه محددًا بحدود ما يأكل، وما يتمتع به من ملذات الحياة الدنيا، ويعش في عالم الآمال، دون سعيٍ حثيثٍ منه لأن يطابق ما يقوم به مع الشرع القويم، فهو من أهل الباطل؛ إذ تفكيره قريب من التفكير البهيمي، وأبعد عن التفكير الإنساني، فيكون الجدال معه عقيمًا، وتركه حلاً سليما؛ ولهذا أعرض الله تعالى عنهم وأمـهلهم، لعلّهم يرجعون إلى طريق الحق. 3- الإمهال محدد بسقفٍ زمنيٍ محدد؛ فأكلهم، وتمتعهم، وأمانيّهم، محــدود بـحياتهم، فما إن دقت ساعة صفر حياتهم، وفارقوا عالم دنياهم، انتهت فترة إمــهالهم التي أمهلهم الله تعالى. 4- إنّ قوله الله تعالى في ذيَّل الآية (فسوف يـعلمون؛ يدلَّ على عدله وحكمته سبحانه، وهذا يعني أنّ اولئك إذا لم يرجعوا للطريق القويم في حياتهم فسوف يدركون أحقية الطريق الذي نبذوه، وبطلان ما سلكوه، إذ من عدله تعالى أن يعاقب المسيء، ويثيب المطيع، وعقابه تعالى لهم إما في الدنيا والبرزخ والآخرة، أو في البرزخ والآخرة، فظهور الآية لا يعطينا تحديد الوقت الذي ينزل الله تعالى غضبه على اولئك، وعندها نقف. •ثالثًا: قوله تعالى: {فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُون}(6) نستنتج من هذه الآية: 1- الإمهال جاء بلفظ مغاير، إلاّ أنّه يؤدي نفس معناه، حيث جاء في تفسير هذه الآية:" أمر بمعنى اتركهم"(7) 2- الإمهال كان متعلقًا بأهل الباطل؛ لأنه وحسب ظاهر الآية الكريمة أنّ الممهَلين كانوا يستهزؤون بيوم المعاد. 3- الإمهال محدد بسقفٍ زمنيٍ محدد، وهو ما أشار إليه الله تعالى بكلمة (يومهم) 4- عدالة الله تعالى واضحةٌ جليّة بتنفيذ العقاب بحق أولئك؛ بقرينةٍ لفظيةٍ ادرجت في ذيل الآية (فيه يصعقون)، "والمراد باليوم الذي فيه يصعقون يوم نفخ الصور الذي يصعق فيه من في السماوات والأرض وهو من أشراط الساعة قال تعالى: ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض"(8). فيوم صعقهم هو يوم موتهم، وبعد موتهم يتجلّى لهم العدل الإلهي، فبعد أن أمهلهم ولم يستجيبوا آن أوان عقابهم؛ نتيجة استهانتهم واستهزائهم بما أُمروا. •رابعًا: قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُون}(9) نستنتج من هذه الآية: 1- الإمهال جاء بلفظ مغاير، إلاّ أنّه يؤدي نفس معناه، فالذر هو الترك. 2- الإمهال كان متعلقًا بأهل الباطل؛ لأنّ من يكون عدوًا للأنبياء (عليهم السلام) فهو شيطان إنسيًا كان أو جنيّا. 3- جزمًا أنّ إمهالهم محدد بفترة زمنية محددة، وإن لم تشر الآية إلى ذلك، فعقلاً، وبمقتضى حكمته تعالى أنّه يمهل الضالين مدّة محددة ثم يعاقبهم. 4- عدالة الله تعالى أيضًا مجزوم بتحققها عقلاً، حيث وعد الله سبحانه المضلين بالعقاب، ولن يخلف الله وعده؛ لأنّ خلف الوعد قبيح، والقبيح لا يفعله الله (جلّ جلاله) •خامسًا: قوله تعالى: {مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ ۚ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُون}(10) ونستنتج من هذه الآية: 1- الإمهال جاء بلفظ مغاير، إلاّ أنّه يؤدي نفس معناه، فيذرهم بمعنى يتركهم، يمهلهم. 2- الإمهال كان متعلقًا بأهل الباطل؛ لأنّ مَن يكون ضالًا فهو من أهل الباطل. 3- مدّة الإمهال محددة أيضًا؛ فطغيان اولئك الضالين، وعدم امتثالهم لأحكام الله تعالى، وجحودهم به سبحانه إنّما يكون محدودًا في عالم الدنيا فقط، فالدنيا لم تدم للمستقيمين، فكيف تدوم للضالين ؟! وما تمديده لمدّة امهالهم إلاّ لـحكمة هو سبحانه أعلم بها. 4- عدالة الله تعالى متحققة رغم امهاله لأولئك الضالين المدّة، للسبب أعلاه في النقطة الرابعة. •سادسًا: قوله تعالى: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُون}(11) 1- الإمهال جاء بلفظ مغاير، إلاّ أنّه يؤدي نفس معناه، فيذرهم بمعنى يتركهم، يمهلهم. 2- الإمهال كان متعلقًا بأهل الباطل، فمن تعرض عليه الحجّة ويخوض في الجدال بأحقيتها، ويتخذ من الحياة الدنيا لعب ولهو، فهو من أهل الباطل. 3- مدّة الإمهال محددة أيضًا، فاليوم الذي يوعدون به هو يوم القيامة، وهو سقف زمني محدود، ولحكمته تعالى يمهلهم. 4- عدالة الله تعالى متحققة رغم امهاله لأولئك اللاهين المجادلين المدّة، للسبب أعلاه في النقطة الرابعة السالفة الذكر. ■النقطة الثالثة: لماذا الإمهال؟ من خلال صفات الله تعالى –كالرحمة والحكمة- يمكن أن يُجاب عن هذا السؤال، فيقال: يــمهل أهل الباطل رحمةً منه بهم، ويمنحهم بذلك فرصةً اخرى لـيتوبوا ، وكأنه تعالى يخاطبهم فردًا فردًا: يا عبدي سآخذ بيديك المتعبتَين والملوثتَين بالذنوب، وأكسيك بثياب العفو والمغفرة. يا عبدي: قم وادخل مع كل الأمل من باب التوبة، وضع قدميك في مدينة الاستغفار، واغسل بدنك في كوثر الدموع من خوف الله تعالى والشوق له، عندها ستنعم بأشعة العفو الذهبية، وستتذوق طعم حلاوة المناجاة الخشوعية. ولا شك في عظم الحكمة في ذلك، فأن يفعل الله تعالى بالعبد العاصي ما يرجعه إلى الطريق القويم لهو أمر حكيم. والأثر بعد التوبة يعود بالنفع إلى العاصي لا إلى الله تعالى؛ إذ هو الغني عن توبة عباده، إلاّ أنّه لرحمته بهم يريد لهم الكمال، "روي عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) يَقُولُ: إِذَا تَابَ الْعَبْدُ تَوْبَةً نَصُوحاً أَحَبَّهُ الله فَسَتَرَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَقُلْتُ وَكَيْفَ يَسْتُرُ عَلَيْهِ؟ قَالَ يُنـــْسِي مَلَكَيْهِ مَا كَتَبَا عَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَيُوحِي إِلَى جَوَارِحِهِ اكْتـــُمِي عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ وَيُوحِي إِلَى بِقَاعِ الأرْضِ اكْـــتُمِي مَا كَانَ يَعْمَلُ عَلَيْكِ مِنَ الذُّنُوبِ فَيَلْقَى الله حِينَ يَلْقَاهُ وَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الذُّنُوبِ"(12) ■النقطة الرابعة: التفاتة عقائدية بعد الإمهال لو تاب العبد، وستر الله تعالى عليه ذنوبه، نواجه روايات تقول: إنّ الله تعالى يفرح بتوبة عبده، حيث روى "عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَذَّاءِ، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عَلَيهِ السَّلام) يَقُولُ: إِنَّ الله تَعَالَى أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ أَضَلَّ رَاحِلَتَهُ وَزَادَهُ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ فَوَجَدَهَا، فَالله أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ بِرَاحِلَتِهِ حِينَ وَجَدَهَا"(13). فكيف يفرح الله تعالى؟ وهل يفرح كفرحنا؟ أم يجب تأويل هذه الكلمة؛ لتنزيه الله سبحانه عن أن تكون له حالات نفسانية يفرح ويحزن ويغضب ويرضى بها؟ الجواب: تعتقد الشيعة الامامية أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، ليس جسمًا حتى تطرأ عليه هذه الانفعالات؛ لأنّ ذلك يلزم منه تغيّر ذاته سبحانه، والمتغيِّر محتاج، والمحتاج مخلوق، والله جلّ جلاله خالق وليس بمخلوق، ولا يجري على نفسه ما أجراه على مخلوقاته. إذًا فالانفعالات النفسية –ومنها الرضا، أو الفرح- تطرأ على المخلوقات، وحاشا الله سبحانه من الاتصاف بها. روي "عن هشام بن الحكم أن رجلا سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الله تبارك وتعالى له رضا وسخط؟ فقال: نعم، وليس ذلك على ما يوجد من المخلوقين، وذلك أن الرضا والغضب دخال يدخل عليه فينقله من حال إلى حال، معتمَل[منفعل يتأثر من الأشياء، وتقدير الكلام: لأن المخلوق معتمل]، مركب، للأشياء فيه مدخل وخالقنا لا مدخل للأشياء فيه، واحد، أحدي الذات، وأحدي المعنى، فرضاه ثـوابه، وسخطه عقابه من غير شيء يتداخله فيهيجه وينقله من حال إلى حال، فإن ذلك صفة المخلوقين العاجزين المحتاجين، وهو تبارك وتعالى القوي العزيز الذي لا حاجة به إلى شيء مما خلق، وخلقه جميعا محتاجون إليه..."(12). إذًا بقول الإمام الصادق (عليه السلام) عن أجداده محمد وآله (عليهم السلام) نهجت وتنهج الشيعة الامامية في عقيدتها بالله تعالى، وحيث أنّ الإمام (عليه السلام) لم يأخذ بلفظة (رضا الله، أو فرح الله) على ظاهرها، وإنّما تم تأويلها إلى (ثواب الله عزّ وجل)؛ حفاظًا على توحيده سبحانه، فكانت هذه هي عقيدتنا. وهذه التفاتة عقائدية مهمة أضاءت للعبّاد طريقا، وأحيت في النفوس توحيدًا صادقا. __________________________ (1) المزمل: 11. (2) الطارق: 17. (3) الميزان في تفسير القرآن: للعلاّمة الطباطبائي، ج20، ص261. (4) الحجر: 3. (5) مصدر سابق، ج12، ص97. (6) الطور: 45. (7) مصدر سابق، ج19، ص23. (8) المصدر نفسه. (9) الأنعام: 112. (10) الأعراف: 186. (11) الزخرف: 83. (12) التوحيد: للشيخ الصدوق، ب26، ص169-170، ح3. (12) الكافي: للشيخ الكليني، ج2، باب التوبة، ح1. (13) المصدر نفسه، ح8. إلَهِي فَقَدْ ظَاهَرْتَ الْحُجَجَ، وَأَبْلَيْتَ الاعْذَارَ، وَقَـدْ تَقَدَّمْتَ بِـالْوَعِيْـدِ وَتَلَطَّفْتَ فِي التَّرْغِيْبِ، وَضَرَبْتَ الامْثَالَ، وَأَطَلْتَ الاِمْهَالَ، وَأَخَّرْتَ وَأَنْتَ مُسْتَطِيعٌ لِلْمُعَاجَلَةِ، وَتَأَنَّيْتَ وَأَنْتَ مَليءٌ بِالْمُبَادَرَةِ، لَمْ تَكُنْ أَنَاتُكَ عَجْزاً، وَلا إمْهَالُكَ وَهْناً، وَلاَ إمْسَاكُكَ غَفْلَةً، وَلاَ انْتِظَارُكَ مُدَارَاةً، بَلْ لِتَكُونَ حُجَّتُكَ أَبْلَغَ، وَكَرَمُكَ أكمَلَ، وَإحْسَانُكَ أَوْفَى وَنِعْمَتُكَ أَتَمَّ، فَلَكَ الحَمْدُ حَمْدَ الشّاكِرِيْن.

النكات العلمية في القرآن الكريم
منذ 3 أشهر
361

نشاطاتٌ رمضانية للمرأة الشيعية (١)

بقلم: علوية الحسيني (۱) معرفة الله تعالى لم يأمر الله تعالى الرجال دون النساء بوجوب الاعتقاد بوجود إله واحد أحد، بـل أمرهما سبحانه بذلك، فلكلّ شيءٍ كمال، وكمال الدّين معرفة الله تعالى، والعاقل من بني البشر يرغب بنيل الكمال، فكما الرجل يرغب بنيل تلك المعرفة، كذا المرأة؛ لصالحية العمل المستمد من الآية الكريمة: {أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى} (1). فأوّل خطوة ينبغي أن تخطوها المرأة في شهر رمضان المبارك هي الولوج في عالم المعارف الإلهية، وتقديس الله جلّ جلاله، وتوطيد علاقتها به سبحانه؛ إذ هذا هو شهر الله تعالى، ومن غير الصحيح تقديس الشهر، وترك تقديس الله سبحانه. فكما تزيّنين مائدة الطعام بشتى الأطعمة والأشربة التي صنعتها أيديكِ، وكما تعدّين بيتًا نظيفًا متغيّرًا ديكوره بذوقكِ، كذا عليكِ أن تُزيّني قلبك، وتلمّعي صورة علاقتكِ مع ربّك، ولعمري ليس هناك زمن أشرف من هذا الشهر الفضيل، حيث إزاحة الستار عن المعارف، وإشراق شمس اللطائف، وانقلاع غيوم السفائف. إنّ كمال الدّين يا اختاه هو معرفة الله سبحانه وتعالى؛ كما قال الإمام سيّد الموحدين علي (عليه السلام): "أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُه" ثم يبيّن الإمام كمال وكيفية معرفة الله تعالى فيقول: "وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُه" (2). ولم أرَ عقلكِ يصعب عليه إدراك معنى معرفة الله تعالى، فالعقل الذي يدبّر امور منزل بكامله، لا يصعب عليه إدراك أنّ الله سبحانه تعرّف إليكِ ودعاكِ إلى معرفته. و يا أُختاه، يكفيكِ معرفةً بخالقكِ الاعتقاد بأنّه سبحانه وتعالى "لا إِلَهَ غَيْرُهُ، ولا شِبْهَ لَهُ وَلا نَظِيرَ، وأَنَّهُ قَدِيمٌ [لم يخلقه أحد] مُثْبَتٌ مَوْجُودٌ [قبل أن يخلق الزمان] غَيْرُ فَقِيدٍ [فهو معنا أين ما نكون]، وأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ [فهو سبحانه ليس جسمًا، ولا صورة، ولا يحدّه زمان ولا مكان، لا يمكن رؤيته في الدنيا والآخرة" (3). فهذا قوتٌ روحيّ تسدّين به جوع وعطش علاقتك الجافة –ربما- مع الله جلّ جلاله، وسيكون عونًا لكِ في فهم بعض مفردات الأدعية عمومًا، وأدعية الشهر الفضيل خصوصًا، وإلاّ فعبادةٌ من دون معرفة فهي عبادةٌ روتينية؛ الصوم والصلاة لابد أن يكونا مسبوقين بمعرفة الآمر بتلك العبادات. وهناك مثال ممكن أن يضرب هنا، وإن كان لا يقاس، إلاّ أنّ ذكره من باب تقريب الفكرة: اليوم لو وصلت لكِ هدية قيّمة ولم تعرفي مرسل الهدية، فبمجرد أن تقرري شكر المرسل وإهداءه هدية تناسب مقامه يجب عليكِ أولاً معرفة المرسل ثم شكره والإهداء له. فهكذا عباداتكِ هي نوع من الشكر لله تعالى بالامتثال لأوامره، وترك نواهيه، إلاّ أنكِ لــو لم تعرفي ربَّك الله فكيف تلبين أوامره وتشكرينه؟! تأملي يا أختاه، وهلمي لـخلوة في جوف الليل، واعقدي على تجديد صورة عبادتكِ الروتينية، فقلبٌ تعرّف على ربّه كلما يرى خيرًا يحمد الله، وكلّما رأى شرًا يحمد الله أيضاً، أفضل من قلبٍ إن أصابه الشر يجزع ويكفر. معرفتكِ هذه بالله تعالى ستجعلكِ لن تري شيئًا إلاّ ورأيتِ الله سبحانه معه وقبله وبعده. معرفتكِ هذه ستجعلكِ حتى وأنتِ تعدّين الطعام في تفكّر بالله الخالق ومخلوقاته. معرفتكِ هذه ستغيّر مسرى حياتكِ بعيدًا عن الأنا ومتعلقاتها؛ إذ ستعدّين الإفطار مثلاً بنيّة خدمة عيال الله، وستغسلين الأواني بنيّة التفكّر في خلق الله للماء، وستعاملين الناس تخلّقًا بلطف ورحمة الله، وإن أقدمتِ على مشروعٍ بحثْتِ عن رضا الله، وإن تكلّمتِ تكلّمتِ فيما يرضي الله، وإن نظرتِ نظرتِ إلى ما يرتضيه الله، وإن غضبتِ غضبتِ لما يغضب منه الله، وهكذا سـتُقرن جميع الحركات والسكنات، والكلمات واللحظات بالله جلّ اسمه. ويكفي لتعضيد الكلام ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي فَضْلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مَا مَدُّوا أَعْيُنَهُمْ إِلَى مَا مَتَّعَ اللَّهُ بِهِ الْأَعْدَاءَ مِنْ زَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ نَعِيمِهَا، وَ كَانَتْ دُنْيَاهُمْ أَقَلَّ عِنْدَهُمْ مِمَّا يَطَئُونَهُ بِأَرْجُلِهِمْ، وَ لَنُعِّمُوا بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ، وَ تَلَذَّذُوا بِهَا تَلَذُّذَ مَنْ لَمْ يَزَلْ فِي رَوْضَاتِ الْجِنَانِ مَعَ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ. إِنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ آنِسٌ مِنْ كُلِّ وَحْشَةٍ، وَ صَاحِبٌ مِنْ كُلِّ وَحْدَةٍ، وَ نُورٌ مِنْ كُلِّ ظُلْمَةٍ، وَ قُوَّةٌ مِنْ كُلِّ ضَعْفٍ، وَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ سُقْم" (4). وكفى بمعرفته سبحانه نعمة تستحق الشكر، والتدليل عليها، انطلاقًا من هذا الشهر الفضيل؛ استغلالًا للقلوب التي خرجت سالمة من عملية استصال الورم الإبليسي منها. _______________________ (1) آل عمران: 195. (2) نهج البلاغة : 39. (3) اصول الكافي: الشيخ الكليني، ج1، ب26، ح1. (4) الكافي، ج8، ص247. اللّهم يامن تعزّز بالجلال، وجاد بالإفضال، لا تحرمنا النوال، بحقِ محمّدٍ والآل.

المناسبات الدينية
منذ 3 أشهر
479

ضياءٌ وإحياء من كلام ربِّ السماء (٢)

بقلم: علوية الحسيني عـــنفٌ أبوي حينما يؤكد الإسلام على أهمية احترام الوالدين، وقيام الأبناء بواجباتهما تجاه والديهما، فهذا لا يعني أنّ الإسلام قد فرض على الأبناء فقط التزامات وهي احترام حقوق الوالدين ولم يجعل لهم كأبناء حقوق، بـل فرض على الوالدين التزامات كذلك هي حقوق الأبناء عليهما. فلكلٍّ منها حقوق، وعليه التزامات، وهذا ما تكفلت الشريعة الإسلامية ببيانه، وسيتم تسليط الضوء على النقاط التالية؛ لتحيي فينا روح العلم، وتقتل أدغال الجهل. ■الــنقطة الأولى: التأكيد القرآني على احترام الوالدَين قال تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيما} (1)، وفي الآية اطلاقٌ على احترام الوالدين والإحسان إليهما، ثم تركيز على الإحسان لهما في مرحلة تقدّمهما في السن. وصيغتا (لا تقل)، (لا تنهرهما)، تفيدان النهي والزجر والردع، وصيغتها تدل على الحرمة، من خلال التبادر الذهني؛ لعدم وجود قرينة تصرف دلالة الحكم عن الحرمة إلى دلالته على الكراهة، ولهذا كان ذنب عقوق الوالدين من كبائر الذنوب. بل نجد أنّ إبداء الإحسان والمعروف لهما يتوجب حتى وإن كانا مشركين، قال تعالى: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مـَعْرُوفا} (2)، فالمصاحبة بالمعروف لا تؤيد أمرهما بالشرك لولدهما؛ بقرينة لفظة (فلا تطعهما)، والآية جليّة واضحة في عدم طاعة الوالدين فيما لو أمرا ولدهما بالشرك بالله تعالى. وهذه الآية أيضًا تفيد وجوب احترام الوالدين؛ فصيغة (صاحبهما) ظاهرة في الوجوب، ولا قرينة صارفة عن الوجوب إلى الاستحباب؛ للتبادر أيضًا. ■الــنقطة الثانية: الـحقوق والالتزامات لو تأملنا في رسالة الحقوق للإمام علي بن الحسين (عليهما السلام) لوجدناها تؤيد ما دلّت عليه الآيات الكريمة أعلاه بوجوب احترام الوالدين، فأفردت حقوق الوالدين، وفي قبالها حقوق الأبناء، وبما أنّ الكلام اليوم هو إضاءة على حق الأب والتزاماته، فالكلام سيكون عنه حصرًا دون الأم. فأما حـقُّ الأب: "وَأمَّا حَقُّ أَبيكَ فَتَعْلَمَ أنَّهُ أَصْلُكَ، وَأنَّكَ فَرْعُـهُ، وَأَنَّكَ لَوْلاهُ لَمْ تَكُنْ. فَمَهْما رَأيْتَ فِي نفْسِكَ مِمَّا يُعْجِبُكَ فَاعْلَمْ أَنَّ أَبَاكَ أَصْلُ النِّعْمَةِ عَلَيْكَ فِيهِ وَاحْمَـدِ اللَّهَ وَاشْكُرْهُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ وَلا قُوَّةَ إلاّ باللهِ" (3) وأمّا حـقُّ الولد: وَأمَّا حَقُّ وَلَدِكَ فَتَعْلَمَ أنَّهُ مِنْكَ, وَمُضَافٌ إلَيكَ فِي عَاجِلِ الدُنْيَا بخَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَأَنَّكَ مَسْئولٌ عَمّـا ولِّيتَهُ مِنْ حُسْنِ الأَدَب وَالدّلالَةِ عَلَى رَبـهِ وَالْمَعُونةِ لَهُ عَلَى طَاعَتِهِ فِيكَ وَفِي نفْسِهِ، فَمُثابٌ عَلَى ذلِكَ وَمُعَاقَبٌ، فاعْمَلْ فِي أَمْرِهِ عَمَلَ الْمُتَزَيِّنِ بحُسْنِ أَثرِهِ عَلَيْهِ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا، الْمُعْذِرِ إلَى رَبهِ فِيمَا بَيْنَكَ وبَيْنَهُ بحُسْنِ الْقِيَامِ عَلَيْهِ وَالأَخذُ لَهُ مِنْهُ. وَلا قُوَّةَ إلا باللهِ" (4) فعليهما (الأب والابن) استخدام لغة الرقة والشفقة، والابتعاد عن العنف القولي والفعلي؛ لأنّ الكلمة الودودة تُقوِّي التواصل، وتُقرِّب النفوس، عملاً بقوله تعالى: {ولو كنتَ فظّاً غليظَ القلبِ لانفضّوا من حولِك} (5)، فلابد من بناء حالة ليست أبوية وحسب، بل حالة الصداقة بينهما. ■النـقطة الثالثة: علاج العنف الأبوي إذا كان الأب فظًا، متعسفًا، والابن ودودًا، مضطهدًا، يحار تعاملاً مع أبيه، فما الحل؟ لا توجد مشكلة إلاّ وورد فيها حكم وحل، ويكفي مثلاً: ١- التأمل في القصص القرآنية التي لم تذكر عبثاً، بل كلٌ منّا يستطيع أن يستشف منها عبرة. كقصة نبي الله إبراهيم (عليه السلام) مع عمه آزر الذي تولّى تربيته وأصبح بمثابة أبيه، حيث كان آزر يعامل إبراهيم (عليه السلام) بغلظة؛ فقط لأنّ ابراهيم كان مؤمنًا. ولا يبعد أن يكون ذلك التعامل أمام الناس. قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا* إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا* يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا* يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا* يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيا} (6) فما أوضح عبارات الاحترام والأدب التي كان يكلّم بها ابراهيم أباه –عمه-، ورغم ذلك أجابه آزر بغلظةٍ وتهديد قائلاً: { قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيا}(7)، حيث طلب من ابراهيم (عليه السلام) أن يهجره ويغرب عن وجهه، وإن لم يذهب عنه يرجمه بالأحجار، فقط لأنّ ابراهيم (عليه السلام) يدعوه لعبادة الله الواحد الأحد. وهــنا نعرف موقفه (عليه السلام) وكيف ردّ على غلظة أبيه، حيث قال: {قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيا* وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّا} (8)، فما كان ردّه إلاّ السلام على أبيه –عمه-، والاستغفار له، وترك محاججة آزر. وكفى بإبراهيم النبي (عليه السلام) أُسوة حسنة، على صعيد مقابلة الاحسان بالإساءة. ٢-التأمل في زبور آل محمد (عليهم السلام) وهي الصحيفة السجادية، حيث ورد فيها دعاء خاص للوالدين يتضمن كيفية مغفرة اساءة وتقصير الوالدين، يقول مؤلفه الامام زين العابدين (عليه السلام): "اللَّهُمَّ وَ مَا تَعَدَّيَا عَلَيَّ فِيهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ أَسْرَفَا عَلَيَّ فِيهِ مِنْ فِعْلٍ، أَوْ ضَيَّعَاهُ لِي مِنْ حَقٍّز، أَوْ قَصَّرَا بِي عَنْهُ مِنْ وَاجِبٍ، فَقَدْ وَهَبْتُهُ لَهُمَا، وَ جُدْتُ بِهِ عَلَيْهِمَا وَ رَغِبْتُ إِلَيْكَ فِي وَضْعِ تَبِعَتِهِ عَنْهُمَا. فَإِنِّي لَا أَتَّهِمُهُمَا عَلَى نَفْسِي، وَ لَا أَسْتَبْطِئُهُمَا فِي بِرِّي، وَ لَا أَكْرَهُ مَا تَوَلَّيَاهُ مِنْ أَمْرِي يَا رَبِّ. فَهُمَا أَوْجَبُ حَقّاً عَلَيَّ، وَأَقْدَمُ إِحْسَاناً إِلَيَّ، وَ أَعْظَمُ مِنَّةً لَدَيَّ مِنْ أَنْ أُقَاصَّهُمَا بِعَدْلٍ، أَوْ أُجَازِيَهُمَا عَلَى مِثْل"(9) فليكن همّ الأبناء هو إرضاء الوالدين وليس مساومتهما بعطاء وأخذ -عطاء الاحترام وأخذ الاحترام. ولو فرضنا أنّ الآباء يتعاملون بقسوة مع أولادهم فهذا لا يعني عدم انشغالهما بالتربية، وتفكيرهما بأبنائهما إلى حين اشتداد العود، فلا مسوّغ لإنكار فضلهما بمجرد أي اساءة تبدر منهما طروًا، يقول الإمام زين العابدين (عليه السلام) معلّمًا لنا: "أَيْنَ إِذاً- يَا إِلَهِي- طُولُ شُغْلِهِمَا بِتَرْبِيَتِي! وَ أَيْنَ شِدَّةُ تَعَبِهِمَا فِي حِرَاسَتِي! وَ أَيْنَ إِقْتَارُهُمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا لِلتَّوْسِعَةِ عَلَيَّ! هَيْهَاتَ مَا يَسْتَوْفِيَانِ مِنِّي حَقَّهُمَا، وَ لَا أُدْرِكُ مَا يَجِبُ عَلَيَّ لَهُمَا، وَلَا أَنَا بِقَاضٍ وَظِيفَةَ خِدْمَتِهِمَا. فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ أَعِنِّي يَا خَيْرَ مَنِ اسْتُعِينَ بِهِ، وَوَفِّقْنِي يَا أَهْدَى مَنْ رُغِبَ إِلَيْهِ، وَ لَا تَجْعَلْنِي فِي أَهْلِ الْعُقُوقِ لِلْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ يَوْمَ تُجْزى‏ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُون" (10). __________________ (1) الإسراء: 23. (2) لقمان: 15. (3) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج71, ص15. (4) المصدر نفسه. (5) آل عمران: 159. (6) مريم: 41-45 (7) مريم: 46. (8) مريم: 47-48. (9) الصحيفة السجادية، ص 81. (10) المصدر نفسه، ص82. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكما من أهل البر بوالديهم، بحق محمد وآل محمد.

النكات العلمية في القرآن الكريم
منذ 3 أشهر
384

نشاطاتٌ رمضانية للمرأة الشيعية (2)

بقلم: علوية الحسيني الإحسان إلى الوالدين قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا} (1) الآية الكريمة مفادها الأمر بالإحسان للوالدين، ولم تبيّن نوع الإحسان، ولم تحصره في حال حياتهما. الروايات الشريفة أيضًا لم تخل من الدلالة على الإحسان للوالدين إلاّ أنّها أشارت إلى نوع الإحسان لهما كمًا وكيفًا، فممكن تقسيمها على ثلاثة أقسام: 1/ روايات دلّت على أفضلية مقام الأم وأوليّة الإحسان لها قبل الأب حال حياتهما وبعد مماتهما ، روي "عَنْ مُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ, عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ وَسَأَلَ النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه) عَنْ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ. فَقَالَ: ابْرَرْ أُمَّكَ ابْرَرْ أُمَّكَ ابْرَرْ أُمَّكَ ابْرَرْ أَبَاكَ ابْرَرْ أَبَاكَ ابْرَرْ أَبَاكَ وَبَدَأَ بِالأمِّ قَبْلَ الأبِ" (2) 2- روايات تدل على كيفية الإحسان إلى الوالدين حال حياتهما ، روي "عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ أَبِي وَلادٍ الْحَنَّاطِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) عَنْ قَوْلِ الله عَزَّ وَجَلَّ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً مَا هَذَا الإحْسَانُ. فَقَالَ: الإحْسَانُ: أَنْ تُحْسِنَ صُحْبَتَهُمَا وَأَنْ لا تُكَلِّفَهُمَا أَنْ يَسْأَلاكَ شَيْئاً مِمَّا يَحْتَاجَانِ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَا مُسْتَغْنِيَيْنِ أَ لَيْسَ يَقُولُ الله عَزَّ وَجَلَّ لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون" (3) 3/ روايات تدل على كيفية وكمية الإحسان إلى الوالدين حال مماتهما ، روي "عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ إِنَّ الْعَبْدَ لَيَكُونُ بَارّاً بِوَالِدَيْهِ فِي حَيَاتِهِمَا ثُمَّ يَمُوتَانِ فَلا يَقْضِي عَنْهُمَا دُيُونَهُمَا وَلا يَسْتَغْفِرُ لَهُمَا فَيَكْتُبُهُ الله عَاقّاً وَإِنَّهُ لَيَكُونُ عَاقّاً لَهُمَا فِي حَيَاتِهِمَا غَيْرَ بَارٍّ بِهِمَا فَإِذَا مَاتَا قَضَى دَيْنَهُمَا وَاسْتَغْفَرَ لَهُمَا فَيَكْتُبُهُ الله عَزَّ وَجَلَّ بَارّاً" (4) وبعد الفضل العظيم، والحث المستديم على الإحسان إلى الوالدين، بإمكانكِ اختاه أن تحسني إلى والديك بكلّ عمل هو حسن، ذكر في الروايات أم لم يذكر؛ إذ قد تكون الروايات ذكرت أنواع البر كمثال، والمثال ليس للحصر. وجميعنا يعلم فضيلة شهر رمضان المبارك؛ والحسنات فيه مضاعفة، وبالتالي لو أحسنتِ إلى والديكِ، وأدخلتِ السرور عليهما -حيَّين كانا أو ميِّتين- فتكونين قد حصلتِ على ثوابٍ مضاعف. وإليكِ أعمالًا ممكن أن تكون نوعًا من الإحسان إلى والديكِ: ■أولاً: إن كانوا أحياءً 1/دوام الدعاء لهما، واخبارهما بالدعاء؛ إذ ذلك مما يغمرهما بالسعادة نوعًا ما، وكفى بدعاء الإمام زين العابدين (عليه السلام) لوالديه (5) دستورًا يسار عليه تطبيقًا ودعاءً. 2/مفاكهتهما، ومحاولة التخفيف عنهما من آثار الصوم على كبر سنهما –مع قدرتهما على الصوم-. روي "عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: تبسُّم المؤمن في وجه أخيه حسنة" (6) فاذا كانت التبسم بوجه الأخ المؤمن حسنة، فما أعظم تلك الحسنة لو كان التبسّم بوجه الوالدين! 3/ استشارتهما في نوع الإفطار الذي يرغبان بتناوله، وبيان الطعام الجيد الذي يناسب صحتهما (7) 4/ اهداءهما هدية في أول وآخر شهر رمضان المبارك؛ تبرّكًا وزيادةً بالبر. روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "تهادوا تحابوا" (8)، فالتودد لهما نوعٌ من الإحسان. 5/اصطحابهما إلى الأماكن المقدّسة، ومشاركتهما الحديث النافع، والعبادات، ففي ذلك سرورهما، روي "عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه) قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه): إِنَّ أَحَبَّ الأعْمَالِ إِلَى الله عَزَّ وَجَلَّ إِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى الْمُؤْمِنِين" (9)، فكم يكون السرور عظيمًا عند الله تعالى لو كان على أُدخل على قلب الوالدين! ■ثانيًا: إن كانوا أمواتًا 1/ الترحم عليهما، والاستغفار لهما، روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "إن الميت ليفرح بالترحم عليه والاستغفار له، كما يفرح الحي بالهدية تهدى إليه"(10) 2/اهداء ثواب الأعمال الصالحة لهما، روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "من عمل من المسلمين عن ميت عملا صالحا أضعف الله له أجره ونفع الله به الميت"(11) 3/ الإحسان إلى الناس؛ ليردوا عليه بالدعاء لوالديه وهما في قبرهما. 4/ كلّ حسنة تحصلين عليها من صومكِ في هذا الشهر الفضيل أشركي فيها والديكِ؛ لأنّ لهما الفضل عليكِ بتعليم أحكام دينكِ منذ بلوغكِ. 5/طلب الدعاء لهما، لاسيما في الشهر الفضيل؛ ليضاعف لكِ الإحسان، واللطف الإلهي لهما. ______________________ (1) الاسراء: 23. (2) الكافي: للشيخ الكليني, ج2, باب البر بالوالدين, ح17. (3) المصدر نفسه, ح1. (4) المصدر نفسه, ح21. (5) ظ: الصحيفة السجادية, ص80. (6) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج12, ب84, ح2. (7) ظ: الكافي, ج3, باب الأطعمة والأشربة. (8) مصدر سابق, ج17, ح10. (9) المصدر السابق, ج2, باب ادخال السرور على المؤمنين, ح4. (10) من لا يحضره الفقيه: للشيخ القمي, ج1, ص117. (11) المصدر نفسه. اللَّهُمَّ لَا تُنْسِنِي ذِكْرَهُمَا فِي أَدْبَارِ صَلَوَاتِي، وَ فِي آنً مِنْ آنَاءِ لَيْلِي، وَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ نَهَارِي.

المناسبات الدينية
منذ 3 أشهر
311

ضياءٌ وإحياء مِن كلام ربِّ السّماء (٣)

بقلم: علوية الحسيني كرسيُّ الله تعالى قال تعالى في عظيم بيانه: بسم الله الرحمن الرحيم: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض} (1)، مفردة الكرسي جاءت في القرآن الكريم مرتين فقط، الأولى مختصة بالله تعالى، والثانية مختصة بنبي الله سليمان (عليه السلام)، والأولى محلّ كلامنا. مفردةٌ تشير إلى السيادة والسلطنة حسب السياق العرفي الدارج، "وقد سميت آية رقم (255) من سورة البقرة بآية الكرسي على قول الأشهر، فيكون منتهاها إلى وهو العلي العظيم، {اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم}. وقيل أنّ منتهاها إلى (فيها خالدون)، بإضافة الآية التي تليها" (2) ■النقطة الأولى: تفسير الكرسي قرآنيًّا: إنّ الآيات محكمة ومتشابهة، كما قال الله تعالى في عظيم بيانه ومعجزة نبيّه: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِه} (3). وإنّ آية الكرسي من الآيات المتشابهة، والمتشابه لا بد فيه من الرجوع إلى المحكم؛ لمعرفة المراد، "سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن المحكم والمتشابه فقال: المحكم ما يعمل به، والمتشابه ما اشتبه على جاهله" (4). والآية المحكمة التي ترجع إليها آية الكرسي المتشابَهة هي آية { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء} (5)، وسبب رجوع الآية المتشابهة إلى المحكمة هو لاشتباه مراد الآية -المتشابهة- وعدم إدراك مفادها، وإلّا لو كلٌّ منّا فهم الآيات المتشابهة وفق فهمه القاصر لزاغت القلوب. إذًا وفق تلك الضابطة تفسّر الآيات المتشابهة -ومنها الآية محل كلامنا-، وقد استفادت منها المناهج التفسيرية. ■النقطة الثانية: تفسير الكرسي روائيًّا: حتمًا، أنّ القول بالاستغناء بالقرآن الكريم، وفصله عن السُّنة النبوية -الأحاديث- هو قولٌ غير صحيح، فهما ثقلان أمر بالتمسك بهما النبي المصطفى محمد (صلى الله عليه وآله) في حديثه المتواتر المعروف بحديث الثقلين. لذا فالإدراك درجات، وأكمل أدراكٍ بشري عند النبي محمد وأهل بيته (عليهم السلام)، فهم حملة العلم الإلهي بجعلٍ مشهود منذ عالم ما قبل الدنيا وحتى القيامة، بل وفيها. ولو واجه المكلف آية تعسّر وتعذّر عليه فهم ما تؤول إليه بعض الآيات كآية الكرسي، فيجب عليه الرجوع إلى الروايات الشريفة لتكشف له مراد الآية، قال تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَاب} (6) وقد روي "عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيْهِ السَّلام) قَالَ: نَحْنُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ وَنَحْنُ نَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ" (7). ولا علاقة للتأويل ببيان المعاني اللغوية، كما يقول أحد الأعلام، "بل هو ما تؤول إليه تلك المعاني، لان كل معنى عام حين يريد العقل أن يحدده ويجسده ويصوره في صورة معينة، فهذه الصورة المعينة هي تأويل ذلك المعنى العام" (8). وعليه، نجد أنّ التفسير الروائي الصادر عن أهل البيت (عليهم السلام) جاء مؤولاً لمفردة الكرسي بالعلم؛ روي "عن حفص بن غياث، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: (وسع كرسيه السماوات والأرض) قال: علمه"(9)، أي أنّ الله تعالى علمه واسع، فيعلم بما في السماوات والأرض. ■النقطة الثالثة: سر عظمة آية الكرسي روائيًّا وعقائديًّا: 1/ روائيًّا: روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: "إن لكل شيء ذروة، وذروة القرآن آية الكرسي" (10)، وفي ذلك بيان فضلها. وروي "عن عليّ (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "سيّد القرآن البقرة، وسيّد البقرة آية الكرسي، يا علي إنّ فيها لخمسين كلمة في كلّ كلمة خمسون بركة، وفي حديث آخر عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: من قرأ آية الكرسي مرة صرف الله عنه ألف مكروه من مكاره الدنيا وألف مكروه من مكاره الآخرة أيسر مكروه الدنيا الفقر وأيسر مكروه الآخرة عذاب القبر" (11). ولا غبار على كلام المعصوم بتاتًا حتى يحتاج إلى ايضاح. 2/ عقائديًّا: حتمًا للعقل دورٌ في تعظيم تلك الآية؛ استنادًا منه إلى ما قرأ في النقل عن عظمة وجلالة تلك الآية، يقول العلاّمة الطباطبائي (قدس سره): "لشرافة ما تدل عليه [آية الكرسي] من المعنى ورقته ولطفه، وهو التوحيد الخالص المدلول عليه..." (12). فأحد الأدلة التي يستدل بها على توحيد الله تعالى بكافة أقسام التوحيد هو العقل، وهو سيّد الأدلة، ونترك الآن بيان سر عظمة آلية الكرسي عقديًّا ونقول: لـو تأملنا في كل الآية من أولها إلى آخرها لوجدناها تتمحور حول محور واحد، وهو علم الله جلّ جلاله. أ/ حينما يقول تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُو} فالآية في صدد نفي الشريك لله تعالى، وتلك قضية (عدم وجود شريك) يعلم بها سبحانه. ب/ حينما يقول تعالى: {الْحَيُّ} فالحياة صفة ذاتية لله تعالى، وهي تلابس علمه وقدرته سبحانه، فمن يكن حيًّا يكن قادرًا عالمًا. ت/ حينما يقول تعالى: {الْقَيُّومُ} أي المهيمن على عباده، الذي يتولى شؤونهم، ومن يتولّ شؤون عباده لابد أن يكون عالمًا بنفوسهم وما تؤول إليه أمورهم. ث/ حينما يقول تعالى: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} السنة هي الغفلة والذهول، ومفارقة العلم، والنوم هو الحالة التي تطرأ على الحواس فتسلب صاحبها العلم بما حولها، وهذا ما نفاه الله تعالى عن نفسه، إذًا علمه سبحانه دائم. ج/ حينما يقول تعالى: { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْض} فالآية تشير إلى مالكيته تعالى لكلّ ما هو موجود في السماوات والأرض، ومن يملك شيئاً لابد أن يعلم به. ح/ حينما يقول تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} فالآية تشير إلى أنّ الشفاعة وإن كانت مشروعة إلّا أنّه لا شفيع يشفع -أيًّا كان الشفيع- إلاّ بإرادة الله تعالى، والإرادة ترجع إلى العلم بالأصلح في واحد من تفسيراتها المتعددة. خ/ حينما يقول تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} الآية واضحة جليّة في بيان علم الله تعالى. د/ حينما يقول تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاء} إشارةً منه تعالى إلى اختصاصه بعالم بالغيب كليًّا، وتحميل أوليائه جزءً منه، وبإرادته وعلمه أيضًا. ذ/ حينما يقول تعالى: { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض} هنا محل كلامنا، فالآية تشير إلى سعة علم الله تعالى؛ فيعلم السماوات والأرض وما فيهما. ر/ حينما يقول تعالى: { وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} أي إنّ الله تعالى لا يتعبه حفظ السماوات والأرض؛ لأنّه قادر، والقادر –كما ثبت في علم الكلام- لابد أن يكون عالمًا، وإلا لكان فاعلًا موجبًا –مجبرًا- ز/ حينما يقول تعالى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم} إشارةً منه تعالى إلى تنزيهه وعلوّه وعظمته من أن يكون له كرسي كمخلوقاته. وذيّل الله سبحانه الآية بهذين الاسمين حصرًا لم يكن عبثًا منه سبحانه، فتأمل. وعليه، استمدت عقيدتنا نحن الشيعة الأمامية من هذا البحر التوحيدي التنزيهي، وانفردت عن سائر المذاهب بتوحيدها الخالص للواحد الأحد. والخلاصة: أنّ عقيدتنا في كرسيّ الله تعالى هو علمه سبحانه. ■النقطة الرابعة: ظهور الآية وتعارضه مع الدليل العقلي جميعنا يعلم أنّ ظهور الكلام حجّة، والقرآن الكريم كلام، إذًا ظهور القرآن حجّة. وهذا الظهور يقتضي أن يكون لله تعالى كرسيًا، يسع السماوات والأرض، وبالتالي لو احتجّ أحدنا قائلًا بالاعتقاد بأنّ الله سبحانه له كرسي فوق السماوات يجلس عليه مستندًا على حجيّة ظاهر الآية! لأجبناه: أنّ هناك براهين عقلية تنفي الكرسي؛ لأنه يلزم اثبات الجسم لله تعالى، وفي حال تعارض ظواهر القرآن الكريم مع الدليل العقلي البرهاني يقدّم القول بالدليل العقلي. بيان الدليل العقلي: لو كان لله تعالى كرسي يجلس عليه لـكان جسمًا، وكلّ جسمٍ مركب من أجزائه، وكلّ مركب محتاج إلى أجزائه، وكل محتاج مخلوق، والله سبحانه خالق وليس بمخلوق. إذًا انتفى أن يكون له تعالى كرسي، فوجب تأويل الكرسي إلى ما يليق بقداسة الله تعالى، والحفاظ على التوحيد الحق. وعليه لو تعارض الظهور مع الدليل العقلي، يؤخذ بالدليل العقلي؛ لأنّه بمثابة القرينة المتصلة في علم التفسير، والقرينة تقدّم على ذي القرينة، فيقدّم الدليل العقلي القائل بتنزيه الله تعالى عن الجسمية وأن يكون له كرسي مادّي يحدّه. _________________________ (1) البقرة: 255. (2) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي، 84 / 98. (3) آل عمران: 7. (4) تفسير العياشي: ج 1، ص ، 11 ح 17. (5) الشورى: 11. (6) آل عمران: 7. (7) اصول الكافي: للشيخ الكليني ، ج1، باب الراسخين في العلم هم الأئمة، ح1. (8) علوم القرآن: للسيد محمد باقر الحكيم، ص230. (9) التوحيد: للشيخ الصدوق، ب52، ح1. (10) مجمع البيان: ج1-2، ص361. وبحار الأنوار: ج92، ص267، ح 14. (11) الأمثل في تفسير كتاب المنزل: للشيخ ناصر الشيرازي، (12) الميزان في تفسير القرآن: للعلامة الطباطبائي، ج2، ص337. والحمد لله الذي علم السرائر، وخبر الضمائر، له الإحاطة بكل شيء، والغلبة لكل شيء ،والقوة على كل شيء، حمدًا دائمًا أبدًا سرمدا، وصل اللهم على محمدٍ وآله أولي العلم والحجى.

النكات العلمية في القرآن الكريم
منذ 3 أشهر
359

نشاطاتٌ رمضانية للمرأة الشيعية (٤)

بقلم: علوية الحسيني جلسات دعوية قال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبا} (1). إنّ رسالات الله تعالى المتمثلة بالعقيدة والفقه والأخلاق موجودة في جميع نشاطات الحياة، وكلُّ من العباد له فطرة سليمة بها يتنبه على وجود الله تعالى، ومن ثم يؤمن بما استصعب على فطرته من إدراك، فيؤمن بأصول الدّين جميعها، ويمتثل للتكاليف الإلهية. صحيح أنّ وظيفة تبليغ رسالات الله تعالى هي وظيفة الأنبياء (عليهم السلام)، ثم الأئمة (عليهم السلام)، ثم العلماء، ثم من جاور العلماء، وجميعنا يعلم أنّنا اليوم نعتاش على علوم محمدٍ وآل محمد (عليهم السلام) التي يوصلها لنا العلماء (رحم الله الماضين وحفظ الباقين منهم)، وبفعل التطور التكنلوجي اليوم أصبح تحصيل العلم –بدرجة ما- يسير جدًا، إلى درجةٍ بإمكاننا تحصيله ونحن في وسط بيوتنا... كل ذلك صحيح. لكن هناك رسالات -ومنها الأخلاق مثلاً، أو الأدلة العقلية التي تنبّه على وجود الله تعالى- هي موجودة بالفطرة، وجاء بها الأنبياء (عليهم السلام) ليؤكدوا ما تؤمن به الفطرة، ويعززوا ما عليه بعض الأخلاقيات. وكما للرجل فطرة، فللمرأة فطرة، وبالتالي ممكن أن تكون داعية مبلّغة لرسالات الله تعالى بما تقوله فطرتها. وإنّ الله تعالى حينما فرض تكاليفه فإنّه فرضها على كلا الجنسين، وإلاّ لم يأمرهم بتبليغ كلّ ما هو ضمن رسالاته سبحانه، فحريٌّ بالمرأة أن تعرف مكانتها في الإسلام، ووظيفتها بنتًا كانت أو زوجةً أو أمًا، أو جدّة، صغيرةً أو كبيرة. ثم إنّ الله تعالى قد أودع في خلقه هممًا تصل به إلى تحقيق النفع لنفسه ولبني جنسه بل ولمجتمعه – ولو إجمالاً-، وبالتالي فالمرأة ليست كما رسم صورتها اولئك الساذجون، ولا كما تتصورها بعض النساء أنفسهن. أُختاه: ما للأكل والشرب خُلقتِ، فلا تكوني ممن لا تبالي سوى بالموضات والطبخات، تاركة الالتفات لعظيم المسؤوليات. دينكِ الحنيف يقول في سنّته: " ألا كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم"(2). ففي شهر رمضان الكريم، الشياطين مصفدة، والحسنات مضاعفة، والهمم عالية، حريٌّ بكِ اختاه استغلال تلك الأجواء الإيمانية، والاستمداد من العنايات الرحمانية، والقيام بنشاطٍ روحي، يومي أو شبه يومي. ومن هنا شمّري عن ساعدي الجد، واشحذي الهمم، وتوكلي على الله المعين، واعقدي جُليسات دعوية، ثم جلسات، وغذّي من حولك بما يذكرهم بالله تعالى، أو يزيد إيمانهم، أو يبين لهم أجرهم، وما شابه ذلك. أُختاه، أعلَم أنّ من النساء ربّة البيت، ومنهنَّ الأُمية، ومنهنَّ المتعلّمة، والمتعلّمة أيضًا على درجات –حسب نوع وكمّ علمها- إلاّ أنّكنّ جميعكنَّ داعيات لله تعالى، ولهذا سأخاطبكنَّ بلسانٍ واحدٍ، واستنهض هممكنَّ، بعيدًا عن الطبقية الذي نهى عنه الإسلام، بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير} (3)، فأكرمنا عند الله تعالى هي أكثرنا تقوى، والتقوى هي أمر نفساني يمنع من ارتكاب المعاصي، وهذه التقوى قد تتوفر لدى المرأة بصورة عامة، سواء أكانت أُمية، متعلّمة، ربة بيت، طالبة علم، وليست منحصرة هذه الصفة بإحداهنَّ. ومن هنا سيتم تقسيم الأدوار الدعوية التي تقوم بها النسوة الداعيات حسب امكاناتها: ■الداعية الأُمية: المرأة الأُمية وإن كانت لا تقرأ ولا تكتب، إلاّ أنّها تسمع وتدرك، وتحفظ، وقبل ذلك كلّه لها فطرة سليمة، بها تنبّه نساءها على وجود الله تعالى من خلل مخلوقاته، وبها تحكّم الأخلاق الحسنة من السيئة. وبالتالي ممكن أن تكون المرأة الأُمية داعية من خلال الأمور التالية: 1- أن تدعو الداعية الأمية إلى الحث على العفو، فغالبًا ما نجد جدّاتنا يبادرنَ بالإصلاح بين المتخاصمين، فيعددنَ كلامًا على سليقتهنَّ الكلامية، بعفويةٍ وانطلاقة، ويعطينَ درسًا للأصغر منهنَّ سنًّا في العفو، ويحكينَ قصصًا حصلت في زمنهنَّ، ويمزجنها بتجاربهنَّ في العفو عن المسيء، ويعطينَ لله تعالى دورًا في كلامهنَّ، بقولهنَّ إنّ الله تعالى يحب العفو، وما شابه من هذه الكلمات، كما ويعطينَ لمحمدٍ وآلِ محمدٍ (عليهم السلام أجمعين) دورًا كذلك. بل وبعضهنَّ يحكينَ لنا قصةً لعالمٍ من العلماء تزامن زمنهم مع زمنه، فشهدنَ القصة، وأتينَ ينقلنها. 2- أن تدعو الداعية الأمية إلى الكف عن الذنوب، فكثيرًا ما نجد من جدّاتنا أنّهنّ يعطينَ درسًا في التعامل مع زوجة الابن مثلاً، وطرق ردع النساء اللواتي يغتبنَ زوجات أبنائهنَ عندها، فنجدها داعية، تغضب لغضب الله تعالى، فتدلي ما تدلي من نصحٍ وإرشادٍ وردع بطريقتها. 3- أن تدعو الداعية الأُمية إلى التحلّي بالأخلاق الحميدة، وهذا ما تربّي جدّاتنا أبناءهنَ وأحفادهنَ عليه، فهي أجرت عمليتها التبليغية دون أن تعتلي منبرًا، بل اعتلت منابر القلوب، حتى زرعت من الخير فيها وحصدت ثماره. فهي رغم عدم معرفتها بما جاء في القرآن الكريم من آيات، أو ما روي عن محمدٍ وآله (عليهم السلام) من روايات، إلاّ أنّ لها فطرة سليمة تعرف به الأخلاق الحسنة من السيئة. إنّ رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) قال: "إنّما بعثتُ لأتممَ الأخلاق" ولم يقل لأوضح لكم الأخلاق الحسنة بل ليتممها، فبالإضافة إلى ما تقول به الفطرة، فالنبي (صلى الله عليه وآله) بعثَ ليبيّن أعلى درجات الكمال في تلك الأخلاق، وبالتالي لم يخل أحد من أخلاق. 4- أن تدعو الداعية الأُمية إلى الله تعالى، فبالفطرة السليمة أيضًا ممكن أن تنبّه من حولها إلى وجود الله سبحانه، وبيان بديع صنعه الكوني، قال تعالى: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُون} (4). 5- نعم، لا يجوز لها أن تقول ما لا تعلم، وهنا تقف الداعية الأمية، مشكورةً على ما بذلت من جهودٍ مباركة في عملة الدعوة إلى الله تعالى -أو تبليغ بعض رسالات الله سبحانه-. ■ثانيًا: الداعية المتعلّمة: الداعية المتعلّمة ممكن أن تكون كلّ امرأة تقرأ وتكتب وتسمع وتدرك، وتحفظ ولها فطرة سليمة، وبالتالي دورها سيكون ضعف دور الداعية الأمية. فيا أُختاه مهما كانت درجة علمكِ، ونوعه، تستطيعين أن تبلِّغي جزءًا من رسالات الله تعالى. فالمرأة ذات العلم الأكاديمي بإمكانها أن تعقد جلسة دعوية لزميلاتها -أثناء الفرص ما بين الدروس-، أو لطالباتها –حال تصدّيها للتدريس-، وتدعو مثيلاتها إلى الله تعالى، والتذكير به، وببدائع خلقه، كلٌّ حسب علمها. مع مراعاة الحكم الشرعي بعدم الإخلال بقوانين المكان المتواجدة به ألاّ يكون اخلالاً بعملها، أما إذا كانت تلك الجلسات في بيتها فهو الأفضل والأوفق. ومع مراعاة كون الجلسات -إن أمكن- نسوية فقط؛ منعًا من آثار الاختلاط، وإذا كانت مختلطة، فتجب مراعاة الأحكام الشرعية في التعامل مع الرجال الأجانب. 1- فذات العلوم الطبية والحياتية بإمكانها تذكير أقرانها بعظمة خلق الله تعالى لجسم الإنسان وما يحوي من أجهزة دقيقة، وأوردة وشرايين، وكذلك الإشارة إلى خلق المخلوقات، وبيان اعتماد الدورة الغذائية التي فيها يعتاش الإنسان على أكل الحيوان، والحيوان يعتاش على أكل النبات، والنبات يعتاش بتربته على سمادهما، وهكذا. طبعًا مع الإشارة –قدر الإمكان- إلى آية قرآنية تؤيد دعوتها، كقوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَق} (5). 2- أما المرأة ذات العلوم الفيزيائية فبإمكانها توظيف ما درسته في الدعوة إلى الله تعالى، ببيان أنّ قوانين المادة من جاذبية، وكتلة تفنى أمام قدرة الواحد الأحد، وتستشهد بقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} (6)، وتبيّن عظمة الله سبحانه كيف رفع السماوات، ولم تؤثر فيها جاذبية الأرض فتجذبها فتنطبق السماء على الأرض، مع أنّ لكل ما خلق الله تعالى من أجسام لها أوزان، وزن الجسم = الكتلة، ثابت الجاذبية الأرضية. 3- أما المرأة ذات العلوم الهندسية، فبإمكانها أن تكون داعية، وتعقد جلسةٍ دعوية، وتوظف ما درسته من معلومات في الدعوة إلى الله تعالى، وعظمة دينه، كأن تستشهد بقصة بناء ذي القرنين للسد، وقد جاءت في القرآن الكريم بقوله تعالى: { آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرا} (7)، أو تستشهد بقصة بناء نبي الله إبراهيم (عليه السلام) للكعبة المشرفة، وقصة بناء صرح نبي الله سليمان (عليه السلام)، وغيرها من القصص. 4- أما ذات العلوم الحقوقية، فبإمكانها أن تعقد جلسةٍ دعوية، وتذكّر أقرانها بأنّ العادل الذي لا يحيف في ملكه، ولا يظلم أبدًا هو الله تعالى، وقد كتب لعباده دستوره -القرآن الكريم وجاءت السنة النبوية مفسرة له- كأن تستشهد بأمر الله تعالى لعباده بالعدل في أكثر من موضع، منها قوله تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرا} (8). ولا بأس بأن تشير إلى أنّ ما يمارسه القضاء اليوم هو مبتني على دستور كتبه البشر بأيديهم، وبالتالي ممكن أن يخطأ، ولا يشخص مصلحة العباد، فيبقى الحق العادل الذي يعلم ما تكنُّ الصدور هو الله تعالى. وتدعو إلى ضرورة وجود طريق يوصلنا إلى معرفة عدل الله تعالى، وهو الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، وتحثّ على طلب الدعاء له، والتمسك بالعلماء في زمن غيبته؛ إذ هم الحكام الشرعيون في زمننا، وهكذا. مع ملاحظة أن دعوتها هذه لا تعني الدعوة إلى هتك قوانين البلد، بل تدعوهم إلى حفظ النظام، واحترام القوانين، وتخبرهم بمدى الارتباط بين الشريعة والقانون، لينعكس سلوك كلّ فرد منّا إلى تجسّد واقعي. 5- أما المرأة ذات العلوم الكيميائية، فبإمكانها الدعوة إلى الله تعالى من خلال الإشارة إلى أهمية المركبات الكيميائية في الحياة التي خلقها الله تعالى، كالغازات -وأهمها غاز الأوكسجين والنتروجين- والأملاح -وأهمها البوتاسيوم وكلوريد الصوديوم- وغيرها. وتبيّن حاجة المخلوقات لتلك المركبات، وإلى خالقها، وتستشهد بالآيات الكريمة التي تطرقت إلى الذرة الصغيرة، التي خلقها الله تعالى؛ لطفًا بعباده. 6- أما المرأة ذات العلوم الدينية، فوظيفتها الدعوية التبليغية هي امتداد لوظيفة الأنبياء؛ لأنّ من جملة العلوم التي تدرسها هي العلوم الشرعية، فتدعو إلى تعزيز عقيدة، أو تصحيح عبادة أو معاملة، أو تهذيب خلق. فتزكي علمها بنشره بين أقرانها، بعقد جلسات دعوية تذكّر بالله تعالى، وتحثّ على معرفة اصوله وأخلاقه وفروعه. الله الله في الدعوة إلى الله يا أُختاه. _______________________ (2) جامع الأخبار: ف 75. (3) الحجرات: 13. (4) الروم: 30. (5) فصلت: 53. (6) الرعد: 2. (7) الكهف: 96. (8) النساء: 58. اللّهم اجعل نساءنا لكَ داعيات، لأوقاتهنَّ ومكانتهنَّ مستغلاّت، إنّكَ سميعٌ مجيبُ الدعوات، بحقِّ محمّدٍ وآله عليهم السلام وأزكى الصلوات.

المناسبات الدينية
منذ 3 أشهر
232

نشاطاتٌ رمضانية للمرأة الشيعية(٣)

بقلم: علوية الحسيني غسيل الأواني المبارك! قال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم {أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ} (1) لاشك ولاريب أنّ كلّ عملٍ تقوم به المرأة –وكل مؤمن- وتنوي فيه قصد القربة لله تعالى، فإنّ الله اللطيف الكريم يثيبها ثوابًا مضاعفًا؛ ثوابًا على أداء نفس العمل، وثوابًا على احتسابه قربةً له تعالى. والآية الكريمة كفيلة ببيان عدم تضييع الله تعالى لعمل عباده -ذكورًا كانوا أم إناثًا- وفي شهر رمضان المبارك، تعاني أغلب النسوة من ثقل بعض الأعمال المنزلية، لاسيما غسيل الأواني التي يتضاعف عددها في وجبة افطار الشهر الفضيل. والسبب في تعددها بديهي، فهو راجع إلى تنوّع أصناف الطعام -وإن لم يصل الأمر إلى حد الإسراف في ذلك الطعام، إلاّ أنّ مَن أراد التدرج بإفطاره، باحتساء السوائل، ثم التمر، ثم الطعام، ثم الفاكهة، فإنّ ذلك يتطلب إعداد أوانٍ لتلك الأشربة والأطعمة... وبالتالي عند انتهاء وجبة الإفطار على المرأة القيام بأعمالها المنزلية، ومن ضمنها غسيل تلك الأواني، وترتيبها. فإليكِ يا أختاه بعض الأعمال التي تخفف عنكِ ثقل تلك المسؤولية، واستغلال دقائق وقتك ذلك في أمورٍ تغذي الروح والعقل: 1- التعرض للرحمة الإلهية؛ بالاستماع والإنصات لآياتٍ من الذكر الحكيم، كما يقول الله تعالى في كتابه: { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون} (8). 2- الإكثار من ذكر الله تعالى، وعدم الغفلة عن ذكره -ولو قلبيًا-، يقول تعالى: {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِين} (9). والروايات الشريفة جاءت مؤكدة لأهمية الذكر، وأضافت عليه بعض النتائج؛ حيث روي " عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه): مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ الله (عَزَّ وَجَلَّ) أَحَبَّهُ الله وَمَنْ ذَكَرَ الله كَثِيراً كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَتَانِ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاق" (10). 3- التفكّر في كيفية خلق الله تعالى للماء، يقول تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} (11)، والتأمل في كمية هذا المركب المكون من ذرتي هيدروجين، وذرة أوكسجين، كم يحتوي من جزيئات، وقد حثّ الله تعالى على التفكر في كتابه بآياتٍ عديدة، منها قوله تعالى: { كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون} (12)، فالماء آية من آيات خلق الله الحكيم القدير، فهلاّ تفكرتِ؟ 4- إدراك الحكمة الإلهية بتوجيه التكاليف الشرعية للمرأة -ومنها الحجاب-؛ فحينما تغسلين الأواني ذات الزجاج الرقيق اللامع وتضعينها في موضع يؤمن عليها من الكسر أو تنالها أيدي الأطفال، فإنّكِ حكيمة بتصرفكِ هذا؛ لأنكِ وضعتِ الشيء في محله حفاظًا عليه، فهكذا الله تعالى حينما أمركِ بارتداء الحجاب لأنّكِ قارورة؛ ليؤمن عليكِ من عبث أطفال العقول، فهكذا الله تعالى فهو حكيم لأنّ فعله -تكليفه لكِ- معلّل بغاية. 5- التأمل في كيفية إذابة الترسبات والدهون عن الأواني المتسخة، وتشبيه هذه الحالة بحالة تطهير القلب من أدران الذنوب والآثام، لئلا يران عليها بطبقاتٍ سوداء تحجب بين القلب والنور الذي يتسلله من الامتثال لأوامر الله تعالى والاجتناب عن نواهيه، يقول تعالى: {كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ* كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُون} (13)، فقلبٌ محجوب، محرومٌ من شمس المعارف الإلهية، متقوقعٌ في الحفر الظلمانية، متعلّقٌ بالأمور المادية، أُلعوبةٌ بيد العفاريت الشيطانية، لهو قلبٌ أعمى، وصاحبة القلب الأعمى تحشر يوم القيامة عمياء البصيرة؛ بدليل قوله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ* قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرا} (14)، فهلاّ انتبهت؟! 6- إدراك بديع نظم الله تعالى لكونه؛ كيف أنّه جعل الكواكب على بعدٍ ومكانٍ معين عن الأخرى، ففي آفاق السماوات نظمٌ وتنسيقٌ، يقول تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَق} (15)، فبإمكانكِ إدراك ذلك من خلال ترتيبكِ للأواني بأحسن هيأة. 7- سماع المحاضرات العقائدية، أو الفقهية، أو الأخلاقية القصيرة النافعة، واستلهام ما يدفع الجهل. 8- للقضية المهدوية دورٌ في ثمرات شهر رمضان المبارك، فكم من النسوة تشكو ضيق الوقت واستحالة التفرّغ لسماع محاضرةٍ عن الإمام المهديّ (عجّل الله فرجه الشريف)، والحال أنّ بيدها وقتًا ذهبيًا كهذا الوقت، فبإمكانكِ الاستماع لتلك المحاضرات أثناء انشغالكِ بغسيل الأواني. 9- تذكري بعملكِ هذا أنّ نسوة أهل البيت (عليهن وعليهم السلام) كنَّ يؤدينه، وهذا خير معين أيضًا. 10- التفكير بمشاريع الغد، أو المستقبل -بدلًا من انشغال ذهنكِ بسفائف الأمور- والعزم على تحقيقها، مع تعليق إنجازها على مشيئة الله القادر، يقول تعالى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا* إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّه} (16)، وفي قبال ذلك يقول جلّ جلاله: {وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُون} (17)، وبالجمع بين الآيتين نخرج بنتيجة وهي: العزم على التحقيق بالتوكل وتدخل المشيئة الإلهية. ______________________ (1) آل عمران: 195. (2) مجمع البحرين، ج4، ص 378. (3)المصدر نفسه، ج1، ص133. (4) المصدر نفسه، ج5، ص77. (5) المصدر نفسه، ج2، ص276. (6) مكارم الأخلاق: للشيخ الطبرسي، ص29 - 30. (7) المصدر نفسه، 149. (8) الأعراف: 204. (9) الأعراف: 205. (10) الكافي: للشيخ الكليني، ج2، باب ذكر الله عزز وجل كثيرًا، ح3. (11) الرعد: 17. (14) طه: 125-126. (15) فصلت: 53. (16) الكهف: 24. (17) آل عمران: 160. اللّهم اجعل كلّ ما أقوم به قربةً إليك، ويبدأ باسمك، يا أرحم الراحمين، بحق محمدٍ وآله الذاكرين.

المناسبات الدينية
منذ 3 أشهر
452

ضياءٌ وإحياء مِن كلام ربِّ السماء (٤)

بقلم: علوية الحسيني سُبحان قال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُون} (1) مفردةٌ ذات خمسة أحرف، لها جذور قرآنية وروائية، تلهج بها الألسن سلوكًا، ودعاءً وصلاةً. غالبًا ما تكون مقرونة بلفظ الجلالة أو أحد أسمائه الحسنى، فنقول: (سبحان الله)، (سبحان الواحد الأحد) وهكذا، وأحيانًا تقرن بضمير يعود عليه جلّ جلاله، فنقول: (سبحانه)، (سبحانك)، وأحيانًا أُخرى تقرن بالاسم الموصول، فنقول: (سبحان الذي)، وأُخرى تقرن باسم، فنقول: (سبحان ربّك، سبحان ربّنا) وجميع ما تقرن به يدل على الله تعالى. مفردة (سبحان) تحول الواقع النظري إلى عملي، فتضيء النظري، وتحيي العملي، فتحيي فينا حياة المعرفة الإلهية، بتسديداتٍ ربانيّة سبحانية. وسوف تضيء لنا هذه المفردة النقاط التالية: ■النقطة الأولى: الاستخدام اللغوي لمفردة: سبحان. سبحان نوع من التسبيح، و "التَّسبيح: هو تنْزيهُ الله جلَّ ثناؤه من كلِّ سوء. والتَّنْزيه: التبعيد. والعرب تقول: سبحان مِن كذا، أي ما أبعدَه" (2). ■النقطة الثانية: الاستخدام القرآني لمفردة: سبحان. إنّ المتأمل في الآيات القرآنية الكريمة يجد أنّ مفردة (سبحان) تكررت أربعة وأربعين مرّة، وجميعها تعطي معنىً واحدًا، وهو التنزيه، كما اتفقت التفاسير الشيعية على ذلك، حسب الظهور السياقي للآيات التي ممكن تقسيمها إلى ما يلي: 1- تنزيه الله تعالى عن أن يشاركه أحدٌ في علم الغيب دون إذنه، كما في قوله تعالى: { قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم} (3)، فعلم الغيب علمٌ استأثر الله تعالى به لنفسه، ولم يطلع على بعضه أحدًا إلاّ مَن شاء، بقول تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * اِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدا} (4)، أما إذا لم يشأ سبحانه اطلاع أفاضل خلقه على غيبه، فيستأثر به لنفسه، رغم أفضلية منزلته عند ربّه على سائر الأنبياء والملائكة، مثل: أ/ أمر الرّوح، يقول تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} (5). فانفرد تعالى بالعلم بالروح، وأمر نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يرجع أمر العلم بحقيقتها لربّها فقط، فسبحانه من أن يشاركه أحد من خلقه في ذلك. ب/ يوم القيامة، يقول تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُو} (6). فانفرد تعالى بالعلم بموعد قيام القيامة، وأيضًا امر نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلّم) أن يرجع أمر تحديد زمانها إلى ربّه وحده، وسبحانه من أن يشاركه أحد من خلقه في ذلك. ج/ توحيد الله تعالى لنفسه، يقول تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم} (7). فانفرد تعالى بكيفية توحيده لنفسه، وسبحانه من أن يشاركه أحد من خلقه في ذلك. فها هو الإله منزّه عن مشاركة خلقه لعلمه الغيبي. 2- تنزيه الله تعالى عن أن يكون له ولد. الأقوام السابقة الضالة اختلفت في نسبة نوع الولد لله تعالى، فمنهم من نسبَ له تعالى أن يكون له ابن من الذكور، كاليهود الذين قالوا بأنّ عزير ابن الله، والنصارى الذين قالوا إنّ عيسى ابن الله، سبحانه عمّا ينسبون، {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّه} (8)، ولهذا جاءت الآية الكريمة منزّهة لله تعالى عن تلك النسبة، حيث قال تعالى: {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَد} (9). ومن الأقوام الضالة من نسب لله تعالى أن تكون له البنات أبناءً، ويكون لهم البنين،{ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَه} (10)، ونزّه الله سبحانه نفسه عن تلك النسبة. ومنهم من نسب لله تعالى أن تكون له الملائكة أبناء {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُون} (11)، فالله تعالى نزّه نفسه عن تلك النسبة أيضًا، وتنقل بعض التفاسير أنّ المنزلة العظيمة التي أعطاها الله سبحانه لملائكته ناشئة من علمه الأزلي بأقوالهم وأفعالهم جميعها طاعةً له – إذ خلقهم بعقلٍ فقط- " (12). والآيات كثيرة بصدد هذا المضمار، وجميعها تذيّل بكلمة (سبحانه)، أو (سبحانك)، أو (سبحان ربّك)، وما شابه، فتنزَّه الله تعالى عن أن يكون له ولد، بنت، ملائكة، أبناءً. 3- تنزيه الله تعالى عن الشريك في الملك، كما في قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُون} (13)، وهذه الآية مستبطنة لقضية شرطية –كما يستدل المناطقة- مؤداها نفي الشريك عن الله تعالى في الواقع الخارجي، بدلالة كلمة (سبحان الله) أي تنزّه الباري تعالى أن يكون له شريك، وذيل الآية جاء للفظ الجلالة –وهو ربّ العرش أي ربّ العلم، فلو كان لله تعالى شريك في الملك لكان تعالى عالمًا بذلك الشريك وبأفعاله وآثاره؛ لعلمه المطلق جلّ جلاله. ثم استنكرت الآية في ذيلها ما يصفون لله من شريك؛ ترتيبًا على التنزيه. 4- تنزيه الله تعالى عن التجسيم ولوازمه كالرؤية، كما قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* يَا مُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيم} (14)، فهنا نبي الله موسى (عليه السلام) نزّه ربّه من أن يكون كالنور المادي المحسوس، وقول النبيّ حجّة، فوجب تنزيه الله تعالى عن الرؤية. 5- تنزيه الله تعالى عن الظلم، كما قال تعالى: {وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا} (15)، إنّ العقل يدرك إجمالاً الحسن والقبح، فيقول هذا الفعل حسن، وهذا الفعل قبيح، فيؤمن أنّ الإيفاء بالوعد أمرٌ حسن، وخلفه قبيح، وبالتالي إنّ الله تعالى وعدَ عباده المطيعين الجنة، ووعد العاصين منهم النار، وإن لم يوف بعهده كان ظالمًا، والظلم أمرٌ قبيح؛ فهو هنا مترتب على خلف الوعد. ولهذا جاءت الآية منزّهة لله تعالى عن الظلم؛ بقرينة كلمة (سبحان ربّنا)، وهي حاكية عن لسان قومٍ وجدوا حقًا ما وعدهم ربّهم. ■النقطة الثالثة: الاستخدام الروائي لمفردة: سبحان. الروايات الشريفة كان رأس مالها الآيات الكريمة، فاستند الثقل الأصغر على الأكبر، وكان المؤدى واحدًا، وهو تفسير مفردة (سبحان) بالتنزيه؛ روي عن هشام الجواليقي، قال: "سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله (عز وجل): سبحان الله ما يعني به؟ قال: تنزيهه"(16). ولم تزد الروايات على ذلك في المعنى. ■النقطة الرابعة: التفاتة عقائدية. إنّ عقيدة الشيعة تجذرت على ما جاءت به الآيات الكريمة، والروايات الشريفة، هذا من جانب النقل. أما من جانب العقل فلكلِّ تنزيه استدلال عقلي يختلف عن الآخر، لابد من التعريج عليه، بل والتركيز؛ لأنّ العقل طريق مشترك بين ذوي الأديان والمذاهب، وبالتالي يكون أشد صلابةً كدليلٍ ممكن أن يحاجج به لإثبات تنزيه الله تعالى، والكلام هنا ضمن نقاط: 1- الاستدلال العقلي على تنزيه الله تعالى من إثبات الولد له. بقضيةٍ شرطيةٍ نقول: لو كان لله تعالى ولد لكان هو أبًا له، والتالي باطل، فالمقدم مثله في البطلان. بيان الملازمة: إن كان الله تعالى أبًا لكان له أب أيضًا، ولذلك الأب أب، وهكذا تتسلسل السلسلة، وبالتالي سيكون الله تعالى مخلوقًا من أبيه –على مبنى الفرض-، وعبادة المخلوق كفر؛ فالمخلوق لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا فأنّى له أن يُعبد ويغني عباده وهو في نفسه حقير فقير محتاج إلى خالقه؟! فالأب ليس العلّة التامة للابن، بل هو علّة ناقصة، وعلّته التامة هو الله تعالى. وبهذا ثبت تنزيه الله سبحانه عن اثبات الولد له. 2- الاستدلال العقلي على تنزيه الله تعالى عن إثبات الشريك له. هنا ممكن الاستدلال بدليل التمانع، المتكوّن من قضية شرطية أيضًا. وخلاصته: "لو كان لله شريك للزم فساد الكون، وهذا الدليل مستنبط من قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} (17)، والتالي باطل، والمقدم مثله في البطلان. بيان الملازمة: لو أراد الله تعالى خلْق جسم ما، وأراد الإله الآخر خلْق نفس الجسم، فهنا احتمالان: ١/إن اختلفت إرادتهما بأن يريده أحدهما ساكنًا، والآخر متحركًا، فالأمر لا يخلو عن ثلاث فرضيات: أ- أن يقع مرادهما، وهذا باطل؛ لأنه يلزم اجتماع النقيضين -الحركة والسكون-. ب- أن يقع مراد أحدهما، وهذا باطل؛ لأنه ترجيح بلا مرجح، ويدل على عجز الإله الثاني، فتنتفي فرضية وجود شريك مع الله سبحانه. ج- أن لا يقع مرادهما، وهذا باطل؛ لأنّه يلزم خلو الجسم من الحركة والسكون. ٢/إن اتحدت إرادتهما، بأن يريدا الجسم أن يكون متحركًا مثلاً، وهذا باطل أيضًا؛ لأنّ الجسم لا تتعلق به أكثر من إرادة واحدة، وبالتالي يقع مراد أحدهما، ويكون الآخر عاجزًا، والعاجز لا يصح أن يكون إلهًا، وهذا ينفي وجود شريك مع الله سبحانه" (18). 3- الاستدلال العقلي على تنزيه الله تعالى عن اثبات الجسم له. أيضًا بقضية شرطيةٍ نقول: لو كان الله تعالى جسمًا لكان تعالى محتاجًا إلى أجزائه، والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. بيان الملازمة: لأنه لو لكان تعالى محتاجًا إلى أجزائه فالاحتياج صفة المخلوقات، والله سبحانه هو الغني المطلق، وهذا ينافي قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد}. أيضًا لو كان جسمًا لجرت عليه أحكام وقوانين الزمكان، فيلزم أن يكون موجوداً في المكان والزمان الذي تُفترض رؤيته فيه، وعدم وجوده في سائر الأزمنة والأمكنة الاخرى، وهذا ينافي قوله تعالى:{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير})، فلو حواه مكان للزمت الإشارة إليه بالحواس -بالنظر أو باليد-، والمشار إليه محدود. وما امتازت به الشيعة الاماميّة هو الاعتقاد ببساطة ذات الله تعالى، والمراد بالبساطة: عدم التركيب -الملازم للجسميّة-. وبما انّ واجبيّة الوجود هي المائز بين الموجود الواجب والممكن منه، تعيّن التعريف بذلك. الموجود الواجب: هـو الموجودُ الذي يكون وجودهُ نابعاً مِن صميمِ ذاتهِ، ومتحقق الوجود خارجًا بالضرورة. والموجود الممكن: هو الموجودُ الذي يكون وجودهُ مفاضًا عليه، اذ تساوت نسبة الوجودِ والعدم فيه، ولا يستدعي في حدِّ ذاتهِ ترجيح أحد النسبتين، بـل علّته الواجبّة ترجّح له نسبةٍ الوجود. ومِن هنا يتضح انّ واجبَ الوجودِ غنيٌ، غير محتاجٍ بلحاظ علِّيته، بينما الممكنُ محتاجٌ الى علّته، بلحاظ معلوليّته. واذا تعيَّن غنى الواجب سبحانه تعيَّن عدم كونه مركباً مِن أجزاء، فالمرّكب محتاجٌ لأجزائه، والاحتياج مِن سمات الممكن، اذًا الواجبُ بسيطُ الذات. ولإثبات بساطة ذاته تعالى نقول: إنّ الماهيّة إمّا أن تكون مركبة أو بسيطة، فالمركبة منها: أ- قد تكون مركبة تركيبًا عقليًّا (مِن قبيل النوع والجنس والفصل)، وهذا التركيب محالٌ على الله تعالى، "فلو كانَ الله تعالى له ماهيةً مركبة لكانت له أجزاءً عقليّة". والتالي باطلٌ، فالمقدّم مثلهُ في البطلان. ب- وقد تكون مركبة تركيبًا مقداريًا (مِن قبيل الخط والجسم والسطح) والمراد بالخط: هو المتحيّز الذي يقبل القسمة في الطول فقط. والسطح: هو المتحيّز الذي يقبل القسمة في الطول والعرض فقط. والجسم: هو المتحيّز الذي يقبل القسمة في الطول والعرض والعمق. وهذا التركيب محالٌ على الله تعالى أيضًا، بدليل القضيّة الشرطيّة التالية: "لو كانت ذات الله مركبة تركيبًا مقداريًا لكانت متحيّزة". والتالي باطل؛ لاحتياج المتحيّز الى مكان، والاحتياج ينافي الغنى المُطلق، فالمقدّم مثله في البطلان. ج- وقد تكون مركبة تركيبًا خارجيًا ( مِن قبيل الصورة والمادة) فالصورة: هي الجوهر المفيد لفعلية القوّة. والمادة: هي الجوهر الحامل للقوة. والله تعالى ليس بجوهر، فهو ليس بصورة، ولا مادة. "فلو كانَ الله تعالى جوهرًا لزمَ أن لا يخلو مِن الحوادث". والتالي باطل؛ لأنّ الذي لا يخلو مِن الحوادث فـهو حادث، والحادثية تنافي الأزلية، فالمقدّم مثله في البطلان. وإذا سقطَ فرضُ كون ماهية الله تعالى مركبة -بجميع أقسامها- ثــبَتَ فرضُ كونها بسيـطة، وتنزّه سبحانه عن الجسمية ولوازمها، وهوَ المطلوب. 4- الاستدلال العقلي على تنزيه الله تعالى عن اثبات الظلم له. إنّ العدل صفة كمال، واتصاف المولى بها يعد كمالاً له تعالى، وسلب العدل عنه تعالى يعدّ نقصًا له جلّ جلاله؛ لأنّه عندئذٍ سيوصف بالظلم، وهذا محال؛ لأنّه خلافٌ لما نراه من عدله في الأمور التكوينية والتشريعية والجزائية. ________________________ (1) الصافات: 159. (2) معجم مقاييس اللغة: لأحمد بن فارس، ج3، ص125. (3) البقرة: 32. (4) الجن 26-27 (5) الإسراء: 85. (6) الأعراف: 187. (7) آل عمران: 18. (8) التوبة: 30. (9) النساء: 171. (10) النحل: 57. (11) الأنبياء: 26. (12) الميزان في تفسير القرآن: للعلامة الطباطبائي، ج14، ص276. (13) الأنبياء: 22. (14) النمل: 8. (15) الإسراء: 108. (16) التوحيد: للشيخ الصدوق، ب45، ح3. (17) الأنبياء: 22 (18) ظ: أجوبة الشبهات الكلامية: محمد قراملكي، ج1، ص385. وسبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون، والحمد لله ربّ العالمين، وصل اللّهم على محمّد وآله الطاهرين.

النكات العلمية في القرآن الكريم
منذ 3 أشهر
317

تأويلاتٌ عقائدية من دعاء الجوشن الكبير

بقلم: علوية الحسيني قال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا} (1) الآية الكريمة أشارت إلى وجود أسماءٍ حسنى لله تعالى، وأمرتنا بالدعاء بها، وآيات بعض السور عددّت تلك الأسماء، ومن صعب عليه احصاؤها فليرجع إلى السنة النبوية المروية عن محمد وآل محمد (عليهم السلام) حيث يجدها قد أحصيت ودُوّنت. عدد تلك الأسماء لم يتفق عليه علماء الكلام والفلاسفة، فمنهم من قال بأنّها توقيفية -أي لا يمكن تسمية الله تعالى بغير ما سمّى به نفسه- وهم المتكلمون، وخالفهم الحكماء وقالوا بجواز تسميته تعالى بغير ما سمّى به نفسه -مع الحفاظ على قدسية الذات الإلهية وضرورة كون الأسماء لا يوحي بالجسمية بالإضافة إلى اختصاص إطلاق ذلك بأهل الاختصاص العقائدي-، فأسموه بواجب الوجود، وبسيط الحقيقة، وما شابه . وليس كلامنا في اختلافهم، بل في تعدّد الأسماء التي أُطلقت على الله تعالى في دعاء الجوشن، التي يلزم تأويلها؛ لأنّ ظاهرها يدل على أن يكون لله شيء يشبهه، وهذا كفرٌ؛ لأنّه مخالف لصريح الآية الكريمة: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء}(2). وعلى ذلك وجبَ تسليط الضوء على أمثال تلك المفردات الواردة في الدعاء، ضمن النقاط التالية: ■النقطة الأولى: مفرداتٌ تدلّ على كون الله تعالى جسمًا جاء في دعاء الجوشن الكبير: "يا اَقَرَبَ مِنْ كُلِّ قَريب" (4) "يا رَفيقَ مَنْ لا رَفيقَ لَه" (5) "يا رَفِيْق" (6) "يَا عَالِي" (7) "يا مَنِ السَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمينِه" (8) ظاهر هذه المعروف أنّها تدل على أنّ الله تعالى جسمٌ كأجسامنا يكون قريبًا علينا كقرب حبل الوريد بل أشد قربًا، أو أنّه تعالى رفيقٌ لنا كالصاحب الذي لا يفارق صاحبه، وأنّ له مكانًا عاليًا، وأن له يدين يطوي بها السماوات والأرض.... وجميع تلك المفردات تؤول؛ حفاظًا على قداسة الذات الإلهية. فبالنسبة إلى الثلاثة فقرات الأولى فيجب تأويلها إلى مصاحبة ومعيّة الرحمة والعناية الإلهية، والقرب منها، لا أن يصاحب العبد، ويكون مع أو قرب الله سبحانه. *وسبب تأويل تلك المفردات هو: لأنّ الله تعالى ليس جسمًا، فالجسم يلازم أن يكون له مكان، ثم ترافقه وتكون معه أو بالقرب منه، إذًا فالجسم محتاج إلى مكانٍ يحلّ به. فلو كان الله تعالى جسمًا لاحتاج إلى مكانٍ يحلّ به، والمحتاج لا يكون إلهًا، والله سبحانه يقول في كتابه العزيز أنّه هو الغني، وليس المحتاج الفقير: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد} (9). وقد ثبت بذلك أنّ الله تعالى لا يحدّه مكان، وبالتالي يكون تأويل مفردات الدعاء: يا من رحمته أقرب من كلّ رحمة، ويا من رحمته مرافقة لنا، ويامن رحمته معنا أينما كنّا؛ فجميعنا محتاج إلى رحمة ربّه حدوثًا وبقاءً -كما يقول المتكلمون-؛ أي منذ أن أخرجنا الله تعالى من كتم العدم إلى ساحة الوجود، وأفاض علينا الحياة فحاجتنا إلى رحمته وعنايته وتدبيره إلى ما لا نهاية، أي في جميع العوالم (ذر، دنيا، برزخ، آخرة). وهكذا بالنسبة للعلو، فالعلو المقصود به هنا ليس العلو المكاني، المشار إليه بالحواس، بل المراد منه علو الشأن والعظمة له سبحانه، ولهذا يجب تأويل هذه المفردة بذلك. وسبب التأويل: لأنّ عالي المكان محتاج إلى المكان، والمحتاج إلى المكان جسم، والله سبحانه غنيٌ كما أثبتنا. وهكذا بالنسبة لإثبات اليدين لله تعالى، ليس المراد بها اليدين الجارحتين، بل المراد منها القدرة الإلهية، ولهذا يجب أن تؤول؛ لأن من كان له يدان فهو جسم وهما جزء من ذلك الجسم، والجسم محتاجٌ إلى أجزائه، والمحتاج ليس إلهًا، فهو الغني عن العالمين فكيف به يحتاج إلى يدين؟! ■النقطة الثانية: مفرداتٌ تدل على اثبات الشعور النفساني لله تعالى جاء في دعاء الجوشن الكبير: " يا مَنْ يُحِبُّ الصّابِرينَ يا مَنْ يُحِبُّ التَّوّابينَ يا مَنْ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرينَ يا مَنْ يُحِبُّ الُْمحْسِنين" (10) "يا اَحَبَّ مِنْ كُلِّ حَبِيْب" (11) "يا حَبيبَ مَنْ لا حَبيبَ" (12) "يا اَنيسَ مَنْ لا اَنيسَ لَه" (13) "يا مُرْتاح" (14) فظاهر هذه المفردات يدلّ على اتصاف الله تعالى بشعورٍ نفساني نتيجة اختلاجاتٍ نفسية حسية تحصل في الدماغ، فيشعر بالحب والارتياح! ويجب تأويل تلك المفردات؛ حفاظًا على قداسة الذات الإلهية، فيؤول الحب باللطف والرحمة، وهما صفتان فعليتان من صفات الله سبحانه. وسبب التأويل هو: لو اتصف الله سبحانه بشعور الحب للزم أن يكون له دماغ يجري فيه عمل الخلايا الدماغية التي تتولى إرسال الإيعازات إلى الدماغ -كما هو الحال عند البشر-، وهذا باطل؛ لأسباب منها: كونه ليس جسمًا حتى يكون له دماغ، كما نفينا عنه الجسمية قبلًا، وعلى فرض عدم تجسيمه فمجرد شعوره هذا فإنّه سبحانه سيكون شبيهًا بمخلوقاته، وهذا باطل أيضًا؛ بدلالة الآية المحكمة: {ليس كمثله شيء}. وهكذا بالنسبة لصفة الارتياح، بالإضافة إلى لزوم أن يكون الله تعالى جسمًا، وهو باطل كما أثبتنا، فكذلك نقول: لو اتصف الله سبحانه بالارتياح للزم ثبوت التعب والإعياء له؛ فالارتياح يأتي بعد تعبٍ وإرهاقٍ وإعياءٍ شديد. وهذا محالٌ عليه تعالى؛ فمن يتصف بتلك الصفات ليس إلهًا؛ لأنّ الإله قادرٌ قدرة مطلقة، يقول للشيء كن فيكون، أو يخلق الخلق بمراحل تدريجية لحكمةٍ هو أعلم بها. ثم إنّه مخالف لصريح الآية الكريمة: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوب} (15)، فاللغوب هو التعب والإعياء، والله تعالى يقول أنّه خلق السماوات والأرض ولم يصبه تعب. ■النقطة الثالثة: مفرداتٌ تدلّ على حلول الله تعالى في مخلوقاته، وحلولهم به جاء في دعاء الجوشن الكبير: "يا مَنْ كُلُّ شَيْء مَوْجُودٌ بِه" (16) "يا مَنْ كُلُّ شَيْء قائِمٌ بِه" (17) فظاهر هذه المفردات هو الحلول، وهذه عقيدة باطلة لم يقل بها محمد وآل محمد (عليهم السلام)، ولهذا وجب تأويلها إلى أنّ كلّ شيءٍ موجودٌ بأمر وفعل الله سبحانه؛ كونه هو العلة التامة التي أوجدت معلولاتها -مخلوقاتها-. وكذلك يؤول إلى كلّ شيءٍ قائم بفعل الله سبحانه وإرادته؛ حفاظًا على قداسة الذات الالهية من أن تكون كالوعاء الذي يحوي مخلوقاته، أو المتحد معهم. وذلك انطلاقًا من الأصل العقلي القائل (إن وحدة حقيقة الوجود تلازم عمومية التأثير)، أي المؤثر واحد وهو الله تعالى، وما سواه هي آثاره وهي مخلوقاته؛ لأنّ الأصالة للوجود، فيكون هو المؤثر، والماهيّات اعتبارية فتقوم بالوجود كقيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي -أي إنّ الحروف جميعها ليس لها معنى مستقل مالم توضع في جملة حتى تعطى معنى، فلو قلنا: (إلى) لا يدل إلاّ على معنى الانتهاء، بينما لو قلنا: (ذهبتُ إلى مكة المكرمة) دلّت الجملة على معنى تام، فالمخلوقات كالمعاني الحرفية. وبذلك يكون كلّ مخلوق موجودًا بفعل الله تعالى فهو قائم بفعل الله تعالى، ومنشأ ذلك هو أصل عقلي أيضًا يقول (بقيام المعلول بالعلة)، فجميع المعلولات -المخلوقات- تحتاج إلى علّتها التامة -خالقها- حدوثًا وبقاءً. وسبب التأويل هو: لأنّه لو اتحد سبحانه مع غيره فإنّ الناتج لا يخرج عن ثلاثة احتمالات: 1- أن يبقى الموجودان موجودَين، وهذا باطل؛ لأنّه خلاف نتيجة الاتحاد. 2- أن يُعدم الموجودان وينتج آخر غيرهما، وهذا باطلٌ؛ لأنّ الناتج أجنبيّ عنهما. 3- أن يُعدم أحدهما ويبقى الآخر، وهذا باطلٌ أيضًا؛ لأنّ المعدوم لا يتحدُ مع الموجود. وكذلك باطل من حيث منافاته مع الآيات القرآنية الدالة على أحدية الله تعالى، منها قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} (16). وبهذا تبقى عقيدة الشيعة الإمامية هي التنزيه، والتوحيد الخالص، وتأويل أي مفردةٍ تؤدي إلى سلب الكمال عن الله (جلّ جلاله). ___________________ (1) الأعراف: 180. (2) الشورى: 11. (3) ف 14 من الدعاء. (4) ف 54 من الدعاء. (5) ف 59 من الدعاء (6) ف 73 من الدعاء. (7) ف 36 من الدعاء. (8) ف 67 من الدعاء. (9) فاطر: 15. (10) ف 72 من الدعاء. (11) ف 45 من الدعاء. (12) ف59 من الدعاء. (13) الفقرة نفسها. (14) ف 65 من الدعاء. (15) ق: 38. والحمد لله الذي هو هكذا، ولا هكذا غيره.

العقائد
منذ 3 أشهر
427