علوية الحسيني

التهاون في أداء الصلاة بوقتها

بقلم: علوية الحسيني قال الله تعالى في محكم كتابه وعظيم تنزيله: بسم الله الرحمن الرحيم {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِم سَاهُون}(١). روي "عن محمد بن الفضيل قال: سألت عبدا صالحا (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: " الذين هم عن صلاتهم ساهون " قال: هو التضييع"(٢). أهمية الموضوع: يعد التهاون في أداء الصلاة بوقتها مشكلةً بات العديد من المؤمنين يسأل عن علاجها، وبيان أسبابها... ولو تساءلنا: ما المقصود بالتهاون؟ وماهي مصاديقه؟ وما موقف الشرع منه؟ وما أسبابه؟ وماهي التبعات لذلك؟ هذا ما ستتم الإجابة عليه ضمن النقاط التالية: ■ مفهوم التهاون ▪️التهاون لغةً: هو الاستخفاف(٣). ▪️التهاون شرعاً: "هو الترك، التواني، التضييع"(٤). ▪️موقف الشارع المقدس منه: "لا يجوز التهاون في أداء الواجب"(٥). ▪️من مصاديق التهاون: ١- أن يؤخرها عن أوّل وقتها بلا عذر شرعي أو عرفي، بل من باب عدم الاهتمام بها. ٢- أن يترك الصلاة في الوقت المقرر لها بلا عذر شرعي وإن قضاها بعد ذلك. ٣- أن يصلّي في بعض الأوقات ولا يصلّي في البعض الآخر، فمتى كان له فراغ يصلي ومتى كان مشغولاً بالأمور الدنيوية يترك الصلاة. ٤- أن لا يهتمّ بالصلاة، فينسى الإتيان بالصلاة لعدم اهتمامه بها أو ينام عنها بنحو لو كان يهتمّ بالصلاة لم ينس أو لم ينم"(٦). من مناشئ التهاون وأسبابه: أ-عدم استشعار مراقبة الله تعالى. ب-الجهل بعاقبة الامور. ج-نقصٌ في الإيمان. د-مرافقة أصحاب السوء. ه-مطاوعة الشيطان. ز- كثرة الذنوب. الآثار السلبية للتهاون: أ- انتهاك حرمة التعاليم الإلهية. ب- تشتت وحدة المسلمين التي يحكي عنها الصلاة وقتُ صلاةٍ واحدٍ يجمعهم عليها. ج- الابتعاد عن الله تعالى. د- عدم شكر الله سبحانه. ▪️شاهدُ حال: كان هناك شاب في مقتبل عمره، متهاون في الواجبات التي ألقاها عليه خالقه، لم يجد ناصحًا من أهله، ذات مرة وفي شهر رمضان المبارك طلب منه صديق أبيه الشيخ العجوز أن يوصله إلى المسجد، وأمره أن يتوضأ حتى يصلي معهم جماعة، فتظاهر الشاب بالامتثال لأمر الرجل العجوز، وتوضأ، وقرر أن يتركه في باب المسجد ويهرب، وإذا بهما قد وصلا المسجد، إلاّ أنّ الشاب عجز عن الهروب لشدة الازدحام في شارع المسجد آنذاك، لكنه وهو يسير متجهاً للمسجد قرر أن يبدأ الصلاة مع المصلين وما أن يسجدوا يقطع صلاته ويهرب. فكبّر المصلون، وقرأ إمام الجماعة آياتٍ بيّناتٍ مؤثرات، وإذا بالشاب تنهمر دموعه، ويضطرب حاله، ويتفاقم خشوعه، وابتلّت لحيته، وأحزن المصلين نحيبه، وما أن وصل إلى السجود إلاّ وقلبه متعلقٌ بالصلاة، فمنذ ذلك اليوم وهو يحافظ على كيفية أداء صلاته، وأوقاتها. ■ تبعات التهاون في الصلاة: أ- المتهاون يلقى الله تعالى ولا عهد له: حيث روي عن أبان بن تغلب أنه قال: "كنت صلّيت خلف أبي عبدالله (عليه السلام) بالمزدلفة، فلمّا انصرف التفت إليّ فقال: يا أبان، الصلوات الخمس المفروضات من أقام حدودهنّ وحافظ على مواقيتهنّ لقي الله يوم القيامة وله عنده عهد يدخله به الجنّة، ومن لم يقم حدودهنّ ولم يحافظ على مواقيتهنّ لقي الله ولا عهد له، إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له"(٧). ب- رجوع الصلاة إلى صاحبها المتهاون بها وهي سوداء مظلمة: حيث روي "عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كل سهو في الصلاة يطرح منها غير أن الله تعالى يتم بالنوافل، إن أول ما يحاسب به العبد الصلاة فإن قبلت قبل ما سواها، إن الصلاة إذا ارتفعت في أول وقتها رجعت إلى صاحبها وهي بيضاء مشرقة تقول: حفظتني حفظك الله وإذا ارتفعت في غير وقتها بغير حدودها رجعت إلى صاحبها وهي سوداء مظلمة تقول: ضيعتني ضيعك الله"(٨). ج- لا تنال المتهاونَ شفاعةُ النبي محمد (صلى الله عليه وآله): حيث روي "عن أبي بصير قال: قال أبو الحسن الأول (عليه السلام): إنه لما حضر أبي الوفاة قال لي: يا بني إنه لا ينال شفاعتنا من استخف بالصلاة"(٩). د- التهاون يؤدي إلى الدخول في عظائم الذنوب: حيث روي "عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا يزال الشيطان ذعرا من المؤمن ما حافظ على الصلوات الخمس فإذا ضيعهن تجرء عليه فأدخله في العظائم"(١٠). الارتباط بمصائب أهل البيت عليهم السلام: لو تتبعنا كيف أحيا الإمام الحسين وأهل بيته (عليهم السلام) ليلة العاشر من محرم لوجدنا حرصهم على إقامة الصلاة بوقتها، رغم حلكة الظروف التي يمرون بها، فكان(عليه السلام) يؤدي الصلاة والسهام تتراشق صوبه وجيشه. والخلاصة: أن المستخف بصلاته لا يرد على الحوض. أن المستخف بصلاته ليس من شيعة آل محمد حقًا. _____________________ (١) الماعون: ٤-٥. (٢) الكافي، ج٣، باب من حافظ على صلاته أو ضيعها، ح٥. (٣) المعجم الوسيط. (٤) ظ: موقع مكتب سماحة السيد السيستاني دام ظله. (٥) الموقع نفسه. (٦) الموقع نفسه. (٧) الكافي: للشيخ الكليني، ج٣، باب من حافظ على صلاته أو ضيعها، ح١. (٨) المصدر نفسه، ح٤. (٩) المصدر نفسه، ح١٥. (١٠) المصدر نفسه، ح٨. اللّهم اجعلنا ممن دأبهم الارتياح إليك والحنين، ونعوذ بك أن نكون من المستخفين، بحرمة محمدٍ وآله الطاهرين.

اخرى
منذ 6 أشهر
690

مَنْ بيد مَن؟!

بقلم: أم عبد الله ثقافة القتل، منهج العنف، عالم وهمي، صراعات، ضياع هوية، عقول منوّمة، فراغ مزدحم بالنّار، فوضى منظّمة، أسرة يقتل بعضها البعض، مجتمع تائه بين مسارات لعبة! شباب تهرب للسلاح الوهمي لتثبت لذاتها أنها تمتلك الشجاعة. وتنسى أنها خسرت أول مواجهة حقيقية مع النفس! إلى عوائلنا الكريمة.. إلى مجتمعنا الكريم.. صحيح أن الحياة أحيانًا تحتاج للترفيه، ولكن أن نبرر انغماسنا التام في عالم إلكتروني ولعبة يقتل فيها الشاب الآخر أو الزوج زوجته! هذا منافٍ للعقل وبعيد عن الإنسانية وهدر لأغلى قيمة يمتلكها الإنسان وهي عمره... لا بأس حين تملّ القلوب أن يختار المرء ما يرّوح عنها لكن لا على حساب عمره وثوابته وقِيَمهِ المجتمعية... نحتاج حلولًا حقيقية لانتشال شبابنا وأُسرنا الكريمة من جهاز بحجم اليد ولُعبة صرنا لعبة بيدها! وهذه الحلول يتكاتف بها مجتمع كاملٌ من ربّ أسرة ومدير مدرسة وصاحب مقهى وشيخ عشيرة وأُم ثم أُم ثم أُم... فراغنا الروحي تصدّر أزمات العمر وضيّعنا العمر العزيز بترهات العقل أو الجهل الجمعي...!! ونحن بأمس الحاجة الآن أن نعرف متى نحمل السلاح ومن نقاتل وكيف نقاتل! وشتّان بين سلاح الأنبياء وسلاح شاب مكتوب في هويتهِ أنه مسلم!

اخرى
منذ 6 أشهر
514

ممهِّدون قبل سن التكليف

بقلم: إشراقة قدسية يتصور البعض أن الدين الإسلامي ينظم سن التكليف الشرعي وما بعدهُ ولا يمت بصلة لما قبل التكليف الشرعي، لذا نجد بعض الأُسر لا تدقق في ملبس الطفل بحجة كونه صغيراً، وغير مكلف، ولا تعير أهمية لنوعية مفرداته وتصرفاته بحجة كونه طفلاً، وليس عليه ذنب. وما إن يبلغ سن التكليف، حتى يبدأ الآباء والأمهات بفرض الواجبات الشرعية عليه بدون تحبيب له، متناسين ما روي في استحباب تمرين الطفل (قبل بلوغه) على العبادة، لكن لو لم يمرّن في تلك المرحلة لكان أداؤه للتكاليف -عند بلوغه- فقط ارضاءً لأبويه. وهذا النمط في التربية سيء للغاية. على كل أبٍ وأمٍ أن يضعا مخططات تمهيدية لكيفية تربية أبنائهما قبل بلوغ سن التكليف، بل قبل قدوم الطفل للحياة الدنيا. نستذكر امرأة من أمهات الصالحين، كانت طوال مدة الحمل تسمع وتقرأ القرآن الكريم، وهذا الفعل أثّر تأثيراً عجيباً في روحية الطفل؛ حيث حفظ القرآن الكريم وهو في الخامسة من عمرهِ! وأخرى كانت توقظ طفلها عند تأديتها لصلاة الليل. وهناك من وضعت في منزلها لوحات باسم الباري (عز وجل) وباسم أهل البيت (عليهم السلام) مما يشعر الطفل باطلاع الخالق المصور وأهل العصمة على أفعالنا وأعمالنا. فالمسؤولية العظمى تقع عليكما أيها الأبوان منذ مدة الحمل وإلى سن التكليف ، فهي مرحلة التمهيد، وهي تبث فيه روح اللهفة لذلك اليوم، حينها سيؤدي الابن الواجبات في سن التكليف بحب وإخلاص. والحال مشابه تقريباً لجعل الطفل منتظرًا لإمام زمانه، البعض يقول: لا يتمكن الطفل من إدراك قضية الإمام (عجل الله فرجه الشريف) وطول عمره وغيبته، والأبوان يجعلان أبناءهما في السنة الميلادية الجديدة بانتظار (البابا نوئيل)! فكيف لطفل أن يفهم الشخصية الوهمية ويصعب عليه معرفة النعمة الإلهية؟! المسألة بأجمعها بيدكما أنتما، وأنتما من تكوِّنان جيلاً مهدوياً، فاسعوا إلى تربية أبنائكما على هذا الأساس، فالذرية الصالحة الممهدة ذخيرة وزاد في الدنيا قبل الآخرة. كما لو أنكما لو لم توفقا لزمن الظهور ربما يدرك أحد أبنائكما أو أحفادكما ذلك، وتكونان سبباً لهذا التوفيق...

اخرى
منذ 6 أشهر
200

مشكلة إدمان الإنترنت لدى الشباب

بقلم: أ.د سعاد سبتي الشاوي تعد تكنولوجيا الاتصال الحديثة -وفي مقدمتها شبكة الإنترنت- من الأمور التي فتحت عصرًا جديدًا من عصور الاتصال والتفاعل بين البشر، خصوصًا فيما يتعلق بوفرة المعلومات والمعارف التي تقدمها لمستخدميها، فأصبح استخدام الإنترنت السمة المميزة لهذا العصر، فيستخدمه جميع أفراد الأسرة بما فيهم الشباب الذين هم عماد كل أمة وسبيل نهضتها، وهم القوة البناءة في سلمها، ووقود دفاعها عن نفسها، وهم الأمل في المستقبل، وفي مقابل ذلك هم الهدف الذي يصوب الأعداء سهام مكرهم للنيل منه، وأسلحتهم في ذلك ووسائلهم متعددة ومنها: الانترنت، إذ أصبح يغزو كافة مجالات الحياة الاجتماعية كوسيلة للاتصال وتبادل الأفكار والمعلومات فضلًا عن المجالات الاقتصادية والسياسية وغيرها، كمأ أنه وسيلة للتسلية وللتجارة و للمراسلة وللصداقة، وأنه وسيلة للعبث والتسكع في دهاليز الإنترنت دون هدف محدد، كما أنه وسيلة للأذى والجريمة مثل الهاكرز. لقد اطلق البعض على شبكة الإنترنت تسمية (الشبكة العنكبوتية) لتشابك خيوطها الكثيرة جدًا، ولعل البعض يقع في خيوط وشباك لا نهاية لها، خصوصًا عندما يسيء استخدامه ويفرط فيه ويعتمد عليه اعتمادًا شبه تام مما يجعله يشعر بالاشتياق الدائم له، ويحاول تصفية كل التزاماته قبل أن يمارس الإنترنت، ويصبح شغله الشاغل وكيف يعود مرة اُخرى للدخول، وبهذا يفقد استقلاليته ويصبح أسيرًا له، لأنه أصبح يتحكم في كل أنشطته الحياتية، وهذا هو ما يطلق علية ادمان الإنترنت . اختلف العلماء في تعريف كلمة (إدمان)، إذ نظر البعض إلى أن الكلمة لا تنطبق إلا على مواد قد تناولها الإنسان، ثم لا يقدر على الاستغناء عنها، وإذا استغنى عنها تسبب ذلك في حدوث أعراض الانسحاب لتلك المادة التي تعرضه لمشاكل بالغة، بالتالي لا يستطيع أن يستغني عنها مرة واحدة، بل يحتاج إلى برنامج للإقلاع عن تلك المادة باستخدام مواد بديلة إلى أن يتم سحب المادة الأصلية بشكل تدريجي. في حين يعترض بعض آخر من العلماء على هذا المفهوم الضيق للتعريف، حيث يرون أن الإدمان هو عدم قدرة الإنسان على الاستغناء عن شيء ما بصرف النظر عن نوع هذا الشيء، طالما استوفى بقية شروط الإدمان من حاجته إلى المزيد من هذا الشيء بشكل مستمر حتى يشبع حاجاته حين يحرم منه. لذا اقتنع بعض العلماء أن هناك من يُسمّون بمدمني الإنترنت، في حين اعترض آخرون وتعرضوا لاستخدام بعض الناس استخدامًا زائدا عن الحد على أنه نوع من أنواع الرغبات التي لا تقاوم. وبصرف النظر عن التعريف واختلاف العلماء في التسمية، فإنه لا خلاف في أن هناك عددا كبيرًا من مستخدمي الإنترنت يسرفون في استخدامه حتى يؤثر ذلك على حياتهم الشخصية(1). عُرف ادمان الإنترنت من قبل الزيدي (2014) (بأنه الاستخدام المطول لشبكة الإنترنيت لمدة ستة ساعات وأكثر في اليوم وعدم قدرة الفرد لاستغناء عنه) (2) ويعرفه شاهين (2015) ( بأنه الاستخدام المكثف للإنترنت، وعدم القدرة على التحكم في هذا الاستخدام الذي يؤدي إلى مرض على حياة الافراد(3) إن أسباب الإدمان على الإنترنت عديدة ومتنوعه منها: عدم القدرة على التعامل مع الضغوط الحياتية اليومية. عدم القدرة على مواجهة المشكلات. عدم القدرة على شغل وقت الفراغ بهوايات متنوعة. عدم القدرة على إقامة علاقات اجتماعية جيدة بسبب الانطواء. الشعور بالخواء النفسي والوحدة النفسية. الهروب من الواقع بضرب الخيال في علاقات تفتقد فيها الحميمية مع الأخر. تجنب مواجهة الأخر وجها لوجه سواء كان الأخر من الأسرة أو الآخرين. المعاناة من بعض الاضطرابات النفسية المتمثلة في الاكتئاب، القلق، اضطراب النوم، التلعثم... الخ. الافتقاد إلى الحب والبحث عنه من خلال الانترنت. الهروب من الواقع وما يحيط به من أعراف وتقاليد وقوانين منظمة تفرض ضروبًا من القيود على الأفعال والكلام مما يدفع الشخص إلى الانفصال عن نفسه والدخول في شخص أخرى من ضرب خيالة، والمغريات الكثيرة حسب ميول الفرد (4) وهناك خمسة أنواع لإدمان الإنترنت هي: إدمان الفضاء الجنسي إي مواقع الجنس الإباحية. إدمان العلاقة السيبرية إي التي تتم عبر الفضاء المعلوماتي (مثل علاقات قاعات الدردشة). الزام الانترنت (المقامرة) أو الشراء عبر الانترنت. الإفراط المعلوماتي مثل البحث عن المعلومات الزائدة عن الحد عبر الانترنت. إدمان العاب الكومبيوتر الزائدة عن الحد (3). إن أعراض حاله إدمان الانترنت تشمل عناصر نفسية واجتماعية وجسدية تؤثر على الحياة الاجتماعية والأسرية للفرد. وقد أظهرت العديد من الدراسات أن تلك الأعراض النفسية والاجتماعية لإدمان الإنترنت تشمل: الوحدة والإحباط والاكتئاب والقلق والتأخر عن العمل وحدوث مشكلات زوجية وفقدان للعلاقات الأسرية الاجتماعية مثل قضاء وقت كاف مع الأسرة فضلًا عن الدخول في عالم وهمي بديل تقدمة شبكة الإنترنت، مما يسبب آثارًا نفسية حيث يختلط الواقع بالوهم، والتقليل من قدرة الفرد على خلق شخصية نفسية سوية قادرة على التفاعل مع المجتمع والواقع الذي يعيش منه. أما الأعراض الجسدية فتشمل: التعب والخمول والأرق والحرمان من النوم والآم الظهر والرقبة والتهاب العينين وعلى وجه الخصوص فإن زيادة المواقع الإباحية تودي للإثارة الجنسية والكبت الجنسي وظهور العديد من المشكلات الاجتماعية، فضلًا عن التعرض لمخاطر الإشعاعات الصادرة عن شاشات أجهزة الاتصال الحديثة، وتأثير المجالات المغناطيسية الصادرة عن الدوائر الالكترونية والكهربائية، كما أن هناك أضرارًا تصيب الإذنين لمستخدمي مكبرات الصوت وأضرارًا مترافقة مثل البدانة وما تسببه من أمراض مرافقة (4). هناك مقترحات عديدة لعلاج ادمان الإنترنت منها: الاعتراف بأن الإنترنت أصبح واقعاً مفروضاً علينا، وليس من الصواب تجاهله أو التغافل عنه، وأنه على الرغم مما فيها من خير فإنه يحمل من المخاطر الشيء غير القليل، فهو سلاح ذو حدين، يمكن أن يكون مفيداً جداً، إذا عرفنا كيف نستخدمه. وهو في نفس الوقت أداة تخريب للنفوس والأرواح عن طريق المواقع الفاسدة والمفسِدة، التي لا تجدي نفعًا، لذا يجب دفع هذه المخاطر قدر المستطاع. ولا شك أن تجاوز تلك المخاطر تحتاج لتظافر كافة الجهود الفردية والجماعية لإصلاح أوضاع الشباب المسلم للخروج من الحال التي هو عليها من خلال : العمل على إيجاد القيادات الرشيدة والحكيمة، العاملة وفْقَ شرع الله ومنهج نبيه صلى الله عليه واله، لحمل أمانة الأمة، وإخراجها من الحال التي أفضت إليه. توفير فرص العمل للشباب، والقضاء على البطالة، وفتح أبواب الإبداع أمامهم، ليستطيعوا خدمة أنفسهم وأمتهم. سد أبواب الفتن وطرائق الفساد وسبل الانحراف، واستثمار وسائل الإعلام عموماً في توجيه الشباب ثقافياً وعلمياً واجتماعياً. العمل على غرس عقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر، مع زرع خوف الله ومراقبته في نفوس الشباب، وتربيتهم على الرغبة فيما عند الله من الأجر والثواب. فضلًا عن تزويد شباب اليوم ورجال الغد بالقيم الإسلامية التي تحافظ على أصالة أمتهم وتراثها. مع الدعوة إلى الانفتاح على تجارب الآخرين والاستفادة من كل ما فيه خير وصلاح. والعمل على ربط شباب الأمة بعلمائها وأصحاب الشأن فيها. وتنمية حب العلم والعمل في نفوسهم. والحرص على إبراز شخصية الشاب المسلم بصورة المسلم الحقيقي. تحقيق المزيد من التواصل مع الشباب، وفتح الصدور والقلوب لهم، والصبر على ما قد يبدو من بعضهم من أخطاء؛ فهذا مدعاة لأن يقتربوا من المصلحين والمربين. والعمل على توسعة المؤسسات التربوية التي يمكن أن تستوعب هؤلاء الشباب؛ إذ لعل النماذج المتاحة لا تتلاءم مع الحاجة المتزايدة. الاعتناء بالبناء الجسمي والعلمي والفكري، وإثراء الساحة بالمزيد مما يسهم في الارتقاء بالشباب، كالأندية الرياضية، والأندية الثقافية، والمراكز العلمية، توسيع دائرة الحوار المباشر والتدريب على مهاراته داخل البرامج واللقاءات، التي تقدم للشباب. _____________________ 1.الزيدي ، امل علي ناصر (2014) ادمان الانترنت وعلاقته بالتواصل الاجتماعي والتحصيل الدراسي لدى طلبة جامعة نزوى رسالة ماجستير غير منشوره، جامعة نزوى، عمان. 2.شاهين، محمد احمد (2015...فاعلية برنامج ارشادي معرفي سلوكي في خفض ادمان الانترنت لدى عينة من الطلبة الجامعيين، مجلة جامعة الأقصى (سلسلة العلوم الإنسانية) المجلد التاسع عشر العدد الثاني). 3.young , j , "lone lines in college students : A cognitive approach Dissertation baster acts in ternational. 40 3- B(21), 1979 4.العباجي ، عمر موفق بشير ، الإدمان الانترنت , دار مجدلاوي للنشر والتوزيع , عمان , 2007.

اخرى
منذ 5 أشهر
194

الزهراء (عليها السلام) تحث النساء على طلب العلم

بقلم: علوية الحسيني تمهيد إنّ طلب العلم كمال، وكل ما هو كمال يحثّ أهل البيت (عليهم السلام) على سلوكه، وها هي السيدة الزهراء (عليها السلام) تحث على أحد الكمالات وهو طلب العلم. السيّدة الزهراء (عليها السلام) المبلّغة الرسالية لرسالات الإسلام بيّنت لبني جنسها من النساء تأكيد الدّين الإسلامي -من بين سائر الأديان- على ضرورة تعلّم المرأة، ومكانتها واحترامها. تذكر بعض الكتب مقام المرأة عند بعض الأديان، وكيفية تحقيرها، مما يجعل المرأة أقل درجة من سائر المخلوقات، حيث كان "علماء وزعماء الديانات يبحثون ويتناقشون على طول قرون عديدة في أن المرأة هل هي إنسان أو غير إنسان، وهل تحمل روحاً أم لا !. وكانت الديانة الهندوكية مثلاً قد سدت أبواب تعليم كتبهم المقدسة على المرأة لعدم جدارتها لذلك !. كما وإنّ الديانة البوذية لم يكن فيها سبيل لنجاة لمن اتصل بامرأة !. وأما في الديانات النصرانية واليهودية فقد كانت المرأة هي مصدر الإِثم ومرجعه فيهما, وكذلك اليونان" (١) وعلى ذلك يقاس ما يقول به الغرب اليوم من الإفراط الزائد في التعامل مع المرأة، رغم منحها مناصب علمية. وعوداً على بدء نتساءل: هل يثبت للمرأة حق التعليم أم شرّع فقط لابنة النبي الزهراء (عليهما السلام)؟ جوابه سيتضح في المطالب التالية. *المطلب الأول: طلب المرأة للعلم من الناحية القرآنية قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير}(٢) ظهور الآية الكريمة يدل على أنّ الذين يرفعهم الله تعالى هم المؤمنون، وأهل العلم، رجالاً ونساءً؛ بدلالة السياق الخطابي للقرآن الكريم حينما يريد تكليف الجنسين يعبّر عن ذلك بصيغة الجمع كما هو واضح في آية {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون} إذ التكليف بإقامة الصلاة لا ينحصر بجنس الرجال دون النساء، بل صيغة الجمع تدل على شمول كلا الجنسين بالتكليف، فكذلك رفع منزلة أهل العلم من للرجال والنساء، والظهور حجّة، وفي ذلك قوّة للدليل على شمول النساء بحق العلم ونيل مرتبة الرفعة الإلهية. ثم إنّ السياق الخطابي وإن كان بضمير جمع المذكر السالم إلاّ أنّ العرب جرت خطاباتهم -تغليباً- على إطلاق جمع المذكر السالم على جمع من المفرد المذكر، وللجمع المختلط من الجنسين على سبيل تغليب المذكر؛ إما للاختصار، أو للخفة، أو لأسباب اخرى. ومعنى التغليب هو اجتماع شيئين في الحكم؛ لوجود تناسب بينهما بوجه من الوجوه. *المطلب الثاني: طلب المرأة للعلم من الناحية الروائية الروايات الشريفة جاءت بدورها تؤكد على طلب العلم، مصرّحةً تارةً بفرض طلبه على النساء، واخرى متضمنةً ذلك، فمما صرّحت به: الحديث القائل: "طلب العلم فريضة على كلّ مسلمٍ ومسلمةٍ"(٣)، ففرضت الرواية تعلّمه حتى على النساء. واخرى متضمنةً حق التعليم للمرأة، ومنها: ما روي "عن جميل عن أبي عبد الله (عليه‌ السلام) قال : سمعته يقول: يغدو الناس على ثلاثة أصناف: عالم ومتعلّم وغثاء، فنحن العلماء وشيعتنا المتعلّمون وسائر الناس غثاء"(٤)، فكلمة (شيعتنا) تشمل الذكر والانثى، فالإمام الصادق(عليه السلام) ساوى بين الرجل والمرأة بثبوت حق التعليم أو التعلّم. *المطلب الثالث: طلب المرأة للعلم من الناحية التاريخية التاريخ بدوره يذكر لنا نسوة أصبحن نجوماً لامعةً في سماء العلم والفضيلة، وعلى رأسهن سيّدتهن وسيّدتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) إنَّ المقامات السامية لها (عليها السلام) وعلومها الزخارة أهّلتها لأن تقوم بدور التربية والتعليم والتوجيه لـنساء العالم في كلّ عصرٍ ومصر. فكانت نساء عصرها يجتمعنَ حولها ويتلقينَ منها علوم الإسلام ويسألنها عن كل شيء؛ حيث هي موضع الحكمة، فتقوم بدورها الرساليّ. وبدأ تأثير رقعة دورها الرسالي يتوسع شيئاً فشيئاً، فبعد اتقان تأثيرها داخل المنزل على بنيها وقريباتها، شعّ لها شعاعٌ معرفي شمل نساء منطقتها، "فكانت تعلّم النساء ما يشكل عليهنّ من الأحكام الشرعيّة والمعارف الإلهيّة الضروريّة، وكان يغشاها نساء المدينة وجيران بيتها"(٥) وحسب ما يذكر التاريخ أنّها (عليها السلام) اتخذت من بيتها منــبراً لتبليغ الرسالة الدعوية، وفي ذلك يُسْرُ طريقةٍ ممكن أن تسلكها أي امرأة تريد الاقتداء بمولاتها. "فذكرت بعض الكتب أنّ بيتها [عليها السلام] كان المدرسة النسائية الاُولى في الإسلام، حيث تقبل عليها النساء طالبات للعلم، فيجدنَ فاطمة العالمة وهي تستقبلهنَ بصدرٍ رحبٍ لا يعرف الملالة والسأم"(٦) وفي ذلك اشارة واضحة لتنظيم وقت المرأة ما بين أعمالٍ منزلية، وواجباتٍ زوجية، وتثقيفٍ بالعلوم الدينية، لتجمع بين العمل والعلم دون أدنى تقصير في أيٍ منهما، وكلٌ مقرون بالنيّة. ومما يدل على سعة صدى ما كانت تبلّغ به السيّدة الزهراء (عليها السلام) هو انتهاج بعض النسوة آنذاك بنهجها، سواء أحضرت درس السيّدة أو لم تحضره، فكانت (عليها السلام) ذات رحابة صدر، وخلق حسن، وتواضع رفيع؛ وبسببه التفت حولها نساء قومها، فروي عن الإمام العسكري (عليه السلام) أنّه قال: "حضَرَت امرأة عند الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام فقالت : إنّ لي والدة ضعيفة ، وقد لبس عليها في أمر صلاتها شيء ، وقد بعثتني إليكِ اسألكِ ، فأجابتها فاطمة عليها السلام عن ذلك ، فثنّت [أي سألت سؤالاً ثانياً] فأجابت ، ثم ثلّثت [أي سألت سؤالاً ثالثاً] إلى أن عشّرت [أي سألت عشرة أسئلة] فأجابت ، ثم خجلت من الكثرة ، فقالت : لا أشقّ عليكِ يا ابنة رسول الله. فقالت عليها السلام : هاتي وسلي عمّا بدا لك... إنّي سمعت أبي يقول : إنّ علماء أُمّتنا يحشرون فيخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر كثرة علومهم وجدّهم في إرشاد عباد الله ، حتى يخلع على الواحد منهم ألف ألف حلّة من نور"(٧) بل ووصل صدى علمها إلى أزواج تلك النسوة اللاتي كنَّ يدرسنَ عندها (عليها السلام) حيث رويَ عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) أنّه قال: "قال رجل لامرأته: اذهبي إلى فاطمة (عليها السلام) بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسليها عني: أنا من شيعتكم أو لست من شيعتكم؟ فسألتها، فقالت (عليها السلام): "قولي له: إن كنتَ تعمل بما أمرناك وتنتهي عما زجرناكَ عنه، فأنت من شيعتنا وإلاّ فلا. فرجعت فأخبرته، فقال: يا ويلي ومَن ينفك من الذنوب والخطايا، فأنا إذن خالدٌ في النار، فإنّ مَن ليس مِن شيعتهم فهو خالد في النار!. فرجعت المرأة فقالت لفاطمة (عليها السلام) ما قال زوجها، فقالت فاطمة (عليها السلام) قولي له: ليس هكذا فان شيعتنا من خيار أهل الجنة، وكل محبينا وموالي أوليائنا ومعادي اعدائنا، والمسلم بقلبه ولسانه لنا لـــيسوا من شيعتنا إذا خالفوا أوامرنا ونواهينا في سائر الموبقات، وهم مع ذلك في الجنة، ولكن بعد ما يطهرون من ذنوبهم بالبلايا والرزايا أو في عرصات القيامة بأنواع شدائدها، أو في الطبق الأعلى من جهنم بعذابها، إلى أن نـستنقذهم بحبنا منها وننقلهم إلى حضرتنا"(٨) وهناك الكثير من تراث السيدة الزهراء (عليها السلام) في شتى النواحي العقدية، والأخلاقية، والفقهية، والقرآنية، والاجتماعية، والتربوية، والزوجية، والوعظية. إذاً ها هو التاريخ يسجل أرقى درجات العلم لامرأةٍ، وعلى نهجها سارت العالمات، فثبت حق التعليم للمرأة، وهو المطلوب. *المطلب الرابع: أيُّ علمٍ يجب أن يُطلب، ولماذا؟ لابد من البحث في فرعين: الأول: في بيان نوع العلوم الأكمل تعلمها، والثاني: في بيان سبب ترجيحها على غيرها. -الفرع الأول: أيّ العلوم يجب أن تطلبها المرأة؟ كما نعلم أنّ التفاوت النسبي ملحوظٌ في جميع الأمور العلمية والعملية، ففي جانب العمل مثلاً منصب المدير أعلى درجةً من منصب الموظف. وفي جانب العلم مثلاً علم الطب أعلى درجةً من علم الزراعة، وهكذا. وهكذا تكون وظيفة الداعية المبلغة أعلى درجةً من وظيفة الطبيبة والمهندسة-مثلاً- ؛ بلحاظ أفضلية العلوم الدينية على غيرها من العلوم. فلو تأملنا في القرآن الكريم لوجدناه يحثّنا على طلب العلوم الدينية أولاً وبالذات، بدليل قوله تعالى: (فَلَوْلَا نَفَر مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون)(٩) يقول العلاّمة الطباطبائي ( قدس سره) في ميزانه مفسراً لهذه الآية: "ومن هنا يظهر... أن المراد بالتفقه تفهم جميع المعارف الدينية من أصول [التوحيد، العدل الإلهي، النبوة، الإمامة، المعاد] وفروع [الصلاة، الصوم، الحج، الزكاة، الخمس، الجهاد، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر] لا خصوص الأحكام العملية وهو الفقه المصطلح عليه عند المتشرعة، والدليل عليه قوله: ﴿لينذروا قومهم﴾ فإن ذلك أمر إنما يتم بالتفقه في جميع الدين وهو ظاهر"(١٠) وأيّده الشيخ ناصر الشيرازي (قدس سره) حيث قال في أمثله: " لا شك أنّ المقصود من التفقه في الدين هو تحصيل جميع المعارف والأحكام الإِسلامية، وهي أعم من الأصول والفروع، لأنّ كل هذه الأُمور قد جمعت في مفهوم التفقه، وعلى هذا، فإنّ هذه الآية دليل واضح على وجوب توجه فئة من المسلمين وجوباً كفائياً على الدوام لتحصيل العلوم في مختلف المجالات الإِسلامية، وبعد الفراغ من التحصيل العلمي يرجعون إِلى مختلف البلدان، وخصوصاً بلدانهم وأقوامهم، ويعلمونهم مختلف المسائل الإِسلامية"(١1) (لـيتفقهوا في الدّين) الفعل المضارع المقرون باللام يدل على الأمر، والأمر ظاهر في الوجوب؛ لعدم وجود قرينة صارفة إلى الاستحباب، إذاً صيغة الفعل تدل على الوجوب"(١٢) ثم إنّ المتأمل في الآية الكريمة يجد أنّ الله تعالى قيّد التفقه بالدّيـن، وهذا قيدٌ احترازي عن غيره، فمدلول الآية التصوري الذهني مطابق للمدلول التصديقي في سياق الكلام. إذاً بما أنّه تعالى ذكر القيّد –الدِّين- إذاً هو سبحانه يريده"(١٣) أمــا أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) بشأن العلم، وحثهم على طلبه، فهي تدلنا أيضاً على أنّه العلم الديني، فقد روي "عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ عَبْدِ الله عَنْ رَجُلٍ عَنْ ابي جعفر (عَلَيْهِ السَّلام) قَالَ: قَالَ الْكَمَالُ كُلُّ الْكَمَالِ التَّفَقُّهُ فِي الدِّين..."(١٤) -الفرع الثاني: لـماذا طلب العلوم الدينية تحديداً؟ إجمالاً نقول: لأنّ العلوم الدينية يترتب عليها اعتقاد وفعل وترك، فهي ليست كغيرها من العلوم. ■توضيحٌ وتصريح: قسّم علماؤنا الأبرار العلم الشرعي حسب مراتبه، حيث قالوا: "وهي [مراتبه] ثلاثة: فرضُ عينٍ، وفرضُ كفايةٍ، وسُنّة. فالأول: اعتقاد كلمتي الشهادتين، وما يجب لله ويمتنع عليه والاذعان بالإمامة للإمام، والتصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله من أحوال الدنيا والآخرة مما ثبت عنه تواترا. كل ذلك بدليل تسكن النفس إليه ويحصل به الجزم... . وأما الفعل: فتعلم واجب الصلاة عند التكليف بها ودخول وقتها، أو قبله بحيث يتوقف التعلم عليه، ومثلها الزكاة والصوم والحج والجهاد والامر بالمعروف... . وأما الترك: ... تعليم ما يحصل به تطهير القلب من الصفات المهلكة كالرئاء والحسد والعجب والكبر، ونحوها، مما تحقق في علم مفرد، وهو من أجل العلوم قدرا، إلا أنه قد اندرس بحيث لا يكاد ترى له أثرا..."(١٥) *فائدة(1): بإمكانكِ اختاه سلوك دراسة العلوم الدينية وأنتِ جالسة في بيتك - إن لم تناسبكِ ظروف حضور الدروس الواقعية-، وذلك من خلال الدراسة الحوزوية الإلكترونية للمدارس الموثوقة. *فائدة(2): حينما نجد التأكيد على طلب العلوم الدينية نلمس عظمة وثقل مسؤولية حملها، وأمانة فهمها وتطبيقها، وتبليغها، فروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: "إِنَّ الْعَالِمَ إِذَا لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ زَلَّتْ مَوْعِظَتُهُ عَنِ الْقُلُوبِ كَمَا يَزِلُّ الْمَطَرُ عَنِ الصَّفَا"(١٦) مع ملاحظة عدم طلب العلم للمباهاة أو الشهرة أو المماراة، حيث روي عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: "مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ يُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ الرِّئَاسَةَ لا تَصْلُحُ إِلا لاهْلِهَا"(١٧) ثم تبليغه للناس، حيث روي عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: "زَكَاةُ الْعِلْمِ أَنْ تُعَلِّمَهُ عِبَادَ الله"(١٨) *فائدة(3): الآيات والروايات وإن حثّت على تعلّم العلوم الدينية لكنها لا تقلل من أهمية العلوم الاخرى كالطب، والهندسة، والحقوق، والزراعة... وغيرها من هذه العلوم، إلاّ أنّها بيّنت الأكمل، والذي كانت تدعو إليه السيّدة الزهراء (عليها السلام) وإلاّ لدينا العديد من المؤمنات جمعنَ بين العلمين، فكم من طبيبةٍ أو مهندسةٍ وهي مبلّغة رسالية، اللّهم زد وبارك. يقول الشيخ زين الدين العاملي (قدس سره): "وباقي العلوم من الطبيعي والرياضي والصناعي أكثره موصوف بالإباحة بالنظر إلى ذاته، وقد يمكن جعله مندوبا لتكميل النفس، وإعدادها لغيره من العلوم الشرعية بتقويتها في القوة النظرية، وقد يكون حراما إذا استلزم التقصير في العلم الواجب عينا أو كفاية، كما يتفق كثيرا في زماننا هذا لبعض المحرومين الغافلين عن حقائق الدين"(١٩) ______________________ (١) المرأة في شريعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): للشهيدة بنت الهدى، ص٢٠. (٢) المجادلة: ١١. (٣) بحار الأنوار: ج٢، ص٣٢، ب٩ من كتاب العلم، ج٢٠. (٤) الكافي: ج١، كتاب فضل العلم، ب٣ ، باب أصناف الناس، ح٤. (٥) شرح ابن أبي الحديد، ج٩، ص١٣٤. (٦) سيدة النساء: ٧٦. (٧) بحار الأنوار: ج٢، ح٣، ص٣. (٨) تفسير الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، ص٣٠٨. (٩) سورة التوبة: ٢٢. (١٠) الميزان في تفسير القرآن للعلامة الطباطبائي، سورة التوبة. (١١) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، تفسير سورة التوبة. (١٢) ظ: دروس في علم الاصول، ح٢، الأمر والنهي. (١٣) المصدر نفسه، قاعدة احترازية القيود. (١٤) الكافي: ج٢، باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء، ح٤. (١٥) منية المريد في آداب المفيد والمستفيد، ١٧٧. (١٦) الكافي: ج٢، باب استعمال العلم، ح٣. (١٧) المصدر نفسه، باب المستأكل بعلمه المتباهي به، ح٥. (١٨) المصدر نفسه، باب بذل العلم، ح٣. (١٩) مصدر سابق، ١٧٨. اللهم اجعل نسائنا عالمات عاملات تقيات، بحق فاطمة عليها أزكى الصلوات.

اخرى
منذ 7 أشهر
951

ومضاتٌ فاطمية لإنارة غياهب الجاهلية (٥)

بقلم: علوية الحسيني "وأشهد أن أبي محمداً عبده ورسوله، اختاره وانتجبه قبل أن اجتباه، واصطفاه قبل أن ابتعثه، إذ الخلائق بالغيب مكنونة، وبستر الأهاويل مصونة، وبنهاية العدم مقرونة؛ علماً من الله تعالى بمآئل الأُمور، وإحاطة بحوادث الدهور، ومعرفة بمواقع المقدور". بعد الشهادة بالألوهية لله تعالى في العبارات السابقة عطفت السيّدة الزهراء (عليها السلام) كلامها بالنبوة لمحمد (صلى الله عليه وآله)، وعرّفت الناس بها؛ لأن المخاطبين جاحدون، فهم على دراية بشخص فاطمة المتكلمة (عليها السلام) بدلالة مَن قال (وإنْ) حين إرادة الشروع بإحراق الدار، فهُم على معرفة بها وبأبيها (عليهما السلام) إلاّ أنّها أرادت كشف الحجب التي رانت على قلوبهم. فقالت (عليها السلام): (وأشهد أنّ أبي محمداً عبده ورسوله) نسبةً لها منه إليه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم بدأت التعريف بشخص النبي(صلى الله عليه وآله)؛ فأول سمة وسمته بها هي العبودية فقالت (عبده)، فهو (صلى الله عليه وآله) عبد من عبيد الله تعالى قبل أن يصطفيه للنبوة. وعطفت وقالت (ورسوله) وربما كان هذا منها إشارة إلى الفارق بين النبي والرسول، "ومعنى الرسول حامل الرسالة، ومعنى النبي حامل النبأ، فللرسول شرف الطاعة بين الله سبحانه وبين خلقه والنبي شرف العلم بالله وبما عنده"(١). (اختاره وانتجبه قبل أن اجتباه) سياق الجملة واحد، إلاّ أنّ هناك فارقًا بين الاختيار والانتجاب. فالمنتجب: هو "المختار من كل شيء، وقد انتجب فلاناً إذا استخلصه، واصطفاه اختياراً على غيره"(٢) أي إنّ الله تعالى اختار محمداً (صلى الله عليه وآله) قبل أن يصطفيه. (واصطفاه قبل أن ابتعثه) الاصطفاء: "...أخذ صفوة الشيء وتخليصه مما يكدره فهو قريب من معنى الاختيار، وينطبق من مقامات الولاية على مقام الإسلام، وهو جري العبد في مجرى التسليم المحض لأمر ربه فيما يرتضيه له"(٣). نعم، يبقى مقام الأفضلية للنبي محمدٍ (صلى الله عليه وآله) على سائر المصطفين الذين أشار إليهم القرآن الكريم في هذه الآية {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ وغيرها؛ بلحاظ اختلاف درجات الاصطفاء. وقد أشار العلاّمة الطباطبائي (قدس سره) إلى اختلاف درجات الاصطفاء بقوله: "من الدليل على ما ذكرناه من اختلاف الاصطفاء قوله تعالى: ﴿وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين﴾ آل عمران: 42، حيث فرق بين الاصطفاءين فالاصطفاء غير الاصطفاء. وقد ذكر سبحانه في هؤلاء المصطفين آدم ونوحًا، فأما آدم فقد اصطُفى على العالمين بأنه أول خليفة من هذا النوع الإنساني جعله الله في الأرض، قال تعالى: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾ البقرة: 30، وأول من فتح به باب التوبة... . فأما آل إبراهيم فظاهر لفظه أنهم الطيبون من ذريته كإسحاق وإسرائيل والأنبياء من بني إسرائيل وإسماعيل والطاهرون من ذريته، وسيدهم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)"(٤). (إذ الخلائق بالغيب مكنونة، وبستر الأهاويل مصونة، وبنهاية العدم مقرونة) تطرّقت السيّدة الزهراء (عليها السلام) إلى ذلك الظرف الذي كان النبي محمد (صلى الله عليه وآله) عبداً لله تعالى، ورسولاً له، مختاراً، منتجباً، مصطفىً، من قبَل الله تعالى، وذلك الظرف هو عالم ما قبل الدنيا، ربما هو عالم الذر؛ بقرينةٍ سياقيةٍ كلاميةٍ متصلةٍ وهي قولها: "إذ الخلائق بالغيب مكنونة" فعالم الذر عالمٌ غيبي لا يعلم به إلاّ الله عزّ وجل، فجميع الخلائق مستورة بعالمٍ غيبي. (وبستر الأهاويل مصونة) ثم عطفت (عليها السلام) على مكنونية الخلائق بالغيب مصونيتها بستر الأهاويل، إشارةً منها إلى أنّ أهاويل الأمور المقدّرة بالعلم الإلهي محفوفة بالخلائق جميعها. (وبنهاية العدم مقرونة) وهذه الجملة -مقرونية الخلائق بنهاية العدم- كسابقها، معطوفة على مكنونية الخلائق بالغيب، ومصونيتها بأهاويل مستورة. فالجمل الثلاثة مفسرة لمعنى واحد، وهو ظرفية الاختيار، والانتجاب والاصطفاء لنبيّ الله محمد (صلى الله عليه وآله). *فائدة: العالم الذي تتحدث عنه السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) هو عالم الذر، عالم خلق الأرواح، حيث أول ما خلق الله تعالى نور نبيّه، بدليل ما روي عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله): "أول ما خلق الله روحي"(٦). وهنا سؤال: كيف اختار الله تعالى واجتبى واصطفى محمداً (صلى الله عليه وآله) قبل أن يجتبيه ويصطفيه -قبل عالم الدنيا-؟ ولماذا فضّل الله تعالى محمداً (صلى الله عليه وآله) على غيره؟ جوابه سيتضح في العبارة التالية: (علماً من الله تعالى بمآيل الأُمور، وإحاطة بحوادث الدهور، ومعرفة بمواقع المقدور) فجاء الجواب منقطاً بالنقاط الثلاثة التالية: ١-لعلم الله تعالى الواسع بخواتيم الامور. ٢-لقيومية الله تعالى وإحاطته وهيمنته. 3- لمعرفة الله تعالى بمواقع المقدورات. ولعلها (عليها السلام) تريد الإشارة إلى أنّ علم الله تعالى بالكليات والجزئيات معاً؛ لقرينة كلمة (مآيل، حوادث، مواقع). وبعبارةٍ منطقية: أنّ الله تعالى يعلم بالمفاهيم والمصاديق. "فالمفهوم: هو الصورة الذهنية الحاصلة عندك حينما تقول اسم محمد مثلاً، والمصداق: هو فرد تلك الصورة المرتسمة في الذهن"(٧). والخلاصة: أنّ علم الله تعالى واسع يتعلّق بجميع الجزئيات –المعلومات-، والجزئيات ممكنات، فيتعلّق علمه تعالى بها؛ لانتفاء مانعية تعلّقه بها. وهذا ما سار عليه متكلموا الإمامية (أعزهم الله) استدلالاً بعبارة العلاّمة الحلّي (قدس سره): "وكل حي يصح أن يعلم كلّ معلوم فيجــب له ذلك"(٨) كما قال المقداد السيوري في شرحه. أي إنّ العلم بما أنّها هي صفة ذاتية فيجب وقوعها آناً، ووقوعها هو تعلّقها بالمعلومات، وإلاّ لو لم يتحقق القوع الآني للزم افتقاره تعالى إلى غيره ليفيض عليه العلم ثم يجعله متعلّقاً بالمعلومات. والافتقار محال على الغني المطلق، فبطل. ______________ (١) تفسير الميزان: السيد الطباطبائي، ج٢، ص١٣٩. (٢) لسان العرب: ابن منظور، ج١، ص٧٤٩. تاج العروس: الزبيدي، ج٢، ص٤١٨. (٣)الميزان (٤) المصدر نفسه. (٥) المصدر نفسه. (٦) شرح أصول الكافي: المازندراني، ج١٢، ص١٢. (٧) ظ: منطق المظفر: الشيخ محمد رضا المظفر، ج١، ص٦٣. (٨) النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر: الشيخ المقداد السيوري، ص٣٤. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الرسول المصطفى المسدد، أبي القاسم محمد، وأهل بيته اولي الشرف والسؤدد.

اخرى
منذ 7 أشهر
376

أيُّ حجٍ عند الإمام الحسيـن (عليه السلام) يكتب للزائر؟

بقلم: علوية الحسيني تزامنًا مع يوم عرفة المبارك ثارت عدّة شبهات حول بعض الروايات الواردة في كتب الشيعة، الدالّة على فضل زائـر الحسين (عليه السلام) في ذلك اليوم، وأفضليته على زائـر بيت الله الحرام. وبعضهم أخذ يقارن بين زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) وزيارة بيت الله الحرام، من حيث المثوبة والتفضيل، متغافلاً وجود روايات في كتبه تقول بفضيلة أعمالٍ عبادية تفوق فضيلة زيارة بيت الله الحرام! ولتوضيح تلك الروايات والإشكالات الواردة عليها، والجواب عنها، ينعقد الكلام ضمن المطالب التالية: ■المطلب الأول: رواياتٌ في فضل زائر الإمام الحسين (عليه السلام): نعلم جميعًا أنّ الروايات من حيث السند منها الصحيحة، والحسنة، والموثقة، والضعيفة، وعلى الرغم من ضعف سـند بعض الروايات محل كلامنا إلاّ أنّ بعضها صحيح السند، على أن التشدد السندي لا يؤخذ به في كل مجال؛ فهناك مجالات يتم التساهل سنديًا فيها كالأمور التاريخيّة، والمستحبات التي تجري فيها قاعدة التسامح في أدلّة السنن مثلًا. وعلى ذلك، فلابأس للمكلّف أن يأتي بها بنيّة رجاء المطلوبيّة، ويأمل أن يكون الشارع المقدّس مريدًا لها، فينال مثوبةً وأجرًا على عمله. ومن تلك الروايات الواردة في كتبنا المبينة لفضل زائر الإمام الحسين (عليه السلام): 1- روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في ثواب من زار الحسين (عليه السلام): "من أتاه في يوم عرفة عارفا بحقه، كتب له ألف حجة، وألف عمرة مقبولة، وألف غزوة مع نبي مرسل أو امام عادل" (1). فظاهر الرواية لم تحدد أي حجٍ تعادله تلك الزيارة، إلاّ أنّه ينصرف المعنى إلى الحج المستحب؛ لأنّنا نؤمن أنّ الحج مع توفر شرائطه يكون فرضًا واجبًا بالكتاب والسنة القطعية، وزيارة الإمام الحسين (عليه السلام) مستحبة على المشهور، فعند تعارض القول بأفضليتهما يقدّم الواجب على المستحب، لكن ظاهر مقصود الإمام (عليه السلام) أنّه يقصد الحج المستحب؛ إذ إنّ المعصوم لا ينافي كلامه دليلًا قطعيًا. 2- روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: "إن الله عز وجل يـبدأ بالنظر إلى زوار قبر الـحسين بن علي (عليه السلام) عشية عرفـة، قال: قلت: قـبل نظره إلى أهل الموقف [أي عرفات]؟ قال: نعم، قلت: وكيف ذاك؟ قال: لأن في أولئك أولاد زنى وليس في هؤلاء أولاد الزنا" (2). فظاهر الرواية تشير إلى كيفية جعل الإمام الصادق (عليه السلام) أهل مكة أبعد من أهل كربلاء؛ بالإشارة لهم باسم الإشارة (أولئك) الذي يستعمل للبعيد، وأشار إلى زوار الإمام الحسين (عليه السلام) باسم الإشارة للقريب (هؤلاء). وحتمًا أنّ من أنكر فضيلة الأئمة (عليهم السلام) فهو غير طاهر المولد، أو منافق، قال العلامة القندوزي (3): "قال أبو رافع مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) رفعه: من لم يعرف حق علي فهو أحد من الثلاث: إمّا أمُّهُ الزانية، أو حملته أمُّه من غير طهر أو منافق" (4). إذًا المبغض المنكر فضائل عليّ (عليه السلام) لابد أن يكون من أحد الأقسام الثلاثة، ولاسيما سائر الأئمة (عليهم السلام)، ويستكثر تمييز الله تعالى للإمام الحسين (عليه السلام) ولزائريه العارفين بحقه. 3- روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: "من زار الحسين (عليه السلام) يوم عرفة عارفًا بحقه، كتب الله له ألف حجّــة مقبولة، وألف عـمرة مبرورة" (3). فنجد أنّ الرواية هنا قيّدت الزيارة بعرفان حق الإمام الحسين (عليه السلام)، ثم أعطته ثواب الحج والعمرة -المستحبين- بذلك العدد. ■المطلب الثاني: مناقشة الروايات: اثيرت بعض الأسئلة على تلك الروايات، نتيجة الوقوف على ظواهر الروايات، أو التغافل عن وجود مثيلها في كتبهم، أو لتفاقم الحقد الدفين على آل محمد (عليهم السلام) لما لهم من منازل رفيعة عند الله تعالى، ومن تلك الأسئلة: السؤال الأول: هل من عدل الله تعالى أن يفضّـل زائر أحبّ أوليائه (عليهم السلام) علــى زائر بيته الحرام الذي ترك المال والأهل والولد ليلّبي نداء التلبية ويؤدي أحد أركان الإسلام الواجبة عليه، بنظر الله تعالى وشموله بالرحمة للزائر الأول قبل الأخير؟! والجواب عليه: أولاً: نقضًا: وهل من عدالـة الله أن يجعل مجـرد صلاة الغداة جماعة والاشتغال بعدها بذكر الله تعالى حتـى طلوع الشمس وتعقيبها بـركعتين تعادل بأجـرها حـجّة وعمـرة –كما يقول الترمذي-؟! والألباني يؤيّـد كلام الترمذيّ في حديثٍ صحيح في (صحيح الجامع الصغير)! عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: "من صلى الغداة في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة، قال: قال: رسول الله (صلى الله عليه {وآله} وسلم) تامة تامة تامة" (5). فإذا كان اللهُ تعالى عـادلًا كما يقول الترمذيّ والألبانيّ بـجعل صلاة ركعتين تعادل أجـر الحجّـة والعـمرة، فـهو سبحانه عـادلٌ كما قال أئمتنا (عليهم السلام) بجعل زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) تـعادل الحـجّة والعـمرة المستحبتان. ونسألهم: هل مَن يصلي مجرد ركعتين يُـقارن بالمثوبة بالذي ترك الأهل والمال والولد ليلبـي نداء الله بزيارة بيته الحرام؟!! فجوابكم جوابنا. ثانيًا: الجوابُ الحلـيّ أنّ السؤال المطروح يوافق مقاييسنا الماديّة نحن البشر، أمّا في المقاييس الالهيّة فلا دخل لذلك في عِظَم الثواب؛ وإلاّ فما بالنـا في نزول سورة الدهر لأجل تخليد صدقة بـكسرة خبز؟! السؤال الثاني: هل إنّ الحسين (عليه السلام) أعـظم منزلةً من الكعـبة حتى جعل الله تعالى مثوبـة زوّاره تفوق مـثوبة زائري بيته الحرام؟ والـجواب عليه: أولاً: نقضًا: إنّ المـسلم أعظم درجةً من الكـعبة، وهذا ما جاءت به كتب القوم أيضًا؛ كالحديث الذي ذكره البيهقي في شعب الإيمان قال: "أخبرنا أبو القاسم بن حبيب... عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: لزوال الدنيا أهون على الله عز وجل من سفك دم مسلم بغير حق" (6). وروي بلفظ : لهدم الكعبة حجراً حجراً أهون من قتل مسلم. قال السخاوي: لم أقف عليه بهذا اللفظ ولكن روي معناه عند الطبراني. وله روايات كثيرة يعضد بعضها بعضا فترتقي به إلى درجة الصحيح لغيره، ومن ذلك ما رواه النسائي من حديث بريدة مرفوعًا: قدر المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا. وابن ماجه من حديث البراء مرفوعًا: لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مؤمن بغير حق. فلماذا لا تستنكرون تفضيل مسلمٍ عاديّ لــم يذهب الله تعالى عنه الرجس على الــكعبة المشرّفة وتستنكرون تفضيـل ريحانة الرسول وقرّة عين البتول، المطهّر من الرجس، الذاهب عنه الدنس، الحسين بن عليّ (عليه السلام) ؟! ثانيًا: الـجوابُ الحـلّي هنالك روايات في كتبنا نهت عن إيذاء المؤمن مطلقًا، منها: "عن أبان بن تغلب، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما أسري بالنبي (صلى الله عليه وآله) قال: يا رب ما حال المؤمن عندك؟ قال: يا محمد من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي"(7). و رواية اخرى "عن المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الصدود لأوليائي، فيقوم قوم ليس على وجوههم لحم فيقال: هؤلاء الذين آذوا المؤمنين ونصبوا لهم وعاندوهم وعنفوهم في دينهم ثم يؤمر بهم إلى جهنم"(8). فإذا كانت عظمة المؤمن العادي بهذه الدرجة، فكيف بعظمة وليّ الله الإمام الحسين (عليه السلام) بإعطائه فضيلة فوق زيارته للحج والعمرة المستحبان! والخلاصة: أنّ الروايات التي تفيد بيان أفضلية زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) المستحبة على الحج الواجب ضعيفة سندًا لا يمكن الأخذ بها، كما أخذ بها أعداء المذهب مشنعين فرحين، وأمّا من لم يقل من علمائنا بضعفها فيؤولها إلى أفضلية الزيارة على الحج المستحب. ■المطلب الثالث: تشريف كربلاء على مكة المكرمة. من الممكن القول بشرافة كربلاء المقدسة على مكّة المكرمة من خلال عدّة وجوه، منها: *الوجه الأول: القرآن الكريم: 1- قال تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود} (9). 2- وقال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا} (10). ففي الآية الأولى أمر الله تعالى إسماعيل وإبراهيم (عليهما السلام) بـــتطهير بيته الحرام من الأوثان، وفي الآية الثانية الله تعالى بــنفسه طهّــر أهل البيت (عليهم السلام) من الرجس، ومن ضمنهم الإمام الحسين (عليه السلام). ومن ذلك تتبيّــن قداسة الإمام الحُسيـن (عليه السلام)، ودرجة تفضيله على مكّة المكرّمة التي هي بيته الحرام. *الوجه الثانـي: إنّ تراب قبـر الإمام الحسين (عليه السلام) نزل به جبرائيل من السماء، طبقًا لروايات وردت في كتب الفريقين، منها: 1- ما حدّث به عبد الله بن سعيد، عن أبيه، عن عائشة، أو أم سلمة قال: "أن النبي (ص[صلى الله عليه وآله]) قال: لأحدهما: لقد دخل علي البيت ملك لم يدخل علي قبلها، فقال لي: إن ابنك هذا حسين مقتول فإن شئت آتيك من تربة الأرض التي يقتل بها، قال : فأخرج إلي تربة حمراء" (11). 2- وعن عائشة، أو أم سلمة: "أن رسول الله (ص [صلى الله عليه وآله]) قال لها: لقد دخل عليّ البيت ملك لم يدخل علي قبلها، فقال: إن حسينًا مقتول، وإن شئت أريتك التربة .... الحديث" (12). إذًا من ينكر فضل تربة كربلاء عليه أن يكذِّب ما جاءت به عائشة أو أم سلمة. ولا أخالهم يجرؤون. فتربة كربلاء مصدرها سماوي، حيث هبط بها ملك –جبرائيل (عليه السلام)، بينما تربة مكة المكرمة مصدرها أرضي. 3- وروي في كتبنا عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: "خلق الله تبارك وتعالى أرض كربلاء قبل أن يخلق الكعبة بأربعة وعشرين ألف عام وقدسها وبارك عليها، فما زالت قبل خلق الله الخلق مقدمة مباركة، ولا تزال كذلك حتى يجعلها الله أفضل أرض في الجنة، وأفضل منزل ومسكن يسكن الله فيه أوليائه في الجنة" (13). 4- عن محمد بن سنان عن أبي سعيد القماط قال: حدثني عبد الله بن أبي يعفور، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لرجل من مواليه: "يا فلان أتزور قبر أبي عبد الله الحسين بن علي (عليه السلام)؟ - الى أن يقول - ويحك أما تعلم أنَّ الله اتخذ كربلاء حرماً آمنا مباركاً قبل أن يتخذ مكة حرما..." (14). وهناك روايات يظهر منها أفضلية مكة على غيرها من البقاع، ففي (الفقيه) عن سنان عن سعيد بن عبد الله الأعرج عن ابي عبد الله (عليه السلام): قال: (أحب الأرض الى الله مكـــة وما تربة أحب الى الله من تربتها ولا حجر أحب الى الله من حجرها ولا جبل أحب الى الله من جبلها ولا ماء أحب الى الله من مائها). ويختلف العلماء بناءً للاختلاف في الروايتين في أيتهما الأفضل، فذهب البعض الى أفضلية مكــة، والبعض الآخر الى أفضلية كـــربلاء، ويذهب البعض الى أفضلية مكة على سائر البقاع عدا قبور النبي والائمة (عليهم السلام)" (15). يقول الشهيد الأول: "مكة أفضل بقاع الأرض ما عدا قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وروي في كربلاء على ساكنيها السلام مرجحات، والأقرب أن مواضع قبور الأئمة (عليهم الصلاة والسلام) كذلك، أما البلدان التي هم فيها فمكة أفضل منها حتى من المدينة" (16). وعلى كلّ حال فإنّ قداسة أرض كربلاء وأفضليتها نتاج تشرفها بضم جسد خامس أصحاب الكساء، سيد الشهداء، الإمام الحسين (عليه السلام)، والأجساد الطاهرة من شهداء الطف، والمكان يقتبس قداسته وشرفه مما يحتويه، وبقدر ما له من صلة وعلاقة بالله تبارك وتعالى، وفي كربلاء قبر [ثار الله]، وقبلة قلوب المؤمنين، ومصباح الهدى، وسفينة النجاة، ووجه الله الذي إليه يتوجه الأولياء، ومن لا تقبل الأعمال إلاّ بولايته، والانقياد لله تعالى بطاعته، والاقتداء به، والسير على هديه، به تقدّست كربلاء وشُرِّفت، فكان لـــها الحق في الفخر والشموخ على أرض مكة المكرمة. ________________ (1) ثواب الأعمال: للشيخ الصدوق، ص115، الأمالي: للشيخ الصدوق، ص143. وأورده الشيخ الطوسي في أماليه، ج1، ص204. (2)ثواب الأعمال: للشيخ الصدوق، ص90. معاني الأخبار: للشيخ الصدوق، ص391. البحار: للعلامة المجلسي، ج98، ص85. كامل الزيارات: لجعفر بن محمد بن قولويه، ص317. تهذيب الأحكام: للشيخ الطوسي ،ج6، ص50. من لا يحضره الفقيه: للشيخ الصدوق، ج2، ص580. وسائل الشيعة: للحر العاملي، ج10، ص361. مستدرك الوسائل: للميرزا حسين النوري الطبرسي، ج10، ص282. (3) ينابيع المودة: للقندوزي، ص252. (4) رواه المولى محمد صالح الترمذي في المناقب المرتضوية، ص203. (5) سنن الترمذي: لأبو عيسى الترمذي، ص150، ح586. (6) أخرجه: النسائي، 7/82. وفي الكبرى له، 3448 من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. (7) وسائل الشيعة: للحر العاملي، ج،8 ص588. (8) المصدر نفسه، ص587. (9) البقرة: 125. (10) الأحزاب: 33. (11) مسند أحمد بن حنبل: لأحمد بن حنبل،ج2، ص770، ح 1357. (12) سير أعلام النبلاء: للإمام الذهبي، ج3، ص290. (13) كامل الزيارات: لمحمّد بن قولويه القمي البغدادي، ص444. (14) المصدر نفسه، ص449. (15) مركز الأبحاث العقائدية. (16) الدروس ج1 ص470. أَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى السَّيِّدِ الزَّاهِدِ، وَالْإِمامِ الْعابِدِ، اَلرَّاكِعِ السَّاجِدِ، قَتيلِ الْكافِرِ الْجاحِدِ، صاحِبِ الْمِحْنَةِ وَالْبَلآءِ، اَلْمَدْفُونِ بِأَرْضِ كَرْبَلآءَ، مَوْلَى الثَّقَلَيْنِ، أَبي عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْن.

المناسبات الدينية
منذ شهر
511

أقرئي أو لا تقرئي (2)

بقلم: علوية الحسيني تزيَّـني إنّ المتأملة في قول الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ امَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون} (1)، تجد أنّ الزينة بالأصل محلّلة، لا يحق لأحدٍ تحريمها. بل وإذا قرَنَتْ مع الآية الحديث المروي الإمام الصادق (عليه السلام): "البس وتجمل، فإن الله جميل يحب الجمال، وليكن من حلال" (2)، فإنّها تعطي معنىً مؤكدًا لما جاءت به الآية الكريمة، لحثّها على التجمّل، وحيث إنّ الزينة أحد مصاديق الجمال، فيشملها الكلام. نعم اختاه، إنّ الزينة أمرٌ جميل، بل ومطلوب منكِ كأنثى، وهو أمرٌ من الأمور التي يفترق بها ظاهر شكل الرجل عن المرأة، فتتزيّن الأنثى بالحلية؛ قال تعالى: {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِين} (3)، فالنشأة في الحلية للأنثى يكون منذ ولادتها، وترافقها زينتها طيلة حياتها، بل وحتى في الجنان، فهذا هو دين الله، دين الجمال، دينٌ جعل للزينة تأصيلًا قرآنيًا، فما أجمله من دين! وللزينة أقسام حسب اللحاظات، إلاّ أنّها بدوًا متداخلة؛ ولهذا سوف نتطرق إلى ثلاثة أقسام أساسية، ويتفرع عن كل قسمٍ فرعين. ■أولًا: زينة مادية، كالمجوهرات، والخواتم، والقلائد، والعطور، والأصباغ، والمساحيق، والكحل، وغيرها من الحلي، والثوب المزيَّن، والدهان. * وقد روي في التزيّن بالعطر أو الطيب: " عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: ما أنفقت في الطيب فليس بسرف" (4)، فرغم كون الإسراف مذمومًا إلاّ أنّ حكمه في شراء الطيب ليس إسرافًا، بل وقد أعطى الدّين الإسلامي للطيب أهمية وثقلًا في ميزان الحسنات يا اختاه، بدليل ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أيضًا: "ركعتان يصليهما متعطر أفضل من سبعين ركعة يصليهما غير متعطر" (5). كما وروي "أنّ الإمام الرضا (عليه السلام) كان يُرى يتبخر بالعود الهندي النيء ويستعمل بعده ماءً وردًا ومسكا" (6). وهناك روايات جعلت من المرأة المتعطرة خير امرأة، وقال (عليه السلام): "خير نسائكم... الطيبة الريح" (7). ورواياتٌ اخرى حثّت على أن تلبس النساء القلائد حتى مع الصلاة، بالإضافة إلى التعطر. *وبالنسبة للتزيّن بالدهان روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: "الثوب النقي يكبت العدو والدهن يذهب بالبؤس والمشط للرأس يذهب بالوباء" (8)، فبالإضافة لفوائده فإنه يضفي زينةً وجمالًا. *وروي في جانب الاهتمام بالشعر الذي هو أحد مصاديق الزينة للمرأة، حيث روي عـن الإمام الصادق (عليه السلام): "إذا أراد أحدكم أن يتزوج فليسأل عن شعرها كما يسأل عن وجهها، فان الشعر أحد الجمالين" (9)، بل وفي روايةٍ اخرى حثٌ على الاهتمام بتصفيف الشعر "عن رسول الله صلى الله عليه وآله: من اتخذ شعرا فليحسن ولايته أو ليجزه" (10)، فحسن التصفيف هو تزيين. *وروي في التزيّن بالكحل "عن الباقر (عليه السلام) قال: "الاكتحال بالأثمد ينبت الأشفار ويحد البصر ويعين على طول السهر" (11). *وفي جانب التزيّن بالحناء، روي الصادق (عليه السلام): "الحناء يذهب بالسهك [الريح الكريهة] ويزيد في ماء الوجه ويطيب النكهة ويحسن الولد" (12). *وفي جانب التزيّن بالتختم، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "تختموا بخواتيم العقيق، فإنه لا يصيب أحدكم غم ما دام عليه" (13). والزينة المادية تلك على قسمين: (أ) محـللة: أي إنه يحلّ شرعًا الظهور بها، مع توفر شروطها، وقد أشار إليها القرآن الكريم محددًا موارد الظهور بها، بقول الله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاء} (14). وممكن تعداد تلك الفئات التي استثنتهم الآية الكريمة، وأجازت للمرأة الظهور بزينتها أمامهم ضمن النقاط التالية: 1/ بين النساء من بني جنس المرأة. 2/ البعل وهو الزوج. 3/ المحارم من جهة النسب والسبب -إن لم تسبب لهم افتتانًا-، كأب الزوج، الأبناء، أبناء الزوج، الإخوان، أبناء الاخوان، أبناء الأخوات. وقد أشار إليها الدّين الإسلامي بين طيّات آياتٍ كريمة، ورواياتٍ شريفة، في موارد مختلفة، بل وحسب كلّ زينةٍ في بعض الأحيان. 4/ ملك اليمين، هم العبيد، وهذا مورد غير موجود اليوم، فيترك تفسيره. 5/ التابعين من الرجال، وهذا مورد يقبّح زينة الحياء إن ذكرناه، فيترك تفسيره، كما أنّه ليس موردًا موجودًا في زمننا أيضًا. 6/ الطفل الذي لم يبلغ. •وهنا مــلاحظة مهمة، وهي: أنّ الظهور بالزينة أمام المحارم يجب أن لا يكون بقصد افتتان من تظهر بها أمامهم، وتضمن المرأة عدم وقوعها في الحرام، فالآية الكريمة وإن كانت مطلقة لم تورد القيدين، إلاّ أنّه لا يمكن تفسير القرآن الكريم دون الرجوع إلى السنّة النبوية -حديث محمد وآل محمد (عليهم السلام)-، فبرجوع الفقيه إلى الروايات الكريمة المفسرة لتلك الآية الكريمة يعلم أنّ هناك زينة مستثناة، يجوز للمرأة اظهارها. روي "عن زرارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في قول الله عزّ وجلّ: (إلاّ ما ظهر منها) قال: الزينة الظاهرة الكحل والخاتم" (15)، فالرواية ظاهرًا هنا أجازت التزيّن الظاهر بالكحل والخاتم. وروي عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: "سألته عن قول الله عزّ وجلّ: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها)؟ قال: الخاتم والمسكة وهي القلب [السوار/ لسان العرب 1 : 688]" (16)، وهذه الرواية أجازت التزيّن الظاهر بالخاتم والسوار. واستفاد الفقيه من رواياتٍ أخرى فيها ذلك قيد (عدم قصد المرأة افتتان الرجال، وأن تأمن على نفسها من الوقوع في الحرام)، فقيّدت الروايات الآية؛ استنادًا لقاعدة أصولية مفادها (أنّ الخاص يقيّد العام)، فاتضح لكِ اختاه الحكم الشرعي مقرونًا بالقيدين. (ب) محرّمـة أي إنه يحرم شرعًا الظهور بها، ولهذه الزينة تأصيل في القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِن} (17)، فتشمل بالإضافة إلى الحجال، جميع ما ذكر في الزينة المادية. فيحرم اظهار تلك الزينة لفئات، هم: 1/ المحارم إنّ سبب لهم افتتانًا، ولم تأمن من الوقوع في الحرام لو ظهرت بها أمامهم. 2/ الرجال الأجانب مطلقًا؛ سواء أ تحقق الشرطان أم لم يتحققا. روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: "أيما امرأة تطيبت، ثم خرجت من بيتها فهي تلعن حتى ترجع إلى بيتها متى ما رجعت" (18)، واللعن هو الطرد من رحمة الله تعالى وجنته. ■ثانيًا: زينة معنوية، كالأخلاق الفاضلة، والدّين، والنسب، والشرف، والحياء، والعفة، والملكات الحسنة، فالأخلاق لا وجود واقعيًا لها حتى نحكم عليه بالجواز أو الحرمة، إنّما هي أمرٌ اعتباري، إنّما الحكم يتوجه على آثارها، وهي قول أو فعل الإنسان. وهي على فرعين: (أ) مـحللة إذا أظهرتِ محاسن أخلاقكِ للجميع، محارمًا كانوا أو أجانب. *وقد روي في جانب عدّ الدّين زينةً وجمالًا للمرأة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من تزوج امرأة لا يتزوجها إلا لجمالها لم ير فيها ما يحب، ومن تزوجها لمالها لا يتزوجها إلا له وكله الله إليه، فعليكم بذات الدين" (19). *وروي في جانب عدّ النسب زينةً وجمالًا للمرأة عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): خير نسائكم نساء قريش..."(20)، فالرواية جعلت القرشية -ذات التقوى؛ لأنّ ميزان الأعمال عند الله تعالى هو التقوى، لا النسب وحده، وعلى هذا الفرض الرواية بُنيت- أفضل من غيرها من النساء، والأفضلية نوع من الزينة المحللة، وهي ظاهرة. *بل وهناك روايات عدّت اتصاف المرأة بشرار خصال الرجال زينةً وجمالاً لها، كالزهو -الكِبر-، والجُبن، والبُخل؛ "روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): خِيَارُ خِصَالِ النِّسَاءِ شِرَارُ خِصَالِ الرِّجَالِ: الزَّهْوُ وَالْجُبْنُ وَالْبُخْلُ، فَإذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مَزْهُوَّةً لَمْ تُمَكِّنْ مِنْ نَفْسِهَا، وَإِذَا كَانَتْ بِخِيلَةً حَفِظَتْ مَا لَهَا وَمَالَ بَعْلِهَا، وَإِذَا كَانَتْ جَبَانَةً فَرِقَتْ مِنْ كُلِّ شِيْءٍ يَعْرِضُ لَهَا" (21). *ومن الرواية هذه ممكن أن نعدّ حفاظ المرأة على شرفها زينةً وجمالاً لها. (ب) محرّمــة إنّ الشارع حدد اطار تعامل المرأة مع الرجال الأجانب، وبعض الأخلاق -وإن كانت حسنة- إلاّ أنّها يحرم اظهارها للرجال الأجانب، أو التعامل بها معهم. * كالمصافحة مثلًا، فهي خلقٌ حسن، وزينةٌ تتصف بها المرأة فيما لو طبقته بين النساء، إلاّ أنّ تلك الزينة الفعلية يحرم انعكاس آثارها مع الرجال الأجانب؛ روي عن جعفر بن محمد، عن آبائه ( عليهم السلام ) ـ في حديث المناهي ـ قال: "ومن صافح امرأة تحرم عليه فقد باء بسخط من الله (عزّ وجلّ)، ومن التزم امرأة حراما قرن في سلسلة من نار مع شيطان فيقذفان في النار" (23)، فالحديث وإن كان ظاهره محذّر للرجال فقط، لكن بالملازمة أنّ المرأة التي تصافح رجلًا يحرم عليها فتبوء بسخط من الله تعالى. ■ثالثًا: زينة فعلية (أ) محللة، وتشمل كلّ فعل يزيد المرأة جمالًا وكمالًا إذا راعت حدود الآداب والضوابط الشرعية، فهو كلّ فعل مباح، كطلب العلم، وامتهان مهنة محللة شرعًا، والأعمال الخيرية، وما شابه ذلك. وما يتزيّن به الإنسان عمومًا هو أعماله الحسنة، وحيث إنّ الله تعالى لم يفرّق بين الذكر والأنثى بتزينهما بتلك الأعمال، فهي ثابتة لكليهما؛ قال تعالى: {أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} (24). (ب) محرّمة، وتشمل كلّ فعل يحرم فعله أمام الأجانب، مثل: 1/ مصافحة الرجال، وقد أشير لها في القسم المتقدم. 2/ الأفعال المنافية للأخلاق، وهذا أمرٌ وجداني تدركه كلّ امرأة بحيائها الفطري. ■رابعًا: زينة قولية (أ) محللة، وتشمل كلّ قول يجوز التلفظ به أمام المحارم، وهو انعكاس لتحلي المرأة بالأخلاق -الزينة الفعلية-، وقد أشار إليها القرآن الكريم بقول الله تعالى: {وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفا} (25)، فالمعروف هو زينة للمرأة تكتسي بها؛ إذ إنّها لم تكن متصفة بها يومًا ما. ومن مصاديق هذه للزينة: 1/ الكلام النافع والحكيم. 2/ كلام النصح. 3/ كلام الاستشارة. (ب) محرّمة، وتشمل كلّ قول يحرم التلفظ به أمام المحارم، وقد أشار إليها القرآن الكريم بقوله تعالى: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَض} (26)، والخضوع بالقول هو ترقيق الصوت ومدّه، وتمييعه، والقصد من ورائه واضح. ومن مصاديق هذه الزينة: 1/ التميّع في القول. 2/ الكلام الفاحش. فهذا القول وإن عدّ محرّمًا إلاّ أنّه يعدّ زينةً من جهةٍ اخرى، وهي جهة منحصرة بتعامل المرأة مع زوجها، فالحكم الشرعي جاء هكذا مستنبطًا من رواياتٍ شريفة: "يحرم الفحش من القول، وهو ما يُستقبح التصريح به إمّا مع كلّ أحد أو مع غير الزوجة، فيحرم الأوّل مطلقًا ويجوز الثاني مع الزوجة دون غيرها" (27). ●وقبل الختام، هناك التفاتة، أختاه تأمليها: جميعنا يعلم أنّ الله تعالى عادلٌ يثيب المطيع ويعاقب العاصي. فحينما أمر الله الرجال بغض نظرهم عن النظر الى المرأة المتزينة بل الى المرأة بصورة عامة مع اقتران نظرته بالريبة؛ بقوله تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} (28)، فإن عصى الرجل ربه ونظر فحتما هو يستحق من الله العقاب. وتخيلي اختاه لو سلطت ملائكة العذاب عذاب الله تعالى على ذلك الرجل، ووضعت الأغلال في رقبته ويديه واقدامه، وذهبت به إلى نارٍ تلظى؛ كما قال تعالى: { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرا} (29)، ألا تتوقعين أن يخبر هذا الرجل ربه أنّكِ أنت التي فتنتيه، فيقول: ربي هذه فتنتني بزينتها، فتأتيكِ ملائكة العذاب، تلك الملائكة الغلاظ الشداد ويقيدونكِ بالسلاسل، ويلقون بكِ في نارٍ لا يصلاها إلّا الاشقى، وتستعران معًا، من فتَنتْ، ومن افتتن، يقول تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيق} (30)، ما أهول هذه الآية! فالعذاب عذابان فيها، عذاب جهنم، وعذاب الحريق، لمن فتَن غيره ولم يتب، والحكم يشمل المرأة، لأنّها اكثر فتنةً؛ بلحاظ تعدد زينتها إن أُبديت. ترى، ماذا سيكون موقفكِ اختاه؟ أفلا يجب علينا أن نكون كالدرر المكنونة التي لا يطلع عليها إلاّ أصحابها؟ أم نكون كالسلعة التي يقلبها نظرًا القاصي والداني، والوضيع والشريف؟ اختاه، ليست منّا من لم تعش أيامًا غُمست في وحل الغفلة، فأبدت بض زينتها عن عمدٍ أو دون عمد، لكن خير الخطّائين التوابين، وبحر التوبة لازال جاريًا، فبحركة المد والجزر له يجرف معه جميع تلك الخطايا أو لحظات الغفلة، فقط لأنّ هناك ربًّا رحيمًاغفورًا، يريد منّا أن نعيش حياة طيبة مصونة، ذلك الربّ الذي كرّم المرأة وقدّسها لا يرتضي لها أن تكون محل فتنة، أو شبه سلعة، فطلب منّا أن نجعل ضريبةً على كل من أراد النظر إلينا متزينات. ثم إنّه تعالى أراد منّا أن نتزيّن بأجمل زينة، تلك الزينة المعنوية التي لو اكتسينا بها لتجملنا بباقي أنواع الزينة، وهي زينة المعرفة بالله تعالى، هي الكمال الذي يتنافس عليه المؤمنون، فحريٌ بنا كنساء أن نتنافس على الاكتساء بهذه الزينة اقتداءً بزين النساء، فاطمة الزهراء (عليها السلام)، ثم بأولادها (عليهم السلام)؛ روي عنْ الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السَّلام) أنه قَالَ : "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي فَضْلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ) مَا مَدُّوا أَعْيُنَهُمْ إِلَى مَا مَتَّعَ اللَّهُ بِهِ الْأَعْدَاءَ مِنْ زَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ نَعِيمِهَا، وَ كَانَتْ دُنْيَاهُمْ أَقَلَّ عِنْدَهُمْ مِمَّا يَطَئُونَهُ بِأَرْجُلِهِمْ، وَ لَنُعِّمُوا بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ (جَلَّ وَ عَزَّ)، وَ تَلَذَّذُوا بِهَا تَلَذُّذَ مَنْ لَمْ يَزَلْ فِي رَوْضَاتِ الْجِنَانِ مَعَ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ. إِنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ آنِسٌ مِنْ كُلِّ وَحْشَةٍ، وَصَاحِبٌ مِنْ كُلِّ وَحْدَةٍ، وَ نُورٌ مِنْ كُلِّ ظُلْمَةٍ، وَ قُوَّةٌ مِنْ كُلِّ ضَعْفٍ، وَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ سُقْم" (31). وأخيرًا اختاه، قد عرفتِ وبالدليل الزينة المحللة من المحرّمة، والحجّة أُلقيت علينا جميعًا، جعلنا الله تعالى ممن تسمع القول وتتبع أحسنه وأقربه رضًا له تعالى. _________________ (1) الأعراف:32. (2) وسائل الشيعة: للحر العاملي، ج5، ح5. (3) الزخرف: 18. (4) مكارم الأخلاق: للشيخ الطبرسي، ص41. (5) المصدر نفسه، ص42. (6) ظ: المصدر نفسه، 43. (7) الكافي: للشيخ الكليني، ج5، ب أصناف النساء، ح6. (8)مصدر سابق، ص103. (9) وسائل الشيعة: للشيخ الحر العاملي، ج20، ح3. (10) مصدر سابق، ص‏103. (11) المصدر السابق. (12) المصدر السابق، ص78. (13) المصدر السابق، ص87. (14) النور: 31. (15) وسائل الشيعة: ج 20، ب109، ح2. (16) المصدر نفسه، ح3. (17) النور: 31. (18) مصدر سابق، ص43. (19) الوسائل: ج20، ب14، ح4. (20) الكافي: ج5، باب فضل نساء قريش، ح2. (21) نهج البلاغة: ح231. (23) المصدر نفسه، ب105، ح1. (24) آل عمران: 195. (25) الأحزاب: 32. (26) الأحزاب: 32. (27) منهاج الصالحين: للسيد السيستاني، ج2، كتاب التجارة، م34. (28) النور: 31. (29) الإنسان: 4. (30) البروج: 10. (31) شرح اصول الكافي: للمولى المازندراني، ج12، ح347. اللّهم ألبسنا زينة الصالحات، وأكسنا من حلل المتقيات، بحق محمدٍ وآله عليهم أزكى التحيات.

المرأة بين الإسلام والغرب
منذ 3 أسابيع
118

حوارٌ مبين في زيارة الأمين (٣)

بقلم: علوية الحسيني/ ودعاء الربيعي "مولعةً بذِكركَ" روي عن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال: الذكر لذة المحبين، وقال ايضًا: من اشتغل بذكر الناس قطعه الله سبحانه عن ذكره . وكأنّ هناك سرًا مقدسًا من وراء استعمال مفردة (الولع)، ويكأنّ الله جلّ جلاله يريد بنا أن نصل إلى أوج درجات محبته، ولا غلو في ذلك بتاتًا. ولا بأس بالتعريج على مفردة الولع، وبيان أنّها من درجات الحب، وما هو موقف تراثنا الإسلامي من الحب الإلهي بصورةٍ عامة. الولِع لغةً: "الشديدُ التعلُّق"(1)، وهو الشخص الشديد التعلّق بالشيء. والولَع (بفتح اللام): صفة يتصف بها الولِع (بكسر اللام)، وهي درجة من درجات الحب، فللحب مصاديق، منها الانس، الولع، الهيمان، الشوق، العشق، الهوى، الشغف، الوجد، النجوى، الود، الوله. وشواهد الكتاب والسنة ناطقة بأنّ الله سبحانه يحب العبد، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه} (2). وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوص} (3). وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين} (4). وما ورد في أخبار داود: "إن الله عز وجل أوحى إليه: يا داود! أبلغ أهل أرضي: إني حبيب لمن أحبني، وجليس لمن جالسني، ومؤنس لمن أنس بذكري. وصاحب لمن صاحبني، ومختار لمن اختارني، ومطيع لمن أطاعني، ما أحبني عبد أعلم ذلك يقينا من قلبه إلا قبلته لنفسي، وأحببته حبا لا يتقدمه أحد من خلقي، من طلبني بالحق وجدني، ومن طلب غيري لم يجدني، فارفضوا يا أهل الأرض ما أنتم عليه من غرورها، وهلموا إلى كرامتي ومصاحبتي ومجالستي، وآنسوا بي أوانسكم، وأسارع إلى محبتكم" (5). والأُنس: "استبشار القلب بما يلاحظه في المحبوب، فيسمى استبشاره أنسا" (6). ونجد في ما روي عن أهل البيت (عليهم السلام) امتزاج الأنس بالحب؛ كما روي عن الإمام عليّ (عليه السّلام): "إذا رَأَيتَ اللهَ سُبحانَهُ يُؤنِسُكَ بِذِكرِهِ فَقَد أحَبَّك" (7). والإمام الحسين (عليه السّلام) في دُعائِهِ يَومَ عَرَفَةَ يبين لنا أنّ درجة الحب أولاً ثم تليها درجة الأنس بالله سبحانه؛ حيث يقول: "يا مَن أذاقَ أحِبّاءَهُ حَلاوَةَ المُؤانَسَة" (8). أمّا الإمام زين العابدين (عليه السّلام) فيعلمنا أنّ هناك درجات طولية، وهي الذ كر، ثم الأُنس، ثم القرب، ثم الطاعة؛ ففِي مناجاته مُناجاةِ الذّاكِرين يقول: "إلهي. . . أستَغفِرُكَ مِن كُلِّ لَذَّةٍ بِغَيرِ ذِكرِكَ، ومِن كُلِّ راحَةٍ بِغَيرِ اُنسِكَ، ومِن كُلِّ سُرورٍ بِغَيرِ قُربِكَ ومِن كُلِّ شُغلٍ بِغَيرِ طاعَتِكَ" (9). أمّا الإمام الصادق (عليه السّلام) فقد بيّن لنا ضريبة الأُنس – الولع- بذكر الله تعالى، حيث روي عنه أنّه قال: "إنَّ اللهَ إذا أحَبَّ عَبداً بَعَثَ إلَيهِ مَلَكاً، فَيَقولُ : أسقِمهُ، وشَدِّدِ البَلاءَ عَلَيهِ، فَإِذا بَرَأَ مِن شَيء فَابتَلِهِ لِما هُوَ أشَدُّ مِنهُ وقَوِّ عَلَيهِ حَتّى يَذكُرَني؛ فَإِنّي أشتَهي أن أسمَعَ دُعاءَه" (10). إشارة: ماهي الاثار الايجابية المترتبة على العبد المُولع بذكر ربه ومناجاته في كل الاحوال والاوقات؟ وكيف جسد لنا أئمة آل البيت (عليهم السلام) هذا المفهوم وبالأخص سيدي ومولاي الامام السجاد كونه سيد الذاكرين وزين العابدين؟ ج/ الآثار الإيجابية الواضحة على العبد المولع بربّه وبذكر ربّه ناشئة من أفعال، زكّى نفسه وهذّبها وأدّبها حتى تطبّع بطباعٍ ميّزته عن سائر بني جنسه، ومن تلك الأفعال كما ذكرها المحقق النراقي (قدس سره): "الأولى: أن يحب لقاءه [الله تعالى] في دار السلام، أي يتعرض للرحمة الإلهية. الثانية، أن يؤثر مراد الله - سبحانه - على مراده، بتغليب أرادة ربّه على ارادته. الثالثة: ألا يغفل عن ذكر الله سبحانه؛ حيث أنّ الذكر اطمئنان للقلوب التي هي محل الحب والولع. الرابعة: ألا يحزن ولا يتألم عن فقد شيء؛ لئلا يتعلّق قلبه بذلك الشيء، ويغفل عن ذكر ربّه محبوبه. الخامسة: أن يكون مشفقًا رؤوفًا على عباد الله، رحيمًا على أوليائه وشديدًا على أعداء الله، كارهًا لمن يخالفه ويعصيه، فذلك من أوامر المولى. السادسة: أن يكون في حبه خائفًا متذللًا تحت سلطان العظمة والجلال، وليس الخوف مضادًا للحب، كما ظن البعض"(11). ونضيف عليها ونقول: من آثار الولع بذكر الله تعالى: 1- احياء القلب. 2- التقرّب من رضا الرّب. 3- الدنو من ملائكة الرحمن. 4- الابتعاد عن وساوس الشيطان. 5- النجاة والرحمة. 6- الأمن من الهلكة. ثم إنه ورد في حديث للإمام زين العابدين (عليه السلام) قال فيه: إن قسوة البطنة وفترة الميلة وسكر الشبع وغرة الملك مما يثبط ويبطئ عن العمل وينسي الذكر. ويتضح من هذا الحديث ان هناك أمورًا من شأنها ان تثبط عزيمة الفرد عن ذكر الله وقد ذكرها مولانا السجاد اجمالًا في حديثه الشريف، ببيان: أنّ جميع الخلق مشتركون في أصل المحبة لله تعالى، إلاّ أنّ درجات حبّهم له سبحانه متفاوتة، وسبب التفاوت أشار إليه الإمام زين العابدين (عليه السلام) بالحديث المتقدم، وقبل بيان مفرداته لابد من معرفة منشأ تلك الأسباب: ومنشؤها أمران: أولاً: المعرفة الروتينية الوراثية عن الله تعالى فمن يعرف أنّ الله تعالى خالقنا، ورازقنا، يميتنا، ويحيينا، ويثيبنا، ويعاقبنا، فمعرفته هذه توارثها أبًا عن جد، والحال أنه لا يصح التقليد في اصول الدّين، ومعرفة الله تعالى تدخل ضمن أول وأشرف أصلٍ من اصول الدّين وهو التوحيد، فكما يقول أمير المؤمنين: "أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ، وَ كَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُه"(12). أمّا من يمحص ويبحث عن الدلائل، ويغور في أعماق المعارف التوحيدية، ويكتشف الأسرار واللطائف الربانية، فإنّ معرفته ستكون عن وعيٍ وإدراكٍ وإقبالٍ ومحبة، وذكره لمولاه سيكون عن ولعٍ تباعًا. ومن مصاديق هذا الأمر: 1- الجهل بالمعارف الإلهية. 2- العلم السطحي بتلك المعارف. 3- الاعتقاد بالله تعالى تقليدًا للآباء والأجداد. 4- الاندكاك في العالم المادي ومتعلقاته، والغفلة عن عالم الملكوت وأنواره. ثانيًا: النظرة الجزئية لله تعالى فمن ينظر لله تعالى على أنّه الرازق فقط؛ لأنّه مرزوق في عمله فمحبته لربّه تختلف عمّن ينظر إلى ربّه بأنّه الرازق والمانع، الواجب حمده في السراء والضراء. ومن مصاديقه: 1- التعلّق الشديد بعالم الدنيا ومتعلقاتها. 2- عدم استشعار عظمة الله تعالى سلوكًا وعلمًا. 3-عدم التأمل في ظواهر الآيات الكريمة والروايات الشريفة لاستشعار ماذا يعني له الله سبحانه. 4- عدم الإحاطة بالأسماء الحسنى لله تعالى ومعانيها، فمن يقرأ اسم (النافع) يقرأ اسم (الضار)، ومن يقرأ اسم (الرحمن) يقرأ اسم (الجبار)، وهكذا. وبالتالي من يتمسك باسمٍ دون اسم لا يكون مولعًا بذكر الله تعالى كليًّا، بل إنْ أَنِس بذكر مولاه فيأنس بالاسم الذي يختاره هو! ولهذا نجد أنّ العبد وهو على قيد الحياة يلهج ويأنس باسم الله (الحي)، لكن ما إن فقد له قريبًا أو صديقًا جزع، وتزلزل انسه بذلك الاسم؛ ونسي أن (المحيي) هو (المميت)، وهذا نتيجة النظرة الجزئية لله تعالى، وهو من موجبات سلب الولع بذكر الله تعالى على نحو الدوام. وإن سألت: ما هي آثار الإعراض عن الذكر الله تعالى؟ إن في الآية المباركة اشارة الى تلك الاثار، قوله تعالى (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا)، وهي حتمًا آثار وخيمة، بعضها مستندة إلى دليل نقلي بالمباشر، واخرى باللازم، وبعضها مستندة إلى دليلٍ عقلي، نذكر منها: 1- المعيشة الضيقة؛ بدليل قوله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكا} (12)، وحالة الضيق والاكتئاب والاختناق لا تجتمع مع حالة الطمأنينة نتيجة ذكر الله تعالى المشار إليها في قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب} (13). 2- يحشر أعمى يوم القيامة؛ بدليل قوله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (14)، والعمى مطلق هنا، فقد يريد به الله تعالى عمى القلب لأنّه لم يتبع طريق الحق، وقد يريد به تعالى عمى البصر؛ فيُمنع من النظر إلى الجنان وملائكة الرحمن. 3- نقص الايمان بالله تعالى. 4- الفناء في عالم الدنيا. 5- التكبر على الله تعالى. 6- قسوة القلب. 7- إفراح الشيطان. ولابد من الإشارة أخيرًا إلى أنّ الولع بذكر الله تعالى هو نفسه الولع به تعالى؛ فإنه لم يلهج العبد بذكر فلان إلاّ إذا كان يحبه وولع به، وبالتالي فانّ الكلام أولاً وآخرًا حول الولع بالله تعالى، الذي ناله الامام المعصوم زين العابدين (عليه السلام) الذي وردت الزيارة عنه، حيث يرتجى أن نناله بتوفيق منه تعالى. على أنه جاء في بعض النسخ لا توجد مفردة (مولعة بذكرك)، بل (متعلقة بذكرك)، فيثبت ما سردناه من التعلق بالذات المقدسة الإلهية ثم التعلق بذكرها. __________________ (1) لسان العرب. (2) المائدة: 54. (3) الصف: 4. (4) البقرة: 222. (5) الجواهر السنية: للحر العاملي: ص94. (6) جامع السعادات: للنراقي: ص152. (7) غرر الحكم : 4040. (8) إقبال الأعمال : 349. (9) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي، 94 / 151. (10) المؤمن: للشيخ حسين بن سعيد الأهوازي، 26/44 ، وراجع التمحيص: 55/111 ، بحار الأنوار: 93/371/13. (11) مصدر سابق. (12) طه: 124. (13) الرعد: 28. (14) طه: 124. اللهم اجعل لساني بذكرك لهجا، وقلبي بحبِّك متيّما، بحق محمد وآله أهل الحجى.

البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلام
منذ 3 أسابيع
106

التوســـل في مقام الزهراء عليها السلام/ دراسة مقارنة (ج١)

بقلم: علوية الحسيني إنّ التوسل عقيدةٌ متسالم عليها نقلاً وعقلاً، وفي مبحثنا هذا سيتم تسليط الضوء على عقيدة الشيعة الامامية في التوسل بمقام الزهراء (عليها السلام) في هذا المطلب ضمن الفروع التالية: ■المطلب الأول: التوسل في عقيدة الشيعة الإماميّة. * الفرع الأول: تعريف التوسل التوسل لغةً: " الوَسِيلةُ : المَنْزِلة عند المَلِك . والوَسِيلة : الدَّرَجة. والوَسِيلة : القُرْبة. ووَسَّل فلانٌ إِلى الله وسِيلةً إِذا عَمِل عملاً تقرَّب به إِليه. والواسِل : الراغِبُ إِلى الله"(1) وَسَلَ. -التوسل شرعاً: "الوسيلة هي التحقق بحقيقة العبودية وتوجيه وجه المسكنة والفقر إلى جنابه تعالى، فهذه هي الوسيلة الرابطة"(2). *الفرع الثاني: أقسام التوسل إنّ التوسل على قسمين، والقسمان لا يختلفان عن بعضهما فكلاهما طلب من الله تعالى في اساس الفعل، وهذا اكبر دليلٍ على اتكائنا على الله سبحانه، ونفي الشرك لذي ألبسنا ايّاه اعداء المذهب. "والتصوران هما"(3). 1ـ تارة نطلب من الله تعالى بحقّ نبيّ أو إمام ، أو عبد صالح ، أن يقضي حوائجنا، كما في قوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا }(4). 2ـ وتارة نطلب من النبيّ والوصي ، والعبد الصالح ، أن يطلب من الله تعالى قضاء الحوائج . كما في قوله تعالى حكاية عن أولاد يعقوب : { قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }(5). *الفرع الثالث: الأدلة على مشروعية التوسل دلّت العديد من الآيات الكريمة والروايات الشريفة على التوسل صراحةً وضمناً، وبين يدي القارئ بعضها. أولاً: التوسل في النص القرآني 1-قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون}(6). فلو كان اتخاذ الوسيلة الى الله تعالى شركاً لَمَا أمر به في كتابه العزيز وجعل نتيجة ذلك الفلاح. 2-قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيما}(7). الآية تقول: لو أنّ قوماً اتخذوا نبي الله محمدًا (صلى الله عليه وآله) وسيلة ليطلب لهم المغفرة من الله تعالى، لقبل الله توبتهم، فلو كان طلبهم هذا شركاً لذمهم الله تعالى، ولما قبل توبتهم. 3- قوله تعالى: {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَه}(8). أفادت هذه الآية انّ المبتغين للوسيلة يرجون القرب من الله تعالى ورحمته ويخافون عذابه، وذلك بالطلب من تلك الوسيلة أن تطلب مرادهم منه تعالى. 4-قوله تعالى حكايةً:{ قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِين}(9). توضّح بصورة مباشرة فائدة الوسيلة (يعقوب النبي) الذي اتخذه أبناؤه وسيلة إلى الله تعالى ليغفر لهم ذنوبهم متوسّلين به. ثانياً: التوسل في النص الروائي إنّ الأئمةَ عليهم السلام كثيراً ما كانوا يتوسّلون إلى الله تعالى، وقد وردت رواياتٌ عديدة تبيّن فضل التوسل بمحمدٍ وآله –عليهم الصلاة والسلام- ، وكيفية ربط الزيارة بالتوسل ومن ثم الشفاعة . نتبرّك بذكر بعضٍ منها: 1- في رواية: تقول قبل دخولك في الصلاة: اللهمَّ إني اقدم محمداً نبيك(صلى الله عليه وآله) بين يدي حاجتي وأتوجه به إليك في طلبتي فاجعلني بهم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين، اللهمَّ اجعل صلاتي بهم متقبلة( 10). 2-ومن مناجاة أمير المؤمنين (عليه السلام): (فبذمة الإسلام أتوسل إليك وبحرمة القرآن أعتمد عليك وبحق محمد وآل محمد أتقرب إليك فصل على محمد وآل محمد واعرف ذمتي التي بها رجوت قضاء حاجتي برحمتك يا أرحم الراحمين)"(11). *الفرع الرابع: التوسل في الزهراء (عليها لسلام) في معتقد الشيعة الامامية إنّ العالم المادي خاضعٌ لنظام الأسباب والمسببات، فلكل معلولٍ علّة؛ فالمطر سبب لإنبات الثمرات، والأب سبب لإيجاد ابنه، مع ملاحظة أنّ تلك العلل ليست علّة تامة –أي إنّ المطر، والأب معلولان للعلّة التامة التي هي الله تعالى- فالنظام الكوني وما فيه خاضع لإرادة الله تعالى، وتحت حياطة علمه. وهكذا العالم المعنوي يخضع لنظام الأسباب والمسببات، وأيضاً كلٌ يندرج تحت إرادة وعلم الله سبحانه. فالتوسّل بالأرواح الطاهرة يجري في العالم المعنوي، ومن تلك الأرواح روح فاطمة الزهراء (عليها السلام). لقد قرأنا الآية الكريمة: {وَلَو أَنَّهُم إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُم جَآؤُوكَ فَاستَغفَرُوا اللّهَ وَاستَغفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيما}(12). وعلمنا أنّ قوماً توسلوا برسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) فاستغفر لهم، فانطلاقاً من هذه الآية الكريمة ممكن أن نثبت مشروعيّة التوسّل بالسيّدة الزهراء (عليها السلام)؛ فنقول: بما أنّ التوسّل ثبتت مشروعيّته للنبي محمد (صلى الله عليه وآله)، فتثبت لآله، إذ لو كان التوسل محرمًا، لحرم حتى به (صلى الله عليه وآله)، ولكن حيث جاز به، وأهل بيته (عليهم السلام) هم نفسه، والزهراء عليها السلام روحه التي بين جنبيه، فجاز التوسل بها أيضًا. _____________________ (1) لسان العرب: لابن منظور، مادة التاء. (2) الميزان في تفسير القرآن: للعلامة محمد حسين الطباطبائي (قدس سره)، تفسير سورة المائدة. (3) موسوعة الأسـئلة العقائدية: مركز الأبحاث العقائدية ، ج3، ص214. (4) النساء : 64. (5) يوسف : 97 ـ 98. (6) المائدة: 35. (7) النساء:64. (8) الإسراء: 57. (9) يوسف: 97. (10) الكافي: للشيخ الكليني، ج2، ص544. وفي المعنى أيضاً في الكافي 3: 309، التهذيب 2: 287، الفقيه 1: 302 عن أبي عبد الله (عليه السلام) وغيرها. (11) البحار: للعلامة المجلسي، ج 91، ص108. (12) النساء:64. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين. يتبع: التوسل في مقام الزهراء (عليها السلام) بعقيدة أبناء العامة في الجزء الثاني إن شاء الله تعالى.

اخرى
منذ 4 أشهر
364

شبهاتٌ حول مذهب التشيع/ في التوحيد (10)

بقلم: علوية الحسيني إله الشيعة لا تمكن رؤيته فهو عدم تمهيد: أخذ المجسمة بالتشنيع على مذهب الشيعة الامامية؛ ظنًا منهم أنّ القول بجسمية الله تعالى ولوازمها هي العقيدة الحقة، وبعيدًا عن الانحياز إلى مذهبٍ دون آخر سوف نبيّن عقيدة كلا المذهبين، واللوازم المترتبة عليها عقلًا ونقلًا، وعندئذٍ يتضح لأولي الألباب المذهب الحق. يذكر أنّ الشيعة الامامية قالوا بتنزيه الله تعالى عن كل الصفات السلبية، وأوجبوا سلبها عن الله تعالى؛ بتأويلها، فمنعوا عن الله تعالى الرؤية والمكان والشريك والجسم، بخلاف بعض المذاهب الأخرى التي أجازت تلك اللوازم عليه سبحانه (جلّ جلاله). وهنا مطالب: المطلب الأول: عقيدة الشيعة في رؤية الله تعالى. تعتقد الشيعة الامامية تبعًا لأهل البيت (عليهم السلام) أنّ رؤية الله تعالى ضرورية لترسيخ الإيمان (1)، فالعبادة بدون رؤية ليست عبادة حقيقية، لكن هذه الرؤية ليست الرؤية البصرية التي اعتقد بها بعض من خالفنا في العقيدة، بل هي الرؤية القلبية، استنادًا إلى أدلة عقلية ونقلية نزّهت الله تعالى عن الرؤية البصرية في الدنيا والآخرة. وليس كلّ ما لا يمكن رؤيته بالبصر فهو عدم؛ وكفى بالروح مثالًا، فلا عاقل يقول بعدمها رغم عدم إمكان رؤيتها. وما امتازت به الشيعة الامامية عن سائر المذاهب هو التأويل، وهذا ما تصدح به كتبنا، فمتى ما صادفنا نص ظاهره يثبت الرؤية البصرية وجب تأويله؛ تنزيهًا لله سبحانه وتعالى علوًا كبيرًا عن ذلك الظاهر. وعليه، لو تعارض ظهور الآيات مع الدليل العقلي القائل بتنزيه الله تعالى عن الرؤية، فيؤخذ بالدليل العقلي؛ لأنّه بمثابة القرينة المتصلة في علم التفسير، والقرينة تقدّم على ذي القرينة، فيقدّم الدليل العقلي على ذلك الظهور، ويُؤول الظهور بما ينفي عن الله تعالى أي نقص محتمل، كالجسمية التي هي لازم من لوازم الرؤية البصرية. ولتتضح الصورة نقول: أولًا: وجه امتناع رؤية الله تعالى عقلًا: 1/لو أمكن رؤيته تعالى لهيمنت عليه أبصارنا وأحاطت به فيكون الرائي (نحن المخلوقات) أقوى وأكمل من المرئي (الله سبحانه) وهذا باطل عقلاً؛ إذ جميعنا يشهد على نفسه بالافتقار إليه تعالى فكيف تنقلب الموازين هنا بجعل الله تعالى محدودًا تحده أبصار مخلوقاته! 2/لو كان الله تعالى مرئيًا لكان في جهة، والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. *بيان بطلان المقدم: (لو كان تعالى مرئيًا) إنّ الرؤية إمّا أن يكون المرئي فيها مقابلاً للرائي مباشرةً، كنظرنا إلى بعضنا. وإما أن يكون المرئي بحكم المقابل للرائي، أي بالواسطة، كنظرنا إلى المرآة التي تعكس صورتنا، فالصورة في المرآة بحكم الشيء المقابل نظرًا. والرؤية بكلا صورتيها محالة على الله تعالى. *بيان بطلان التالي: (لكان في جهة). الجهة هي مقصد المتحرك، ومتعلق الإشارة الحسية، فهي حيزٌ للشيء، وكلّ متحيّز محدود، والحد من صفات المخلوق لا الخالق، فامتنع كونه تعالى في جهة. ثانيًا: وجه امتناع رؤية الله تعالى نقلًا: 1/قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير} (2)، أخبرنا سبحانه أنّه لامثيل له حتى نجري قانون الرؤية عليه -وسائر ما ينطبق على المخلوقات-، فالعين لا تدرك الاّ الأجسام أو صور الأجسام، والله تعالى ليـــس بجسمٍ ولا صورة جسمٍ حتى تحيط أعيننا به. 2/قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي} (3)، فحرف (لن) يفيد التأبيد لغةً، فجاء نفي الله تعالى لرؤيته مؤبدًا -دنيا وآخرة، للنبي ولغيره-. ثالثًا: عبارات توحي بإمكان الرؤية البصرية. في تراث الشيعة الامامية هناك مقاطع من أدعية محمد وآل محمد (عليهم السلام)، أو من مناجاتهم، توحي للقارئ بإمكان رؤية الله تعالى بصريًّا، من قبيل: ما جاء في مناجاة الراغبين: "والزلفى لــديك، والتمتع بالنــظر إليك"، وما جاء في مناجاة المُحبّين: "واجتبيته لـمشاهدتك"، وما جاء في مناجاة المُتوسلين: "وأقررتَ أعينهم بالـنظر إليك يوم لقائك"، وما جاء في مناجاة المُفتقرين: "وشوقي لا يبله إلاّ النظر في وجـهك"، وما جاء في مناجاة الذّاكرين: "ولا تسكن النفوس إلاّ عند رؤيـاك"، وما جاء في مناجاة الزّاهدين: "وأقرر أعيننا يوم لقائك برؤيتك"، وغيرها كثير... وكل ما في هذه العبارات ينصرف إلى الرؤية الفؤاديّة، وليس الرؤية بالبصر وبالعين الباصرة؛ تأويلًا. فالإنسان المؤمن إذا وصل إلى أعلى مراتب الإيمان بحيث حصل له القطع واليقين والعلم المتين بــوجود الخالق العظيم من خلال الآثار والحقائق والآيات الدالة عليه سوف يرى الله تعالى -بقلبه المُـذعن، الـخالي عن الماديات، الصـافي من الشكوك والأوهام والترهات- رؤية نورانيّة معنوية. المطلب الثاني: عقيدة المجسِّمة في رؤية الله تعالى تعتقد المجسمة والمشبهة والكرامية بإمكان، بل بوجوب رؤية الله تعالى رؤية بصرية؛ لجمودهم على ظاهر النصوص القرآنية، والابتعاد عن نهج سادة التوحيد محمد وآل محمد (عليهم السلام)، وهذا ما أدى بهم إلى الاعتقاد بكونه تعالى جسمًا، وكلّ جسمٍ مرئي، إذًا ممكن رؤية الإله عندهم. ولتتضح الصورة نقول: أولًا: امكان رؤية الله تعالى عقلًا ذكروا أدلة على ذلك من قبيل: 1/إنّ الوجود مشترك معنوي بين الواجب والممكن، فإذا كان المنشأ هو الوجود، لا فرق حينئذ في جواز الرؤية بين تعلقها بالممكن أو الواجب، فيلزم من ذلك إمكان رؤية الباري عز وجل" (4) وهذا ما استدل به الأشاعرة. ويرد: بأنّ أبا الحسن الأشعري يقول بالاشترك اللفظي (5) وإنّه يقول بعدم زيادة الوجود عن الماهية وأنّ الوجود هو نفس الماهية (6). ثمّ أنّ الوجود وإن كان مشتركًا معنويًا إلاّ أنّ حقيقته ذات مراتب طولية مشككة، وما به الاشتراك عين ما به الامتياز؛ فلابدّ من خصائص تميّز وجود الواجب عن وجود الممكن. 2/ دليل الوجود: "أنّ كل موجود فلابد وأنْ تكون رؤيته ممكنة، وأنّ ما لا يمكن رؤيته فلا يمكن أنْ يكون موجودًا. قال الإيجي في المواقف: وهو طريقة الشيخ [أبي الحسن الأشعري إمام الأشاعرة]، والقاضي [أبي بكر الباقلاني وأكثر أئمتنا]" (7). ثانيًا: امكان رؤية الله تعالى نقلًا ننقل بعض كلماتهم وما رووه في هذا المجال: 1/ يقول عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتابه السنة: حدثني أبي، حدثنا أبو المغيرة الخولاني، حدثنا الأوزاعي، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، قال : إن الله (عز وجل) إذا أراد أن يخوف عباده أبدى عن بعضه إلى الأرض فعند ذلك تزلزل وإذا أراد أن تدمدم على قوم تجلى لها" (8). وأخرج الخبر بنفس هذا المضمون الطبراني في كتاب السنة حسب نقل ابن تيمية عنه في فتاواه الكبرى، يقول ابن تيمية: "لا يقال في صفات الله لفظ البعض، فهذا اللفظ قد نطق به أئمة الصحابة والتابعين وتابعيهم ذاكرين وآثرين، قال أبو القاسم الطبراني في كتاب السنة: حدثنا حفص بن عمرو، حدثنا عمرو بن عثمان الكلابي، حدثنا موسى بن أعين، عن الأوزاعي" (9) إلى آخر الخبر. 2/ التجلي الخنصري! ويستمر تشويه التوحيـد من قبل عقيدة بني التجسيم، إنّ إلــههم تجّلى للجبل بمقدار الخنصـر! أخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في السنة حيث قال: حدثني خلاد ابن اسلم، حدثنا النضر بن شميل أنبأنا حماد يعني ابن سلمة، حدثنا ثابت، عن يروي بن مالك، عن رسول الله (صلى الله عليه (وآله) وسلم): انه قرأ هذه الآية ( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا ) قال: تجلى بسط كفه ووضع إبهامه على خنـصره" (10). 3/ ويستمر التشويه العقدي، حتى يصل الأمر إلى أن تحد رؤية الإله بالزمان، وبالتفاوت بين جنسٍ وآخر، فيراه المؤمنون أكثر من المؤمنات! لعمري لم أعلم أنّ قاعدة للذكر مثل حظ الانثيين جارية حتى في رؤية إلههم! أخرج الدار قطني، عن أنس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم): "إذا كان يوم القيامة رأى المؤمنون ربهم (عز وجل) فأحدثهم عهدًا بالنظر إليه في كل جمعة، ويراه المؤمنات يوم الفطر ويوم النحر" (11). ثالثًا: ما يشكل على عقيدة المجسمة 1/ عقلًا: أ- إذا كان لله تعالى أبعاض لكان مركبًا! فررتم من نسب الجوارح له بكلفتكم -بقولكم بلا كيف-، والآن حصحص الحق فأزلّ الله تعالى ألسنتكم بنطق شيخ التجسيم ابن تيمية حينما قال: إنّ الإله يتجلّى بعضه! تكاد السماوات تقع على الأرض من عقيدتكم يا قوم، فكيف بتلفظّكم ودفاعكم عن هذا الكفر الصريح؟! وطالما كان الإله مركبًا إذًا هو محتاج، والاحتياج نقصٌ، والنقص من صفات الممكن دون الواجب. وبذا صيرتموه جــوهرًا، والجوهر حادثٌ؛ بدلالة عدم خلّوه من الحوادث، فكل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث. ب- إنّ القول بالرؤية البصرية لله تعالى هي إحاطة منّا به سبحانه، فيحيط المحاط بالمحيط، وهذا باطل عقلًا. 2/ نقلاً: أ- قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير} (12) فالنفي الوارد في الآية واضح؛ معللاً سبحانه بالسبب من عدم رؤيته تعالى بأنّه هو الذي يدرك الأبصار ويحيط بهم حيث هو خبير بشؤون أصحاب الأبصار، وليس العكس. ب- قوله تعالى: {فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِم} (13)، وقال تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا ۗ لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرا} (14). فلو كانت رؤية الله تعالى مشروعة لما سلّط عليهم العذاب، وذمَّ فعلهم. _________________________ (1) من كلام لأمير المؤمنين (عليه السلام) حينما سأله ذعلب اليماني فقال: هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟ فقال (عليه السلام): أ فأعبد ما لا أرى؟ فقال: وكيف تراه؟ فقال: لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القــلوب بــحقائق الايمان. (2) الشورى: 11. (3) الأعراف: 134. (4) شرح المواقف: للايجي، ج8، ص 139. (5) شرح المقاصد: للتفتازاني ج، 1 ص 307. (6) المواقف 48 (7) المصدر نفسه، 302. (8) كتاب السنة: لأحمد بن حنبل، ج2، ص 470، ح1069. (9) الفتاوى الكبرى: لابن تيمية، ج5، ص 87. (10) كتاب السنة: لأحمد بن حنبل، ج2، ص 525، ح 1205. (11) الدر المنثور: للسيوطي، ج6، ص293. (12) الأنعام: 103. (13) النساء: 153. (14) الفرقان: 21. وَسُبْحانَكَ اللّهُمَّ طَوَتِ الْأَبْصارُ في صُنْعِكَ مَديدَتَها، وَثَنَتِ الْأَلْبابُ عَنْ كُنْهِكَ أَعِنَّتَها، فَأَنْتَ الْمُدْرِكُ غَيْرُ الْمُدْرَكِ، وَالْمُحيطُ غَيْرُ الْمُحاط.

العقائد
منذ أسبوعين
111

مُــحاكـمة

بقلم: علوية الحسيني إنّ الإنسان بطبيعته خلق مجبولاً على فطرة كونه اجتماعياً لا انعزالياً، والحالة الاجتماعية تلك تجعل بعض المصالح متضاربة فيما لو ترك أمر تنظيم حقوق كل فردٍ سدىً دون أن يكون هناك قانون يقر الحقوق والالتزامات لكل فرد من أفراد المجتمع. هذا القانون تارةً يكون شرعياً، وهو ما حكم به الله تعالى في دستوره المخلد القرآن الكريم، والروايات المفسرة له. وتارةً يكون وضعياً، وهو ما تحكم به المحاكم القضائية اليوم الدولية والمحلية استناداً لدستور يضعه مشرّعون قانونيون؛ ولهذا سمي بالقانون الوضعي. اليوم أريد تسليط الضوء بشكلٍ مختلف على واقعةٍ حصلت منذ مئات السنين، وهي واقعة ظلامة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وسيتم عرض أفعال أعدائها على الشرع والقانون لنرى هل تعتبر جريمة ولها عقوبة، أم أنّ السيّدة الزهراء (عليها السلام) قد خولط عقلها خبلاً -والعياذ بالله- كما يزعم أحد أعداءها (١). لنُعِدْ إحداث الواقعة اليوم وليحكم كلٌ وفق اختصاصه، ومن لا اختصاص له فليجعل كتاب الله تعالى دستوراً يستخرج منه عقوبة أولئك الأشخاص. وعليه ينعقد هذا المقال على استقلال كل مطلب بجريمةِ اولئك الشرذمة، والمطلب الأخير سيأخذنا إلى العيش في زمن الدولة الإسلامية العادلة المتمثلة بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف). المطلب الأول: عقوبة مَن أحرق داراً لغيره. الفرع الأول: شرعاً -في فقه الشيعة: روي عن "علي عليه السلام أنه قضى فيمن ... أو قطع شجرا أو أفسد زرعا أو هدم بيتا ... أن يغرم قيمة ما أفسد واستهلك ويضرب جلدات نكالا وان أخطأ لم يتعمد ذلك فعليه الغرم ولا حبس عليه ولا أدب..." (٢) -في فقه أبناء العامة: "... وأما ما تلف من الأرض بفعله، أو سبب فعله، كهدم حيطانها، وتغريقها، وكشط ترابها، وإلقاء الحجارة فيها، أو نقص يحصل بغرسه أو بنائه، فيضمنه بغير اختلاف في المذهب، ولا بين العلماء؛ لأن هذا إتلاف، والعقار يضمن بالإتلاف من غير اختلاف" (٣) الفرع الثاني: قانوناً "يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمسة عشر سنة كل من اشعل النار عمدًا في مال منقول... إذا كان من شأن ذلك تعريض حياة الناس أو أموالهم للخطر" (٤). المطلب الثاني: عقوبة مَن انتهك حرمة مساكن وملك الغير. الفرع الأول: شرعاً: -في فقه الشيعة: روي "عن عبد العزيز بن محمد أنّه قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من أخذ أرضا بغير حقها أو بنى فيها قال: يرفع بناؤه ويسلم التربة إلى صاحبها، ليس لعرق ظالم حق، ثم قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أخذ أرضا بغير حقها كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر (٥) -في فقه أبناء العامة: عن أبى بكرة أنّ النبي (صلى الله عليه [وآله]) قال: "إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ..." (٦) الفرع الثاني: قانوناً "يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تزيد على مائة دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين: من دخل محلا مسكونًا أو معدا للسكنى أو أحد ملحقاته وكان ذلك بدون رضاء صاحبه وفي غير الأحوال التي يرخص فيها القانون بذلك" (٧) المطلب الثالث: عقوبة جريمة مَن آذى إنساناً بالترويع والضرب؟ الفرع الأول: شرعاً -في فقه الشيعة: "حدثتنا فاطمة بنت علي بن موسى عليهما السلام قالت: سمعت أبي عليا يحدث عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه وعمه زيد عن أبيهما علي بن الحسين عن أبيه وعمه عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: لا يحل لمسلم أن يروع مسلما"(٨). أيضاً وقال الصدوق في مناهي النبي صلى الله عليه وآله: "ألا ومن لطم خد مسلم أو وجهه بدد الله عظامه يوم القيامة، وحشر مغلولا حتى يدخل جهنم إلا أن يتوب" (٩). وعن "علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في اللطمة يسود أثرها في الوجه أن أرشها ستة دنانير، فإن لم تسود واخضرت فإن أرشها ثلاثة دنانير فإن احمرت ولم تخضر فإن أرشها دينار ونصف" (١٠) -في فقه ابناء العامة: عن النعمان بن بشير عن النبي (صلى الله عليه[وآله]) أنه قال: لا يحل لرجل أن يروع مسلمًا"(١١) الفرع الثاني: قانوناً "من اعتدى عمدا على آخر بالجرح أو بالضرب أو بالعنف أو بارتكاب أي فعل آخر مخالف للقانون فسبب له اذى أو مرضا يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات والغرامة التي لا تزيد على ثلاث مائة دينار او بإحدى هاتين العقوبتيتن: أ- اذا نشأ عن الاعتداء كسر عظيم. ب-اذا نشأ عن الاعتداء أذى أو مرض أعجز المجني عليه عن القيام بأشغاله المعتادة مدة تزيد على عشرين يوما" (١٢) المطلب الرابع: عقوبة جريمة مَن أجهض جنيناً لامرأةٍ الفرع الأول: شرعاً -في فقه الشيعة: عن "علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس أو غيره، عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: دية الجنين خمسة أجزاء خمس للنطفة عشرون دينارا، وللعلقة خمسان أربعون دينارا، وللمضغة ثلاثة أخماس ستون دينارا، وللعظم أربعة أخماس ثمانون دينارا..." (١٣). -في فقه أبناء العامة: (وإن ضرب بطنها ، فألقت جنينا حيا ، ثم مات من الضربة، ففيه دية حر إن كان حرا، أو قيمته إن كان مملوكا، إذا كان سقوطه لوقت يعيش لمثله، وهو أن يكون لستة أشهر فصاعدا) هذا قول عامة أهل العلم . قال ابن المنذر : أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم ، على أن في الجنين ، يسقط حيا من الضرب ، دية كاملة ، منهم ; زيد بن ثابت ، وعروة ، والزهري ، والشعبي ، وقتادة ، وابن شبرمة ، ومالك ، والشافعي ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي ; وذلك لأنه مات من جنايته بعد ولادته ، في وقت يعيش لمثله ، فأشبه قتله بعد وضعه" (١٤). الفرع الثاني: قانوناً "يعاقب بالحبس من اعتدى عمدا على امرأة حبلى مع علمه بحبلها بالضرب او بالجرح او بالعنف...دون ان يقصد اجهاضها وتسبب عن ذلك اجهاضها" (١٥) المطلب الخامس: عقوبة جريمة مَن غصب أرضاً الفرع الأول: شرعاً -في فقه الشيعة: روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "من أخذ أرضا بغير حقها كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر" (١٦) -في فقه أبناء العامة: (ومن غصب أرضا ، فغرسها ، أخذ بقلع غرسه وأجرتها إلى وقت تسليمها ، ومقدار نقصانها ، إن كان نقصها الغرس) الكلام في هذه المسألة في فصول : أحدها، أنه يتصور غصب العقار من الأراضي والدور، ويجب ضمانها على غاصبها. هذا ظاهر مذهب أحمد وهو المنصوص عن أصحابه، وبه قال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن" (١٧) الفرع الثاني: قانوناً القانون المدني تعرض لهذا التصرف وعدّه تجاوزاً غصبياً "فيلزم الغاصب بردة مع أجر مثله وإذا تعرض العقار إلى تلف ولو بدون تعد من الغاصب لزمة الضمان"(١٨) هذا ما اشارت له المادة 197 من القانون المدني رقم 40 لسنة 1951 . المطلب السادس: تحريك الدعوى الجنائية. في زمن ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) فهو أرواحنا فداه سيحرّك الدعوى ويقضي فيها ويقتص من شياطين الظلم والجور، روي "عن الإمام الصادق عليه السلام: إذا قام الإمام قائم آل محمد صلى الله عليه وآله حكم بين الناس بحكم داوود عليه السلام، لا يحتاج الى بينةٍ، يلهمه الله تعالى فيحكم بعلمه، ويخبر كل قومٍ بما استبطنوه" (١٩) فالإمام لا يحتاج إلى شهود، ولا ادّعاء عام، ولا تحقيق، بل سيحكم بما أفاضه الله تعالى عليه من فطنة تكشف ما يبطنه المجرمون. لكن أقل ما يمكننا فعله اليوم، هو تحريك دعوى قضائية إلى قاضي محكمة الدولة الإسلامية الجعفرية المتمثلة بالإمام المهدي (أرواحنا فداه) فباسمي واسم جميع الشيعة نقدم عريضة دعوى تحقيق: م/النظر في جريمة قتل السيّدة زهراء محمد (عليها السلام) المدعي: جميع الشيعة المدعي عليه: أبناء السقيفة بسم الله الرحمن الرحيم السيد قاضي محكمة تحقيق الكوفة الإمام المهدي (عليه السلام). نرجو من سيادتكم التحقيق في سبب استشهاد السيدة الزهراء ابنة محمد (صلى الله عليه وآله)، والتحقيق مع من شرع بحرق باب دارها، ولطمها، وتسبب في اسقاط جنينها وكسر بعض أضلاعها، وهتك حرمة بيتها بدعوى أنه يريد مبايعة زوجها لأحدى الولايات. وشهد على ذلك كل من: ١-علي بن ابي طالب ٢- الحسن بن علي ٣-الحسين بن علي ٤-أسماء عميس ولسماحتكم الشكر والتقدير. التوقيع: □□□ الشيعة. عندئذٍ سيصدر مولانا قاضي التحقيق (عليه السلام) مذكرة توقيف. المطلوب تبليغه: أبناء السقيفة تقرر حضوركم للمحكمة الجنائية الجعفرية في الكوفة في اليوم الفلاني؛ نتيجة الدعوة المرفوعة عليكم من شيعة الزهراء (عليها السلام) وفي حال عدم حضوركم في الزمان والمكان المعينين سيتم إلقاء القبض عليكم وفق القانون المهدوي. ثم يصدر الإمام مذكرة أمر قبض وتحري آمرًا موظفيه: إلى جميع أعضاء الضبط القضائي وأفراد الشرطة أنكم مأذونون ومكلفون بالقبض على المدعو فلان وفلان وفلان؛ كونه متهمًا بجريمة حرق وضرب وترويع وغصب أموال السيدة فاطمة محمد (عليها السلام). لذا نفوضكم بالاحتفاظ بالمجرمين تحت الحراسة وتوقيفهم، حتى يتم إحضارهم أمامنا كي يجيبوا على الجرائم التي ارتكبوها، المعاقب عليها بمقتضى المادة (..) من القانون المهدوي. القاضي: الإمام المهدي. الختم◇. _____________________ (1) التعليق على صحيح مسلم: للعثيمين، ج٩، كتاب الجهاد والسير، ص٨٧. (2) جامع احاديث الشيعة: للبروجردي، ج١٩، ص٨٠، ح١. (3) المغني: لابن قدامة، ج٥، م٣٩٣٣. (4) قانون العقوبات العراقي المعدل لسنة ١٩٦٩، م٣٤٢. (5) جامع احاديث الشيعة: للبروجردي، ج١٩، ص٧٧، ح١. (6) صحيح البخاري: للبخاري، كتاب الفتن، ح٦٦٦٧. (7) قانون العقوبات العراقي، م٤٢٨. (٨) عيون أخبار الرضا عليه السلام: للشيخ الصدوق، ج٢، ص٧٠، ح٣٢٧. (9) امالي الصدوق: للشيخ الصدوق، ص٢٥٠. ونقل عنه في بحار الأنوار، ج٧٢، ص١٤٨. (10) فروع الكافي، ج٧، كتاب الديات، باب الخد، ص٣٣٣، ح٤. (11) الترغيب والترهيب: للمنذري، ج٣، ح٢٨٠٦. (12) قانون العقوبات العراقي، م٤١٣، ف٢. (13) فروع الكافي: للشيخ الكليني، ج٧، ص٣٤٣، ح٢. (14)) المغني: لابن قدامة، كتاب الديات، مسألة ضرب بطنها فألقت جنيناً حياً ثم مات ٦٨٥٨. (15) قانون العقوبات العراقي، م٤١٩. (16) جامع احاديث الشيعة: للبروجردي، ج١٩، ص٧٧، ح١. (17) المغني: لابن قدامة، كتاب الغصب، مسألة غصب أرضا فغرسها ٣٩٣٣. (18) ظ: القانون المدني العراقي رقم ١٧٠ لسنة ١٩٥١، م١٩٧. (19) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي، ج٥٢، ص٣٣٩. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون، وحسبنا الله وكفى، سمع الله لمن شكى، وعجّل لمن يُندب ويُبكى.

اخرى
منذ 4 أشهر
333