علوية الحسيني

بـوارق التوحيد الجلي عند الحسين بن علي (2) "عميَتْ عينٌ لا تراكَ عليها رقيبا"

لقد وازن الإمام الحسين (عليه السلام) بين الرؤية البصرية والقلبية بدعائه هذا، ويكأن دعاءه كان فيه عبرة لشيعته؛ إذ إنّ الإنسان المنغمر في عالم المادة يألف الماديات، ويروم الإحاطة بها بحواسه، لذا حين استشعار الرقابة الإلهية على العبد أن يلقّن نفسه قائلاً بلسان حاله: إنّ تلك العين الجارحة التي تحيط بالمحسوسات عميت إن لم تستشعر رقابة خالقها ومحسوساتها. والمراد من الرقابة الإلهية: علم الله سبحانه بأقوال وأفعال العباد، وإلى ذلك أشار سبحانه في كتابه الكريم بقوله: { يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ}(1) فلحظات العيون محاطة برقابة خالقها، ومن هنا يتعيّن على العباد بالإضافة إلى الامتثال للأوامر والانزجار عن النواهي تهذيب النفس وصولاً للكمال، ذلك الجزاء الأعلى رتبة من الجنان وهو الرضوان من الرحيم الرحمن {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}(2). ولو تساءلنا: ما هو مقصود الإمام الحسين (عليه السلام) بالعمى؟ وماهي العين التي وصفها الإمام (عليه السلام) بالعمى حين عدم استشعارها الرقابة الإلهية؟ هل هي العين البصرية؟ أم العين القلبية؟ بل هل للقلب عيون حتى نقول عميت عيناه؟ هذا ما سنتناوله في المطالب الثلاثة الآتية. المطلب الأول: المراد من العمى: يمكن توجيه العمى بنحوين: النحو الأول: مَن لا يستشعر الرقابة الإلهية ويتغطرس في الحياة الدنيا وشيئاً فشيئاً ينسى ذكر ربّه ولا يتدبر في صنائعه. فهو أعمى دنيوياً عن إبصار حقيقة الإيمان، وعن العيش الرغيد. وأخروياً عن أبصار لطائف المنّان من حور وجنان، وإلى ذلك أشار سبحانه في كتابه الكريم حيث قال: { وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ* قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا}(3). النحو الثاني: عمى عن العقيدة الصحيحة التي تنزِّه المولى سبحانه عن الرؤية؛ لأنّ المرئي محدود، وكلّ محدود فهو مخلوق، والله تعالى خالق لا مخلوق. فمَن ينكر التسليم بوجود رقيب خارج عن الحدود فهو أعمى العقيدة. المطلب الثاني: عمى العيـن: إنّ العين البصرية يستحيل أن تحيط بالله جلّ جلاله عقلاً ونقلاً، لهذا نستطيع توجيه قول الإمام (عليه السلام) بأنّ الذي يقول بإمكان رؤية الله تعالى بالعين البصرية هو أعمى. ووجه الاستحالة عقلاً: (لو كان الواجب مرئياً لكان في جهة) والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. بيان المقدم: (لو كان الواجب مرئياً) "المرئي إمّا أن يكون مقابلاً للرائي كما لو نظرت مباشرة إلى الشيء، وإمّا أن يكون بحكم المقابل للرائي كما لو نظرت بواسطة –كالمرآة مثلاً- إلى الشيء. والله سبحانه يستحيل أن يكون مقابلاً للرائي أو بحكم المقابل"(4). بيان التالي: (لكان في جهة) "إنّ الجهة هي مقصد المتحرك ومتعلق الإشارة الحسية"(5) فالجهة تعني تحيّز الشيء، وكل متحيّز فهو جسم. والجسمية منفية عنه تعالى؛ لأنها من سمات الممكن دون الواجب، بدليل: ص/الجسم مفتقر إلى المكان ك/ كل مفتقر إلى المكان فهو ممكن ن/ الجسم ممكن. ووجه الاستحالة نقلاً: قد نهى سبحانه في كتابه الكريم عن أن يكون مبصَراً بقوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}(6). وروائياً جاء "عن أَبِي هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيِّ قَالَ: قُلْتُ لابي جعفر (عَلَيْهِ السَّلام) لا تُدْرِكُهُ الابْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الابْصارَ فَقَالَ يَا أَبَا هَاشِمٍ أَوْهَامُ الْقُلُوبِ أَدَقُّ مِنْ أَبْصَارِ الْعُيُونِ أَنْتَ قَدْ تُدْرِكُ بِوَهْمِكَ السِّنْدَ وَالْهِنْدَ وَالْبُلْدَانَ الَّتِي لَمْ تَدْخُلْهَا وَلا تُدْرِكُهَا بِبَصَرِكَ وَأَوْهَامُ الْقُلُوبِ لا تُدْرِكُهُ فَكَيْفَ أَبْصَارُ الْعُيُونِ"(7). إذاً مَن يعتقد بالرؤية البصرية فهو أعمى. المطلب الثالث: عـمى القلب: إنّ الله سبحانه يتنزه عن الرؤية البصرية كما أسلفنا ولكن يمكن أن تتم رؤيته بالرؤية القلبية، وتلك حقيقة أفاضها علينا أهل بيت النبوة (عليهم السلام) في موروثهم الروائي عن مبد الأنوار الازلي ومنتهى العروج الكمالي محمد النبي (عليه وعلى آله السلام الأبدي)، حيث جاء "عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ كَتَبْتُ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِ السَّلام) أَسْأَلُهُ كَيْفَ يَعْبُدُ الْعَبْدُ رَبَّهُ وَهُوَ لا يَرَاهُ؟ فَوَقَّعَ (عَلَيْهِ السَّلام): يَا أَبَا يُوسُفَ جَلَّ سَيِّدِي وَمَوْلايَ وَالْمُنْعِمُ عَلَيَّ وَعَلَى آبَائِي أَنْ يُرَى. قَالَ: وَسَأَلْتُهُ هَلْ رَأَى رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه) رَبَّهُ؟ فَوَقَّعَ (عَلَيْهِ السَّلام): إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَرَى رَسُولَهُ بِقَلْبِهِ مِنْ نُورِ عَظَمَتِهِ مَا أَحَبَّ"(8). بـل وبعض الروايات تبيّن وجود ملازمة بين الرؤية القلبية والعبادة إذ بتلك الرؤية تتحقق العبادة بعد المحبة والمعرفة –كما سيأتي في المقال القادم- حيث جاء "عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيْهِ السَّلام) قَالَ: جَاءَ حِبْرٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ حِينَ عَبَدْتَهُ؟ قَالَ فَقَالَ وَيْلَكَ مَا كُنْتُ أَعْبُدُ رَبّاً لَمْ أَرَهُ. قَالَ: وَكَيْفَ رَأَيْتَهُ؟ قَالَ: وَيْلَكَ لا تُدْرِكُهُ الْعُيُونُ فِي مُشَاهَدَةِ الابْصَارِ وَلَكِنْ رَأَتْهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الايمَانِ"(9). إذاً الرؤية القلبية تتقوم بحقائق الإيمان وهي الاعتقاد بتنزيه الله سبحانه عن الجسمية ولوازمها. وعيون القلب التي لا ترى الله سبحانه هي عيون عمياء. وقد استعملت لفظة (العمى) للقلوب في القرآن الكريم كما في قول الله سبحانه: { وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}(10). ولهذا نجد أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) أردف عبارة دعائه "عميت عينٌ لاترك عليها رقيبا" بعبارة "وخسرت صفقة عبدٍ لم تجعل له من حبّك نصيبا"_ __________________________ (1) سورة غافر: 19. (2) سورة التوبة: 72. (3) سورة طه: 124-125. (4) ظ: الباب الحادي عشر، 61. (5) المصدر نفسه، 52. (6) سورة الأنعام: 103. (7) الكافي: ج1، باب ابطال الرؤية ،ح11. (8) المصدر نفسه، ح1. (9) المصدر نفسه، ح 6. (10) سورة الحج: 46. علوية الحسيني

اخرى
منذ 11 شهر
891

معرفة الله تعالى

إنّ كمال الدِّين معرفته، ونفي الصفات عنه، وتنزيهه عن صفات التجسيم ، وتأويل تلك الصفات إلى ما يليق وذاته المقدّسة. ومعرفته بأنّه واحدٌ أحدٌ، ليس كمثله شيء، قديمٌ، سميعٌ، بصيرٌ، عليمٌ، حكيمٌ، حيٌّ، قيومٌ، عزيزٌ، قدوسٌ، قادرٌ، غنيٌّ. لا يوصف بجوهرٍ، ولا جسمٍ، ولا صورةٍ، ولا عرضٍ، ولا خطٍ، ولا سطحٍ، ولا ثقلٍ، ولا خفةٍ، ولا سكونٍ، ولا حركةٍ، ولا مكاٍن، ولا زمان. وأنّه تعالى منزّه عن جميع صفات خلقه، خارج من الحدَّين: حدّ الإبطال وحدّ التشبيه. لكن تبقى مسألة: كيف نعرف ذات الله تعالى؟ هنا يقف العقل البشري عاجزاً عن إدراك ماهية الذات المقدّسة؛ لقصور ادراك عقولنا. فلابدّ للواصف أن يكون: -إمّا بمرتبة الموصوف. -أو أعلى مرتبة منه. لكي يصفه، وإلاّ لكان عاجزاً عن وصفه؛ لأنّ النّاقص لا يوازي الكامل، والعاجز لا يساوي القادر، كما ورد عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال: "الحمد لله الدّالّ على وجوده بخلقه، وبمُحدث خلقه على أزليّته، وباشتباههم على أنّ لا شبه له، لا تستلمه المشاعر، ولا تحجبه السّواتر؛ لافتراق الصّانع والمصنوع، والحادّ والمحدود، والرّبّ والمربوب"(١). وإنّ للمعرفة درجات, ويجبُ على المؤمنين معرفة أدنــاها على الأقل، كما هو في الجانب الفقهيّ حيث يوجِب الفقهاء معرفة المسائل الابتلائيّة التي هي أدنـــى درجات المعرفة الفقهيّة, فلابدّ إذن مِن التــوازن المعرفي بين العلوم, ومعرفة ماهي أدنى المعرفة العقائديّة بالله تعالى. يجب أن تكون تلكَ المعرفة الدُّنيا بالله تعالى مبنيّة على اُسسٍ عقليّةٍ بديهيّةٍ فطريّةٍ, يـعرفها حتى الساكن في بلدةٍ نائيّة بــفطرته. وليــس شرطاً أن تكون تلك المعرفة مبتنية على قواعدٍ فلسفيّة ٍ أو منطقيّة, وإلاّ : -لـكانت نسبة كبيرة مِن الناس كــفّاراً بالله تعالى. -أو كانَ إيمانهم بالأصول الاعتقاديّة ناتجاً عن تقليدٍ أعمى للعلماء والفلاسفة والمُتكلّمين. إذاً، الإنسان بـفطرته يستطيع أن يُثبت ما يعتقد به كما صنعَ أمير المؤمنين (عليه السلام) حينما سُئِلَ مــا الدليل على وجود الله تعالى؟ فأجاب بجوابٍ عفويٍّ فطريٍّ: (البعرةُ تدلُّ على البعير) مشيراً لنا إلى سهولة لاستدلال على وجوده تعالى إذا ما كانت الفطرة سليمة. فهذا الدليل الفطريّ يُنمّق كلاميّاً وفلسفيّاً ليُناسب إدراكات الطلبة المتعلّمين ويُسمى بتسمياتٍ اُخَر. والأئمة عليهم السلام لم يتركوا شيعتهم دون توضيح لأدنى المعرفة بالله تعالى, حيث "رويَ عَنْ الْفَتْحِ بْنِ يَزِيدَ عَن أَبِي الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلام) سَأَلْتُهُ عَنْ أَدْنَى الْمَعْرِفَةِ.. فَقَالَ: الاقْرَارُ بِأَنَّهُ لا إِلَهَ غَيْرُهُ وَلا شِبْهَ لَهُ وَلا نَظِيرَ وَأَنَّهُ قَدِيمٌ مُثْبَتٌ مَوْجُودٌ غَيْرُ فَقِيدٍ وَأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ"(٢). فتلك هي أدنى المعرفة به تعالى. ____________________ (١) نهج البلاغة، ٤٨. (٢) الكافي: ج١، ب ٢٦، ح١. اللّهم عرّفني نفسك فانّك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف نبيّك. علوية الحسيني

اخرى
منذ 11 شهر
716

شبهاتٌ عقائدية حول التشيع/ في الـنبوة(1) حـول عصمة النبي محمد (صلى الله عليه وآله)

انطلاقاً من الآية الكريمة (رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَىٰ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَىٰ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) قال متزلزل العقيدة: إنّ هذه الآية تنفي عصمة النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله). والإجابة على هذه الشبهة ستكون ضمن المطالب التالية: المطلب الأول: ما هي العصمة؟ المطلب الثاني: هل العصمة تجبر المعصوم على ترك المعصية؟ المطلب الثالث: ما هو زمن العصمة؟ المطلب الرابع: هل العصمة عن الكبائر فقط أم عن الصغائر أيضا؟ المطلب الخامس: ما هي مقامات العصمة؟ المطلب الأول: ما هي العصمة؟ لغةً: "عصمَ: أمسكَ ومنعَ، والعصمة أن يعصم الله عبده من سوءٍ يقع فيه، واعتصمَ بالله تعالى إذا تمنّع"(1). أو "هي الاستمساك بالشيء كقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}(2). أو "هي الاعتصام من شيء، كقوله تعالى: {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّه}(3). أمّا اصطلاحاً: "هي قوة تمنع الإنسان عن اقتراف المعصية والوقوع في الخطأ"(4). وقد عبّرت عنها بعض كتب الكلام بأنّها أعلى منازل التقوى، "والتقوى: كيفية نفسانية تعصم صاحبها عن اقتراف كثير من القبائح والمعاصي، فهي إذا ترقت في مدارجها وعلت في مراتبها تبلغ بصاحبها درجة العصمة الكاملة والامتناع المطلق عن ارتكاب أي قبيح من الأعمال، بل يمنعه[تمنعه] حتى التفكير في خلاف أو معصية"(5). إذاً بإمكان النبي (صلى الله عليه وآله) أن يفعل المعصية إلاّ أنّ تقواه تمنعه حتى من التفكير فيها فضلاً عن اقترافها. المطلب الثاني: هل العصمة تجبر المعصوم على ترك المعصية؟ كيف تحصل العصمة؟ وهل العصمة تسلب اختيار النبي (صلى الله عليه وآله) وتقهره على ترك المعصية؟ ولماذا شخص النبي معصوم دون غيره؟ ولماذا لا أكون أنا معصوماً؟ الجواب: إنّ الملاك في عصمة النبي (صلى الله عليه وآله) هو علم الله سبحانه الأزلي بمستقبل النبي، وإلاّ لــو أفاض الله سبحانه العصمة على مَن سـيرتكب المعصية لـكانَ سبحانه جاهلاً بسلوكيات هذا العبد، والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. إذاً العصمة لا تفاض على النبي (صلى الله عليه وآله) إلاّ بعد وجود أرضية صالحة في نفس النبي، كقابليته على المجاهدات الفردية والاجتماعية. وإلى ذلك أشار الشيخ المفيد (قدّس سرّه) بقوله: " العصمة تفضلٌ من الله تعالى على مَن علِم أنّه يتمسك بعصمته"(6). وللعلاّمة الطباطبائي (قدّس سرّه) قولٌ مبارك في بيان عدم جبرية العصمة، حيث قال: "إنّ ملكة العصمة لا تغيّر الطبيعة الإنسانية المختارة في أفعاله الإرادية ولا تخرجها إلى ساحة الإجبار والاضطرار، كيف والعلم مِن مبادئ الاختيار، كطالب السلامة إذا أيقن بكون مائع ما سماً قاتلاً من حينه، فانه يمتنع باختياره من شربه"(7). أي إنّ النبي (صلى الله عليه وآله) تمنعه تقواه واستشعاره بمعية الله تعالى ومراقبته له من ارتكاب المعصية والمخالفات المولوية، وهذا نظير إمكانية صدور القبيح من الله تعالى –فهو ممكن بالذات- إلاّ إنّه تعالى لا يصدر منه القبيح؛ لكونه منافياً لحكمته. مثالان توضيحيان: إنّ الإنسان العادي الذي يعلم بوجود سم في كأس من الماء فإنّه لا يُقدم على شربه؛ لعلمه بعاقبته السيئة. وكالذي يعلم بوجود طاقة كهربائية في سلكٍ عارٍعن العازل فإنّه لا يمسّه؛ لعلمه بالعواقب الوخيمة من وراء ذلك. وهكذا النبي (صلى الله عليه وآله) لا يرتكب المعصية لعلمه علم اليقين بأنّ النار مصير العاصي. فتقواه كانت حاجباً بين الطاعة والمعصية، وقد قرنَ الله تعالى التقوى بالنجاة بقوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانا}(8). والخلاصة: لقد كانَ النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ذاتاً طاهرةً صافية، متحررٌ من ألوان الموجودات مرتبطٌ باللالون منها، ولهذا اصطفاه المولى ليغير ملوحة أرواح عباده إلى حلاوةٍ وعذوبة بإرشادهم وتربيتهم. المطلب الثالث: ما هو زمن العصمة؟ متى أصبح النبي (صلى الله عليه وآله) معصوماً؟ الجواب: الآراء اختلفت في عصمة الأنبياء من حيث زمن ثبوتها لدى المذاهب الكلامية: أ-الإماميّة قالوا بعصمتهم منذ الولادة وحتّى الوفاة. ب-أغلب المعتزلة قالوا بعصمتهم منذ البلوغ, فقبل البلوغ هو ليس معصوماً! ج-أكثر الأشاعرة قالوا بعصمتهم منذ تنصيبهم أنبياءً، فـالنبي عندهم معصومٌ منذ أن أصبح عمره (40سنة) وقبل هذا السن ليس بـمعصوم! المطلب الرابع: هل العصمة عن الكبائر فقط أم عن الصغائر أيضا؟ اختلفت أيضاً الآراء لدى الفرق الكلامية: أ-الأشاعرة قالوا بعصمة النبي عن الكبائر والصغائر عـمداً فقط. وأجازوا صدورها عن النبي خطأً ونسياناً. ب- بعض المعتزلة قالوا بعصمة النبي عن الكبائر فقط، وأجازوا صدور الصغائر منه. ج-الحشَويّة وبعض أهل الحديث من أبناء العامّة قالوا بجواز صدور الكبائر والصغائر من النبي مـطلقاً (عمداً وسهواً) ! حيث قال الآمدي: "اتفقت الأمة سوى الحشوية ومن جوز الكفر على الأنبياء على عصمتهم عن تعمده من غير نسيان ولا تأويل وإن اختلفوا في أن مدرك العصمة السمع كما ذهب إليه القاضي أبو بكر والمحققون من أصحابنا أو العقل كما ذهب إليه المعتزلة وأما إن كان فعل الكبيرة عن نسيان أو تأويل خطأ فقد اتفق الكل على جوازه سوى الرافضة أما ما ليس بكبيرة فإما أن يكون من قبيل ما يوجب الحكم على فاعله بالخسة ودناءة الهمة وسقوط المروءة كسرقة خبة أو كسرة فالحكم فيه كالحكم في الكبيرة وأما ما لا يكون من هذا القبيل كنظرة أو كلمة سفه نادرة في حالة غضب فقد اتفق أكثر أصحابنا وأكثر المعتزلة على جوازه عمدا وسهوا خلافا للشيعة مطلقا وخلافا للجبائي والنظام وجعفر بن مبشر في العمد"(9). وقال ابن تيمية: "القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف حتى إنه قول أكثر أهل الكلام كما ذكر " أبو الحسن الآمدي " أن هذا قول أكثر الأشعرية وهو أيضا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء بل هو لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول ولم ينقل عنهم ما يوافق القول وإنما نقل ذلك القول في العصر المتقدم عن الرافضة ثم عن بعض المعتزلة ثم وافقهم عليه طائفة من المتأخرين. وعامة ما ينقل عن جمهور العلماء أنهم غير معصومين عن الإقرار على الصغائر ولا يقرون عليها ولا يقولون إنها لا تقع بحال و أول من نقل عنهم من طوائف الأمة القول بالعصمة مطلقا وأعظمهم قولا لذلك : الرافضة فإنهم يقولون بالعصمة حتى ما يقع على سبيل النسيان والسهو والتأويل. وينقلون ذلك إلى من يعتقدون إمامته وقالوا بعصمة علي والاثني عشر ثم " الإسماعيلية " الذين كانوا ملوك القاهرة و كانوا يزعمون أنهم خلفاء علويون فاطميون وهم عند أهل العلم من ذرية عبيد الله القداح كانوا هم وأتباعهم يقولون بمثل هذه العصمة لأئمتهم و نحوهم مع كونهم كما قال فيهم أبو حامد الغزالي - في كتابه الذي صنفه في الرد عليهم - قال: ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض. وقد صنف " القاضي أبو يعلى " وصف مذاهبهم في كتبه وكذلك غير هؤلاء من علماء المسلمين فهؤلاء وأمثالهم من الغلاة القائلين بالعصمة وقد يكفرون من ينكر القول بها وهؤلاء الغ الية هم كفار باتفاق المسلمين"(10). وأمّا الشيعة فقد قال الشيخ الصدوق: "اعتقادنا في الأنبياء و الرسل والملائكة و الأئمة صلوات الله عليهم أجمعين أنهم معصومون مطهرون من كل دنس ، وأنهم لا يذنبون ذنباً صغيراً ولا كبيراً ، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ومن نفى العصمة عنهم في شيء من أحوالهم فقد جهلهم"(11). وقال الشيخ الطوسي : "ويجب أن يكون النبي معصوماً من القبائح صغيرها وكبيرها قبل النبوة وبعدها على طريق العمد والنسيان وعلى كل حال"(12). وعلى كلّ عاقلٍ المقارنة بين آراء المذاهب وتحكيم نفسه لمعرفة أي مذهبٍ ينزه رسول الله محمداً (صلى الله عليه وآله). المطلب الخامس: ما هي مقامات العصمة؟ والكلام حول العصمة عقلاً ونقلاً له مقامات: 1- العصمة في تلقي الرسالة 2- العصمة في تطبيق الرسالة 3- العصمة في تبليغ الرسالة وبيان هذه المقامات يأتي في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى. __________________ (1) المقاييس: لابن فارس. ج4،ص331. (2) المفردات: للراغب الأصفهاني، كتاب العين. (3) المصدر نفسه. (4) الميزان في تفسير القرآن: للعلاّمة الطباطبائي، ج8،ص 142. (5) محاضرات في الإلهيات: للشيخ السبحاني، 218. (6) شرح عقائد الصدوق، 61. (7) الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص163. (8) الأنفال: 29. (9) الإحكام في أصول الأحكام: للآمدي، ج1، ص 226. (10) مجموع الفتاوى: لابن تيمية، ج25، ص105_106. (11) الاعتقادات: للشيخ الصدوق، ص 108. (12) الاقتصاد: للشيخ الطوسي ، ص 155. وصلِ اللّهم على أوّل الأوائل وأدلّ الدلائل، مبدأ أنوار الأزلي ومنتهى العروج الكمالي، غاية الغايات المتعيّن بالنشئات، وعلى آل بيته بأزكى التحيات والبركات. علوية الحسيني

اخرى
منذ 10 أشهر
717

بوارق الــتوحيد الجـلي عند الإمام الحسين بن علي (عليه السلام)

قال الإمام الحسين (عليه السلام) مناجياً ربّه: "متى غبتَ حتى تحتاج إلى دليلٍ يدل عليك؟!(1). إنّ النسبة بين الإدراكات مشكّكة، ففي جميع التنبيهات والاستدلالات يحتاج العقل إلى طريقةٍ تحاكي مستوى ادراكه. فبعد أن يدرك بداهةً (أنّ لكلّ معلولٍ علّة) يكون تعامله مع الحياة المعرفية على ضربين: الضرب الأول: العقل لا ينفك عن التعامل مع المعلولات بحيث لا يمكن له أن يصل إلى العلة لـولا معرفة تلك المعلولات، كأن يستدل على وجود الله تعالى (العلّة) من خلال وجود المخلوقات (المعلول)، فهنا ينتقل معرفياً من المعلول إلى العلّة. وإلى ذلك أشار الله سبحانه في كتابه الكريم: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}(2). وقد أشارت العلوم العقلية إلى هذا الاستدلال ووسمته بالبرهان الإني: وهو الاستدلال بالمعلول على العلة، ويكون الحد الأوسط الذي يربط مقدمتي البرهان هو واسطة في الإثبات فقط أي في العلم والتصديق الذهني(3). وهذا الضرب بصورة عامة هو ديدن عوام العباد ما خلا محمداً وآل محمد (صلوات الله عليهم جميعاً)، وهو حسن عقلاً ويدعو إلى التأمل في مخلوقات الله جلّ جلاله ثم استشعار عظمته ووجوده، وإن كان هذا الطريق ليس الطريق الكامل لمعرفة الله تعالى، لكنه حسن عقلاً، بل نجد أنّ المولى سبحانه قد حثّ عباده على هذا الضرب من الاستدلال بقوله في كتابه الكريم: { أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ *وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ* وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ* وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ}(4) فهنا دلالة صريحة على حثّ العباد على النظر والبحث في خلق المخلوقات وكيفية خلقها؛ ليتوصلوا بعد ذلك إلى وجود خالق عظيم. الضرب الثاني: العقل ينفك عن التعامل مع المعلولات بحيث يستدل بالعلة على المعلول، وهو ما يوسم بالبرهان اللمي: وهو الاستدلال بالعلة على المعلول، ويكون الحد الأوسط فيه الذي يربط مقدمتي البرهان هو واسطة في الثبوت والإثبات أي في العلم والواقع الخارجي(5). وقد أشار إليه الله تعالى في كتابه الكريم إليه في آية: { أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض}(6). فالله تعالى (علة) هو نورٌ كاشفٌ عن وجود المخلوقات (معلول) فهو المنوِّر –بالكسر- لا المنوَّر –بالفتح- كما في الضرب السابق - ذهناً-. وإذا كان الله تعالى يعرف بغيره لكان ذلك الغير أنور و أظهر منه تعالى، والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. إذاً يكون الاستدلال الأكمل من العلة إلى المعلول، وهو فيضٌ إلهي على ذوي الحظ العظيم، الراسخين في العلم بنص العزيز الحكيم، محمد وأهل بيته سادة النهج القويم. وها هو الإمام الحسين (عليه السلام) يستعمل الاستفهام الاستنكاري ليعطي معنى التعجب وهو غير المعنى الحقيقي للاستفهام –بلاغةً-، لكنه (عليه السلام) يعلم بتفاوت إدراكات أذهان العباد، لذا لم يقل متى غبتَ حتى يحتاج العباد إلى دليلٍ يدل عليك، بل كان كلامه مناجاةً خاصة بينه وبين خالقه تليق بمقام قدس الله ونسبة ادراكه (عليه السلام). فلسان حاله يقول: كيف أجعل الله تعالى (العلة) غيباً ومخلوقاته (المعلول) ظاهرة تدل عليه؟!. فالحسين (عليه السلام) ليس كالمنغمسين في عالم المادة، أو ممن كثفت الحجب بينه وبين الأسرار الملكوتية، لذا كان محلاً لسطوع شعاع شمس التوحيد من الرب المجيد ليكون للعباد خير هادٍ ورشيد. ووجه معرفة الإمام الحسين (عليه السلام) لربه هو أنّ المولى سبحانه أعطى للمعصوم صفة خاصة يعي من خلالها الاستدلال بالعلة الظاهرة (الله تعالى) على المعلولات المغيبة (المخلوقات)، دون أن يعرف ماهية الذات، كما لو عرّف المهندس نفسه بكونه مهندساً فقط، دون أن يفصح عن جنسه وسائر مشخصاته. وهو ما يمكن أن نسميه بالعلم اللدني. فلا يمكن القول بأنّه (عليه السلام) أكتنه ذات الله تعالى؛ فالمعصوم أو النبي (عليهما السلام) مهما بلغ من كمالات إلاّ أنّه لا يحيط بخالقه؛ لتنزه الخالق عن أن يكون محاطاً، فهو المحيط بخلقه، ولا يحيط المحاط بالمحيط، لذا نجد أنّ الله جلّ جلاله قال في كتابه الكريم آمراً عباده بتوحيد ربهم بنفي التركيب عنه وهذا أدنى المعرفة به سبحانه وبه يكتفى، حيث قال تعالى: {قُل هُوَ اللهُ أَحَد}(7) وسوف يقرّ العباد بداهةً ببساطة الذات الإلهية، ثم ينسد باب المعرفة، وتعجز الأوهام والقلوب عن أيّ معرفة، وتشغل الحيرة العقول لعوام العباد وسيّدهم وآل الرسول عن اكتناه الغيب المطلق. _______________________ (1) مفاتيح الجنان، دعاء الإمام الحسين عليه السلام في يوم عرفة. (2) سورة فصلت: 53. (3) ظ: منطق المظفر، ج3، ص315. (4) سورة الغاشية: 17-20. (5) ظ: منطق المظفر، ج3، ص315. (6) سورة ابراهيم: 10. (7) سورة التوحيد: 1. وسبحان الله الذي تفرّد بالعز والبقاء، وتردّى بالنور والبهاء، وجلّ عن مقارنة الاشياء، المنعم خلقه بأشرف الحباء، الذي أوجد بكلمته ما يشاء، وصل اللهم على محمدٍ وآله الاتقياء. علوية الحسيني

اخرى
منذ 11 شهر
1253

نـفــحاتٌ مــلكوتيــة من الــخطاب الــزينبي (١) "ما رأيتُ إلاّ جميلا"

عبارةٌ صدحت بها السيدة زينب (عليها السلام) بعدما سألها الطاغية عبيد الله بن زياد عن صنع الله بالحسين وآله، فتمنى أنّه لو لم يسألها؛ لما لاقاه مِن جوابٍ بنبرةٍ روحيّة، ورباطةٍ عقائديّة، ونبراتٍ بلاغيّة. ومن هنا سوف نسلط الضوء على هذه العبارة في ثلاث نواحي: الناحية الأولى: الناحية الرّوحيّة إنّ الوصول إلى الكمال الرّوحي يتطلب تحمل المشاق، والتسليم المطلق لله سبحانه، والذوبان في هيمنته وسلطنته جلّ شأنه، فالإنسان وإن كان مجبولاً في فطرته على حب الوصول إلى الكمال، إلاّ أنّ التعلّقات الدنيوية التي تطرأ عليه عرضاً تجعله محجوباً عن الوصول. وها هي السيّدة قد نالت ما نالت من فيوضاتٍ، وهيّمت قلبها لإرادة الواحد القهّار، وتركت التأثر بالعالم الماديّ لأهله، واعشوشب زهرها في ما فوق ذلك العالم، فأصبحت من خواص الله خلقاً، وأثمرهم عطاءً. (ما رأيتُ إلاّ جميلاً) عبارةٌ ذات أربعة عشر حرفاً دلّت عباد الله على الله، إذ أعتقد أنه لم يكُ هدف السيّدة (عليها السلام) أن تبيّن للطاغية والحاضرين مدى رضاها بقضاء الله سبحانه وحسب، بل كان لها هدف سامٍ آخر ألا وهو: أن تدلّهم على الله وترسّخ محبتهم له سبحانه، حيث نقرأ في الزيارة الجامعة الكبيرة: " اَلسَّلامُ عَلَى الدُّعاةِ اِلَى اللهِ، وَالاْدِلاّءِ عَلى مَرْضاة اللهِ، وَالْمُسْتَقِرّينَ في اَمْرِ اللهِ، وَالتّامّينَ في مَحَبَّةِ الله"(1). وجاء في مقطعٍ آخر: "اِلَى اللهِ تَدْعُونَ، وَعَلَيْهِ تَدُلُّونَ، وَبِهِ تُؤْمِنُونَ، وَلَهُ تُسَلِّمُونَ، وَبِأَمْرِهِ تَعْمَلُونَ، وَاِلى سَبيلِهِ تُرْشِدُون"(2). ومنبع تصرّفها هذا هو حبّ الله سبحانه، حيث روي أنه : "اوحـى اللّه تعالى إلى بـعـض الصدّيقين: إنّ لي عباداً مِن عبادي يحبونني واُحبهم، ويشتاقون إليّ وأشتاق إليهم، ويذكرونني وأذكرهم، ... أقل ما اُعطيهم ثلاثاً: الاول : أقذف من نوري فـي قـلوبهم فيخبرون عنّي كما اُخبر عنهم. والثاني : لو كانت السماوات والأرضون وما فيهما في مـوازيـنهم لاستقللتها لهم. والثالث : أقبل بوجهي عليهم، أ فتُرى من أقبلتُ بوجهي عليه يعلم أحد ما اُريد أن اُعطيه؟!"(3)، فقذف سبحانه في قلبها التفويض المطلق ووجدها صابرة. ويعدّ صبر السيّدة (عليها السلام) مِن صبر العارفين بالله سبحانه، إذ الصبر على مراتب، وصبر العارفين(4) معناه أنّ لبعض خلق الله التذاذاً بالمكروه لتصوّرهم أنّ معبودهم خصّهم به من دون الناس، وصاروا ملحوظين بشريف نظره (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ *أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)(5). الناحية الثانية: الناحية العقائديّة تعتقدُ السيّدة بما يعتقده آباؤها ( عليها وعليهم السلام) بأنّ الله تعالى عادلٌ لا يحيف في حكمه، حكيمٌ في تدبيره، لا يفعل عبثاً؛ لاستلزامه القبيح. ومِن هنا وصفت فعل الله سبحانه بالجميل، إذ إنّ صفات الله تعالى الثبوتية تسمى بالجماليّة، والعدل أحدها. وبهذا أعطت السيّدة (عليها السلام) درساً عقدياً للطاغية والحاضرين، حيث إنّه سلوك بني أمية عموماً كان يهدف إلى تشكيك الحضور بعدل الله سبحانه، وإلى أحقيّة تصرفه بهتك حرمة الحسين وآله (سلام الله عليه وعليهم) بـدليل قول أميرهم يزيد: "لعبَت هاشمُ بالملكِ فلا خبرٌ جاءَ ولا وحيٌ نزل" فالطاغية يُكمن في نفسه الكفر ويُظهر الإيمان، وما قوله هذا إلاّ دلالةً على أنّ الحسين على خطأ وهو وشرذمته على صواب، ولذا يقول ذنبهُ بن زياد محتجاً بما في مضمونه: لو كانَ الله عادلاً لانتصر للحسين وآله ! أمَا والله لقد أساءَ المنطق، وإلاّ فماذا يُرتجى مِن ابن الطلقاء الذي هتك حرمة الأولياء، وأبكى بفعلته السماء ! فزهق الباطل الذي به كان فرحاً بـعبارة "ما رأيتُ إلاّ جميلا". الناحية الثالثة: الناحية البلاغية استعملت السيّدة البليغة (عليها السلام) اسلوب الحصر أو ما يسمى عند البلاغيين بالقصر، ويعني: "تخصيص أمرٍ بآخر بطريقٍ مخصوص، ومِن طرقه: النفي والاستثناء..."(7). فمقصد السيّدة هو: رأيتُ الذي صنعه الله تعالى بنا جــميلا" بعد حذف أداتي النفي والاستثناء. ويدلّ استعمالها اسلوب البلاغة هذا على امور: 1- بيان أعلميتها وأنّها ليست كأيّ سبيّة، ومن هنا اشرأبت الأعناق لترى مَن المتكلم؛ لتذكرهم ببلاغة عليّ بن أبي طالب (عليه السلام). 2- تحقير الطاغية وشرذمته بتكليمهم فوق مستوى ادراكهم، فمن يقارن بين كلامَي السيّدة والطاغية يجد الإرباك الواضح، والركة المضحكة في بيانه (عليه لعنة الله). 3- توظيف ما استسقته من نمير العلوم مِن أبويها (عليهما السلام) في سبيل إعلاء كلمة الحق. ويا لجميل ما صنعَت (عليها أزكى السلام). _______________________ (1) مفاتيح الجنان، 608. (2) المصدر نفسه، 610. (3) مسكن الفؤاد: 28. (4) أوصاف الأشراف، 51. (5) البقرة: 155. (6) البلاغة الواضحة، 217. واللهُ بتُ لا أرى فيهم إلاّ جميلاً له الحمد وقبله التسبيح وبعده التهليلا ويتلوا التهليل تكبيرةً لله بكرةً وأصيلا اولئك خير خلق الله بعد محمدٍ رزقوا الثبات وكانوا أصدقُ قيلا. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنة
1115

الـمرأة الـرسالية

بِسْم الله الرحمن الرحيم {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبا}(1) صدق الله العلي العظيم. ظهور الآية الكريمة يدل على أنّ الذين يبلّغون رسالات الله هم الرجال والنساء، بدلالة السياق الخطابي للقرآن الكريم حينما يريد تكليف الجنسين يعبّر عن ذلك بصيغة الجمع كما هو واضح في آية {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون}(2) إذ التكليف بإقامة الصلاة لا ينحصر بجنس الرجال دون النساء، بل صيغة الجمع تدل على شمول كلا الجنسين بالتكليف، فكذلك أمر تبليغ رسالات الله تعالى، والظهور حجّة، وفي ذلك قوّة للدليل على شمول النساء بتبليغ الرسالات تلك. إذاً فمِن الخطأ حصر مسؤولية الدعوة إلى الله تعالى وإلى دينه بالرجال دون النساء، حيث إنّ الإسلام أولى مسألة تحصيل العلم أهمّيّةً قصوى، حتّى أنّه اعتبره فرضاً واجباً على كلّ مسلمٍ ومسلمةٍ، وقد تعرّضت جملة من الآيات القرآنيّة والأحاديث الشريفة لبيان فضل العلم والعلماء وما لهم من الأجر الكبير عند الله عزَّ وجلَّ، وكلّ ذلك ترغيباً في العلم ودعوةً إلى تحصيله، جاء في الحديث: "طلب العلم فريضة على كلّ مسلمٍ ومسلمةٍ"(3)، ففي هذا الحديث تأكيد على أنّ طلب العلم أمر لا يتمايز فيه أحد عن أحدٍ، فهو واجب على الرجل والمرأة، بل الصغير والكبير، الشابّ والشيخ، الحاكم والمحكوم، ولا يختصّ بطبقةٍ أو جنسٍ. كما وهناك أدلة عامة تدل على مشاركة المرأة الرجل في الدعوة، قال تعالى: {أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْض}(4). وانطلاقاً من ذلك لابدّ من إماطة اللثام عن الدور الحقيقيّ للمرأة الرساليّة الناجحة؛ إذ انّ بعض مجتمعاتنا تعتقد بانحصارِ دور المرأة الرساليّة بشهريَ العزاء (محرّم وصفر) تبليغاً وخطابةً وتفقهاً، كما وإن الرساليّة نفسها تعتقد ذلك، فتنشط في هذين الشهرين فقط وتبذل ما في وسعها. كـما ويعتقد البعض بانحصار علومها في الفقه والعقائد والأخلاق، وهذا غير المأمول منها مقارنةً مع عظم المسؤولية المناطة بها. والـصحيح انّ الـدور المناط بـها في تبليغ تلك الرسالة السامية يتطلب منها أن تكون كالطبيب الدوّار، ناشطة بجميع الشهور والأمرار، عالمةً بشتى العلوم والأسرار، متقنةً لفن الإقناعِ والحوار، مهيمنة على جميع الأفكار، تــلك هي المرأةُ الرساليّة الناجحـة. وتكتسب ذلك من علوم ( العقائد، والتفسير، والفقه، والأخلاق، والسيرة، والنحو، والبلاغة، والمنطق، والاجتماع، والنفس، والفلَك، والفلسفة،...) إذ إنّها ستكون في معرض أسئلةٍ شتى من أصحاب إدراكاتٍ متفاوتة، وعليه يحتّم الوضع عليها أن يكون جوابها مناسباً للسؤال وصاحبه بساطةً وتعقيداً، فـكلّما زِيدَت في رقيّها الفكريّ كانت أكثر تأثيراً، فـيتحقق عندئذٍ نجاح مشروع أداء الرسالة بأبهى صوره. والدليل على عدم الانحصار الزماني والعلمي للتبليغ هو إطلاق الآية الكريمة {يبلّغون رسالات الله...}، والإطلاق حجّة، إذ إنّ المتكلم –سبحانه- يريد مطلق الزمان ومطلق التبليغ، ولم يقيّد ذلك التبليغ بزمنٍ أو علمٍ معيّن، وحيث أنّه تعالى لم يذكر القيد إذاً هو لا يريده، فبقرينة الحكمة عرفاً أثبتنا إطلاق التبليغ. ولو تتبعنا سيرة سيّدة البيان ابنة أبي الحسنين زينب (عليها سلام الرحمن)، حيث "كانت تنوب عن أخيها الإمام الحسين (عليه السّلام) في حال غيابه ، فيرجع إليها المسلمون في المسائل الشرعيّة ؛ ونظراً لسعة معارفها كان الإمام زين العابدين (عليه السّلام) يروي عنها ، وكذلك كان يروي عنها عبد الله بن جعفر ، والسيّدة فاطمة بنت الإمام الحسين (عليه السّلام) . ولمّا كانت في الكوفة في أيام أبيها كان لها مجلس خاص تزدحم عليها السيّدات ، فكانت تلقي عليهنَّ محاضرات في تفسير القرآن الكريم ، كما كانت المرجع الأعلى[أي ترجع النسوة إليها وتتردد عليها] للسيّدات من نساء المسلمين ، فكنّ يأخذنَ منها أحكام الدين وتعاليمه وآدابه . ويكفي للتدليل على فضلها أنّ ابن عباس حبر الاُمّة كان يسألها عن بعض المسائل التي لا يهتدي لحلّها ، كما روى عنها كوكبة من الأخبار ، وكان يعتزّ بالرواية عنها ، ويقول : حدّثتنا عقيلتنا زينب بنت علي . وقد روى عنها الخطاب التأريخي الذي ألقته اُمّها سيّدة النساء فاطمة (عليها السّلام) في جامع أبيها (صلّى الله عليه وآله) . وقد نابت عن ابن أخيها الإمام زين العابدين (عليه السّلام) في أيام مرضه ، فكانت تجيب عمّا يرد عليه من المسائل الشرعيّة ، وقد قال (عليه السّلام) في حقها : إنّها عالمة غير معلّمة. وكانت ألمع خطيبة في الإسلام ؛ فقد هزّت العواطف ، وقلبت الرأي العام وجنّدته للثورة على الحكم الاُموي ، وذلك في خطبها التأريخية الخالدة التي ألقتها في الكوفة ودمشق ، وهي تدلّل على مدى ثرواتها الثقافية والأدبية . لقد نشأت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) في بيت الوحي ومركز العلم والفضل ، فنهلت من نمير علوم جدّها وأبيها وأخويها ، فكانت من أجلّ العالمات ، ومن أكثرهنَّ إحاطة بشؤون الشريعة وأحكام الدين"(5). إذاً، اُخية شمّري عن ساعدي الجد، ولا تخافي في الله تعالى لومة لائمٍ ببيان معالم الدّين وإحياء سنن النبي الأمين (صلى الله عليه وآله الطاهرين)، ولا تنسي قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَة}(6) فالآية الكريمة تشير إلى مبتدأ تبليغك وهو نفسك ثم أهلك، وهذا ما أكّد عليه أمير المؤمنين (عليه السلام): "مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَاماً فَلْيَبْدَأْ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ، وَلْيَكُنْ تَأْدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ، وَمُعَلِّمُ نَفْسِهِ وَمُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالْإِجْلاَلِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ وَمُؤَدِّبِهِمْ"(7). ولا تغفلي عن إمكانية تأثيرك على من يحيطك من: أ- أبناء، حيث إنّ الأبناء يقضون أغلب أوقاتهم مع الام فتستطيع بذلك عليهم تأثيرا. ب- زوج، فكم من زوجٍ أصلحت طريقَه زوجتُه، أو أثرت عليه برأيها كما ينقل لنا القرآن الكريم باستجابة فرعون لزوجه حينما طلبت منه أن لا يقتل الوليد –النبي موسى عليه السلام- فأشارت عليه بعدم قتله عسى أن ينفعهم فاستجاب لها. ج- أبوين، وخير مثال فاطمة الزهراء (عليها السلام) تلك المرأة التي كان لرأيها أثر واستجابة من قبل أبويها. د- اخوة، كما كان لزينب الحوراء (عليها السلام) الرأي المؤثر والمستجاب من قبل اخوتها (عليهم السلام). هـ- صاحبات، أيضاً كان لها (عليها السلام) تأثيراً ملحوظاً على النسوة اللواتي كن يترددن عليها للاستشارة أو للتعلّم فتتلمذن على يدها. و- مجتمع، كما استجاب حاكم الشام الظالم لأمر السيدة زينب (عليها السلام) بعدم قتل ابن اخيها، وبإرجاع رؤوس اخوتها، إذ صدحت بالحق في وجه الحاكم الجائر تارةً بالتلميح واخرى بالتصريح، وما بين افتضاحٍ وبلاغة، وترغيبٍ بالجنان وترهيبٍ من النيران، تقوّم تبليغها (عليها السلام) وبهذا رسـمت للرساليات القواعد الكليّة للتبليغ. فيا اُخية هلمي لتكوني مصداق هذا التأسي، ولا تكوني رقماً بلا رصيد، وشخصاً بلا نفع، ضعي بصمة إصلاح وتغيير، قبل فناءك وانقضاء المصير. وسلامٌ على الرساليات ورحمة الله وبركاته. _____________________ (1) الأحزاب: 39. (2) النور: 56. (3) بحار الأنوار: ج 2، ص 32، باب 9، من كتاب العلم، ج 20. (4) آل عمران: 195. (5) السيدة زينب عليها السّلام رائدة الجهاد في الإسلام: باقر شريف القرشي، ص45-46. (6) التحريم: 6 (7) نهج البلاغة: ح70. اللّهم أكرمنا بالهدى والإستقامة، وسدّد ألسنتنا بالصواب والحكمة، بحق محمدٍ وآله أهل بيت الرحمة. علوية الحسيني

اخرى
منذ 11 شهر
674

أطفالنا بين لَبْس الأحمر والأسود

بسم الله الرحمن الرحيم {وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ}(١) صدق الله العلي العظيم. جميعنا يعلم أنّ المسؤولية مهمة عظيمة في شتى المجالات، ومنها مجال التربية، فكلّ انسانٍ يولد على فطرة سليمة التي تشبّه بالأرض إن زرعت خيراً حصدت خيرا، وإن شراً فشرا... فتلك الفطرة سليمة أصالةً ملوثة عرضاً، بدليل قول الله تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}(٢). ومحل شاهدنا هو تعمد بعض الوالدين تلويث فطرة أطفالهم بكلّ ما يخالف الشرع، أو يوجب زرع بذور تسبّب لهم مزالق فكرية وانحرافات أخلاقية في المستقبل. فاليوم نراهم في شهر محرم الحرام يزرعون في نفوس أطفالهم مبادئ الإمام الحسين (عليه السلام)، فغالباً ما نجد بيتاً يخلو من أطفالٍ يرتدون السواد، ويظهر من تصرفهم الحداد، بل ويجسّد لنا تأسي الأطفال بعيال الحسين (عليه وعليهم السلام) حينما نرى مشاركة الأطفال في الزيارة الأربعينية مشياً وحبواً. فإن دلّ ذلك على شيء فإنّه يدلّ على سرعة تلقّي الطفل لما يتعلّمه، وتأثره ببيئته وكيفيّة تربيته، وهذا ما يحمد عقباه؛ إذ تبقى تلك التصرفات مركوزة في جبلته، ولهذا قيل: مَن شبَّ على شيء شابَ عليه. وما أجمله من حال لو شابَ أطفالنا على هذه الحال . إلاّ إنّنا نرى بعض الاسر تحاول تلويث ذلك النقاء بمحو المنغرسات العاشورائية الزاكية التي هم زرعوها في نفوس أطفالهم، ويكأنّ كلاً منهم يقول لطفله: انتهى هذا الدور يا ولدي قم لتؤدي دوراً آخراً يواكب ما يقوم به بعض أطفال المجتمع ! وإذا بالأُسر تُلبس أطفالها الثياب الحمراء في أيام رأس السنة الميلادية تأسياً بما يسمى (سانتا كلوز أو بابا نؤيل) ذلك الرمز المشير إلى الفساد وسيرته معروفة لمن شاء المطالعة. البعض يدّعي من احتفاله مع النصارى انّه يطبّق مبدأ التعايش السلمي، لـــكنه حتى بهذا المبدأ جاهلٌ تمام الجهل؛ حيث انّ التعايش الذي يهدف إليه ديننا الحق هو (التعايش السلمي الأخلاقي مِن حيث احترام اصحاب الأديان دماً ومالاً وعرضاً إن لـــم يتعرّضوا لانتهاك ديننا) ، وليـــس التعايش الفكري الذي به كاد البعض أن يخرجوا مِن الإسلام. إذاً فالوالدان هما من يربيان الأطفال على الازدواجية في الشخصية، وقد روي عن الرسول الاكرم (صلى الله عليه و آله) : " كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه وينصرانه "(٣) . وحتماً حينما يكبر الطفل ويصبح أباً فإنّه سيربي أطفاله على النهج الذي تربى عليه، وتتوارث هذه التربية المغلوطة، وتنطمس وحدة الشخصية الاسلامية في اطفالنا وشبابنا وكهولنا !. وقفوهم إنّهم مسؤولون. وللقارئ نماذج من استقراءٍ بين فئات الأطفال يبيّن تأثرهم بمبادئ القضية الحسينية أجرته احدى الشبكات: يقول الطفل حيدر : سابقاً كنت شخصية مشاكسة غير مبالية، أما اليوم فأنا أحس بتغير كبير، فقد أصبحت متعاوناً مسارعاً في تقديم الخدمات والمساعدة، بصراحة أحس أني خلقت من جديد وأصبحت بفضل الله وبركات الإمام الحسين(عليه السلام) رادوداً حسينياً وهي أحسن وأثمن الأشياء، واطلب من الله الأمن والأمان لعراقنا الحبيب. ويقول الطفل أكرم: أتيت كي أشارك في خدمة أبي عبد الله الحسين(عليه السلام) لا لشيء بل لأحصل على الشفاعة والثواب ونحن نقدم خدماتنا لزوار الكرام ومنذ أربعة أعوام اطلب من الله التوفيق ومواصلة هذه الخدمة. ويصرّح الطفل سيف قائلاً: لي الفخر أن أتشرف بخدمة زوار الامام الحسين(عليه السلام) أقدم ذلك لأجل إرضاء الله سبحانه وتعالى ورسوله الكريم، التحقت بهيأة بتشجيع من الأهل ولدي موهبة وطموح أن أصبح رادوداً أخدم سيدي ومولاي الحسين(عليه السلام) نَمَتْ هذه الموهبة والتحقت بمدرسة الرواديد الناشئين وتمرّنت، وأنا اليوم وبفضل الله رادود وخادم في هذا الموكب أشارك اخوتي هذا الثواب وهذه الخدمة... ويسترسل سيف قائلا: أرجو من جميع الإخوة أن يلتفتوا الى دراستهم ويحضروا واجباتهم المدرسية لأنهم يسهمون من خلال تفوقهم بنصرة الامام الحسين(عليه السلام) وإعلاء راية العلم والمعرفة وسيكونون قادة فعلاً، والعلم نور يهدينا الى جادة الصواب. ولم أعثر على استقراءٍ لتصريحات الأطفال بشأن التأسي بشخصية (سانتا كلوز) كي تكتمل صورة المقال، إلاّ أنّه يمكن القول بأنّ الترويج للفكر المسيحي الباطل لا يجوز . فضلاً عن اعتياد الأطفال على أخذ دور الازدواجية في جميع تصرفاتهم. فانتقوا من التربية أكمل صورها، واصنعوا لنا دعاةً بالحق صادحين، وعن دين الله مدافعين، ولدولة القائم ممهدين، لا شباباً بالازدواجية متصفين، ولبدع الغرب محيين، ولسنن دينهم طامسين. ______________________ (١) الصافات: ٢٤. (٢) الروم: ٣٠. (٣) بحار الانوار: ج٤، ص٢٨١. والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين. علوية الحسيني

اخرى
منذ 11 شهر
845

شبهاتٌ حول التشيّع/ في القضيّة الحسينيّة قتلوا الحسين ويبكون عليه!

مِن جملة التشنيعات التي شنّها أعداء المذهب والجهلاء هي أنّ الشيعة قتلوا الحسين ولازالوا يبكونه, ولدحض هذه الشبهة لابدّ من ترتيب الجواب وفق ثلاثة مطالب. المطلب الأول: مَن هم الشيعة؟ ومَن كتبَ للإمام الحسين من الكوفة؟ الشيعة لغةً: "هم الجماعة المتعاونون على أمر واحد في قضاياهم، يقال تشايع القوم إذا تعاونوا، وربّما يطلق على مطلق التابع، قال سبحانه: (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِى مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ)"(1). فالتشيع يعني الاتباع والطاعة، وهذا هو ما تؤكده روايات أهل البيت (عليهم السلام) وإنّ من كتبَ للإمام الحسين (عليه السلام) هم أهل الكوفة, لكن لا يعني ارسالهم برسائل إلى الحسين (عليه السلام) أنّهم شيعة الحسين (عليه السلام)؛ لقد كانوا يتعاملون معه (عليه السلام) باعتباره صحابي وسبط الرسول (صلى الله عليه وآله) لاسيما بعد انكشاف النوايا الشيئة لقادة الكوفة آنذاك. إذاً فتلبية الحسين (عليه السلام) لدعوة اهل الكوفة ليس لأنهم من شيعته, وللوقوف أكثر على شيعيّة الكوفة نقرأ المطلب التالي. المطلب الثاني: هل الكوفة كانت شيعية؟ "إن الشيعة في الكوفة يمثّلون سبع سكّانها وهم (15) ألف شخص كما نقل التاريخ وحدود (12) ألف زجّوا في السجون، وقسم منهم اعدموا، وقسم منهم سفّروا إلى الموصل وخراسان، وقسم منهم شرّدوا، وقسم منهم حيل بينهم وبين الحسين (عليه السلام) مثل بني غاضرة، وقسم منهم استطاعوا أن يصلوا الى الحسين (عليه السلام)"(2) إذاً نسبة السُبع نسبة قليلة مقارنةً بمساحة الكوفة, وهذا ما يجعل القارئ يستفهم عن سكنتها الآخرين وعقديتهم, والجواب بديهي وهو أنّ سكنتها من غير شيعة الإمام الحسين (عليه السلام) بــدليل قول السيد محسن الامين في أعيانه: "حاش لله أن يكون الذين قتلوه هم شيعته، بل الذين قتلوه بـعضهم أهل طمع لا يرجع إلى دين، وبـعضهم أجلاف أشرار، وبـعضهم اتبعوا رؤساءهم الذين قادهم حب الدنيا إلى قتاله، ولم يكن فيهم من شيعته ومحبيه أحد، أما شيعته المخلصون فكانوا له أنصاراً وما برحوا حتى قتلوا دونه ونصروه بكل ما في جهدهم إلى آخر ساعة من حياتهم وكثير منهم لم يتمكن من نصره أو لم يكن عالماً بأن الأمر سينتهي إلى ما انتهى إليه وبعضهم خاطر بنفسه وخرق الحصار الذي ضربه ابن زياد على الكوفة وجاء لنصره حتى قتل معه، أما إنّ أحداً من شيعته ومحبيه قاتله فذلك لـم يكن، وهل يعتقد أحد إن شيعته الخلص كانت لهم كثرة مفرطة ؟ كلا، فما زال أتباع الحق في كل زمان أقل قليل ويعلم ذلك بالعيان وبقوله تعالى: وقليل من عبادي الشكور"(3). المطلب الثالث: مَن هم قتلة الشيعة الحقيقيون؟ إنّ الإمام الحسين (عليه السلام) هو الذي يخبرنا مَن هم قتلته, حيث أشار إليهم (عليه السلام) اشارة واضحة في يوم عاشوراء وقال: "ويلكم يا شيعة آل أبي سفيان إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون يوم المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم هذه, وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون"(4) فالإمام (عليه السلام) قد خصّهم بشيعة –أتباع- آل أبي سفيان ودعا عليهم بالويل إن نفذوا ما يطلبه منهم القادة الظلمة. ومِن أبرز وأقسى أتباع آل أبي سفيان مِن جنود يزيد (عليهما اللعنة) هو شمر بن ذي الجوشن, فهذا اللعين حتماً ليس مِن شيعة الإمام الحسين (عليه السلام) بدليل شناعة فعله, واعتراف أبناء العامة بأنّه كان يصلي معهم, بـل لم يأخذوا برواياته فجرّدوه عن صفة الوثاقة, يقول إمامهم الذهبي في ميزانه: " شمر بن ذي الجوشن ، أبو السابغة الضبابي ، عن أبيه ، وعنه أبو إسحاق السبيعي ، لــيس بأهل للرواية ، فانه أحد قتلة الحسين (ر) ، وقد قتله أعوان المختار ، روى أبو بكر بن عياش ، عن أبي إسحاق ، قال: كان شمر يصلى معنا ثم يقول: اللهم إنك تعلم إني شريف فاغفر لي، قلتُ: كيف يغفر الله لك وقد أعنت على قتل ابن رسول الله (ص[صلى الله عليه وآله وسلم])، قال: ويحك فكيف نصنع، إن أمراءنا هؤلاء أمرونا بأمر فلم نخالفهم، ولو خالفناهم كنا شرا من هذه الحمر السقاة ، قلت: إن هذا لعذر قبيح ، فإنما الطاعة في المعروف"(5) فهذا اللعين يؤكد بلسانه على أنّ هناك مَن أمره بقتل الحسين (عليه السلام) وأعانه على ذلك, فيتضح للقارئ العصابة التي شايعت وبايعت وساعدت على قتل ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله), بـل وأمرت بذلك (عليهم اللعنة أجمعين), ووجه شمول كل من اولئك باللعنة هو: 1/ القاتل (لعن الله أمة قتلتكم). 2/ المساعد (ولعن الله الممهدين لهم بالتمكين من قتالكم). 3/ الراضون بما جرى (ولعن الله أمة سمعة بذلك فرضيت به). وتلك نصوص صريحة في زيارة عاشوراء تستنكر تعاون اولئك على الإثم والعدوان. ولتوضيح الصورة أكثر نقول: إنّ المتتبع لكتب الفريقين يجد أنّ المجرم الأول مصرّح باسمه هو يزيد بن معاوية (عليهما اللعنة), فقال الذّهبيّ فيه: "كان[يزيد] ناصبيا، فظّا، غليظا، يتناول المسكر ويفعل المنكر، افتتح دولته بــقتل الحسين، وختمها بوقعة الحرّة، فمقته النّاس، ولم يبارك في عمره"(6). بل نجده بنفسه (لعنه الله) يعترف بقتل الحسين (عليه السلام) لا بل ويندم على جريمته النكراء, وذلك كما ينقل رواة أبناء العامة, حيث قال الذهبي: "حدثنا : يونس بن حبيب ، قال : لما قتل عبيد الله الحسين وأهله ، بعث برؤوسهم إلى يزيد ، فسر بقتلهم أولا ، ثم لم يلبث حتى ندم على قتلهم ، فكان يقول: وما علي لو احتملت الأذى ، وأنزلت الحسين معي ، وحكمته فيما يريد ، وإن كان علي في ذلك وهن ، حفظا لرسول الله (ص[صلى الله عليه وآله]) ورعاية لحقه ، لعن الله ابن مرجانة يعني عبيد الله فانه أحرجه ، واضطره ، وقد كان سأل أن يخلي سبيله أن يرجع من حيث أقبل ، أو يأتيني ، فيضع يده في يدي ، أو يلحق بثغر من الثغور ، فأبى ذلك عليه وقتله ، فأبغضني بقتله المسلمون ، وزرع لي في قلوبهم العداوة"(7) بـل وهنالك العديد من الروايات عندهم تصرّح بجرأة اللعين حينما مثّل برأس الإمام الحسين (عليه السلام) ولا أعلم هل هناك عاقل يقول بأنّ قتلة الحسين هم شيعته بعد كل هذا التصريح في كتب القوم؟! نقرأ ما قاله إمامهم البخاري في صحيحه: "عن ‏ ‏أنس بن مالك ‌‏(ر) ‏أتي ‏ ‏عبيد الله بن زياد [عليه اللعنة] ‏برأس ‏ ‏الحسين ‌‏(ع[عليه السلام]) ‏ ‏فجعل في طست فجعل ‏ ‏ينكت‏، ‏وقال في حسنه شيئا ، فقال أنس‏: ‏كان أشبههم برسول الله ‏ (ص[صلى الله عليه وآله]) ‏ ‏وكان ‏ ‏مخضوبا بالوسمة"(8) فإن قال قائل: إنّ عبيد الله بن زياد هو الذي قتل الحسين (عليه السلام) وليس يزيد, وأنّ يزيد قد ندم على ذلك, كمــا يقول شيخ الوهابية ابن تيمية: "ولم يأمر[أي يزيد] بقتل الحسين[عليه السلام] ولا أظهر الفرح بقتله"(9) فنـقول له ولأمثاله باختصار: إنّ تبريركم هذا يعني أموراً، وكلها مرّة، فأيّهما تختارون: 1- أنّ ابن زياد خرج عن امرة يزيد, فيجب لعن ابن زياد بل وقتله, وحيث أنّ يزيد لم يقتله إذاً فهو حاكم ظالم فاسق, أو جبان يخشى أتباعه. 2- أنّ يزيد كان منشغلاً بالقردة والخمور والجواري ولم يهتم بمجريات الامور مع الجيش الذي أرسله لمقاتلة الحسين (عليه السلام). 3- أنّ يزيد كان سفيهاً بعدم دراسته لخططه فهو لا يصلح بذلك للحكم, وبهذا أخطأ معاوية حينما ولاّه الخلافة المزعومة. 4- تكذيب الروايات التي رواها البخاري والذهبي وغيرهم التي صرّحت بجرميّة يزيد. ترى أيّ الامور ستختارون؟! ولرسول الله غداً كيف ستواجهون؟! علماً وللأمانة، أنّ بعض علماء أبناء العامة قد خالفوا الوهابية برأيهم في يزيد (عليه اللعنة), كما قرأنا للذهبي أعلاه, بل ولابن الجوزي أيضاً رأي سديد حيث يقول: "ما رأيكم في رجل[أي يزيد] حكم ثلاث سنين : قتل في الأولى الحسين بن علي ، وفي الثانية أرعب المدينة وأباحها لجيشه ، وفي السنة الثالثة ضرب بيت الله بالمنجنيق"(10). ويقول المناوي في فيضه: " وأول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر ملك الروم يعني القسطنطينية ، أو المراد مدينته التي كان بها يوم ، قال النبي (ص[صلى الله عليه وآله]) ذلك وهي حمص وكانت دار مملكته إذ ذاك مغفور لهم ، لا يلزم منه كون يزيد بن معاوية مغفورا له لكونه منهم ، إذ الغفران مشروط بكون الانسان من أهل المغفرة ويزيد ليس كذلك ، لخروجه بدليل خاص ويلزم من الجمود على العموم إن من ارتد ممن غزاها مغفور له ، وقد أطلق جمع محققون حل لعن يزيد به ، حتى قال التفتازاني : الحق أن رضى يزيد بقتل الحسين واهانته أهل البيت مما تواتر معناه ، وإن كان تفاصيله آحادا فنحن لا نتوقف في شأنه بل في إيمانه لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه"(11). وأمّا كتب الشيعة فهي مشحونة باستنكار فعلة يزيد وشرذمته (عليهم لعنة الله), نقتصر على احدى الروايات فيها: "روى الكليني بسند صحيح عن بريد بن معاوية قال: سمعت أبا جعفر ـ الباقر ـ عليه السلام يقول: ان يزيد بن معاوية دخل المدينة وهو يريد الحج, فبعث إلى رجل من قريش فأتاه فقال له يزيد: أتقر لي أنك عبد لي, إن شئت بعتك وإن شئت استرقيتك فقال له الرجل: والله يا يزيد ما أنت بأكرم مني في قريش حسباً ولا كان أبوك أفضل من أبي في الجاهلية والإسلام, وما أنت بأفضل مني في الدين ولا بخبر مني فكيف أقر لك بما سألت؟ فقال له يزيد: إن لم تقر لي والله قتلتك, فقال له الرجل: ليس قتلك إياي بأعظم من قتلك الحسين بن علي (عليهما السلام) ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأمر به فقتل))"(12). ومسك الختام وقول الفصل رواية في وصف شيعة أهل البيت (عليهم السلام): روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "لا تذهب بكم المذاهب، فوالله ما شيعتنا إلاّ مَن أطاع الله عزّ وجلّ" (13), فلو سلّمنا جدلاً وقلنا أنّ شيعة الإمام هم مَن قتلوا إمامهم, فهل يتقربون بقل إمامهم إلى الله؟! أعتقد أنّه لا يقول بذلك إلاّ سخفاء العقول, أو يكون الإمام الباقر (عليه السلام) مخطئاً في وصف الشيعة ! وأعتقد أنّه لا يقول بذلك إلاّ الناصبة. ______________________ (1) الملل والنحل ، تأليف : الشيخ جعفر السبحاني ، ج٦ ص ۷ ـ ۱۱. (2) مركز الأبحاث العقائدية. (3) أعيان الشيعة, 1ج, ص585. (4) المصدر نفسه, ص 906. (5) ميزان الاعتدال في نقد الرجال - حرف الشين - 3742 - شمر بن ذي الجوشن, ج2, ص 280. (6) ميزان الاعتدال, ج4, ص404. (7) سير أعلام النبلاء - ومن صغار الصحابة - الحسين الشهيد[عليه السلام], ج3, ص 317. (8) صحيح البخاري - كتاب فضائل الصحابة - باب مناقب الحسن والحسين (ر[عليهما السلام]), ح3538. (9) الوصية الكبرى, ص25. (10) تذكرة الخواص, ج1, ص 261. (11) فيض القدير شرح الجامع الصغير, ج3, ص 84. (12) الكافي, ج8, ص 235. (13) الكافي, ج2, ص 73. اللّهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه, وأرن الباطل باطلاً وأعنّا على اجتنابه, والحمد لله حمداً يليق بشأنه, الصلاة على محمدٍ وآله. علوية الحسيني

اخرى
منذ 11 شهر
1435

دُعـاةٌ صادقون

بسم الله الرحمن الرحيم {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبا}(1) صدق الله العلي العظيم. إنّ طريق الدعوة إلى الله تعالى ببيان أركانه الثلاثة من اصول وفروع وأخلاق لـهو طريق الأنبياء والأولياء، وإنّ السالك فيه ينال من التشريف مالم ينله غيره، وفي قبال ذلك عليه أن يتحلى بما تحلّى به الأنبياء والأوصياء، مقتفياً للآثار، متجاوزاً الظروف والأقدار، راجياً رضا العزيز الجبار، مستغنياً عن مدح الصغار والكبار، متجنّباً ما للتكبر من آثار. وخيرُ محلّ شاهدٍ على كلامنا هي دعوة الإمام الكاظم (عليه السلام) إلى دين الله تعالى وهو في أحلك الظروف. حيث "كانت بعض الأقاليم الإسلامية التي تدين بالإمامة ترسل عنها مبعوثاً خاصاً للإمام (عليه السلام) حينما كان في سجن السندي، فتزوده بالرسائل، فكان (عليه السلام) يجيبهم عنها، وممن جاءه هناك علي بن سويد، فقد اتّصل بالإمام (عليه السلام) وسلّم إليه الكتب فأجابه (عليه السلام)"(2). فما قدّمه لنا إمامنا الكاظم (عليه السلام)، يشير إلى أنّهُ (عليه السلام) تحدّى الصعاب، واستشعر عِظَم مسؤوليته الشرعيّة، وأهمية تثقيف عيال الله بما يحقق سلامة عبادتهم فيحلّقوا في سماء الفضيلةِ والرضوان بواسطتهم. نعم- لكل فعلٍ ردّة فعل سلباً أو إيجاباً، وكما كان لحملة الرسالة السماوية اولئك أعداء، فلمن سار على نهجهم أعداء أيضا، لكن والله وبالله وتالله لايُباليَنَّ أحدنا بما يقوله البعض مِن تسقيطاتٍ وتشويهات، وسفاهاتٍ وترّهات، بحق الحوزة العلمية وعملها، بل المؤمّل هو وعد إمام الزمان بالسعي قدر المستطاع والتوفيق للتمهيد والنصرة. فهناك من الدعاة مَن حملوا همَّ الدعوة، فتركوا الأهل والإخوان وملاذّ النفوس، وبذلوا الأموال والأوقات والجهود، بل وتركوا طعم الرقاد. وإنّ كثيراً منهم ليدعو إلى الله سبحانه، ويجاهد في الدعوة إلى دينه جلّ شأنه، وهو يعاني من قلّة ذات يد، وكثرة عيال، وتكالب أشغال، وآلام مرض، وعتاب زوجة، وضياع مصالح، ورغم ذلك لا يبالون إلاّ بالدعـوة، هم مشغولون بكيفية إعداد الصفوة، فمنهم من يسجد شكراً لله على توبة أحد العصاة، وثاني يبكي حسرة على موت شاب على معصية، وثالث يعتنق أحد التائبين فيشاركه دموع التوبة ، ورابع لا يرى تجمعاً للشباب إلاّ وصار رفيقهم وناصحهم، وخامس ما يتناهى لمسمعه صوت غناء إلاّ بادر صاحبه بشريط ذكر ووعظ، وسادس ما ترك سجناً ولا دار رعايةٍ أو إصلاحٍ أو مدرسةٍ أو محفلٍ -حتى للمعاقين- إلاّ وبلّغ فيه، وسابع يسير ومعه أشرطة وكتيبات هداية يهديها لمن يلاقيه، وثامن وتاسع وعاشر... . ولله درّ من سار على هذا النهج القويم، لما نراه اليوم من تفكك المجتمع وانسياب فكري لبعض أفراده، فيتوجب عقلاً وجود دعاة مصلحين صادقين في القول والفعل، يدعون إلى ربّهم بالحكمة والموعظة الحسنة، فكم من تائب تاب على أيديهم فغدا طالب علمٍ، أو إمام مسجدٍ، أو مؤذن جامعٍ، أو داعية خيرٍ، أو عالم أمةٍ، أو رب أسرةٍ مصلحٍ؛ لما في شخصية الدعاة من مقومات التأثير في الآخرين والتي منها: 1. الميل العاطفي والمحبة القلبية للعباد، ويؤيد ذلك القاعدة الكلية الشرطية التي جاءت في القرآن الكريم بقوله تعالى: { وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِك}(3) فالداعية لا يكسب قلب من يدعوه إلاّ إذا أحبه وشعر منه العطف والرفق وحب الخير له ابتداءً. 2. السيرة الحسنة، وهي اللبنة الأولية التي توجب التفاف الناس حول الدعاة وجذبهم إلى الخير، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيم}(4). 3. الإقناع العقلي والحجة العلمية كلٌّ حسب درجة إدراكاته بالحكمة والموعظة الحسنة، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين}(5). 4. مشاركة المجتمع همومه ومعالجة قضاياه، ويؤيد ذلك قول المعصوم: "من أصبح ولم يهتم بأُمور المسلمين فهو ليس بمسلم"(6). 5. الموازنة بين اسلوب الترغيب والترهيب، تماماً كما هو ديدن القرآن الكريم، ويؤيده ما عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال لعبد الله بن جندب: "يَا ابْنَ جُنْدَبٍ يَهْلِكُ الْمُتَّكِلُ عَلَى عَمَلِهِ وَلَا يَنْجُو الْمُجْتَرِئُ عَلَى الذُّنُوبِ الْوَاثِقُ بِرَحْمَةِ الله، قُلْتُ: فَمَنْ يَنْجُو، قَالَ: الَّذِينَ هُمْ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ كَأَنَّ قُلُوبَهُمْ فِي مِخْلَبِ طَائِرٍ شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ وَخَوْفاً مِنَ الْعَذَابِ‌"(7). 6. احترام الآخرين وعدم الاستهزاء بمعاصيهم أو مواقفهم، فكلّ ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْم}(8). 7- الابتعاد عن تزكية نفسه، حيث قال تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ}(9) والحرص على إتقان أدب السماع والإصغاء لغيره، و إعطاء الفرصة للآخرين ليفصحوا عما في أنفسهم. وأمّا عن فضل الدعوة في الجانب الروائي فأُذكّر نفسي وجميع طلبة العلم بهذه الروايات الشريفة التي تحث على نشر العلم، ومذاكرته، ومدارسته، وفضل نشره، التي هي دستور الدعاة الصالحين. فقد حثَّ الإمام الباقر (عليه السلام) على نشر العلم وتعليمه للناس ، وإشاعته في الأوساط المختلفة ، ونهى عن كتمانه، بقوله (عليه السلام) : "من علّم باب هدى فله أجر من عمل به ، ولا ينقص اُولئك من اُجورهم شيئاً..."(10). وقال (عليه السلام) : "رحم الله عبداً أحيا العلم... يذاكر به أهل الدين وأهل الورع"(11). وجعل على العلم زكاة فقال : "زكاة العلم أن تعلّمه عباد الله"(12). كما جعل تذاكر العلم ومدارسته صلاة ، فقال : "تذاكر العلم دراسة ، والدراسة صلاة حسنة"(13). وروي عن الإمام أبي الحسن علي بن محمد الهادي عليه السلام أنّه قال: "لَـوْ لا مَنْ يَبْقى بَعْدَ غَيْبَةِ قائِمِكُمْ علَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ العُلَماءِ الدَّاعينَ إِلَيْهِ، وَالدَّالِّينَ عَلَيْهِ، والذَّابِّينَ عَنْ دينِه بِحُجَجِ اللهِ، وَالمُنْقِذينَ ضُعَفاءِ عِبادِ اللهِ مِنْ شِباكِ إِبْليسَ وَمَرَدَتِهِ، وَمِنْ فِخاخِ النَّواصِبِ، لـمّا بَقِيَ أَحَدٌ إلاّ ارْتَدَّ عَنْ دينِ اللهِ. وَلكِنَّهُمُ الذينَ يُمْسِكونَ أَزِمَّةَ قُلوبِ ضُعَفاءِ الشّيعَةِ كَما يُمْسِكُ صاحِبُ السَّفينةِ سُكَّانَها، أولئِكَ هُمُ الأَفْضَلونَ عِنْدَ اللهِ عز وجل"(14). وروي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ : "قَرَأْتُ فِي کِتَابِ عَلِيٍّ إِنَّ اللَّهَ لَمْ یَأْخُذْ عَلَى الْجُهَّالِ عَهْداً بِطَلَبِ الْعِلْمِ حَتَّی أَخَذَ عَلَی الْعُلَمَاءِ عَهْداً بِبَذْلِ الْعِلْمِ لِلْجُهَّالِ لِأَنَّ الْعِلْمَ کَانَ قَبْلَ الْجَهْلِ"(15). وكفى بذلك دليلا. _____________________ (1) الأحزاب: 39. (2) حياة الإمام موسى الكاظم عليه السلام، 2 / 492. (3) آل عمران: 159. (4) القلم: 4. (5) النحل: 125. (6) أصول الكافي، باب الاهتمام بأمور المسلمين، ح1. (7) مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، ج 11، ص 226. (8) الحجرات: 11. (9) النجم: 32. (10) الكافي : 1 / 35 . (11) المصدر السابق : 1 / 41 . (12) المصدر السابق : 1 / 41 . (13) المصدر السابق : 1 / .41. (14) التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السلام: ص344، ح225. الاحتجاج: ج1، ص18. (15) اصول الكافي، ج1، ص42. اللّهم وفّقنا وجميع المشتغلين للعلم والعمل الصالح، وأجرِ للناس على يدينا الخير ماحيينا، والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمدٍ وآله الطاهرين. علوية الحسيني

اخرى
منذ 11 شهر
579

مِن أسئـلتكم

السائل: السلام عليكم هل أصحاب الجنة يرون الله تعالى؟ المجيب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته جميعنا يقرأ عبارات الآيات القرآنية والروايات الشريفة التي يظهر منها إمكان رؤية الله تعالى، من قبيل ما جاء في الآية الكريمة: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ *إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}(1) وفي مناجاة الراغبين : ((والزلفى لــديك، والتمتع بالنــظر إليك)). وفي مناجاة المحبين : ((واجتبيته لـمشاهدتك)). وفي مناجاة المتوسلين : ((وأقررت أعينهم بالـنظر إليك يوم لقائك)). وفي مناجاة المفتقرين : ((وشوقي لا يبله إلاّ النظر في وجـهك)). وفي مناجاة الذاكرين : ((ولا تسكن النفوس إلاّ عند رؤيـاك)). وفي مناجاة الزاهدين : ((وأقرر أعيننا يوم لقائك برؤيتــك)). فكل ما في هذه العبارات ينصرف إلى الرؤية الفؤاديّــة والرؤية بــعين القلب والبصيرة، وليــــس الرؤية بالعين الباصرة ؛ لأنّ رؤية الله عز وجل بالعين مُــمتنعة عقلاً وممنوعة نقلاً. ووجه hمتناع رؤية الله تعالى عقلاً هو: إنّ هناك موجودات مادية – مكن أن ترى كالمخلوقات المرئية- واخرى غير مادية – لا يمكن أن ترى كالروح وذرات الكهرباء- . فإذا عجزت العين البصرية عن رؤية الموجودات غير المرئية فكيف ترتقي وتبصر خالق تلك الموجودات الذي يجب أن يكون أكمل منها ؟! ولهذا يقال: مَن عرفَ نفسه فقد عرفَ ربّه، فهناك تلازم بين ذا وذا، وحيث أنّ كليهما غير متحقق إذاً ثبت عقلاً امتناع معرفة ورؤية الله تعالى. وبعبارةٍ اخرى: لو أمكن رؤيته تعالى لهيمنت عليه أبصارنا وأحاطت به فيكون الرائي(نحن المخلوقات) أقوى وأكمل من المرئي(الله سبحانه) وهذا باطل عقلاً؛ إذ جميعنا يشهد على نفسه بالافتقار إليه تعالى فكيف تنقلب الموازين هنا بجعل الله تعالى فقيراً عن التجرد تحده أبصار مخلوقاته ! وباختصار: أن الله تعالى موجود مجرد عن المادة تماماً، فلا يمكن أن يُرى بالعين المجردة لأنها تقتضي المادية والكون في جهة ووو. أي إنّ الله سبحانه أخبرنا أنّه لامثيل له حتى نجري قانون الرؤية عليه –وسائر ماي نطبق على المخلوقات-، فالعين لا تدرك الاّ الأجسام أو صور الأجسام، والله تعالى ليـــس بجسمٍ ولا صورة جسمٍ حتى تحيط أعيننا به. أمّا وجه امتناع رؤيته تعالى نقلاً فهو: وذلك قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير}(2). كما ويقول سبحانه: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير}(3) فالنفي الوارد في الآية واضح؛ معللاً سبحانه بالسبب من عدم رؤيته تعالى بأنّه هو الذي يدرك الأبصار ويحيط بهم حيث هو خبير بشؤون أصحاب الأبصار، وليس العكس. وكذلك قول الإمام زين العابدين (عليه السلام) في مناجاة العارفين : ((وانــــحسرت الأبصار دون النظر إلى سُبحاتِ وجهك )) ومن كلام لأمير المؤمنين (عليه السلام) ، وقد سأله ذعلب اليماني "فقال : هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين ؟ فقال (عليه السلام) : أ فأعبد ما لا أرى ؟ فقال : وكيف تراه ؟ فقال : لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ، ولكن تدركه القــلوب بــحقائق الايمان لا يعرف بالقياس، ولا يدرك بالحواس، ولا يشبَّه بالناس، موصوف بالآيات، معروف بالعلامات، لا يجور في حكمه، ذلك الله لا إله إلا هو"(4). فالإنسان المؤمن إذا وصل إلى أعلى مراتب الإيمان بحيث حصل له القطع واليقين والعلم المتين بــوجود الخالق العظيم من خلال الآثار والحقائق والآيات الدالة عليه سوف يرى الله تعالى - بـــقلبه ووجــدانه وعقله المُـذعن، الـخالي عن الماديات، الصـافي من الشكوك والتخيلات - رؤية نورانيّــة معنويـة. وحينئذ يجب تأويـــل كل ما ورد من عبارات أو أحاديث أو أخبار فيما يتعلق برؤيته عز وجل إلـــى الرؤية الفؤاديّــة ونظر القلب و البصيرة. والتأويل ما امتازت به عقيدة الشيعة الإمامية دون غيرها من المذاهب، حيث تفرّد مذهبنا بتنويه الله سبحانه عن الجسمية ولوازمها كالرؤية. ولابد من التنويه إلى أنّ عقيدتنا هي امتناع رؤيته تعالى في عالم الدنيا والآخرة، فمن غير الصحيح تخصيص السؤال حول إمكان أو عدم إمكان رؤية أهل الجنة لله سبحانه. وسبحان مَن هو هكذا، ولا هكذا غيره. ____________________ (1) القيامة: 22-23. (2) الشورى: 11. (3) الأنعام: 103. (4) التوحيد للشيخ الصدوق، ب8، ح5. علوية الحسيني

اخرى
منذ 11 شهر
762

نـفــحاتٌ مــلكوتيــة من الــخطاب الــزينبي (٣) "ولئن جَرَّت علَيّ الدواهي مُخاطبتَك، إنّي لأستصغرُ قَدْرَك، وأستَعظمُ تَقريعك، واستكبر توبيخك"

لقد فرضت الظروف التي عاشتها السيّدة الحوراء (عليها السلام) مخاطبة ملّة غير ملتها، لا وأيّ ملّةٍ ! يكفي في التعريف بها ما صرّح به رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأنّ الإسلام سوف يُثلم على يدها، وإلاّ فإنّ سليلة الطهر يجلّ صوتها عن أن يصل إلى مسامع الطاغية يزيد وشرذمته (عليهم لعائن الله). لكن السيّدة (عليها السلام) تبدي بيان موقفها من مخاطبته معللةً بأنّ ذلك حصل اضطراراً بسبب جور الزمان وانقلابه على الحسين وآل الحسين (عليه السلام). "ولقد شاهدت السيّدة زينب الكبرى (عليها السّلام) في مجلس يزيد مشاهد وقضايا ، وسمعت من يزيد كلمات تعتبر من أشدّ أنواع الإهانة والاستخفاف بالمقدّسات ، وأقبح أشكال الاستهزاء بالمعتقدات الدينيّة ، وأبشع مظاهر الدناءة واللؤم في تصرفاته الحاقدة . مظاهر وكلمات ينكشف منها إلحاد يزيد وزندقته ، وإنكاره لأهمّ المعتقدات الإسلاميّة. مضافاً إلى ذلك : أنّ يزيد قام بجريمة كبرى، وهي أنّه وضع رأس الإمام الحسين (عليه السّلام) أمامه، وبدأ يضرب بالعصا على شفتيه وأسنانه، وهو حينذاك يشرب الخمر ! فهل يصح ويجوز للسيّدة زينب أن تسكت وهي ابنة صاحب الشريعة الإسلاميّة ؛ الرسول الأقدس سيّدنا محمّد (صلّى الله عليه وآله) ؟! كيف تسكت وهي تعلم أن بإمكانها أن تزيّف تلك الدعاوى، وتفنّد تلك الأباطيل؛ لأنّها مسلّحة بسلاح المنطق المفحم ، والدليل القاطع، وقدرة البيان وقوّة الحجّة ؟! ولعلّ التكليف الشرعي فرض عليها أن تكشف الغطاء عن الحقائق المخفيّة عن الحاضرين في ذلك المجلس الرهيب؛ لأنّ المجلس كان يحتوي على شخصيّات عسكريّة ومدنيّة وعلى شتى طبقات الناس . فقد كان يزيد قد أذن للناس إذناً عامّاً لدخول ذلك المجلس ، فمن الطبيعي أن تموج الجماهير في ذلك المكان وحول ذلك المكان، وقد خدعتهم الدعايات الاُمويّة، وجعلت على أعينهم أنواعاً من الغشاوة ، فصاروا لا يعرفون الحقّ من الباطل منذ أربعين سنة ؛ طيلة أيّام حكم معاوية بن أبي سفيان على تلك البلاد . وعلامات الفرح والسرور تبدو على الوجوه بسبب انتصار السلطة على عصابة عرّفتها أجهزة الدعاية الاُمويّة بصورة مشوّهة . وقد تعوّد أهل الشام على مشاهدة قوافل الأسرى التي كانت تجلب إلى دمشق بعد الفتوحات . أما ينبغي لحفيدة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن تنتهز هذه الفرصة ، وتجازف بحياتها في سبيل الله ، وتنفض الغبار عن الحقّ والحقيقة ، وتعرّف الباطل بكلّ صراحة ووضوح ؟ بالرغم من أنّها كانت أجلّ شأناً ، وأرفع قدراً من أن تخطب في مجلس ملوّث لا يليق بها ؛ لأنّها سيّدة المخدّرات والمحجّبات ، ولكنّ الضرورة أباحت لها أن توقظ تلك الضمائر التي عاشت في سبات ، وتعيد الحياة إلى القلوب التي أماتتها الشهوات ، وغمرتها أنواع الفجور والانحراف عن الفطرة ، فباتت وهي لم تسمع كلمة موعظة من واعظ ، ولا نصيحة من ناصح(1). وإلاّ فإنّ مثلها لا يكلّم مثل ذلك العتلّ صغير القدر، عظيم التقريع، كثير التوبيخ. ورغم اشتماله على جميع الرذائل الخلقية الا انه تمادى وتغطرس في استئصال الشأفة (2). وقولها (عليها السلام) [استصغر قدرك] أي إنّ المنصب الذي تعتليه يا يزيد –منصب الخلافة- صغيرٌ مثلك قضى عمره بين القردة والخمور، والمعازف والفجور، لا يليق بكبر المنصب الذي نصّبه إيّاك مثيلك. وهذا جانب من شجاعتها (عليها السلام) وهي تصدح بكلمة حق في وجه سلطان جائر. وقولها [ استعظم تقريعك] "التقريع: غلطة أو خطأ ولومه المتكرِّر لنفسه على ذلك الخطأ"(3). أي هو اللوم الذي يقصد صاحبه به هداية الآخرين، ولهذا تستعظم السيّدة الدور الذي تقمصه الطاغية وهو دور (الهادي)، فأيّ عاقلٍ يقول بهداية الفاسق للعادل! بل أيّ تقريعٍ يصاحبه نكث ثنايا إمام معصوم كالحسين (عليه السلام)، والله إنّ فعله لشرّ فعل، كيف لا إذ إنّ تلك الثنايا كانت موضع نطق الحكمة ومعالم الدّين القويم الذي اهتدى بها يزيد وأبوه اللئيم. وقولها [استكثر توبيخك] "وبَّخ الشّخصَ : لامَه على خطأ أو تصرُّف بُغْية رَدْعه وإصلاحه. وبَّخ الشّخصَ : أنّبه وعيَّره ، عنَّفه ، بكَّته"(4) أي ما أكثر اسئلتك التوبيخية لنا أهل البيت ! فحتماً هدفه هو كسر التفاف الناس حول آل الحسين (عليهم السلام)، وتشويه سمعتهم كي لا ينشدّوا لهم. لكن نجد فراسة السيّدة زينب (عليها السلام) قد سبقت ما يروم إليه عدو الله، ولهذا لو تتبع القارئ خطبتها لوجد ختام هذه الفقرة الخطابية بـ( كد كيدك، وأسع سعيك، فو الله لن تمحو ذكرنا). وجُلّ ما نلمسه من نفحات في هذا الخطاب هو الجانب البلاغي، ويعلم أصحاب هذا العلم أنّ اسلوب التوكيد، ومناط استعمال أدوات التوكيد في الخبر من عدمها. فالمقطع الخطابي أعلاه يشتمل على أداتين توكيديتين هما (إنّ في قولها إني) و(حرف اللام في قولها لأستصغر). وحيث إنّ الجمل ما بعدها معطوفة على سابقها فحكم التوكيد يشملها. وعليه: حيث إنه إذا كان المخاطَب منكراً للخطاب فيستعمل المخاطِب في خطابه أداتان للتوكيد(5)، وهذا ما طبقته السيّدة (عليها السلام)، فالطاغية ينكر أنّه أخطأ بحق الحسين وآله (عليهم السلام). ___________________ (1) زينب الكبرى من المهد إلى اللحد، 71. (2) أي قتلت الأصل المبارك. (3) قاموس المعجم الوسيط. (4) معجم المعاني الجامع. (5) ظ: خصائص التركيب، والبلاغة الواضحة. أقائـدةَ الركـب يـا زينب تَغَنّى بكِ الشـرق والمغربُ خَطبـتِ فدوّى بسمع الزمان صوتٌ إلى الآن يُسترهَبُ أخاف الطغاة على عرشهم فظنّوا عليّـاً بـدا يخطـبُ وأسقطتِ قبل فناه يزيدا وضـاق على رأيه المَذهبُ ووَلّـت أميّـة مدحـورة و مـا ظل ذكـر لهم طيّبُ. علوية الحسيني

اخرى
منذ 10 أشهر
532

شبهاتٌ حول التشيّع(8) البـناء على القبور

يعد هذا الموضوع من المواضيع التي روّجت لها الفِرق المخالفة ونعتت من يعتقد بها بالشرك، حيث إنّ الوهابية العمياء والسلفية الطالحة الذين كفّروا المسلمين بمختلف طوائفهم، استعملوا العنف والارهاب في زرع فكرة كفر من يقول بجواز البناء على القبور. وقد سجّل التاريخ عليهم فعلتهم الشنعاء في هدم البقيع، الذي يحوي قبور أهل البيت (عليهم السلام)، والصحابة، وأمهات المؤمنين، وأرادوا تخريب قبر النبي (صلى الله عليه وآله) لولا أن وقف المسلمون بوجههم. وسوف يتم تسليط الضوء على هذا الموضوع من خلال المطلب التالي الذي يتضمن الأدلّة على مشروعيّة البناء على القبور قرآناً ونقضاً وحلاّ ضمن عدة فروع: الفرع الأول: الدليل القرآنـي يــجب عرض المسألة على الأدلة المحكمة الّتي لا يصحّ لأحد النقاش في اعتبارها وحجّيتها، فإذا دلت تلك الأدلة على الجواز، فلا محيص من حكمها.. 1- قوله تعالى: ( قَالَ الَّذينَ غَلَبوا عَلَى أَمْرهمْ لَنَتَّخذَنَّ عَلَيْهم مَّسْجدًا)(1) حيث أخبرنا الله تعالى عن المؤمنين الذين قررّوا أن يتّخذوا من مضجع الفتية المؤمنة مسجداً يسجدون له سبحانه فيه، ويعبدونه وهم مؤمنون وليسوا بمشركين، ولم يذمّهم الله تعالى على ذلك. وممّا لا شك فيه أن شأن الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، أرفع من شأن أولئك الفتية، فإذا جاز بناء قبورهم، فبالأولى جواز ذلك بالنسبة إلى الأنبياء والأئمة (عليهم السلام). فيظهر من الكتاب أنّ البناء على القبور، بل بناء المسجد عليها كان جــائزاً في الشرائع السابقة، وأنّ الناس عندما وقفوا على مكان أجساد أصحاب الكهف اختلفوا على قولين: فمن قال: (ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً)، ومن قال: (لَنَتَّخِذَنّ عَليْهِم مَسْجداً) والاستدلال بالآية واضح لمن يرى القرآن قـدوة وأُسـوة وفيـصل حق, فإنّ القرآن ينقل كلا القولين، من دون أن ينتقدهما أو يعترض عليهما بـــل الظاهر أنّه ينقلهما بصورة التحسين، وأنّ أصحاب الكهف بلغ بهم ثباتهم في طريق العقيدة إلى حد لما عثر عليهم الناس اجتمعوا على تكريمهم واحترامهم، بل التـبرك بهم، فمن قائل بلزوم البناء عليهم, وآخر باتخاذ مراقدهم مسجداً، وليس القرآن كتاب قصة وأُسطورة، وإنما هو كتاب إرشاد وقدوة وإمام لـنا فلم يذم بناءهم على القبور, فلو كانوا في عملهم هذا ضالّين لاعـترض على عملهم، كما هو الحال فيما ينقل عن المشركين، والكافرين، عملا، أو رأياً(2). 2- قوله تعالى: (قل لَّا أَسْأَلكمْ عَلَيْه أَجْرًا إلَّا الْمَوَدَّةَ في الْقرْبَى)(3). تدل هذه الآية على وجوب مودّة قربى الرسول (صلى الله عليه وآله)، وهو وجوب مطلق لم يقيد بزمان دون آخر، ولا مكان دون مكان، ولا كـــيفية دون أخرى. وممّا لا شك فيه أن تعهد قبر شخص ما بالبناء والإعمار والتجديد من جملة المصاديق العرفية لهذه المودّة. 3- تعظيم شعائر الله تعالى فإن القرآن الكريم وإن لم يصرح على بناء قبور الأنبياء والصالحين بالخصوص, لكنه صرح بتعظيم شعائر الله تعالى بقوله : ( ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)(4)، ولا شك ولا ريب أن صون المعالم الدينية عن الاندراس ـ كالمشاهد المتضمّنة لأجساد الأنبياء والصالحين ـ وحفظها عن الخراب بالبناء والتجديد، نحوٌ من أنحاء التعظيم. ثـم انّ الله تعالى جعل الصفا والمروة من الشعائر والحرمات التي يجب احترامها وهي أفعال لأولياء الله، فكـــيف بالبقاع المتضمنة لأجساد الأنبياء والأولياء، فإنها أولى بأن تكون شعاراً للدين ومزاراً يصدح باسمهم(5). الفرع الثاني: الدليل النقضـي أولاً/ موقـف الوهّابيّـة هذه الفرقة شــذّت عن عقيدة أهل السنّة السلف بمذاهبهم الأربعة فإنّ ابن تيمية الوهّابـــي هو أول من أفتى بحرمة البناء على القبور، سواء أكان صاحب القبر صالحاً أم طالحاً، يقول تلميذ ابن تيميّة المسمى بابن القيم: " يجب هدم المساجد الّتي بنيت على القبور، ولا يجوز إبقاؤها بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوماً واحداً"(6)، كما ويقول ابن باز بذلك. واسـتدلّ الوهّابيّة بقوله تعالى : «قاتل اللّه اليهود اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» لـــكن مذهب الوهّابيّة باطـــــل ؛ لكونه مخالفاً لإجماع المذاهب السلف ومخالفاً لــ سيرة المسلمين وعملهم منذ أن ارتحل النبي الأكرم إلى يومنا هذا...فـقد دفن النبي الأكرم في بيته الرفيع، ولم يخطر ببال أحد من الصحابة الحاضريـن أن البناء على القبر حرام، وأنه ـ صلَّى الله عليه وآله ـ نهى عنه نهياً شديداً، ولما كان البيت متعلّقاً بزوجته (عائشة) جعلوا في وسطه ساتراً، ولما توفي الشيخان أوصيا بدفنهما في حجرة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله ـ تبرّكاً بذاته ومكانه، ولم تسمع من أيّ ابن أُنثى نعيـرة أنّه حرام ولا مكروه، وعلى ذلك استمرت سيرة المسلمين في حق الصلحاء والأولياء والعلماء، يدفنونهم في البيوت المعدّة لذلك، أو يرفعون لمراقدهم قواعد وسقفاً بعد الدفن تـــكريماً لهم وتقــديراً لتضحياتهم، ولم يخطر ببال أحد أنه على خلاف الدين والشرع . وهؤلاء أئمة المذاهب: الشافعي في مصر، وأبو حنيفة في بغداد، ومالك في المدينة، وتلك قبورهم من عصرهم إلى اليوم شاهقة القباب, وهــذا كافٍ لـمشروعيّة البناء على القبور، ولا عـبرة بالرأي الشاذ. والمسلمون من عهد النبي (صلى الله عليه وآله) إلى اليوم، فليس منهم من يعبد صاحب القبر، وإنما يعبدون الله وحده لا شريك له, في تلك البقاع التي يعتبرونها كريمة، لأنها متضمنة لتلك الأجساد، وبكل فرض وتقدير فالحديث يتبرأ أشد البراءة من الدلالة على جواز هدم القبور فكيف بالوجوب؟! ثــانيـاً/ موقف أهل السّـنة 1-جعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) حجراً كبيراً على قبر الصحابي الجليل عثمان بن مظعون ليكون علامة بارزة مميزة لقبره الشريف ليعرف وليدفن النبي (صلى الله عليه وآله) أهل بيته وخواصه عنده فميّزه بتلك الحجارة كما جاء في بعض الأخبار منها: ما رواه أبو داود عن المطلب قال: لما مات عثمان بن مظعون أخرج بجنازته فدفن فأمر النبي (صلى الله عليه وآله) رجلاً أن يأتيه بحجر فلم يستطع حمله فقام إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحسر عن ذراعيه, قال كثير: قال المطلب: قال الذي يخبرني ذلك عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين حسر عنهما ثم حملها فوضعها عند رأسه وقال: (أتَّعلَّمُ بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي)(7). 2-حديث زيارة الزهراء (عليها السلام) لقبر عمها الحمزة (عليه السلام) وترميمه وتعليمه منها: ما رواه ابن سعد في طبقاته عن أبي جعفر قال: كانت فاطمة تأتي قبر حمزة ترمّه وتصلحه(8). 3- قبر إبراهيم ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد وضع النبي عليه بنفسه حصباء من حصباء العرصة(9). 4-قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله): وقد اهتم به المسلمون وأهتموا بالحجرة الشريفة المحيطة به. 5-توســيع الصحابة والتابعين المسجد النبوي وإدخال قبر النبي (صلى الله عليه وآله) فيه بعد هدم بيوت النبي (صلى الله عليه وآله) قال الشوكاني(10): لما احتاجت الصحابة والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين كثر المسلمون وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه, وفيها حجرة عائشة مدفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصاحبيه أبي بكر وعمر بنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر (القبر الشريف) في المسجد فيصلي إليه العوام ويؤدي إلى المحذور، وقد قاله بنصه وحروفه النووي في شرحه على صحيح مسلم 5/14. الــفرع الثالث: أدلة الجواز. 1- في (الوسائل): قال: وروى المشهدي عن الحسن بن محمد عن بعضهم عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد ، عن الحسن بن عيسى عن هشام بن سالم عن صفوان الجمال قال: لما وافيت مع جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) الكوفة: إلى أن قال: وذكر الزيارة إلى أن قال: وأعطاني دراهم واصلــحت القبر(11). 2- قال النراقي وتدل على فضل البناء عليها الروايات المتكثرة المصرحة بالأمر بالوقوف على باب الروضة أو القبة أو الناحية المقدسة والاستئذان وتقبيل العتبة والدعاء عند ترائي القبة الشريفة ونحو ذلك مما وردت فيه الأخبار الغير العديدة المؤذنة برضاهم بل ميلهم إلى هذه الابنية الشريفة والآمرة بآداب متوقفة على وجود الباب والقبة والعتبة الموقوفة على البناء(12). والخلاصة: إنّ القائل بـحرمة البناء على القبور يجب أن يستدل عليها، والقائل بالإباحة يكفيه الأصل (عدم الحرمة إلاّ ما قام الدليل على تحريمه) وقد عرفت أنّه ليس هناك شبه دليل على الحرمة، والآيات أدل دليل على أنّه سبحانه لا يعذب أُمَّةً إلاّ بــعد إرسال الرسل و بعثهم، وهو كناية عن وصول البيان والتشريع إلى الناس، فلو لم يصل فلا يكون منجزاً في حق العبد. قال سبحانه: (وَمَا كُنّا مُعَذّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا) وظاهر الآيات يعطي أن وظيفة التشريع تبيين المحرمات لا المباحات قال سبحانه: (قَلْ تَعَالُوا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُم) وقال: (قُلْ لاَ أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَىّ مُحَرّماً عَلَى طَاعِم يَطْعَمُهُ..) فإذا كان صعيد التشريع فارغاً عمّا يدل على التحريم فهو حجّة على كون الشيء مباحاً محللا. ______________________ (1) الكهف: 21. (2) ظ: بحوث في الملل والنحل لأية الله الشيخ جعفر السبحاني ، ج 4 ، ص 197_208. (3) الشورى: 23. (4) الحج : 32 . (5) مركز الأبحاث العقائدية. (6) زاد المعاد في هدى خير العباد، ابن القيم ص 661. (7) سنن أبو داود : 2/81. (8) الطبقات الكبرى لإبن سعد : 3/19. (9) سنن البيهقي للبيهقي : 3/411. (10) نيل الأوطار للشوكاني: 2/139. (11) الوسائل 14: 392. (12) مستند الشيعة 3: 281. والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين. علوية الحسيني

اخرى
منذ 10 أشهر
751