Profile Image

علوية الحسيني

المرأة الرساليّة في الموروث الروائيّ

لـو رجعنا إلى ثاني مصدر مِن مصادر الشريعة وهو السُنّة النبويّة الصحيحة ومرويّات أهل البيت (عليهم ازكى السلام جميعاً) لـوجدنا تعظيماً واجلالاً للمرأة, بل نجد فيه أن الله تعالى يـغضب لـغضب امرأة , نـعم لــغضب إمرأة, تلكَ هي فاطمة الزهراء (عليها أزكى السلام), واخرى يُحفظ بها الإسلام وبأخيها؛ لجهادهم الفكريّ والواقعيّ , تلك هي زينب بنت عليّ بن أبي طالب (عليها أزكى السلام). ودونكم جانباً مِن الدور الرساليّ الذي قامتا به : 1- فاطمة الزهراء (عليها السلام): هي تلك المرأة التي مارست دورها الرساليّ بصورةٍ أجلى من شمس النهار, والى يومنا هذا ترى الإسلام محفوظاً بفضل وجودها ووجود آخر أئمة الهدى صاحب العصر والزّمان الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) وهو بركة من بركات الصدّيقة الطاهرة، عليها وعلى أبنائها أفضل الصلاة والسلام. لقد كانت الزهراء (عليها السلام) عالمة بما لــلكلمة من معنى، فإنها كانت تتلقى العلم من مدينة علم الرسالة وهو النبي (صلى الله عـــليه وآله) ومن بابها وهو علي (عليه السلام)(1). فهي العارفة بالله وبحقائق الكون وفلسفة الحياة، كما أنّ قربها من المسجد النبوي كان يتيح لها أن تتابع أحكام الله وتلاوة آياته المباركة, هذا إلى جنب ما كان لها من العلم اللدني. فمقاماتها السامية وعلومها الزخارة أهلتّها لأن تقوم بدور التربية والتعليم والتوجيه لـنساء العالم في كل عصر ومصر، وخاصة نساء عصرها اللواتي كنّ يجتمعن حولها ويتلقين منها علوم الإسلام ويسألنها عن كل شيء, وهي كانت تقوم بدورها الرساليّ. لقد كانت تعلّم النساء ما يشكل عليهنّ من الأحكام الشرعيّة والمعارف الإلهيّة الضروريّة ، وكانت تغشاها نساء المدينة وجيران بيتها(2)، ويبدو أنّ بيتها كان المدرسة النسائية الاُولى في الإسلام ، حيث تقبل عليها النساء طالبات للعلم ، فيجدن فاطمة العالمة وهي تستقبلهنّ بصدر رحب لا يعرف الملالة والسأم . روي عن الإمام العسكري عليه السلام قال : « حضرت امرأة عند الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام فقالت : إنّ لي والدة ضعيفة، وقد لبس عليها في أمر صلاتها شيء، وقد بعثتني إليك اسألك، فأجابتها فاطمة عليها السلام عن ذلك ، فثنّت فأجابت ، ثم ثلّثت إلى أن عشّرت فأجابت، ثم خجلت من الكثرة ، فقالت: لا أشقّ عليك يا ابنة رسول الله . فقالت عليها السلام : هاتي وسلي عمّا بدا لك . . . إنّي سمعت أبي يقول : إنّ علماء أُمّتنا يحشرون فيخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر كثرة علومهم وجدّهم في إرشاد عباد الله ، حتى يخلع على الواحد منهم ألف ألف حلّة من نور . . . »(3). وقد كانت الزهراء (عليها السلام) المعلّمة والمربية حتى للرجال مِـن خلال النساء، فعن الإمام الحسن العسكري قال (عليه السلام) قال رجل لامرأته: اذهبي إلى فاطمة (عليها السلام) بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فسليها عني: أنا من شيعتكم أو لست من شيعتكم؟ فسألتها، فقالت (عليها السلام): (قولي له: إن كنتَ تعمل بما أمرناك وتنتهي عما زجرناكَ عنه، فأنت من شيعتنا وإلاّ فلا). فرجعت فأخبرته، فقال: يا ويلي ومن ينفك من الذنوب والخطايا، فأنا إذن خالد في النار، فإن من ليس من شيعتهم فهو خالد في النار! فرجعت المرأة فقالت لفاطمة (عليها السلام) ما قال زوجها, فقالت فاطمة (عليها السلام) قولي له: (ليس هكذا فان شيعتنا من خيار أهل الجنة، وكل محبينا وموالي أوليائنا ومعادي اعدائنا، والمسلم بقلبه ولسانه لنا لـــيسوا من شيعتنا إذا خالفوا أوامرنا ونواهينا في سائر الموبقات، وهم مع ذلك في الجنة، ولكن بعد ما يطهرون من ذنوبهم بالبلايا والرزايا أو في عرصات القيامة بأنواع شدائدها، أو في الطبق الأعلى من جهنم بعذابها، إلى أن نستنقذهم بحبنا منها وننقلهم إلى حضرتنا) )(4). ولمّا استشهد جعفر بن أبي طالب عليه السلام في مؤتة أمرها رسول الله صلى الله عليه وآله أن تتخذ لاَسماء بنت عميس طعاماً ثلاثة أيام ، فجرت بذلك السُنّة، وأمرها أن تقيم عندها ثلاثة أيام هي ونساؤها لتسليها عن المصيبة )(5). فها هو بعض دورها الرساليّ (عليها السلام), ناهيكم عن دورها أثناء خطبتها حين مطالبتها بفدك, وبأحقيّة زوجها بالخلافة. 2- السيّدة زينب (عليها السلام) مِن القطع واليقين أنّ السيّدة زينب الكبرى (عليها السّلام) كانت قد سمعت ما لا يُحصى من الأحاديث من جدّها رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وأبيها أمير المؤمنين (عليه السّلام)، وأخويها الإمام الحسن والإمام الحسين (عليهما السّلام)، ورَوت عنهم الشيء الكثير الكثير, ناهيكم عن النهل مِن علوم امّها الزهراء (عليها السلام). وكيف لا ؟ وقد فَتحت عينَيها في مَهبط الوحي والتنزيل، وترعرعت ونَمَت في أحضان مصادر التشريع الإسلامي، وتراجمة الوحي الإلهي، ومنابع المعارف والأحكام السماويّة . كما وكانت تعلّم تفسير القرآن لنساء الكوفة، فجاء في التاريخ أنّ جمعاً من رجال الكوفة جاؤوا إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وقالوا : ائذن لنسائنا كي يأتين إلى ابنتك ويتعلّمنَ منها معالم الدين وتفسير القرآن. فأذن الإمام لهم بذلك، فبدأت السيّدة زينب بتدريس النساء. ويعلم الله عدد النساء المسلمات اللواتي كنّ يحضرن درس السيّدة طيلة أربع سنوات أو أكثر(6). ولو تطرقنا إلى مقاطع خطبتها عليها السلام,لتجلّى لنا دورها الرساليّ وسط الحكّام الفسقة الظَلَمة, فدكّت بها الصرح الوهميّ الذي كان يُريد يزيد وشرذمته أن يبنوه بالباطل، وفضحت أكذوبتهم. حيث قارعت اعداء الدّين قائلة: الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، وطهّرنا من الرجس تطهيراً، وإنّما يفتضح الفاسق، ويكذب الفاجر، وهو غيرنا والحمد لله فقال ابن زياد : كيف رأيت فعل الله بأهل بيتك ؟ -نجدها تُجيب بكلّ بسالة وشجاعة وقوّة شخصيّة: ما رأيت إلاّ جميلاً؛ هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجّون إليه، وتختصمون عنده، فانظر لمَنْ الفلج يومئذٍ، ثكلتك اُمّك يابن مرجانة ! فغضب ابن زياد واستشاط, فقال له عمرو بن حريث : أيّها الأمير، إنّها امرأة ، والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها . فلم يستطع مواجهتها؛ لذلك حاولَ أن يُثير غضبها بقولهِ : لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك. وانطلاقاً من ذلك لاشكّ انّ للمرأةِ دورا في بناء المجتمع وتوعيتهِ بشرح الآيات القرآنيّة, وتعليم الاصول العقائديّة, والأحكام الفقهيّة, والحلول الإجتماعيّة, وإنطلاقاً مِن ذلك الدور المُلقى على عاتقها يجب عليها النهوض وتبليغ ما تحمل مِن رسالة سامية, مع كامل حشتمها ووقارها الدينيّ, كـالسيّدتَين الزهراء وزينب (عليهما السلام). ________________ (1) اشارة إلى حديث (أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها). عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ص233. (2) شرح ابن أبي الحديد 9 : 193 (3) بحار الأنوار 2 : 3 | 3 . (4) تفسير الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): ص308. (5) راجع: أخبار مكة| الأزرقي, 1 : 161 الشريف الرضي, ومغازي الذهبي : 555. (6) الخصائص الزينبية: السيد الجزائري / 68 , ورياحين الشريعة: للمحلاّتي 3 / 57 . علوية الحسيني

اخرى
منذ سنتين
2593

ومـضةٌ توحيدية مِن تراث الإمام الجواد (عليه السلام)

روي عن أبي داود بن القاسم الجعفري أنه قال : "قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام) : ( قل هو الله أحد )، ما معنى الأحد ؟ قال (عليه السلام): المجمَع عليه بالوحدانية, أما سمعته يقول : ( ولئن سئلتهم من خلق السماوات والأرض وسخّر الشمس والقمر ليقولنّ الله)؟ ثم يقولون بعد ذلك له شريك وصاحبة. فقلت : قوله (لا تدركه الأبصار)؟ قال (عليه السلام): يا أبا هاشم ! أوهام القلوب أدقّ من أبصار العيون ، أنتَ قد تدرك بوهمك السند والهند، والبلدان التي لم تدخلها، ولم تدرك ببصرك ذلك، فأوهام القلوب لا تدركه، فكيف تدركه الأبصار؟ "(1). شــرح الحديث: ما أشار إليه سيّد التوحيد الإمام محمد الجواد (عليه السلام) هو أوّل أقسام التوحيد وهو التوحيد الذاتي, فالإمام يفسّر أحديّة الله تعالى بأنّه سبحانه أحدٌ لا شريك له, بدلالة قوله تعالى: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ)(2). ولهذا نجده (صلوات الله عليه) عقّب بالآية الكريمة (ولئن سئلتهم من خلق السماوات والأرض وسخّر الشمس والقمر ليقولنّ الله), أي إنّ الجميع يشـهد ويجمع على أنّ الذي خلق السماوات والأرض وسخّر الشمس والقمر هو الله وحــــده لا شريك له. وحينما سأله السائل عن تفسير قوله تعالى (لا تُدرِكهُ الأبصار) أجاب (صلوات الله عليه) مقارناً بين الوهم وبين الرؤية, والوهم أو التخيّل أوســع مِن الرؤية البصرية, بدلالة إمكان توهم –أو تصوّر- الإنسان صورة حصان له عشرة أرجل رغم أنّه في الواقع لا يوجد ليبصره بعينه. فالمعصوم (صلوات الله عليه) يقول للسائل: إنّك لا تستطيع أن تتوهم أو تتخيل أو تتصور ما هو الله تعالى بخيالك الواسع ذلك, فكيف تريد أن تعرفه ببصرك الذي يعجز عن رؤية ما تتوهمه أنت ؟!. - ولعلّ القارئ يتساءل: لماذا لا يمكن أن نعرف ما هو الله تعالى بالوهم أو بالرؤية البصرية؟ - نقول له: الجواب يكون في النقاط التالية: 1/ فلسفياً: لأنّكَ لـو أحطتَ به وهماً أو بصراً لأصبحَ هو سبحانه مُـحاطاً وأنتَ محيط به, وهذا باطل؛ لأنّه تعالى هو المُحيـط بك وبأوهامك ورؤيتك، فهو غير المتناهي في كل شيء. 2/ علمياً: إنّ العين البشرية تستطيع رؤية الأشياء بسبب جزيئات الضوء تُدعى بالفوتونات، التي تسقط على الأجـسام حولنا، ثم ترتد على أعيننا. وتستقبل أعيننا هذه الفوتونات الضوئية على ما يقرب من 126 مليون خلية حساسة للضوء في شبكية العين. فالفوتونات تسـقط على الأجسام ثم ترتد إلى العين فتنطبع صورة ذلك الجسم في الذهن وتبصره العين. لكن الله جلّ جلاله يخبرنا في كتابه الكريم أنّه لا يمكن رؤيته بالعين الباصرة, بدلالة الآية الكريمة: (لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير)(3) فالله سبحانه هــو مَن يدرك بصرك ويحيط بك, وليس أنت تدرك الله تعالى وتحيط به, فتأمل فالفارق كبير. كل ذلك لأنه تعالى ليس جسماً ولا جسمانياً. 3/ كلامياً: عقيدتنا في الله تعالى أنّه ليس كمثله شيء, ليس جسماً ولا صورة حتى يمكن رؤيته أو توهمه. روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال واصفاً ربّه: "ليس بشبح فيرى، ولا بجسم فيتجزأ، ولا بذي غاية فيتناهى، ولا بمحدث فيبصر، ولا بمستتر فيكشف، ولا بذي حجب فيحوى"(4). فـالرؤية البصرية ممتنعة عليه تعالى, لأنّ: * المرئـي = جسم * والجسم = مركب من أجزاء * والمركب = محتاج إلى أجزائه * والمحتاج = مخلوق * والله تــعالى خـالق غــير مخلوق. فثبـتَ المطلوب وهو امتـناع رؤية الله جلّ جلاله. _______________________ (1) الاحتجاج : 2 / 338 . (2) الاخلاص: 4. (3)الأنعام: 103. (4) التوحيد: للشيخ الصدوق, ص78. والحمد لله الذي علم السرائر، وخبر الضمائر، له الاحاطة بكلّ شيء، والغلبة لكلّ شيء، والقوة على كلّ شيء، دلّت عليه أعلام الظهور، وأدرك بذاته خفيّات الامور، حمداً دائماً سرمداً أبداً، وصلّى الله على محمدٍ وآله، مخازن سّر الله ومعادن حكمة الله، اللّهم فبحقهم وقربهم وحبهم اجعلنا من أهل توحيدك. علوية الـحسيني

اخرى
منذ سنتين
3386

مِن أسئلتكم؟

السلام عليكم السائل: لماذا يحق للزوج أن يغار على زوجته؟ ولا يحق للزوجة ذلك؟ المجيب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته بالنسبة لغيرة الرجل، فإنه وبملاحظة المعنى اللغوي نجد إنّ لغيرة الرجل خُلُقاً إيجابياً: غار: يغار، غيرة الرّجل على امرأته من فلان، وهي عليه من فلانة: أنف من الحميّة وكره شركة الغير في حقّه بها، وهي كذلك. ولقد حثَّت الكثير من الروايات الشريفة على التحلّي بصفة الغيرة. فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّي لغيور، والله عزّ وجلّ أغير منّي، وإنّ الله تعالى يحبّ من عباده الغيور"(1). وهذه الغريزة لا يخلو منها في الجملة أيّ إنسان فهي من الأمور الفطرية، والإسلام دين مبني على الفطرة. فإنّ منع الرجل ونفوره عن مشاركة غيره في زوجته، هو أمر ٌمن الواجب عليه شرعاً وعقلاً فهو من الإيمان ووظيفة دينيّة. إذاً انّ الغيرة كما اتضح صفة شريفة، وهي دليل صحّة وعافية، ولكن إذا وُضعت في غير محلها أو خرجت عن حدودها وطورها انقلبت إلى مرض. وقد تتسبّب بالمشاكل الأسريّة إذا وصلت إلى حدٍّ شعرَت الزوجة معها بعدم ثقة الزوج بها. ففي الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "من الغيرة ما يحب الله، ومنها ما يكره الله، فأمّا ما يحب فالغيرة في الريبة، وأمّا ما يكره فالغيرة في غير الريبة"(2). كما وتُشير بعض الروايات إلى أنّ هذه الغيرة في غير محلها قد توصل المرأة إلى الانحراف! فقد حذرت منها الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته لابنه الحسن عليه السلام: "إياك والتغاير في غير موضع الغيرة، فإن ذلك يدعو الصحيحة منهنَّ إلى السَقَم"(3). وأمّا غيرة المرأة فالرواياتُ كفيلةٌ ببيان ماهيّتها، حيث ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: "غَيرة المرأة كفر، وغيرة الرّجل إيمان"(4). لأنّ غَيرة المرأة تحرّم على الرجل ما أحلّ الله له من زواج متعدد، أمّا غيرة الرجل فتحريم لما حرّمه الله وهو الفاحشة. وعن جابر قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): غيرة النساء الحسد والحسد هو أصل الكفر إنّ النساء إذا غرنَ غضبنَ وإذا غضبنَ كفرنَ إلاّ المسلمات منهن(5). _______________________ (1) ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج3، ص2342. (2) المصدر نفسه، ص3243. (3)وسائل الشيعة، ج2، ص237. (4)نهج البلاغة، حكمة 124. (5) الكافي: ج5، باب غيرة النساء، ح4. والحمد لله رب العالمين وصلّى الله على محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين. علوية الحسيني.

اخرى
منذ سنتين
1631

نبضُ التوحيد عند الإمام الباقر (عليه السلام)

كلماتٌ تخرج من قلبِ عارفٍ بربّه تُخاطب الوجدان, وتتحادث مع شغاف القلب المفعم بالعشق الإلهي, ولايتلقاها إلاّ ذو حظٍ عظيم. تلك هي كلمات الإمام الباقر (عليه السلام) التي تصدح بــتنزيه الله تعالى عن الزمان والمكان والجسم والرؤية والاتحاد والحلول. فيا طلاّب الحقيقة هلموا لتلك الإشراقات القدسيّة لتضيء هياكل التوحيد بعد أن أدركتموه بالوهم. سأل رجل الامام الباقر عليه السلام فقال له : أخبرني عن ربّك متى كان ؟ فأجابه الإمام (عليه السلام) :"ويلك! إنما يقال لشيء لم يكن ، متى كان ؟ إنّ ربي تبارك وتعالى كــان ولــم يزل حيّاً بلا كيف، ولم يكن له كان، ولا كان لكونه كون. كيف! ولا كان له أين، (أي ليس لله تعالى مكانٌ يحويه).ولا كان في شيء، (أي لا يحلُّ الله تعالى في شيء).ولا كان على شيء، (أي ليس لله تعالى جهة عليا تحيطه). ولا ابتدع لمكانه مكاناً، (أي لم يخلق الله تعالى لنفسه مكاناً فهو موجودٌ في كلّ مكان). ولا قويَ بعدما كوّن الأشياء، ( أي إنّه تعالى لم يكن عاجزاً ضعيفاً قبل خلق الأشياء ثم قويَ بعد خلقها). ولا كان ضعيفاً قبل أن يكوِّن شيئاً، (أي ليست قوّته تعالى بخلق الأشياء فهو القوي القادر قــبل خلقه لها إلاّ إنّه لم يشأ أن يخلقها إلاّ في وقتٍ معلوم). ولا كان مستوحشاً قبل أن يبتدِع شيئاً، (أي إنّه تعالى لايأنس أو يستوحش بمخلوقاته فهو الغنيّ عنهم قبل وبعد خلقهم). ولا يشبه شيئاً مذكوراً، (أي لـيس لله تعالى شبيهٌ يشبهه). ولا كان خلواً من المُلك قبل انشائه، (أي هو المالِك للأشياء حتى قبل خلقِها). ولا يكون منه خلواً بعد ذهابه، (أي لا يخلو من الله تعالى لقب المالِك بعد ذهاب أو فناء الأشياء المخلوقة, فهو يعيدها للنشأة الآخرة). لم يزل حيّاً بلا حياة، (أي إنّ حياتهُ تعالى أزلية عين ذاته وليست صفة زائدة عليه؛ لتنوهه عن الإحتياج). وملِكاً قادراً قبل أن ينشىء شيئاً، (أي إنّ قدرته تعالى هي هي قبل أن يخلق الخَلق وبعد ذلك). وملِكاً جبّاراً بعد انشاءه للكون، (أي إنّه تعالى المهيمن القيّوم بجبّاريته متصرف بامور خلقه بعد إنشاءه للكون وما فيه). فليس لكونه كيف ولا له أين، (أي ليس لذاته تعالى شكلاً ليُسأل عنها بـكيف هو, ولا مكان يحويه ليُسأل عنه بـأين هو). ولا له حد، ( أي ليس له تعالى حدود تحيطه زمانية أو مكانية). ولا يُعرف بشيء يشبهه، (أي لا يوجد لله تعالى شبيه حتى يقال هذا يشبه الله فنعرفه من شبيهه). ولا يَهرم لطول البقاء، (أي إنّه تعالى ليس جسماً تطرأ عليه علامات التقدّم العمري-الهرَم-). ولا يصعق لشيء، (أي إنّه تعالى لايطرأ عليه الخوف). بل لخوفه تصعق الأشياء كلّها (أي إنّه تعالى تخاف منه جميع الأشياء). كان حياً بلا حياة حادثة، (أي إنّ حياته تعالى عين ذاته أزلية ليست حادثة زائدة على ذاته). ولا كون موصوف ولا كيف محدود، (أي إنّ ذاته تعالى لــيست مكتنهة فلاتوصَف, ولا تُحد بزمانٍ أو مكان). ولا أين موقوف عليه، (أي ليـس له تعالى مكانٌ يتحيّز به لأنه ليس بـجسم). ولا مكان جاور شيئاً، (أي ليس له تعالى مكانٌ يجاورهُ به أحد فهو المنزّه عن المكان). بل حيٌّ يعرَف، (أي إنّه تعالى خالقٌ حـي). وملِكٌ لم يزل له القدرة والملك، (أي هو المالك لمخلوقاته له السلطنة والقدرة عليهم). أنشأ ما شاء حين شاء بمشيئته، (أي خلقَ الكون وقت ماشاء هو سبحانه بمشيئته وعلمه وقدرته). لا يحد (أي لاتحيطه الجهات لأنه ليس بجسم). ولا يبعض (أي لايقسّم لأنه ليس مركباً حتى يجزأ). ولا يفنى (أي لانهاية له فهو الباقي الأبدي). كان أولاً بلا كيف، (أي فهو الأول ولا شيء معه دون أن نسأل كيف ذلك). ويكون آخراً بلا أين، (أي فهو الآخِر بعد فناء مخلوقاته دون أن نسأل أين يبقى). وكلّ شيءٍ هالك إلاّ وجهه، (أي إنّ جميع المخلوقات ســتهلك ولايبقى إلاّ هو سبحانه). له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين"(1) (أي إليه يعود الخَلق وأمرهم تجلّى بالكمال ربّنا ربّ العالمين). ولهذا نجد إنّ الروايات الشريفة قد نهـت عن الكلام في ذات الله المقدّسة؛ منعاً للتيه والانزلاقات الفكرية, حيث روي عن أبي بصير أنّه قال: قال أبو جعفر(عليه السلام): "تكلّموا في خلق الله ولا تكلموا في الله فإنّ الكلام في الله لا يزيد إلاّ تحيُّــرا"(2). وقال (عليه السلام) في حديثٍ آخر: "اذكروا من عظمة الله ما شئتم ولا تذكرواذاته فإنكم لا تذكرون منه شيئا إلا وهو أعظم" منه(3). وما يكفي معرفته عن ذات الله جلّ جلاله امورٌ أربع أرشدنا إليها أهل بيت النبوّة (عليهم أزكى السلام), حيث رويَ الْفَتْحِ بْنِ يَزِيدَ عَن أَبِي الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلام) سَأَلْتُهُ عَنْ أَدْنَى الْمَعْرِفَةِ, فَقَالَ: الاقْرَارُ بِأَنَّهُ لا إِلَهَ غَيْرُهُ ولا شِبْهَ لَهُ وَلا نَظِيرَ وأَنَّهُ قَدِيمٌ مُثْبَتٌ مَوْجُودٌ غَيْرُ فَقِيدٍ وأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ(4). _______________ _________ (1) اُصول الكافي: ج1, ص88 ـ 89 . (2) التوحيد: باب 67 النهي عن الكلام والجدال والمراء في الله عز وجل, ح1. (3) المصدر نفسه, ح3. (4) الكافي: ج1, ب 26, ح1. والحمد للّه الذي هو هكذا ولاهكذا غيره, وصلّى الله على الأدلاّء على الله ومحال معرفته. علوية الحسيني.

اخرى
منذ سنتين
3333

شبهاتٌ حـول التشيّع/ في القضية الحسينيّة(1) شعيرة اللطم

مقـدّمة يعدّ اللطم على الصدور تعبيراً عن الألم والحزن، الذي يعتلج قلوبنا، وتعبيراً عن مدى ما أصابنا من عظم المصيبة، فالحرقة التي تصيب النفس - والحزن يسيطر عليها - يمكن للإنسان أن ينفّس عنها، وعمّا أصابه بفعلٍ ما، يكون ترويحاً وتنفيساً ومجاراةً ومواساةً لمن حلّت به هذه الفاجعة، أو القضية المؤلمة. ويعدّ اللطم مصداقاً مهماً من مصاديق التفجّع على ريحانة الرسول وسبط البتول . وسوف نستعرض الموضوع ضمن المطالب التالية: المطلب الثاني: إثبات مشروعيّة اللطم من كتاب الله تعالى 1-من تفسير كتب السنّة 2-من تفسير كتب الشيعة المطلب الثالث: اثبات مشروعيّة اللطم من الفريقين السنة والشيعة المطلب الأول: مشروعيّة اللطم في كتاب الله تعالى. لـغةً: لطم : ل ط م : اللَّطْمُ الضرب على الوجه بباطن الراحة. قال تعالى: (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَــصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ)(1). معنى صكَّ لغةً: ص ك ك : صَكَّهُ ضـربه وبابه ردَّ ومنه قوله تعالى :{ فصكَّت وجهها }. 1-تفسير الآية في كتب أهل السنّة قال الطبـري في تفسيره : " حدثني ابن حُمَيد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن العلاء بن عبد الكريم الياميّ, عن ابن سابط, قوله ( فَصَكَّتْ وَجْهَهَا ) قال: قالت هكذا; وضرب سفيان بيده على جبهته. قال: [حد]ثنا مهران; عن سفيان ( فَصَكَّتْ وَجْهَهَا ) وضعت يدها على جبهتها تعجبا, والصكّ عند العرب: هو الضرب. وقد قيل: إن صكها وجهها, أن جمعت أصابعها, فضــربت بها جبهتها"(2). قال البغوي في تفسيره: " قال ابن عباس : لطمت وجهها . وقال الآخرون : جمعت أصابعها فضربت جبينها تعجبا ، كعادة النساء إذا أنكرن شيئا ، وأصل الصك : ضرب الشيء بالشيء العريض". *ايــرادٌ وجوابـه: يقول المخالف: إنّ القصص المذكورة في القران الكريم العبرة فيها تخص أصحاب ذلك الزمان فلا يمكن لنا ان نقلد بالفعل زوجة النبي عندما لطمت وجهها. فماذا تقولون ؟ -قـلنا في مقام الإجابة متسائلين: ما هو المانع من الاعتبار منها ؟! إن قالوا: إنّ هذه القصص تخص العبرة منها اصحابها فقط, ثبت أنّ الله انزلها في القرآن الكريم ولأمة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) لــغواً منه وعبثاً, والتالي باطل فالمقدم مثله بالبطلان, فحاشاه سبحانه من العبثية واللغو فهو الحكيم. وحتماً هو تعالى أنزلها في القرآن لحكمةٍ هو قاصدها، متحققةٍ غايته منها. 2-تفسير الآية في كتب الشيعة قال العلاّمة الطباطبائي –قدس سره- في تفسيره المشهور بالميزان: "و الصك الـــضرب باعتماد شديد. انتهى. والمعنى: فأقبلت امرأة إبراهيم (عليه السلام) - لما سمعت البشارة - في ضجة و صياح فــلطمت وجهها و قالت: أنا عجوز عقيم فكيف ألد؟ أو المعنى هل عجوز عقيم تلد غلاما؟ و قيل: المراد بالصرة الجماعة و أنها جاءت إليهم في جماعة فصكت وجهها و قالت ما قالت، و المعنى الأول أوفق للسياق." اذاً صكّـت يعني ضربَت وجهها. المطلب الثالث: مشروعيّة اللطم من كتب الفريقين أولاً/ اللطم في كتب أهل السنّة 1- ‏حدثنا : ‏يعقوب ‏، ‏قال : حدثنا : ‏أبي ‏ ‏، عن ‏ ‏ابن إسحاق ،‏ ‏قال : حدثني : ‏ ‏يحيى بن عباد بن عبد الله ابن الزبير ‏،عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏عباد ،‏ ‏قال:ســمعت ‏ ‏عــائشة تقول ‏: ‏مـــات رسول الله ‏(ص[صلى الله عليه وآله]) ‏ ‏بين ‏ ‏سحري ‏ ‏ونحري‏، ‏وفي ‏ ‏دولتي ‏ ‏لم أظلم فيه أحدا فمن ‏سفهي ‌‏وحداثة سني ‏ ‏أن رسول الله ‏ ‏قبض ‏ ‏وهو في حجري، ثم وضعت رأسه على وسادة وقمت ‏ ‏ألـــتدم ‏ ‏مع النساء وأضــرب وجـهي(3). في حين أنّ امامهم البخاري ومسلم يقول: "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ[وآله] وَسَلَّمَ : (لَيــْسَ مِنَّا مَنْ لَطـــَمَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ)(4). وهنا نوجّه سـؤال إلى ابناء السنّة والوهّابيّة: هل عائــشة ليست منكم؟! لماذا لطمت وجهها عند وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟! فجدلاً نقول: نحن الشيعة موقفنا كــموقف عائشة, وما تحكمون به عليها احكموا به علينا. و " عن ابن إسحاق ، قال : حدثنا : يحيى بن عباد ، عن أبيه ، عــن عــائشة ، قالت : مات رسول الله (ص[صلى الله عليه وآله]) وهو بين سحري ونحري، في بيتي ، وفي يومي، لم أظلم فيه أحدا ، فمن سفاهة رأيي وحداثة سني أن رسول الله (ص[صلى الله عليه وآله]) : مات في حجري، فأخذت وسادة فوسدتها رأسه ، ووضعته من حجري ، ثم قمت مع النساء أبكي وألـــدم(5). ثانياً/ من كتب الشيعة ورد في كتبـنا أنّ كلّ الجزع والبكاء مكروه ما خــلا الجزع والبكاء لقتل الحسين(عليه السلام)، ومن مظاهر الجزع: هو اللــطم، سواء كان على الصدور، أو على الخدود، أو على الفخذين. وما ذكر في الرواية كمثال لمظهر من مظاهر الجزع, وهو اللطم على الخدود، ولــم تمنع الرواية من اللطم على مكان آخر, كاللطم على اليد أو على الفخذ أو على الرأس. إنّ اللطم على الإمام الحسين(عليه السلام) ليس هو لطماً لأجل مقتل شخص مسلم عادي؛ فالحسين(عليه السلام) هو إمام المسلمين وقدوتهم، وخليفة الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله)، وحينئذٍ فإنّ ورود الاستثناء بشأن اللطم عليه له ما يبرّره. وورد النهي عن اللطم على الميّت العاديّ؛ لأنّه غالباً ما يكون مصاحباً للجزع وعدم التسليم والرضا بالقضاء, وهذا العنصر مـــفقود في حال اللطم على أبي عبد الله الحسين(عليه السلام)؛ لأنّ الجزع عليه ليس اعتراضاً على القضاء، بـل إشــفاقاً على الدين وإمام المسلمين والقرآن الناطق، ومن هو بمنزلة لحم ودم النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، بل نفسه كما يدلّ عليه قوله (صلّى الله عليه وآله): (حسين منّي وأنا من حسين). ومن هذه الأدلّة على مشروعيّته: 1- روي عن الإمام الصادق(عليه السلام): "إنّ البكاء والجزع مكروه للعبد في كلّ ما جزع، ما خـــلا البكاء والجزع على الحسين بن عليّ عليهما السلام؛ فإنّه فيه مأجور"(6). 2- يعدّ اللطم جائــزاً وفقاً لأصالة الإباحة؛ فطالما لــم يكن في اللطم ضرر، فمقتضى أصل الإباحة هو عدم الإشكال في اللطم ما لم يرد نهي, ولم يرد نهيٌ بذلك, بل يعدّ نوعاً من اظهار السخط على قتلة الحسين (عليهم لعنة الله تعالى). 3- عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام): (وقد شققن الجيوب، ولطمن الخدود - الفاطميات - على الحسين بن عليّ، وعلى مثله تُلطَم الخدود، وتُشقّ الجيوب)(7). 4- ولمّا مرّوا بالسبايا على الإمام الحسين(عليه السلام) وأصحابه عليهم السلام، وهم صرعى، "صاحت النساء، ولطمن وجوههنّ، وصاحت السيّدة زينب: يا محمّداه..."(8). 5- حينما أنشد دعبل الخزاعي تائيته المشهورة، بحضرة الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، قال فيها: أفاطمُ لو خِلتِ الحسين مجدّلاً *** وقد مات عطشاناً بشطّ فراتِ إذاً لــلطمتِ الخدّ فاطمُ عنده *** وأجريت دمع العين في الوجناتِ(9). فَلَـــم يعترض الإمام الرضا (عليه السلام)، ولم يقل: إنّ أُمّنا فاطمة (عليها السلام) لم تفعل ذلك لأنّه حرام أو مكروه، بــل هو قد بكى وأعطى الشاعر جائزة، وأقرّه على ما قال. وكلّنا يعلم أنّ قول وفعل المعصوم حجّـة،, فكل ما أقرّه نقرّه اقتداءً به. 6-نقرأ في زيارة الناحية المقدّسة التي زارَ بها إمامنا المفدّى قائم آل محمّد (عجّل الله فرجه الشريف) انّه قال: "فلمّا رأين النساء جوادك مخزيّاً، إلى أن قال: على الخدود لاطــمات، الخ". فـنسوة آل محمّد لطمنَ ولــم يعترض على لطمهنّ إمام زمانهنّ الإمام السجّاد (عليه السلام) إذ لـــو كان اللطمُ حراماً لــنهاهنّ. فثبت بـسكوته اقراره. *ايــرادٌ وجوابه: إن قالوا: كيف نجمع بين الروايات التي تحثّ على اللطم وبين قول الإمام الحسين عندما نهى السيدة الحوراء (عليها السلام) بأن لا تخمش عليه وجهاً ؟ قـلنا في مقام الإجابة: ليس كلّ نهي يدلّ على الحرمة؛ فإنّه كما يوجد النهي التحريمي يوجد النهي التنزيهي، ويمكن أن يكون طلب الإمام الحسين(عليه السلام) لأُخته زينب (عليها السلام) عدم شقّ الجيب من باب الشفقة، أو من باب عدم الوقوع في شماتة الأعداء، ومع عدم وجود الدليل على تعيين أحد المحتملات، فلا مجال لإثبات الحرمة التكليفية من الحديث. _________________________ (1) الذاريات: 29. (2) تفسير الطبري, ص 521. (3) مسند ابن حنبل/ حديث عائشة (ر), ح 25816. (4) صحيح البخاري, ح1294,وصحيح مسلم, ح 103 . (5) دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة, ج 7, ص 213. (6) كامل الزيارات, ب32,ح 286. (7) تهذيب الأحكام 8: 325 ,ح 120, كتاب الإيمان والنذور والكفّارات. (8) مقتل الحسين للخوارزمي 2: 44, ح 10، مقتل الحسين لأبي مخنف: 203. (9) كشف الغمّة: 3, بحار الأنوار 45: 257, ب 44. والسلامُ على الحسين وآله ما بقيت وبقي الليل والنهار. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنتين
6248

مِـــن أســئلتِـكم

السؤال: السلام عليكم ما هو علاج الوسواس في العبادات وفي العقيدة؟ الجواب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يظهر الوسواس ويكثر غالباً في مناطق اهتمامات الإنسان، والأمور التي يحرص عليها، ولأنّ الإنسان المتدين يهمه الالتزام بالأحكام والقضايا الشرعية، ويحرص على أداء وظائفه وواجباته الدينية، فإنه قد يصاب بهذا الفيروس في هذه المنطقة. ويطلق علماء النفس على مرض الوسواس مصطلح: (العصاب القهري) أو (الاضطراب الوسواسي الجبري). إن النصوص والتعاليم الدينية تولي اهتماماً لمكافحة هذا المرض الخبيث، وتحذّر من الإصابة به، وتضخ المفاهيم والنصائح الوقائية منه. وسبل العلاج منه: 1- برنامج منع الاستجابة هومن أبرز أساليب العلاج المعتمدة حالياً في المراكز الرائدة في العلاج النفسي السلوكي في الولايات المتحدة، لمرض الاضطراب الوسواسي الجبري، والذي يعني منع المريض من ممارسة تصرفاته الوسواسية، لفترة معينة تحت رقابة وإشراف، داخل مستشفى العلاج، أو في بيته بواسطة المرافقين له. مع توفير أجواء مساعدة. وقد لوحظ نجاح هذا البرنامج مع كثير من المرضى الراغبين في العلاج. وإذا ما تأملنا التعاليم الإسلامية حول أحكام المصابين بالوسواس، وكثرة الشك في قضايا الطهارة والعبادات، فإنها تلزم المصاب باعتماد برنامج منع الاستجابة، وأن يباشر ذاتياً مع نفسه هذا البرنامج، فلا يعتني بحالة الشك والوسوسة، ولا يستجيب لها، وذلك هو تكليفه الشرعي، وهو الطريق الوحيد لتخلصه من هذا المرض. حيث روي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه قال: "لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم بنقض الصلاة فتطمعوه، فإن الشيطان خبيث يعتاد لما عوّد، فليمض أحدكم في الوهم، ولا يكثرّن نقض الصلاة، فإنه إذا فعل ذلك مرات لم يعد إليه الشك. قال زرارة: ثم قال : إنما يريد الخبيث أن يطاع، فإذا عصي لم يعد إلى أحدكم"(1). 2- العلاج المعرفي: إنّ أهل البيت (عليهم السلام) وهم أكمل الخلق كانوا يؤدون الأعمال بسهولة ويسر ومن دون أي تعقيد أو تهويل. والعلاج المعرفي يعني إعادة بناء تفكير المريض وتصحيحه، لتبديل أفكاره الوسواسية، التي أخذت صفة الاستمرارية بعيدة عن التحكم بزمامها، ورغم أنّ أكثر الوسواسيين يعترفون بلا منطقية أعمالهم وممارساتهم، لكن تضخّم بعض التصورات في نفوسهم، والمبالغة والتطرف في بعض الأفكار، هو ما يشكل أرضية مناسبة لحالتهم المرضية. فعلى المبتلى أن يعرف الدّين ويسره, حيث قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾(2), وقال تعالى أيضاً :﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾(3). ورويَ عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): "إنّ هذا الدّين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تكرّهوا عبادة الله إلى عباد الله، فتكونوا كالراكب المنبّت الذي لا سفراً قطع، ولا ظهراً أبقى"(4) . وليعلم من الناحية الفقهية أنّ الأصل هي الطهارة، والإباحة، ورفع المسؤولية عن الجاهل والناسي، وأنّ كل عمل فرغ منه أو تجاوزه ثم شك فيه فلا قيمة ولا أثر لذلك الشك. 3- العلاج الأذكاري: ويعني به ترديد أذكار معيّنة نصّ عليها أهل البيت (عليهم السلام), ومنها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "ذكرنا أهل البيت شفاء من الوعك والأسقام ووسواس الريب وحبُّنا رضا الرب تبارك وتعالى"(5). وأمّا الوسواس في العقيدة وما يلحق به من الأفكار المـزعجة كالأفكار في ذات الله عز وجل والأفكـار في الدين والعقيدة والخوف من الكفر والردة وغيرها فهي ليست جديدة على المسلمين، بل هي بادئة منذ فجر الإسلام، وقد وقعت في عصر النبي (صلى الله عليه وآله). ومن هنا يجب أن يعلم الإنسان الوسواسي أنّه ليس وحيداً في مشكلته. وأنّ حدوث هذا الأمر ليس دليلاً على ضلال الإنسان وكفره وفسقه وخبثه. بل يجب عليه إذا جاءته هذه الأفكار المزعجة أن يتوقف عنها مباشرة، ثم يلجأ إلى العلاجات التالية: 1- يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويقول : (آمنت بالله ورسله) مرة واحدة على الأقل، فنكتفي بمرة واحدة في الجلسة فمثلا لو كنا في مجلس وبدأت الفكرة الوسواسية فيستعيذ بالله مرة واحدة ويتجاهل الأفكار ولا يكررها مادام أنه في نفس المجلس. 2- أن يهدأ ولا يفسِّق نفسه ولا يكفرها بل يتيقن أنّه مؤمن وهذه الوساوس لا تضره أبدا . ويتذكر أنّ غضبه وحزنه ومدافعته لهذه الأفكار إنّما هو صريح الإيمان، وأنّ هذه الوساوس غير مقصودة بل هي من الشيطان . 3- أن يعلم علما يقينا أنّه غير آثم وغير مؤاخذ بهذه الأفكار؛ لقوله تعالى : ( لا يكلّف الله نفساً إلا وسعها)(6) حيث لم يكلّفه الله تعالى بالتفكر في ذات الله مثلاً أو ببعض الامور العقائدية الدقيقة الاخرى. 4- أن يقول: "أعوذ بالله القويّ من الشيطان الغوي وأعوذ بمحمّد (صلى الله عليه وآله) الرضي، من شرّ ما قُدِّر وقُضي وأعوذ بإله الناس من شرّ الجنّة والناس أجمعين"(7) فهو من احد وصايا الإمام علي (عليه السلام) إلى كميل. 5- روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) : "إذا خطر ببالك في عظمته وجبروته أو بعض صفاته شيء من الأشياء فقل : لا إله إلّا الله محمّد رسول الله عليّ أمير المؤمنين، فإذا قلت ذلك عدت إلى محض الإيمان"(8). 6- الأفضل له أن يقرأ بعض الكتب العقائديّة البسيطة مثل: عقائد الإماميّة، أصول الدين، أصل الشيعة وأصولها، ويحاول طرح أسئلته على المختصين؛ لئلا يبقى قامعاً في دوامة التفكير المشوب بالوسوسة فيرجع إلى انتكاسته. وكلما زاد من أدلته اليقينية على عقيدته، كلما ابتعدت عنه تلك الوساوس الشيطانية. _________________ (1) الكافي: ج3، ص358. (2) البقرة: 185. (3) الحج: 78. (4) بحار الأنوار: ج68، ص212. (5) المصدر السابق: ج26 ، ص227. (6) البقرة: 286. (7) بحار الأنوار: ج74، ص271. (8) فقه الرضا (عليه السلام): 385. علوية الحسيني.

اخرى
منذ سنتين
5825

ظاهــــرة الانـتـحــار

الانتــحار بســم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّدٍ وآله الطاهرين، ونعوذ بك اللّهمّ مِن شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا. وبــــعد، يعد الانتحار مِن أخطر المشاكل التي تواجه المجتمع، وأشد الأسى على الاُسر؛ لما يتركه مِن آثار سلبية وخيمة بعد موت المنتحرين. والمنتحر: هو الشخص الذي له نظرة تشاؤمية عن كل موضوع، فيقمع ارادته مِن التحرك والسعي لتحقيق الأهداف، ويحكم عليها بالنفي من الحياة. أســـــباب الانتحار: للانتحار أسبابٌ عديدة, منها: 1- ضعف العقيدة فمن ييأس مِن رحمة الله فهو مِن الخاسرين. 2- الأسباب النفسية كالتوتر الزائد, والاكتئاب, والقلق. 3- المشكلات الشائكة كتراكم الديون, وسوء التدبير. 4- عدم تحقيق الأهداف كعدم تحقيق النجاح, أو الوظيفة, أو الزواج, أو الترقي بالمنصب. 5- تناول الخمر وادمانه. 6- الحسد وكثرة مراقبة الآخرين. 7- الفراغ وانعدام الشخصية. 8- التأثر بالإعلام الهابط. 9- الكفر بالله تعالى. 10- سوء فهم عاقبة الانتحار. طُــرق الانتحار: للانتحار طرق عديدة منها: الشنق, الحرق, الغرق, تناول السموم, تناول المبيدات, قطع الأوردة الدموية, الحوادث المتعمدة المرورية, السقوط مِن مكانٍ شاهق, حبس النفَس, تناول أشرطة الدواء بأكملها, وغيرها من الطرق. مشــكلة اليوم: إنّ ما نواجهه اليوم هو تزايد حالات الانتحار بين أبنائنا عموماً وطلبة الصف السادس خصوصاً نتيجة إخفاقهم في الدراسة, أو عدم حصولهم على المعدل المتوقع, أو لوم الأهل لهم على المستوى العلمي, ومما يؤسف أنه بات البعض يقلّد الآخر حتى تفشت هذه الحالة وإن لم تصل إلى حد الظاهرة. حُـــكم الانتحار: 1-الانتـحار مِن المحرّمات لاشك أنّ الانتحار مِن المحرّمات؛ إذ هو إزهاقٌ للنفس بغير حق, وأنّ الدّين الإسلامي قد حرّم قتل النفس، كما في قوله الله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ)(1). والنهي هنا بمعنى الانزجار والحرمة, ومن هذه الآية استنبطت الروايات الحكم الشرعي لإزهاق النفس بغير حق. 2- الانتحار مِن الكفر قد عدّ الله تعالى الانتحار مِن الكفر كما قال سبحانه: الله تعالى: ﴿...وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُون)(2). نــعم إنّه مِن الكفر؛ لأنّه تشكيكٌ بقدرة الله تعالى الــلامتناهية, وتوهينٌ مِن علم وهيمنة وسلطنة وتدبير وحكمة الله سبحانه لأمور عباده, فهو الحكيم بتدبير شؤون عباده, العليم بمصالحهم, فيكون يأس الانسان متعرض مع الآية الكريمة: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير)(3). 3- المنتحر مصيره النار كما قال تعالى: تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نــَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا﴾(4). عـــلاجُ الانتحار: 1- تعزيز جانب العلاقة بالله تعالى, وقراءة الآيات الكريمة التي تبث روح التفاؤل والنجاح. 2- ضرورة اتخاذ مرشد صالح للتردد عليه وطلب المشورة منه. 3- الابتعاد عن رفقاء السوء. 4-توعية الناس بمخاطر المخدرات وآثارها. 5- العدالة في تقييم مستوى الطلبة واعطاء كلّ ذي حقٍ حقه. 6- القضاء على أوقات الفراغ واستثمار الوقت بما هو نافع. 7- تشخيص الهدف والتأمل بتحقيقه. 8- ضرورة معرفة أنّ من تأخرت عليه استجابة الله تعالى، فهو عبدٌ يحب الله سبحانه سماع صوت دعائه, "روي عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ إِنَّ الْعَبْدَ لَيَدْعُو فَيَقُولُ الله عَزَّ وَجَلَّ لِلْمَلَكَيْنِ قَدِ اسْتَجَبْتُ لَهُ وَلَكِنِ احْبِسُوهُ بِحَاجَتِهِ فَإِنِّي أُحِــبُّ أَنْ أَسْـمَعَ صَوْتَهُ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَدْعُو فَيَقُولُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَجِّلُوا لَهُ حَاجَتَهُ فَإِنِّي أُبْغِضُ صَوْتَهُ"(5). رواية اخرى: "عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ قَالَ قُلْتُ لأبِي الْحَسَنِ (عَلَيهِ السَّلام) جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنِّي قَدْ سَأَلْتُ الله حَاجَةً مُنْذُ كَذَا وَكَذَا سَنَةً وَقَدْ دَخَلَ قَلْبِي مِنْ إِبْطَائِهَا شَيْ‏ءٌ فَقَالَ يَا أَحْمَدُ إِيّــَاكَ وَالشَّيْطَانَ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْكَ سَبِيلٌ حَتَّى يُقَنِّطَكَ إِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه) كَانَ يَقُولُ إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْأَلُ الله عَزَّ وَجَلَّ حَاجَةً فَيُؤَخِّرُ عَنْهُ تَعْجِيلَ إِجَابَتِهِ حُبّاً لِصَوْتِهِ وَاسْتِمَاعِ نَحِيبِهِ... فَلا تَمَلَّ الدُّعَاءَ فَإِنَّهُ مِنَ الله عَزَّ وَجَلَّ بِمَكَانٍ وَعَلَيْكَ بِالصَّبْرِ وَطَلَبِ الْحَلالِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَإِيَّاكَ وَمُكَاشَفَةَ النَّاسِ فَإِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ نَصِلُ مَنْ قَطَعَنَا وَنُحْسِنُ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْنَا فَنَرَى وَالله فِي ذَلِكَ الْعَاقِبَةَ الْحَسَنَةَ... فَكُنْ بِالله أَوْثَقَ فَإِنَّكَ عَلَى مَوْعِدٍ مِنَ الله أَ لَيْسَ الله عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ وَقَالَ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله وَقَالَ وَالله يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً فَكُنْ بِالله عَزَّ وَجَلَّ أَوْثَقَ مِنْكَ بِغَيْرِهِ وَلا تَجْعَلُوا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا خَيْراً فَإِنَّهُ مَغْفُورٌ لَكُمْ"(6). 9- ضرورة مراجعة طبيب نفسي لبعض الحالات. 10- تعزيز الشخصية والثقة بالنفس. خــاتمة روحيّة: دع اليأس وقُل: ها قد جئتُك يا ربّي وليس لي لسان.. وعلى شَفَتَيَّ ألف كلمة.. إلاَّ أنَّ حروفها ممزوجةٌ بأبديَّة لطفك.. حيثُ لا كتفَ للوجود يتكئ عليه فقط أنت يا ربَّ هناك. فقد انسابَت مِنّي كلمَةٌ مِن وراء الرُّوح.. فَخُذني على ظهرٍ مِن محبَّة ألطافِك.. على مدىً فَوق الزَّمَان.. على وطنٍ حيثُ لا مكان.. دُلّني عل نفسي لأنَّ الطِّين سلبَ منّي بقيّة الوجدان وأشعرني بالخذلان. __________________ (1) الاسراء: 33. (2) يوسف: 87. (3) المائدة:120. (4) النساء:30-29. (5) الكافي: ج2, باب مَن أبطأت عنه الاجابة, ح3. (6) المصدر نفسه, ح1. والحمد لله على حسن القضاء، ودفع البلاء، وصلِ اللّهم وسلّم على محمدٍ وآله الأصفياء. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنتين
6150

حــقوق الإنسان مـابين القانون والشريعة

شهدَ العراق انتهاكات كبيرة بحق أبنائه منذ سنين مضت ولازال، وآخر انتهاكٍ لحقوق أفراده اليوم هو عـدم توفير ماءٍ صالحٍ للشرب في بعض محافظاته وعلى رأسها البصرة الفيحاء. [في شهري آب وأيلول من عام 2018م] ولا أملك للأهالي الكرام فيها سوى الدعاء, وما تسطره حروفي اليوم موضحة للجميع حــق المواطن في توفير مقومات الحياة. للإنسان حق في أن يعيش في وطنه حياة كريمة، وفي أن تتوفر متطلباته الأساسية من طعام وشراب ومسكن, ولابدّ لكلّ دولةٍ من توفير تلك المتطلبات لشعوبها. وسوف أسرد الموضوع ضمن مطالب أربعة, أتناول في الاول منها التعريف بحقوق الإنسان, وفي الثلاثة منها استعراض رأي القانون الدولي, والدّين الإسلامي, ثم المرجعيّة العليا. المطلب الأول: المراد بحقوق الإنسان هي المعايير الأساسية التي لا يمكن للناس من دونها أن يعيشوا بكرامة كبشر, فهي ضمانات عالمية تحمي الأفراد والجماعات من الإجراءات الحكومية التي تمسّ الحريات الأساسية والكرامة الانسانية. وتعد حضارات وادي الرافدين من أقدم الحضارات البشرية وأولها اهتماماً بحقوق الأنسان، إذ تعتبر الوثائق السومرية من أقدم الوثائق التي اهتمت بحقوق الإنسان، من خلال اهتمامها بالقانون والعدالة والحرية، والتي كانت من أساسيات الفكر العراقي القديم من بدأ التدوين (الكتابة) في الألف الثالث قبل الميلاد. الـمطلب الثاني: رأي المواثيق الدولية نصّت المواثيق والاتفاقيات والعهود الدولية على ضرورة احترام حقوق الإنسان وشمولية تطبيقها, فعند انتهاء الحرب العالمية الثانية أُنشئت منظمة دولية تدعى (منظمة الامم المتحدة)، وبفضل ميثاق هذه المنظمة دخلت مسألة حقوق الانسان دائرة القانون الدولي الوضعي، إذ تضمّن ميثاق المنظمة عدّة نصوص بشأن حقوق الانسان. وقد استهلت الامم المتحدة ميثاقها بالعبارات التالية: "نحن شعوب الامم المتحدة قد آلينا على أنفسنا ان ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب...التي جلبت على الانسانية مرتين احزانناً يعجز عنها الوصف وان نؤكد من جديد ايماننا بالحقوق الانسانية للإنسان ولكرامته وقدرته وكما للرجال والنساء والامم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية"(1). كما وأنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي نشر في 10/كانون الأول/1948نصّ على التالي: "لكل شخص الحق في مستوى كافٍ للمعيشة وفي المساعدة الطبية اذا مرض"(2). فها هي النصوص القانونية الدولية كفيلة بتوفير حقوق الإنسان أبسطها وأعظمها، فأين السلطات المختصة مِن الانقياد لذلك وتحقيق سبل العيش لأبناء البصرة الكرام وغيرها من المدن؟! أم إنّها تلجأ للنصوص القانونيّة فقط حال تزامن الانتخابات لتحاول إكساء العملية الانتخابية بثوب المشروعية والأولوية ؟! فـكما أنّ للمواطن حق الانتخاب، فلــه حق الانتفاع مِن ثروات بلده. المـطلب الـثالث: رأي الدِّين الإسلامي: لما كان الاسلام خاتم الأديان السماوية وأنّ الرسول محمد(صلّى الله عليه وآله) هو خاتم الأنبياء والمرسلين، فيعد الاسلام دين البشرية جمعاء, وأنّ حقوق الانسان التي أقرها الاسلام للإنسان هي حقوقاً ليست طبيعية فحسب، بل إنّها نعمة من الله تعالى, اذ لم يترك القرآن الكريم والأحاديث الشريفة امراً يتعلق بحقوق الأنسان الاّ وتحدثا عنه . والموارد الطبيعية هي من حقوق الله تعالى التي وهبها لعباده ، وليست هي حقاً خاصاً لفرد أو فئة أو لجيل عن جيل آخر, بل هي حق عام للبشرية كافة. فقد دعا الإسلام إلى آداب سلوكية عند الانتفاع من تلك الموارد التي من المؤكد أنها تؤثر على الكمية المستهلكة منه. لقد عالج الإسلام مشاكل المياه في التلوث والإسراف وسوء الاستخدام منذ 14 قرناً من الزمان بما قرره من آداب وقواعد وأحكام للمحافظة على الماء وترشيد استهلاكه، فالماء هو مصدر الحياة، والمحافظة عليه تعني المحافظة على الحياة بأشكالها المختلفة. ولو تأملنا في الآيات البينات والأحاديث الشريفة لوجدنا القيم والآداب والأسس والقواعد للمحافظة على الماء وحمايته من التلوث، منها ما يلي: 1- نهى الإسلام عن الإفساد في الأرض، فقال الله تعالى: {كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين}(3), وقال تعالى: {وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض}(4). ومعلوم أنّ تلويث الماء بشتى طرق التلويث المختلفة هو إفساد في الأرض لما يترتب عليه من أضرار جسيمة لكل من يستخدم هذا الماء الملوث من كافة المخلوقات. 2. أقر الإسلام مبدأ (لا ضرر ولا ضرار)، فكل ما يضر بالمسلمين في رزقهم ومأكلهم ومشربهم فقد نهى الإسلام عنه، وتلوث الماء من أكبر أشكال الضرر، حيث يتسبب في حالات كثيرة من إزهاق الأرواح وقتل الأحياء ونشر الأوبئة والأمراض، ودرء هذا التلوث واجب ودافع للضرر. 3- قال أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) في اشارة إلى وجوب المحافظة على الكرامة الإنسانية بما فيها من حقوق مخاطباً الحكّام: "اتقوا الله في عباده وبلاده، فإنّكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم..."(5). المطلب الرابع: رأي المرجعية العليا بالأوضاع الراهنة في محافظة البصرة قال سماحة السيد السيستاني على لسان وكيله : "إنّ محافظة البصرة الفيحاء هي الاولى في رفد البلد بالموارد المالية, وهي الاولى في عدد الشهداء والجرحى الذين قدمتهم في معركة الدفاع ضد عصابات داعش الارهابية ولا تزال تمتلئ شوارعها وازقتها بصور آلاف الشهداء الذين بذلوا أرواحهم في سبيل انقاذ العراق وحماية أهله ومقدساته، فليس من الإنصاف بل ولا من المقبول أبداً أن تكون هذه المحافظة المعطاء من أكثر مناطق العراق بؤساً وحرماناً، يعاني الكثير من أهلها شظف العيش وقلّة الخدمات العامة وانتشار الامراض والاوبئة ولا يجد معظم الشباب فيها فرصاً للعمل بما يناسب امكاناتهم ومؤهلاتهم. وإنّ المسؤولين في الحكومتين المركزية والمحلية مطالبون بالتعامل بجدية وواقعية مع طلبات المواطنين, والعمل على تحقيق ما يمكن تحقيقه منها بصورة عاجلة، ووضع برنامج واضح ومدروس لحل بقية المشاكل القائمة بوتيرة متصاعدة. ويتطلب ذلك اتباع سياسة حازمة وشديدة مع الفاسدين ومنع استحواذهم على موارد البلد بأساليبهم الملتوية" ____________________ (1) ميثاق منظمة الامم المتحدة, الديباجة. (2)الإعلان العالمي لحقوق الإنسان, الحق 28. (3) البقرة: 60. (4) القصص: 77. (5) نهج البلاغة: ج2، ص8. اللّهمّ اكشف هذه الغمّة عن هذه الأمة بظهور وليّك, وعجّل لنا ظهوره, فإنّهم يرونهم بعيدا, ونراهُ قريبا. علوية الحسيني.

اخرى
منذ سنتين
2376

شبهاتٌ عقائدية حول مذهب التشيّع/ في النبوة(2) حول عصمة النبي في تلقي الرسالة الإلهية

المراد من تلقي الرسالة السماوية هو نزول الوحي جبرائيل (عليه السلام) على النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)، فقد يُطرح السؤال: هل كانَ النبيّ معصوماً –عن الكذب والخطأ والسهو والنسيان- حينما تلقى معالم الدّين من جبرائيل الوحي (عليه السلام) ؟ الجواب عن هذا السؤال سيكون ضمن مطلبين يتم فيه سرد رأي الفريقين من الشيعة الإمامية وأبناء العامة مع خلاصة حيادية: المطلب الأول: رأي الشيعة الإمامية في عصمة النبي أثناء تلقي الوحي 1-قال الشيخ الصدوق (قدّس سرّه): "اعتقادنا في الأنبياء والرسل والملائكة والأئمة صلوات الله عليهم أجمعين أنهم معصومون مطهرون من كل دنس، وأنهم لا يذنبون ذنبا صغيرا ولا كبيرا، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ومن نفى العصمة عنهم في شئ من أحوالهم فقد جهلهم"(1)، فبقرينتي (من كل دنس) و (من أحوالهم) نثبت العصمة مطلقاً للنبي (صلى الله عليه وآله)، فالتخيل للوحي، أو الاشتباه في شخصه لهو من الدنس بالنسبة للنبي (صلى الله عليه وآله). 2- سأل زرارة بن أعين الإمام الصادق (عليه السلام): "كيف لم يَخَف رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيما يأتيه من قبل الله، أن يكون مما ينزغ به الشيطان؟ فقال (عليه السلام): إنَّ الله إذا اتخذ عبدًا رسولاً أنزل عليه السكينة والوقار، فكان الذي يأتيه من قبل الله مثل الذي يراه بعينه"(2). فالرواية تبين مصونية النبي (صلى الله عليه وآله) عن اختلاج الشيطان طرفة عين في مرحلة تلقي الرسالة السماوية المقدسة. المطلب الثاني: رأي أبناء العامة في عصمة النبي أثناء تلقي الوحي اشتهرت قصة الغرانيق عند أبناء العامة –رغم انكار البعض لها- إلاّ أنّ هناك من استشهد بها؛ استدلالاً منهم على نفي الغلو بالنبي (صلى الله عليه وآله) مثبتاً عدم عصمة النبي في مرحلة تلقي الوحي من خلال إلقاء الشيطان من نفثه في قلبه (صلى الله عليه وآله)، والأدلة أدناه كفيلة ببيان هذا الكلام وتعضيده. 1- قال شيخ الوهابية عبد العزيز بن باز: " قد أجمع المسلمون قاطبة على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام – ولاسيما محمد – صلى الله عليه [وآله] وسلم – معصومون من الخطأ فيما يبلغونه عن الله عز وجل ، قال تعالى : "والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى * علمه شديد القوى " النجم /1-5 )، فنبينا محمد – صلى الله عليه [وآله] وسلم – معصوم في كل ما يبلغ عن الله قولاً وعملاً وتقريراً ، هذا لا نزاع فيه بين أهل العلم "(3). فالدليل يدل على حصر العصمة في مقام التبليغ فقط، وإن كان ذلك المقام مخروم العصمة وفق معتقدهم. 2-قال ابن كثير في تفسيره للآية الكريمة: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِه}(4) "وقوله : ( إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) ، هذا فيه تسلية له ، صلوات الله وسلامه عليه ، أي : لا يهيدنك ذلك ، فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء . قال البخاري : قال ابن عباس : ( في أمنيته ) إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه ، فيبطل الله ما يلقي الشيطان ويحكم الله آياته . قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( إذا تمنى [ألقى الشيطان في أمنيته]، يقول : إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه"(5). فبهذا الحديث يثبت القوم إلقاء الشيطان في قلب النبي (صلى الله عليه وآله), وإذا أُلقي في قلبه خالجه الشك والسهو والنسيان في جميع مراحل حياته ومقامات مسؤولياته ! 3- قال ابن عاشور في تفسيره للآية أعلاه: " ويجوز أن يكون المعنى أن النبي [صلى الله عليه وآله] إذا تمنى هدي قومه أو حرص على ذلك فلقي منهم العناد, وتمنى حصول هداهم بكل وسيلة ألـقى الــشيطان في نفس النبي [صلى الله عليه وآله] خاطر اليأس من هداهم على أن يقصّر النبي [صلى الله عليه وآله] من حرصه أو أن يضجره، وهي خواطر تلوح في النفس ولكن العصمة تعترضها [ومقصودهم العصمة من الله تعالى] فلا يلبث ذلك الخاطر أن ينقشع ويرسخ في نفس الرسول [صلى الله عليه وآله]"(6). إذاً إنّ إلقاء الشيطان في قلب النبي (صلى الله عليه وآله) ثابتٌ عند القوم، والعياذ بالله من قبح الزلل. 4- جاء في روايات أبناء العامة أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) لا يدري ما نزل عليه وما حلَّ به! قال ابن سعد في طبقاته: "وبعد أنْ هدَأ عنه الرَّوع والخوف، أخبر خديجة بالأمر، وقال: أخشى أنَّه قد اعتراني مــسٌّ من الشيطان [يعني أصابه مسٌ من الجان] أخشى أنَّه قد أصابني مسٌّ من الشيطان، أو اعتراني جنون. فهدَّأتْ خديجةُ من رَوعه، وقالت: أبشر فوالله لا يخزيك اللهُ أبدًا، إنَّك لتصل الرحم، وتصدق الحديث وتحمل الكلَّ وتُقري الضيف وتعين على نوائب الحقّ، فحاولت أن تهدئه، وكان يقول: إنَّ الأبعد -يقصد نفسه- لشاعر، أو مجنون"(7). والــخلاصة: يردّ قول أبناء العامة بالأدلة العقلية التالية: 1- لو لم يكن النبي معصوماً أثناء تلقي الوحي لتبادر إليه الشك في جميع ما اُلقي عليه من معالم الدّين. والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. بيان الملازمة: لو اشتبه النبي (صلى الله عليه وآله) هل أنّ مَن يكلمه ويملي عليه الأوامر والنواهي الإلهية هل هو وحيٌ أم شيطان سيخالج الشك قلب النبي ولا يكون أمامه إلاّ طريقان لا ثالث لهما: أ- أن يؤمن النبي بجميع ما يملي عليه ما يحسبه أنه الوحي. ب- أن يكفر النبي بجميع ما يملي عليه ذلك. والطريق الأول باطل؛ لأنّه شاكٌ في نسبة الوحي إلى الله تعالى، والشك أدنى درجات الظن، والظن لا يغني من الحق شيئا. وإذا تعيّن بطلان الأول تعيّن صحة الطريق الثاني. وهو كما ترى. 2- لو تزامن إلقاء الوحي مع إلقاء الشيطان في قلب النبي للزم أن يكون النبي يجمع بين النقيضين. والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. بيان الملازمة: لو ألقى الوحي على النبي مثلاً آية توجب أداء الصلاة، وخالج الشيطان شكاً لقلب النبي وأمره بعدم أدائها بحجة أنّ الآية ليست من الله تعالى. 3- لو خالج الشيطان قلب النبي للزم أن يكون محل إنكار وعتاب. والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. بيان الملازمة: لو وسوس الشيطان للنبي بأنّ هذا الوحي ليس صادقاً فيما يقول، وأمر النبي قومه بأداء ما جاء به الوحي وامتنع هو عن الأداء لكان مصداقاً لقوله تعالى: (كبُرَ مقتاً أن تقولوا مالا تفعلون) فيعاتبه الله تعالى وينكر عليه فعله. ___________________ (1) الإعتقادات: للشيخ الصدوق، ص108. (2) الكافي: للكليني، ج1،ص271. 3) فتاوى ابن باز: لابن باز، ج6، ص371. (4) الحج: 52. (5) تفسير ابن كثير: لابن كثير، سورة الحج. (6) تفسير التحرير والتنوير: لمحمد بن عاشور، ج17، ص299-300. 9- ظ: الطبقات الكبرى: لابن سعد، ج1، ص195، امتاع المقريزي، ج3، ص26. اللّهم إنّا نعوذ بك من سبات العقل، وقبح الزلل، وصلِ اللّهم على محمدٍ المعصوم مطلقاً والآل. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنتين
2930

الــقرائن الــحاليّة والــمقاليّة في حديث الغدير

حديثُ الغدير حديثٌ تواترت به السنة النبوية, حتى رواه (110 صحابيّاً)و (84تابعيّاً), مضمون الحديث: أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خرج إلى حجّ بيت الله الحرام في السنة العاشرة للهجرة وأتم مناسكه, وحين رجوعه إلى المدينة ووصوله تحديداً إلى غدير خم في الثامن عشر مِن شهر ذي الحجة هبطَ عليه جبرائيل (عليه السلام) مبلّغاً إيّاه آية كريمة مِن الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)(1). وأوّل اجراءٍ اتبعه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو مناداة الحجّاج للاستماع لخطبته, وأمر بردِّ مَن تقدموا عن الغدير, وما إن اجتمع الجميع خطبَ بهم (صلوات الله عليه وآله) فحمدَ الله وأثنى عليه وأخذ إقرار الحاضرين بأصول الدّين توحيداً, ونبوّةً, ومعاداً, وإيصاءً بالثقلين, ثم أخذ بيد قالع الباب ومفرّق الأحزاب عليّ بن أبي طالب (عليه سلام الملك الوهّاب), وقال ثلاث مرّات (مَن كنتُ مولاه فعليٌ مولاه) وسنقرأ الحديث في مصادر أبناء العامة: "عن ‏ ‏البراء بن عازب ، قال : أقبلنا مع رسول الله ‏ (ص[صلّى الله عليه وآله وسلّم]) ‏ ‏في حجته التي حج فنزل في بعض الطريق فأمر الصلاة جامعة فأخذ بيد ‏ ‏علي ‏(ر[عليه السلام]) ،‏ ‏فقال :‏ ‏الست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، قالوا : بلى ، قال : الست أولى بكل مؤمن من نفسه ، قالوا : بلى ، قال : فهذا ‏ ‏ولي ‏ ‏من أنا مولاه ‏، ‏اللهم ‏ ‏وال ‏ ‏من والاه ، اللهم عاد من عاداه"(2). "وعن ‏ ‏زاذان أبي عمر، ‏قال سمعت ‏ ‏علياً ‏ ‏في ‏ ‏الرحبة ‏ ‏وهو ‏ ‏ينشد ‏ ‏الناس من شهد رسول الله ‏ (ص[صلّى الله عليه وآله وسلّم]) ‏ ‏يوم ‏ ‏غدير خم ‏ ‏وهو يقول : ما قال : فقام ثلاثة عشر رجلا فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله ‏ (ص[صلّى الله عليه وآله وسلّم]) ‏ ‏وهو يقول : ‏مَن كنت ‏ ‏مولاه ‏ ‏فعلي ‏ ‏مولاه"(3). نستشف مِن هذا الحديثين قرائن تجعلهما كالنص في أنّ المراد من (المولى) هو الأولى بالتصرّف في شؤون المؤمنين, وليس الناصر أو المحب, كما أُريد تصويره من البعض، والقرائـن هي: أولاً: الــقرائن الــحاليّة: 1- تحمّل هجير الحر ووعثاء السفر. 2- حبس الحجّاج وإرجاع المتقدّم منهم. 3- حشرهم في أرض صحراء ليسمعوا الخطاب جيداً دون تأثيرات حفيف الأشجار. وجميع هذه القرائن لا يعقل معها أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يريد أن يقول للناس: هذا ابن عمي هذا محبٌ أو ناصرٌ لي فأحبّوه! بـــل المراد بالولي هو الخليفة المتصرّف في شؤون العباد بـعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم). ثانياً: القرائـن المقالـيّة: 1- قول النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): " ألستُ أولـــى بكم مِن أنفسكم" ثم نقل الأولوية هذه إلى عليّ (عليه السلام) " فعليٌ مـــولاه" أي إنّ علياً أولـــى بكم مِن أنفسكم, فهو المتصرف في شؤون العباد, وبدلالة ما أخرجه الطبراني في المعجم: " عن جرير البجلي : قال : شهدنا الموسم في حجة رسول الله صلى الله عليه[وآله] وسلم وهي حجة الوداع ، فبلغنا مكانا يقال له غدير خم . فنادى الصلاة جامعة فاجتمع المهاجرون والأنصار، فقام رسول الله صلى الله عليه[وآله] وسلم وسطنا ، قال : يا أيها الناس بم تشهدون ؟ قالوا: نشهد أنّ لا إله إلا الله . قال : ثم مه ؟ قالوا: وأنّ محمدا عبده ورسوله . قال : فمن وليكم ؟ قالوا: الله ورسوله مولانا . ثم ضرب بيده إلى عضد علي[عليه السلام] فأقامه فنزع عضده فأخذ بذراعيه فقال: من يكن الله ورسوله مولاه فإن هذا مولاه . اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. اللهم من أحبه من الناس فكن له حبيبا ومن أبغضه فكن له مبغضا. اللهم إنّي لا أجد أحدا استودعه في الأرض بعد العبدين الصالحين فاقض فيه بالحسن."(4). فهذا الحديث يدل على أن المولويّة هي التصرّف في الشؤون, من خلال عدّة وجوه، نذكر منها: (5): الأول: إنّ المتبادر من (الولي) كما يظهر من جواب القوم لسؤال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إياهم "فمن وليكم ؟ " بقولهم " الله ورسوله مولانا " هو " ولـي الأمر " وإلا لما خصوا ذلك وحصروه في " الله ورسوله " . وعليه فيجب حمل ( الولي ) على " ولي الأمر " في الأحاديث التي وردت هذه اللفظة بحق أمير المؤمنين بعين ما حمل الصحابة هذه اللفظة في قول النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم): " فمَن وليكم " تدل على الـمتصرف في الأمور . الثاني: إنّ هذا الحديث ظاهر في أنّ ( المولى ) في قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): " فإنّ هذا مــولاه " وفي قوله: " مَن يكن الله ورسوله مولاه " بمعنى واحد، وقد علم من جواب الأصحاب - حيث حصروا هذا المعنى في الله ورسوله - أنّه لــــيس المراد المحب أو الناصر أو المحبوب - لعدم كون هذه المعاني منحصرة لله ورسوله - بل المراد هو الولاية في التصرف فإنّها الثابتة لله ولرسوله ولا يستحقه إلا الله ورسوله . وأيضا : فإنّ جواب الأصحاب ظاهر في اتحاد (المولى) و (الولي) في المعنى؛ لأنّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) سألهم : " فمَن وليكم ؟ " فأجابوا قائلين : " الله ورسوله مــولانا " . _______________________________ (1) المائدة: 67. (2) سنن ابن ماجه - كتاب المقدمة - أبواب في فضائل أصحاب رسول الله (ص[صلّى الله عليه وآله وسلّم]) - باب فضل علي بن أبي طالب (ر[عليه السلام]), ح 116. (3) مسند الإمام أحمد بن حنبل - مسند العشرة المبشرين بالجنة - مسند الخلفاء الراشدين- ومن مسند علي بن أبي طالب (ر[عليه السلام]), ح 642. (4) كنز العمال: 15/12 . (5) خلاصة عبقات الأنوار: 327. علوية الحسيني.

اخرى
منذ سنتين
2293

من أسئلتكم

السائل: كيف نثبت وجود (الله) تعالى للأطفال؟ المجيب: من الأسئلة المتوقعة من الأطفال، وفي الحقيقة هي من الأسئلة المربكة جداً للآباء، هي السؤال: أين الله؟ ما هو الله؟ كيف أعرف أنّ الله موجود؟ هذه الأسئلة التي تصدر من الأطفال، والتي تحكي عفويتهم من جهة. وتحكي أيضاً فطرتهم في البحث عن المعبود من جهة ثانية. وتحكي عن نفس توّاقة لمعرفة المجهول من جهة ثالثة. تلك الأسئلة محيّرة للآباء ومربكة لهم، باعتبار: أولاً: إن بعض الآباء ربما هو لا يعرف ما هو جواب تلك الأسئلة! ثانياً: إنّ مدارك الطفل ما زالت طرية، لا تُجيد الخوض في المفاهيم الفلسفية، ولا تُدرك ما وراء الطبيعة، ولا تفهم الأشياء إلا بالمنظار الحسّي. وبالتالي، فمن الصعب بيان حقيقة الذات المقدسة وأنها ذات غير مادية ولا مرئية، وأنها حقيقة عالية جداً بحيث يستحيل إدراكها. وكذلك من الصعب إقامة الأدلة الفلسفية والكلامية للأطفال في تلك الأعمار. ولكن هذا لا يُعطينا المبرّر للتملص من الإجابة عن مثل تلك الأسئلة، لأنّ فشلنا في الإجابة المقنعة لهم، سيؤدي بهم إلى الغرق في أوهام لا نعرف عمقها. وسيترك في نفوسهم فراغاً هائلاً، وربما تبقى عقدة التشكيك في نفوسهم إلى أنْ يكبروا، وقد تتلقّفهم التيارات الإلحادية أو المنحرفة، ولات حين مندمِ. فكيف نجيب عن سؤال الأطفال: ما هو الله؟ أين هو الله؟ الجواب: في الحقيقة، نحن مضطرون في المراحل العمرية الأولى للأطفال بأنْ نستعين بالتمثيل والتشبيه الحسي، لنوضّح لهم الصورة ولو من بعيد. وهنا عدة مراحل للأجوبة المناسبة للأطفال، أو لكيفية إفهامهم وجود الإله والإيمان به: المرحلة الأولى: وهي المرحلة التي يتعايش الطفل فيها مع الأمور المحسوسة تماماً، وهذا يكون في السنوات الثلاثة أو الأربعة الأولى من عمره.. وفي مثل هذا العمر يمكننا أنْ نجيب عن السؤال السابق بأن نقول لهم: إن الله تعالى موجود معنا في كل مكان. هذا الجواب لا يستطيع الطفل أنْ يفهمه بسهولة، لذلك، لا بدّ من التمثيل الحسي له، فنعمل على أنْ نخرج معه في النهار، وأنْ نصعد بالسيارة ونمشي لمسافات طويلة نسبياً، ونقول له: انظر إلى الشمس، إنها موجودة في بيتنا، وما زالت معنا رغم أننا مشينا مسافة طويلة، ونعمل على أنْ نفهمه بأن هناك موجودات يمكنها أنْ تكون معنا أينما ذهبنا. وينجح الأمر أيضاً في ليلة مقمرة، حيث نشير إلى أنّ القمر يمشي معنا أينما ذهبنا. إنّ هذه الفكرة تجعل الطفل يُدرك بوضوح بأنّ هناك موجودات يمكنها أنْ ترافق الإنسان لأماكن بعيدة. ولكن هذا لن يستمر طويلاً، حيث إنّ الولد أو البنت سيكبرون بسرعة، وسينتبهون إلى أننا عندما ندخل البيوت، فإنّ الشمس أو القمر سوف ينسحبان من مرافقتنا. وعندها ننتقل إلى مرحلة ثانية من الجواب: المرحلة الثانية: عندما تتطور مدارك الطفل قليلاً، خصوصاً عندما يدخل المدرسة. عندها يمكننا أن نستخدم بعض الأمور التي لها آثار محسوسة، رغم أنها غير معلومة الكنه والحقيقة لدينا. فمثلاً ندخل معه إلى غرفة من البيت من دون أنْ نشغل فيها أي جهاز كهربائي. ثم نقول له: هل رأيت الكهرباء؟ وهل تعرف حقيقتها؟ وكيف تعرف أنها موجودة الآن؟ عندها سيقول، أو على الأقل أنت تقول له: إننا لا نعرف حقيقة الكهرباء، ولكننا يمكن أنْ نعلم بوجودها من خلال بعض الآثار. فننظر إلى (المروحة) مثلاً ونقول له: كيف نعرف أنّ الكهرباء موجودة من خلال المروحة؟ لا شك أنه سيقوم ليشغّل مفتاحها ثم يرى: فإنْ تحركت فإنه سيقول: إن الكهرباء موجودة، وإلا فسيقول: إنها غير موجودة. ونجرب الأمر أيضاً مع المصباح الكهربائي. وعندها نقول له: انظر، فهناك أمور لا نحسها ولا نراها ولكننا نُحس بآثارها. وهكذا (الله) عز وجل، فرغم أننا لا نراه، لأنه أعلى منّا وأعظم، ولا يمكننا أن نصل إليه ، ولكننا نُحس بآثار وجوده، فهذه الموجودات كلها مخلوقة له تعالى. المرحلة الثالثة: علينا أنْ نركز في أذهان أولادنا دائماً مفاهيم الرحمة الإلهية والحب والعطف والكرم والجود الإلهي، ولا نخوفهم منه جل وعلا بنار جهنم. إذ لعلّهم يرسمون صورة سيئة عن الإله الذي لا شُغل له إلا معاقبة عبيده وترويعهم بالنار! فبدلاً من أنْ تقول الأم لولدها : إذا لم تصلِّ فسيرميك الله في النار، لتقل له: إنْ صليت أعطاك الله الجنة. وبدلاً من أنْ تخوفه بالنار لو خالف أمرها، لتقل له: إنك أنْ سمعت كلام أمك ولم تسبب الأذى لها فإن الله تعالى سيساعدك على النجاح في المدرسة، وهكذا. المرحلة الرابعة: علينا أنْ نعمل على تقريب أولادنا من الله تعالى برسم صورة الإله الرحيم.. ولكن في نفس الوقت علينا أنْ نعلمهم أنّ احترام الإله ضروري جداً، ولأنه يعلم بنا، فلا بد أنْ لا نخالف أمره، حتى نكون محبوبين عنده. وينفع هنا كثيراً أنْ نضرب له مثلاً بمعلمه الذي يحبه كثيراً، ونقول له: لو كان معلمك يراك من خلال كاميرا مثلاً، هل ستخالفه؟ وسيكون الجواب واضحاً ومقنعاً له بلا شك. _______________________ من كتاب التربية مفهومها وخطواتها العملية.

اخرى
منذ سنتين
1106

نـفــحاتٌ مــلكوتيــة من الــخطاب الــزينبي (٢) " أمن العدل ـ يابن الطلقاء ـ تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله سبايا ، قد هتكت ستورهن ، وأبديت وجوههن؟!

نفحةٌ اخرى نستشفها مِن خطاب السيّدة زينب (عليها السلام) في مجلس الطاغية يزيد بن معاوية (عليه اللعنة) حيث استفتحت السيّدة عبارتها التساؤلية هذه بالعدل، إذ إنّ من أهم الشرائط الواجب توفرها في الحاكم هو الــعدل، لكن هل هناك تشكيك في عدم عدالة الطاغية حتى تستفهم السيّدة عن ذلك؟ أم أنّ للخطاب منحى بليغاً؟ ولماذا اختارت السيّدة كنية (ابن الطلقاء) تحديداً؟ وأيّ سترٍ لحرائر آل محمّد هتك؟ هذا ما سيتم معرفته في بيان اجمالي لهذا المقطع. وعليه سيتم بيانه ضمن ثلاث نواحي. الناحية الاولى: الناحية التاريخيّة إذا تتبع القارئ كتب التأريخ يجد أنّ كلمة (الطلقاء) كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أول مؤسس لها حين فتح مكة، حيث إنّ في "هذه الكلمة إشارة إلى ما حدث يوم فتح مكة ، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما فتح مكة ـ وصارت تحت سلطته ـ كان بإمكانه أن يقتلهم لما صدرت منهم من مواقف عدائية وحروب طاحنة ومتتالية ضد النبي الكريم [صلى الله عليه وآله] ـ بالذات ـ وضد المسلمين بصورة عامة ، لكنه رغم كل ذلك التفت إليهم وقال لهم: يا معاشر قريش! ما ترون أني فاعل بكم ؟ قالوا : خيراً ، أخ كريم ، وابن أخ كريم قال لهم : اذهبوا فأنتم الطلقاء" (1) وكان فيهم : معاوية وأبو سفيان. "ويزيد هو ابن معاوية، وحفيد أبي سفيان، ويطلق عليه (ابن الطلقاء) إذ قد يستعمل ضمير الجمع في مورد التثنية. أما معنى كلمة « يا بن الطلقاء » فالطلقاء ـ جمع طليق ـ : وهو الأسير الذي أطلق عنه إساره ، وخلي سبيله. إن رسول الله (صلى‌ الله‌ عليه ‌وآله) فتح مكة ، فصارت البلدة ومن فيها تحت سلطته وقدرته ، وكان بإمكانه أن ينتقم منهم أشد انتقام ، وخاصة من أبي سفيان الذي كان يؤجج نار الفتن ، ويثير الناس ضد رسول الله ، ويقود الجيوش والعساكر لمحاربة النبي والمسلمين ، كما حدث ذلك يوم بدر وأحد ، وحنين والأحزاب ، وهكذا ابنه معاوية الذي كان على دين أبيه ، ولكن الرسول الكريم أطلقهما وخلى سبيلهما في من أطلقهم"(2). الناحية الثانية: الناحية البلاغية الاستفهام الذي نطقت به السيّدة البليغة (عليها السلام) بقولها: أ مِن العدل...؟! ليس للحصول على إجابة؛ لأنّ حقيقة عـدم عدالة الطاغية يزيد بن معاوية (عليه اللعنة) واضحة للجميع وضوح الشمس في رابعة النهار، بـل للاستفهام معانٍ اخرى, واستفهام السيّدة (عليها السلام) كان للتوبيخ والتقريع، "إذ قد تخرج ألفاظ الاستفهام عن معانيها الأصلية لمعانٍ اخرى مِن سياق الكلام كالنفي... والتوبيخ..."(3). والمراد بالتوبيخ: "التهديد والتأَنيب واللوم، يقال: وبَّخت فلاناً بسوءٍ فعله توبيخاً"(4). ولو ربطنا بين الناحية التاريخيّة والبلاغية، بدمج الحادثة التي ذكرها التاريخ من اطلاق سراح رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأبي يزيد: معاوية (عليهما لعنة الله) وبين استفهام السيّدة (عليها السلام) التوبيخي للطاغية ابن معاوية، لتجلى لنا مغزى السيّدة مِن لومها للطاغية وتأنيب ضميره على مقابلته لجزاء الإحسان الذي تفضل به جدّها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لأبيه -إطلاق سراحه- بالإساءة لحفيدات آل محمّد، فقابلَ الإحسان بالإساءة، وماذا يُرتجى ممن جاز عن وجهته ونكص على عقبه وألفاه الشيطان مستجيباً لدعوته؟! الناحية الثالثة: الناحية الأخلاقيّة إنّ المتتبع لسيرة يزيد (عليه اللعنة) القبيحة يجدها سيرة تخجل الحروف من أن تكوّن كلمات يقرأها الدني والشريف, حيث يذكر الذهبي -أحد علماء أبناء العامة- : "وروى الواقدي بإسناد ، قال : لما وثب أهل الحرة ، وأخرجوا بني أمية من المدينة ، بايعوا ابن الغسيل على الموت ، فقال : يا قوم والله ما خرجنا حتى خفنا أن نرجم من السماء ، رجل[يزيد] ينكح أمهات الأولاد ، والبنات ، والأخوات ، ويشرب الخمر ، ويدع الصلاة"(5). فهكذا كان ديدن الطاغية يزيد قبل أن يتولى الخلافة المزعومة وأثناء ذلك، وحتى مماته، ويؤيد ذلك روايات وردت في كتب أبناء العامة –على اختلافها- الذين يقولون بفسق يزيد، حيث تتفق جميعها على أنّ يزيداً هلكَ وهو ثمل، يتراقص كالسفيه، حيث يقول ابن حبان: "وتوفى يزيد بن معاوية بحوارين قرية من قرى دمشق لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين وهو يومئذ بن ثمان وثلاثين، وقد قيل : إن يزيد بن معاوية سكر ليلة وقام يرقص فسقط على رأسه وتناثر دماغه ، فمات وصلى عليه ابنه معاوية بن يزيد"(6). ومن سيرته (عليه العنة) نحكم بأنّه غير عادل -فاسق-، وأنّه لا أخلاق نبيلة له, وهذا ما أشارت إليه السيّدة زينب (عليها السلام) بمقولتها المتقدمة. ولمناقشة تلك المقولة أخلاقياً نقول: أنّ مَن كانَ يهوى الخمور والجواري والقردة لا يُستبعد منه أن يأمر بقتل سبط النبي, وسبي حرائر الوصي، وأما قول السيّدة (تخديرك حرائرك) فهو لا يعني أنّه كان يأمر أهله بارتداء الخدر بالمعنى المتعارف عند حرائر آل محمّد (صلى الله عليه وعليهن وآله)، فشتّان بين الثرى والثريا في ذلك، بـل ويستحيل أن يأمر ذلك الفاسق الفاجر حرائره –زوجه وجواريه- بالتستر وهو لا يعرف من الإسلام إلاّ اسمه، وإنّما مقصد السيّدة بأن الخدر هو المتعارف لغةً، وهو: " سِتْرٌ يُمَدُّ للجارية في ناحية البيت ثم صار كلُّ ما واراك من بَيْتِ ونحوه خِدْراً"(7) أي أ من العدل يا ابن الطلقاء استتار حرائرك وإمائك في بيوتهن وحرائر الرسالة بلا استتار ؟! وأما قول السيّدة (وســوقكَ بنات رسول الله سبايا) ففيه دلالة واضحة على أنّهن (عليهم السلام) قد رُبطْن بالحبال والسلاسل، والأرجاس تسوقهم, وقد أشار إلى تلك اللفظة القرآن الكريم بقول الله سبحانه: {وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ}(8) أي يتولى أمر مسيرها. ولا اوافق شرّاح الخطبة الزينبية في شرحهم لهذه الفقرة؛ إذ هناك مَن شرحها قائلاً: ((أنّ السوق هو حثّهم على المسير من القفا كما تُحث الماشية على السير)) وما اعتراضي على المثال المضروب بـل على تصوير حال سليلات الطهر بالجبن، نعم جميعنا نشهد أنّهن (عليهن السلام) استصعبن أمر السير مع الأجانب فضلاً عن كونهم أعادياً، والدخول لمجالس الرجال فضلاً عن كونها حفّت بالشريف والوضيع ، والدنيء والرفيع. وإن كان يتوقع صدور كلّ تصرفٍ دني من اولئك الجنود تأسياً بحاكمهم، لكن لابد من عدم خدش الهالة المقدسة لحفيدات النبي (عليه وعليهن وآله السلام) أثناء سرد القصة أو شرح الخطبة. لكن ممكن تخريج العبارة باحتمال مراد الشرّاح بأنّ جنود الطاغية (عليهم وعليه اللعنة) كانوا يحثون سليلات الخدر والعفاف (عليهن السلام) بالضرب بالسياط. وبالنسبة لعبارة السيّدة: (هتكت ستورهن واُبديت وجوههن) فيقول السيّد محمد كاظم القزويني (قدس سره): "فبعد أن كن مخدرات مستورات ، لا يرى أحد لهن ظلاً ، وإذا بهن يرين أنفسهن أمام أنظار الرجال الأجانب ، وبعد أن كن محجبات .. وإذا بالأعداء قد سلبوهن ما كن يسترن به وجوههن .. من البراقع والمقانع"(9). فالستر المهتوك الذي أشارت إليه السيّدة تفجعاً هو رؤية الرجال لشخوصهن وظلهن بخروجهن من بيوتهن، ولهذا سبقت هذه الجملة بعبارة (تخديرك لحرائرك وإمائك) وقد عرفنا معنى الخدر وهو ستار يمد في ناحية البيت عن الأنظار، فالستر المهتوك عن سليلات الطهر هو اخراجهن من بيوتهن حيث موضع سترهن. فما أدق نسق العبارات! وأما تفصيل عبارة (ابديت وجوههن) فأعتذر -من المولى صاحب الزمان (عجّل الله فرجه الشريف)، ومِن كل من يقرأ المقال- عن بيان المقصد، فوالله في العين قذى، وفي الحلق شجى، وفي اليدين أذى من شرح تلك العبارة. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ سينقلبون. والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمدٍ وحرائره وآله الطيبين الطاهرين. ______________________ (1) السيرة النبوية: ابن هشام، ج 4، ص 41، وبحار الأنوار، ج 21، ص 106. (2) زينب الكبرى من المهد إلى اللحد، ص417. (3) البلاغة الواضحة، 199. (4) لسان العرب, وبخ. (5) سير أعلام النبلاء - ومن صغار الصحابة - عبد الله بن حنظلة، ج3، ص324. (6) الثقات - السيرة النبوية، ج2، ص314. (7) لسان العرب، خدر. (8) ق: 21. (9) زينب الكبرى من المهد إلى اللحد، ص420. لكِ نثار من السماء يلفك بالصبر والصلوات *** أذهلني ذلك الخطب يا سيّدة المخدرات كم مِن نفحةٍ أفضتِها عليّ من خطبك البالغات *** وجيهة بكِ ومقتدية لي عند الله دعوات فسلامٌ عليكِ يا من أصبحتِ للخدر مرآة علوية الحسيني

اخرى
منذ سنتين
4437