Profile Image

علوية الحسيني

دُعـاةٌ صادقون

بسم الله الرحمن الرحيم {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبا}(1) صدق الله العلي العظيم. إنّ طريق الدعوة إلى الله تعالى ببيان أركانه الثلاثة من اصول وفروع وأخلاق لـهو طريق الأنبياء والأولياء، وإنّ السالك فيه ينال من التشريف مالم ينله غيره، وفي قبال ذلك عليه أن يتحلى بما تحلّى به الأنبياء والأوصياء، مقتفياً للآثار، متجاوزاً الظروف والأقدار، راجياً رضا العزيز الجبار، مستغنياً عن مدح الصغار والكبار، متجنّباً ما للتكبر من آثار. وخيرُ محلّ شاهدٍ على كلامنا هي دعوة الإمام الكاظم (عليه السلام) إلى دين الله تعالى وهو في أحلك الظروف. حيث "كانت بعض الأقاليم الإسلامية التي تدين بالإمامة ترسل عنها مبعوثاً خاصاً للإمام (عليه السلام) حينما كان في سجن السندي، فتزوده بالرسائل، فكان (عليه السلام) يجيبهم عنها، وممن جاءه هناك علي بن سويد، فقد اتّصل بالإمام (عليه السلام) وسلّم إليه الكتب فأجابه (عليه السلام)"(2). فما قدّمه لنا إمامنا الكاظم (عليه السلام)، يشير إلى أنّهُ (عليه السلام) تحدّى الصعاب، واستشعر عِظَم مسؤوليته الشرعيّة، وأهمية تثقيف عيال الله بما يحقق سلامة عبادتهم فيحلّقوا في سماء الفضيلةِ والرضوان بواسطتهم. نعم- لكل فعلٍ ردّة فعل سلباً أو إيجاباً، وكما كان لحملة الرسالة السماوية اولئك أعداء، فلمن سار على نهجهم أعداء أيضا، لكن والله وبالله وتالله لايُباليَنَّ أحدنا بما يقوله البعض مِن تسقيطاتٍ وتشويهات، وسفاهاتٍ وترّهات، بحق الحوزة العلمية وعملها، بل المؤمّل هو وعد إمام الزمان بالسعي قدر المستطاع والتوفيق للتمهيد والنصرة. فهناك من الدعاة مَن حملوا همَّ الدعوة، فتركوا الأهل والإخوان وملاذّ النفوس، وبذلوا الأموال والأوقات والجهود، بل وتركوا طعم الرقاد. وإنّ كثيراً منهم ليدعو إلى الله سبحانه، ويجاهد في الدعوة إلى دينه جلّ شأنه، وهو يعاني من قلّة ذات يد، وكثرة عيال، وتكالب أشغال، وآلام مرض، وعتاب زوجة، وضياع مصالح، ورغم ذلك لا يبالون إلاّ بالدعـوة، هم مشغولون بكيفية إعداد الصفوة، فمنهم من يسجد شكراً لله على توبة أحد العصاة، وثاني يبكي حسرة على موت شاب على معصية، وثالث يعتنق أحد التائبين فيشاركه دموع التوبة ، ورابع لا يرى تجمعاً للشباب إلاّ وصار رفيقهم وناصحهم، وخامس ما يتناهى لمسمعه صوت غناء إلاّ بادر صاحبه بشريط ذكر ووعظ، وسادس ما ترك سجناً ولا دار رعايةٍ أو إصلاحٍ أو مدرسةٍ أو محفلٍ -حتى للمعاقين- إلاّ وبلّغ فيه، وسابع يسير ومعه أشرطة وكتيبات هداية يهديها لمن يلاقيه، وثامن وتاسع وعاشر... . ولله درّ من سار على هذا النهج القويم، لما نراه اليوم من تفكك المجتمع وانسياب فكري لبعض أفراده، فيتوجب عقلاً وجود دعاة مصلحين صادقين في القول والفعل، يدعون إلى ربّهم بالحكمة والموعظة الحسنة، فكم من تائب تاب على أيديهم فغدا طالب علمٍ، أو إمام مسجدٍ، أو مؤذن جامعٍ، أو داعية خيرٍ، أو عالم أمةٍ، أو رب أسرةٍ مصلحٍ؛ لما في شخصية الدعاة من مقومات التأثير في الآخرين والتي منها: 1. الميل العاطفي والمحبة القلبية للعباد، ويؤيد ذلك القاعدة الكلية الشرطية التي جاءت في القرآن الكريم بقوله تعالى: { وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِك}(3) فالداعية لا يكسب قلب من يدعوه إلاّ إذا أحبه وشعر منه العطف والرفق وحب الخير له ابتداءً. 2. السيرة الحسنة، وهي اللبنة الأولية التي توجب التفاف الناس حول الدعاة وجذبهم إلى الخير، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيم}(4). 3. الإقناع العقلي والحجة العلمية كلٌّ حسب درجة إدراكاته بالحكمة والموعظة الحسنة، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين}(5). 4. مشاركة المجتمع همومه ومعالجة قضاياه، ويؤيد ذلك قول المعصوم: "من أصبح ولم يهتم بأُمور المسلمين فهو ليس بمسلم"(6). 5. الموازنة بين اسلوب الترغيب والترهيب، تماماً كما هو ديدن القرآن الكريم، ويؤيده ما عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال لعبد الله بن جندب: "يَا ابْنَ جُنْدَبٍ يَهْلِكُ الْمُتَّكِلُ عَلَى عَمَلِهِ وَلَا يَنْجُو الْمُجْتَرِئُ عَلَى الذُّنُوبِ الْوَاثِقُ بِرَحْمَةِ الله، قُلْتُ: فَمَنْ يَنْجُو، قَالَ: الَّذِينَ هُمْ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ كَأَنَّ قُلُوبَهُمْ فِي مِخْلَبِ طَائِرٍ شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ وَخَوْفاً مِنَ الْعَذَابِ‌"(7). 6. احترام الآخرين وعدم الاستهزاء بمعاصيهم أو مواقفهم، فكلّ ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْم}(8). 7- الابتعاد عن تزكية نفسه، حيث قال تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ}(9) والحرص على إتقان أدب السماع والإصغاء لغيره، و إعطاء الفرصة للآخرين ليفصحوا عما في أنفسهم. وأمّا عن فضل الدعوة في الجانب الروائي فأُذكّر نفسي وجميع طلبة العلم بهذه الروايات الشريفة التي تحث على نشر العلم، ومذاكرته، ومدارسته، وفضل نشره، التي هي دستور الدعاة الصالحين. فقد حثَّ الإمام الباقر (عليه السلام) على نشر العلم وتعليمه للناس ، وإشاعته في الأوساط المختلفة ، ونهى عن كتمانه، بقوله (عليه السلام) : "من علّم باب هدى فله أجر من عمل به ، ولا ينقص اُولئك من اُجورهم شيئاً..."(10). وقال (عليه السلام) : "رحم الله عبداً أحيا العلم... يذاكر به أهل الدين وأهل الورع"(11). وجعل على العلم زكاة فقال : "زكاة العلم أن تعلّمه عباد الله"(12). كما جعل تذاكر العلم ومدارسته صلاة ، فقال : "تذاكر العلم دراسة ، والدراسة صلاة حسنة"(13). وروي عن الإمام أبي الحسن علي بن محمد الهادي عليه السلام أنّه قال: "لَـوْ لا مَنْ يَبْقى بَعْدَ غَيْبَةِ قائِمِكُمْ علَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ العُلَماءِ الدَّاعينَ إِلَيْهِ، وَالدَّالِّينَ عَلَيْهِ، والذَّابِّينَ عَنْ دينِه بِحُجَجِ اللهِ، وَالمُنْقِذينَ ضُعَفاءِ عِبادِ اللهِ مِنْ شِباكِ إِبْليسَ وَمَرَدَتِهِ، وَمِنْ فِخاخِ النَّواصِبِ، لـمّا بَقِيَ أَحَدٌ إلاّ ارْتَدَّ عَنْ دينِ اللهِ. وَلكِنَّهُمُ الذينَ يُمْسِكونَ أَزِمَّةَ قُلوبِ ضُعَفاءِ الشّيعَةِ كَما يُمْسِكُ صاحِبُ السَّفينةِ سُكَّانَها، أولئِكَ هُمُ الأَفْضَلونَ عِنْدَ اللهِ عز وجل"(14). وروي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ : "قَرَأْتُ فِي کِتَابِ عَلِيٍّ إِنَّ اللَّهَ لَمْ یَأْخُذْ عَلَى الْجُهَّالِ عَهْداً بِطَلَبِ الْعِلْمِ حَتَّی أَخَذَ عَلَی الْعُلَمَاءِ عَهْداً بِبَذْلِ الْعِلْمِ لِلْجُهَّالِ لِأَنَّ الْعِلْمَ کَانَ قَبْلَ الْجَهْلِ"(15). وكفى بذلك دليلا. _____________________ (1) الأحزاب: 39. (2) حياة الإمام موسى الكاظم عليه السلام، 2 / 492. (3) آل عمران: 159. (4) القلم: 4. (5) النحل: 125. (6) أصول الكافي، باب الاهتمام بأمور المسلمين، ح1. (7) مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، ج 11، ص 226. (8) الحجرات: 11. (9) النجم: 32. (10) الكافي : 1 / 35 . (11) المصدر السابق : 1 / 41 . (12) المصدر السابق : 1 / 41 . (13) المصدر السابق : 1 / .41. (14) التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السلام: ص344، ح225. الاحتجاج: ج1، ص18. (15) اصول الكافي، ج1، ص42. اللّهم وفّقنا وجميع المشتغلين للعلم والعمل الصالح، وأجرِ للناس على يدينا الخير ماحيينا، والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمدٍ وآله الطاهرين. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنتين
1690

مِن أسئـلتكم

السائل: السلام عليكم هل أصحاب الجنة يرون الله تعالى؟ المجيب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته جميعنا يقرأ عبارات الآيات القرآنية والروايات الشريفة التي يظهر منها إمكان رؤية الله تعالى، من قبيل ما جاء في الآية الكريمة: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ *إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}(1) وفي مناجاة الراغبين : ((والزلفى لــديك، والتمتع بالنــظر إليك)). وفي مناجاة المحبين : ((واجتبيته لـمشاهدتك)). وفي مناجاة المتوسلين : ((وأقررت أعينهم بالـنظر إليك يوم لقائك)). وفي مناجاة المفتقرين : ((وشوقي لا يبله إلاّ النظر في وجـهك)). وفي مناجاة الذاكرين : ((ولا تسكن النفوس إلاّ عند رؤيـاك)). وفي مناجاة الزاهدين : ((وأقرر أعيننا يوم لقائك برؤيتــك)). فكل ما في هذه العبارات ينصرف إلى الرؤية الفؤاديّــة والرؤية بــعين القلب والبصيرة، وليــــس الرؤية بالعين الباصرة ؛ لأنّ رؤية الله عز وجل بالعين مُــمتنعة عقلاً وممنوعة نقلاً. ووجه hمتناع رؤية الله تعالى عقلاً هو: إنّ هناك موجودات مادية – مكن أن ترى كالمخلوقات المرئية- واخرى غير مادية – لا يمكن أن ترى كالروح وذرات الكهرباء- . فإذا عجزت العين البصرية عن رؤية الموجودات غير المرئية فكيف ترتقي وتبصر خالق تلك الموجودات الذي يجب أن يكون أكمل منها ؟! ولهذا يقال: مَن عرفَ نفسه فقد عرفَ ربّه، فهناك تلازم بين ذا وذا، وحيث أنّ كليهما غير متحقق إذاً ثبت عقلاً امتناع معرفة ورؤية الله تعالى. وبعبارةٍ اخرى: لو أمكن رؤيته تعالى لهيمنت عليه أبصارنا وأحاطت به فيكون الرائي(نحن المخلوقات) أقوى وأكمل من المرئي(الله سبحانه) وهذا باطل عقلاً؛ إذ جميعنا يشهد على نفسه بالافتقار إليه تعالى فكيف تنقلب الموازين هنا بجعل الله تعالى فقيراً عن التجرد تحده أبصار مخلوقاته ! وباختصار: أن الله تعالى موجود مجرد عن المادة تماماً، فلا يمكن أن يُرى بالعين المجردة لأنها تقتضي المادية والكون في جهة ووو. أي إنّ الله سبحانه أخبرنا أنّه لامثيل له حتى نجري قانون الرؤية عليه –وسائر ماي نطبق على المخلوقات-، فالعين لا تدرك الاّ الأجسام أو صور الأجسام، والله تعالى ليـــس بجسمٍ ولا صورة جسمٍ حتى تحيط أعيننا به. أمّا وجه امتناع رؤيته تعالى نقلاً فهو: وذلك قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير}(2). كما ويقول سبحانه: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير}(3) فالنفي الوارد في الآية واضح؛ معللاً سبحانه بالسبب من عدم رؤيته تعالى بأنّه هو الذي يدرك الأبصار ويحيط بهم حيث هو خبير بشؤون أصحاب الأبصار، وليس العكس. وكذلك قول الإمام زين العابدين (عليه السلام) في مناجاة العارفين : ((وانــــحسرت الأبصار دون النظر إلى سُبحاتِ وجهك )) ومن كلام لأمير المؤمنين (عليه السلام) ، وقد سأله ذعلب اليماني "فقال : هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين ؟ فقال (عليه السلام) : أ فأعبد ما لا أرى ؟ فقال : وكيف تراه ؟ فقال : لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ، ولكن تدركه القــلوب بــحقائق الايمان لا يعرف بالقياس، ولا يدرك بالحواس، ولا يشبَّه بالناس، موصوف بالآيات، معروف بالعلامات، لا يجور في حكمه، ذلك الله لا إله إلا هو"(4). فالإنسان المؤمن إذا وصل إلى أعلى مراتب الإيمان بحيث حصل له القطع واليقين والعلم المتين بــوجود الخالق العظيم من خلال الآثار والحقائق والآيات الدالة عليه سوف يرى الله تعالى - بـــقلبه ووجــدانه وعقله المُـذعن، الـخالي عن الماديات، الصـافي من الشكوك والتخيلات - رؤية نورانيّــة معنويـة. وحينئذ يجب تأويـــل كل ما ورد من عبارات أو أحاديث أو أخبار فيما يتعلق برؤيته عز وجل إلـــى الرؤية الفؤاديّــة ونظر القلب و البصيرة. والتأويل ما امتازت به عقيدة الشيعة الإمامية دون غيرها من المذاهب، حيث تفرّد مذهبنا بتنويه الله سبحانه عن الجسمية ولوازمها كالرؤية. ولابد من التنويه إلى أنّ عقيدتنا هي امتناع رؤيته تعالى في عالم الدنيا والآخرة، فمن غير الصحيح تخصيص السؤال حول إمكان أو عدم إمكان رؤية أهل الجنة لله سبحانه. وسبحان مَن هو هكذا، ولا هكذا غيره. ____________________ (1) القيامة: 22-23. (2) الشورى: 11. (3) الأنعام: 103. (4) التوحيد للشيخ الصدوق، ب8، ح5. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنتين
2269

نـفــحاتٌ مــلكوتيــة من الــخطاب الــزينبي (٣) "ولئن جَرَّت علَيّ الدواهي مُخاطبتَك، إنّي لأستصغرُ قَدْرَك، وأستَعظمُ تَقريعك، واستكبر توبيخك"

لقد فرضت الظروف التي عاشتها السيّدة الحوراء (عليها السلام) مخاطبة ملّة غير ملتها، لا وأيّ ملّةٍ ! يكفي في التعريف بها ما صرّح به رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأنّ الإسلام سوف يُثلم على يدها، وإلاّ فإنّ سليلة الطهر يجلّ صوتها عن أن يصل إلى مسامع الطاغية يزيد وشرذمته (عليهم لعائن الله). لكن السيّدة (عليها السلام) تبدي بيان موقفها من مخاطبته معللةً بأنّ ذلك حصل اضطراراً بسبب جور الزمان وانقلابه على الحسين وآل الحسين (عليه السلام). "ولقد شاهدت السيّدة زينب الكبرى (عليها السّلام) في مجلس يزيد مشاهد وقضايا ، وسمعت من يزيد كلمات تعتبر من أشدّ أنواع الإهانة والاستخفاف بالمقدّسات ، وأقبح أشكال الاستهزاء بالمعتقدات الدينيّة ، وأبشع مظاهر الدناءة واللؤم في تصرفاته الحاقدة . مظاهر وكلمات ينكشف منها إلحاد يزيد وزندقته ، وإنكاره لأهمّ المعتقدات الإسلاميّة. مضافاً إلى ذلك : أنّ يزيد قام بجريمة كبرى، وهي أنّه وضع رأس الإمام الحسين (عليه السّلام) أمامه، وبدأ يضرب بالعصا على شفتيه وأسنانه، وهو حينذاك يشرب الخمر ! فهل يصح ويجوز للسيّدة زينب أن تسكت وهي ابنة صاحب الشريعة الإسلاميّة ؛ الرسول الأقدس سيّدنا محمّد (صلّى الله عليه وآله) ؟! كيف تسكت وهي تعلم أن بإمكانها أن تزيّف تلك الدعاوى، وتفنّد تلك الأباطيل؛ لأنّها مسلّحة بسلاح المنطق المفحم ، والدليل القاطع، وقدرة البيان وقوّة الحجّة ؟! ولعلّ التكليف الشرعي فرض عليها أن تكشف الغطاء عن الحقائق المخفيّة عن الحاضرين في ذلك المجلس الرهيب؛ لأنّ المجلس كان يحتوي على شخصيّات عسكريّة ومدنيّة وعلى شتى طبقات الناس . فقد كان يزيد قد أذن للناس إذناً عامّاً لدخول ذلك المجلس ، فمن الطبيعي أن تموج الجماهير في ذلك المكان وحول ذلك المكان، وقد خدعتهم الدعايات الاُمويّة، وجعلت على أعينهم أنواعاً من الغشاوة ، فصاروا لا يعرفون الحقّ من الباطل منذ أربعين سنة ؛ طيلة أيّام حكم معاوية بن أبي سفيان على تلك البلاد . وعلامات الفرح والسرور تبدو على الوجوه بسبب انتصار السلطة على عصابة عرّفتها أجهزة الدعاية الاُمويّة بصورة مشوّهة . وقد تعوّد أهل الشام على مشاهدة قوافل الأسرى التي كانت تجلب إلى دمشق بعد الفتوحات . أما ينبغي لحفيدة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن تنتهز هذه الفرصة ، وتجازف بحياتها في سبيل الله ، وتنفض الغبار عن الحقّ والحقيقة ، وتعرّف الباطل بكلّ صراحة ووضوح ؟ بالرغم من أنّها كانت أجلّ شأناً ، وأرفع قدراً من أن تخطب في مجلس ملوّث لا يليق بها ؛ لأنّها سيّدة المخدّرات والمحجّبات ، ولكنّ الضرورة أباحت لها أن توقظ تلك الضمائر التي عاشت في سبات ، وتعيد الحياة إلى القلوب التي أماتتها الشهوات ، وغمرتها أنواع الفجور والانحراف عن الفطرة ، فباتت وهي لم تسمع كلمة موعظة من واعظ ، ولا نصيحة من ناصح(1). وإلاّ فإنّ مثلها لا يكلّم مثل ذلك العتلّ صغير القدر، عظيم التقريع، كثير التوبيخ. ورغم اشتماله على جميع الرذائل الخلقية الا انه تمادى وتغطرس في استئصال الشأفة (2). وقولها (عليها السلام) [استصغر قدرك] أي إنّ المنصب الذي تعتليه يا يزيد –منصب الخلافة- صغيرٌ مثلك قضى عمره بين القردة والخمور، والمعازف والفجور، لا يليق بكبر المنصب الذي نصّبه إيّاك مثيلك. وهذا جانب من شجاعتها (عليها السلام) وهي تصدح بكلمة حق في وجه سلطان جائر. وقولها [ استعظم تقريعك] "التقريع: غلطة أو خطأ ولومه المتكرِّر لنفسه على ذلك الخطأ"(3). أي هو اللوم الذي يقصد صاحبه به هداية الآخرين، ولهذا تستعظم السيّدة الدور الذي تقمصه الطاغية وهو دور (الهادي)، فأيّ عاقلٍ يقول بهداية الفاسق للعادل! بل أيّ تقريعٍ يصاحبه نكث ثنايا إمام معصوم كالحسين (عليه السلام)، والله إنّ فعله لشرّ فعل، كيف لا إذ إنّ تلك الثنايا كانت موضع نطق الحكمة ومعالم الدّين القويم الذي اهتدى بها يزيد وأبوه اللئيم. وقولها [استكثر توبيخك] "وبَّخ الشّخصَ : لامَه على خطأ أو تصرُّف بُغْية رَدْعه وإصلاحه. وبَّخ الشّخصَ : أنّبه وعيَّره ، عنَّفه ، بكَّته"(4) أي ما أكثر اسئلتك التوبيخية لنا أهل البيت ! فحتماً هدفه هو كسر التفاف الناس حول آل الحسين (عليهم السلام)، وتشويه سمعتهم كي لا ينشدّوا لهم. لكن نجد فراسة السيّدة زينب (عليها السلام) قد سبقت ما يروم إليه عدو الله، ولهذا لو تتبع القارئ خطبتها لوجد ختام هذه الفقرة الخطابية بـ( كد كيدك، وأسع سعيك، فو الله لن تمحو ذكرنا). وجُلّ ما نلمسه من نفحات في هذا الخطاب هو الجانب البلاغي، ويعلم أصحاب هذا العلم أنّ اسلوب التوكيد، ومناط استعمال أدوات التوكيد في الخبر من عدمها. فالمقطع الخطابي أعلاه يشتمل على أداتين توكيديتين هما (إنّ في قولها إني) و(حرف اللام في قولها لأستصغر). وحيث إنّ الجمل ما بعدها معطوفة على سابقها فحكم التوكيد يشملها. وعليه: حيث إنه إذا كان المخاطَب منكراً للخطاب فيستعمل المخاطِب في خطابه أداتان للتوكيد(5)، وهذا ما طبقته السيّدة (عليها السلام)، فالطاغية ينكر أنّه أخطأ بحق الحسين وآله (عليهم السلام). ___________________ (1) زينب الكبرى من المهد إلى اللحد، 71. (2) أي قتلت الأصل المبارك. (3) قاموس المعجم الوسيط. (4) معجم المعاني الجامع. (5) ظ: خصائص التركيب، والبلاغة الواضحة. أقائـدةَ الركـب يـا زينب تَغَنّى بكِ الشـرق والمغربُ خَطبـتِ فدوّى بسمع الزمان صوتٌ إلى الآن يُسترهَبُ أخاف الطغاة على عرشهم فظنّوا عليّـاً بـدا يخطـبُ وأسقطتِ قبل فناه يزيدا وضـاق على رأيه المَذهبُ ووَلّـت أميّـة مدحـورة و مـا ظل ذكـر لهم طيّبُ. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنتين
2665

شبهاتٌ حول التشيّع(8) البـناء على القبور

يعد هذا الموضوع من المواضيع التي روّجت لها الفِرق المخالفة ونعتت من يعتقد بها بالشرك، حيث إنّ الوهابية العمياء والسلفية الطالحة الذين كفّروا المسلمين بمختلف طوائفهم، استعملوا العنف والارهاب في زرع فكرة كفر من يقول بجواز البناء على القبور. وقد سجّل التاريخ عليهم فعلتهم الشنعاء في هدم البقيع، الذي يحوي قبور أهل البيت (عليهم السلام)، والصحابة، وأمهات المؤمنين، وأرادوا تخريب قبر النبي (صلى الله عليه وآله) لولا أن وقف المسلمون بوجههم. وسوف يتم تسليط الضوء على هذا الموضوع من خلال المطلب التالي الذي يتضمن الأدلّة على مشروعيّة البناء على القبور قرآناً ونقضاً وحلاّ ضمن عدة فروع: الفرع الأول: الدليل القرآنـي يــجب عرض المسألة على الأدلة المحكمة الّتي لا يصحّ لأحد النقاش في اعتبارها وحجّيتها، فإذا دلت تلك الأدلة على الجواز، فلا محيص من حكمها.. 1- قوله تعالى: ( قَالَ الَّذينَ غَلَبوا عَلَى أَمْرهمْ لَنَتَّخذَنَّ عَلَيْهم مَّسْجدًا)(1) حيث أخبرنا الله تعالى عن المؤمنين الذين قررّوا أن يتّخذوا من مضجع الفتية المؤمنة مسجداً يسجدون له سبحانه فيه، ويعبدونه وهم مؤمنون وليسوا بمشركين، ولم يذمّهم الله تعالى على ذلك. وممّا لا شك فيه أن شأن الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، أرفع من شأن أولئك الفتية، فإذا جاز بناء قبورهم، فبالأولى جواز ذلك بالنسبة إلى الأنبياء والأئمة (عليهم السلام). فيظهر من الكتاب أنّ البناء على القبور، بل بناء المسجد عليها كان جــائزاً في الشرائع السابقة، وأنّ الناس عندما وقفوا على مكان أجساد أصحاب الكهف اختلفوا على قولين: فمن قال: (ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً)، ومن قال: (لَنَتَّخِذَنّ عَليْهِم مَسْجداً) والاستدلال بالآية واضح لمن يرى القرآن قـدوة وأُسـوة وفيـصل حق, فإنّ القرآن ينقل كلا القولين، من دون أن ينتقدهما أو يعترض عليهما بـــل الظاهر أنّه ينقلهما بصورة التحسين، وأنّ أصحاب الكهف بلغ بهم ثباتهم في طريق العقيدة إلى حد لما عثر عليهم الناس اجتمعوا على تكريمهم واحترامهم، بل التـبرك بهم، فمن قائل بلزوم البناء عليهم, وآخر باتخاذ مراقدهم مسجداً، وليس القرآن كتاب قصة وأُسطورة، وإنما هو كتاب إرشاد وقدوة وإمام لـنا فلم يذم بناءهم على القبور, فلو كانوا في عملهم هذا ضالّين لاعـترض على عملهم، كما هو الحال فيما ينقل عن المشركين، والكافرين، عملا، أو رأياً(2). 2- قوله تعالى: (قل لَّا أَسْأَلكمْ عَلَيْه أَجْرًا إلَّا الْمَوَدَّةَ في الْقرْبَى)(3). تدل هذه الآية على وجوب مودّة قربى الرسول (صلى الله عليه وآله)، وهو وجوب مطلق لم يقيد بزمان دون آخر، ولا مكان دون مكان، ولا كـــيفية دون أخرى. وممّا لا شك فيه أن تعهد قبر شخص ما بالبناء والإعمار والتجديد من جملة المصاديق العرفية لهذه المودّة. 3- تعظيم شعائر الله تعالى فإن القرآن الكريم وإن لم يصرح على بناء قبور الأنبياء والصالحين بالخصوص, لكنه صرح بتعظيم شعائر الله تعالى بقوله : ( ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)(4)، ولا شك ولا ريب أن صون المعالم الدينية عن الاندراس ـ كالمشاهد المتضمّنة لأجساد الأنبياء والصالحين ـ وحفظها عن الخراب بالبناء والتجديد، نحوٌ من أنحاء التعظيم. ثـم انّ الله تعالى جعل الصفا والمروة من الشعائر والحرمات التي يجب احترامها وهي أفعال لأولياء الله، فكـــيف بالبقاع المتضمنة لأجساد الأنبياء والأولياء، فإنها أولى بأن تكون شعاراً للدين ومزاراً يصدح باسمهم(5). الفرع الثاني: الدليل النقضـي أولاً/ موقـف الوهّابيّـة هذه الفرقة شــذّت عن عقيدة أهل السنّة السلف بمذاهبهم الأربعة فإنّ ابن تيمية الوهّابـــي هو أول من أفتى بحرمة البناء على القبور، سواء أكان صاحب القبر صالحاً أم طالحاً، يقول تلميذ ابن تيميّة المسمى بابن القيم: " يجب هدم المساجد الّتي بنيت على القبور، ولا يجوز إبقاؤها بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوماً واحداً"(6)، كما ويقول ابن باز بذلك. واسـتدلّ الوهّابيّة بقوله تعالى : «قاتل اللّه اليهود اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» لـــكن مذهب الوهّابيّة باطـــــل ؛ لكونه مخالفاً لإجماع المذاهب السلف ومخالفاً لــ سيرة المسلمين وعملهم منذ أن ارتحل النبي الأكرم إلى يومنا هذا...فـقد دفن النبي الأكرم في بيته الرفيع، ولم يخطر ببال أحد من الصحابة الحاضريـن أن البناء على القبر حرام، وأنه ـ صلَّى الله عليه وآله ـ نهى عنه نهياً شديداً، ولما كان البيت متعلّقاً بزوجته (عائشة) جعلوا في وسطه ساتراً، ولما توفي الشيخان أوصيا بدفنهما في حجرة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله ـ تبرّكاً بذاته ومكانه، ولم تسمع من أيّ ابن أُنثى نعيـرة أنّه حرام ولا مكروه، وعلى ذلك استمرت سيرة المسلمين في حق الصلحاء والأولياء والعلماء، يدفنونهم في البيوت المعدّة لذلك، أو يرفعون لمراقدهم قواعد وسقفاً بعد الدفن تـــكريماً لهم وتقــديراً لتضحياتهم، ولم يخطر ببال أحد أنه على خلاف الدين والشرع . وهؤلاء أئمة المذاهب: الشافعي في مصر، وأبو حنيفة في بغداد، ومالك في المدينة، وتلك قبورهم من عصرهم إلى اليوم شاهقة القباب, وهــذا كافٍ لـمشروعيّة البناء على القبور، ولا عـبرة بالرأي الشاذ. والمسلمون من عهد النبي (صلى الله عليه وآله) إلى اليوم، فليس منهم من يعبد صاحب القبر، وإنما يعبدون الله وحده لا شريك له, في تلك البقاع التي يعتبرونها كريمة، لأنها متضمنة لتلك الأجساد، وبكل فرض وتقدير فالحديث يتبرأ أشد البراءة من الدلالة على جواز هدم القبور فكيف بالوجوب؟! ثــانيـاً/ موقف أهل السّـنة 1-جعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) حجراً كبيراً على قبر الصحابي الجليل عثمان بن مظعون ليكون علامة بارزة مميزة لقبره الشريف ليعرف وليدفن النبي (صلى الله عليه وآله) أهل بيته وخواصه عنده فميّزه بتلك الحجارة كما جاء في بعض الأخبار منها: ما رواه أبو داود عن المطلب قال: لما مات عثمان بن مظعون أخرج بجنازته فدفن فأمر النبي (صلى الله عليه وآله) رجلاً أن يأتيه بحجر فلم يستطع حمله فقام إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحسر عن ذراعيه, قال كثير: قال المطلب: قال الذي يخبرني ذلك عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين حسر عنهما ثم حملها فوضعها عند رأسه وقال: (أتَّعلَّمُ بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي)(7). 2-حديث زيارة الزهراء (عليها السلام) لقبر عمها الحمزة (عليه السلام) وترميمه وتعليمه منها: ما رواه ابن سعد في طبقاته عن أبي جعفر قال: كانت فاطمة تأتي قبر حمزة ترمّه وتصلحه(8). 3- قبر إبراهيم ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد وضع النبي عليه بنفسه حصباء من حصباء العرصة(9). 4-قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله): وقد اهتم به المسلمون وأهتموا بالحجرة الشريفة المحيطة به. 5-توســيع الصحابة والتابعين المسجد النبوي وإدخال قبر النبي (صلى الله عليه وآله) فيه بعد هدم بيوت النبي (صلى الله عليه وآله) قال الشوكاني(10): لما احتاجت الصحابة والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين كثر المسلمون وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه, وفيها حجرة عائشة مدفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصاحبيه أبي بكر وعمر بنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر (القبر الشريف) في المسجد فيصلي إليه العوام ويؤدي إلى المحذور، وقد قاله بنصه وحروفه النووي في شرحه على صحيح مسلم 5/14. الــفرع الثالث: أدلة الجواز. 1- في (الوسائل): قال: وروى المشهدي عن الحسن بن محمد عن بعضهم عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد ، عن الحسن بن عيسى عن هشام بن سالم عن صفوان الجمال قال: لما وافيت مع جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) الكوفة: إلى أن قال: وذكر الزيارة إلى أن قال: وأعطاني دراهم واصلــحت القبر(11). 2- قال النراقي وتدل على فضل البناء عليها الروايات المتكثرة المصرحة بالأمر بالوقوف على باب الروضة أو القبة أو الناحية المقدسة والاستئذان وتقبيل العتبة والدعاء عند ترائي القبة الشريفة ونحو ذلك مما وردت فيه الأخبار الغير العديدة المؤذنة برضاهم بل ميلهم إلى هذه الابنية الشريفة والآمرة بآداب متوقفة على وجود الباب والقبة والعتبة الموقوفة على البناء(12). والخلاصة: إنّ القائل بـحرمة البناء على القبور يجب أن يستدل عليها، والقائل بالإباحة يكفيه الأصل (عدم الحرمة إلاّ ما قام الدليل على تحريمه) وقد عرفت أنّه ليس هناك شبه دليل على الحرمة، والآيات أدل دليل على أنّه سبحانه لا يعذب أُمَّةً إلاّ بــعد إرسال الرسل و بعثهم، وهو كناية عن وصول البيان والتشريع إلى الناس، فلو لم يصل فلا يكون منجزاً في حق العبد. قال سبحانه: (وَمَا كُنّا مُعَذّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا) وظاهر الآيات يعطي أن وظيفة التشريع تبيين المحرمات لا المباحات قال سبحانه: (قَلْ تَعَالُوا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُم) وقال: (قُلْ لاَ أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَىّ مُحَرّماً عَلَى طَاعِم يَطْعَمُهُ..) فإذا كان صعيد التشريع فارغاً عمّا يدل على التحريم فهو حجّة على كون الشيء مباحاً محللا. ______________________ (1) الكهف: 21. (2) ظ: بحوث في الملل والنحل لأية الله الشيخ جعفر السبحاني ، ج 4 ، ص 197_208. (3) الشورى: 23. (4) الحج : 32 . (5) مركز الأبحاث العقائدية. (6) زاد المعاد في هدى خير العباد، ابن القيم ص 661. (7) سنن أبو داود : 2/81. (8) الطبقات الكبرى لإبن سعد : 3/19. (9) سنن البيهقي للبيهقي : 3/411. (10) نيل الأوطار للشوكاني: 2/139. (11) الوسائل 14: 392. (12) مستند الشيعة 3: 281. والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنتين
2596

ومضاتٌ فاطمية لإنارة غياهب الجاهلية(١)

من خطبتها (عليها السلام): "وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمةٌ جعل الإخلاص تأويلها، وضمَّن القلوب موصولها، وأنار في التفكير معقولها" بعد الحمد والثناء على ربِّ الأرض والسماء أخذت سيدة النساء تلهج بالشهادة الغراء، وأطلقت على الشهادة (كلمة)، بلحاظ أنّ كل لغة تحتوي على كلمة بسيطة، ومركبة، وهيأة تركيبية، فالشهادة هي هيأة تركيبية تم ربط كلماتها بحروف فأصبحت جملة تامة. (الإخلاص تأويلها): هنا لابد من بيان مفردتي الإخلاص والتأويل، ثم ربطهما بالشهادة. (الإخلاص) يختلف تعريفه باختلاف موضوعه، إلاّ أنّ مراد السيّدة الزهراء (عليها السلام) مرتبط بالإخلاص لله سبحانه، وعلى تلك المفردة دلّ الله تعالى بنفسه عليها في كتابه العزيز، حيث قال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين}(١) فالمراد من الإخلاص إذن هو الإخلاص لله تعالى في دينه، لكن القرآن الكريم لم يوضح كيفية الإخلاص، لذا تعين الرجوع للسنة النبوية -ما صح عن النبي وآله عليهم السلام من روايات_ المفسرة له. وقد روي عن سيّد الموحدين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في خطبته المباركة، أنّه جعل الإخلاص كمالاً لتوحيد الله تعالى، ثم أسهب في بيان كيفية الإخلاص في التوحيد، حيث قال: "كَمَالُ تَوْحِيدِهِ الْإِخْلَاصُ لَهُ، وَ كَمَالُ الْإِخْلَاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ ، لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَيْرُ الْمَوْصُوفِ ، وَ شَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَة"(٢) والمراد من نفي الصفات عنه تعالى هو نفي الصفات الزائدة على الذات، الأمر الذي قالت به بعض المذاهب الإسلامية (الأشاعرة)، فيكون المقصود من كلامه (عليه السلام) هو عينية الصفات للذات، وبالتالي لا تكون الذات الإلهية مركبة من ذات وصفات؛ لأنّ التركيب لازمه التعدد، وهذا خلاف التوحيد. وعن الإمام زين العابدين (عليه السلام)أنه قال: "فأما حق الله الأكبر عليك فأن تعبده لا تشرك به شيئا"(٣). وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: "خالصاً مخلصاً ليس فيه شيء من عبادة الأوثان"(٤). فالروايات تشير إلى تنزيه المولى سبحانه عن أن يكون معه شيء ثانٍ قديم بقِدَمه سبحانه. والقديم المنفي عنه مطلقاً، أي سواء أكان موجوداً -كمن يدّعي وجود إله مع الله سبحانه- أو كانت صفاته سبحانه -كمن يدّعي زيادة صفاته الذاتية عليه سبحانه-. وأما مفردة (التأويل) "التأويل في اللغة من: أوّل الكلام وتأوله: دبّره وقدّر، وأوله وتأوله: فسّره، وقوله عزَّ وجل: ولمّا يأتكم تأويله، أي لم يكن معهم علم تأويله. والمراد بالتأويل: نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ"(٥)، فظاهراً تؤول الشهادة إلى نفي الشريك والقديم عن الله تعالى. وبعد أن اتضحت لنا المفردتان نلملم أطراف الحديث ونربطها بكلمة الشهادة، (جعل الاخلاص تأويلها) أي إنّ شهادة لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له تؤوّل بنفي الشريك والقديم عنه. (وضمّن القلوب موصولها): أي حوى القلوب ما يصله ويكتفى به للإقرار بالشهادة لله سبحانه، فبالفطرة عُرف الله سبحانه ولهجت الألسن بالشهادة بألوهيته، وتلك هي أدنى درجات المعرفة به سبحانه. حيث روي عَن أَبِي الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلام) حينما سئل عن أدنى المعرفة الفطرية أنه قال: "الاقْرَارُ بِأَنَّهُ لا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَلا شِبْهَ لَهُ وَلا نَظِيرَ، وَأَنَّهُ قَدِيمٌ مُثْبَتٌ مَوْجُودٌ غَيْرُ فَقِيدٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ء"(٦) وإلى ذلك أشارت السيدة الزهراء (عليها السلام) بكلمة واحدة. (وأنار في الفكر معقولها): أي أضاء في الذهن الإنساني ما يتعلق بكلمة الشهادة لله تعالى بالوحدانية من الدلائل والبراهين، والكلام حصراً في الأدلة العقلية، كدليل التمانع، وخلاصته: "لو كان لله شريك للزم فساد الكون، وهذا الدليل مستنبط من قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}(٧). والتالي باطل، والمقدم مثله في البطلان. بيان ذلك: لو أراد الله تعالى خلق جسم ما، وأراد الإله الآخر خلق نفس الجسم، فهنا احتمالان: ١/إن اختلفت ارادتهما بأن يريده أحدهما ساكناً، والآخر متحركاً، فالأمر لا يخلو عن ثلاث فرضيات: أ- أن يقع مرادهما. وهذا باطل؛ لأنه يلزم اجتماع النقيضين -الحركة والسكون-. ب- أن يقع مراد أحدهما، وهذا باطل؛ لأنه ترجيح بلا مرجح، ويدل على عجز الإله الثاني، فتنتفي فرضية وجود شريك مع الله سبحانه. ج- أن لا يقع مرادهما، وهذا باطل؛ لأنه يلزم خلو الجسم من الحركة والسكون. ٢/إن اتحدت إرادتهما، بأن يريدا الجسم أن يكون متحركاً مثلاً، وهذا باطل أيضاً؛ لأن الجسم لا تتعلق به أكثر من إرادة واحدة، وبالتالي يقع مراد أحدهما، ويكون الآخر عاجزاً، والعاجز لا يصح أن يكون إلهاً، وهذا ينفي وجود شريك مع الله سبحانه"(٨). فهنا تعقل الفكر وعملية الاستدلال على معاني كلمة الشهادة، وهي لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له. وهناك العديد من الأدلة العقلية التي تؤدي نفس الغرض المثبت أعلاه، كدليل التمايز، والتعدد يستلزم التركيب، وما شابه ذلك. ______________ (١) البينة: ٥. (٢) نهج البلاغة، الخطبة الأولى، ٤٠. (٣) ميزان الحكمة: للريشهري، ج١، ص٦٧٠. (٤) وسائل الشيعة: للحر العاملي، ج١، ص٤٣. (٥) الميزان في تقسير القرآن: للعلامة الطباطبائي، ج٣، ص٢٨. (٦) الكافي: للشيخ الكليني، ج١، ب ٢٦،ح١. (٧) الأنبياء: ٢٢. (٨) أجوبة الشبهات الكلامية: محمد قراملكي، ج١، ص٣٨٥. وصلِ اللّهم على محمد نجيبكَ من خلقكَ، وعلى آله صفوة خلقك. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنة
2496

شبهاتٌ عقائدية حول مذهب التشيع/ في النبوة(3) عصمة النبي في تطبيق الرسالة

اختلفت المذاهب الكلامية في العصمة في هذا المقام إلى خمسة أقوال: الاول: مذهب أصحابنا الاِمامية: وهو أنّه لا يصدر عنهم الذنب لا صغيرة ولا كبيرة، لا عمداً ولا نسياناً، ولا يخطأ في التأويل، ولا للإسهاء من الله سبحانه. ولم يخالف فيه إلاّ الصدوق، وشيخه محمد بن الحسن بن الوليد قدس سرهما، فإنّهما جوّزا الإسهاء من الله تعالى، لا السهو الذي يكون من الشيطان، وسيتم الرد عليه. الثاني: قول أكثر المعتزلة: أنه [أي وقت العصمة] وقت النبوة، وأما قبله وهو أنّه لا يجوز عليهم الكبائر، ويجوز عليهم الصغائر، إلاّ الصغائر الخسيسة المنفّرة كسرقة حبة، أو لقمة، وكل ما ينسب فاعله إلى الدناءة والضّعة. الثالث: قول أبي علي الجبائي: وهو أنّه لا يجوز أن يأتوا بصغيرة، ولا كبيرة على جهة العمد، لكن يجوز على جهة التأويل، أو السهو. الرابع: قول النظام وجعفر بن مبشر ومن تبعهما: وهو أنّه لا يقع منهم الذنب إلاّ على جهة السهو والخطأ، لكنّهم مؤاخذون بما يقع منهم سهواً، وإن كان موضوعاً عن أُممهم لقوّة معرفتهم وعلو رتبتهم، وكثرة دلائلهم، وإنّهم يقدرون من التحفظ على ما لا يقدر عليه غيرهم. الخامس: قول الحشوية، وكثير من أصحاب الحديث من العامّة: وهو أنّه يجوز عليهم الكبائر والصغائر، عمداً وسهواً وخطأً. والصحيح أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) يجب أن يكون منزهاً عن الخطأ في تطبيق الرسالة السماوية؛ لقيام الدليل العقلي والنقلي على ذلك، وهذا ما سيتم تناوله ضمن المطلبين التاليين. المطلب الأول: الدليل العقلي على عصمة النبي في تطبيق الرسالة 1-لو لم يكن النبي معصوماً في تطبيق الرسالة للزم نفور الناس من حوله وعدم الوثوق به وبتعاليمه. والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. بيان الملازمة: إنّ الغاية من بعثة الأنبياء هي هداية العباد، وهذه الغاية لا تتحقق إلاّ بوثوق الناس والتفافهم حول النبي وتصديقهم بقوله، لكنهم متى ما شاهدوا نبياً يسهو في تطبيق الشريعة التي أمرهم بها، أو يخطأ في اموره الفردية والاجتماعية فإنّ ذلك سيخرم وثاقته تجاههم ويبدلونها شكا، فيأخذون يتساءلون: هل أنّ التكاليف التي يأمرنا به النبي هل هي حقاً إلهية؟ أم أنّ النبي اشتبه في أمرهم بها ؟ وهل أنّ النبي خيّل إليه أنّه جاءه الوحي أم حقاً نزل عليه وأخبره بتلك التكاليف؟ إذاً مثلما النبي (صلى الله عليه وآله) معصوم في تلقي الرسالة فهو معصوم في تطبيقها، والملازمة أعلاه كفيلة ببيان ذلك. "ولابد من الإشارة إلى أنّ عقول الناضجين في الأبحاث الكلامية قادرة على التفكيك بين (عصمة النبي في تلقي الوحي) وبين (عصمة النبي في الامور الاخرى)، أمّا عامة الناس والهمج الرعاع فهم غير قادرون على التفكيك فيجعلون السهو في أحد المقامات (تطبيق الرسالة) طريقاً إلى السهو في المقامات الاخرى (تلقي الرسالة)- ولسد هذا الباب لابد من القول بتنزيه النبي في كافة المراحل"(1). 2- لو لم يكن النبي معصوماً في تطبيق الرسالة لجاز تعديه على أحكام الله تعالى، والمتعدي لذلك ظالم. والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. بيان الملازمة: لو أخطأ أو نسى أو اشتبه النبي (صلى الله عليه وآله) في احدى عباداته أو معاملاته كما لو اشتبه في حكم الربا وعمل به فقد تعدى الحكم الواقعي المفترض من قبل الله تعالى، وبذلك يكون قد ظلمَ نفسه –بعصيانه لحكم خالقه- استناداً للآية الكريمة: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَه}(2). 3- لو لم يكن النبي معصوماً في تطبيق الرسالة للزم أن يُحتمل الكذب في كلامه. والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. بيان الملازمة: لو أخطأ النبي في ركعات الصلاة مثلاً وصلاها ركعتان وأخبر قومه بأنّها أربع ركعات لجاز عليه احتمال عدم الوثوق بقوله وعدالته، عندئذٍ يكون بحكم من يجب التحري من كلامه؛ بدلالة الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}(3). 4- لو لم يكن النبي معصوماً في تطبيق الرسالة لكان ذلك تغريراً بالوقع بالمعصية، إذ يجب الاقتداء به استناداً للآية الكريمة: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة}(4). والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. بيان الملازمة: لو أخطأ النبي في بيان حكم الحج مثلاً لوجب على المسلمين العمل بخطئه على أنّه سنّة نبوية. 5- لو لم يكن النبي معصوماً في تطبيق الرسالة للزم تكذيب الله تعالى حينما يأمر رسوله بالقول: { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُم}(5)، والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. بيان الملازمة: لو أخطأ النبي في حكم وجوب الصوم مثلاً وقال: إنّ الصوم عشرة أيام، فمن يتبعه كيف يكون محبوباً عند الله تعالى وهو قد ترك أداء العبادة الصحيحة ! فيلزم كذب الآية الكريمة، وحاشا الله سبحانه. المطلب الثاني: الدليل النقلي على عصمة النبي في تطبيق الرسالة الفرع الأول: الدليل القرآني قال تعالى: { إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيما}(6). فعلى النبي (صلى الله عليه وآله) أن يحكم بما أراه الله تعالى حينما أخبره الوحي، والحكم هو تطبيق للشريعة فوجب أن يكون حكمه مطابقاً لما أراه الله ايّاه، وإلاّ عد خائنا. الفرع الثاني: الدليل الروائي وآراء العلماء. أولاً: الدليل الروائي من كتب الشيعة ١-روي الشيخ الطوسي (قدس سره) "أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما سجد سجدتي سهو قط"(7). ٢-قال المحقق الطوسي (قدس سره): "يجب في النبي العصمة والذكاء والفطنة وقوة الرأي وعدم السهو وكل ما ينفّر عنه"(8). 3- قال الفاضل المقداد السيوري (قدس سره): " وأصحابنا حكموا بعصمتهم مطلقاً قبل النبوة وبعدها عن الصغائر والكبائر عمداً وسهواً، بل وعن السهو مطلقاً، ولو في القسم الرابع، ونقصد به الافعال المتعلّقة بأحوال معاشهم في الدنيا مما ليس دينياً"(9). نعم/ توجد هناك روايات مروية عن زرارة تثبت السهو للنبي في صلاته قال بها الشيخ الصدوق موافقاً بها استاذه ابن الوليد أوضحت: أنّ أدنى درجات الغلو عدم القول بسهو النبي. ولكن يمكن القول بأن الروايات القائلة بسهو النبي محمولة على التقية مجاراةً لأبناء العامة، أو يكون مقصود أصحاب تلك النظرية -الشاذة عن اجماع علماء الشيعة- هو إمكان وقوع الإسهاء من الله تعالى على نبيّه، وليس السهو الناتج من غلبة الشيطان على العقل. علماً أنّ علمائنا ردّوا برسائل وكتب عديدة في نفي السهو عن النبي(10). وأما الرأي الغالب والمشهور هو ما أجمع عليه الإمامية هو القول بعدم جواز السهو على النبي؛ للأدلة التالية: 1- لمخالفتها للأدلة العقلية النافية للسهو. 2- لمخالفتها لأخبار واجماع الإمامية برواياتهم الدالة على مصونية الأنبياء. ثانياً: الدليل الروائي من كتب أبناء العامة وأقوال بعض علمائهم. ١-قال إمامهم مسلم في صحيحه: "عن ‏ ‏علقمة ‏، ‏قال : قال عبد الله ‏: ‏صلى رسول الله ‏ (ص[صلى الله عليه وآله]) ‏، ‏قال إبراهيم ‏: ‏زاد أو نقص ‏ ‏فلما سلم ، قيل له : يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء ، قال : وما ذاك ، قالوا : صليت كذا وكذا ، قال : فثنى رجليه واستقبل القبلة فسجد سجدتين ثم سلم ثم أقبل علينا بوجهه ، فقال : ‏إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به ولكن إنما أنا بشر ‏ ‏أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني وإذا شك أحدكم في صلاته ‏ ‏فليتحر ‏ ‏الصواب فليتم عليه ، ثم ليسجد سجدتين"(11). فالرواية أعلاه تؤكد سهو النبي (صلى الله عليه وآله) في تطبيق أحد الشرائع السماوية، وهي الصلاة. ٢- قال ابن حنبل في مسنده: "عن عبد الله ‏، ‏قال : ‏صلى رسول الله ‏(ص[صلى الله عليه وآله]) ‏ ‏صلاة فلا أدري زاد أم نقص فلما سلم ، قيل له : يا رسول الله : هل حدث في الصلاة شيء ، قال : لا وما ذاك ، قالوا : صليت كذا وكذا ، قال : فثنى رجليه فسجد سجدتي السهو فلما سلم ، قال : ‏إنما أنا بشر أنسى كما تنسون وإذا شك أحدكم في الصلاة ‏ ‏فليتحر ‏ ‏الصلاة فإذا سلم فليسجد سجدتين"(12). فالعبارة واحدة في الروايتين، وقد تبيّن بطلان قولها عقلاً ونقلاً في المطلب الأول. 3- قال ابن تيمية شيخ الوهابية: "القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء ‏الإسلام وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام، كما ذكر أبو الحسن الآمدي ‏أن هذا قول الأشعرية، وهو أيضا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل لم ينقل ‏عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول. والدليل على ‏وقوع الصغائر منهم مع عدم إقرارهم عليها:‏ ... وهذا نبينا محمد صلى الله عليه[وآله] وسلم يعاتبه ربه سبحانه وتعالى في أمور كثيرة ‏ذكرت في القرآن، منها قوله تعالى (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي ‏مرضات أزواجك والله غفور رحيم) [التحريم : 1] وكذا عاتبه في الأسرى، وفي خبر ‏ابن أم مكتوم"(13).‏ مــلاحظة: قد استدل القوم بتبريراتٍ واهية لإثبات صدور الصغائر –بسبب السهو والخطأ والنسيان- من النبي (صلى الله عليه وآله), منها: 1- قالوا: للتأسي بالنبي عند الوقوع في المعصية بالإسراع في التوبة، وعدم التسويف. ويُــرد عليهم: يجب علينا أن نقع في نفس المعصية التي ارتكبها النبي ثم نتوب حتى يكون تأسينا به مطلقاً – فعلاً وتوبةً-، وإلاّ لا مرجح لجهة التأسي بالتوبة دون التأسي بالوقوع في المعصية. 2- قالوا: ليعرف الناس الفرق بين الإله والنبي، فلا يفضي بالناس الغلو بتعظيم أنبيائهم وعبادتهم مع الله تعالى. ويُــرد عليهم: كفى بالفارق بين الإله والنبي هو أنّ النبي مخلوق محتاج يجوع ويعرى ويمرَض وينكح ويموت ويفنى, وجميع تلك الصفات لا سبيل لانطباقها على الإله، فلماذا اقتصرتم على بيان الفارق بوجوب صدور المعصية من النبي ! نعم- مَن لم يدرك عقله عدم الملازمة بين العصمة والالوهية فذلك لخلل في عقله وتزلزل في عقيدته، وعدم العلم بالدليل ليس علماً بالعدم. فتأملوا. _____________________ (1) ظ: محاضرات في الإلهيات: للشيخ السبحاني، 289. (2) الطلاق: 1. (3) الحجرات: 6. (4) الأحزاب: 21. (5) آل عمران: 31. (6) النساء 105. (7) التهذيب: للشيخ الطوسي، ج2، ص180. (8) كشف المراد في شرح تجريد الإعتقاد: للشيخ الطوسي،ص349. (9) ارشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين: للفاضل السيّوري، 304. (10) راجع التنبيه بالمعلوم من البرهان على تنزيه المعصوم عن السهو والنسيان، رسالة الشيخ المفيد في نفي السهو عن النبي، بحار الأنوار: ج17، حق اليقين: ج1، ومصابيح الأنوار: ج2. (11) صحيح مسلم: مسلم بن الحجاج، كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب السهو في الصلاة السجود له، 572. (12) مسند أحمد بن حنبل: لأحمد بن حنبل، مسند المكثرين من الصحابة - مسند عبد الله بن مسعود (ر)،3591. (13) مجموع فتاوى ابن تيمية: لابن تيمية، ج4،ص 319. اللهم صلِّ على سيدنا محمد صلاة تخرجنا بها من ظلمات الوهم، وتكرمنا بها بنور الفهم، وتوضح لنا الشكل حتى نفهم، إنّك أنت الأعز الأجل الأعلم، وعلى آله الطاهرين وسلم. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنتين
1728

شبهاتٌ حول مذهب التشيع/ في النبوة(4) عصمة النبي في مقام تبليغ الرسالة

اتّفقت الاُمّة على وجوب عصمة الأنبياء عن الكذب والتحريف فيما يتعلق بالتبليغ عمداً وسهواً غير القاضي أبي بكر، محمد بن الطيب الباقلاني البصري المتكلم الاَشعري، فإنّهما جوّزا ما كان من ذلك على سبيل النسيان، وفلتات اللّسان. يذكر أنّ النبي لابد أن يكون معصوماً في مقام التبليغ, والعصمة في هذا المقام لها ارتباط وثيق بالعصمة في المقامين السابقين (تلقي الرسالة, وتطبيق الرسالة)؛ لقيام الدليل القطعي النقلي والقطعي على ذلك, وهذا ما سيتم بيانه في المطلب الأول. وعليه سيتم تناول موضوع العصمة في مقام التبليغ ضمن المطلبين التاليين. المطلب الأول: رأي الشيعة الإمامية في عصمة النبي في مقام تبليغ الرسالة الإلهية اتفق الإمامية على ضرورة ذلك، ويمكن بيان دليل رأيهم من خلال: الفرع الأول: الدليل العقلي لو لم يكن النبي معصوماً في تبليغ معالم الدّين للزم عدم الوثوق به وعدم الالتفاف حوله, وبالتالي نفي التصديق به, فينتفي الغرض من بعثته وهو الهداية. فالتالي باطل والمقدم مثله في البطلان. بيان الملازمة: لو رأى الناس نبياً يبلغ أحكام الدّين بصورة خاطئة, فإنّهم لا يثقون به مستقبلاً؛ لاحتمالية تكرار خطئه, وعدم وثوقهم به يوجب نفرتهم عنه وعدم الإذعان له, فيبقى النبي وحيداً لا أمة حوله ليبلغها ما تلقاه من الوحي, ويبقى العباد في حيرةٍ وضلالة إذ لا مبعوث معصوماً يرشدهم للهداية. الفرع الثاني: الدليل النقلي الأدلة النقلية على ذلك كثيرة, نورد منها: 1- قال الله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ}(1). قال العلامة الطباطبائي (قدس سره) في تفسير هذه الآية: "المراد بالهوى هوى النفس ورأيها، والنطق وإن كان مطلقاً ورد عليه النفي وكان مقتضاه نفـــي الهوى عن مطلق نطقه (صلى الله عليه وآله) لكنه لما كان خطابً للمشركين وهم يرمـونه في دعوته وما يتلو عليهم من القرآن بأنّه كاذب متقوّل مفترٍ على الله سبحانه كان المراد بقرينة المقام أنّه (صلى الله عليه وآله) مـــا ينطق فيما يدعوكم إلى الله أو فيما يتلوه عليكم من القرآن عن هوى نفسه ورأيه بل ليس ذلك إلا وَحــياً يوحى إليه من الله سبحانه"(2). 2- قال الله تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرا}(3). يقول الشيخ الشيرازي (قدس سره) في تفسير هذه الآية: "... فإن النبي (صلى الله عليه وآله) خير نموذج لكم، لا في هذا المجال وحسب، بل وفي كل مجالات الحياة، فإن كلا من معنوياته العالية، وصبره واستقامته وصموده، وذكائه ودرايته، وإخلاصه وتوجهه إلى الله، وتسلطه وسيطرته على الحوادث، وعدم خضوعه وركوعه أمام الصعاب والمشاكل، نموذج يحتذي به كل المسلمين. إن هذا القائد العظيم لا يدع للضعف والعجلة إلى نفسه سبيلا عندما تحيط بسفينته أشد العواصف، وتعصف بها الأمواج المتلاطمة، فهو ربان السفينة، ومرساها المطمئن الثابت، وهو مصباح الهداية، ومبعث الراحة والهدوء والاطمئنان الروحي لركابها"(4). فهذا هو رسول الامة تنزّه عن أخطاء بني جنسه حتى اصطفاه الإله؛ لورعه وضبطه وتقواه. وهذا مجمل عقيدتنا في عصمة نبيّنا الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) في هذا المقام. وبإمكان القارئ أن ينظر نظرة شمولية لموضوع العصمة بكل مقاماتها وسيتجلى له الارتباط الوثيق بين مقام وآخر بحيث يستحيل الانفكاك بينهما أبدا. وبعبارة موجزة: ((إذا كان النبي معصوماً في مقام تلقي الرسالة وجبَ أن يكون معصوماً في مقام تطبيق وتبليغ تلك الرسالة الإلهية)). وهذا ما انفردت به عقيدة الشيعة الإمامية أعزهم الله وهدى أعداءهم. [ المطلب الثاني: رأي أبناء العامة في عصمة النبي في مقام تبليغ الرسالة الإلهية للأمانة العلمية لم نجد دليلاً صريحاً يقول بخطأ النبي (صلى الله عليه وآله) في مقام تبليغه معالم الدّين اصولاً وفروعاً وأخلاقاً. (1) النجم: 3-4. (2) الميزان في تفسير القرآن: للعلامة الطباطبائي, تفسير سورة النجم. (3) الأحزاب: 21. (4) تفسير الأمثل: للشيخ ناصر مكارم الشيرازي, تفسير سورة الأحزاب. والحمد لله الواحد الأحد, والصلاة والسلام على العبد المؤيد, والرسول المسدد, والمصطفى الامجد, ابي القاسم محمد, وعلى آله اولي العلم والسؤدد. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنتين
1439

نشاطاتٌ رمضانية للمرأة الشيعية (٧)

بقلم: علوية الحسيني شراءُ ملابسِ العيد قال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم و(َتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) (1). إنّ شراء ملابس العيد بات أمرًا عرفيًّا، والإسلام يدعو إلى التجمّل، إلاّ أنّ بعض النساء أصبحنَ ما بين إفراطٍ وتفريط في شراء تلك الملابس. فيا اختاه: إن رُمتِ الشراء فلابد من مراعاة ضوابط لها أسس قرآنية، وأخرى روائية. فالإسراف في كل شيء مذموم، فإن أسرفتِ في شراء ملابس بأغلى الأثمان، وعملتِ على تجديد الشراء كلما صادفتكِ مناسبة لهو الإسراف بعينه. نعم، وأمّا بنعمة ربّك فحدِّث، لكن لا على شكلٍ يؤثر على اقتصاد منزلكِ، فالزوج وإن كان من واجبه الإنفاق عليكِ إلاّ أنّ للنفقةِ حدودًا، وكذا الأب، بل وكذا نفسكِ إن كنتِ ممن تكفلّت بالنفقة عليها، قال تعالى: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين}(2). وهناك أمور لابد من مراعاتها عند شرائكِ لملابس العيد، منها: 1/الأنسب أن تداومي على ذكر الله تعالى، روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: "إذا دخلت سوقك فقل: اللهم إني أسألك من خيرها وخير أهلها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها، اللهم إني أعوذ بك من أن أظلم أو اُظلم، أو أبغي أو يبغى علي، أو أعتدي أو يعتدى عليّ، اللهم إني أعوذ بك من شر إبليس وجنوده، وشر فسقة العرب والعجم، وحسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم" (3). 2/إذا كنتِ تريدين ارتداء الثوب الذي سوف تشترينه للظهور به أمام الأجانب، "فالمعتبر في حجاب المرأة ستر ما يجب ستره عن الرجال الأجانب بحيث لا يبرز مفاتن جسدكِ لهم، والعباءة خير ثوبٍ ساترٍ لكِ، فإذا كان غير العباءة يفي بهذا الغرض فلا بأس به، لكن مع ذلك فسماحة السيّد المرجع يحبذ للمرأة المسلمة أن تختار العباءة كلباسٍ دائمٍ، فمن بابٍ أولى ترجيح التحبيذ أيام العيد" (4). 3/أن لا يكون ذهابكِ للسوق بمفردك، ويتحتم عليكِ عدم خلق المشاكل فيما لو نُهيتِ عن الذهاب في الوقت الذي تم تحديده من قبلكِ، فعاقبة تأجيلكِ الموعد لحين تفرّغ من تذهبين معه من المحارم أقل تأثيرًا عليكِ فيما لو غامرتِ ودخلت السوق بمفردك. فإن غامرتِ فالله الله في الحشمة القولية والفعلية، فلا خضوع في القول، ولا تميّع في الفعل. 4/خروجكِ للسوق لابد أن يكون بلباس الحشمة والوقار، بعيدًا عن التزيّن مهما استساغه العرف، وبعيدًا عن التعطر المقصود، والبنطال الذي يُقصد منه إظهاره تزينًا، والكعب العالي. 5/احذري بل وتجنبي قدر المستطاع التعامل مع البائعين من الرجال؛ إذ قد يجر الكلام به إلى أن يشخص ما يليق بكِ كقياسٍ من الملابس، وهذا هتكٌ لحرمتكِ أيّتها المبجلة، ولهذا الأفضل لكِ اصطحاب أحد المحارم معكِ ليتولى عملية الشراء؛ فالإسلام يوجب على الجميع معاملة المرأة معاملة الأميرة القارورة الريحانة، فاكتنزي دوركِ. 7/إذا كان الثوب الذي تودين شراءه مخالفًا لذوق زوجكِ، ويترتب عليه نفوره منكِ فيما لو ارتديتِه، فالشرع يأمركِ بطاعة الزوج، والأنسب أن يكون الاتفاق بينكما هو سيّد كلّ موقف. 8/إذا كنتِ تريدين شراء ثوبٍ تظهرين به أمام أخواتكِ المؤمنات وصاحباتكِ فالأنسب أن تراعي الحداثة والمظهر واللائقية، بشرط أن لا يخرج عن حدِّ الحشمة والوقار، ويكون بعيدًا عن الشهرة، أو التشبه بالرجال أو بالكفار. 9/إذا صادفتكِ حالات تتطلب منكِ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فبادري بنصح اختكِ في الله، واعطيها العذر في عدم انتباهها على حجابها الذي يحتاج إلى تستر؛ واحمليها على سبعين محملٍ، إذ لعلّ شدّة الزحام، أو تمسكها بأطفالها، أو عدم مبالاتها غير المقصودة أدت بها إلى أن تصل إلى حالةٍ تستوجب نصحٍ من اختٍ لها أمثالكِ. وكثيرةٌ هذه الحالات لاسيما مع قرب أيّام العيد. 10/إذا اشتريتِ ما ناسبكِ ذوقًا، فيستحب أن تكبِّري الله تعالى ثلاث مرات؛ روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: "إذا اشتريت شيئا من متاع أو غيره فكبر ثم قل: اللهم إني اشتريته ألتمس فيه من فضلك، فصل على محمد وآل محمد، واجعل لي فيه فضلا اللهم إني اشتريته ألتمس فيه من رزقك، فاجعل لى فيه رزقا، ثم أعد كل واحدة ثلاث مرات" (5). ________________ (1) فاطر: 12. (2) الأنعام: 141. (3) وسائل الشيعة: للشيخ الحر العاملي، ج17، ب18 باب استحباب الدعاء بالمأثور عند دخول السوق، ح2. (4) الحكم وفق فتوى سماحة السيّد السيستاني دام ظله. (5) وسائل الشيعة: للشيخ الحر العاملي، ج17، ب20 استحباب التكبير ثلاثا عند الشراء، ح1. ألبسنا الله تعالى وإيّاكنّ في جنته من الاستبرق والحرير، والياقوت والمرجان، إنّه هو السميع المنّان.

المناسبات الدينية
منذ سنة
1043

هل إنّ جميع اصحاب النار خالدون فيها؟

من أسئلتكم السائل: هل إنّ جميع اصحاب النار خالدون فيها؟ أم يعذبون ويخرجون منها؟ وهل يتساوى العقاب في النار درجةً بين السارق والقاتل مثلاً؟ المجيب: حياكم الله تعالى, بدايةً لابد من التفرقة بين العاصي الكافر, والعاصي غير الكافر, فالأول خالدٌ في النار بلا شك, والثاني فيمكن أن يخلّد في النار ويمكن أن يخرج منها, وسيكون الجواب ضمن مطلبين يسلط كل مطلب منهما الضوء على قسم من قسمي العاصي. المطلب الأول: العاصي الكـافر: لاشك في أنّ العاصي الكافر مصيره جهنم خالداً فيها؛ لدلالة الآيات الكريمة على ذلك, حيث أعطت قواعد عامة كلية ما إن انطبقت على أحد مصاديقها فيتحقق حكم الخلود بحقهم, فالخالدون في النار منهم(1): 1- الكفّار والمشركون. حيث قال تعالى : {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون}(2). 2- قاتل المؤمن. حيث قال تعالى : {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيما}(3). 3. آكل الربا. حيث قال تعالى : {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون}(4). المطلب الثاني: العاصي غير الكافر: تعتقد الشيعة الإمامية أنّ الخالد في النار هو مرتكب الكبيرة -العاصي- غير الكافر, إلاّ أنّه يجوز أن يعفو عنه الله سبحانه, حيث قال الشيخ الصدوق (رضوان الله تعالى عليه) في عقائده: " أمّا النار فهي دار من جهل الله سبحانه, وقد يدخلها من عرفه بمعصية الله غير أنه لايخلد فيها بل يخرج منها إلى النعيم المقيم, وليس يخلد فيها إلاّ الكافرون"(5). فالعاصي غير الكافر قد يخلّد في النار وقد يخرجه الله تعالى منها فيعفو عنه كما هو ظاهر من النص, وما سيؤيده, وهو قول المحقق البحراني (رضوان الله تعالى عليه) في قواعده: " المكلف العاصي إما أن يكون كافراً أوليس بكافر، أما الكافر فأكثر الأمة على أنه مخلد في النار، وأما من ليس بكافر، فإن كانت معصيته كبيرة فمن الأمة من قطع بعدم عقابه وهم المرجئة الخالصة، ومنهم من قطع بعقابه وهم المعتزلة والخوارج، ومنهم من لم يقطع بعقابه إما لأن معصيته لم يستحق بها العقاب وهو قول الأشعرية، وإما لأنه يستحق بها عقابا إلا أنّ الله تعالى يجوز أن يعفو عنه، وهذا هو المختار"(6). فالعاصي في محل سؤالكم، إن كان كافراً فهو خالدٌ في النار بلا أدنى شك, أمّا إذا لم يكن كافراً بالله تعالى فيمكن أن يناله عفو الرحمن الرحيم؛ لإيمانه بربّه -رغم عصيانه- على أن العقلاء يستقبحون استدامة عقابه. وإلى ذلك أشار المحقق الطوسي (رضوان الله تعالى عليه) قائلاً: " وعذاب صاحب الكبيرة ينقطع؛ لاستحقاقه قلة الثواب بايمانه, وقبحه عند العقلاء"(7). فهنا أمران: 1- عذاب العاصي غير الكافر ينقطع لاستحقاقه الثواب بإيمانه. فمن عدل الله تعالى أنّه يثيب على طاعته, ويعاقبه على معصيته, فهنا نكون أمام احتمالين لا ثالث لهما(8): أ) يقدّم الله تعالى اثابة مرتكب الكبيرة على عقوبته: وهذا باطل؛ لأنّ الإثابة تكون بالدخول إلى الجنة, والداخل فيها لا يخرج منها لامحالة بنص القرآن الكريم, حيث قال تعالى: { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ* أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِين}(9). فاذا أثابه الله تعالى على ما كان من ايمانه ثم عاقبه بالدخول إلى النار فانّه يكون مخالفاً لصريح الآية الكريمة. ب) يقدّم الله تعالى عقوبة مرتكب الكبيرة على إثابته: وهذا هو المطلوب, فيدخله النار فترة من الزمن إلى أن يشاء, ثم يخرجه منها, ويدخله الجنة استحقاقاً لإيمانه في غيـر المورد الذي عصى ربّه به وارتكب الكبيرة. 2- عذاب العاصي غير الكافر ينقطع لقبح خلوده في العذاب عند العقلاء. إنّ ذلك العاصي لو قدّم أنواع الطاعات لله تعالى في حياته ثم ارتكب أحد الكبائر ومات ولم يتب منها, فإذا أخلده الله تعالى في النار لــكان نظير مَن أشرك بالله تعالى طيلة عمره؛ لاشتراكهما في وحدة العذاب, وهذا قبيح عقلاً صدوره من الله تعالى؛ لعدالته التامة, واعطاءه كل ذي حقٍ حقه ومنزلته. فالعقل إذن يحكم بعدم تخليد مثل هذا العاصي في النار، وهو المطلوب. وأما الشق الثاني من سؤالكم حول تساوي أو عدم تساوي عقوبة القاتل والسارق في النار, فجوابه عقلاً أنّ الله سبحانه عادلٌ لا يحيف في حكمه, فكما يثيب كل عبدٍ على قدر طاعته, كذلك يعاقب كلاً منهم على قدر معصيته. _________________ (1) ظ: الخلود في جهنم: محمد عبد الخالق كاظم. (2) الأعراف: 36. (3) الأعراف: 40. (4) البقرة: 275. (5) شرح عقائد الصدوق, 55. (6) قواعد المرام, 160. (7) ظ: كشف المراد, المقصد 6، المسألة 8. (8) ظ: محاضرات في الإلهيات, 474. (9) آل عمران: 135. اللّهم إنّا نعوذ بك من النار فأعذنا بحق محمدٍ والآل الأطهار. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنتين
4002

أشباحٌ نورية في العوالم الملكوتية

"تعدّدت الأقوال في أول مخلوق خلقه الله تعالى، وذلك لاختلاف الروايات الواردة في هذا المجال، وهي : 1-روح النبي (صلى الله عليه وآله) : فعنه (صلى الله عليه وآله) : (أول ما خلق الله روحي)(1). 2- القلم : فعن الإمام الصادق (عليه السلام) : (أول ما خلق الله القلم، فقال له : اكتب.فكتب ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة)(2). 3- الماء : فعن جابر الجعفي, قال : جاء رجل من علماء أهل الشام إلى أبي جعفر (عليه السلام), فقال : جئت أسألك عن مسألة لم أجد أحداً يفسرها لي, وقد سألت ثلاثة أصناف من الناس, فقال كل صنف غير ما قال الآخر, فقال أبو جعفر (عليه السلام) : وما ذلك ؟ فقال : أسألك, ما أول ما خلق الله عزّ وجل من خلقه ؟ فإن بعض من سألته قال : القدرة, وقال بعضهم : العلم, وقال بعضهم : الروح, فقال أبو جعفر (عليه السلام) : ما قالوا شيئاً, اخبرك أن الله علا ذكره كان ولا شيء غيره, وكان عزيزاً ولا عز, لأنه كان قبل عزه وذلك قوله : (( سبحَانَ رَبّكَ رَبّ العزَّة عَمَّا يَصفونَ )) (الصافات:180) وكان خالقاً ولا مخلوق, فأوّل شيء خلقه من خلقه الشيء الذي جميع الأشياء منه, وهو الماء(3). 4- العقل : فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أول ما خلق الله العقل)(4). ووجه التوفيق بين هذه الأخبار, هو : أن بعضها محمول على الأولية الإضافية, وبعضها على الحقيقة . فأولية نور النبي (صلى الله عليه وآله) حقيقية, وغيره إضافية نسبية"(5). أي إنّ أول ما خلق الله سبحانه هو ذلك النور المحمدي في عالم يسبق عالم الذر, كما سنعضد هذا الكلام بالأدلة الروائية, فإن قيل: لماذا اختار الله سبحانه محمداً (صلى الله عليه وآله) دون غيره؟ أجيب: إنّ الله سبحانه يجيب على هذا السؤال في كتابه الكريم, حيث قال: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُون}(6), أي إن علمنا بحكمته تعالى يكفي جواباً للمؤمن. كما ويمكن أن يجاب بأنّه لا تعارض بين الروايات, بلحاظ أنّ بعضها تتكلم حول أول ما خلق الله سبحانه من الأمور المادية فقالت: القلم, والماء, واخرى تتكلم حول أول ما خلق الله سبحانه من الامور غير المادية وهو نور النبي محمد (صلى الله عليه وآله). إذاً فالله سبحانه فضّل ذلك الشبح النوري -وآله- على غيره في عالم الملكوت بثلاث ميزات: المـيزة الاولى: أولية الخلق حيث أنّ النبي محمداً وآله (صلوات الله عليهم) أخرجهم الله سبحانه من كتم العدم إلى ساحة الوجود قبل كافة مخلوقاته, ومن الروايات المؤيدة لهذا الكلام: 1- "عن معاذ بن جبل : ان رسول الله[صلى الله عليه وآله] قال : إن الله عز وجل خلقني وعلياً وفاطمة والحسن والحسين قبل ان يخلق الدنيا بسبعة آلاف عام قلت فأين كنتم يا رسول [الله]؟ قال: قدام العرش نسبح الله تعالى ونحمده ونقدسه ونمجده. قلت : على أي مثال؟ قال: أشباح نور حتى إذا أراد الله عز وجل ان يخلق صورنا صيرنا عمود نور ثم قذفنا في صلب آدم ثم أخرجنا إلى أصلاب الآباء وأرحام الأمهات ولا يصيبنا نجس الشرك ولا سفاح الكفر يسعد بنا قوم ويشق بنا آخرون ، فلما صيرنا إلى صلب عبد المطلب أخرج ذلك النور فشقه نصفين فجعل نصفه في عبد الله ونصفه في أبى طالب ثم أخرج النصف الذي لي إلى آمنة والنصف إلى فاطمة بنت أسد فأخرجتني آمنة وأخرجت فاطمة عليا"(7). وهنا تساؤل: ما هو العرش؟ وكيف يسبِّحون ويقدِّسون ويمجِّدون الله سبحانه أمامه؟ جوابه سيتضح في الفقرة اللاحقة. 2- " جاء في كتاب فضائل الشيعة للصدوق رحمه الله بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال: كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وآله إذ أقبل إليه رجل فقال: يا رسول الله أخبرني عن قول الله عز وجل لإبليس: (استكبرت أم كنت من العالين) فمن هم يا رسول الله الذين هم أعلى من الملائكة؟ فقال رسول الله: أنا وعلي وفاطمة والحسن والحسين: كنا في سرادق العرش نسبح الله وتسبح الملائكة بتسبيحنا قبل أن يخلق الله عز وجل آدم بألفي عام، فلما خلق الله عز وجل آدم أمر الملائكة أن يسجدوا له ولم يأمرنا بالسجود فسجدت الملائكة كلهم إلا إبليس فإنه أبى أن يسجد، فقال الله تبارك وتعالى: استكبرت أم كنت من العالين "(8). وهنا ملاحظة لابد من الالتفات إليها وهي: أنّ المراد من مفردة العرش هو علم الله سبحانه, وليس العرش بالمعنى الجسماني المادي, وسيأتي بيان تلك المفردة روائياً, ووجه الارتباط بين العرش وتلك الوجودات النورية التي ابتدأ الله سبحانه خلقه بها. الميزة الثانية: أسبقية شهادتهم بالتوحيد ففي عالم الذر وبعد أن خلق الله سبحانه مخلوقاته بهيأة ذرات [على رأي]، نثرهم وسألهم مَن ربّكم, فكان أول من أجاب بالشهادة هم محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم). فعن صالح بن سهل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) إن بعض قريش قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله): بأي شيء سبقت الأنبياء، وأنت بعثت آخرهم وخاتمهم؟ قال: إني كنت أول من آمن بربي، وأول من أجاب حيث أخذ الله ميثاق النبيين وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم فكنت أنا أول نبي قال: بلى، فسبقتهم بالإقرار بالله عز وجل"(9). وفي حديث آخر "عَنْ دَاوُدَ الرَّقِّيِّ أن أَبَا عَبْدِ الله (عَلَيْهِ السَّلام) قال: فَلَمَّا أَرَادَ الله أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ نَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ: مَنْ رَبُّكُمْ فَأَوَّلُ مَنْ نَطَقَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه) وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلام) وَالائِمَّةُ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِمْ فَقَالُوا أَنْتَ رَبُّنَا..."(10). الميزة الثالثة: تحميلهم لعلم الله تعالى لقد فضّل الله تعالى محمداً وآله (صلوات الله عليهم) دون سائر خلقه بأنّه جعلهم مستودع علمه سبحانه؛ لكونهم أول من شهد بالربوبية له سبحانه في عالم الذر. الروايات الشريفة وصفت هذا الحدث العظيم بأنّ الله تعالى جعلهم (صلوات الله عليهم) حملة عرشه, وهنا جاء محل بيان مفردة العرش من خلال ذكر رواية ثم شرح محل الشاهد فيها. "عَنْ دَاوُدَ اَلرَّقِّيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ عَنْ قَوْلِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: «وَ كٰانَ عَرْشُهُ عَلَى اَلْمٰاءِ » فَقَالَ مَا يَقُولُونَ قُلْتُ يَقُولُونَ إِنَّ اَلْعَرْشَ كَانَ عَلَى اَلْمَاءِ وَ اَلرَّبُّ فَوْقَهُ. فَقَالَ كَذَبُوا مَنْ زَعَمَ هَذَا فَقَدْ صَيَّرَ اَللَّهَ مَحْمُولاً وَ وَصَفَهُ بِصِفَةِ اَلْمَخْلُوقِ وَ لَزِمَهُ أَنَّ اَلشَّيْءَ اَلَّذِي يَحْمِلُهُ أَقْوَى مِنْهُ. قُلْتُ بَيِّنْ لِي جُعِلْتُ فِدَاكَ. فَقَالَ إِنَّ اَللَّهَ حَمَّلَ دِينَهُ وَ عِلْمَهُ اَلْمَاءَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ أَرْضٌ أَوْ سَمَاءٌ أَوْ جِنٌّ أَوْ إِنْسٌ أَوْ شَمْسٌ أَوْ قَمَرٌ فَلَمَّا أَرَادَ اَللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ اَلْخَلْقَ نَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ مَنْ رَبُّكُمْ فَأَوَّلُ مَنْ نَطَقَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ وَ اَلْأَئِمَّةُ صَلَوَاتُ اَللَّهِ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا أَنْتَ رَبُّنَا فَــحَمَّلَهُمُ اَلْعِلْمَ وَ اَلدِّينَ ثُمَّ قَالَ لِلْمَلاَئِكَةِ هَؤُلاَءِ حَمَلَةُ دِينِي وَ عِلْمِي وَ أُمَنَائِي فِي خَلْقِي وَ هُمُ اَلْمَسْئُولُونَ ثُمَّ قَالَ لِبَنِي آدَمَ أَقِرُّوا لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَ لِهَؤُلاَءِ اَلنَّفَرِ بِالْوَلاَيَةِ وَ اَلطَّاعَةِ فَقَالُوا نَعَمْ رَبَّنَا أَقْرَرْنَا فَقَالَ اَللَّهُ لِلْمَلاَئِكَةِ اِشْهَدُوا فَقَالَتِ اَلْمَلاَئِكَةُ شَهِدْنَا..."(11). • شـرح الرواية: لو تمعنا في الرواية الشريفة لوجدنا أنّ السؤال الموجه للإمام (عليه السلام) كان حول تفسير آية (وكان عرشه على الماء) فأجاب (عليه السلام) بأنّ الله سبحانه حمّل علمه على الماء, ففسر العرش بالعلم, ففي علم الله تعالى أنّ علمه سيحمله على الماء, وبقيت مفردة الماء غامضة، إلى أن قال (عليه السلام) (فلما أراد أن يخلقهم نثرهم بين يديه) وهذه هي مرحلة الإيجاد التالية لمرحلة العلم الإلهي, فحينما أوجد سبحانه مخلوقاته في عالم الذر وأشهدهم على ذلك وسألهم من ربّهم كان محمد وآله (صلوات الله عليهم) أوّل من أجاب بالربوبية فكان جزاء الله تعالى لهم هو أنّه سبحانه حمّلهم علمه, واتضح عندئذٍ المراد من الماء وهم محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم). • مصباحٌ للإيضاح: ألا ترى أنّك إذا فكّرت في مخيلتك بشيء دون أن تنفذه على أرض الواقع فانّك فقط تدور في مرحلة الإخطار الذهني. أمّا إذا نفذت ما تصورته وأوجدته في الواقع الخارجي فانّك تدور في مرحلة المصداق. كما لو تصورت مفهوم عملية الكتابة دون أن تكتب, ففي الواقع لا توجد كتابة إلاّ إذا نفذت الكتابة فإنّها ستكون مصداقاً لما تصورته. هذا المثال لتقريب الفكرة فقط, وإلاّ فالله سبحانه ليس جسماً كي يفكّر ثم ينفذ؛ جلّ وعلا عن ذلك علواً كبيرا, فهو سبحانه في مرحلة العلم الإلهي المسبق للإيجاد حمّل الماء العرش (أي حمّل الأئمة العلم) قبل أن يخلقهم؛ "لــعلمه الواسع سبحانه بكل شيء قبل إيجادها بدليل أن (التجرّد عن المادة ملاك الحضور) وبعد إيجادها بدليل (احتياج المعلول إلى علته حدوثاً وبقاءً وقيامه فيها كقيام المعنى الحرفي في المعنى الإسمي)"(12). وخير مثالٍ على علم الله سبحانه بالأشياء قبل إيجادها هو الفقرة الواردة في زيارة السيدة الزهراء (عليها السلام)، حيث قال العلامة المجلسي: ووجدت في هذه الزيارة زيادة برواية أخرى وهي: السلام عليك يا ممتحنة، امتحنك الذي خلقك قــبل أن يخلقك، وكنت لما امتحنك به صابرة ونحن لك أولياء مصدقون..."(13), فلو تأملنا هنا وتساءلنا: أين امتحنها الله سبحانه قبل أن يخلقها؟ لوجدنا أنّ جوابه: في مرحلة العلم الإلهي المسبق قبـل الإيجاد, حيث إنّه سبحانه يعلم أنّ هذا المخلوق سيجري عليه ما يجري من ظلاماتٍ وويلات ويبقى صابراً معتصماً عن فعل أي معصية أو جزع, حتى جعله الله سبحانه أفضل مخلوقاته وأولهم إيجاداً فحمّله وأمثاله العلم الإلهي. وهنالك العديد من الروايات صرّحت بأن حملة العرش –العلم- هم محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم) حيث جاء في اعتقادات الصدوق (رضوان الله عليه): "وأما العرش الذي هو العلم، فحملته أربعة من الأولين، وأربعة من الآخرين. فأما الأربعة من الأولين: فنوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى. وأما الأربعة من الآخرين: فمحمد، وعلي، والحسن، والحسين، صلى الله عليهم،. هكذا روي بالأسانيد الصحيحة عن الأئمة - عليهم السلام - في العرش وحملته"(14). *ضياءٌ من آياتِ ربِّ السماء: قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِين}(15). جاء في تفسير الأمثل: "...إنّ ظاهر الآية مرتبط بالماء الجاري، والذي هو علة حياة الموجودات الحية. أما باطن الآية فإنه يرتبط بوجود الإمام (عليه السلام) وعلمه وعدالته التي تشمل العالم، والتي هي الأخرى تكون سببا لحياة وسعادة المجتمع الإنساني"(16). وروي عن الإمام الباقر (عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ { قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين }: هذه نزلت في القائم، يقول : إن أصبح إمامكم غائباً عنكم لا تدرون أين هو، فمن يأتيكم بإمام ظاهر يأتيكم بأخبار السماء والأرض، وحلال الله عزّ وجلّ وحرامه ؟... ثم قال : والله ما جاء تأويل الآية ، ولا بدّ أن يجيء تأويلها"(17). فالماء المعين هو الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف), ومن بابٍ أولى أن يكون الأئمة السابقون هم الماء المعين الوارد في الآية, وكذا الأولوية ترجع إلى النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله). • استنتاجٌ: 1- الماء يؤوّل بمحمد وآل محمد (صلوات الله عليهم). 2- العرش يؤوّل بالعلم. 3- الآية الكريمة (كان عرشه على الماء) تؤوّل بأنّ الله سبحانه حمّل علمه محمداً وآل محمد (صلوات الله عليهم) 4- حملة علم الله سبحانه يجب أن يكونوا خلفاء الله على أرضه إلى قيام يوم الدّين. 5-العلم الذي حمّله الله سبحانه لتلك الأشباح النورية ليس هو جميع علم الغيب, بل جزء منه, وإلاّ فعلم الغيب استأثر الله تعالت قدرته به لنفسه فقط. __________________ (1) ( شرح أصول الكافي للمازندراني 12 / 11. (2) تفسير القمي: للشيخ القمي, 2 / 198. (3) اصول الكافي: للشيخ الكليني, 1 / 21 ح 14. (4) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, 55 / 212. (5) مركز الأبحاث العقائدية. (6) الأنبياء: 23. (7) علل الشرائع: للشيخ الصدوق, ج 1, ص 208 – 209. (8) فضائل الشيعة للشيخ الصدوق,ص ٧. (9) أصول الكافي: للشيخ الكليني, ٢: ١٠. (10) الكافي:للشيخ الكليني, ج1, باب العرش والكرسي, ح7. (11) المصدر نفسه. (12) ظ: محاضرات في الإلهيات: للشيخ السبحاني, ص95-98. (13) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج ٩٩, ص٢١٣. (14) الاعتقادات: للشيخ الصدوق, باب العرش, ص46. (15) الملك: 30. (16) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: للشيخ ناصر مكارم الشيرازي, ج18, ص513-514. (17) إكمال الدين واتمام النعمة: للشيخ الصدوق, ص52. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنتين
7519

شبهاتٌ حول مذهب التشيّع/ في التوحيد(9) حدوث كلام الله تعالى وقدمه

ما المراد من كلام الله تعالى؟ وكيف يتكلم سبحانه؟ وهل كلامه قديم بقدمه سبحانه؟ أم حادث مخلوق؟ وهل اتفقت المذاهب على معتقدٍ واحد؟ وما هو القول الفصل؟ الجواب على هذه التساؤلات سيتضح ضمن المطالب التالية. المطلب الأول: ما هو كلام الله تعالى؟ لم تتفق المذاهب الكلامية على تشخيص ماهية كلام الله عز وجل, فمنها من قالت بأنه أصوات وحروف مركبة تركيباً مفهماً، ومنها من قالت بأنه نفساني. وعلى كل حال، فالذي ذهب إليه الشيعة الإمامية هو أن كلام الله عبارة عن "أصوات وحروف يخلقها الله ليوصل عن طريقها مقصوده إلى المخاطب، ويسمّى هذا الكلام بـالكلام اللفظي"(1). وتبعهم المعتزلة، قال القاضي عبد الجبار: " حقيقة الكلام الحروف المنظومة، والأصوات المقطعة، وهذا كما يكون منعما بنعمة توجد في غيره، ورازقا برزق يوجد في غيره، فهكذا يكون متكلما بإيجاد الكلام في غيره وليس من شرط الفاعل أن يحل عليه فعل "(2). وأما الأشاعرة فذهبوا إلى الكلام النفسي، الذي قال في تفسيره الفاضل القوشجي: " إن من يورد صيغة أمر أو نهي أو نداء أو إخبار أو استخبار أو غير ذلك يجد في نفسه معاني يعبر عنها بالألفاظ التي نسميها بالكلام الحسي، فالمعنى الذي يجده في نفسه ويدور في خلده، لا يختلف باختلاف العبارات بحسب الأوضاع والاصطلاحات ويقصد المتكلم حصوله في نفس السامع ليجري على موجبه، هو الذي نسميه الكلام النفسي"(3). المطلب الثاني: كيف يتكلم الله سبحانه؟ أجمعت المذاهب الإسلامية على أنّ الله تعالى متكلم, إلاّ أنها اختلفت في الطريق الذي أثبتت به هذه الصفة لله سبحانه, "فالشيعة الإمامية تعتقد بأنّ الطريق نقلي وهو القرآن الكريم حيث فيه قال تعالى: {وكلّم الله موسى تكليما}, ووافقهم المعتزلة في ذلك, أما الأشاعرة فطريقهم عقلي"(4). كما اختلفوا في كيفية الكلام, رغم تعدد مصاديقه التي أشارت لها الآية الكريمة:{ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء}(5). فتارةً يكون إيحاءً, واخرى إيجاداً لشيء, واخرى لفظاً. 1- الكلام إيحاء بدليل الآية الكريمة: { وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ *عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِين}(6). 2- الكلام نفس وجود الأشياء بدليل الآية الكريمة: { إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَة}(7). 3- الكلام لفظ بدليل الآية الكريمة: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين}(8). وفي كيفية التكليم اختلفت المذاهب الإسلامية، ونذكر فرعين في ذلك: الفرع الأول: كيفية تكلم الله سبحانه في معتقد الشيعة الإمامية تعتقد الشيعة الإمامية أنّ الله سبحانه تكلّم عن طريق خلق أصواتٍ في غيره مركبة تركيباً مفهماً, كما في قيام كلام الله تعالى في الشجرة حينما كلّم موسى النبي (عليه السلام). إذاً كلامه سبحانه هو فعله وإيجاده, وهو أمرٌ ممكن, والباري سبحانه قادرٌ على جميع الممكنات؛ لمقتضى اطلاق قدرته, وامتناع وجود المانع من تعلّق قدرته بجميع المقدورات"(9). ووافقهم المعتزلة في ذلك. الفرع الثاني: كيفية تكلم الله سبحانه في معتقد الأشاعرة تعتقد الأشاعرة أنّ كلام الله تعالى معنى قديم قائم بذاته، وهو مغاير للصفات الذاتية كالعلم والقدرة, وهو ليس حرفاً, ولاصوتاً, ولااستخباراً, ولاخبراً, ولاأمراً, ولانهياً. المطلب الثالث: هل كلام الله تعالى قديم أم حادث؟ اختلفت المذاهب الإسلامية في ذلك, حتى سفكت دماء بسبب هذا الاختلاف, فسميت تلك المحنة بـ(محنة خلق القرآن), والكتب الكلامية أسهبت في بيانها. وعليه سيتم التعرف على عقيدة أشهر المذاهب الإسلامية في ذلك إجمالاً. الفرع الأول: حدوث كلام الله سبحانه في معتقد الشيعة الإمامية تعتقد الشيعة الإمامية أن لا قديم إلاّ الواجب سبحانه, وصفاته الذاتية -بلحاظ أنّها عين ذاته, فلا اثنينية-, وأما كلام الله سبحانه فهو من الصفات الفعلية(10), وكل صفة فعلية فهي حادثة. والقران الكريم صرح بأن كلام الله سبحانه حادث, بدليل الآية الكريمة: {مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُون}(11). ويعلق العلامة السبحاني (رضوان الله عليه) ويقول: "ليس المراد كونه محدثا من حيث نزوله، بل المراد كونه محدثا بذاته بشهادة أنه وصف ل " ذكر "، فالذكر بذاته محدَث، لا بنزوله فلا معنى لتوصيف المحدث بالذات بكونه من حيث النزول، لتقدم ما بالذات على ما بالعرض. ويدل على حدوثه قوله سبحانه: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا) فهل يصح توصيف القديم بالإذهاب والإعدام ؟!"(12) سادة التوحيد أهل البيت (عليهم السلام) لم يتركوا شيعتهم سدى دون بيان معالم اصول الدين, وقد صدحوا بأنّ كلام الله سبحانه حادثٌ مخلوق, حيث قال الإمام علي(عليه السلام): "يقول [ تعالى ] لما أراد كونه "كن" فيكون، لا بصوت يَقرَع، ولا بنداء يُسمع، وإنّما كلامه سبحانه فعلٌ منه، أنشأه ومثّله، لم يكن من قبل ذلك كائناً، ولو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً"(13) فالإمام (عليه السلام) يشير إلى عقيدتنا في كلام الله تعالى بأنه صفة فعلية له سبحانه. وسُئل الإمام العسكري (عليه السلام): القرآن مخلوق أم غير مخلوق؟ فقال: للسائل: يا أبا هاشم، الله خلق كل شيء وما سواه مــخلوق(14). الفرع الثاني: قِدم كلام الله سبحانه في معتقد أبناء العامة أبناء العامة كفّروا من قال بحدوث القرآن, وجعلوا جهنم مثواه _ ويكأن مفاتح أبواب الجنة بيدهم_. قال أحمد بن حنبل: "والقرآن كلام الله ليس بمخلوق، فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي كافر، ومن زعم أنّ القرآن كلام الله عزّ وجلّ ووقف، ولم يقل مخلوق ولا غير مخلوق، فهو أخبث من الأوّل. ومن زعم أنّ ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة، والقرآن كلام الله، فهو جهمي، ومن لم يكفِّر هؤلاء القوم كلّهم فهو مثلهم"(15). المطلب الرابع: القول الفصل أنّ القول بقدم القرآن الكريم يلزمه النتائج الفاسدة التالية: 1-لو كان القرآن قديماً للزم تعدد القدماء. إذ لو افترضنا أنّ القرآن الكريم قديم - غير مسبوق بالعدم- وهو مستقل بذاته، فلزم تعدد القدماء. 2- لو كان القرآن قديماً للزم الكذب على الله سبحانه. بيان الملازمة: لو سلّمنا جدلاً بأنّ القرآن الكريم قديم, وقرأنا الآية الكريمة: {إنّا أرسلنا نوحاً إلى قومه} نجد أن الفعل (أرسل) ماضي, وحيث أنّه سبحانه لم يخلق بشراً منذ الزمن الأزلي ولا حتى النبي نوح (عليه السلام) فيكون مدلول الآية هو الكذب الصادر من الله سبحانه, وتعالى عن ذلك علواً كبيرا. أي إنه يلزم أن يكون الإخبار قبل الوقوع. 3- لو كان القرآن قديماً للزم ثبوت العبث واللغو لله سبحانه. بيان الملازمة: لو سلّمنا جدلاً أنّ القرآن الكريم قديم وقرأنا الآية الكريمة: {وأقيموا الصلاة}, فحيث لا مخلوق في الأزل, فيكون توجيه الله سبحانه خطابه للعدم عبثاً منه ولغواً. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً 4-إنّ الله سبحانه يصف كلامه بأنّه محدث لا قديم, بدليل صريح الآية الكريمة: { مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُون} والذكر هو القرآن بدليل الآية الكريمة: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون}(16). فلا مجال لتفسير الذكر بأنّه النبي محمد (صلى الله عليه وآله) كما ذهب إليه البعض. 5-أنّ ألفاظ القرآن الكريم حادثة, بدليل أنّنا حينما نتحدث بآية ونتلو الأخرى تصبح الآية الثانية حادثة في نفس السورة, وهكذا الحال في تراتب السور بأكملها, فآخرها أحدثها. _________________ (1) ظ: النكت الاعتقادية: للشيخ المفيد، ف1, ص 27. (2) شرح الاصول الخمسة: للقاضي عبد الجبار المعتزلي, 528. (3) شرح التجريد للقوشجي: 319. (4) ظ: النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر, ص41. (5) الشورى:51. (6) الشعراء: 192-195. (7) النساء:171. (8) القصص: 30. (9)ظ: النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر, ص42. (10) الصفات الفعلية: هي الصفات التي ممكن أن تنفك عن الذات, وتتقوم بطرفين: متكلم, وموجَه له الخطاب, وممكن وصف الذات بنقيضها, فنقول: أنه تعالى تكلم مع النبي موسى (عليه السلام) ولم يتكلم مع فرعون. (11)الأنبياء:2. (12) محاضرات في الإلهيات: للعلاّمة السبحاني, 125_126. (13) نهج البلاغة: خطبة 186, ص 368. (14)مناقب آل أبي طالب: لابن شهر آشوب , ج2, ص 525. (15) كتاب السنة: لعبدالله بن أحمد بن حنبل, ص49. (16) الحجر: 9. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمدٍ وآله. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنة
3758

مصحف فاطمة (عليها السلام)

تمهيد أخذت المذاهب المخالفة تستمر في طعنها بالمذهب الشيعي، حتى زعمت أنّ مصحف فاطمة الزهراء (عليها السلام) هو قرآن غير القرآن الكريم، وبات القوم يرددون أنّ قرآن الشيعة محرَّف، وأنّهم كافرون. والصحيح ما سوف يعرفه القارئ بروح مجردة، بعيدة عن الانحياز إلى جهةٍ دون اخرى. هل طرق سمعك أيّها القارئ مصحفُ عائشة، ومصحف عمر ابن الخطاب، ومصحف ابن مسعود؟! وهل تساءلت: ما معنى المصحف لغةً؟! لذلك لابد من تسليط الضوء على الموضوع من خلال المطالب التالية: الـمطلب الأول: حقيقة مصحف فاطمة (عليها السلام). الـمطلب الثاني: منزلة مصحف فاطمة (عليها السلام). المطلب الثالث: الدليل على وجود مصحف فاطمة (عليها لسلام). المطلب الرابع: محتوى مصحف فاطمة (عليها السلام) وكيفيّة نزوله. المطلب الخامس: مَن كتب مصحف فاطمة (عليها اسلام)؟ الـمطلب الأول: حقيقة مصحف فاطمة (عليها اسلام) المصحف لغةً: المصحف من اصحف بالضمّ ـ أيّ جعلت فيه الصحف(1) ، وسمّي المصحف مصحفاً "لأنّه اصحف ايّ جعل جامعاً للصحف المكتوبة بين الدفتين"(2). وبناء عليه ، "فالمصحف ليس اسماً مختصاً بالقرآن الكريم. ويشهد لذلك ما رووه في وجه تسمية المصحف مصحفاً ، فقد روى ابن اشتة في كتاب المصاحف انّه لما جمعوا القرآن فكتبوه في الورق قال أبو بكر : التمسوا له اسماً ، فقال بعضهم : السفر ، وقال بعضهم : المصحف فان الحبشة يسمّونه المصحف. قال : وكان أبو بكر أوّل من جمع كتاب الله وسمّاه المصحف"(3). وإطلاق المصحف على مصحف فاطمة (عليها السلام) هو إطلاق لغوي لا كما يتبادر إلى أذهاننا اليوم، لذلك فإن الإمام الصادق (عليه السلام) يقسم بالله تعالى على أنّ مصحف فاطمة (عليها السلام) ليس فيه من قرآنكم حرف واحد، بل هو كتاب حوى أخبار بعض الغيب الذي أطلعه الله سبحانه على فاطمة الزهراء (عليها السلام). فمصحف فاطمة (صلوات الله عليها) هو كتاب عظيم المنزلة أملاه جبرائيل الأمين على سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السَّلام) بعد وفاة أبيها رسول الله (صلَّى الله عليه و آله) و ذلك تسكيناً لها على حزنها لفقد أبيها (صلَّى الله عليه و آله) .كما ويُعتبر من جملة ودائــع الإمامة. الـمطلب الثاني: منزلة مصحف فاطمة (عليها السَّلام) اُعتبر هذا المصحف أول مصنّف في الإسلام ، حيث إن الزهراء (عليها السَّلام) توفيّت في الثالث من شهر جمادى الأولى (في الرواية المشهورة)، و لم يكتب قبل هذا التاريخ كتاب في عصر الإسلام، وله من القداسة مكان؛ وهو مجموع حديث جبرائيل الأمين لفاطمة ( عليها السلام ) فهو من الوحي . و لا غرابة في ذلك إذ إنّ الزهراء (عليها السَّلام) كانت محدّثة (أي يُكلّمها الوحي) ، وليست الزهراء هي الوحيدة التي حدّثتها الملائكة، فقد كانت مريم بنت عمران محدّثة حينما بشّرتها الملائكة بأنها سيكون لها ولد (عيسى)، كما كانت أم موسى بن عمران (عليه السَّلام) محدّثة حينما أمرتها الملائكة بأن تلقي ولدها موسى في اليم. وكذا سارة زوجة النبي إبراهيم (عليه السَّلام) أيضاً كانت محدّثة فقد رأت الملائكة فبشروها بإسحاق ويعقوب؛ ذلك أن الحديث مع الملائكة رغم أهميته و عظمته فهو ليس من علامات النبوة و خصائصها، فمن ذكرناهن لسنَ من جملة الأنبياء كما هو واضح، لكن الملائكة تحدثت إليهن، فـهكذا الحال مع فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) سيدتهنّ، حدّثها الوحي وجمعت تلك الاحاديث في كتابٍ سُمي بمصحفُ فاطمة، فلهذا هو مقدّس، لكن درجة تقديسه لا تفوق درجة قداسة القرآن الكريم، فلا كتاب يضاهي قداسة كتاب الله تعالى. الـمطلب الثالث: الدليل على مصحف فاطمة (عليها السلام) إن قيل: ما الدليل القرآني على وجود مصحف فاطمة (عليها السلام) ؟ اُجيب: من غير الصحيح حصر الدليل بالقرآن الكريم، فقد ثبت أنّ أحاديث السنة النبوية هي حجة كما القرآن الكريم. ولو انتقلنا إلى الدليل الروائـي نقلاً عن لسان أهل البيت (عليهم السلام) لوجدناهم يصرحون بوجوده وبأنّ المصحف فيه أنباء من بعض علم الغيب، ومن تلك الروايات التالي: 1-روي عن الإمام الصادق ( عليه السَّلام ) : " ... أما إنه ليس فيه شيء من الحلال و الحرام ، و لكن فيه علم مــا يكون"(4). 2- قال الإمام الصادق ( عليه السَّلام ) : " و ليخرجوا مصحف فاطمة فان فيه وصيّة فاطمة "(5). 3-روي عن الامام الصادق (عليه السلام) انه قال : "يا فضيل أتدري في أي شيء كنت انظر قبيل؟ قال: قلت: لا، قال: كنت أنظر في كتاب فاطمة عليها السلام ليس من ملك يملك الأرض الا وهو مكتوب فيه باسمه واســم أبيه وما وجدت لولد الحسن فيه شيئا"(6). 4-و قال العلامة المجلسي ( رحمه الله ) : "الظاهر من أكثر الأخبار اشتمال مصحفها على الأخـبار فقط"(7). وليس المقصود من عبارة (ما فيه من قرآنكم حرف واحد) عدم وجود آية قرآنية فيه، بل المقصود كما ذكر في شرح اصول الكافي: "أي وجه واحد من وجوه المعاني والأحكام بل فيه علم ما يكون من الحوادث اليومية وأحوال الجنة والنار وأهلهما. وأحوال أبيها ومكانه وأحوال ذريتها وما يجري عليهم وأحوال شيعتهم إلى يوم القيامة"(8). المطلب الرابع: كيفيّة نزول مصحف فاطمة (عليه السلام) ومحتواه من الروايات يمكن أن نعرف محتوى مصحف فاطمة، إذ فيه علم ما يكون من أنباء الغيب، أنزله الوحي عليها (عليهما السلام). -فإن قيل: إنّ الوحي من مختصات النبوّة ! -قلنا: كلا، كما تقدمت الإشارة إليه. ولذا فإنه عندما سئل الإمام الصادق (عليه السَّلام) عن مصحف فاطمة (عليها السَّلام) قال : " إنّ فاطمة مكثت بعد رسول الله (صلَّى الله عليه و آله) خمسة و سبعين يوماً، و كان [قد] دخلها حــزنٌ شديد على أبيها، و كان جبرئيل يأتيها فيُحسن عزاءَها على أبيها، و يُطيّب نفسها و يخبرها عن أبيها و مكانِه، و يخُبرها بما يكون بعدها في ذريتها، و كان عليّ (عليه السَّلام) يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة "(9) . وعن حمّاد بن عثمان ، عن الإمام الصادق (عليه السَّلام) أنه لما سأله : و ما مصحف فاطمة ؟ قال (عليه السَّلام) : " ... إنّ الله تعالى لمّا قبض نبيه ، (صلَّى الله عليه و آله) دخل على فاطمة من وفاته من الحـــزن ما لا يعلمه إلا الله عَزَّ و جَل، فأرسل الله إليها ملكاً يسلّي غمّها و يــحدثها، فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين (عليه السَّلام) فقال : إذا أحسست بذلك و سمعت الصوت قولي لي، فأعلمته بذلك ، فجعل أمير المؤمنين (عليه السَّلام) يكتب كلّما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفاً . ثم قال :أما إنه ليس فيه شيء من الحلال و الحرام ، و لكن فيه علم ما يكون "(10). فإن قال المخالف: كيف تعلم فاطمة (عليها السلام) بالغيب وينزل عليها الوحي ؟ وتكليم الوحي والعلم بالغيب من مختصات الأنبياء -اُجيب بما تقدم: أنّ سارة زوجة ابراهيم النبيّ، مريم العذراء ام عيسى النبيّ، ام داوود النبيّ، هل هنّ نبيّات؟ -إن قلتَ نعم، فلم تصدق القول. -وإن قلتَ لا، إذاً كيف كلمهنّ الوحي! وهل هنّ أفضل من فاطمة بنت حبيب الله التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها ؟! ومن يعترض على تكليم الوحي لفاطمة (عليها السلام) نريده أن يعترض على تكليم الوحي لأم النبي موسى (عليه السلام) حينما أمرها أن تلقي ابنها في اليم (البحر) وكذلك مريم العذراء كلمها الوحي وقال لها (هزّي إليكِ بجذع النخلة)، وكلمتها قبل ذلك الملائكة وأخبرتها بأنها سيكون لها ولد. وليقرأ ما رواه مسلم في صحيحه عن حذيفة أنه قال: "أخبرني رسول الله (ص[صلى الله عليه وآله وسلم]) بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة فما منه شيء إلا قد سألته إلا أني لم أساله ما يخرج أهل المدينة من المدينة"(11). فلا يستغرب بعد ذلك حفظ أهل البيت ذلك كله عن رسول الله (صلى الله عليهم أجمعين). المطلب الخامس: إملاء المصحف كان من أي ملَك؟ هنالك روايات قالت بأن الوحي الذي كلّم فاطمة (عليها السلام) هو جبرائيل، وروايات اخرى قالت أنّه ملكٌ عادي وليس جبرائيل، فاختلفت الروايات في ذلك. فإن قيل: ما السبيل للجمع بين هذه الروايات ؟ -اُجيب: انّ الروايات مختلفة لكنها ليـــست بمتعارضة حيث أنّ الحديث الذي يتضمن القول بأنّ جبرائيل (عليه السلام) هو الذي كان يسلّي فاطمة (عليها السلام) ، لا يعارض الحديث الذي يقول : إن ملكاً كان يسليها ويحدثها فلا مانع من ان يكون الملَك هو جبرائيل، كما ان خبر تسمية الملّك قد صححه العلامة المجلسي في كتابه بحار الانوار. وجاءت الروايات مختلفة بشأن إملاء ذلك المصحف ، فقد أدعى البعض : إن الأحاديث حول مصحف فاطمة عليها السلام متعارضة لأن بعضها يذكر أنه من إملاء رسول الله وكتابة علي عليه السلام(13) . والبعض الآخر يذكر أنه كان ملك يأتيها بعد وفاة أبيها يحدثها، وكان علي عليه السلام يكتب ذلك ، فكان مصحف فاطمة(14) فالحقيقة انه لا تعارض بين الروايتين؛ لماذا؟ لأن معنى التعارض في الروايات هو أن تكون الروايات متكاذبة في ظاهرها ، تثبت هذه شيئا وتلك تنفيه، فإذا لم يمكن الجمع بينها، فلا بد من طرحهما أو طرح إحداهما ، إلا إذا وجد مرجح لأحداهما ، والأحاديث التي تحدثت عن مصحف فاطمة ليست كذلك (أي ليست بمتعارضة) كما تبين. ............................................................................ (1) القاموس المحيط: الفيروزآبادى ، مادة صحف. (2) الخليل ، العين ۳ : ۱۰ و ابن منظور ، لسان العرب ماده الصحف. (3) الاتقان في علوم القران: للسيوطي، ج ۱، ص ۱۸٥. (4)الكافي : 1 / 240 . و بصائر الدرجات : 177- ح 18. و موسوعة الإمام الصادق ( عليه السلام ) : 10 / 93 – ح 5388. و بحار الأنوار : 26 / 44 . (5) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي، ج 26 ، ص 43. (6) الكافي: لشيخ الكليني، ج 1، ص 238 – 242. (7) بحار الأنوار :26 / 40. (8). شرح اصول الكافي: للمازندراني,ج 5، ص 337. (9) الكافي: للشيخ الكليني، ج ١، ح5. (10) المصدر نفسه، ح2. (11) صحيح مسلم: للإمام مسلم، ج8، ص173. (12) البخاري: للإمام البخاري، ج 4، ص200. (13) في البحار : ج 43 ص 79 و ج 26 ص 41، والبحار : ج 46 ص 41 و 42 و 47 و 48 و 49 و 271. (14)الكافي : ج 1 ص 41 و 240 و 457 و 458. وبصائر الدرجات : ص 157 و 153 ، 159. والخرائج والجرائح : ج 2 ص 526 . وبحار الأنوار : ج 26 ص 41 و 240 و ج 43 ص 79 و 80 و ج 22 ص 545 و 546. والحمد لله رب العالمين وصل اللهم على محمدٍ وابنته وآله الميامين. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنة
4541