مدونة الكفيل

خاطرة

لقد رُفِعَ قميصُك في السماء يا حسين.. وضجّتِ الملائكةُ بالبُكاء.. وجميعُ الرسلِ والأنبياء.... فكيفَ بأهلِ الأرض؟ لا يُقيمون مجالسك! ويستلهمون العِبَرَ من مُصابِك.. بأنواعِ العزاء.. هذا يكتُبُ والآخرُ يرثي وأولئك يلطمون.. مصائبُكم فينا باقيةٌ نكتبُها بأقلامٍ دامية ماذا قلتَ لأبي الفضل حين هويتَ عليه بدموعٍ باكية أ قُلتَ: أ تترُكَ زينبَ ليزيدَ وسياطِه أم لألفاظه النابية؟

اخرى
منذ أسبوعين
74

خاطــــرة

بقلم: عباس قاسم المرياني المصائبُ والويلاتُ التي أحاطتْ بزينبَ (عليها السلام) تعصفُ بالصبرِ نفسِه ولا ينهضُ بها إلا أولو العزم ولو مرّتْ هذهِ المصائبُ على دِولٍ لأسقطتْها، لكنَّها قوة ذلك الإيمانِ ورسوخه في قلبِها الذي كان مُحمديَّ الرسالة علويَ الإيمانِ فاطميَ الصبر لذا بقيتِ السيدةُ زينبُ (عليها السلام) منارةً شامخةً، ومضربًا للأمثالِ

اخرى
منذ أسبوع
104

قصّتي مع المجالسِ الحسينيّة

بقلم: المستبصرة غفران سعد كلية الطب/ جامعة بغداد في ظلِّ مثلِ هذهِ الظروف من البلاء الذي حلَّ علينا مع كورونا -نسألُ اللهَ الفرجَ العاجلَ القريب بحقِّ حرمةِ أيامِ سيّدِ الشهداء (صلوات الله عليه)- ربما ستكونُ نسبةُ حضورِنا المجالس النسائية بنسبةٍ أقل، ونُحرَمُ من الكثيرِ منها، وستقلُّ أعدادُنا ونُحرَمُ من لقاءِ الكثير من الأحبّةِ الذين تعوّدْنا أنْ نراهم ونزدحم معهم كُلَّ عامٍ على المجالسِ الحسينية في مثلِ هذه الأيام؛ بسببِ الظروفِ الصحية، وتوصياتِ المراجعِ العظامِ بضرورةِ الالتزام بالإجراءات الوقائية الصارمة، أو قد أُحرَمُ منها أنا خصوصًا؛ بسبب ظروفٍ خاصة.. دفعتني الحسرةُ والألمُ والاشتياقُ ولهيبُ الفراق على أنْ أستذكِرَ قصتّي مع هذهِ المجالسِ المُقدّسة، كيف كانتْ؟ وكيف بدأتْ؟ وأين وصلت؟! وبعض المواقفِ التي حصلتْ معي فيها. قبل سنواتٍ كُنتُ كغيري من الناسِ البعيدين عن الوسطِ الشيعي والجاهلين به وبحقيقته، أعتقدُ أنَّ هذه المجالسَ كُلَّها كفرٌ وإشراكٌ، وأنَّ هذا النواحَ واللطم والعزاءَ هو سببُ كلّ بلاءٍ وغضبٍ وفقرٍ يحلُّ علينا! وأنَّ صاحبَه أصلًا لا يُريده، ولا يستفيدُ منه، بل لو رجعَ للحياة لقتلهم! كما قتلَ عليٌ ابنُ أبي طالب المُغالين فيه، وكُنتُ ادّعي أنني أحِبُّهُ وأعرفه أكثرَ منهم من دون هذا اللطمِ والبكاء! بالأخلاقِ والاقتداءِ والعمل فقط.. وكانتْ بنظري هذه المجالس مصدرًا للإزعاجِ، وتعطيلًا للحياة، ومزاحمةً وخرابًا، إضافةً إلى نظرةِ الانتقاصِ لمؤديها. منطقتُنا التي نسكنُ فيها شيعيّة، وكُلُّ سنةٍ تؤدّى فيها الشعائر؛ المواكبُ منصوبةٌ، والمجالسُ قائمةٌ، وزادُ أبي عبدِ الله (عليه السلام) في بيتِنا لا ينتهي حتى حلولِ شهرِ مُحرّم التالي! ووسطُنا في المدرسةِ والشارعِ والجيرانِ أغلبُه شيعيٌّ، وكانوا يدعوننا لحضورِ هذه المجالس، ولكنّي لا أحضر، أمي فقط كانتْ تحضر من بابِ التلبيةِ لدعواتِ صديقاتِها والجيران. لا تُغادرُ بالي صورتي وأنا واقفةٌ في يومٍ من الأيامِ لأمّي على بابِ المنزلِ؛ لأمنعها من حضور تلك المجالس، قائلةً: (لا تخرجي، فأنت ذاهبة لمكان كله كفر)! أولُ مجلسٍ حضرتُه من بابِ الفضول؛ لأطلع على ما يفعلون في هذهِ المجالس، ولأساعدَ صاحبته وهي مُدرِّسةٌ لي في الإعدادية، كان قلبي مُتعلِّقًا بها؛ فقد جذبتني بأخلاقِها والتزامِها وإخلاصِها في العمل، وعندما علمتُ أنّها شيعيةٌ صُدِمت! فحضرتُ المجلسَ وقدّمتُ لهم المساعدةَ في إعداد الشاي وتقديمهِ للمُعزّين، وتضييفهم حتى انتهى المجلس، لم أكنْ أعلمُ ساعتَها أنني أعِدُّ الزادَ لسفينةِ نجاتي التي أخذتْ بيدي للحقِّ، وأبصرتُ بها جانبَ النور! وقفتُ قليلًا على بابِ الغرفةِ التي فيها المجلس، أنظرُ تارةً إلى قارئة العزاء، وتارةً إلى المُعزّين وهم يلطمون ويبكون، أمسكتُ نفسي بصعوبةٍ عن التأثُّرِ بهم وعدم البكاء.. ولكن أخيرًا لم أتمالك نفسي عندَ تصويرِ حالةِ الخطابِ بين السيدة زينب والعباس (عليهما السلام)، وغربة الإمام الحُسين (عليه السلام)، ففاضت عينايَ بالدموع، ولم أكنْ أعلمُ أنَّ هذه الدموع ستغسلُ الغشاوةَ عن بصيرتي، وستُصيّرني في بضعِ سنينٍ من الذين يُصلّي عليهم اللهُ؛ لأنّهم من شيعة الحُسين الباكين. كالمغشي عليه من الموتِ، أختنقُ تارةً فأخرجُ من المنزل لباحتِه، حتى لا أتحمّل إثمَ هذا الكفرِ والغضبِ الإلهي الذي سيحلُّ علينا في الداخل بسببِ أفعالهم، وبنفسِ الوقتِ ثمةَ نور في الداخلِ يجذبُني؛ لأعود تارةً أخرى، فأقفُ على البابِ، وأستمع للنعي، وأنظر ماذا يفعلون. كنتُ أنظرُ إلى مُدرِّستي وأراها بحالةٍ عجيبة، تبكي وتلطمُ وفي عالمٍ آخر، أُكذِّبُ الكونَ كُلَّه ولا أُكذِّبُها فيما تفعلُ وتعتقدُ ولا أشكُّ في صدقِها قيدَ أنمُلة. مضت أيامُ هذا المجلس، وأنا بين المُصدِّقةِ لقلبي ونفسي وروحي فيما حصدتُه منه، وبين المُكذِّبةِ المُعانِدة المُنغلِقة على أفكارها المُتمسكة بما وجدت عليه آباءها... مضتِ الأيامُ وانقضت، ومُحرّمُ التالي ليس كما قبله؛ فلم أقفْ لأمّي على البابِ؛ لأمنعها من الذهاب للمجلس، بل كانت في نفسي راغبةٌ في أن أذهب! لم أمنعْها من لبسِ السواد تماشيًا مع أهواءِ منطقتِنا، ولم أُطفئُ التلفازَ عن صوتِ القصيدةِ الحسينية التي تظهرُ صدفة... لم أستهزئُ باللطم... ولم أنطقْ عبارات التكفير والاتهام بالشرك من دون دليلٍ ومعرفة. لم أتذمّرْ من صوتِ الموكب! بل أظهرتُ عدمَ الرضا على أفعالِ أهلي في البيتِ من الاستهزاءِ بالقصيدةِ التي ظهرت، وطلبتُ منهم أنْ يكتفوا بخفضِ الصوت! وقمتُ بتسجيل فيديو لأختي الصغيرة، وهي تلطمُ على قصيدةِ "براءة العشق"! وحزَّ في نفسي بهذا العام أنَّ مدرستي لم تدعُني إلى مجلسِها؛ احترامًا لمشاعري أو لنقُل لتُجنبني الإحراج؛ لاختلاف اعتقادي وأفكاري! وشعرتُ بداخلي أنّني حُرِمتُ، وتمتمتُ في نفسي: نحنُ أيضًا نُحِبُّ الحُسين (عليه السلام) ونرغبُ بحضور مجلسه. ومضتِ الأيامُ ولم يكنْ شيء كما كان! الباطِنُ يُنذِرُ بتغيير، والأفكارُ بدأتْ تتضاربُ وتتحرّكُ وتبحثُ عن الأجوبةِ والحلول، إلى أنْ أذِنَ اللهُ (تعالى) واُتيحتِ الفرصة؛ ولأنني أعلمُ أنّ فرصَ الخيرِ تمرُّ مرَّ السحاب، تحمّلتُ كُلَّ شيءٍ وانتهزتُها.. فرصةُ أنَّ هناك مَن يُجيبُني عن كُلِّ أسئلتي ونقاشاتي، مَن يُعينني على معرفةِ الحقِّ والحقيقة، فرصةُ أنْ أخضعَ لما يتوضَّحُ لي من الحقِّ في أمرِ الدين، وأطبِّقُه وأعملُ به.. والحمدُ لله أنّني لم أُقصِّرْ في ذلك، وشكرتُ النعمةَ حقَّ شُكرِها، حتى وفّقَني الله (تبارك وتعالى) والتزمتُ بطريقِ المعرفةِ وطلبِ الحقِّ حتى آخرِ الأنفاس! وحتى وصلتُ لما وصلتُ له من العقيدةِ والولاءِ لأهلِ بيت محمّدٍ (صلواتُ اللهِ عليهم أجمعين).. إلى أنْ جاء مُحرّمُ بعدَ سنتين وبدأتُ أحضرُ المجالسَ وأنا بعقيدةٍ جديدةٍ وفكرٍ جديد. كان أولُ محرّمٍ لي هو مُحرّم التعرُّفِ والمعرفةِ، أقرأُ ما جرى في كربلاء وأعيشُه في المجالس، وبنفسِ الوقتِ أبحثُ عن أجوبةٍ عقائدية: لِمَ البُكاء؟ لِمَ اللطم؟ لِمَ العزاء؟! وعندما أحصلُ على الجواب أطبِّق.. لا يملكُ الإنسانُ السببَ حتى يبكي عندما يسمعُ المقتلَ والرثاء، لكنّه قد يُمسِكُ نفسَه عن اللطمِ إنْ لم يكنْ مقتنعًا بذلك! وأنا في أولِ مجالس حضرتُها حاولتُ ذلك؛ لأنني لم أكن قد وصلتُ إلى قناعةٍ وحجةٍ أنَّ اللطمَ جائزٌ بعد، ولم أُكمِلْ هذا الـ chapter من الكتابِ بعد! حيثُ كُنتُ مُعتادةً أنْ أقرأ كُلَّ شيءٍ على مهلٍ وأبحثُ عنه وأسأل، وعندما أقتنعُ أطبِّقُ على الفور! فـ"من عمِلَ بما يعلمُ علّمَه اللهُ ما لم يعلمْ!". كانت هذه الرواية وتطبيقُها مصدرَ كُلِّ التوفيقات في حياتي وسببَ سرعتي في الوصول.. ومع ذلك لم أكنْ أصمدُ في المجالسِ حتى أنتهي من قراءةِ البحثِ لألطمَ على مصائبِ الحُسين! وكان هذا الردُّ عفويًا: "الما يلطم على احسين مو شيعي يسمونه" سمعتُ هذهِ العبارةَ بأحدِ المجالس، فقمت باللاوعي باللطمِ معهم، وفتّتَتِ المعرفةُ المكتومةُ في باطني للحُسين كُلَّ هذا العناد وأزالتْ عمى البصيرة.. فعُلِّمتُ ما لم أعلمْ حينَها وقمتُ لألطمَ عن معرفةٍ وعقيدةٍ ووعيٍ وقناعةٍ وعاطفةٍ ووجدان.. صرختُ بداخلي: "كيف لا أُعتبَرُ شيعيةً وأنا كُلُّ ذرةٍ من ذراتِ وجودي تصرخُ: أشهدُ أنَّ عليًّا ولي الله"؟! بعدئذٍ ما إنْ سمعتُ نفسَ هذه العبارة على قناة كربلاء، في يوم العاشر، حتى بدأتُ باللطمِ معهم.. كنتُ عندما أحضرُ المجالسَ لا أعرف كيف ألطم، فأنظرُ إليهم وأتعلمُ منهم.. والشيءُ الوحيدُ الذي كنتُ أُجيدُه هو البكاء، والبكاءُ بصمتٍ وهدوءٍ لا يُسمَعُ لي فيه أي صوت! أولُ المجالسِ التي كُنتُ أحضرُها، كانت قارئة العزاء بعد الانتهاءِ كُلَّ مرةٍ تُناديني، وتسألُ عني وتتعرفُ عليّ: (من هذه الفتاة التي تبكي بحرقة مع هدوء؟) فتنتبهُ إليَّ جميعُ من في المجلسِ دون أنْ أشعر، ويغبِطنني قائلاتٍ: هنيئًا لكِ، وأمّا قارئة العزاء فكانت تدعو لي بالتوفيق والثبات وتُهنئني، وهي لا تعلمُ بقصتي أصلًا ولا تعرفني من أنا! كُنتُ أشعرُ أنَّ هذه المواقف من تدبيرِ يدِ الغيب، وأنَّها أمارةُ قبولٍ تشدُّ الأزرَ وتثبتني على هذا الصراط، كُنتُ أشعر أنّها علامةُ القبول من الزهراء (صلوات الله عليها) لهذه التعزية والمواساة؛ لأنّني كنتُ أقرأُ حينَها أنَّها (صلوات الله عليها) تحضرُ وتفعلُ ذلك... وبعدَ كُلِّ مجلسٍ أحضره يتكرّرُ هذا الشعور، حتى صرتُ معروفةً به، وجيراننا في كُلِّ مرةٍ يطلبونَ حضوري بالخصوص، وإذا كانتْ أمّي لا تستطيعُ الحضور فيأتونَ هم ويأخذونني معهم! والبعض منهم يأتي ويجلسُ بجانبي، مُعللين ذلك بقولهم: "الزهراء تحضر عندك!"، وفي كُلِّ مرةٍ يأتونَ لدعوتِنا يقولون لأهلي: "وغفران هل تأتي" فضلُ هذه المنطقة والجيران عليّ عظيمٌ، وحتى مجالسهم وناسهم، وعلى الرغمِ من السلبيات التي توجد لكن لهم عظيمَ الأثرِ في طريق تكاملي وتعلَّمْتُ منهم الكثير وأهمها الولاء. حتى أنّهم عندما يأتون بـ(الثواب والتوزيعات)، فإنَّ لي عندهم الحصة الخاصة، وأحيانًا يخصونني بحصةٍ مماثلة لحصةِ أهلي أجمعهم قائلين: "هذه لغفران فقط" ولأننا لا نخرج في منطقتنا كثيرًا، ولا تربطني بالجيران علاقة غير المجالس، فإنّهم يأتون في المناسبات والأعياد ويُسلِّمون عليّ، ويخصونني بالمعايدة، كما واسوني بطريقةٍ عجيبة، وأخذوا بيدي دون شعورٍ وعلموني الكثير واستفدت منهم، رغم لقاءاتنا القليلة، وهذه المعنويات يحتاجُها كُلُّ شخصٍ في بدايةِ طريقه.. في أولِ زيارةِ أربعين لي في العام نفسه، كانتْ موافقةُ أهلي مستحيلةً؛ فالزيارةُ والمشي والمبيتُ خارج البيت بمثل هكذا أماكن لا توجد في قاموسنا.. فبقيتُ أيامًا أبكي وأتحسّرُ وتقطّع قلبي أوصالًا، رغم أنَّ الحُسينَ (عليه السلام) أعطاني إشارةَ المواساةِ والقبولِ ولكنَّ القلبَ لا يقتنع.. فوقفوا معي حتى أنَّ جارتنا قالت: لن أذهبَ هذهِ السنةَ للأربعينيةِ إلا وغفرانُ معنا! ولأنًّ والدهم صديقُ والدي، فقد استجاب لطلبهم ووافق حياءً منهم، فذهبنا أنا وأمّي معهم.. وبعد ذلك صارت سُنّةً في أغلبِ الأحيان؛ تتسابق عليها أمّي -إنْ هداها اللهُ- قبلَ أنْ أطلب منها إنْ كانتْ الظروفُ مناسبةً.. وفي إحدى السنوات -وكانت هذه السنة الوحيدة التي خرجت فيها لمجالس في ليلة العاشر- طرقت جارتنا بابنا وقالت: "أأتوا غفران معنا لتحج"، فأخذتني معها، وذهبنا مع (قارئة العزاء) لكُلِّ المجالس التي تُقيمها في المنطقة حتى الفجر، وهي التي يسمونها "الحجة". عندَ عودتِنا للمنزل، وقريبًا من وقتِ صلاة الفجر، وأنا أسيرُ معهم في الشارع المظلم لوحدنا، وضعت طرف حجابها على وجهها وقالت: ليت عيني تعمى لأجلك مولاتي يا زينب، كيف تحملت كل أنواع الغربة والسبي والظلم والظلام!... وأجهش الجميعُ بالبكاء وأبكوني معهم. أمّا أنا وخصوص مجالس العباس (عليه السلام) فهي قصة خاصة؛ فمن فروضي أنْ أحضرَ مجلسًا في ليلته كل عام، حتى وإنْ لم يدعنا أحدٌ، فإنّي أبحثُ عن مجلسه وأذهبُ دون دعوة! وكم أتفاعل مع (قارئة العزاء) التي تأتي العزاء بالرايات والأهازيج العباسية، وقصائد الحماس، ومن ثم العتاب بين الإخوة، والحوار بينه وبين زينبه (صلوات الله عليهما)، وكذلك كيف أن استشهاده كسر ظهر أخيه الحسين (عليه السلام)، كُلُّ ذلك ألوانُ عشقٍ ومواساةٍ لا تُترجَمُ إلا بحرِّ الدموع ولطمِ الصدور! فكيف بالصبرِ على الفراق؟! أمّا ازدحامُ المجالسِ والصلوات فهذه قصةٌ أخرى، كُلّما يزدادُ عددُ الحضور ترتفعُ الصلوات ليتوسَّعَ المجلس! وبالفعلِ يتوسعُ لأضعافه! وعبارةُ (الزهراء توسِّعُ المجلس) لا تُفارقُ ألسنتهم.. أمّا أنا فلو بقيتْ لي زاويةٌ تكفي لإصبع فقط فإنّي أحشرُ نفسي فيها، وأوسِّعُ المجلس، ولا يهمني، وأنظرُ عليهم جميعًا كأنّهم معجزة؛ فرؤيتهم وهم يتوافدون ويتحاورون ويتواسون، بل حتى حديثهم العادي، يُبكيني، فأُردِّدُ: لبيكَ يا حُسين. لا أنسى نظراتِ صاحبةِ إحدى المجالس، عندما تأخرتِ (قارئة العزاء) عن مجلسها لفترةٍ طويلةٍ، فاضطروا لتبديلها لظرفٍ طارئ، فإنّها لم تُبقِ شيئًا في منزلِها لم تُخرِجْه لنا وتُضيّفنا به، وكُلّما غادر أحدٌ المجلسَ بسببِ طولِ الانتظارِ فإنَّ دموعها تنهمرُ على خديها، وكأنّها تتوسلُ بالمعزين قائلةً: (أرجوكم انتظروا قليلاً لتواسوا الزهراء) وهي تبكي وأنا أبكي معها، ملتمسةً منهم الانتظار. من عادتي أنني لا أتذمرُ مُطلقًا بسبب التأخير في المجالس، بل أنتظر ولو لساعات، واستثمرُ الوقتَ بما يُعينني على الخشوع وحضور القلب والتأمُّل في المُعزّين والتعلُّم منهم ومن كلامهم وعاداتهم وتصرفاتهم، حتى أنَّ أُمّي أحيانًا تتركني وتذهب، وأنا أواصلُ الانتظار، ولا أخرجُ إلا بعد أن ينتهي المجلس. لا يفرقُ عندي إنْ كان المجلسُ فيه محاضرةٌ دينيةٌ أو مجلسُ عزاءٍ فقط، ولا أُحِبُّ أنْ أنتقيَ المجالس، فإنْ حدَّثتني نفسي بالانتقاء ألومها؛ فالحُسينُ عَبرةٌ وعِبرةٌ، والعزاءُ في أيامِ المحرّمِ هو الأساسُ والمُنطلقُ والشعارُ كما قال مرجعُنا الأعلى. روحي دائمًا تتعلقُ بالبيتِ الذي أحضرُ مجلسَه، وأشعر انّي لا أرغب بأنْ أُفارقَ المجلسَ، حتى أُكمِلَ كُلَّ دعواتي وطقوسي، وجولتي على الصورِ والراياتِ المُعلّقة عليه لأمسح بها وجهي ودموعي.. وكم أحرصُ على أنْ أساهمَ في تنظيفِ المحلِّ الذي يُقامُ فيه المجلسُ بعد انتهائه، فأحمل ما يُمكنني حمله مما تركه المعزون، وأتمنى لو يمكنني البقاء لانتهاء كل التنظيف. كانتْ مُدرِّستي دائمًا ما تمنحني هذه الفرصة؛ لأنال هذا الشرف العظيم، وأخدم ولو بالشيء القليل أبا عبد الله (عليه السلام) ومُعزيه ومجلسه، كنتُ أذهبُ معها قبلَ الجميع وأمدُّ لها يد العون، وبعدَ انتهاء المجلس أبقى معها؛ لننظف المكان معًا.. وقد دفعني حبي للمجالس الحسينية إلى أن أتمسك بمنطقتي التي أسكنها، حتى أنّ أهلي كُلّما كانوا يتناقشون في موضوعِ تركِ المنطقة وشراء بيتٍ في مكانٍ آخر، كُنتُ أولَ من يعترض، ولا أقبلُ بذلك أبدًا ولا أرضى؛ خوفًا من أنْ أُحرَمَ من هذهِ المجالسِ ومن الشعائر ومن رؤيةِ هذه المواكب وحتى زاد أبي عبد الله (عليه السلام). كما لا أقوى على فراق هؤلاءِ الموالين الذين بفضلِهم تعلّمْتُ بعضَ أبجدياتِ الولاء، وكيفَ يُطبَّقُ الولاء والمحبة والعقيدة في الواقع، وكيف تكونُ حياةُ الموالين، ولو كان اللقاءُ والاجتماعُ لدقائقَ قليلةٍ. كُنتُ وما زلتُ دائمًا أحلمُ وأخطِّطُ لليومِ الذي سيكونُ لي بيتي الخاص، وأقيم فيه مجالس العزاء، ومجالس مناسبات أهل البيت (صلوات الله عليهم)، وأخدم فيه شيعتهم ومُعزيهم.. هذه المجالسُ كانتْ وسيلتي الوحيدة للصلةِ الواقعيةِ مع أهلِ البيت (صلوات الله عليهم) ومناسبتهم ومواساتهم، والنهل من فيوضاتهم المعنوية والروحية في ظلِّ حرماني من الزياراتِ والغربة.. ثم حلَّتْ علينا كورونا ضيفةً ثقيلةً، وجُلّ ما أخشاهُ أنْ تحرمني حتى من هذه المجالس، فلله (تعالى) الأمر وله حكمةٌ هو بالغها، وللحُسين (عليه السلام) نشكو الحال، وضاقت فلمّا استحكمت حلقاتها، ستُفرجُ وكنتُ أظُنُّها لا تُفرجُ. كنتُ أحترقُ من الداخل وأنا أزورُ عن بُعد، أو أسجل اسمي في زيارةِ الإنابة، والآنَ كيف بي وأنا أحضر المجالس عن بعد؟! لكنّما هو اختبارٌ جديد، ومحكٌ جديد، وللولاء تعبيراتٌ وآفاقٌ عجيبةٌ، كما قالت المرجعية العليا.. لوهلةٍ كنتُ أظنُّ نفسي العالمةَ العارفةَ بأهلِ الخدمةِ والولاءِ والمواكبِ والشعائرِ والمجالسِ، المُحسِنةَ التعامُلَ والفهمَ والتعبيرَ، المُطلعةَ على فيضِ القلوبِ وصفائها ونقائها وصدقها، المؤمنةَ بكلامِ العقيلةِ زينب (عليها السلام) عندما صدَحَتْ بالوعدِ الإلهي ببقاءِ هذه الشعائر أثرًا لا يُدرَسُ على كرورِ الليالي والأيام.. وبدأتُ أقولُ: الأمرُ مع كورونا مستحيلٌ مستحيلٌ، فكيف بنا؟! وإذا بهم يُفاجئوننا، ويُبدعون من جديد، وتظهرُ آفاقُ خدمتِهم وتمسُكِهِم بشعائرهم وعشقهم للحُسين (عليه السلام) من عجائبِ الدنيا، ويبقى هذا السِرُّ يُحيّرُ العقولَ والأفهام؟! وحتى صدمني أحدُ كبارِ علماءِ الحوزة وأساتذتها بعبارةٍ وقفتُ مُتحيّرةً أمامَها لساعاتٍ، في أيّ عقلٍ أحملها؟ وبأيّ قلبٍ أحتويها؟ وعلى أيّ صفحةٍ في روحي أكتبها؟ كي لا أنسى هذا الدرسَ الجديدَ في الولاءِ والعزاءِ والإحياء الذي تعلّمته.. السيدُ الأشكوري، أستاذٌ بحجمه الكبير في الحوزة العلمية، يتحدثُ عن خَدَمَةِ الإمام الحسين (عليه السلام) قائلًا: قولوا للخدام: أنتم أخذتم بيدنا إلى هذا المنهج، وطريق الخدمة الحسينية والمأتم، والآن أنتم على المحك وفي تحدٍ جديد. الله أكبر! كما تعلّمتُ وصبرتُ لسنواتٍ وسأظلُّ أصبرُ حتى يعجز الصبرُ عن صبري، وينظرُ الرحمن في أمري.. سيبقى أهمُّ ما عندي أنْ أرى المجالسَ والشعائرَ والزيارات تُقامُ وبأروعِ صورةٍ تعكسُ للعالمِ من هُم شيعةُ الحُسين وعُشّاقه ومُحبوه وخُدّامه. هم الملتزمون بتوصيات مراجعهم العظام التي تعكسُ تعاليمَ الدين الإسلامي الحنيف، سواء أكنت من الحاضرين أم لا. عظّمَ اللهُ أجوركم وأحسنَ عزاءكم بمصابنا بأبي عبد الله الحُسين (عليه السلام)، وجعلنا الله وإيّاكم من الطالبين بثأرهم مع الحجة المنتظر (عجل الله فرجه).

اخرى
منذ أسبوع
230

شغف الورد

بقلم: زهراء المتغوي من أولِ العمرِ حتى ساعــة اللحدِ أراك في شغفِ الأرواحِ للوعــــــدِ أراكَ حيـن سفين الشوقِ يأخذني والموجُ ينثـــــالُ بين الجزرِ والمدّ أراك أجمــلَ إحساسٍ يخالجـني كالزهرِ والعطر والأنســام والوردِ أراك مثل صـــلاةٍ في تبتلهــــــا وأنت أنت إليهــا سورة الحمدِ هواك يقطرُ ما بين الدموع ندى والغيمُ يرسمُ لون الحزن في خدّي يا فكرةَ الصبح بالجمعاتِ تجذبني وتشعــلُ النبضَ بين المسك والندِّ والضوءُ يصقلُ بالندبات جوهـرةً وأنت أثمنُ ما تبقي الرؤى عندي أستوقفُ العمـرَ في أبهى محطته للانتظـــارات ما أخفي وما أبدي وأنت في مهجتي يـــا من أخبّئـــهُ لعتمــةِ العمر كنز النورِ يا مهــدي جمعة والهة

اخرى
منذ أسبوع
109

ماذا تعلمتَ من عاشوراء الحسين؟ (١)

تعلّمتُ أنَّ الصلاةَ هي أهمُّ دعائمِ الدين، وأنّها وسيلة الاتصالِ بين العاشقِ والمعشوق، بين الخالقِ والمخلوق، بين العبد وربه، وأنّها حصنُ المؤمنِ في مواجهةِ مُغرياتِ الحياةِ؛ فهي كما وصفَها اللهُ (تعالى): "إنَّ الصلاةَ تنهى عنِ الفحشاءِ والمنكر" وهي علامةٌ للتمييزِ بين المؤمنِ والفاسق فها هو الحسينُ (عليه السلام) في يومِ عاشوراءِ بين صليلِ السيوفِ، وطعنِ الرماحِ، ورمي السهامِ صلّى بأصحابِه صلاةَ الخوفِ بوقتِها، ولم يتوانَ لحظةً في تأخيرها.

اخرى
منذ أسبوع
67

السجاد .. نداء الحزنِ الأبدي

بقلم: زهراء المتغوي زدني أيا جرحَ العليلِ توجّـــعا شتّانَ بين من اكتوى ومن ادّعى هذا نداءُ الحُزنِ يملأ خــافقي والعينُ تجري في المصيبةِ أدمعا والقلبُ يذكرُ من مآثر عـلمِه وبعلمه قلبُ الشريعةِ قد وعى أبكي على السجّادِ زفرة فاقدٍ من حوله جبلُ الهمومِ تجمّعا أبكي على من بالعـــــبادةِ ليله ونهـاره وإلى الإلــه تضرَّعـــا وعلى الذي شرحَ الحقوقَ مخافةً أن تستباحَ من الورى وتضيّعا وعلى الذي ذاق الـمــــرارةَ كلّها والقلبُ من كأسِ الطفوف تجرّعا ما حاله وهو الحــــنونُ فؤاده لمّا رأى جسم الشهيد مقطّعا؟ ما حاله وهو العـــــزيز إباؤه حتى يرى تلك السبايا هلّعا ؟ ما حاله والموتُ يفري قلبه سمّا يجرّعه المنية أنقــــعا؟ ما حال باقـــــــره وحال بناته والرزء يا للرزء أحنى الأضلعا؟ ما حال شيعته تجــــــدّد حزنها فكأنّ عاشــوراء عادت أفظعا ؟ وكأنّ هذا اليوم أعظم حسرةً ملأ الزمان شــكايةً وتفجّعا حتى القصــائد أطفأت جمراتها فلنحمل الذكرى ونشعلها معا مأجورون ونسألكم الدعاء

اخرى
منذ أسبوع
100

الدعوةُ إلى الحجابِ/ نظرةٌ معاصرةٌ السيدةُ زينبُ (عليها السلام) أنموذجًا (3)

بقلم: فريال ياسر الأسدي 5ـ الحجابُ والقرآن هل هناك حكمٌ صريحٌ بتشريعِ الحجابِ في آيةٍ من الآيات الكريمة؟ يُطرَحُ هذا التساؤلُ من قبلِ كُلِّ من يُنكِر وجود دليلٍ على الحجابِ في القرآن، وأحيانًا يتعدّى إلى إنكارِ المفهومِ القرآني وفي هذا الموضوع سنذكرُ بعضَ آياتِ الحجابِ التي لها صلةٌ مباشرةٌ بالمسألةِ، لتتشكلَ لدينا رؤيةٌ قرآنيةٌ لمفهومِ الحجاب. 1ـ {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ} وهي من أهمِّ الآياتِ التي استدلَّ بها الفقهاءُ على الحجابِ الشرعي الإسلامي، وتُسمّى بـ(آيةِ الزينة) حسبَ المقطعِ الأولِ منها وهو: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}، وتُسمّى كذلك بـ(آيةِ الخمار)؛ استنادًا إلى المقطعِ الذي يقولُ اللهُ (تعالى) فيه: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}. 2ـ {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ ِلأَزْوَاجِك وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}. يقولُ الشيخُ باقر الأيرواني في إشارة منه إلى عدم اختصاص الحجاب بنساء النبي (صلى الله عليه وآله): "المعنى: قُلْ للنساءِ يسترنَ جميعَ بدنِهنَ بواسطةِ جلابيبِهن فإنَّ ذلك أقربُ لأنْ يُعرَفْنَ بأنَّهُنَّ من أهلِ الصلاحِ والعفافِ فلا يؤذين من قبلِ أهلِ الفسوقِ والفجور". 6ـ الحجاب... نظرة معاصرة. إنَّ الحجابِ المعاصرِ بينَ نساءِ جيلِ التطوّرِ والحداثةِ يواجِهُ حملةً عنيفةً وغزوًا يحاولُ إسقاطَه وتفريغَه عن محتواه في ذلك، وهذه الحملةُ تُدار من قبلِ جهاتٍ عالميةٍ مُنظَّمةٍ تستهدفُ خلقَ حاجزٍ بين المرأةِ والحجاب، وسلاحُهم في ذلك حُججٌ واهيةٌ لا تستندُ على دليل. ومن أهمِّ تلك الحجج: *تشريعُ الحجابِ لا يستندُ على دليلٍ واضحٍ ومعقولٍ في القرآنِ والسُنّةِ *تشريعُ الحجابِ الذي ذُكِرَ في القرآن هو خاصٌ بنساءِ النبي (صلى الله عليه وآله) *الحجابُ يسلبُ حُريةَ المرأةِ، ويؤدي إلى الخمولِ في النشاطات. ولقد بيَّنّا في المبحثِ الثاني أهمَّ الأدلةِ الشرعية من القرآن الكريم،، وأنَّ للحجابِ هدفيةً معقولةً حيثُ إنّه يرتفعُ بقيمةِ المرأةِ ومقامِها، وكذلك بينّا أنّه ليس خاصًا بنساءِ النبي (صلى الله عليه وآله) في الآية: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ ِلأَزْوَاجِك وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ}. أمّا كونُ الحجابِ يسلبُ حريةَ المرأةِ، فهناك اختلافٌ كبيرٌ بين أنْ تُحبسَ المرأةُ في البيتِ أو أنْ يُطلَبَ منها السترُ إذا أرادتْ مواجهةَ رجلٍ أجنبي. إنَّ حبسَ المرأةِ واحتجازِها لا وجودَ له في الإسلام، والحجابُ واجبٌ ملقى على عاتقِ المرأةِ، وليسَ الرجلُ مَنْ فرضَ ذلكَ الواجب، ولا هو مما يتعارضُ وكرامتها، ولا هو اعتداءٌ على حقوقِها الطبيعية، وقدْ وضُحَتْ سابقًا فلسفةُ الحجابِ وأنّه يُحافِظُ على هدوءِ الآخرين وراحةِ أعصابِهم وعدم الإخلالِ باتزانِهم الأخلاقي. أما كونُه يُسبِّبُ خمولًا في نشاطاتِ المرأة فهذا أيضًا ليس صحيحًا؛ فالإسلامُ حثَّ المرأةَ والرجلَ على طلبِ العلمِ على حدٍّ سواء، ودعاها إلى استثمار قدراتها مثلما دعا الرجل؛ ومعلومٌ أن المرأة تتمتعُ بالكثير من القدرات من الفكر والإدراك، والذكاء، والذوق والقدرة على العمل، وغيرها، والحجابُ ـ بالكيفية والحدود التي بيناهاـ لا يوجِبُ إضاعةَ تلك القدرات والمؤهلات، وإنَّ هذا الاعتراض يُمكِنُ أنْ يوجَّهَ للحجابِ الذي كانَ سائدًا عند القدماء، أمّا الحجابُ الإسلامي فلا يقولُ بحبسِ المرأةِ بينَ جُدرانِ البيت.

اخرى
منذ أسبوع
62

ماذا تعلّمتَ من عاشوراء الحُسين؟ (٣)

تعلّمتُ من عاشوراء الحُسين (عليه السلام) أنْ أكونَ ناصرةً لإمامِ زماني، وأقدِّمُ أغلى ما أملكُ لنصرةِ الدينِ والمذهبِ، والحفاظِ على مبادئه وقيمه من الزيف والتحريف وأنْ أقفَ صامدةً كزينبَ (عليها السلام) في وجهِ الانحرافِ والتضليل الذي يحدثُ في زماننا هذا.

اخرى
منذ أسبوع
65

الدعوةُ إلى الحجابِ/ نظرةٌ معاصرةٌ السيدةُ زينبُ (عليها السلام) أنموذجًا (4)

بقلم: فريال ياسر الأسدي السفور المقنع (حجاب الموضة) وهذا الاتجاهُ ظهرَ في المجتمعاتِ التي لم ينجحْ السفورُ فيها، فاتجهوا إلى السفورِ المقنع، حيث يتمُّ هذا السفور بالتخفيفِ أو التهرُّبِ من الحجابِ الكامل؛ لأنَّ العاداتِ والتقاليدِ الاجتماعيةِ لا تُساعِدُ على السفور أي التحرُّر الكاملِ من الحجاب، فتتجِّهُ المرأةُ إلى لبسِ حجابٍ هو أقربُ إلى السفورِ، وأحيانًا ليس لديها رغبةٌ في السفور، ولكنَّ المغرياتِ ورفقةَ السوءِ تفرضُ عليها أنْ تتجهَ إلى هذا النوعِ من الحجاب، وهذا النوعُ قد انتشرَ في مجتمعاتِنا الإسلامية. وبذلك تلاشى الحجابُ بين السفورِ والسفورِ المُقنّع في مجتمعاتِنا الإسلامية بدعوى حريةِ المرأةِ، وقولهم إنّ الحجابَ يشلُّ ويعيقُ نصفَ المجتمع فراحوا بالمجتمعِ كُلِّه إلى الهاوية! نعم، هذه هي المرأةُ المُتمدّنةُ اليومَ تحرّرتْ من الحجابِ الشرعي الإسلامي وأصبحتْ مظهرًا من مظاهرِ القوى الاقتصاديةِ والثقافيةِ النشِطةِ في المُجتمعاتِ الإسلامية، ولكنَّ واقعَها أمسى بينَ تبذيرِ المال، وإفسادِ المجتمع، وهدمِ الكيان المُقدّس للأسرة، وقد أدّى كُلُّ ذلك إلى ارتفاعِ نسبةِ الطلاقِ وانتشارِ الفسادِ في المجتمع، فهل تُدرِكُ تلك المرأةُ المُتحررةُ جُرمَ ما فعلت؟! ولكي يكونَ الحجابُ شرعيًا إسلاميًا فلابُدَّ أنْ يستُرَ جميعَ البدنِ ماعدا الوجه والكفين، وألّا يصف ما تحته، ولا يكون شفافًا. الحجابُ ليس فقط سترًا ماديًا، بل يحتاجُ إلى سترٍ معنوي، وعلى هذا الأساس فإنَّ كُلَّ ما عدا ذلك ليس بحجابٍ شرعي إسلامي، بل هو صورةٌ مُشوّهةٌ للحجاب؛ لأنّه لا يحمل شيئًا من أخلاقياتِ الحجابِ الشرعي الذي هو رمزٌ للعفةِ والطهارة. الدعوةُ لعودةِ الحجابِ الأساليبُ والأثر علينا كمسلمين أنْ ندعو لعودةِ الحجابِ الشرعي الإسلامي؛ وذلك من خلالِ المواجهةِ، وأولُ خياراتِ المواجهة هو الخيارُ الثقافي التبليغي؛ لأنّ الطريقةَ التي تمَّ التراجُعُ فيها عن الحجابِ الشرعي كانت بالغزوِ الثقافي، فعلينا أنْ نستعملَ الأسلوبَ نفسَه، ويتمُّ عبر النقاط الآتية: أولًا: مُخاطبةُ الشبابِ بالخطابِ الديني الواعي الذي يُخاطِبُ عقولَهم ووجدانَهم وعواطفَهم، خطاب ملائم لمستوى الفهمِ والإدراكِ والوعي لديهم، ويتمُّ ذلك بـ: *توضيحُ فطرةِ العفاف، والتعريفُ بالرابطِ الذي يربطها بالحجاب، وأنّه يُبيّنُ ويُنبِئُ عنها فهما كالظاهرِ والباطن؛ الحجابُ هو الظاهرُ، ويُنبِئُ عن العفاف الباطني. *توضيحُ معنى الحجابِ وحقيقتِه، وتوضيحُ فلسفةِ تشريعِه كحكمٍ من أحكامِ الدين. *التعريفُ بالغرائزِ والميولِ وأثرِها القوي في سلوكِ الإنسانِ وتصرفاتِه وإمكانيةِ تعديلِ الغرائزِ والميول؛ لأنّها ليستْ منظومةً مُغلقةً لا يُمكِنُ تغييرها، ويتمُّ ذلك التعريف على وفقِ الرؤيةِ القرآنية. *العودةُ إلى التُراثِ الإسلامي بحثًا عن الأنموذج الذي يُمكِنُه مساعدتنا في ترسيخِ المفاهيمِ الدينية التي نُريدُ غرسَها في المجتمعِ، ومنها قضيةُ الحجاب. ثانيًا: غرسُ صفةِ التعقُّلِ والتفكُّرِ واتخاذِ القرارِ الصحيح في شخصيةِ الشبابِ المسلمِ؛ ليستطيعَ مواجهةَ مُغرياتِ الثقافةِ الغربية، واتخاذ القرارِ الصحيحِ في اختيارِ الأفضل والأكمل. ثالثًا: التركيزُ على عيوبِ الثقافةِ الغربيةِ المادية وإبرازِ سيئاتِها، وأنّها تُركِّزُ على المادياتِ وتتجاهلُ المعنوياتِ، وإباحتها كُلِّ ما يُشبِعُ الغرائزَ والميولَ والرغبات، وتوضيح أنَّ هذه الثقافةَ تربطُ الإنسانَ بالدنيا فقط، ولا تنظرُ إلى الآخرةِ وهو ما يدعو إلى الفساد والانحراف.

اخرى
منذ أسبوع
117

عباءةٌ برائحةِ الطفوف

بقلم: أم حوراء النداف همّتْ آمنةُ بفتحِ بابِ المنزلِ عندما سمعتْ صوتَ أمِّها وهي تقول: -آمنة، حبيبتي لا تنسي العباءة! امتعضت آمنةُ كثيرًا، وعظّت بأناملِها الرقيقةِ على ما تحملهُ بيدِها من قرطاسٍ وأجابت أمَّها دون أنْ تلتفت: -لكن أمّي المسافةُ قصيرةٌ إلى بيتِ الخالةِ أمِّ علي، وملابسي فضفاضةٌ ومُحتشمة! لم تسمعْ آمنةُ أيَّ ردٍّ، ففهمتْ أن لا مناصَ لها من الأمرِ، فعادت أدراجها وارتدتِ العباءةَ على مَضضٍ وهي تُتمتِمُ مُتبرِّمةً: -وصلَ العالمُ إلى المريخ واكتشاف المجرات، ونحن لا زلنا عالقين في العباءة! وحالَ خروجِها من المنزل صادفتْ إحدى صديقاتِها، فطالعتُها الأخيرةُ بنظرةِ تعجُّبٍ ساخرة: -السلامُ عليكِ يا آمنة ...تبدين كجدّتي بهذه العباءة. قالتْها وهي تضحكُ في حين ازدادَ انزعاجُ آمنةَ فتركتْها وانطلقت نحو الدرسِ في بيت جارتهم السيّدة أم علي ثم لحقت بها صديقتها: -مهلًا انتظري، كنتُ أمزحُ فقط. وهناك نالتْ نصيبَها من التعليقاتِ الناقدةِ تارةً والمؤيدةِ تارةً أخرى، جادت بها حناجرُ الفتياتِ ممن حضرْنَ الدرس. كانتِ السيّدةُ أمُّ علي امرأةً مُتديّنةً، درستِ العلومَ الإسلاميةَ، وقررتْ تخصيصَ جزء من وقتِها لتعليمِ الفتياتِ بعضَ أحكامِ التلاوةِ والأحكامِ الشرعية الابتلائية. وعندما استمعتْ إلى جدالِ الفتياتِ حولَ موضوعِ الحجابِ من الغرفةِ المجاورة، تعمّدتِ التأخر وأنصتتْ إلى ملاحظاتهن جيدًا؛ لتكونَ مُطلعةً تمامًا على ما يجولُ في تلك الرؤوس الصغيرة من أفكارٍ وتساؤلات. وفي تمامِ الساعةِ التاسعة والنصف بدأ الدرسُ، وسادَ الهدوءُ بعدَ أنِ ارتفعتِ الأصواتُ بالصلاةِ ثلاثًا على النبي وآل النبي (صلوات الله عليهم أجمعين)، لكن وقبلَ أنْ تبدأ المُدرِّسةُ الكلامَ انبرت إحدى الفتياتِ تتساءل: -خالة، هلِ الحجابُ فرضٌ واجبٌ؟! وأردفتْها أخرى: -هل يجبُ ارتداءُ العباءة؟! -لماذا الحجابُ فرضٌ على النساءِ دون الرجال؟ -هل يجوزُ للأبِ أنْ يفرضَ الحجابَ على ابنته؟ وهكذا توالتِ الأسئلةُ حولَ الموضوعِ، والمُدرِّسةُ تُصغي إليهن وقد علتْ وجهَها ابتسامةُ حنان، وحينما انتهينَ نظرتْ إليهن نظرةَ عطفٍ ومحبةٍ، ثم حاولتِ التخفيفَ من حِدّةِ توترهن، فقالت مازحةً: -يبدو أنَّ سيلَ الأسئلةِ قد انتهى، لقد خشيتُ فعلًا أنْ أغرق، فامتلأ المكانُ بأصواتِ ضحكاتِهن البريئةِ والطفولية. -نعم يا حبيباتي اضحكن، فالأمرُ أبسطُ بكثيرٍ مما تتصورنَ؛ فالتعلُّمُ واكتشافُ المجهول أمرٌ فطريٌ عند الإنسان، ومن الجيّدِ لكُنّ في هذهِ السنِ المُبكّرة، عشر أو أحدَ عشرَ عامًا أنْ تفهمْنَ وتتعلمْنَ سرَّ هذا التكليفِ المُميّز. والآن اصغينَ إليّ جيدًا: أنتُنّ جميعًا طالباتُ مدرسةٍ، صحيح؟ والآنَ سأطرحُ عليكن سؤالًا، لماذا يجبُ أنْ ترتديْنَ زيًا موحدًا في المدرسة؟ تأمّلتِ الفتياتُ في السؤالِ قليلًا ثم أجابتْ إحداهن: -لأنّه القانون! -صحيحٌ القانون، ولكن لماذا وُضِعَ هذا القانون؟ لِمَ لا نرتدي في المدرسةِ ملابسَ عاديةً كالتي نرتديها حين نزورُ أقاربنا أو أصدقاءنا؟! أجابتْ فتاةٌ أخرى وهي غيرُ مُقتنعةٍ بالأمر: -لن يكون مناسبًا، سيكونُ هنالك الكثيرُ من الألوان -سننشغلُ بالملابسِ. (قالت فتاةٌ أخرى). -سنحتاجُ إلى الكثيرِ من الثيابِ؛ فأنا لا أحِبُّ التكرار. -الزي المدرسي أفضل. وتجاوبتْ مُعظمُ الفتياتِ مع العبارةِ الأخيرةِ لزميلتهن. ثم أضافتْ إحداهن قائلةً: -أصلًا لن أشعرَ أنّي طالبةٌ إذا لم أرتدِ هذا الزي؛ ففي إحدى المراتِ وأثناءَ عودتي من المدرسة شاهدتُ ابنة الجيرانِ وهي تغسلُ بابَ بيتِهم وكانت قد تركتِ الدراسة، فنظرت إلي، حينها شعرتُ بالفخرِ؛ لأنّي طالبةٌ وأرتدي هذا الزي وحمدتُ اللهَ على هذه النعمة. وقالت فتاةٌ أخرى: -في السفراتِ العلمية يطلبون منا ارتداءَ الزي الموحد؛ لأنّ بعضَ الأماكنِ مثل المتاحف يسمحون للطلاب بالدخول مجانًا. جمعتِ المُدرِّسةُ كلتا يديها أمامها على الطاولةِ، وقالت: -إذًا تتفقْنَ معي على أهميةِ الزي الموحد. فأومأتِ الفتياتُ برؤوسهن إيجابًا. حينئذٍ تابعتْ قائلةً: -الآن اذكرْنَ لي بعضَ المؤسساتِ التي فيها زيٌ موحدٌ عدا المدرسة. فذكرنَ الشرطةَ، المُستشفى، رجالَ الإطفاء، عُمّال المعمل.....إلخ. قالتِ السيّدةُ أمُّ علي: -اعلمْن يا عزيزاتي أنَّ هنالك فوائد عديدةً للزيّ الموّحد، مثلًا: الشعورُ بالانتماءِ والاعتزازُ بهذا الانتماء، الشعورُ بالمساواة، الالتزامُ بالقواعد، عدمُ التركيز على المظاهر وغيرها من المزايا، علمًا أنّ لكُلِّ واحدةٍ منها أثرًا وخصوصيةً. والآنَ سأطرحُ عليكن سؤالًا آخر: - إذا ذهبنا إلى بلادِ الغرب ما الذي يُميّزُ المُسلمة عن غيرِ المسلمة؟ نظرتْ في أعيُنِهن وقالت بثقة: إنّه الحجاب. انتظرتْ بُرهةً من الزمن ثم تابعتْ وهي تتحسّر: -يومَ القيامةِ سيتمنى الجميعُ لو أنّهم ينتمون إلى أمّةِ سيّدِنا مُحمدٍ (صلى الله عليه وآله) لما يرونه من الكراماتِ التي يحظى بها رسولُ الإسلام وأتباعه من المسلمين الثابتين على نهجه ومبادئه. أما في الحياة الدنيا وبسببِ الثقافاتِ الغربية الدخيلة جعلوا الفتاة المسلمة تكره الحجاب وتتصوّرُ أنّه قيدٌ، على حين أنّه عنوانُ انتماءٍ ودليلُ طاعةِ العبدِ لربِّه. ثم إنّنا أولًا وآخرًا عبيدٌ للهِ الواحد القهار، وهو الذي فرضَ الحجابَ على المرأةِ في القرآن الكريم، وتحديدًا في سورةِ النور، وحدد أبعادَه بما لا يقبلُ الجدال والنقاش، وقد تعلّمْنا وفهِمْنا معنى أنّ اللهَ عادلٌ حكيمٌ لا يفعلُ شيئًا إلا عن حكمةٍ وهو أعلمُ بمخلوقاتِه وبما ينفعُها وما يضرُها، لذا جاءتِ التشريعاتُ الإسلاميةُ وفقًا لمصلحةِ المخلوق؛ لطفًا ورحمةً من الخالق (سبحانه). فلماذا لا نثِقُ بما يختارُه لنا اللهُ (تعالى) ونثِقُ بما يختارُه لنا بشرٌ مخلوقونَ مثلُنا لا يملكون لأنفسِهم نفعًا ولا ضرًا؟! سادَ الصمتُ للحظاتٍ لإتاحةِ الفرصة للتأمّل والتفكُّر ثم تابعتْ: -أما العباءةُ وهي مثارُ الجدلِ بينكن فهي التطبيقُ الشرعيُ الحقيقيُ للحجاب الذي أراده الحقُّ (سبحانه) من حيثُ كونها ساترةً لأعضاءِ البدنِ ولا تحكي تفاصيله، وهو الأمرُ الذي لا يتحقّقُ في أي نوعٍ آخر من الحجاب، وإنْ تحقّقَ فبها ونعمت. العباءةُ مستوى راقٍ جدًا من الالتزامِ بقانونِ الشريعةِ المقدسة، ودلالةٌ واضحةٌ على الانتماءِ للدين الإسلامي. ومن واجبِ الوالدين أنْ يُدرِّبا بناتهما على الحجاب الشرعي الصحيح، لكن ليس بالإجبار إنّما بالتحاورِ والإقناع، فلا يوجدُ إنسانٌ عاقلٌ يفضِّلُ معصيةَ اللهِ (تعالى) على طاعته. صمتت برهةً من الزمن، وجالتْ بعينيها في أرجاءِ الغرفةِ، وكأنّها تبحثُ عن شيءٍ ضائع، تنهّدت وخنقتها عبرتها، ثم عادتْ ونظرتْ إلى الفتيات اللاتي بانَ عليهن التأثُر لتغيُرِ حال مُدرّستهن العزيزة وقالت: -هل تعلمْنَ يا عزيزاتي أنّ أكثرَ الأمورِ إيلامًا على قلوبِ أهلِ البيت (عليهم السلام) كان سبيَ النساء؟ نساءُ آلِ بيتِ النبي (صلى الله عليه وآله) هُنّ من أفضلِ النساء دينًا وعلمًا وتقوى وهن من المُخدّرات، أي لم يرهن أحدٌ سوى الآباءِ والإخوةِ والأزواج، وكان سترُهن عزيزًا عليهن كثيرًا، فكُلّما ازدادَ شرفُ المرأةِ زادَ حجابُها واحتشامُها. كانت ظروفهن في غايةِ الصعوبة، حاولنَ عزيزاتي أنْ تستشعرن الحالَ، أسرٌ وغربةٌ وجوعٌ وعطشٌ، ورغمَ ذلك لم يتهاونَّ في أدقِّ جُزئياتِ الدين، ومنها الحجاب. كانتِ السيّدةُ زينب (عليها السلام) حريصةً على حفظِ حجابِ النساءِ العلوياتِ فتوصيهن بالانتباهِ من جهةٍ، وتنهرُ الناسَ عن تصفُحِ وجوههن من جهةٍ أخرى، وإلا فإنّ رسولَ الله (صلى الله عليه وآله) سيكونُ خصمهم يومَ القيامة. والسيّدةُ سكينةُ رغمَ حالِ السبي وظروفِ الأسرِ ومرارةِ السفر مع الأجانب، عندما عَرَضَ عليها أحدُ صحابةِ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله) في الشام أنْ يقضيَ لها أيَّ حاجةٍ تُريدُ، لم تطلبْ ماءً ولا طعامًا، بل طلبتْ منه إعطاءَ حاملِ رأسِ أبيها بعضَ المال ليتقدّمَ بالرأسِ فينشغلُ الناسُ برؤيته ويكفّون عن النظرِ إلى بناتِ الرسالة، فهي تأبى حتى مُجرّدَ النظرِ إلى وجهِها. واليومَ للأسفِ نجدُ بعضَ الفتياتِ والنساءَ يخرُجْنَ إلى الشارعِ وجُلَّ همّهن أنْ ينظرَ الناسُ إليهن ويتصفحوا وجوههن وأجسادهن بملابسَ لا تمتُ للدينِ بصلةٍ. الاهتمامُ بالمظهرِ الخارجي ليس عيبًا، بل هو أمرٌ مطلوبٌ والدينُ يحثُّ على النظافةِ والترتيبِ شرطَ أنْ لا يُصبِحَ الشغلَ الشاغلَ للفتاةِ المسلمة. ولا تزالُ خُطبةُ السيّدةِ سكينة منبرًا للعلمِ والنور في سِفرِ التاريخِ الخالد وتعكسُ روحًا ملؤها العلمُ والتقوى ولم يُعِقْها الحجابُ عن القيامِ بدورِها في فضحِ جرائمِ بني أميّة وتعريفِ الناس بأحقّيةِ موقفِ أبيها الحسين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين). في ذلك اليومِ عندما عادتْ آمنةُ إلى المنزلِ وقفتْ تنظرُ إلى صورتِها في المرآة وهي ترتدي العباءةَ وقالتْ بثقةٍ وكأنّها تُجيبُ على السؤال الذي طرحته الخالةُ أمُّ علي في نهاية الدرس "من تُريدُ أنْ تكونَ في قافلةِ السيّدةِ سكينة؟" -أنا سأكونُ معكِ سيّدتي سكينة، فأمسكي بيدي ولا تتركيني!

اخرى
منذ 4 أيام
153

ماذا تعلّمتَ من عاشوراء الحسين؟ (٤)

تعلمتُ من عاشوراء الحسين (عليه السلام) أنْ أُحِبَّ المُصلحين في أيّ بلدٍ وأبغضُ أيًا كان من المجرمين والمفسدين في كُلِّ زمانٍ ومكان.

اخرى
منذ 3 أيام
49

كانَ صوتُه في الظل (قصة قصيرة)

بقلم: حيدر عاشور حين استعادَ قواهُ بدأ يشعرُ بنفثاتِ الشمسِ المُحرقة، وعى المكانَ الذي كانَ فيه، وأدرك أنّ له فرصةً واحدةً، وربما حظًا واحدًا في أنْ يعيشَ طاهرًا بعد ساعاتِ النور الإلهي التي تغلغلتْ في أعماقِ جسده.. ألـمـّتْ برأسه أفكارٌ عديدة، تارةً يُفكرُ في المنظرِ المحيطِ به، مُنتظرًا اللحظةَ التي يأتي فيها شخصُه العظيم، وتارةً يغيبُ عن الوعي ليعيشَ الحالة، وكأنّه هو قد عادَ من جديدٍ لينشرَ من فيوضاتِه القُدسية.. كان يدّعي لسنواتٍ طويلةٍ أنّ بوسعِه تذكُّرَ أشياءٍ شاهدَها وقتَ تقمُّصه الشخصية، حين كانت أسماله تتحرّكُ بهيكلٍ بشري هزيلٍ على ناقةٍ يقودُها رجلٌ ذو بأسٍ شديد، وآخرُ قصيرٌ جدًا يحملُ لوحةً تعريفيةً، تؤكدُ للمشاهدين، الاسمَ والكنيةَ واللقبَ الطاهر، وصوتُه كأنّه يأتي من بعيدٍ أصم عبر كثافاتِ الصمتِ ممزوجًا بأصداءَ لا أسماء لها. كان يعرفُ أنّ الصوتَ البعيدَ ليس كلامَه، ولكنّه يسمعُ صوتَه هو، كما لو كانَ في داخلِه. ومن عجائبِ اللحظة، كُلّما نثرَ الصوتُ الناعي كلماتِه، كان المستمعون يجهشونَ بالبكاء، ويُغدِقون عليه بالأموالِ والهدايا، ويتساءلون عمّا إذا كانت هناك كرامات ستحدثُ بترقُّبٍ شديد، وهم ينظرون إلى وجهه الشاحب وجسده الهزيل، ولا يعلمون أنّ المرضَ يسري في جوفه يأكله رويدًا، رويدًا.. لم يُطِقْ بعدُ صبرًا، ومرَّ في عينيه شعاعٌ غريبٌ، كأنّه مزيجٌ من اليأسِ والسخرية، أريدُ أنْ أعرفَ، أعلمُ أنّ التفكيرَ بذلك مُريعٌ؟! ولكنّي أُريدُه. والناقةُ أشعرُ بها تتقهقرُ وتتقدمُ وتتهادى، وتأخذُني في دورانها، لكأنّي أسمعُ الصوتَ بوضوحِ ونقاءِ لغة، ولكأنّ أُذُنيّ مُلتصقتان على حافةِ السرج، ولكأنّ فمي يتكلمُ، تسقطُ الكلماتُ منه بكُلِّ هدوءٍ وكياسة، وبدون هوادة، أمامَ العذابِ الذي يُمارسُه الجلّادون للسبايا من أهلِ بقيةِ اللهِ على الأرض ووَرَثةِ علمِه وحكمتِه، وأمامَ حشدٍ من الموالين والمُعزّين يحملون كفنًا لصغيرِ الطفِّ يتأرجحُ بخِفةٍ، وحينَ اقتربَ الكفنُ من الناقةِ أثارَ فيّ لوعةً من الرُعبِ الخفي، هنا ارتفعَ الصوتُ وسطَ ضجيجِ وصَخَبِ الموجوعين: "اعلمْ رحمكَ اللهُ أنّ للهِ عليكَ حقوقًا مُحيطةً لك في كُلِّ حركةٍ تحركتَها، أو سَكَنَةٍ سكنتَها، أو منزلةٍ نزلتها، أو جارحةٍ قلَبتها، وآلةٍ تصرّفتَ بها: بعضُها أكبرُ من بعض"... يعرفُ حقَّ اليقين لم يكنِ الكلامُ كلامَه. وكان هناك شيءٌ واحدٌ يهمُّه، حرارةُ انفعالِه الداخلي وتفاقمُ قلقه، وملأه الدوارُ فضمَّ جسدَه النحيلَ إلى سرجِ الناقة، ضمّةً هستيريةً، فدخلَ في الغيبوبةِ وفاضتْ روحُه إلى عالمِ ملحمةِ العروجِ الملكوتي الدامي الصاعد إلى الله تعالى في غيبِ الغيوبِ في فاجعةِ طفِّ كربلاء التي صرعتْ وجندلتْ خيرةَ خلقِ الله، بعدَ أنْ عاثتِ السيوفُ والرماحُ والسهامُ الكافرةُ في الأجسادِ الشريفة، وهم مُقتّلون مُلقون نثرًا على رمضاء كربلاء.. فمن يُطيقُ تلك المشاهدَ الرهيبةَ، بل من يُطيقُ الحياةَ بعدَ الكارثةِ الباكيةِ المُبكية المُفجعة؟! وسادتْ حالةٌ سامةٌ من الهدوء المُميت، لم يَعُدْ يرى أحدًا، وهو يرتعدُ بسخونةٍ على ناقتهِ، ليعودَ الصوتُ في أوجِ نقاوتِه، يسمعُه في داخلِه ويلهجُ به لسانُه، وينطلقُ في هواءِ الموكبِ ككتلةٍ رنينيةٍ ترتفعُ بالتدريج، تخنقُ القلبَ بالعبرات، إنَّ عليك (حَقّ الهَدْيِ) أَنْ تُخلِصَ بهَا الإرَادَةَ إلَى رَبكَ، وَالتَّعَرُّضَ لِرَحْمَتِهِ وَقَبُولِهِ، ولا تُرِيدَ عُيُونَ النَّاظِرِينَ دُونهُ، فـَإذَا كُنْتَ كَذَلِكَ لَمْ تَكُنْ مُتَكَلِّفًا ولا مُتَصَنِّعًا وَكُنْتَ إنَّمَا تَقْصِدُ إلَى الله. وَاعْلَمْ أَنَّ الله يُرَادُ بالْيَسِيرِ وَلا يُرَادُ بالْعَسِيرِ.. عندما يسمعُ ويتأمّلُ المرءُ جيدًا للصوتِ لمراتٍ، وهو عارفٌ ممّن هذه النواصحُ الإلهية فهي مذاقٌ مُسبقٌ لعذابِ الموتِ يغضّنَّ جبينَه بظلِّ ألمِ وجزعِ صاحبِ الصوتِ والعلامةِ المخلدة التي تركها عليه الموتُ كانت بالضبطِ الرمزُ الفارقُ بينه وبين كُلِّ الرجال العاديين على الأرض. ومن المؤكدِ أنّ مثلَ هذا الصوت الذي أبحرَ به طوالَ مسيرةِ مسرحِ التعزيةِ هو التذكيرُ والفرصةُ إلى معرفةِ حقِّ الله الذي كان يُردِّدُه في ساعاتِ الغضب والجنوحِ إلى غرور الحياة، وعندما ذكر اسمَ اللهِ أنشدَ هامسًا: "فأَمَّا حَقُّ اللهِ الأَكْبَرُ فَإنَّكَ تَعْبُدُهُ لا تُشْرِكُ بهِ شَيْئًا، فَإذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ بإخلاص جَعَلَ لَكَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَكفِيَكَ أَمْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَحْفَظَ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْهَما" عندئذٍ وهنَ إنشادُه، تضاعفَ وتردّدَ صداه برنينٍ جليل، سمع أنينًا قويًا جاء دون شكٍّ من هناك، في مسرحِ القتلِ كان الجلّادون الأمويون يتقاتلون على أخذِ كُلِّ ما يقدرون أخذه من فرائسهم، فهم مُتعطشونَ للقتلِ والنهبِ والغزو والغنائم، وكُلُّ الميتات التي أوقعوها بقافلةِ العشقِ لم يكنْ عليها أنْ تفيضَ بالدمِ وحسب، بل استمتعوا بقطعِ الرؤوس بمراسمَ الحقدِ والثأرِ من رائحةِ زوجِ سيّدِ الكون، لكي يطولَ العذابُ وتصدر عن ضحاياهم – القربان- صرخاتٌ حزينةٌ طويلة، تجعلُ السامعَ يشعرُ بعُزلةِ الحياة التي لا يُمكِنُ التعبيرَ عنها، وهو يردُّ على الضحيةِ صرخةً بصرخة. من ذلك المكان المُعبّدِ بدماءِ الأطهارِ من تلك الصفوف النخبوية من الرجالِ التي تقتسم السماءَ المليئةَ بالنجوم. كان الصوتُ يشبهُ ذلك النهار الدامي وهو يُجلجِلُ في وجهِ قُبّةِ السماء المُرصّعةِ بالأرواحِ الزكية: ها أنا بعدَ كُلِّ هذه المصائب أسيرُ مع البقيةِ الباقيةِ من ريحانةِ أعظمِ رجلٍ في الملكوتين، كسبايا في أرضٍ وعرةٍ يتصفّحُ فيها العدوُ والصديقُ وجوهَنا مُقادينَ في بلادِ العربِ وبين أمراءِ القبائل الهمجية.. لم يكنْ في هذه الغيبوبةِ ما يُطمئنُه، ولكن كان الصوتُ رفيقًا ودودًا حنينًا، أحسنُ من جِلستِه على الناقة، وهو يُتمتِمُ مع نفسه: إنّني لا أكادُ أنْ أصدقَ أنْ يكون إعصارُ الطفِّ رهيبًا إلى هذا الحد، وهو يذبحُ الأقمارَ، ويفلُ بريقها، على يدِ أمراءٍ همج، وغلمانِ القبائلِ الخائنة. كنت واحدًا من أولئك النهّابين المُتوحشين الذين لا يعرفونَ كيفَ يُعبِّرون عن حُبِّهم، فيقتلون بطريقِ الجهلِ الشخصَ الذي يُحبّونه في كُلِّ عصرٍ وزمانٍ وبنفس المكان أو في أي مكان.. كان صوتُه في الظل، ولا يُمكِنُ أن يُرى، وبدا من صوتِه الرصين أنّه هو، لكن الغريب أنّ الساحاتِ ممتلئةٌ، ومجموعة من الناس تتحدّثُ بأصواتٍ خفيضةٍ وعاليةٍ أو تتحدّث إلى نفسِها، كان عزاءً جنائزيًا يُخيّمُ عليه حزنٌ بغمغمةٍ لا تنتهي، والصوتُ الوحيدُ الذي يُمكِنُ سماعه من حينٍ لحينٍ، وهو يقرأ قوانينَ وحقوقَ تمسُّ ذاتي وحدي.. واشتدَّ الدافعُ بداخلي تدريجيًا ليصلَ إلى حُلُمِ يقظةٍ ربما كان حُطامًا يُمكِنُ أنْ يحلمَ به إنسانٌ مثلي، كما هو معَ أحلامِ يقظتي الكثيرة، والمُتعةُ التي أشعرُ بها في هذه اللحظة هي شعورٌ إنسانيٌ حقيقيٌ يرتجفُ لها عقلي، ويتجدّدُ في صدري الجَزِعِ العميقِ وأنا في مَلبسِ شخصيتِه العظيمة. كان يُراقِبُ هذه المُقاومةَ النفسيةَ الروحيةَ المُثيرةَ للشفقة، وعليه أنْ يمسكَ الفرصةَ، وربما الحظَّ الأخير في أنْ يعيشَ طاهرًا.. فجأةً صرخ: من أين أبدأ..؟ خنقتْه العبرةُ وأغميَ عليه وكأنّه قد مات فعلًا. فعَلَتْ صرخاتُ الموالين، ونحبَ الناحبون، وشمرتِ النساءُ على رؤوسهن التراب، وضربَ الرجالُ ظهورَهم بالسلاسل النصلة، وصحا على ضربةٍ على الرأسِ أذهلته، لما تحملهُ من قوةٍ مملوءةٍ بالودِ، لم يرَ أحدًا ولكن بوسعه أنْ يشعرَ أكثر من أن يرى.. إنّها رسالةٌ عميقةٌ ارتجفَ لها عقلُه تحتَ وطأةِ الإثارةِ لتقمُّصِ شخصيةٍ عظيمةٍ، تومضُ عيناه، يلتهبُ الدمُ في كُلِّ جسدِه، وتفيضُ بذلك التعبير عن الشخصيةِ التي يُجسِّدُها بشكلٍ يتحدّى أيّ تعبير، لم يكنْ بوسعِه أنْ يُصدِّقَ أنَّ الصوتَ الذي يدقُّ في المدى دونَ انقطاعٍ في أُذُنيه، يتعلّقُ بالطبيعةِ المُطلقةِ للحقوقِ العقابية، ولم يشك فيما حدث وهو يعيشُ خلالَ اللحظاتِ الشعورَ المُعذَّبَ بالنقاهةِ، بعدَ أنْ كانَ ولا يزال شخصًا يعاني من مرضٍ مجهولٍ في غمراتِ الخوف، يختفي عنه لحظةَ تجسيدِه الشخصية وهو مُشبعٌ بشكلٍ خفي في العقلانية المُفترضة، وينتابهُ شعورٌ بالراحةِ التي تشبهُ الإنهاك. الغريبُ أنّه يسمعُ الصوتَ بنغمةِ التوسّل البالغةِ الوضوح، ولحظةُ الفراقِ تنتظره بلهفة، كان صوتًا إلهيًا من أصواتِ الوداعِ إلى الأبدية، استنهضَ نفسه، وهو يسترقُ النظرةَ الأخيرةَ من وراءِ البُرقُعِ الأبيضِ ناحيةَ المُعزّين لقافلةِ العشقِ الملكوتي تحتَ ضوءِ الشمسِ الوهّاج، ثم انعطفَ الركبُ وابتعدتِ الناقةُ ببُطءٍ عن الطريق، بينما كان جسدُه ينتقلُ على أيادي بما يليقُ بالأجداثِ الطيبة.

اخرى
منذ يومين
75