مدونة الكفيل

معصمٌ مُقيدٌ تحرَّرَ بمُحمدٍ

بقلم: زينب إسماعيل عبد الله انتابني شعورُ قلبٍ كزجاجٍ ينكسرُ ويهوي، تعتصرُه كلماتٌ مُبعثرةٌ وحروفٌ مُتعثرةٌ، قلم مُنكسر، حِبر مسكوب على وريقاتٍ، على قرطاسٍ جعل منه وشاحًا ترتديه السطور حزنًا عليك، سجادةٍ امتزجت ألوانُها من شدّةِ البكاء.. بل الكونُ كُلُّه حزينٌ؛ فالعصافيرُ هجرت أعشاشَها، والأشجارُ عجّلتْ بخريفها، المدينةُ غابتْ شمسُها، وأفل قمرُها، وانطمست نجومُها، وأسدلَ ليلُها ستارته السوداء، والريح أثقلت بالرمال التي تحملها لتذروها، فلم تَعُد تحملُ سحابًا، والقرآنُ يرتلُ تراتيلَ شجيةً، كُلُّها تبكي على فقدِ أفضلِ القائمين من آل ياسين ولسان حكمةِ العابدين وسيدِ الساجدين وزينِ العابدين، ذاك هو عليٌّ بن الحسين (عليهما السلام) الذي كان عليلًا في طفِّ المستشهدين، أسيرًا منحنيًا ولكن بهيبةِ أمير في موكبِ الإباءِ الثائرين ضدَّ الطغاة الأمويين، موكب سبايا عديمات العيوب ونقيات الجيوب، مخدّرات آلِ محمدٍ (صلى الله عليه وآله) مولاي ساعد اللهُ قلبَك المفجوع والموجوع، وعيونك التي كانت تذرفُ الدموع راكبًا على ناقةٍ هزيلةٍ، وقد مرّوا بك على جُثثِ أبيك وعمك وإخوتك وأبناء عمومتك فرأيتهم مُجزّرين كالأضاحي، ورأيتَ جسدَ والدِك الحسين المطحون بحوافرِ الخيلِ، وعمتك جبل الصبر تولتْ قيادةَ الموكبِ تحتَ إمامتك، وذكرت لك العهد الذي عهدَه اللهُ إلى جدِّك رسولِ الله (صلى الله عليه وآله) بأن سيُنصَبُ بذلك الطفِّ عَلمٌ وأفئدةٌ من الشيعة تهوي إليه.. وبين سياط الأنذال وتقريع الطبول سِرتَ من الكوفةِ إلى الشام شامخًا، لم تكن أسيرًا بل كنتَ ملكًا تحفُّ به الملائكةُ من كُلِّ جانبٍ، لابسًا ثوبك المُلطخ بالدماء من أثرِ الجامعةِ التي أكلتْ عنقَك وكلما داهمَك الخطرُ كانتْ له زينب (عليها السلام) بالمرصاد؛ فهي الدرعُ الواقي، والسورُ المنيعُ لحمايتك؛ لأنّها تلقّتْ رسالةَ الحسين (عليه السلام) عندما ناداها في الطفِّ أنْ احبسيه لكي لا تخلو الأرضُ من نسلِ آلِ مُحمدٍ، ففهمتْ أنّه قد أوكل إليها حمايةَ بقيةِ اللهِ بعدَ الطفِّ.. صعدتَ أعوادهم في الشام وخطبتَ فيهم وبيّنتَ هويتَك؛ لأنّهم كانوا يجهلونك... أرادوا أنْ يُخرِسوك بالأذان وأنتَ مُقيَّدٌ فتحرّرتَ منهم بمُحمَّدٍ؛ إذ قُلتَ ليزيدَ: مُحمّدٌ (صلى الله عليه وآله) هذا جدّي أم جدُّك؟ فبُهِتَ يزيدُ ولم يُجِبْ، فأجبتَه إذ قلت: إن قلتَ جدّك فأنت كاذبٌ، وإن قلتَ جدّي فلمَ قطعتَ رحمَه وقتلتَ عترتَه وسبيتَ آل بيته؟! فأنزلت بيزيد وآل أمية فضيحةً أمامَ الملأ.. مولاي لقدِ اختفى صوتُك وصوتُ تراتيلك التي اخترقتْ قلوبَ المؤمنين والعاشقين لك في خمسٍ وعشرين، وطويَتْ سجادتُك بعدَ أنْ سجدتَ عليها سجدةَ المودعين، فسلامٌ عليكَ يومَ ولِدْتَ ويومَ وافاكَ الأجلُ ويومَ تُبعثُ حيًا في عليين، يا مولاي يا سيّدي يا زين العابدين...

اخرى
منذ 3 أسابيع
127

خاطــــرة

سعى طيلة إمامته أن يزرع السلام ، لكنه لم يسلم منهم حتى بعد مقتله ، رموا جنازته بالسهام. السلام على صاحب الجنازة المرمية بالسهام

اخرى
منذ 3 أسابيع
129

خاطــــرة

((لا يوم كيومك يا أبا عبد الله)) أوّل درس عاشورائي ،المعلّم فيه هو الإمام الحسن (عليه السلام)

اخرى
منذ 3 أسابيع
111

خاطــــرة

لمْ أكُنْ أعلمُ بعدَ ذلك الوداعِ أنه سيكونُ للحنينِ طعمٌ آخر كُنتُ أظنُّ وفي القلبِ مُنيةٌ تتحقّقُ على أعتابِ الزمان ولكن لم يَعُدِ الأمرُ كما كُنّا نظنُّ فالظنُّ أخذ يتأرجحُ في قلبي حتى قُطِعَتْ حبالُ ارجوحته فغدا مرميًا وسطَ أشواكِ النوى مقتولًا بالحنينِ إلى أرضِ نينوى

اخرى
منذ 3 أسابيع
116

خاطــــرة

بقلم: سارة بدر اعتدتُ أن أجلسَ عصرَ كُلِّ يومٍ على ضفافِ الشاطئِ الذي يحدُّ بُستاننا على أملِ اللقاءِ بأبي الذي انتظرتهُ سنواتٍ طوال لعلّي أُكحِّلُ عينيَّ بطلعتهِ البهية وأرى عينيهُ النرجسية، لأقول لهُ: أبهَ أنا لستُ شيئًا في الوجود، أنا كُلّي أنت، فامسحْ على رأسي ليزولَ عني غبارُ السنين التي أبعدتني عنك ... سيّدي، قد اشتقتُ إليكَ يا صاحب الزمان

اخرى
منذ 3 أسابيع
126

خاطــــرة

هُناكَ أشجارٌ موسميةٌ تسقطُ أوراقُها في فصلِ الخريفِ وتدخلُ في سُباتٍ، فمنها ما يعودُ للحياةِ بعودةِ الربيعِ، ومنها ما يموتُ وينتهي عمرُه.. وهناك أخرى دائمةُ الخُضرةِ لا تسقطُ أوراقُها، تستمرُّ في عطائها.. هكذا هو المُنتظِرُ الحقيقي المؤمنُ بوجودِ إمامِ زمانِه يستمِدُّ من نورِ وجودِه ألطافًا خفيةً فلا يفترُ، ولا يَملُّ، بل يعملُ بجُهدٍ واستمرارٍ للدولةِ الموعودةِ

اخرى
منذ 3 أسابيع
108

خاطــــرة

بقلم: صفاء الندى إنَّ المرأةَ الواعيةَ تعرفُ أنَّ حريتَها ليست وفقَ رغبةِ أيِّ مُفكرٍ أو فيلسوفٍ شرقي أو غربي يتكلّمُ على هواه.. وأنّ دينَها هو من له القولُ الفصلُ بوضعِ الحدودِ لها، ليسَ على شكلِ عوائق وأسوار، بل كإشاراتِ تنبيهٍ عن وجودِ خللٍ أو خطرٍ ما يعترضُ طريقَها.. وهي مطمئنةٌ أنّ التزامَها بها سيكونُ متلائمًا مع إنسانيتها وأنوثتها التي ميّزَها اللهُ (تعالى) بها عن الجنسِ الآخر..

اخرى
منذ 3 أسابيع
99

أشجانُ مُنتَظِر

رسالةٌ إلى مولاي المهدي (سلام الله عليه) بقلم: إيمان صاحب ينكسرُ قلبي ... عندما تمرُّ جمعةٌ وأخرى ولم أسمعْ لك فيها... حسيسًا ولا نجوى ويتساقطُ دمعي... كأوراقِ الخريف دمعةٌ دمعةٌ... وأنا أبحثُ عن نظرة تقرُّ بها عيني ... أو كلمةٍ تطمئنُ بها نفسي مولاي يا مولاي ... هل أراك هُنا؟ أو هناك؟ أفي يقظتي أو المنام؟ سؤالٌ يتبعُه سؤالٌ... والحالُ هو الحال... غيابٌ يملأُ الروح .. شجنٌ وانتظار .. يعتصرانِ القلبَ ألمًا.. حتى الذوبان... وما زلتَ أنتَ أنتَ في غيابك سيدي حتى الآن

اخرى
منذ 3 أسابيع
142

سعيدٌ بن عبدِ الله، الشهيدُ الدرعُ

بقلم: خُطَى الخُزَاعي وهي تحيطُ بسيدِ الشهداءِ، كانت الأكفُّ المودَعةُ على راحاتِها الأرواح تتنافسُ مُجاذبةً أشرعة الموت، تتسابقُ وحبّاتِ الزمنِ علَّها تحظى بأسبقيةِ الفداء، ثُلةٌ من خُلاصةِ بشريةٍ كانتْ بقيةً استقرّتْ بصمودٍ على وجهِ غربالٍ مُمحِّصٍ حتى آخر تصفيةٍ، حينَ ودَّعَه مُتناثرًا خلقٌ كثيرٌ لتتأهلَ وجائزةَ الخلود؛ فحظيتْ بالانتماءِ إلى أعظمِ حركةٍ إصلاحيةٍ وجوديةٍ عرفتْها البشريةُ لتُثبِتَ من جديدٍ على صفحةِ غربالِ الطفِّ أنَّها الصفوةُ الخالصةُ. نفرٌ من أصحابٍ أضاءوا بنورِ سيّدِ الشهداء (صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه) فتألّقوا بالاتباعِ نجومًا، عرفَّهم الحسين (صلوات الله عليهم) مضيئًا على جوهرِهم فقال: "فإنِّي لا أعلم أصحابًا أوفى ولا خيرًا من أصحابي"(1)، ومن هؤلاء الخيرة لمعَ اسمُ سعيد بن عبدِ الله الحنفي فدائيًا متميزًا للمولى (صلواتُ الله عليه)، فحظيَ بشهادةٍ مختلفةٍ. فسعيدُ بن عبدِ الله من بني حنيفة بن لجيم من بكر بن وائل، كانَ آخرَ رسولٍ أرسلَه أهلُ الكوفةِ للإمامِ الحسين (صلوات الله عليه) مع هانئِ بن هانئ السبيعي، حين طالبوه بالإسراع ِفي المجيء إليهم، وأنَّهم لا رأيَ لهم غيره، ليرسلَه الإمامُ وصاحبه مجدَّدًا إلى أهلِ الكوفة مع جوابِ كتابهم بأنَّه سيبعثُ إليهم مسلم بن عقيل (عليه السلام)، وكان (رضوانُ الله عليه) في أعلى درجةِ الوثاقةِ والجلالةِ، ومن أفاضلِ شهداءِ الطفِّ، وقبلًا كانَ من أعظمِ الثوارِ تحمُسًا(2). تفعَّلتْ حماستُه على مسرحِ الطفِّ فكان مبدئيًا متيقنًا من حقّانيةِ قضيته، اخترقتْ حروفُ حماستِه أثيرَ كربلاء بمقولةٍ خالدةٍ خاطبَ بها المولى (صلوات الله عليه) حينَ أحلَّ الجميعَ من بيعته آذنًا لهم بالانصراف فقال: "نحنُ نخلّى عنك، ولم نعذر فيك! واللهِ لو لم يكن معي سلاحٌ، لقذفتُهم بالحجارةِ دونَك حتّى أموت، ويعلمُ اللهُ أنّا حفظنا غيبةَ رسولِ الله (صلّى الله عليه وآله) والله، لو علمتُ أنّي أُقتَلُ، ثمّ أُحيى، ثمّ أُقتَلُ، ثمّ أُحرَقُ، ثمّ يُذرّى بي، يُفعَلُ ذلك سبعينَ مرةً، ما فارقتُك، فكيفَ وإنّما هي قتلةٌ واحدةٌ، ثمّ هي الكرامةُ التي لا انقضاءَ لها أبدًا؟!"(3)، مُجلِّيًا بتلكمُ الحماسة عن ثِقَلِ ولائه، واستماتتِه في الثباتِ على المبدأ الحقِّ، مع جهوزيةٍ عاليةٍ للفداءِ تحتَ إيّ ظرف، فتتصدَّى ثلاثةَ عشرَ سهمًا مع جراحاتِ سيوفٍ وطعناتِ رماحٍ مُصدِّقةً ما وعدَ به من فداء، كما وكشفتْ عن كمِّ يقينِه بموقفِ نصرةٍ عزَّ نظيرُها فيما سوى الطفِّ من معارك، كان يرى في الحسين (صلوتُ اللهِ عليه) قلبَ الدينِ، فجعلَ من بدنِه درعًا حائلةً بين الإمام (عليه السلام) وبينَ سهامِ العدوِّ وانتهاكاته حالَ الصلاة، وما إنْ أتمَّ الحسينُ (صلواتُ اللهِ عليه) صلاتَه حتى سقطَ سعيد قربانًا بفناءِ الصلاةِ لتعرجَ روحُه على أجنحةِ الملائكةِ رفقةً لصلاةِ الحسين (صلواتُ الله عليه) وممَّا رويَ في ذلك: "أنَّ سعيد بن عبد الله الحنفي تقدّمَ أمامَ الحسين (حين صلاته)، فاستهدفَ لهم يرمونه بالنبلِ كُلّما أخذَ الحُسينُ (عليه السلام) يمينًا وشمالًا، قامَ بين يديه، فما زالَ يُرمى به حتى سقطَ إلى الأرض وهو يقولُ: اللهم العنهم لعنَ عادٍ وثمودٍ، اللهم أبلغْ نبيَّك السلامَ عني وأبلغه ما لقيتُ من ألمِ الجراح، فإنّي أردتُ بذلك نصرةَ ذريةِ نبيِّك ثم مات (رضوان الله عليه)، فوجِدَ به ثلاثةَ عشرَ سهمًا سوى ما بِه من ضربِ السيوفِ وطعنِ الرماح"(4). وعلى نقلٍ آخر أنَّه قال حينَ مصرعه: "اللهم لا يعجزك شيءٌ تريدُه فابلغْ مُحمدًا (صلى الله عليه وآله) نصرتي ودفعي عن الحسين (عليه السلام) وارزقني مرافقتَه في دارِ الخلودِ ثم قضى نحبه (رضوان الله عليه)"(5). رحل فاديًا مولاه، مُحاميًا عن حرمة صلاته، مُعرباً من زاويةٍ أخرى عن انسلاخِ جبهةِ العدو من كُلِّ مبدأ ودين. فرحمه اللهُ من فادٍ للدين أصلًا وفرعًا، ومتَّعه اللهُ بالكرامةِ الكبرى حيثُ جوارِ سيدِه ومولاه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1.الإرشاد، الشيخ المفيد (ت:٤١٣) : 2/91. 2.ينظر: معجم رجال الحديث، السيد الخوئي :20/274/275، المجالس الفاخرة في مصائب العترة الطاهرة، سيد شرف الدين، هامش ص 189،مستدركات علم رجال الحديث الشيخ علي النمازي الشاهرودي:4/68. 3.تجارب الأمم وتعاقب الهمم، ابو علي أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه : 2/75. 4.بحار الأنوار العلامة المجلسي : 45/21. 5.لواعج الأشجان السيد محسن الأمين: 156.

اخرى
منذ 3 أسابيع
134

والله لن تمحو ذكرنا

بقلم: كوناي البياتي أنا على يقينٍ تامٍ أنّ فنَّ الخطابةِ قد أُخِذَ من خُطبةِ السيّدة زينب (عليها السلام) أخذًا في قواعده أثناء الخطاب؛ فإنَّ من أبلغ الخطب على مرِّ العصور كانت خطبتها (عليها السلام)، ناهيك عن طريقةِ إلقائها، وصور التأثير والتحريك فيها، والضمائر، وانتقاء المفردات. والحديثُ حولَ كيفَ كانَ حالُ هذه السيدة وقد فقدت ما فقدت؟ يا موالين، السيدةُ الحوراءُ (عليها السلام) كانت أحزانُها ومصائبُها هي من تتحدث، المعروفُ لدينا أنَّ الفقدَ يحوِّلُ الكائنَ إلى كُتلةٍ من الصمت والذهول، ولكنَّ الأمرَ انعكسَ مع السيّدةِ (عليها السلام)؛ فصمتُها اخترق الكلمات، بل هذه المُصيبةُ زادتْها قوةً وصلابةً.. هذا ما يحدثُ عندما يُضحّي المرءُ من أجلِ رضا الله (تعالى)، فحتى مصائبه تكون في عينه (تعالى)، حيثُ لا يضعفُ ولا يحزنُ، فيقولُ: شاء الله، وما أجملَ أنْ يشاء الله! هذا ما حدثَ مع أهلِ البيت (عليهم السلام)، فلو سكتتِ السيّدةُ (عليها السلام) وقضتْ حالها بالبكاء والنوح، لما مالَ الناسُ إلى البحثِ عن حقيقةِ عاشوراء، ولظنَّ العدوُّ أنَّ أهلَ البيت (عليهم السلام) ضعفوا، وقلّتْ معنوياتهم، وأنّهم ليسوا على حق. وتأتي خُطبةُ السيّدةِ (عليها السلام) بشقٍ آخر، وهي تؤدّي رسالتَها إلى المرأةِ المسلمة؛ حيث بطريقتِها غير المباشرة خاطبت عفّةَ المرأة، وبيّنت أنّها لا تعني الانكفاء والجمود، بل تحمُّل المسؤولية وممارسة الدورِ الاجتماعي، فهي العنصرُ الفعّالُ، وأنَّ للمرأةِ نصيبًا في الثورة مثل الرجال، ولكن بطريقتِها وحدودِها؛ حيثُ لا يُكلِّفُ الإسلامُ المرأةَ بالقتال، وإنّما لها جوانب أخرى مهمة، كالإعلام؛ فبإمكانها أنْ تؤديَ واجبَها عبرَ الإعلامِ وتصنعَ أثرًا، وتربي أجيالًا. ولو كانت خُطبةُ السيّدةِ زينب (عليها السلام) في محضرِ يزيد (عليه لعنة الله) في وقتِنا الحاضر لضجَّ الإعلامُ بها، ولبُثّتْ بثًا مباشرًا في القنوات، وفي مواقعِ التواصل، ولأخذوا من الخُطبةِ قلبَها، ولأقاموا هاشتاكًا بعنوان: "فوالله لن تمحو ذكرنا"، ولجاءت تغريداتٌ تتساءلُ بذهولٍ: ما الذي يجعلُ السيّدةَ زينبَ واثقةً؟!

اخرى
منذ 3 أسابيع
162

أثرُ كلامِ الإمامِ علي (عليه السلام) في كتاب الدُّرّة اليتيمة لابن المقفع

بقلم: مهند الياسري بدءًا من عنوانِ الكتابِ لا بُدَّ من الإشارةِ إلى أنّ هناك خُطبةً للإمام علي (عليه السلام) تُسمّى بـ(الدُّرّة اليتيمة), ومعناها في اللغة التي لا مَثيلَ لها, أيّ الكلام على غير نظير. ومن المُسلَّماتِ أنَّ الكلامَ لا يكونُ كذلك إلّا إذا كان عن نبيٍّ, أو وصيّ نبيّ وهم محمد وآله (صلوات الله عليهم أجمعين). ولعلّ شِدّةَ تأثّر ابن المقفع بالإمام وشعوره بالأثر الكبير الذي حلَّ به دعاه إلى أنْ يُسمّي كتابَه هذا باسمِ إحدى خُطَبِ الإمام (عليه السلام). [دأب الخطباء والمتكلمون العرب منذ القرن الأوّل وما تلاه إلى مطالعة خطب أمير المؤمنين ( علیه السلام ) واستعمال بعض مقاطعها ليحسّنوا كلامهم ويجملوه ويهذبوه من كلّ ما يضرّ ببلاغتهم واستعمالاتهم الخاطئة ، وليكون ملكة فيما يتفوهون به أمام مخاطبيهم أو يكتبوه لقرائهم والمتمعن فيما كتب من خطب أو رسائل لأدباء عرب بل وشعراء بعد الإسلام لأدرك دون أدنى شك أثر خطب الإمام علي ( علیه السلام).] ومما يُروى عن الأصمعي أنّه قال: قيلَ لابنِ المُقَفَّع، مَن أدَّبك؟ قال: أنا أدّبتُ نَفسي، كُنتُ إذا رأيتُ مِن الناسِ فِعلًا حسنًا عَمِلتُ بهِ، وإذا رأيتُ فعلًا قَبيحًا اجتَنَبتُه. وفي هذا الكلام يظهرُ أنّ ابنَ المقفع شديدُ التأثّر بكُلِّ منابعِ الخير؛ ولا أرى أنّ هنالك منبعًا أغزر علمًا وأوفى فضلًا من كلامِ الإمام. ومما يؤكدُ رجاحةَ هذا الرأي ما ذهبَ إليه القلقشندي, إذ يرى أنّ ابنَ المقفع من فرسانِ الكلام الذين اقتفوا طريقةَ الإمامِ علي (عليه السلام) في الكتابة, بالإضافةِ إلى كثيرٍ من الدراساتِ الحديثة التي أشارت وقالت بوجودِ أثرٍ كبيرٍ لكلامِ الإمامِ في ابن المقفع. وفي الواقع إنّ ابنَ المقفع لم يذكرِ الإمامَ علي (عليه السلام) في كُلِّ مؤلفاته، ولم يستشهدْ بكلامه, لكنَّ المتمعن يلمسُ أثرًا مُتنوعًا لكلامِ الإمامِ في كُتُبِ ابنِ المقفع، فكان يأخذُ من كلامِ الإمامِ بطُرُقٍ شتّى دون الإشارة إليه, وقد ورد في باب الصديق من الكتاب المذكور ما يُظهِرُ أثرَ الإمامِ جليًا في عدّةِ مواطن منها: 1 . يحاولُ ابنُ المقفع أنْ يرسمَ لنا صورةَ الصديقِ، وفي مفتتحِ الباب يقول: ((أبذِلْ لصديقِك دمَك ومالَك)), وهذا القولُ لا يبتعدُ عن قولِ الإمامِ (عليه السلام): ((أبذلْ مالَك وواسِ به الصديق؛ فإنّ السخايا بالحرِّ أخلق))، وقوله (عليه السلام): ((أبذلْ مالَك لمن بذلَ لكَ وجهَه, فإنّ بذلَ الوجهِ لا يُوازَى به شيء)). والأثرُ بادٍ وغيرُ مقتصرٍ على المعنى بل مُتضمن للفظِ أيضًا. وقد دأبَ الأدباء منذُ القرنِ الأولِ الهجري وما تلاه إلى مطالعةِ آثارِ الإمامِ، والتزوّد منها كي يكسبوا كلامهم طابعًا بلاغيًا, وقد أخذَ هذا المعنى الشاعر عبدالله بن الطاهر الخرساني بقوله: أميلُ مع الذمام على بن عمي وآخذُ للصديقِ من الشفيق وإنْ ألفيتني ملكًا مُطاعًا وأنّك واجدي عبدَ الصديق وقد تأثّر ابنُ عبدِ ربّه بهذا المعنى وأفرد بابًا أسماه بـ"فضلُ الصداقةِ على القرابة" وفيه يقول: قيل لبزر جمهر: من أحبُّ إليك: أخوك أم صديقك؟ فقال: ما أحِبُّ أخي إلا إذا كانَ لي صديقًا. وقال أكثم بن صيفي: القرابةُ تحتاجُ إلى مودّة، والمودّةُ لا تحتاجُ إلى قرابة. وقال عبد الله بن عباس: القرابةُ تُقطعُ والمعروف يُكفر، وما رأيتُ كتقاربِ القلوب. وقالوا: إيّاكم ومن تكرهه قلوبكم، فإنّ القلوبَ تُحازي القلوب. ويرد هذا المعنى كذلك وبنفس ما ورد في كتاب ابن المقفع عند أبي حيان التوحيدي ت(310هـ) ويذكر: ((قال بعض السلف: أبذلْ لصديقِك دمَك ومالَك، ولمعرفتِك رفدَك ومحضرَك، ولعدوِّك عدلَك وإنصافَك)), ويزيدُ عليه قول الشاعر: إذا أنتَ لم تُنصِفْ أخاك وجدتَه ... على طرفِ الهجران إنْ كانَ يعقلُ 2 . ثم يُكمِلُ ابنُ المقفع قوله: ((ولمعرفتِك رفدَك, وللعامةِ بشـرَك وتحننَك, ولعدوِّك عدلَك)), ويبدو أنّه تلقّفَ هذا المعنى من قول الإمام (عليه السلام): ((أبذلْ لصديقِك نصحَك, ولمعارفِك معونتَك, ولكافةِ الناسِ بشرَك)), وقوله (عليه السلام): ((البشاشةُ فخُّ المودة)). وليس من الصدفة, أو من باب تواردِ الخواطر أن تجتمعَ تلك المعاني بألفاظها في نصٍّ قصير, وهذا في عُرفِ النُقّادِ القُدامى يدخلُ في بابِ السرقة, وقوله (عليه السلام): (المؤمنُ بشره في وجهه))، وكذلك قوله(عليه السلام): ((أبذلْ لصديقِك كُلِّ المودة ... وأعطِهِ من نفسِك كُلَّ المواساة)), يظهرُ أنَّ الإمامَ حكيمٌ في تناولِ كُلِّ جوانبِ الحياة, وتُعَدُّ الصداقةُ من أجملِ العلاقات التي تمنحُك كما قيل "أخٌ لم تلِدْهُ لك أمُّك"، ولا بُدَّ من وجودِ نظامٍ يُقيّدُ هذه العلاقة. 3 . جاء في قول ابن المقفع: ((وأما الصمتُ فيُكسِبُكَ المحبةَ والوقار)), وهذا المعنى بلا شك قد ورد في أقوالِ الإمامِ وبنفس الألفاظ، يقول (عليه السلام): ((الصمتُ يُكسِبُكَ الوقار, ويكفيك مؤونةَ الاعتذار)), وكذلك قوله (عليه السلام): ((صمتٌ يُكسِبُكَ الوقار خيرٌ من كلامٍ يُكسِبُك العار)), وهذا الأثرُ جليٌّ لا يحتاجُ لأيِّ شرحٍ أو تأويلٍ؛ فهو أخذٌ باللفظِ والمعنى, وأخذ هذ المعنى أبو العتاهية وصاغه شعرًا بقوله: إذا لم يَضِقْ قوْلٌ عَلَيكَ فقُلْ بهِ وإنْ ضاقَ عليكَ القولُ فالصمتُ أوسعُ فَلا تَحتَقِرْ شَيئًا تَصاغَرْتَ قدرَه فإنّ حَقيـرًا قد يَضُــــــــــــرّ ويَنْفَعُ. وفي الجوِّ نفسِه يقول الإمامُ الشافعي: وَجَدتُ سُكوتي مَتجَرًا فَلَزِمــــتُهُ إِذا لَم أَجِدْ رِبحًا فَلَستُ بِخاسِرِ وما الصمتُ إلا في الرجالِ متاجرُ وتاجـــرهُ يعلو على كُلِّ تاجرِ ويتلقّفُ هذا المعنى شاعرٌ محدثٌ, إذ يقول غسان كنفاني: إنّ الصمتَ هو صراخٌ من النوعِ نفسه أكثرُ عمقًا وأكثرُ لياقةً بكرامةِ الإنسانِ 4 . وفيما يخصُّ إنصافُ العدو يقول ابن المقفع: ((احفظْ قولَ الحكيمِ الذي قالَ: لتكنْ غايتُك فيما بينِك وبين عدوِّك العدلَ)), لم أعثر على الحكيم قائل النص السابق؛ لكن على ما يبدو هو له، بناهُ على وفقِ ما ابتنتْ عليه الرسالةُ التي كتبها الإمامُ علي (عليه السلام) إلى شُريحِ القاضي, إذ يوصيه بقوله: ((ثمّ واسِ بين المسلمين بوجهِك ومنطقِك ومجلسِك حتى لا يطمع قريبُك في حيفِك، ولا ييأس عدوّك من عدلِك)), ولنصمتْ ولندعِ النصينِ يتحاوران, والمُستعرض للتأريخ منذُ بدءِ الخليقةِ إلى يومِ القيامة لن يجدَ في تاريخ البشرية جمعاء مثل هذه الرواية التي تقول: لمّا ضُرب عليّ (عليه السلام) تلك الضربة قال: ((فما فعل ضاربي أطعموه من طعامي، وأسقوه من شرابي، فإنْ عِشتُ فأنا أولى بحقّي، وإنْ مِتّ فاضربوه ضربةً ولا تزيدوه عليها)) ماذا عساه أنْ يقول من يقرأ هذه الرواية, يوصي ذويه بعدم التعدّي وظلمِ عدوّه وقاتله! ومما لا شك مثل هذه القضية تولِّدُ انفعالًا عند المتلقي وبحالةٍ شعورية, أو بلا شعور يتأثرُ بهذه الصورةِ العظيمةِ التي اهتزّتْ لها البشريةُ جمعاء, ليسَ هنالك عدالةٌ مع العدوِّ بهذا المستوى. ومثالٌ آخر للعدلِ وإنصافِ العدو, فقد ضربَ الإمامُ أمير المؤمنين (عليه السلام) أروعَ الأمثلةِ في توفيرِ الحرّياتِ الشخصية، فحينما جاءه طلحةُ والزُّبير واستأذنا منه الذهاب إلى مكّةَ، فأذِنَ لهما، وهو يعلمُ أنّهما قد نويا شرًّا! ولمّا خرجا يقولُ ابنُ عباس (رضوان الله عليه): قال أميرُ المؤمنين: ((إنّهما استأذنا في العمرة فأذنتُ لهما بعد أوثقتُ منهما بالأَيمانِ أنْ لا يغدرا ولا ينكثا ولا يُحدثا فسادًا))، ثم أطرقَ الإمامُ برأسه، بعد هنيئة واصلَ قائلًا: ((إنّي لأعلمُ أنّهما ما قصدا إلاّ الفتنة، فكأنّي بهما قد سارا إلى مكة ليسعيا إلى حربي)), فقال ابن عبّاس بأدبٍ بالغٍ، كاظمًا غيظه في قلبه: إنْ كان ذلك عندك يا أمير المؤمنين معلومًا فلِمَ أذنتَ لهما؟ هلّا حبستَهما وأوثقتَهما بالحديد، وكفيتَ المؤمنين شرّهما! فقالَ أميرُ المؤمنين (عليه السلام): ((يا ابن عبّاس، أتأمرني بالظُلم، أبدأُ بالسيئةِ قبلَ الحسنة؟ وأعاقبُ على الظنّة والتهمة؟ وأؤاخذُ بالفعلِ قبلَ كونهِ، كلّا _والله_ لا عدلتُ عمّا أخذَ اللهُ عليّ من الحُكمِ والعدلِ، ولا ابتدئ بالفصل)) وهذه الصورة تُمثّلُ المعنى الحقيقي لإنصافِ العدو, وكيف لا تجدُ صداها؟, وكيف لا يتأثرُ بمضمونِها ابنُ المقفع وغيره من الأدباء؟ وبهذا الموقف الخالد الذي دفعَ الإمامُ ضريبتَه غاليًا فيما بعد، أرسى دعائمَ حرّيةِ التنقّل حتى لأعدائه الذين يُشَمُّ منهم رائحة الفتنة، عملًا بكتابِ اللهِ وسنّةِ نبيه (صلى الله عليه وآله)؛ ولعلّ المادّة الثالثة عشرة من الإعلان العالميّ لحقوقِ الإنسانِ وضعت على وفقِ هذه الحادثة إذ تنصُّ على أن: ((لكلِّ فردٍ حرّية التنقّل واختيار محلِّ إقامتِه داخلَ حدود كلِّ دولة, ويحقُّ للفرد أنْ يُغادرَ أيةِ بلادٍ بما في ذلك بلده, كما يحقُّ له العودةَ إليه)), والمُتمعن في هذه الوثيقة يجدُها تحكي حالَ وواقعَ هذه القصة السالفة الذكر. 5 . قال ابنُ المقفع في الصبر: ((الصبرُ صبران: صبرُ الرجلِ على ما يكره, وصبرُه عمّا يُحبُّ)), وهذا المعنى تقمّصه ابنُ المقفع باللفظ والمعنى, فقد أخذه من قولِ الإمام (عليه السلام): ((الصبرُ صبران: صبرٌ على ما تكره, وصبرٌ عما تُحِب)). والنصُّ الأول جاء طبقًا للنصِّ الثاني كما مُبيّن. والنوع الأول أشق من النوع الثاني، لأن الأول صبر على مضرة نازلة، والثاني صبر على محبوب متوقع لم يحصل. وكذلك قول الإمام (عليه السلام): ((الصبرُ صبران: صبرٌ في البلاء حسنٌ جميل, وأحسنُ منه الصبرُ على المحارم)), وقد أخذ هذا المعنى باللفظ نفسه الحسنُ البصري وقال: ((الصبرُ صبران: صبرٌ عندَ المصيبة، وصبرٌ على المعصية, فمن قدرَ على ذلك فقد نالَ أفضل الصبرين)), فكُلُّ من كانت البلاغة والحكمة مقصده وجبَ عليه أنْ يتتبع أخبارَ ما قالَ وما قيلَ عن سيّدِ البلاغةِ بعد رسول الله (صلوات الله عليهما وآلهما). وقال أنو شروان: "جميعُ أمرِ الدنيا مُنقسمٌ إلى ضربين لا ثالث لهما: أما ما في دفعه حيلة فالاضطراب دواؤه، وأما ما لا حيلة فيه فالصبرُ شفاؤه". وفي هذا يقول أبو العتاهية: ما أكرمَ الصبرُ وما أحسنَ الصدقَ وما أزينهُ للفتى الخرقُ شؤمٌ والتُّقى جنةٌ والرِّفْقُ يمنٌ والقنوعُ الغنى وقال الفيلسوف أبو العلاء المعري: أحسنُ بالواجدِ من وجــــــدِه صـــبرٌ يعيدُ النارَ في زندِهِ الصبرُ يوجدُ، إِنْ باءٌ له كسْرت لكنه، بسُكونِ الباءِ مفقودُ ويحمَدُ الصابرُ الموّفي على غرض لا عاجزٌ، بعرى التقصيرِ معقودُ فالمعرّي جعلَ الصبرُ صبرين، الأولُ الصبِر وهو نباتٌ صحراوي مُر, والثاني صبْر وهو الذي نُسمّيه بالجميل المُتمثل بالرضا بقضاء الله تعالى وعدم الجزع، وهذا المعنى واضحٌ يدلُّ على أنّ الفيلسوفَ قد تأثّر بحكمةِ الإمامِ في هذا الصدد. ومن الحديثين؛ قول إبراهيم اليازجي: كم بينَ صبرٍ غدا للذلِّ مُجْتلبًا وبينَ صبْرٍ غدا للعزِّ يجتلبُ 6 . جاءَ في قولِ ابن المقفع: ((كان أعظمُ الناسِ في عيني, وكانَ رأسُ ما أعظِّمه عندي صغر الدنيا في عينِه، كانَ خارجًا من سلطانِ بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد, ولا يكثر إذا وجد، وكان خارجًا من سلطان فرجه، فلا يدعو إليه مؤنة ولا يستخفُّ له رأيًا ولا بدنًا، وكان خارجًا من سلطانِ الجهالة)), إذ ليس هنالك فرقٌ بين هذا الكلام وبين خُطبةٍ للإمام علي (عليه السلام): ((كان لي فيما مضى أخٌ في الله، وكانَ يُعظِّمُه في عيني صغرَ الدنيا في عينه، وكان خارجًا من سلطان بطنه؛ فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يُكثِرُ إذا وجد، وكان أكثرُ دهرِه صامتًا. فإن قال بدَّ القائلين، ونقعَ غليلَ السائلين، وكان ضعيفًا مُستصعفًا)). وما فعله ابنُ المقفع هو تحويرٌ في الكلام فقط, إذ يقول: كانَ أعظمُ الناسِ في عيني هو نفسه الذي يقصده الإمام (عليه السلام)، الأخُ في الدين فهو أعظمُ أخ: "كان لي فيما مضى أخٌ في الله". والفقرةُ الأخرى من كلام ابن المقفع: "وكان رأس ما أُعظِّمهُ عندي صغرَ الدنيا في عينه" هو ما ذكره الإمام: "وكان يُعظِّمه في عيني صغر الدنيا في عينه" إلا أنّ كلامَ الإمامِ في الوقعِ أجمل من حيث ترتيب الكلمات، وعدم اللجوء إلى المباشرة باستخدام أسلوب التعجب الذي أدخله ابن المقفع في كلامه؛ فمن بلاغةِ الإمامِ أنّ كلامَه مدعاةٌ للتعجبِ بدون إقحام "ما" فضلًا عن الجانب الموسيقي في الجملتين فإنَّ كلامَ علي (عليه السلام) موسيقيًا سلس أكثر من كلام ابن المقفع. بعد ذلك يأخذُ ابنُ المقفع خُطبةَ الإمامِ بالنص: ((وكان يعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه، وكان خارجًا من سلطانِ بطنِه؛ فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يُكثِرُ إذا وجد، وكان أكثرُ دهره صامتًا. فإنْ قالَ بَدَّ القائلين ونقعَ غليلَ السائلين، وكان ضعيفًا مستضعفًا)) , يظهرُ أنّ ابنَ المقفع ينقلُ كلامَ الإمام بالنص مع تغييرٍ طفيفٍ، وفي بعض الأحيانِ ينقلها دون أي تغيير, ويذكرُ ابنُ أبي الحديد أنّ الإمامَ كان يقصدُ في خُطبته المقداد بن الأسود وهو من شيعته, أما ابنُ المقفع فإنّه لا يُشيرُ إلى أخٍ معين، ولكنّه كلامٌ خرجَ مخرجَ المثل، وعادةُ العربِ جاريةٌ بمثلِ ذلك. وفي هذا يقولُ الأعشى: طاوي المصيرِ على العزاءِ مُنصلتٌ بالقومِ ليله لا ماء ولا شجر تكفـــــــيهِ فلذةُ لحمٍ إنْ ألمَّ بها من الشواءِ ويروى شربه الغمر ولا يبارى لما في القدر يرقــــبه ولا تراهُ أمامَ القــــــومِ يفتقرُ *الخاتمة: سعى ابنُ المقفع من خلالِ كتابه هذا إلى أنْ يرسمَ نظريةً أخلاقيةً, فالاتجاه الأخلاقي هو الغالب على هذا المصنف, وقد ظهر شيءٌ كبيرٌ من تأثِّرِه بكلامِ الإمام علي (عليه السلام)، وكان أخذه بالنصِّ أحيانًا، وحينًا أخرى بالمعنى مع تحويرِ بعضِ الألفاظ، وأحيانًا ثالثة بالمعنى، لكنِ الأعمّ الأغلب كان من بابِ الاقتباسِ دون أنْ يذكرَ الإمامَ، ولا يمكن إرجاعُ هذه الظاهرة لسببٍ معينٍ، فربما كانت من بابِ التقيّةِ ودفعِ شرِّ المنصور العباسي، وربما لأسبابٍ أخرى لا يُمكِنُ حصرُها. تجدرُ الإشارةُ إلى أنّ مؤلفاته تدفعُ تهمةَ الزندقة التي أُلصِقت به, وأعتقدُ أنّ هذه التهمة كانت ثوبًا جاهزًا تُلبِسُهُ السلطةُ العباسيةُ لكُلِّ من يُشكِّلُ خطرًا على سلطانها.

اخرى
منذ 3 أسابيع
163

لكنّني قَطرةٌ

بقلم: حباري الحسين كُنتُ قطرةً عذبةً لكن أصبحتُ فيما بعدُ قطرةَ عذابٍ أعيشُ الحسراتِ منذُ الذر أنا قطرةُ الماءِ التي عَطِش لَـها الحُسَينُ وأيتامه وأصبح دونها لسانُ الأكبر كالخشبة اليابسة كم تَمنيتُ لو أرويّه! لكنّ عَذابي هو أنّني مُلكٌ لِجيشِ عَدوِّه! أنا التي نجوتُ حِين احتوتني قِربةُ العباس تَشبّثتُ بِجودِ أبي الفضل ظَننتُ أنّني قَد نَجوتُ مِن عَذابي كانَ كُلُّ مناي أنْ أصِلَ إلى المُخيّم حاولتُ وحَاولتُ لكن قطعوا اليمين فتمسّكتُ بيَساره بالجودِ الذي يحويني لَكِنَّهم حالوا بيني وبين الوصول إلى تِلك الكفِّ المباركة تمسّك بالجود بِفمه تمنيتُ لو كُنتُ قد بلّلتُ شفاهه ولكنّ سهامَهم ونبالَهم قد أوقعتْهُ أرضًا وهَوى البَدرُ الذَي أنارَ ليالي الحُسين فَخابتْ كُلُّ آمالي ولم أصلْ اختلطتُ بالتُراب حَتى أصبحتُ طينًا كان هذا عزائي الوحيد أنْ اختلطَ بِتربةٍ يُرويّها الحُسينُ بدماه لم أَعدْ أرى شيئًا بوضوح سوى امرأةٍ نحيلةٍ تئنُّ أنينَ الثكالى تَجّرُ خَطواتِها المُثّقَلةَ بالألم كأنَّ عُمرَها خَمسونَ عَامًا وهذا ما تبيّن لي فقد تكلَّمتْ وصوتُها حَزينٌ تَملؤهُ الهَيبةُ كشخصِها قالتْ والرجفةُ في كِلماتِها أخي، يا رائحة أُمّي الزهراء ويا ريحانةَ جدّي رسول الله أخي حُسين منذُ متى أُناديك فلا تجُيبني؟ تمنيتُ في وقتِها لو أنّني تبخّرتُ مع حرارةِ الجو ولَم يُبقني اللهُ لأرى هذه الجليلةَ هكذا مكسورةً نظرتُ بعيني نحو خيامِها رأيتُ الخيامَ تحترقُ كقلبِها والعيالُ يفرّون ولا يعرفونَ إلى من يلجؤون! فقد قتلوا ملاذهم وقعت خيامُهم منذُ أنْ خَضّبوا الشيبةَ المُباركةَ بدمائهِ الزاكية حاولتُ أنْ أُطفئَ الخيامَ ولكنّني قطرة! يا لعجزي! ربّاهُ أعلمُ أنّني لا أستطيعُ وأعلمُ أنّني قطرةٌ ولكن أُكِنُّ له بحوراً من الحب!

اخرى
منذ 3 أسابيع
151