الاختبار الاعظم

علي طالب في السادس الاعدادي ومنذ شهر ونصف بدأ المراجعة للاستعداد للامتحان النهائي وهو يتمنى أن يحصل على معدل عالٍ يمكنه من الدخول إلى الجامعة التي يرغب فيها. وهو شاب مؤمن يحب حضور المجالس الحسينية وصلاة الجماعة التي تقام في منطقة سكناه لكنه هذه الفترة انقطع عن كل ما يحب ويرغب فيه وانصبّ جل اهتمامه بالدراسة، ومع حلول شهر رمضان وصيامه النهار جعل الليل كله للقراءة، ومع اقتراب الأيام أصبح في عزلة تامة حتى عن أهله. كانت أمه قلقة عليه وبين فترة وأخرى تدخل عليه وتحاول أن تهون عليه الأمر. فقالت له: يا بني أنت طوال العام تدرس ودرجاتك جيدة جداً ،فلماذا تكلف نفسك أكثر من طاقتها؟ فأجابها بثقة: يا أمي، أعلم هذا لكن هذه الأيام الأخيرة وأنا جعلتها للقراءة المركزة أريد أن أعدّ جواباً لكل سؤال أتوقعه ولا تقلقي عليّ، كل ما أريده منك الدعاء في هذه الليالي المباركة. ذهبت الأم وقلبها ملتهب على ولدها الأكبر. أسبغت وضوئها وبدأت بتلاوة القرآن والدعاء فتذكرت ما قاله علي، نعم، إنها الأيام الأخيرة لم يبق إلا ليالي معدودة بكت كثيراً وبدأت تناجي ربها! يا رب هذه أيام شهرك الفضيل قد انقضت، ولياليه قد تصرمت، وأنا أي جواب أعددتُ وأي عمل قدمت لكي اطمأن معه بالنجاح والفوز برضاك. إلهي ان لم أكن أهلاً لأن تغفر لي وتفك رقبتي من النار فيما مضى فاغفر لي فيما بقى إنك غفار الذنوب، وبابك مفتوح للطالبين والمقصرين يا أرحم الراحمين . نعم، متى نعرف أننا في اختبار ويجب أن نعد جواباً لكل سؤال قبل أن ينتهي الأجل وحتى البضاعة المزجاة لم نحملها معنا لطول أملنا في الدنيا. اسأل الله ان يقبل منا القليل ويعفو عنا الكثير، ببركة الصلاة على محمد وال محمد…

اخرى
منذ سنتين
1354

العيد وقلب الإمام الحجة عليه السلام

العيد وقلب الإمام الحجة عليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم إن من أهم ما يميز العيد هو اجتماع الأهل والأحباب, فإذا كان الأب قد قضى صيامه بعيداً عن عائلته تجد صغاره وزوجته يعدّون الأيام والليالي لينعموا بطلّته مجدداً عليهم, فيجتمعوا على مائدة الإفطار صباحاً بعد أن يؤدوا صلاة العيد وبعض الأدعية التي من أهمها دعاء الندبة الذي ورد استحباب قراءته في صباح يوم العيد, ويتبادلون الهدايا والكلمات اللطيفة من أجل إدخال السرور على قلوب بعضهم البعض. ولكن يا ترى من ينتظر الإمام المهدي سلام الله عليه في هذه الليلة وهذا الصباح؟ هل هو وحيد أم هناك من يسلّي وحشته وغربته؟ ويا ترى، من نال شرف الصلاة خلفه؟! وأي مائدة تبركت بجلوسه عليها؟ أم هو غريب لا رفيق له ولا حبيب؟ وهل سنذكره في وسط ضجيج الأهل وضحكهم؟ فأين صلاتنا عليه كل ليلة طوال هذا الشهر المنصرم؟ ألم نقرأ (اللهم وصل على ولي أمرك القائم المؤمل والعدل المنتظر ...) بعد الإفطار في دعاء الافتتاح ونرغب بدولة كريمة تحت ظل رايته لكي تكتحل أعيننا بنور وجهه؟ أم هي مجرد لقلقة لسان! ومن سيحظى بإدخال السرور على قلبه صلوات الله وسلامه عليه وكيف؟ فلنقف عند هذه المحطة ونتريث قليلاً.... إذا أحببتُ شخصاً، سأسعى لأهديه ما يحبه مهما كان ثمنه، أو على الأقل سأحاول أن أدخل الفرح والسرور على قلبه, فهل أنا أُحب إمامي حقاً؟ وما هي هديتي للإمام المهدي عليه السلام هذه السنة؟ أتكون بخروجي متبرجة وأن أُكثر من الطيب؟! أم تكون بالاختلاط غير المبرر وتعالي الأصوات بالضحك؟! أم بتأخير الصلاة عن وقتها لاشتغالي بالضيوف؟! أم بإعداد أصناف من الطعام التي لا تعد ألوانها وألقي الزائد منها؟! فلننتبه رجاءً... إن هذه الأمور تدخل الحزن على قلب إمامنا سلام الله عليه، وتزيد من همه وغربته. وفي الحقيقة، البعض وربما الكثير يحول العيد من يوم مبارك إلى يوم نحس لكثرة ارتكاب الذنوب والمعاصي فيه! هم يبددون كل ما جمعوه من شذا هذا الشهر الكريم في لحظات بائسة! فأين دموعنا ونحن نتلوا (العفو العفو العفو سيدي سيدي سيدي). فلنكن ممن يسعى أن يقتطف ورود الطاعة ويعطرها بعبق التقوى، لنهديها باقة وفاء وإخلاص لمولانا الإمام صاحب الزمان أرواحنا لتراب مقدمه الفداء. والحمد لله رب العالمين

اخرى
منذ سنتين
1051

عند الوداع... محطة تأمل لا بـــــد منهـــا

ونحن إذ نشهد سرعة تعاقب الليل والنهار، وتسابق عقارب الساعة لتعلن قرب رحيل الضيف العزيز، نجد المسلمين ينقسمون إلى عدة أقسام: فمنهم من يستبشر لقرب انتهائه وقدوم العيد، ومنهم من لم يجد فارقاً بين وجوده وعدمه، ومنهم من يتألم لأنه لم يُقدم من الأعمال الصالحة والعبادات ما كان ينبغي أن يقدمه، ومنهم على خوف ووجل مخافة أن يشد هذا الشهر العظيم رحاله مودعاً ولمّا يُكتَبْ من العتقاء من النيران، أو لازال محروماً من الرحمة والغفران... إذن فلا بد لكل مؤمن أن يبتعد قليلاً عن زحمة الحياة وضجتها وصخبها، ويلجأ إلى زاويةٍ للتأمل والتفكر من أي الأصناف هو؟ فلا زال في الشهر الكريم بقية... ولا زالت الرحمات والبركات تهطل بكثرة وغزارة على من تعرض لها، ولا زال سجلّ الغفران والعتق من النيران مفتوحاً، فليبادر كل منا وخصوصاً من يشعر بالتقصير في طاعاته في هذا الشهر الكريم إلى الجد والاجتهاد في الطاعات لتسجيل اسمه قبل أن ترفع الصحف ويجف القلم. و لا يُفهَم أننا نقصد بأن الرحمة الإلهية ستُرفع، وغفران الذنوب سينتهي بعد هذا الشهر المبارك، فالله (تبارك و تعالى) سمته الرحمة وصفته العفو والمغفرة إلا أن من لم يَحظَ بالرحمة والمغفرة والبركة في شهر ضيافة الله (تعالى)، حيث الشياطين مغلولة، وبوابة البركات على مصراعيها مفتوحة، والأنفاس فيه تسبيح، والنوم فيه عبادة، و و و... فمتى تُراه يحظى بالخير؟ ومتى تُراه تُغفَر ذنوبه؟ فقد روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه و آله): "إن الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم" وعنه (صلى الله عليه وآله): "إن الشقي حق الشقي من خرج منه هذا الشهر ولم يغفر ذنوبه" و عنه (صلى الله عليه وآله): "فمن لم يغفر له في رمضان ففي أي شهر يغفر له؟!" وعنه (صلى الله عليه وآله) لما صعد المنبر فقال: آمين "أيها الناس إن جبرئيل استقبلني فقال: يا محمد من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فيه فمات فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين" فلنستثمر ما تبقى من أيام قلائل قبل فوات الأوان... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
601

العيد انطلاق لا تلكؤ!

ما هو العيد؟ هل هو بلبس الثوب الجديد؟ أم بالاختلاط المحرم؟ أم بالذهاب إلى أماكن المعصية والغفلة بحجة الترفيه؟ العيد –عيد الفطر- هو احتفال بمناسبة، وهو أول يوم يأتي بعد شهر النور وموسم البركة. أول يوم يأتي بعد ثلاثين يوماً من تلاوة كتاب الله العزيز. ثلاثون ليلة والمؤمن يدعو : اللهم إنّا نرغب إليك في دولةٍ كريمة تُعزُّ بها الإسلام وأهله وتُذل بها النفاق وأهله وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك والقادة إلى سبيلك وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة. ثلاثون ليلة يردد (اللهم إنّي أسألك من بهائك بأبهاه) وهذه المضامين العالية الواردة في أدعية أهل البيت (عليهم السلام) تشحن الروح برفع سقف الطموح والطلب من رب العالمين . ويأتي العيد بعدها... ولو تأملنا في أهم الأعمال الواردة فيه والتي هي: 1- إخراج زكاة الفطرة: وهي درس بليغ في التكافل الاجتماعي. 2- صلاة العيد وخطبتيها: وهي الأخرى عمل جماعي. 3- قراءة دعاء الندبة: وهنا المؤمن يعيش حالة الحزن والأسى والهم لفقد إمام زمانه وهو يتضرع إلى الله: فأغث يا غياث المستغيثين عبيدك المبتلى، وأره سيده يا شديد القوى وأزل عنه به الأسى والجوى .... فكيف يُزال الأسى؟ بالركون والهدوء؟! أم بالعودة للمعاصي والذنوب؟! إذن العيد هو الانطلاقة بعد التعبئة المادية والمعنوية التي حصل عليها الصائم من شهر الخير، والعمل حينها لا بد أن يكون على محورين: الأول: أن يحافظ المؤمن على المكتسبات الروحية التي حصل عليها في شهر النور. الثاني: الانطلاق للعمل الحثيث والدؤوب على الإصلاح والتمهيد لدولة العدل المقدس. فهل ما يفعله الكثير منا متوافق مع هذه الحقيقة! فهل يصح ان يكون العيد يوم غفلة ولهو بل يوم التعدي على الحرمات والحدود الإلهية بحجة أنه عيد! بقلم: تقوى القلوب

اخرى
منذ سنتين
1018

تساؤل في زمن الغيبة

عندما نشاهد في زماننا -ونحن في عصر غيبة إمامنا الحجة بن الحسن عجل الله فرجه الشريف- الظلم والاضطهاد والفساد والإفساد بمختلف أشكاله وتمظهراته وتكالب الفتن علينا وما تستتبعه من الهبوط في الهاوية وانزلاق كثير من الناس فيها ووقوعهم في شراكها ، مضافا إلى الحروب التي لا تنتهي والتي أصبح لها أشكال متنوعة وما تخلفه من الآلام والقتل والتشريد يطرح على أذهان بعض الناس تساؤل حول الحكمة من عدم بعث الله تعالى للأنبياء والمرسلين واوصيائهم لكي يخلصونا من هذه المحن العصيبة، فقد ورد في الروايات أن عدد الأنبياء الذين بعثهم الله في الأزمنة الغابرة مائة وأربعة وعشرون ألف نبي ورسول ، فضلا عن أوصيائهم وخلفائهم مع أن البشرية كانت أقل عددا و أضيق موطنا؟ ! وللجواب هذا التساؤل وحل هذه الاشكالية نذكر جملة من الأمور توضح المغالطة التي وقع فيها السائل وتعالجها : الأول : إنّ الغاية من بعث الرسل والأنبياء هي هداية البشر وإلقاء الحجة كما في قوله تعالى (( رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما )) ، فالغاية الأساسية لبعثهم هي البشارة بالثواب والإنذار من العقاب الذي يلزمه الهداية واتمام الحجة على البشر بعد حجة العقل الذي هو الرسول الباطن . الثاني : صريح الكتاب العزيز يؤكد على عدم خلو أمة من نذير فقد جاء في قوله تعالى ((وإن من أمة إلا خلا فيها نذير)) فاطر/24 ، وهذا يفسر لنا كثرة الانبياء والرسل في العصور الغابرة لتشتت الأمم وتباعد مواطنها في أصقاع مترامية على سطح المعمورة ، مما يجعل التواصل معدوماً غالباً فيما بينها ، فليس المعيار على كثرة الناس وإنّما على ابلاغهم الحجة ووصولها إليهم ، وفي الأزمنة القريبة العهد من زمن الرسول صلى الله عليه وآله وزمان المعصومين عليهم السلام لم تبق أمة لم تصلها الحجة ولم تبلغها الرسالة فضلاً عن زماننا. الثالث : تبيّن أن ليس المعيار على كثرة البشر في تعدد الأنبياء ، بل على بلوغ الحجة ، وكذلك أن لا حجة -الآن وفي أي زمان - لأي أمة على الله عز وجل . الرابع : إنّ وقوع الفساد والافساد والفتن وسفك الدماء ...إلخ ، واقع بقدم تاريخ البشرية من زمن نبي الله آدم عليه السلام وشيطانه إلى زمن نوح عليه السلام وطوفانه إلى زمن ابراهيم عليه السلام ونمروده إلى زمن موسى عليه السلام وفرعونه إلى زمن رسولنا الأكرم صلوات الله عليه وآله وقريشه وسقيفتهم وإلى زمن الإمام الحسين عليه السلام ويزيده حتى يمتد إلى يوم القيامة ، فليست مهمتهم (عليهم السلام ) منع وقوعه، فالدنيا دار ابتلاء وامتحان - خصوصاً مع عدم قدرتهم -وإنما ارشاد الناس وهدايتهم وإلقاء الحجة عليهم. الخامس : إنّنا نعتقد أنّ الحجة في زماننا – الغيبة الكبرى - والهادي لنا هو الامام المهدي عجل الله فرجه الشريف ، فهو غائب مستور وغيبته لا تمنع من الانتفاع بوجوده المبارك كما ورد في الحديث الشريف عنه صلوات الله عليه (وأمّا وجه الانتفاع بي في غيبتي ، فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبها عن الأبصار السحابُ) كمال الدين /الباب 45/ص485. السادس : إنّ الإمام عليه السلام قد خط لنا طريقاً رابطاً بالمشروع المحمدي صلوات الله على صاحبه وآله ، وهو الرجوع إلى الفقهاء العدول العالمين بالأحكام والمطلعين على مداركها من الكتاب والسنة ، فجعلهم حجة علينا ونصّبهم للقضاء وللبت في الحوادث الواقعة ، فقد جاء في التوقيع الشريف ( وأمّا الحوادث الواقعة ،فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا ، فإنّهم حجتي عليكم ، وأنا حجة الله عليهم) كمال الدين /الباب 45 /ص484 . فهم يقومون في عصر الغيبة بصيانة الشرع عن التحريف ، وبيان الأحكام ، ودفع الشبهات ، وهداية الناس لما فيه صلاحهم وخيرهم في العاجل والآجل . فهذا هو منهج أئمة أهل البيت عليهم السلام وهذه هي طريقتهم ، فلم تنقطع عنّا سبل الهداية ولم نٌعدم طريقها ، وظهر لنا تجلّي لطف الله فيهم إلى يوم القيامة. بقلم الشيخ مصطفى الفرهود

اخرى
منذ سنتين
1618

بإيمانها هزمتهُ - وبعقلها سلكتهُ

إنني حزينةٌ نعم حزينةٌ، إنه حزن الحب في قلب النجوم، إنه حزن الجمال في وجه الاقمار، إنه نفحة العشق في سماء الكون، إنه حزن الوردة لفراق الفراشات، إنه حزن الذوبان في طريق الوديان... هكذا اعتادت كل صباح؛ بعد أن تتذوق حلاوة مناجاة من أحبّته وتشعر بالاطمئنان والراحة بعد كل مناجاة لربها. تجلس وهي تمسك كتاب الله؛ لترتل بعض آياته، رغم أنها لم ترى من يفعل هذا في ذلك البيت الذي ولدت وترعرعت فيه بين أهلها! نعم، لم تشاهد من يفعل هذا الشيء! فكل من معها في المنزل يصلون ويصومون، لكن يؤدون الفريضة فقط، وكل منشغلٌ في حياته، فلم تجد من يسدي نصيحة للآخر، أو ربما قل: هكذا هي فطرتهم ولكنها منذ صغرها ارتبطت بالقرآن؛ ليكون انيسها في وحدتها. وكعادتها في ذلك الصباح بعد أن أدت صلاة الفجر، جلست لتتلو بعض الآيات فمرت بتلك الآية المباركة التي تقول: (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ). هنا توقفت عن القراءة؛ وكأنها تقرأ هذه الآية لأول مرة، ولأول مرة يحدث هذا الشيء معها، إذ سرحت في أفكارها قليلاً لتزدحم الأسئلة في مخيلتها، وتتجاذب الأفكار في حالة من اليأس والبؤس، وبدأ الشيطان يقترب منها إذ وجد ما كان قد عجز عنه لفترة طويلة، وهو يحاول أن يغويها وبدأ يهيئ لها سؤالا تلو السؤال ليعجزها عن الإجابة وتتنفس الصعداء لحقده عليها، ولكونها أتعبته كثيراً ووجد مبرراً للإغواء، لأنها بلغت الأربعين ولم تتزوج... هنا همس لها: متى أكون سكناً ومودة ورحمة؟ ألست أنا من بنات حواء؟ لماذا أرى من حولي يهنأنَ بهذا وأنا لا؟ لم أعصِ الله كما تفعل الأخريات، ومع ذلك كان لهن ما أردن، لم اقصّر في عبادتي، لم أتكلم عن الآخرين بسوء، بل إن قلبي يحب الجميع، ويتمنى الخير للآخرين؛ عكس كثير ممن أعرف وها هنّ يتمتعْنَ بالسكن والرحمة ورُزقْنَ الذرية ويداعبن أطفالهن.. إذن لماذا أنا هكذا؟ ربما إذا أعمل كما هنّ يعملن أكون مثلهن، فكفاني تبتلاً وعبادة، وما الذي حصلت عليه غير الوحدة والألم والحزن... هنا تحركت جنود الرحمن في عقلها، وخرت باكية وهي تذرف الدموع وتخاطب نفسها: ما الذي أسمعه منكِ أيتها النفس الأمارة بالسوء؟! أبتعد عني أيها اللعين، لن تغويني مهما حاولت، فأنا الوذ بكهف حصين، هيا ابتعد أيها اللعين... وخرت ساجدة تناجي محبوبها: رحماك يا الله، إلهي لا تؤاخذني بما فعلت، اعف عني رحماك يا رب. فبينما هي كذلك؛ تستشعر لذة الغلبة على اللعين، وحبط ما جاء به وبطل ما كان يصنع، إذ غلب يقينها شكها، فاليقين يساوي طريق آل محمد (عليهم السلام)، والشك يساوي الشيطان الرجيم، إذ بزغ نور؛ ومن خلفه قائل يقول: استمري على جهادك كي أراك علماً يرفرف في سماء القرب، وفي قرب السماء أراك كوكباً، ككوب الزهرة، يزهر في جمال كماله، ويكتمل في جماله وبهائه، فكم من قلب ساهٍ في جمال الكواكب، وكم من كواكب حلقت في جو القلوب... سأنتظر نجمَ سعدي، وطالع حظي، وبريق أملي، ووداد روحي، وكمال نقصي، وتمام همتي، هيا بنا فإن الوقت تقتله الأيام، والأيام تقتلها السنون، فلنقطف آمال الشوق، وبهجة الذوق.

اخرى
منذ سنتين
802

عيد جديد ... فهل نحن في تجديد؟!

العيد كل سعادة، العيد من الإعادة، فإذا عدت بالحسنات فعيدك عيد النجاحات، وإن عدت بالخطيئات فعيدك عيد المزريات. العيد كلمة حب في فم عاشق ولهان. العيد قبلة أم هي أم الحب والحنان. العيد في (ألفه) ائتلاف القلوب. وفي (لامه) ميلان الأرواح على كل مسكوب، وفي (عينه) عيون الأحباب وكلنا لهم نرغب ونؤوب، وفي (يائه) ينادي العشاق من مكان قريب، وفي (الدال) دلالة السعادة فهي منبع الريادة. روي عن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال: إنّما هو عيد لمن قبل الله صيامه وشكر قيامه وكل يوم لا تعصي الله فيه فهو عيد. إنما يفرح في يوم العيد من غُفر له فيعيش حلاوة المغفرة الإلهية، و يستلم جوائز الرحمن. فللفرح مواطن معينة كما جاء في القرآن الكريم: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}. أي إن الإنسان المؤمن عليه أن يفرح بما يقدمه من الهدف النهائي، وإلا فالفرح الذي لا مبرر له، ليس فرحاً هادفاً. قال العلامة المجلسي: فَإِذَا صَارَتْ لَيْلَةُ عِيدِ الْفِطْرِ وَ تُسَمَّى لَيْلَةَ مَنْحِ الْجَوَائِزِ، يُكَافِئُ اللَّهُ تَعَالَى الْعَامِلِينَ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْمُبَارَكِ بِلَا حِسَاب‏. وَ عَنْ جَمِيلِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ( عليه السلام ) قَالَ : إِذَا كَانَ صَبِيحَةُ يَوْمِ‏ الْفِطْرِ نَادَى مُنَادٍ اغْدُوا إِلَى جَوَائِزِكُمْ . العيد يوم التهنئة بنِعمة الصيام، ونِعمة القيام، وشُكر الكريم المنان. العيد هي فرحة الطائع بطاعته، والمصلي بصلاته، والصائم بصيامه، والقائم بقيامه، والمتصدق بصدقته. أما من لم يُغفر له فأنى له أن يفرح ويمرح، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في خطبته المعروفة التي أدلى بها في الجمعة التي سبقت شهر رمضان: " فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ غُفْرَانَ اللَّهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ" إذن فمن لم يغفر له ولم يستلم الجائزة كيف يفرح! روي إن الإمام علي (عليه السلام): رأى أحدهم يضحك في العيد، وكأنه مرتاح لما هو فيه؛ فنبهه الإمام (عليه السلام) قائلاً: ليس العيد لمن لبس الجديد، وإنما العيد لمن أمن الوعيد. أي: العيد هو عيد مَن صام شهر رمضان، يرجوا الرضوان، والعِتق مِن النِّيران. وليس لهؤلاء الذين كانوا ينتهكون حرمة الشهر الفضيل، وكان همهم إشباع اللذات. في العيد أحكام تقمع الهوى وتطبيق عملي لما مر به المؤمن من الطاعات في شهر رمضان ومن ورائها حكم تغذي العقل لينتصر على مكائد الشيطان، ومن تحتها أسرار تصفي النفس وتتغلغل في الروح لترتقي بها لسلم الكمال، ومن بين يديها ذكريات تثمر لبذور جديدة زرعت في تلك الأيام الفضيلة في الحق والخير، وفي طيها عبر تجلي الحقائق وتظهرها من بواطن النفوس، وموازين تقيم العدل بين مخالف البشر، ومقاصد سديدة في جمع شتات الوحدة والقضاء على التفرقة والفتن، وإصلاح الذات ومعالجة الأرواح، وتجارب عملية عالية في التضحية بالمال، والصبر للطاعات، وجمح الشهوات. كيف يا احبائي نفرح؟ وكيف تريدون مني أن ابتسم وأمرح؟ وكيف تريدون مني أن أتكلم وأشرح؟ حتى وإن كان عيداً! عيدٌ ليس فيه الإمام صاحب القلب الحزين الأليم، إمام غاب وغابت معه حلاوة السنين، إمام هو العشق والحب في كل حين، آه آه نظرة منك إلينا، تبعث الإيمان فينا، وأعيش الدهر سعيد، لو نظرة منك أيها الإمام الشهيد. حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
2617

رداً على مقولة الاتحاد الصوفية قالوا وقُلنا

قالوا: إنّا من أشد المعجبين بالصوفية، ونشعر بالعلاقة مع الله تعالى بأوج صورها عندما نقرأ كتبهم، فلماذا نعتبرهم كفاراً؟ قُـلنا: اعلموا رعاكم الله وسدد خطاكم أنّ هذا المذهب باطل، حيث تعتقدُ الصوفيّة بحلول الله تعالى في أجسام أولياءه، واتحاده معهم! والمراد بالاتحاد: هو صيرورة الشيئين الموجودَين شيئاً واحداً موجوداً. وفي مقام بيان بطلان مذهبهم: "إنّه لا يعقل صيرورة الشيئين شيئاً واحداً، وخالف في ذلك جماعة من الصوفية من الجمهور فحكموا بأنّه تعالى يتحد بأبدانِ العارفين بقول أحد علماءهم: أنا مَن أهــوى أنـــا ومَــن أهـــوى أنــا إنّــا روحانِ حَـللنا بـدنا! بل تمادى بعضهم وقال إنّه تعالى نفس الوجود، وكل موجود فهو الله تعالى، وهذا عين الكفر والإلحاد. الحمد لله الذي فضّلنا باتباع أهل البيت (عليهم السلام) دون الأهواء المضلة الباطلة"(١). وتجدُ أنّ الإمام الهادي (صلوات الله علیه) قد حذّر من الصوفية خذلهم الله تعالـی، حيث "روى المحدث القمي عن السيد مرتضى الرازي بسنده عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب قال: كنت مع الهادي علي بن محمد (عليه السلام) في مسجد النبيّ فأتاه جماعة من أصحابه، منهم أبو هاشم الجعفري، وكان رجلاً بليغاً وله منزلة عظيمة عنده، ثم دخل المسجد جماعة من الصوفية، وجلسوا في جانب منه مستديرين، وأخذوا بالتهليل. فقال: لا تلتفتوا إلى هؤلاء الخدّاعين، فإنّهم خلفاء الشياطين، ومخرّبوا قواعد الدِّين، يتزهّدون لإراحة الأجسام، ويتهجّدون لتصيّد الأنعام، يتجوّعون عُمراً حتّى تدبّخوا للإكاف حُمُراً، لا يهلّلون إلّا لغرور الناس، ولا يقلّلون الغذاء إلّا لِمَلأ العِساس واختلاس قلب الدِفناس،‏ يُكلّمون بإملائهم في الحبّ، ويطرحونهم في الجبّ، أورادهم الرقص والتصدية، وأذكارهم الترنّم والتغنية، فلا يتبعهم إلّا السفهاء، ولا يعتقدهم إلّا الحمقاء، فمَن ذهب إلى زيارة أحدٍ منهم حيّاً أو ميّتاً، فكأنّما ذهب إلى زيارة الشيطان وعبادة الأوثان، ومَن أعان أحداً منهم فكأنّما أعان يزيد ومعاوية وأبا سفيان"(٢). وبعد هذا القول الحق لأحد القادة الهداة والذادة الحُماة (صلوات الله عليه) نجدُ أنّ اللثام الديني الذي استغلته الصوفية لتتستر به باسم الدِّين قد اُميط، فضلاً عن حُكم العقل باستحالة حلول الله تعالى في أحد، والــدليل على الاستحالة هو(3): لو اتحد سبحانه مع غيره فإنّ الناتج لا يخرج عن ثلاثة احتمالات: 1- يبقى الموجودان موجودَين، وهذا باطل؛ لأنّه خلاف نتيجة الاتحاد. 2- يُعدم الموجودان وينتج آخر غيرهما، وهذا باطلٌ؛ لأنّ الناتج أجنبيّ عنهما. 3- يُعدم أحدهما ويبقى الآخر، وهذا باطلٌ أيضاً؛ لأنّ المعدوم لا يتحدُ مع الموجود. فإذا أبطلنا جميع فروض الاتحاد ثبتَ بطلان فكرة الاتحاد من الأصل. يُذكر إنّ مَن قالَ بالاتحاد هم النصارى وبعض العرفاء المنزلقي الفكر، وسيأتي الردّ عليهم في المقالات القادمة إن شاءَ الله تعالى. ____________________________ (1) كشف الحق ونهج الصدق للعلاّمة الحلّي، البحث الخامس في أنه تعالى لا يتحد بغيره. (2) منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة للعلّامة المحقق ميرزا حبيب الله الهاشمي الخوئي. (3) ظ: النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر، في بيان أنّه تعالى لا يتحدُ مع غيره. والحمدُ لله الذي لا يحسُّ ولا يجسّ، ولا يُدرك بالحواس الخمس، الغني عن خلقه، ونعوذُ بهِ مِن قبح الزلل وسُبات العقل، وصلّى الله على أول العدد، وخاتم الأمد، محمدٍ وآله الذين لا يقاس بهم من الخلق أحد. علوية الحـسيني.

اخرى
منذ سنتين
1423

الأمة اليتيمة

الاُمة اليتيمة قال تعالى: "وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا" 36/النساء. لا يجوز عبادة غير الله تعالى، لأنه لا يوجد خالق يستحق العبادة غيره، وعلى هذا الكلام أقيمت الأدلة العقلية والنقلية لبيان وتثبيت ذلك، أما الكلام الآن هو أنه سبحانه قرن عبادته بشيء عظيم وكبير، وهو الإحسان للوالدين. اثبات شيء لشيء لا ينفي ما عداه، فلو جاءت التفاسير بأن الوالدين المقصود بهما (الأم والأب)، لأن لهما تعباً في بناء شخصية طفلهما، حتى يكبر، فلهما الفضل في ذلك، هذا لا يعني انه ليس لهذه الآية وجه أخر، ومعنى آخر أكبر من المعنى الأول. فهناك تفاسير بَنَتْ على معنى آخر لهذه الآية... عن أبي مريم الأنصاري قال: كنّا عند جعفر بن محمد [عليه السلام] فسأله أبان بن تغلب عن قول الله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) قال: هذه الآية التي في النساء، مَن الوالدان؟ قال جعفر (عليه السلام): رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) هما الوالدان". [تفسير فرات الكوفي - فرات بن إبراهيم الكوفي - ص 104/ 93 – 2] وأما في تفاسير أهل العامة فالنبي (صلى الله عليه واله وسلم) هو الولي وهو الأب لهم. - قال الطبري في تفسيره (ج19 ص14-15) : "يقولُ تعالى ذكرُه: (النَّبِيُّ) محمدٌ (أَولى بالمؤمنين) يقولُ : أحقُّ بالمؤمنين به مِن أنفسِهم، أن يَحْكُمَ فيهم بما يَشاءُ مِن حكمٍ، فيَجوزَ ذلك عليهم. كما حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ : (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم): كما أنت أولى بعبدِك، ما قضَى فيهم مِن أمرٍ جاز؛ كما كلما قضَيْتَ على عبدِك جاز. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال : ثنا عيسى، وحدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعاً عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) قال: هو أبٌ لهم. وهذه الولاية أعطيت للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) "حديث ذكره الألباني في تخريجه لحديث الغدير (من كنت مولاه فعلي مولاه) قال فيه: ثم قال: (إن الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن) ثم أخذ بيد علي فقال من كنت وليه فهذا وليه) ونقله عن النسائي في خصائص علي والحاكم وأحمد وابن أبي عاصم والطبراني قال: وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. الفريقان متفقان على أن الرسول محمد (صلى الله عليه واله وسلم) وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) هما الوليان لهذه الامة. ولكن... أبوا هذه الأمة قد رحلا عن هذه الدنيا، وتيتمت الأمة بعد فقدهما، فالكل يعيش حالة اليتم، والكل يتيم . أما آن الوقت لكي تصل هذه الأمة إلى رشدها؟! فمتى ستكون بكامل وعيها وتنهض، وتتحمل مسؤوليتها؟ فكما هو معروف ومعلوم أن اليتيم إذا فقد أباه أو أمه، ما إن يبلغ، وتكمل قواه، حتى يخرج من حالة اليتم، أما يتمنا نحن أمة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم ) فهو مستمر إلى خروج مولانا الحجة (عجل الله فرجه) فيخرج ويمسح بيده المباركة الطيبة على رؤوسنا فتكتمل عقولنا ونبلغ كمالنا. فيا من بيمنك رزق الورى، هل لنا من نظرة إليك تكحل بها عيوننا، وتكمل عقولنا، وتطهر قلوبنا ونحن نلبي لبيك لبيك سيدي. اللهم صل على محمد وآل محمد وفاء البطاط

اخرى
منذ سنتين
982

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
50965

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
38027

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
30699

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
30456

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
24504

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
23777