حروف نيرة

أجلس ولده البكر في حجره وهو يلثم وجنتيه الناعمتين وثغره الذي ما كاد أن تسعه شفتاه رغم صغر طفله لكن ابتسامته كانت عريضة ملأت وجهه. نعم كان يشعره بالحنان والطفل تعلق برقبة أبيه يدغدغه والأب يسقط يميناً وشمالاً يلوذ بالهواء لعله يجد ما يستتر به من همسات طفله، وكان فرحاً لهذه اللحظات. ثم التفت إلى من شاركته هذه اللحظات وإن كان في نفسها بعض الغيرة من طفلها! وهي ترى أنه استولى على أحد ممتلكاتها بشكل كامل! نعم التفت إليها مخاطباً اياهاً: عزيزتي، ولدنا سيدخل المدرسة هذه السنة فعلينا أن نشتري له أجمل الملابس وحقيبة جميلة. فبادرته بابتسامة الفرح مع نشوة من الزهو وأومأت برأسها مبدية الإعجاب والموافقة. وانسلّ عنها منزوياً بغرفته وأخرج ورقة وقلماً وبدأ ينثر حروفه، وقبل أن يبدأ مداده بخط تلك الحروف خرج وقال لها: سأكتب بعض الكلمات وأدعها في ذلك الدرج، فإن كنت هنا سآخذه بنفسي إلى المدرسة في اليوم الأول، وإن كنت غائباً عنك في ذلك الوقت اذهبي به أنتِ ولكن احملي معك هذه الورقة لمدير المدرسة. نعم يا عزيزي سأفعل. ولكن هل لي أن أعرف ما في طياتها؟ عندما يقرأها المدير ستعرفين. قالها وهو مبتسم ودخل غرفته. بعد دقائق خرج ومازح أهله. ولما انقضت أيام إجازته ودّعهم وقال لها: سآتي إن شاء الله في موعدي لأصحبه إلى المدرسة. ومرت الأيام وكانوا بانتظاره، وفي يوم موعد إجازته، سمعت اصوات موسيقى عسكرية حزينة وأصوات رجال يكبرون ويهلّلون فاطلت من شباكها لترى نعشاً يحُمل على الأكتاف، وقد لُفّ بالعلم العراقي متجهاً نحو بيتهم، دققت النظر لترى صورة زوجها فوق ذلك النعش! فبدأت رحلتها الجديدة من تحمّل ألم ومرارة الحياة. ولتكون هي الأم والأب في آن واحد ولتحقق رغبة زوجها مع ابنهم. في الموعد المحدّد لبدء العام الدراسي الجديد ألبسته أمه أجمل ثيابه ووضعت صورة أبيه الشهيد على صدره وحملت الرسالة بعد أن شمتها ورطّبتها بقطرات دموعها . وصلت إلى المدرسة وسلّمت على مديرها وقدمت أوراق قبول ولدها، ثم أعطته تلك الرسالة، فتحها وبدأ يقرأ ما سطر بها من حروف، وهو ينظر بين لحظة وأخرى إلى ذلك البرعم الجميل، وقد اغرورقت عيناه بالدموع، والأم لم تستطع أن تخفي دموعها رغم ارتدائها النقاب. فسألته بشغف كبير: ماذا كتب فيها؟ فأجابها مدير المدرسة والعبرة تتكسر في صدره: اسمعي... الاستاذ الفاضل مدير المدرسة المحترم. السلام عليكم. ها انت تقرأ تلك الحروف التي كنت على يقين أنك ستقرأها لأني أيقنت السفر إلى الخلد. عزيزي... ها قد حان بدء العام الدراسي الجديد وجاء أبناؤنا إلى صفوفهم، وقد اعتاد الآباء أن يصطحبوا أولادهم الجدد إلى المدرسة، ليكونوا بقربهم ولكن ولدي شاء الله أن يفقد أباه في مثل هذا اليوم. لذا ارجو أن تكون له مثل أبيه ولكل طفل يتيم فلا تقهروه... لقد عرفتك حنوناً عطوفاً وأنا لا اوصيك بذلك ولكن خوف الوالد على ولده جعلني أكتب هذه الكلمات! واختنق المدير بعبرته ولم يكمل الرسالة وهو يحتضن الطفل اليتيم. حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
2275

بوارق الــتوحيد الجـلي عند الإمام الحسين بن علي (عليه السلام)

قال الإمام الحسين (عليه السلام) مناجياً ربّه: "متى غبتَ حتى تحتاج إلى دليلٍ يدل عليك؟!(1). إنّ النسبة بين الإدراكات مشكّكة، ففي جميع التنبيهات والاستدلالات يحتاج العقل إلى طريقةٍ تحاكي مستوى ادراكه. فبعد أن يدرك بداهةً (أنّ لكلّ معلولٍ علّة) يكون تعامله مع الحياة المعرفية على ضربين: الضرب الأول: العقل لا ينفك عن التعامل مع المعلولات بحيث لا يمكن له أن يصل إلى العلة لـولا معرفة تلك المعلولات، كأن يستدل على وجود الله تعالى (العلّة) من خلال وجود المخلوقات (المعلول)، فهنا ينتقل معرفياً من المعلول إلى العلّة. وإلى ذلك أشار الله سبحانه في كتابه الكريم: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}(2). وقد أشارت العلوم العقلية إلى هذا الاستدلال ووسمته بالبرهان الإني: وهو الاستدلال بالمعلول على العلة، ويكون الحد الأوسط الذي يربط مقدمتي البرهان هو واسطة في الإثبات فقط أي في العلم والتصديق الذهني(3). وهذا الضرب بصورة عامة هو ديدن عوام العباد ما خلا محمداً وآل محمد (صلوات الله عليهم جميعاً)، وهو حسن عقلاً ويدعو إلى التأمل في مخلوقات الله جلّ جلاله ثم استشعار عظمته ووجوده، وإن كان هذا الطريق ليس الطريق الكامل لمعرفة الله تعالى، لكنه حسن عقلاً، بل نجد أنّ المولى سبحانه قد حثّ عباده على هذا الضرب من الاستدلال بقوله في كتابه الكريم: { أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ *وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ* وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ* وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ}(4) فهنا دلالة صريحة على حثّ العباد على النظر والبحث في خلق المخلوقات وكيفية خلقها؛ ليتوصلوا بعد ذلك إلى وجود خالق عظيم. الضرب الثاني: العقل ينفك عن التعامل مع المعلولات بحيث يستدل بالعلة على المعلول، وهو ما يوسم بالبرهان اللمي: وهو الاستدلال بالعلة على المعلول، ويكون الحد الأوسط فيه الذي يربط مقدمتي البرهان هو واسطة في الثبوت والإثبات أي في العلم والواقع الخارجي(5). وقد أشار إليه الله تعالى في كتابه الكريم إليه في آية: { أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض}(6). فالله تعالى (علة) هو نورٌ كاشفٌ عن وجود المخلوقات (معلول) فهو المنوِّر –بالكسر- لا المنوَّر –بالفتح- كما في الضرب السابق - ذهناً-. وإذا كان الله تعالى يعرف بغيره لكان ذلك الغير أنور و أظهر منه تعالى، والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. إذاً يكون الاستدلال الأكمل من العلة إلى المعلول، وهو فيضٌ إلهي على ذوي الحظ العظيم، الراسخين في العلم بنص العزيز الحكيم، محمد وأهل بيته سادة النهج القويم. وها هو الإمام الحسين (عليه السلام) يستعمل الاستفهام الاستنكاري ليعطي معنى التعجب وهو غير المعنى الحقيقي للاستفهام –بلاغةً-، لكنه (عليه السلام) يعلم بتفاوت إدراكات أذهان العباد، لذا لم يقل متى غبتَ حتى يحتاج العباد إلى دليلٍ يدل عليك، بل كان كلامه مناجاةً خاصة بينه وبين خالقه تليق بمقام قدس الله ونسبة ادراكه (عليه السلام). فلسان حاله يقول: كيف أجعل الله تعالى (العلة) غيباً ومخلوقاته (المعلول) ظاهرة تدل عليه؟!. فالحسين (عليه السلام) ليس كالمنغمسين في عالم المادة، أو ممن كثفت الحجب بينه وبين الأسرار الملكوتية، لذا كان محلاً لسطوع شعاع شمس التوحيد من الرب المجيد ليكون للعباد خير هادٍ ورشيد. ووجه معرفة الإمام الحسين (عليه السلام) لربه هو أنّ المولى سبحانه أعطى للمعصوم صفة خاصة يعي من خلالها الاستدلال بالعلة الظاهرة (الله تعالى) على المعلولات المغيبة (المخلوقات)، دون أن يعرف ماهية الذات، كما لو عرّف المهندس نفسه بكونه مهندساً فقط، دون أن يفصح عن جنسه وسائر مشخصاته. وهو ما يمكن أن نسميه بالعلم اللدني. فلا يمكن القول بأنّه (عليه السلام) أكتنه ذات الله تعالى؛ فالمعصوم أو النبي (عليهما السلام) مهما بلغ من كمالات إلاّ أنّه لا يحيط بخالقه؛ لتنزه الخالق عن أن يكون محاطاً، فهو المحيط بخلقه، ولا يحيط المحاط بالمحيط، لذا نجد أنّ الله جلّ جلاله قال في كتابه الكريم آمراً عباده بتوحيد ربهم بنفي التركيب عنه وهذا أدنى المعرفة به سبحانه وبه يكتفى، حيث قال تعالى: {قُل هُوَ اللهُ أَحَد}(7) وسوف يقرّ العباد بداهةً ببساطة الذات الإلهية، ثم ينسد باب المعرفة، وتعجز الأوهام والقلوب عن أيّ معرفة، وتشغل الحيرة العقول لعوام العباد وسيّدهم وآل الرسول عن اكتناه الغيب المطلق. _______________________ (1) مفاتيح الجنان، دعاء الإمام الحسين عليه السلام في يوم عرفة. (2) سورة فصلت: 53. (3) ظ: منطق المظفر، ج3، ص315. (4) سورة الغاشية: 17-20. (5) ظ: منطق المظفر، ج3، ص315. (6) سورة ابراهيم: 10. (7) سورة التوحيد: 1. وسبحان الله الذي تفرّد بالعز والبقاء، وتردّى بالنور والبهاء، وجلّ عن مقارنة الاشياء، المنعم خلقه بأشرف الحباء، الذي أوجد بكلمته ما يشاء، وصل اللهم على محمدٍ وآله الاتقياء. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنتين
3025

ظاهرة الترحم على الفسّاق

أن تكون قضية مقتل فنانة متبرجة بل ومتجاهرة بالفسق هي الشغل الشاغل لوسائل الإعلام غير المنضبطة دينياً وخلقياً من فضائياتٍ وإذاعاتٍ ووو، لهو أمرٌ لا غرابة فيه، فلطالما كان هذا هو اهتمامها، والترويج لهؤلاء وأمثالهم من أهم أهدافها، أما أن يصل الأمر إلى درجة تشتعل معها وسائل التواصل الاجتماعي بهذه القضية التي لم ولن تكن قضيةً مستغربةً على مجتمعنا البتة، إذ لطالما طالت يد الاغتيال ولاتزال الكثير الكثير من الشخصيات الدينية والعلمية والعسكرية بل وحتى الفنية أيضاً، ففي الحقيقة أن هذه الظاهرة إن دلّت على شيءٍ فإنما تدل على ضعف وعي أغلب من يستخدم هذه الوسائل ــ للأسف الشديد ــ وعدم فهمهم للشريعة الإسلامية بشكل صحيح، لاسيما أولئك الذين بكوا وتباكوا وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها وأحالوا صفحاتهم الشخصية إلى مجالس عزاء، وراحوا يسطرون كلمات الترحم والتأسف بل والتألم أيضاً، متأبطين إنسانية الدين الإسلامي لهم عذراً، فما أن يُناقشوا حتى ذرفوا الدموع على الإسلام المظلوم لأنه قد فُهِمَ خطأً، على الرغم من أنهم هم الجاهلون به بالجهل المركب ولكن لا يعلمون.. نعم، دين الاسلام هو دين السلام ولقد دعا ويدعو إلى الإنسانية وعدم إلحاق الأذى بالآخرين فضلاً عن قتلهم مهما كان انتماؤهم و اعتقادهم وعرقهم ولونهم، هو دين يدعو إلى الله (تعالى) بالبرهان والدليل وبالحكمة والموعظة الحسنة لا بالإرهاب والقتل والعنف، قال (تعالى):"مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا" (1). لكنه وفي الوقت نفسه، هو دينٌ يُحمِّل المسلم مسؤولية حبه للآخرين ولأعمالهم أو بغضه لهم ولها، فقد جاء في الحديث أنّه: "قال الله تعالى لموسى: هل عملت فيّ عملا قطّ، قال: صلّيت لك، وصمت وتصدّقت، وذكرت لله. قال الله تبارك وتعالى: وأمّا الصلاة فلك برهان، والصوم جنّة، والصدقة ظلّ والزكاة والذكر نور، فأي عمل عملت لي؟ قال موسى (عليه السلام): دلّني على العمل الذي هو لك. قال يا موسى: هل واليت ليّ وليّاً؟ وهل عاديت لي عدوّاً قطّ، فعلم موسى أنّ أفضل الأعمال الحبّ في الله والبغض في الله"(2). كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام):«إذا أردت أن تعلم انّ فيك خيراً فانظر إلى قلبك، فإن كان يحبّ أهل طاعة الله عزّ وجلّ ويبغض أهل معصيته، ففيك خير والله يحبّك، وإن كان يبغض أهل طاعة الله ويحبّ أهل معصيته فليس فيك خير والله يبغضك، والمرء مع من أحبّ»(3). بالإضافة إلى ذلك فإن دين الاسلام دينٌ يحافظ على طهر المجتمع وعفافه ولذا فهو لا يحاسب من يعمل على اشاعة الفاحشة ولا على من يرويها وحسب بل ويحاسب حتى من يشعر ولو مجرد شعور بحب اشاعتها ويعاقب حتى من يرغب ولو باطنا فقط بانتشارها، قال (تعالى):"إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ"(4). فحريٌ بالمؤمنين والمؤمنات أن يقفوا ذات الموقف الذي يقفه الله (تعالى) ضد الفاحشة وأن يستنكروها بكل جوارحهم وجوانحهم، لا أن يمجّدوا من كانت تعمل على إشاعتها ويحزنوا ويترحموا عليها، بل قد أوغل البعض في الذنوب الى درجة أعمت بصيرته وسلبته دينه وأفقدته صوابه حتى، فتجرّأَ على كتابة مقطع من زيارة عاشوراء مرفقاً بصورة فاسقة كانت تتبجح بمعصيتها وتفتخر بظهورها شبه عارية أمام الأنظار!! ليت شعري، أين نحن؟ ألسنا في أرض الانبياء والاولياء؟ وفي أي زمن نحن؟ ألسنا في زمن أضحى فيه التفقه في الدين ومعرفة أحكامه متاحاً للمكلف حتى وهو في فراشه؟ ما الذي دهى البعض ليتجرّأ كل هذه الجرأة؟ هل هو الجهل أو البعد عن الدين والاستخفاف بالمقدسات؟ وهل يمكن أن يعتذر بالجهل من يكتب الكلمات المقدسة التي يُزار بها الإمام المعصوم، سيد الشهداء، وسيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين (عليه السلام) لفتاة فاسقة يشهد الجميع على فسقها ومحاربتها لله (تعالى) وخروجها الفاحش عن جادة الاستقامة؟ ونحن إذ نذكر هذه الصفات لا نذكرها من باب الإهانة أو التجاوز على الآخرين ــ لا سمح الله ــ ولكن من باب وضع النقاط على الحروف وإيضاح الحق من الباطل الذي حاول البعض برداء انسانية الاسلام المزيف أن يخلط بينهما ويلقي بشبهاته ويبث سمومه ليحرِف العقل الجمعي عن جادة الصواب، مستغلاً عقول الجاهلين والغافلين والمندفعين من الشباب، هادفاً الى نزع المسلمين هويتهم الحقيقية وتغذيتهم شيئاً فشيئاً بالثقافة الغربية.. فنستنكر هذه التوجه؛ لأننا قد أُمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ كما يجب علينا شرعاً أن ننكر ظاهرة القتل والاغتيال وإراقة الدماء، فإنه يجب علينا أيضاً أن ننكر هذه الظاهرة: ظاهرة الترحم والتألم على الفساق والتأسف عليهم والبكاء، قال (تعالى):"كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه"(5) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) المائدة 32 (2) ميزان الحكمة ج3 ص164 (3) مشكاة الأنوار ج1 ص93 (4) النور 19 (5) آل عمران 110 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
3720

على عتبة الاشتياق

مرت الايام وهي حبلى بالأحداث لتسد جفوناً خالجها النوم، فالروح كغصن أسير يتلوى على مدارجها.. يسكب الليل أفيونه لينام ملئ جفونه، ثمة حدث خلف الستار يقوده إلى مبتغاه، فكلماته التي تصدح بحب ال البيت (عليه السلام) في مجالس العزاء لم تعد تفي بالغرض فأبجدية المعارك بحاجة إلى حتوف الابطال! تألق الأمل في عينيه، فقلبه ينبض بهدوء، وهو يسرد رؤياه على عمته، ياسر، أيها الحبيب، إنه اللقاء، فالشهادة كرامة من الله، فتشبث برؤياك! السماء تزخر بالنجوم، والقمر يسح بأنواره، يرسل ضوءً ذهبياً.. ليرشد تلك الارواح الى سفر الخلود. الأرض ستهدي فلذات أكبادها، لتزهر الحياة بنجيع دمائهم. فقبل استشهاده بيوم، وسم ياسر ساعاته الاخيرة مرتشفاً من كأس العاشقين، في رياض العسكريين (عليهم السلام) صلى صلاة المودعين... فثمة هاجس يطرق شغاف قلبه: ما أقرب اللحاق بقافلة سيد الشهداء... رن هاتفه، أطال النظر الى شاشته... وكأنه يرى صورتها ... بعد استشهاده... رق قلبه لها، ترقرقت دموعه في آماق عينيه، _ أهلاً أماه ومرحباً بك، كيف حالكم، زرت الإمامين نيابة عنكم، أوصلي سلامي لأبي وإخوتي، واهتمي بنفسك كثيراً. ولدي الغالي، وأنت اهتم بنفسك كثيراً. ساد الصمت وكأنه يود أن يقول لها: أماه، عندما يصل إليك خبر استشهادي، فافرحي وقولي: ولدي البطل لا يخاف الموت. استودعك الله يا أماه، كوني قوية كما عهدتك. كنخلة ميساء تسمرت في مكانها، طوّقتها الافكار والتساؤلات! هل ينعى نفسه وهل هذا الوداع الاخير؟! فعند بوابة الانتظار تناثرت كلمات القائد على شغاف قلوبهم كالبلسم: إن هذا يومكم، يوم يبرز فيه الابطال ويوم تعانق ارواحكم فيها ارواح الماضين في الدفاع عن المذهب، سيفيض نحركم دماً عبيطاً ليحبس التاريخ أنفاسه عند رذاذ الخطوب. فمن اراد الحياة الابدية فليحق بي، العدو لا يبعد عنا سوى امتار، فإما النصر او الشهادة. انتفض قبل اصدقائه منادياً: نحن لها، هيهات من الذلة...إن لم يجبك بدني... سار امامهم والمنايا تلتحق بهم على إثر شذاهم... ففي قاطع (المكيشيفة) أبلى رجال الله بلاءً بلغت فيها القلوب الحناجر وزلزلوا زلزلا عظيما... أصوات الرصاص امتزجت بصيحاتهم: الله اكبر، لبيك يا داعي الله ضربوا لهم من بين السواتر إلى الخلد طريقا عذبا مرت ثلاث ليال وغيمة الحزن تطوف على وجه والده انقطع الاتصال به، وضع يديه على وجه، وكأنه يخترق المسافات، ليصل إليه (أين أنت)؟! فثمة هاجس يومض في داخله ليكشف له الأسرار. نهض بخطى واهنة... أسبغ وضوءه، افترش سجادته: إلهي يا راد يوسف ليعقوب من بعد مغيبه، ويا كاشف ضر ايوب، اردد علي ولدي ياسر... عيناه تعلقت بالسماء، وقلبه يناجي غائباً طال انتظاره... هل غفت عيناك واستعجلت الرحيل؟! فيا أيها الراحل، تمهل، لم يحن بعد الوداع... ففي دياجي الليل إليك الروح تحبو، وقد أظناها الاشتياق... تُردّد الأصداء صوتك، لتغسل وجهك المرمل ألفُ دمعة، وألف دمعة تأهبت واحتشدت، لتؤدي تحية الشرف العسكري، لروحك وهي تحلق نحو الزرقة المتسامية، حيث الروح والريحان، والشهداء والصديقين. تبكيك أمك تخاطبك: كيف تغفو وتنام؟ انت حلمها الأجمل، سأبقى على عتبة الانتظار، أقبع، أعدّ اللحظات لأراك، مع خيوط الفجر الندية يهمس لي طيفك باشتياق: (يمه ذكريني من تمر زفة شباب) رجاء الأنصاري

اخرى
منذ سنتين
2579

العــدل في كلمات السيدة زينب (عليها السلام)(3)

في مجلـس يزيـد فــي الشام قولها (صلوات الله عليها) : « صدق الله (سبحانه) ، كذلك يقول: « ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (10) »(1). عاقبة كل شيء : آخره، أي: إن آخر الأمر الذي يؤول إليه من أساؤوا إلى نفوسهم بالكفر بالله وتكذيب رسله، وارتكاب المعاصي و قتل عترته هو السوأى: وهي الصفة التي تسوء صاحبها إذا أدركته، أي عذاب النار. و كأنها بأبي هي و أمي تقول: لا غروَ يا يزيد إن أنكرت الإسلام والإيمان اليوم بأشعارك المشوبة بالكفر والطغيان، متمنياً أن يشهد انتقامك من بني هاشم الكرام من قُتِل في بدر من أسلافك الكفرة اللئام ، فقد قال أصدق القائلين ومن ليس فوق كلامه كلام:" ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ "(2). وأما قولها: «أظننت ـ يا يزيد ـ حين أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، واصبحنا نساق كما تساق الأسارى، أن بنا هوانا على الله، وبك عليه كرامة»؟! فقد انصب على تفنيد تصور يزيد المحدود الفكر، والقصير النظر، الذي اعتبر أن الانتصار في الحرب دليل على كونه على حق، وعلى قربه من الله (تعالى)، وكرامته عنده (عز وجل)، فاستولت عليه نشوة النصر والظفر، وتضخم في نفسه الطغيان والتجبر والكبر. فشرعت في نسف هذا التصور الكاذب بمخاطبته (سلام الله عليها) باسمه الصريح لا بما غصبه من ألقاب تشير الى الخلافة أو الى إمرة المؤمنين، لتلفت انتباهه الى عدم اعترافها بخلافته. ثم استرسلت بوصفها لحالها، وأحوال من معها من العائلة المكرمة، وكيف أنهم كانوا في أشد الضيق، كمن أخذوا عليه -أي: منعوه- من جميع الجوانب وحاصروه من كل الجهات، فلم يتركوا له منفذاً للخروج من وضعه، ولا يمكنه التخلص مما هو فيه. ومن بعد التضييق والتشديد أصبحنا نساق كما تساق الأسارى الذين يأتون بهم من بلاد الكفر عند فتحها، في طابور واحد طويل، وقد كان جميع أفراد العائلة المكرمة، بما فيهم الإمام زين العابدين والسيدة زينب ( عليهما السلام ) مربوطين ومكتفين بحبل واحد!. فلا تظنن يا يزيد ونحن على هذا الحال من الضعف، أنه ليس لنا جاه ومنزلة عند الله، لأننا مغلوبون، وأنك على هذا الحال من القدرة و السيطرة، أن لك عند الله جاهاً وكرامة فمكّنك من الظفر بنا و النصر علينا، فقتلت رجالنا، وسبيت نساءنا! الى أن قالت:« فمهلاً مهلاً، أنسيت قول الله ( عز و جل ): « ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم، إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين»(3). ومهلاً: أمهل، ولا تسرع، أي: تمهل يا يزيد، فالأمر ليس كما تعتقد وكما تتصور، فلا تعجل حتى نبين لك حقيقةً الأمر. فإن الله (تعالى) أعدل من أن يترك مجرماً بلا عقاب، ولا يقدم ظالماً الى الحساب، وإنما يُطيل للظالمين المدة والمجال، لا حباً بهم ولا خيراً لهم أو منه (سبحانه) إهمال، وإنما ليزداد إثمهم وليُملأ سجلهم بالمعاصي وقبيح الفعال، ليجزيهم يومئذ الله العادل المتعال، الخلود في العذاب الأليم والعقاب المهين وبئس المآل. وأما قولها:« ووشيكاً تشهدهم ولن يشهدوك »(4) أي: لا تطول أيام حياتك، و عما قريب سيزول ملكك، وسريعاً وعاجلاً ستموت، وتنتقل إلى عالم الآخرة، وبما أنك وأسلافك على شاكلةٍ واحدة من الكفر والعصيان ،والفجور والطغيان، فإنك لن تلبث طويلاً حتى تلحق بهم في جهنّم فتشهدهم في العذاب المهين، ولكنهم لا يرونك، أي: لا تجتمع معهم في مكان واحد؛ لأن جرمك قد فاق جرمهم أضعافاً مضاعفة، فتستحق عليه من العذاب الأشد، وسيكون مقرك في دركة أسفل منهم في طبقات نار جهنّم، فتراهم حين نزولك إلى ذلك المكان الأسفل، فتراهم ولكنّهم لا يرونك. وقد رُوي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال:« إنّ قاتل الحسين بن علي .. في تابوت من نار، عليه نصف عذاب أهل الدنيا، وقد شُدّت يداه ورجلاه بسلاسل من نار، مُنكّس في النار، حتى يقع في قعر جهنّم، وله ريحٌ يتعوّذ أهل النار إلى ربهم من شدّة نتنه، وهو فيها خالد ذائق العذاب الأليم، مع جميع من شايع في قتله، كلّما نضجت جلودهم بدّل الله (عز وجل) عليهم الجلود حتى يذوقوا العذاب الأليم، لا يُفَتّر عنهم ساعة، ويُسقَون من حميم جهنّم، فالويل لهم من عذاب الله تعالى في النار»(5) وقد تجلى العدل الإلهي في عبارتها الغاية في العمق والبلاغة «ووشيكاً تشهدهم ولن يشهدوك» بدقة بالغة حيث إنها لم تتعرض الى العدل الجزائي كما في عباراتها السابقة وحسب، بل و أشارت الى دقة العدل الالهي، حيث إن الله (تبارك وتعالى) وإن أدخل الظالمين والكافرين نار جهنم، إلا أنه لا يضعهم في دركة واحدة من دركات جهنم، بل يضع كلاً منهم في الموضع الذي يستحق من العذاب، والدركة التي تناسبه من العقاب. وأما دعاؤها (عليها السلام) على يزيد ومَن شاركه في ظلم آل رسول الله الطيّبين الطاهرين بقلبها الملتهب بالمصائب، حيث قالت:« اللهم خُذ بحقّنا، وانتقم من ظلمنا، واحلُل غضبك على من سفك دماءنا، ونقضَ ذمارنا، وقَتلَ حُماتنا، وهتك عنّا سدولنا»(6) فهو بحد ذاته قولٌ بعدل الله (عز وجل)،وإلا كيف يتوقع من غير العادل أن يقتص من الظالم وينتقم للمظلوم؟ وقولها (عليها السلام):«ولتردن على رسول الله بما تحمّلتَ من سفك دماء ذريّته، وانتهاك حرمته في لحمته وعترته، وليخاصمنك حيث يجمع الله (تعالى) شملهم ويلم شعثهم ،ويأخذ بحقهم »(7) أي سترِد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم القيامة حاملاً على ظهرك من الجرائم العظام والمعاصي الجسام ما لا تحملها الجبال الرواسي، فيُخاصمك حينئذٍ على كل جريمة أشدّ أنواع الخصومة. وسيجمع الله (تعالى) آل الرسول الأكرم(صلى الله عليه و آله) عنده (عليه و آله أفضل الصلاة و أزكى السلام) في جبهة واحدة فيَشكو كلّ واحد منهم (عليهم السلام) إلى النبي الكريم كلّ ما لقيَ من الناس مِن عداءٍ وظلم . وقد جسد قولها (عليها الصلاة والسلام):«وحسبك بالله وليّاً وحاكماً، وبرسول الله خَصماً، وبجبرائيل ظهيراً»(8) العدل الإلهي بأوضح معانيه، وأجلى صوره، حيث أشارت الى عقد محاكمة عدل إلهية مكتملة الأطراف من أجل إنصاف المظلوم من ظالميه. فالله (تعالى) هو وليّ الدم، والآخذ بالثأر، لأن الإمام الحسين (عليه السلام) هو: وصيّ رسول الله، وسيّد أوليائه (عز وجل)، فمن الطبيعي أن يكون ( جل جلاله ) هو الطالب بثأره، والوليّ لدمه. وهو الشاهد لمصيبة قتل الإمام الحسين (عليه السلام)، وهو أيضاً القاضي والحاكم، وهو (سبحانه) يَعرف عظمة المقتول ظلماً، وهو يعلم أهداف ودوافع القاتل . وقد روي عن الصحابي ابن عباس أنّه قال: «لمّا اشتدّ برسول الله (صلى الله عليه وآله) مرضه الذي مات فيه، حضَرتُه وقد ضمّ الحسين إلى صدره، يسيل من عرَقه عليه، وهو يجود بنفسه ويقول: «ما لي وليزيد! لا بارك الله فيه، اللهم العن يزيد». ثمّ غُشيَ عليه طويلاً وأفاق، وجعل يُقبّل الحسين وعيناه تذرُفان ويقول: أما إنّ لي ولقاتلك مقاماً بين يدي الله»(9). وقولها (عليها السلام):«فلئن اتّخذتنا مغنَماً، لتجدُنا وشيكاً مغرماً حين لا تجد إلا ما قدّمت يداك، وأن الله ليس بظلام للعبيد، فإلى الله المشتكى وعليه المُعَوّل»(10) أي إنّك قد أمرت بأسرنا، وعاملتنا أنت وأعوانك معاملة السبايا والغنائم الحربيّة، ولكنك قريباً عاجلاً ستجد نفسك محاصراً بالمعاصي التي اقترفتها بحقنا، مُثقَلاً بالذنوب التي عليك دفع ضريبتها في محكمة العدل الإلهية، حيث تحاول الدفاع عن نفسك، ولكنك لن تجد معك إلا ما يُدينك من الجرائم الفظيعة والجنايات الشنيعة، فيحكم الله (تعالى) عليك بما قدمته يداك لأن الله ليس بظلام لعبيده، بل سِمتُه العدل، ولذا فإنما شكوانا من ظلمك وطغيانك إليه والاستعانة به. ومن العدل الإلهي أن الله (تعالى) قد يعجّل العقوبة على بعض المعاصي الكبيرة في الحياة الدنيا، وهذا ما أشارت إليه الصديقة الكبرى في قولها:« وأيّامك إلا عدد »(11) أي إنك سوف لن تمكث في هذه الدنيا طويلاً، إذ إن عمرك بعد قتلك للإمام الحسين (عليه السلام) ومن معه لن يكون إلا قليلاً. وبالفعل فقد أثرت جريمة قتل الإمام الحسين (عليه السلام) تأثيراً سلبيّاً واضحاً في مقدار عمره، فقد جاء في التاريخ (أنّ يزيد عاش بعد فاجعة كربلاء سنتين وشهرين وأربعة أيام)(12) . وكما إن العدل الإلهي يقتضي أن يعاقب العاصي لعصيانه، و يعذب الطاغي لطغيانه، فإنه أيضاً يقتضي أن يجزى المحسن بالإحسان، و يثاب من أطاع الله (تعالى) بالخلود في الجنان. و يمكننا أن نلمس هذا المعنى في قولها (عليها السلام):« فالحمد لله الذي حَكَم لأولنا بالسعادة والرحمة، ولآخرنا بالشهادة والمغفرة » وليس عجباً أن تحمد الله (تعالى) الصديقةُ الصغرى، فقد قدّمت أخاها قرباناً لله (عز وجل) بعد أن رأته ذبيحاً من القفا، مقطعاً أوصالاً على رمضاء كربلاء، بكل صمود وإباء على الرغم من رقة قلبها العطوف، وحبها المنقطع النظير لأخيها الرؤوف. ومن يقرأ كلمات السيدة الطاهرة (عليها السلام) يجزم بأنها لم تكن تنظر الى الأحداث بعين ملكية كسائر البشر، بل إنها قد قرأت الأحداث بعينها الملكوتية كأولياء الله و من اصطفاهم، ولِمَ لا؟! وهي المعصومة بالعصمة المكتسبة، وهي العالمة غير المعلمة، ويتضح ذلك جلياً من قولها "الذي حكَم لأوليائه بالسعادة " فأي سعادةٍ يا مولاتي، وأجسادهم مقطعة الأعضاء، ورؤوسهم مرفوعة على القنا؟ لولا رؤيتك لباطن الأحداث وحقيقتها، و لعلها قصدت السعادة الأبدية. ولذا فلقد كان العدل الإلهي يتجسد أمام ناظريها بحيث إنها لم تكن ترى الجريمة إلا ورأت عقابها معها، ولم تكن ترى الظلامة إلا ورأت ثوابها معها؛ لإيمانها المطلق بالعدل الإلهي، فلا غرابة إذن إن تجلى العدل الالهي في كلماتها (سلام الله عليها) فلقد نبعت من قلبها الذي تجسدت فيه جميع العقائد الحقة، وتشكلت فيه جميع ما شاهدت وما رأت وما عانت ولكن بهيئتها الملكوتية . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) السيد محمد سعيد الحكيم : فاجعة الطف 595 (2) الروم 10 (3) السيد محمد سعيد الحكيم : فاجعة الطف : 596 (4) السيد محسن الأميني : لواعج الأشجان في مقتل الإمام الحسين (ع) ج1 ص225 (5) المجلسي : بحار الأنوار ج44 ص30 (6) السيد محمد سعيد الحكيم : فاجعة الطف ص597 (7) المصدر السابق ص598 (8) المصدر نفسه ، نفس الصفحة (9) المجلسي : بحار الأنوار ج44 ص266 (10) السيد محمد سعيد الحكيم : فاجعة الطف 598و599 (11) المصدر السابق ص599 (12) الطبري : تاريخ الطبري ج 4 ، ص37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
12281

طفلك والمدرسة وبداية سنة جديدة

يذهب عام ويأتي عام جديد ويبدأ القلق من جديد من الأهل، فهم يشعرون بالخوف من نواحي عديدة: الخوف من إخفاق أبنائهم في المدرسة، الخوف من الحوادث، الخوف من المشاجرات التي غالباً ما تحدث بين الاطفال، الخوف من المجهول، هذه المشاعر والانفعالات تراود أغلب الأهل عند بداية العام الدراسي. فكيف يجب أن يتعامل الأهل مع مخاوفهم؟ وهل تؤثر هذه المخاوف وتنتقل إلى أبنائهم؟ ومن جانب اخر كيف يمكن ان يتعامل الاهل مع طفلهم الاول؟ هذا ما سوف نركز عليه في هذا المقال ونوضحه من جميع جوانبه ان شاء الله تعالى. يجب أن يتعامل الأهل في بداية كل عام دراسي باتزان واعتدال، فالأهل الذين يشعرون بالمخاوف بشكل كبير يسببون الأذى لأنفسهم ولأطفالهم، فالتفكير السلبي والقلق الذي يصاحب الأهل يجعلهم يشعرون بإحباط مع أحداث المدرسة وتفرعاتها مما يظهر انزعاجهم من الدراسة والتعليم، وهذا ما يسبب فقدان الرغبة للدراسة، فالكلام السيء عن المدرسة والانزعاج من تحضيراتها يرسل رسالة سلبية للأبناء مفادها أن الدراسة مصدر إزعاج وألم وتوتر، مما يزيد من ابتعاد الأطفال نفسياً عن العلم والتعليم، لذلك يجب على الاهل أن يتعاملوا بنفسية منشرحة مع تحضيرات الدراسة حفاظاً على إعطاء الأبناء شحنة إيجابية تدفعهم نحو الرغبة بالتعليم والدراسة، فكل ما يصدر من الأهل يتأثر به الأبناء سلبياً كان أم إيجابياً. لذلك لابد من الحذر من إظهار انزعاجنا من قدوم المدرسة، بل يجب أن نظهر الفرح والسرور والاهتمام حتى يفهم الأطفال بأن العلم مهم ومقدس بالنسبة لأهلهم وذويهم وبهذا تزداد رغبة الأطفال بالدراسة. ونود أن نلفت انتباه الأخوة الآباء والأمهات إلى أنه يجب أن تتم السيطرة على طريقة تعاملهم مع مخاوفهم وقلقهم، وهذا يتم عن طريق رفض الأفكار السلبية المسببة للقلق والتوتر وعدم السماح لها بالولوج إلى عقلنا الباطن، والسيطرة عليها تتم عن طريق العقل الواعي الذي هو بمثابة السيطرة الرئيسية التي تسمح أوتمنع الافكار من الدخول أو عدمه، ويجب ان تكون هذه السيطرة محكمة ودقيقة في التعامل مع نوعية الافكار المسموح لها بالمرور الى العقل الباطن. ونضيف أيضاً أنه يجب على الأهل أن يتعاملوا بشكل آني وحاضر دون التفكير بالمستقبل كثيراً، فإذا فكّر الإنسان بيومه استطاع أن يعيش اللحظة بلحظتها دون التفكير بشكل سلبي في المستقبل. فعندما نكون أقوياء أمام أبنائنا في التعامل مع مختلف الظروف والتحديات فإننا نعطي قوة إلى أبنائنا تضيء لهم الطريق وتعبده بشكل يصلح للسير عليه وبهذا فإن الدعم الذي نقدمه لأبنائنا ينطلق من إيماننا واعتقادنا بذواتنا، فكلما كنا أكثر تقبلاً لذواتنا، استطاع أطفالنا أن يكونوا أقوياء واصحاب إرادة وعزيمة، فهم يستمدون ذلك منا، فلنختر طريقة في تعاملنا مع أبنائنا تشعرهم بقوتهم وتعطيهم الدافع والحافز في التغلب على صعوبات الحياة، فكما نكون، يكون أبناؤنا. قاسم المشرفاوي

اخرى
منذ سنتين
1140

معرفة الله تعالى

إنّ كمال الدِّين معرفته، ونفي الصفات عنه، وتنزيهه عن صفات التجسيم ، وتأويل تلك الصفات إلى ما يليق وذاته المقدّسة. ومعرفته بأنّه واحدٌ أحدٌ، ليس كمثله شيء، قديمٌ، سميعٌ، بصيرٌ، عليمٌ، حكيمٌ، حيٌّ، قيومٌ، عزيزٌ، قدوسٌ، قادرٌ، غنيٌّ. لا يوصف بجوهرٍ، ولا جسمٍ، ولا صورةٍ، ولا عرضٍ، ولا خطٍ، ولا سطحٍ، ولا ثقلٍ، ولا خفةٍ، ولا سكونٍ، ولا حركةٍ، ولا مكاٍن، ولا زمان. وأنّه تعالى منزّه عن جميع صفات خلقه، خارج من الحدَّين: حدّ الإبطال وحدّ التشبيه. لكن تبقى مسألة: كيف نعرف ذات الله تعالى؟ هنا يقف العقل البشري عاجزاً عن إدراك ماهية الذات المقدّسة؛ لقصور ادراك عقولنا. فلابدّ للواصف أن يكون: -إمّا بمرتبة الموصوف. -أو أعلى مرتبة منه. لكي يصفه، وإلاّ لكان عاجزاً عن وصفه؛ لأنّ النّاقص لا يوازي الكامل، والعاجز لا يساوي القادر، كما ورد عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال: "الحمد لله الدّالّ على وجوده بخلقه، وبمُحدث خلقه على أزليّته، وباشتباههم على أنّ لا شبه له، لا تستلمه المشاعر، ولا تحجبه السّواتر؛ لافتراق الصّانع والمصنوع، والحادّ والمحدود، والرّبّ والمربوب"(١). وإنّ للمعرفة درجات, ويجبُ على المؤمنين معرفة أدنــاها على الأقل، كما هو في الجانب الفقهيّ حيث يوجِب الفقهاء معرفة المسائل الابتلائيّة التي هي أدنـــى درجات المعرفة الفقهيّة, فلابدّ إذن مِن التــوازن المعرفي بين العلوم, ومعرفة ماهي أدنى المعرفة العقائديّة بالله تعالى. يجب أن تكون تلكَ المعرفة الدُّنيا بالله تعالى مبنيّة على اُسسٍ عقليّةٍ بديهيّةٍ فطريّةٍ, يـعرفها حتى الساكن في بلدةٍ نائيّة بــفطرته. وليــس شرطاً أن تكون تلك المعرفة مبتنية على قواعدٍ فلسفيّة ٍ أو منطقيّة, وإلاّ : -لـكانت نسبة كبيرة مِن الناس كــفّاراً بالله تعالى. -أو كانَ إيمانهم بالأصول الاعتقاديّة ناتجاً عن تقليدٍ أعمى للعلماء والفلاسفة والمُتكلّمين. إذاً، الإنسان بـفطرته يستطيع أن يُثبت ما يعتقد به كما صنعَ أمير المؤمنين (عليه السلام) حينما سُئِلَ مــا الدليل على وجود الله تعالى؟ فأجاب بجوابٍ عفويٍّ فطريٍّ: (البعرةُ تدلُّ على البعير) مشيراً لنا إلى سهولة لاستدلال على وجوده تعالى إذا ما كانت الفطرة سليمة. فهذا الدليل الفطريّ يُنمّق كلاميّاً وفلسفيّاً ليُناسب إدراكات الطلبة المتعلّمين ويُسمى بتسمياتٍ اُخَر. والأئمة عليهم السلام لم يتركوا شيعتهم دون توضيح لأدنى المعرفة بالله تعالى, حيث "رويَ عَنْ الْفَتْحِ بْنِ يَزِيدَ عَن أَبِي الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلام) سَأَلْتُهُ عَنْ أَدْنَى الْمَعْرِفَةِ.. فَقَالَ: الاقْرَارُ بِأَنَّهُ لا إِلَهَ غَيْرُهُ وَلا شِبْهَ لَهُ وَلا نَظِيرَ وَأَنَّهُ قَدِيمٌ مُثْبَتٌ مَوْجُودٌ غَيْرُ فَقِيدٍ وَأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ"(٢). فتلك هي أدنى المعرفة به تعالى. ____________________ (١) نهج البلاغة، ٤٨. (٢) الكافي: ج١، ب ٢٦، ح١. اللّهم عرّفني نفسك فانّك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف نبيّك. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنتين
5173

الغزو الثقافي وكيفية مواجهته

الثقافة: لغةً: من (ثَقُفَ، ككَرُمَ وفَرِحَ، ثَقْفاً وثَقَفاً وثَقافَةً صارَ حاذِقاً خَفِيفاً فَطِناً)(1) وأما اصطلاحاً: فهو (مجموع المعارف والقيم الحاكمة للسلوك)(2) وللثقافة أهمية بالغة؛ لأنها هي التي تجسد الشخصية الاعتبارية أو المعنوية لأية جماعة من البشر سواء كانت أمة أو مجتمعاً أو ما شابه ذلك، وكلما كان لثقافة أمةٍ ما رصيد تاريخي أكبر، كلما دلّ على أصالة تلك الأمة وصمودها وقدرتها على التطور والتقدم من جهة، وقدرة أبنائها على التفاعل الايجابي معها ومع سائر الثقافات الأخرى من جهة أخرى. كما أن الثقافة وإن كانت جزءً من الحضارة، بمعنى أن كل أمةٍ لها حضارة لابد وأن تكون لها ثقافة، وأن تكون أمةٌ ما لها ثقافة ليس بالضرورة أن تكون لها حضارة، إلا أنه بالرغم من ذلك تمثل الثقافة انعكاساً مؤشراً هاماً على مدى تقدم تلك الأمة أو تخلفها. وبما أن الثقافة عبارة عن قيم ومعارف فهي تتنوع وتتعدد بتنوع وتعدد تلك القيم والمعارف من جهة، ولهذا لا توجد ثقافة عالمية موحدة، كما أنها تتغير بتغير تلك القيم والمعارف من جهةٍ أخرى، ومن هنا كان للاحتكاك بين الأمم وانفعال بعض الأمم بقيم ومعارف الأمم الأخرى دورٌ كبيرافي انتقال الثقافات وتأثر بعضها ببعض، مما أدى إما إلى اضمحلال وتآكل بعض الثقافات كالثقافة اليونانية التي لم تدم أكثر من خمسمائة عام ومن ثم ابتلعتها الثقافات المختلفة الأخرى، أو إلى انتقال وانتشار البعض الآخر كانتقال الثقافة الاسلامية في العصور الوسطى الى الدول الأوربية في حالتي السلم والحرب أيضاً.. فأما في حالة السلم فقد انتشرت الثقافة الاسلامية عبر الاندلس التي أسس فيها المسلمون حضارة عريقة شملت مظاهر الحياة كافة من علوم وفنون وصناعات ومظاهر سلوك، كما كانت ملتقى طلبة العلم والعلماء، لأنها تمثل حلقة الوصل بين الشرق الاسلامي والغرب الاوربي آنذاك، وكان تأثر علماء الغرب الأوربي بالحضارة الاسلامية يومئذٍ جلياً يدل عليه إقبالهم الكبير على الترجمة من العربية الى اللاتينية، إضافةً الى إنشائهم للجامعات على غرار الجامعات العربية. وأما في حالة الحرب فإن (الحروب الصليبية [وإن] انتهت بانتصار المسلمين عسكرياً، إلا أن المسيحيين استطاعوا أن ينتصروا علمياً من خلال الذخائر العلمية التي حصلوا عليها في فترة حربهم مع المسلمين)(3) ولازال للتغير الثقافي بين الأمم أثره البارز على الساحة العالمية حتى الساعة، بل تفاقم حجمه كثيراً عمّا كان عليه في السابق، إذ كان يأخذ وقتاً طويلاً كيما تتأثر به الشعوب وتتبناه، وأما في الوقت الحاضر فقد قصر هذا الوقت كثيراً للانتشار الواسع للإعلام ووسائل التواصل الحديثة التي جعلت من العالم قرية صغيرة. ومن الجدير بالذكر أن التغير الثقافي قد يتأتى من تغيرات ضئيلة في المجتمع، تتسلل إليه عبر الأزياء أو الأغاني أو الأفلام، فإذا تأثر بها من يعتبرهم المجتمع صفوة أو نجوماً كالفنانين والرياضيين والإعلاميين، دفعهم ذلك إلى سلوك جديد أو تغيير في سلوكهم القديم، وعندما يتأثر محبّوهم ومن حولهم من أفراد بهذا السلوك، فإنهم يبادرون إلى تقليده، وفي هذه الحالة إما أن يلاقي رفضاً من المجتمع وخصوصاً من قبل بعض المثقفين الذين يحاولون تحصين ثقافتهم فيندثر، أو أن يلاقي تقبلاً من المجتمع أو غض النظر عنه فيستمر بل ويستقر مضيفاً قيمةً جديدة في ذلك المجتمع أو مغيراً لقيمةٍ فيه. وبذلك يكون هذا السلوك هو المسيطر وسواه هو الشاذ، وهذه القيم الجديدة هي الأساس وعكسها هي الاستثناء، وما إن ينتقل من جيل إلى آخر حتى يتحول إلى جزء من ثقافة ذلك المجتمع. ولعل أكثر من يؤثر في تغيير ثقافات الأمم هم الإعلاميون لأنهم إذا ما تأثروا بأمرٍ أو أرادوا تأثر المجتمع فيه فإنهم بلا شك سيبذلون كل ما في وسعهم من أجل الترويج إليه، لاسيما أنهم يملكون أقوى أداة فعّالة لتحقيق ذلك وهو الإعلام، وقد استغل أعداء الدين الاسلامي هذه الأداة أبشع استغلال خصوصاً أنهم يملكون أقوى إعلام في العالم وبكل أنواعه وأشكاله لاسيما المرئي منه، فقاموا بشنّ هجمةٍ ناعمةٍ على الفكر الديني والثقافة الاسلامية ليعكسوا المعادلة، فتكون ثقافتهم هي الفاعلة والمؤثرة فيما تكون الثقافة الاسلامية هي المنفعلة والمتأثرة.. وتكمن خطورة الغزو الثقافي هذا في البون الشاسع بين الثقافتين، فبينا ثقافتهم قائمة على الانفلات في الحرية والابتعاد عن الدين، في حين أن الثقافة الإسلامية ذات أساس رباني تستمد معارفها وقيمها من القرآن الكريم والسنة النبوية. وفي الوقت الذي تنجذب فيه ثقافتهم إلى الإفراط و التفريط، كالأفراط في العلم والعمل، والإفراط في الاهتمام بالجسد، وفي رعاية المصلحة الفردية التي جسّدها النظام الرأسمالي، وبالمقابل التفريط في الإيمان والعبادة والتفريط في الاهتمام بالروح وفي رعاية المصلحة المجتمعية. في حين أن الثقافة الاسلامية تؤمن بالتوازن بين الإيمان والعلم، والعبادة والعمل، بين الدنيا والآخرة، بين الروح والجسد. وقد جاء غزوهم الثقافي للأمة الاسلامية على خطين أو محورين: الأول منهما مهمته الإساءة إلى الدين الاسلامي وتشويه رموزه المقدسة كخاتم الأنبياء والمرسلين (صلى الله عليه وآله) فضلاً عن تشويه المسلمين أنفسهم وإظهارهم بمظهر العنف والوحشية والقسوة والهمجية، بهدف التثقيف العالمي على نبذ هذا الدين العظيم ومحاولة تقبيح صورة رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وأجلَّه عن ذلك ورفع شأنه)، ووسم الفرد المسلم بسمات الإنسان الإرهابي الشهواني اللئيم. وأما الخط الآخر فكان يهدف إلى تفتيت قيم ومعارف المسلمين أنفسهم وزرع قيم ومعارف أخرى لغرض تمييع الثقافة الاسلامية ومحاولة القضاء عليها وتجريد المسلمين من هويتهم الاسلامية. وقد نجح هذا الغزو الثقافي - للأسف الشديد - إلى حدٍ ما، ومما يدلُ على نجاحه ما نشاهده اليوم من تأثر بعض الشباب بالثقافات المستوردة وكأنهم بين ليلةٍ وضحاها قد مُسِخوا بعد ما انسلخوا عن ثقافتهم الأم، فلم يعد جوهرهم يدل على ثقافتهم الأصل فضلاً عن مظهرهم، فاختلفت طريقة تفكيرهم باختلاف قيمهم ومعارفهم، فبعد أن كان الوقار والهيبة مثلاً رمزاً للرجولة ومقوِّماً من أهم مقوّماتها، أمسى بعض الشباب ولا مانع لديهم من التشبه بالنساء في السلوك والمظهر، وبعد أن كان الستر والحياء رمزاً للأنوثة أضحى الزي الفاضح والتبرج الفاحش علامته الأولى، وقد انعكس ذلك على ظاهرهم، فلم تعد قصّات شعر بعض الشباب كما كانت، ولا زيّهم المعهود سابقاً، وأما الفتيات فتجد بعضهن يتبارين بخلع لباس العفة والتخلي عن رداء الحياء لهثاً وراء الأنوثة التي صمّمتها أفلام هوليود ورسمتها السينما العربية المتأثرة بها!! بالإضافة إلى الغزو الثقافي الذي مارسه الإعلام الغربي ولازال، فقد مارس الأعم الأغلب من الإعلام العربي هو الآخر دور المعول الهدّام في تحطيم ثقافة المجتمع العربي، فلا برامجه تغذّي العقل العربي، ولا أفلامه تحث على القيم العربية إلا ما ندر، ولا مسلسلاته تنمي المعارف الاسلامية، بل على العكس من ذلك كله تسعى جاهدةً إلى ترسيخ القيم الغربية والمبادئ المغلوطة والمقاييس المقلوبة. وقد أسفر كل ذلك عن إصابة الكثير من أفراد المجتمع الاسلامي بانحطاط في الثقافة، وخواء في الجانب العلمي والمعرفي، وتقهقر في الحضارة، واستهانة بالمبادئ والقيم السليمة، وتبديلها بأخرى مستوردة سقيمة، كما أدت إلى التضخم في الاهتمام بأهل الفن والرياضة واتخاذهم قدوات، والانكماش في المجال العلمي والمعرفي والاستخفاف بالعلماء والكفاءات.. ولكل ما تقدم لابد أن تنهض أمتنا الاسلامية نهضة ثقافية قوية لاستعادة أمجاد الماضي حين كانت هي المُصدرة للعلوم والمعارف، وحين كانت حضاراتنا التي سبقتها هي من علّمت العالم القراءة والكتابة. ولانتشال شبابنا الذين هووا في مستنقع الثقافة المادية المنحطة، وليس ذلك بعزيز إذا ما تظافرت جهود صفوة المثقفين، وتكاتفت قوى العلماء الصالحين المصلحين، الذين يتقنون أساس الثقافة الاسلامية الرصين، عبر الوقوف أمام المعارف والقيم الفاسدة التي تصدرها الثقافات الأخرى ومنعها من النمو والانتشار، والترويج للمعارف الحقة وللقيم التي ترتقي بالفرد والمجتمع، وتحويلها من الكتب والعلوم إلى واقع وسلوك، ونشر مضمون الثقافة الاسلامية ومكوناتها من القيم والمعارف، وعدم الاقتصار على سرد الجانب التاريخي منه. ولا يكون ذلك متيسراً ومتاحاً إلا بامتلاك هؤلاء المتقنين لأسس الثقافة الاسلامية للأدوات الفعّالة لذلك كالإعلام بكل أنواعه المرئي والمسموع والمقروء بل وحتى الرقمي منه، وإلا فمن لا حظ له من الثقافة الاسلامية كيف يمكن الاعتماد عليه في نشرها؟! ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) القاموس المحيط ج2 ص361 (2) صناعة الثقافة ج1 ص31 (3) د. علي البيكدلي مقال(دور الحضارة الاسلامية في النهضة الأوربية) مجلة التوحيد، قم، ع77، ص71 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
6497

حذار من الكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله)

عاش رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أمته يبلغهم رسالة ربه، ليخرجهم من الظلمات الى النور، وأوصاهم قبل رحيله في حجة الوداع قائلا: (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) (1). وقد اكدت وصية الرسول بالتمسك بكليهما: القران كتاب الله الذي (لا يأتيه الباطل من أمامه ولا من خلفه ) (2) وعترة النبي الذين حفظوا لنا سنة النبي الهادية من قول وفعل وتقرير، حيث إن حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) مكمل للتشريع ومبين لمجملات القران ومخصص لعموماته ومطلقاته، وقد تكفل بالكثير من النواحي الأخلاقية والاجتماعية والتربوية. ولكننا مع ذلك نرى أن الخليفة الاول ومن بعده قاموا بتغييب السنة النبوية الشريفة ومنعوا روايتها وتدوينها، ففي أول اجتماع سياسي عام لأبي بكر أَمَر المسلمين " بأن لا يحدثوا شيئاً عن رسول الله (3)! وروت عائشة: جمع أبي الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكانت خمسمائة حديث، فبات ليلة يتقلب كثيرا، قالت: فغمني، فقلت : تتقلب لشكوى أو لشيء بلغك، فلما أصبح، قال: أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك فجئته بها فدعا بنار فأحرقها، وقال : "خشيت أن أموت وهي عندك فيكون فيها أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت به ولم يكن كما حدثني" (4). وقد استمر هذا المنع زمن عمر بن الخطاب بشكل أشدّ واغلظ بما يتناسب وشخصيته، وهو أول مخترع لشعار "حسبنا كتاب الله" وهو الشعار الذي برر به أبو بكر ما فعل، فعمّم على كافة الأمصار الخاضعة لحكمه " إن من كان عنده شيء من سنة الرسول فليمحه (5)! وقال أبو هريرة: " لقد حدّثتُكم بأحاديث لو حدّثت بها زمن عمر لضربني بالدرة(6). قال الذهبي: إن عمر حبس ثلاثة: ابن مسعود و أبا الدرداء و أبا مسعود الأنصاري فقال: " لقد أكثرتم الحديث عن رسول الله (7). اما عثمان فإنه قال: "لا يحل لأحد أن يروي حديثاً لم يسمع به في عهد ابي بكر ولا في عهد عمر" (8). وهذا النهي كان اجتهاداً منهم في مقابل نص رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي أقرّ الكتابة في عهده بأدلة عديدة، حيث قال عبد الله بن عمرو بن العاص : كنت أكتب كل شيء سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أريد حفظه فنهتني قريش وقالوا تكتب كل شيء سمعته من رسول الله ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا . فأمسكت عن الكتابة فذكرت ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فأومأ بإصبعه الى فيه وقال: اكتب فو الذي نفسي بيده ما خرج منه الا الحق (9) وهذه الرواية تعرب عن ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) اجاز الكتابة عنه ورد التهمة التي وجهت اليه من قريش، وتشير الى ان هناك من الصحابة من نهى من كتابة حديث الرسول (صلى الله عليه وآله) على عهده . وكذا الرواية التي نقلتْ عن أبي هريرة: أنَ ‏رجلاً من ‏الأنصار كان ‏يجلس إلى ‏رسول ‏اللَّه‏ (صلى الله عليه وآله) ‏فيسمع‏ منه الحديث يعجبه ، ولا يقدر على حفظه، فشكا ذلك ‏إلى ‏رسول‏ اللَّه‏ (صلى الله عليه وآله) ‏فقال: استعن بيمينك (10) وما رواه رافع بن خديج من أنَّ النبي‏ (صلى الله عليه وآله) أَذِن لهم في كتب ما سمعوه منه ، قال: قلنا: يا رسول اللَّه ، إنّا نسمع منك أشياءً ، أ فنكتبها؟ قال: اكتبوها، ولا حرج . وغيرها كثير من الادلة . ونحن نعتقد من خلال ذلك كله: أن منع الخلفاء كان بسبب الخوف من اشتهار الحديث في فضل علي وأبنائه وعلمهم ومقامهم واحقيتهم بمنصب خلافة الرسول (صلى الله عليه وآله)، بل انه نفس السبب الذي منع النبي (صلى الله عليه وآله) من كتابة الصحيفة يوم الخميس عند احتضاره . تحريف السنة النبوية: وإذا كان القرآن الكريم محصّناً بإرادة إلهية من أن تطاله يد التحريف والتغيير (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحجر -9 ، فإن السنة النبوية كانت في معرض هذا الخطر الذي أصابها حتى في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد اختلقت عليه بعض الأقوال كذباً مما دفعه إلى التحذير الشديد حيث قال (إن كذباً عليّ ليس ككذب على أحد، فمن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)(12) وورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال :(وقد كُذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عهده حتى قام خطيباً فقال: من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار )(13) واذا كان من يتجرأ على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيكذب عليه في حياته، فان حدوث ذلك بعد وفاته سيكون اكثر احتمالا وتوقعا ، وهذا ما حصل بالفعل خاصة بعد الأحداث والاختلافات السياسية والمذهبية التي حلت بالأمة ، لذا أصبح لزاما على المسلمين أن يمحصوا الأحاديث التي يُدّعى أنها واردة عنه (صلى الله عليه وآله) ليعلموا انها فعلا من سنة الرسول الواقعية فتكون حجة عليهم او لا ، ومن أجل احقاق الحق وابطال الباطل . إن من ابرز عوامل وضع واختلاق الحديث: 1- العامل السياسي: وتمثل هذا بشكل واضح في اعمال معاوية التي قام بها من أجل توطيد اركان دولته، ولأنه كان يعلم أنه لا أهلية ولا شرعية له للخلافة، لأنه من الطلقاء، فمنع من كتابة أي رواية في فضل علي (عليه السلام) وأمر بوضع أحاديث في فضل عثمان والصحابة! روى المدائني : وكتب معاوية إلى عمّاله في جميع الآفاق : أن لا يجيزوا لأحد من شيعة على وأهل بيته (عليهم السلام) شهادة ، وأن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته والذين يروون فضله ومناقبه فأدنوا مجالسهم وقربوهم وأكرموهم، واكتبوا لي بما يروي كل رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته . ففعلوا ذلك حتى أكثروا من فضائل عثمان ومناقبه ، لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع، وأطاعه في ذلك الكثير من المرتزقة والحاقدين كأبي هريره والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص وغيرهم. يقول ابن عرفة :ان اكثر الاحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في ايام بني امية تقربا اليهم بما يظنون انهم يرغمون انوف بني هاشم (14) . وقد استمر الوضع طيلة الحكم الاموي والعباسي من بعده حيث ظل وعاظ السلاطين يضعون الحديث للتزلف من الحكام كما صنع غياث بن إبراهيم النخعي الكوفي، فإنه دخل على المهدي، وكان المهدي يحب الحمام ويلعب به، فإذا قدامه حمام، فقيل له: حدث أمير المؤمنين. فقال: حدثنا فلان عن فلان عن فلان: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر أو جناح).فأمر له المهدي بيدرة، فلما قام قال: أشهد على قفاك أنه قفا كذاب على رسول الله ((صلى الله عليه وآله)).ثم قال المهدي: أنا حملته على ذلك، ثم أمر بذبح الحمام ورفض ما كان فيه) (15). 2- العامل الديني: وهو السبب الذي دفع الحاقدين من اليهود والنصارى لوضع الاحاديث كيداً للإسلام، ككعب الاحبار ووهب بن منبه وكانوا من اكابر علماء اليهود في اليمن فقاموا بدس وتسريب فكرهم الاسرائيلي مغلفا باحاديث مختلقة ، فكانت الاسرائيليات المتمثلة في التجسيم ووصف الانبياء بما لا يليق . وكان ابو هريرة من ابرز تلاميذ كعب الاحبار فدخلت الكثير من تلك الاحاديث عن طريقه الى كتب الاحاديث السنية وصحاحها. كما تمثّل ذلك بظهور الغلاة الذين تأثروا بالنصارى فاستغلوا تقديس الشيعة لأهل البيت عليهم السلام وضعوا احاديث في رفعهم فوق منزلتهم كالمغيرة بن سعيد المعاصر للإمام الباقر عليه السلام وتلميذه محمد بن مقلاص الاسدي المعروف بابي الخطاب الذي كان من اصحاب الامام الصادق عليه السلام ثم انحرف ، ولكننا نجد أن موقف الأئمة كان صارما تجاه هؤلاء - وبخلاف ما حدث عند أهل السنة - لخطورتهم فقاموا بلعنهم والتبري منهم وحذّروا الاصحاب من الأخذ بأحاديثهم فلا نجد لها أثرا في كتبنا المعتبرة . 3-وضع الحديث حسبة : وهو ان يضع الواضع دعاية للدين وتقربا الى الله تعالى وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا وإن هم الا يكذبون على رسول الله (صلى الله عليه وآله)،واكثرهم خطورة الذين انتسبوا إلى الزهد والصلاح بغير علم ، كأبي عصمة المروزي الذي قيل له: من اين لك يا عكرمة عن ابن عباس في فضل سور القرآن سورة سورة ؟ فقال: اني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه ابي حنيفة ومغازي محمد بن اسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة! ولما سُئل احدهم: لم كذبت على رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ كان يجيب: إنني لم اكذب عليه بل كذبت له! (16). ما دور علماء المذهب في ذلك؟ كل ذلك حرك علماءنا الذين حرصوا على صيانة الدين والمذهب فانبرى أجلّاؤهم لجمع الحديث من كتب الأصول التي كتبها اصحاب الأئمة عليهم السلام عنهم مباشرة، وتدوينه مع ذكر سنده وصولا للمعصوم عليه السلام ، فكانت المجاميع الحديثية الاربعة المتقدمة في القرنين الرابع والخامس الهجري (الكافي للشيخ الكليني ومن لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق وكتاب التهذيب وكتاب الاستبصار للشيخ الطوسي ). وبعدها في القرنين الحادي عشر والثاني عشر كانت المجاميع الحديثية المتأخرة (الوافي للشيخ الملقب بالفيض الكاشاني والوسائل للشيخ الحر العاملي والبحار للشيخ المجلسي ومستدرك الوسائل للميرزا حسين النوري ). وكان جهدا عظيما منهم ، فقد استغرق الشيخ الكليني عشرين عاماً لجمع أحاديث كتابه الكافي، قضاها في السفر والتنقل لجمع الروايات وحفظ اسانيدها والتحقق من وثاقة الرواة .بالإضافة الى كتب حديثية اخرى. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد دأب العلماء على وضع منهج وقواعد علمية لدراسة الحديث الشريف والتأكد من صحة صدوره من المعصوم لصيانة السنة الشريفة وللحذر من الوقوع في مغبة الكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) . وهذا المنهج يقوم على دراسة الحديث من ناحية السند على اساس احراز وثاقة الراوي من عدمها لغرض تقييم الرواية ومعرفة المقبول من المردود ، ويهيئ علم الرجال المقدمات لذلك من خلال البحث في أحوال الرواة بشكل تفصيلي لمعرفة الراوي المقبول من غيره ، وقسموا الحديث في القرن السابع الهجري تبعا لأحوال الرجال الى صحيح وحسن وموثق وضعيف . وأما من ناحية المتن فاشترطوا ان لا يعارض محكم الكتاب أولا، روى الحر العاملي في وسائله: سمعت أبا عبدالله ( عليه السلام ) يقول : كل شيء مردود إلى الكتاب والسنة ، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف . و أن لا يعارض السنة المتواترة والمقطوع بها ، ولا العقل الحصيف الذي يميز الحسن من القبيح كالبديهيات العقلية، ولا الحقائق التاريخية التي أجمع عليها أعلام المسلمين .(17) وإنه ليستفاد من هذا المنهج عند الرجوع الى كتب الحديث المعروفة للتحقيق في مصداقية وحجية الرواية . مصيبة زماننا هي رواج سوق الكذب والوضع: ولكن مما يؤسف له أننا اليوم ومع تطور وسائل الاتصال وامكانات الاعلام ونشر علوم أهل البيت (عليهم السلام) نرى البعض يقع في مصيبة الكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) أما متعمدين من خلال وضع الاحاديث واختلاقها ونسبتها الى المعصوم (عليه السلام) حسبة، أو من خلال نقل روايات ضعيفة ومنكرة من مصادر غير معتبرة أو مجهولة، مما يمكن اعتباره امتداداً لدور الوضّاعين. لغرض تشجيع الناس على الاقبال نحو الشعائر والممارسات الدينية، فيروي أن من صلى هذه النافلة او قرأ هذه السورة فله ألف قصر وألف حورية في الجنة، ويختلق كرامات ومعاجز وهمية للمعصومين، وفي بعضها غلو فاضح بمبرر توطيد ولاء الناس لائمتهم، ولان هؤلاء ظاهرهم الصلاح والتقوى فهم يتمتعون بثقة وقداسة في الاوساط الشعبية البسيطة توفر لما يبثون أرضية القبول والتسليم، وهم يجيدون دغدغة مشاعر الناس الدينية واستثمار ولاءاتهم من خلال الاخبار والحكايات المتضمنة للمصائب التي لا واقع لها من أجل إبكاء الناس، فيخلقون ثقافة دينية فاسدة قائمة على أساس الكذب والافتراء، وهل نسي هؤلاء قوله تعالى (إنما يتقبل الله من المتقين) (18) وقوله (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون) (19) وقوله (إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ) (20) فلا يمكن ان يصبح الظلم او السرقة حلالاً حتى ولو كانت لإعانة المؤمن وقضاء حاجاته، بل إن ذلك ينتج رؤية مشوشة تجاه كثير من القضايا وزيادة في الفرقة بين المسلمين وغلوا في شخصيات الائمة والاولياء . وهناك فئة اخرى يقعون في تلك المصيبة غافلين عن ذلك من خلال نشر تلك الروايات دون ملاحظة مصدرها أو سندها، فيكونون ممن قال فيهم الرسول (صلى الله عليه وآله) (كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع) (21)، أو قول أمير المؤمنين عليه السلام (لا تحدث من غير الثقة فتكون كذاباً) (22)، فحري بالمؤمنين الواعين الالتفات الى خطورة هذا الامر ومراعاة الدقة قبل النشر من أجل تنقية المجتمع من هذه الآفة وتنقية الدين من الخرافة والأساطير. وتبين هذه الرواية التي اوردها الكشي في رجاله في رجاله صراحة مدى الدقة المطلوبة في ذلك: عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرحمن ان بعض أصحابنا سأله وأنا حاضر فقال له: يا أبا محمد ما أشدك في الحديث؟ وأكثر انكارك لما يرويه أصحابنا؟ فما الذي يحملك على رد الأحاديث؟. فقال: حدثني هشام بن الحكم انه سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا تقبلوا علينا حديثا إلا ما وافق القرآن والسنة أو تجدون معه شاهدا من أحاديثنا المتقدمة، فان المغيرة ابن سعيد لعنه الله دس في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها أبى فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا تعالى وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وآله فانا إذا حدثنا قلنا قال الله عز وجل وقال رسول الله صلى الله عليه وآله. قال يونس: وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر ووجدت أصحاب أبي عبد الله عليه السلام متوافرين، فسمعت منهم وأخذت كتبهم فعرضتها من عبد على أبى الحسن الرضا عليه السلام فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أحاديث أبى عبد الله عليه السلام وقال لي: ان أبا الخطاب كذب على أبى عبد الله عليه السلام لعن الله أبا الخطاب، وكذلك أصحاب أبي الخطاب يدسون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام) فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن، فانا ان تحدثنا حدثنا بموافقة القرآن وموافقة السنة، أما عن الله وعن رسوله نحدث، ولا نقول قال فلان وفلان، فيتناقض كلامنا، ان كلام آخرنا مثل كلام أولنا، وكلام أولنا مصداق لكلام آخرنا، وإذا أتاكم من يحدثكم بخلاف ذلك فردوه عليه وقولوا أنت أعلم وما جئت به فان مع كل قول منا حقيقة وعليه نور، فما لا حقيقة معه ولا نور عليه فذلك قول الشيطان (23). وهل يحتاج الحسين عليه السلام ان نضع له احاديث مختلقة؟! وأخيرا نتساءل ونحن في شهر الحسين عليه السلام : هل يحتاج سيد الشهداء أن نضع له ولأهل بيته أحاديث لنثبت أحقية موقفهم ومظلوميتهم !! وعندنا من الروايات المؤكدة الصحيحة مما رواه الفريقين: قال الإمام أحمد : حدّثنا وكيع ، عن ربيع بن سعد ، عن أبي سابط ، قال : ( دخل حسين بن علي المسجد ، فقال جابر بن عبد الله : ( مَن أحبّ أنْ ينظر إلى سيـّد شباب أهل الجنّة ، فلينظر إلى هذا ) سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (24) كما أخرج الترمذي بسنده إلى يعلى بن مرّة ، قال : ( قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ( حسينٌ منّي وأنا مِن حسين (25) وأخرج الحاكم بسنده إلى أبي هريرة ، قال : ( رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهو حامل الحسين بن علي ، وهو يقول : ( اللّهمّ إنّي أحبُّه فأحبَّه ) (26). وعن عبد الله بن عمر قال : « سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول : إنّ الحسن والحسين هما ريحانتاي من الدنيا . (27) وأما في فضل زيارته عليه السلام فعن هارون بن خارجة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: «وكّل الله بقبر الحسين أربعة آلاف ملك شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة، فمن زاره عارفاً بحقّه شيعوه حتى يبلغوه مأمنه، وإن مرض عادوه غدوة وعشيّة، وإن مات شهدوا جنازته واستغفروا له إلى يوم القيامة» (28) و قوله عليه السلام: « مَنِ اغتسل في الفُرات، ثمّ مشى إلى قبر الحسين عليه السلام، كان له بكلِّ قَدمٍ يَرفَعُها ويَضَعُها حَجّةٌ مُتقَبَّلةٌ بمناسكها » (29) وما أجمل دعاء الإمام الصادق عليه السلام لزُوّار الحسين عليه السلام، مرويّاً عن معاوية بن وهب، وكان دخل على الإمام فسمعه يناجي ربَّه ويقول): يا مَن خَصَّنا بالكرامة، ووَعَدَنا الشفاعة ... اغفِرْ لي ولإخواني، وزُوّارِ قبرِ أبي، الحسينِ بن علي، صلوات الله عليهما، الذين أنفقوا أموالَهم، وأشخصوا أبدانهم؛ رغبةً في بِرِّنا، ورجاءً لِما عندَك في صِلتِنا، وسُروراً أدخلوه على نبيِّك محمّدٍ صلّى الله عليه وآله، وإجابةً منهم لأمرنا، وغَيظاً أدخَلُوه على عدوِّنا، أرادوا به رِضوانَك، فكافِئْهم عنّا بالرضوان... اللّهمّ إنّ أعداءَنا عابُوا عليهم خروجَهم، فلم يَنْهَهُم ذلك عن النهوض والشخوص إلينا، خلافاً عليهم، فارحَمْ تلك الوجوه التي غَيّرتْها الشمس، وارحَمْ تلك الخُدودَ التي تَقلّبَت على قبرِ أبي عبدالله عليه السلام، وارحَمْ تلك الأعيُنَ التي جَرَت دموعُها رحمةً لنا، وارحَمْ تلك القلوبَ التي جَزِعت واحتَرقَت لنا، وارحَمْ تلك الصرخةَ التي كانت لنا... )(30) وأخيرا نسأل الله ان يجعلنا ممن شملهم دعاء الامام الصادق عليه السلام وان يحشرنا مع الصادقين . (1) إكمال الدين: 136 (2)سورة فصلت -42 (3)تذكرة الحافظ للذهبي : 1 / 2 ـ 3 (4) تذكرة الحفّاظ 1: 5 (5) كنز العمال : 10 / 291 (6)جامع بيان العلم لابن عبد البر : 2 / 121 (7)تذكرة الحفاظ للذهبي : 1 / 7 (8)مسند أحمد بن حنبل 1 : 363 ، الطبقات الكبرى 2 : 336 (9)مسند احمد 2-162 207 216 وسنن الدارمي 1-125 وسنن ابي داود 2-126 (10)تقييد العلم ، الخطيب البغدادي (11) تقييد العلم ، ص‏۷۲ – ۷۳ ، (12)صحيح مسلم باب تغليظ الكذب على رسول الله برقم 3 (13) نهج البلاغة خطبة 210 (14)شرح نهج البلاغة لابن لبي الحديد 11-46 (15) علوم الحديث للدكتور صبحي الصالح 268 (16)اصول الحديث للدكتور عبد الهادي الفضلي (17)الحديث النبوي بين الرواية والدراية للشيخ السبحاني (18)المائدة -27 (19)الانعام -21 (20)غافر- 28 (21)كنز العمال 8208 (22)بحار الانوار للعلامة المجلسي 8-10 -68، (23)بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٩٦ - الصفحة ٢٦٢ التي أوردها الكشي ص ١٩٥: (24)البداية والنهاية لابن كثير 225-8 .ورواه الذهبي في " السير " أيضاً عن " مسند أحمد " سير أعلام النبلاء : 3/282 ـ 283 (25)سنن الترمذي : 5 (26)المستدرك على الصحيحين : 3/177 (27)سنن الترمذي : حديث ٣٧٩٥ (28)وسائل الشيعة، ج10، كتاب الحج، باب تأكد استحباب زيارة الحسين بن علي عليهما السلام، ح1 (29)تهذيب الأحكام للشيخ الطوسيّ 53:6 (30)ثواب الأعمال للشيخ الصدوق 120 ـ 121، كامل الزيارات 228 ـ 231، بحار الأنوار للشيخ المجلسي 51:101 ـ 53. المنتظر أبا صالح

اخرى
منذ سنتين
5801

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
61023

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
39828

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
36344

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
31279

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
30952

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
29523