شهر رمضان مصنع الإرادة

يتباين الناس فيما بينهم في شخصياتهم وفي مواقفهم ، فبينما تجد تلميذاً ينكبّ على كتابه يلتهم معلوماته التهاماً متعطشاً الى العلم والمعرفة، يجد لذته في زيادة علمه، تجد تلميذاً آخر لا يحتمل القراءة ولو لمدة وجيزة. وبينما تجد شخصاً يواجه مصاعب الحياة ويتغلب على مشاكلها مهما بدت عسيرة، تجد شخصاً آخر ينكسر عند أدنى المواقف صعوبة . وبينما تجد شخصاً لا يكلّ ولا يملّ من المحاولة لبلوغ هدفه مهما فشل، تجد آخر يستسلم عند أول فشل . ومما لا شك فيه أن هذا التباين بين الشخصيات هو الذي يفصل ويميز الشخصيات الناجحة عن سواها. ولكن ترى ما سبب هذا التباين أساساً؟ وما الذي تسبب في هذا الاختلاف؟ أ هو التباين الفسيولوجي؟ قطعاً لا، فإن جسم العالم لا يختلف عن جسم الجاهل ، كما إن أعضاء الناجح بشكل عام لا تزيد قوةً على أعضاء الفاشل، وهكذا ... إذن ما السبب؟! أ هو الظروف الخارجية كما يحلو للبعض أن يودعها قفص الاتهام عند كل كبوة وتعثر؟ قطعاً لا، فهناك الكثير من القصص التي تؤكد نجاح البعض رغم صعوبة الظروف وفشل آخرين رغم توفر كل ظروف التفوق وأسباب النجاح... إذن ما السبب؟ السبب يكمن في داخل الانسان، إنه شيء ينبع من باطنه ويدفعه الى تحقيق النجاح ويشده الى تحويل الأحلام الى واقع، وبلوغ الطموحات رغم كل المصاعب والمتاعب والتحديات .. إنها الإرادة القوية والعزيمة الأكيدة .. والإرادة هي القدرة على التصميم لبلوغ الهدف، والإصرار على تحقيق النجاح، والصمود في وجه الصعوبات من أجل ذلك.. ويتميز ذو الإرادة القوية بأنه لا يستسلم أبداً للفشل ولا يُقلع عن حلمه ولا ييأس من تحقيقه، فهو إما أن يحقق هدفه أو يغادر الحياة وهو يحاول ذلك.. والإرادة أمر فطري مغروس في نفس الانسان، فترى الطفل منذ ساعاته الأولى عندما يفتح فمه باحثاً عن الغذاء، فإنه لا ييأس أو يتوقف عن المحاولة إن لم يحصل عليه بل يحاول ويحاول. وما إن يقطع أشهراً معدودة حتى يبدأ بمحاولة الوقوف على قدميه، وعلى الرغم من كثرة سقوطه وما يتكبده من آلام وصعوبات، إلا أنه يبقى يحاول ويحاول حتى ينجح في ذلك... ولأن التكامل مطلب فطري، فإنه لا يتوقف عند إنجازه الوقوفَ على قدميه بل يبقى محاولاً الى أن يتمكن من المشي ومن ثم الركض وهكذا.. ومن الملاحظ أن الناس سواسية تقريباً في تحقيقهم لهذه النجاحات، مما يدل على أن مستوى الإرادة واحد عند جميعهم... إلا أن مستوى هذه الارادة قد يرتفع أو ينخفض تبعاً لتفكير كل إنسان وتجاربه، وبما لُقِن عليه منذ نعومة أظفاره، وما غُرس في صفحة نفسه وما طُبع في عقله الباطن... وعليه فإن قوة الإرادة أو ضعفها ليست صفة تكوينية أصيلة، وإنما هي صفة كسبية ثانوية... بل يمكن القول: إن الارادة كالعضلات تماماً، الجميع يمتلكها، لكنها تختلف قوة وضعفا تبعاً لاهتمام الانسان بتدريبها وتقويتها أو عدمه .. ومن هنا كان للمواقف التي يمر بها الانسان والظروف التي يعيشها دور كبير في صقلها وتقويتها أو العكس. ومن نعم الله (تعالى) علينا أنْ منّ علينا بدورة تدريبية عامة لجميع المسلمين -إلا من خرج بدليل خاص من المعذورين- وشاملة لمختلف التدريبات التي تعمل على تقوية الارادة وتنمية العزم والتصميم ، وتوطين النفس على الصبر وعلى قساوة الظروف والثبات عند المصاعب، وتبعث فيها الارادة القوية على مواجهة الإغراءات .. وقد اكتشف بعض علماء النفس أن تغيير العادات السيئة وغرس العادات الحسنة في النفس تتطلب مدة واحد وعشرين يوماً بشكل عام، ولكن قد يتطلب بعض الناس أكثر من ذلك بأيام، ومن رحمة الله (تعالى) بعباده أنْ جعل هذه الدورة التدريبية تمتد لشهر وهي المدة التي يتمكن فيها جميع الناس من ذلك شريطة أن يلتزموا بشروط الدورة. وما تلك الدورة إلا وجوب أداء الصوم في شهر رمضان المبارك، فالصوم خير عبادة تلزمنا بالامتناع عما اعتادت عليه أنفسنا من عادات يومية مباحة كالأكل والشرب مثلاً، ليكون علينا رفض العادات المحرمة أسهل، فما أن يمر وقت ما على تناول الطعام حتى تخلو المعدة منه، ويبدأ الجسم بإرسال إشعارات الى العقل بأني أطلب الطعام، متوقعاً منه أن يرسل إيعازاته الى الجوارح بالتحرك لتحقيق ذلك كما هي عادته. إلا أنه يُفاجأ بإيعاز الإرادة: أن لا طعام! ولا يمضي الكثير من الوقت حتى يشعر الجسم هذه المرة بالعطش الشديد... هذه المرة يبدأ برفع طلب الإسعاف الفوري لرفعه... ويأتيه جواب الإرادة مرة أخرى وبصورة قاطعة: أيضاً لا! إن الصوم يدرب أنفسنا على التعالي عن الشهوات، بالرغم من حليتها، ليسهل عليها فيما بعد التعالي عن المحرمات منها.. ومن مميزات هذه الدورة التدريبية (صوم شهر رمضان): تحديدها بزمن معين لا يقبل التأخير ولا التقديم ولا الزيادة فضلاً عن النقيصة ، الأمر الذي يغرس في النفس القدرة على التكيّف مع ما تكره، والتخلي عما تحب وترغب، والقوة على مواجهة الظروف القاسية والصبر على المصاعب. ومن مميزاتها أيضاً: أنها تدعو الى نبذ الخمول والكسل، وضرورة الاتسام بالحركة والنشاط والعمل، لما تتضمنه من أحكام، كالحكم ببطلان الصوم في حال تعمد البقاء على الجنابة ــ على تفصيل يذكر في الكتب الفقهية ــ. فمهما كان المؤمن مرهقاً أو متكاسلاً أو راغباً في الخلود الى النوم، فإن صوت إرادته القوية لابد أن يدوّي في باطنه ويقضّ مضجعه، رافضاً كل الأعذار، متجاوزاً كل تلك العراقيل، متغلباً على كل الصعوبات، امتثالاً لحكم رب السموات. ومما تتفرد به هذه الدورة التدريبية: أنها تصقل إرادة الانسان صقلاً لتمنح قوتها صلابة وقوة، فتحكم على الإنسان بوجوب مواصلة نية الصوم منذ الفجر وحتى الغروب، دونما أي تردد يساوره، أو تراجع يراوده أو فقدان للتصميم على الصوم يعتريه ولو للحظة من لحظات النهار، وإلا فإن صومه يُحكم عليه بالبطلان وإن لم يأتِ بأي أمر من المفطرات. إذن، أهم ثمرة يمكن للإنسان أن يقطفها من عبادة الصوم هي تقوية الإرادة، وتنمية صمود النفس، وتوطينها على الثبات، وتعويدها على الحيوية والحركة والنشاط.

اخرى
منذ سنتين
1215

خطوات هادئة

اقترب وقت الغروب وقطرات ماء البحر المتناثرة مع أمواجه المتلاطمة تعكس خيوط الشمس الذهبية التي بدأت بالاحمرار على ذرات الرمل، لترسم لوحة من جمال الكون الأبدي... وفجأة، مع نسيم البحر بدأت تأخذها خطوات هادئة لتمسك بيدها، ولكن... إلى أين؟! بدأت هذه الخطوات بالتسارع والخفة، وكأنما أدخلتها في فقاعة مفرغة لتبعدها عن ضجيج الدنيا وصخبها... نعم، هي لم تعد تسمع شيئاً من أصوات الدنيا، إنه صوت أمواج البحر المتلاطمة فقط... وهذه القطرات التي امتزجت مع دموعها لتغسل قلبها وتنقّيه من درن الذنوب وسواد المعاصي، ليكون ناصعاً كبياض القطن وخفته، فتأخذه الرياح وتحلق به بعيداً عن عالم مادي... لكن... إلى أين؟! أغمضت عينيها وسارعت في خطواتها، فإذا بها تحلق في سماء صافية، لتعانق أنواراً كانت مختبئة خلف السحب البيضاء، أضفت على قلبها خيوطاً ناعمة من النور، الذي زال عنه بعض الحجب التي كانت تحول بينه وبين الشعور بعشق الخالق، لينعم بلحظات نورانية ليس لها مثيل في أرض الدنيا... نعم... هو شعور امتزاج روحها بل وتلاشيها في عظمة الله جل وعلا... هو شعور بالذوبان في العبودية المطلقة التي حرّرتها من قيود الدنيا، وطهّرتها من أوساخها، هو شعور خالطه حزن وسعادة وخجل، حزن على ما أفنت فيه عمرها، وسعادة بما أنعم الكريم عليها، وخجل لتقصيرها وإسرافها على نفسها وعنادها لبارئها... نعم، الشكر هو ما تحتاجه الآن، فبه تدوم النعم، ولكن أي شكر هذا الذي تستطيع أن تقدمه، فمهما كانت كلماتها نقية طاهرة صادقة نابعة من أعماقها، إلا أنها لن تبلغ غاية شكر خالقها... وفجأة وسط هذه الأجواء النورانية الملكوتية، داهمها صوت مزّق سكون روحها ،وأوقف جريان دموعها ليعيدها إلى عالم ما زال متمسكاً بها... أمي... أمي... أمي إلى أين أنت ذاهبة؟!

اخرى
منذ سنتين
1866

جمعُ القرآن

تؤكِّد الروايات الشـريفة أنَّ الرسول الأكرم كان كلَّما نزل عليه وحي من القرآن الكريم، أمر عليّاً بأن يكتبه، ليحفظه له وللمسلمين عموماً، فقد روي عن أمير المؤمنين أنَّه قال: «... وكنت إذا سألته أجابني، وإذا سكتّ عنه وفُنيت مسائلي ابتدأني، فما نزلت علىٰ رسول الله آية من القرآن إلَّا أقرأنيها وأملاها عليَّ فكتبتها بخطّي، وعلَّمني تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وخاصّها وعامّها، ودعا الله أن يُعطيني فهمها وحفظها، فما نسيت آية من كتاب الله ولا علما أملاه عليَّ وكتبته، منذ دعا الله لي بما دعا...»(1). وقد كان جمعه للقرآن تنفيذاً لوصيَّة الرسول الأكرم بأن يجمع القرآن ولا يدعه متفرِّقاً، فقد ورد عن أمير المؤمنين أنَّه قال: «إنَّ رسول الله قال لي وأوصاني أن إذا واريته في حفرته لا أخرج من بيتي حتَّىٰ أُؤلِّف كتاب الله، فإنَّه في جرايد النخل وفي أكتاف الإبل...»(2). وتنفيذاً لهذه الوصيَّة قال: «لـمَّا قُبِضَ رسول الله أقسمت - أو حلفت - أن لا أضع ردائي عن ظهري حتَّىٰ أجمع ما بين اللوحين، فما وضعت ردائي عن ظهري حتَّىٰ جمعت القرآن»(3). لقد جمع أمير المؤمنين القرآن كما أنزله الله تعالىٰ علىٰ نبيِّه الأكرم، وفسَّـره كما فسَّـره له الرسول الأكرم، وكان فيه من العلوم ما لا يعلمه إلَّا الله تعالىٰ، ومن هنا، قال ابن الجزي في التسهيل: (وكان القرآن علىٰ عهد رسول الله متفرِّقا في الصحف وفي صدور الرجال، فلـمَّا توفّي رسول الله قعد عليُّ بن أبي طالب في بيته فجمعه علىٰ ترتيب نزوله، ولو وُجِدَ مصحفه لكان فيه علم كبير، ولكنَّه لم يوجد)(4). وعن محمّد بن سيرين: (لو أُصيب ذلك الكتاب لوُجِدَ فيه علم كثير)(5). _____________________ (1) الكافي للكليني 1: 64/ باب اختلاف الحديث/ ح 1. (2) تفسير العيّاشي 2: 66/ ح 76. (3) المناقب للخوارزمي: 94/ ح 93. (4) التسهيل لعلوم التنزيل للكلبي 1: 12. (5) الاستيعاب لابن عبد البرِّ 3: 974. من كتاب قطاف شهر رمضان/ صفحة (96-97) الشيخ حسين عبدالرضا الاسدي

اخرى
منذ سنتين
591

هل يجوز إهداء الأعمال للإمام المهدي؟

قد يتساءل البعض عن الدليل عن جواز ذلك، وأنَّه هل يجوز أن أحجَّ مثلاً أو أُؤدّي عمرة مفردة أو أن أقرأ القرآن الكريم نيابةً أو هديةً عن الإمام المهدي. إنَّ من الواضح فقهياً جواز ذلك، وهذه سيرة علمائنا اليوم وأمس قائمة علىٰ ذلك، فإنَّ هذا الأمر جائز، بل مستحبّ. وقد وردت بعض الروايات الدالّة علىٰ أنَّ من أشرك معه أحداً من المؤمنين في حجَّته فإنَّ له ولجميع من أشركه الثواب الكامل، فقد ورد عن عليِّ بن إبراهيم الحضـرمي، عن أبيه، قال: رجعت من مكّة، فلقيت أبا الحسن موسىٰ في المسجد وهو قاعد فيما بين القبر والمنبر، فقلت: يا ابن رسول الله، إنّي إذا خرجت إلىٰ مكّة ربَّما قال لي الرجل: طف عنّي أُسبوعاً وصلِّ ركعتين، فأشتغل عن ذلك، فإذا رجعت لم أدر ما أقول له، قال: «إذا أتيت مكّة فقضيت نُسكك فطف أُسبوعاً وصلِّ ركعتين ثمّ قل: اللّهمّ إنَّ هذا الطواف وهاتين الركعتين عن أبي وأُمّي وعن زوجتي وعن ولدي وعن حامَّتي وعن جميع أهل بلدي حرّهم وعبدهم وأبيضهم وأسودهم، فلا تشاء أن قلت للرجل: إنّي قد طفت عنك وصلَّيت عنك ركعتين، إلَّا كنت صادقاً، فإذا أتيت قبر النبيِّ فقضيت ما يجب عليك فصلِّ ركعتين، ثمّ قف عند رأس النبيِّ، ثمّ قل: السلام عليك يا نبيَّ الله من أبي وأُمّي وزوجتي وولدي وجميع حامَّتي ومن جميع أهل بلدي حرّهم وعبدهم وأبيضهم وأسودهم، فلا تشاء أن تقول للرجل: إنّي أقرءت رسول الله عنك السلام إلَّا كنت صادقاً»(1). بل ورد أنَّه قال أبو عبد الله: «لو أشركت ألفاً في حجَّتك لكان لكلِّ واحد حجَّة من غير أن تنقص حجَّتك شيئاً»(2). بل ورد أنَّ إهداء بعض الأعمال لبعض العظماء من الصالحين هو من الأبواب التي تساعد علىٰ قضاء الحاجة، فقد ورد عن داود الرقّي قال: دخلت علىٰ أبي عبد الله ولي علىٰ رجل مال قد خفت تواه(3)، فشكوت إليه ذلك، فقال لي: إذا صرت بمكّة فطف عن عبد المطَّلب طوافاً وصلِّ ركعتين عنه، وطف عن أبي طالب طوافاً وصلِّ عنه ركعتين، وطف عن عبد الله طوافاً وصلِّ عنه ركعتين، وطف عن آمنة طوافاً وصلِّ عنها ركعتين، وطف عن فاطمة بنت أسد طوافاً وصلِّ عنها ركعتين، ثمّ ادع أن يردَّ عليك مالك، قال: ففعلت ذلك، ثمّ خرجت من باب الصفا وإذا غريمي واقف يقول: يا داود، حبستني، تعال اقبض مالك»(4). ولذلك نحن نعمل عادةً علىٰ إهداء تلاوة القرآن الكريم للإمام المهدي، ليس فقط من أجل قضاء الحوائج، وإنَّما من باب صلة مولانا الإمام المهدي بما هو حقٌّ علينا أن نصله بمثله. وقد ورد عن عليِّ بن المغيرة، عن أبي الحسن، قال: قلت له: إنَّ أبي سأل جدّك، عن ختم القرآن في كلِّ ليلة، فقال له جدّك: «كلّ ليلة»، فقال له: في شهر رمضان، فقال له جدّك: «في شهر رمضان»، فقال له أبي: نعم ما استطعت. فكان أبي يختمه أربعين ختمة في شهر رمضان، ثمّ ختمته بعد أبي فربَّما زدت وربَّما نقصت علىٰ قدر فراغي وشغلي ونشاطي وكسلي، فإذا كان في يوم الفطر جعلت لرسول الله ختمة، ولعليٍّ أُخرىٰ، ولفاطمة أُخرىٰ، ثمّ للأئمَّة حتَّىٰ انتهيت إليك فصيَّرت لك واحدة منذ صرت في هذا الحال، فأيُّ شيء لي بذلك؟ قال: «لك بذلك أن تكون معهم يوم القيامة»، قلت: الله أكبر فلي بذلك؟! قال: «نعم»، ثلاث مرّات(5). ____________________ (1) الكافي للكليني 4: 316 و317/ باب من يشـرك قرابته أو إخوته في حجَّته أو يصلهم بحجِّه/ ح 8. (2)الكافي للكليني 4: 316 و317/ باب من يشـرك قرابته أو إخوته في حجَّته أو يصلهم بحجِّه/ ح 10. (3) توىٰ يتوىٰ توىٰ المال: ذَهَبَ. (العين للفراهيدي 8: 144/ مادَّة توو). (4) الكافي للكليني 4: 544/ باب النوادر/ ح 21. (5) الكافي للكليني 2: 618/ باب في كم يُقرَأ القرآن ويُختَم/ ح 4. من كتاب على ضفاف الانتظار/ صفحة (21-24) الشيخ حسين عبدالرضا الاسدي

اخرى
منذ سنتين
6619

إعجاز القرآن

شاء الله تعالىٰ أن يُؤيِّد أنبياءه ورسله بما يدلُّ علىٰ صدق ارتباطهم بالسماء، وتثبت ذلك بما لا يقبل الشكَّ لجميع من يطلب الحقيقة، وهو ما يُسمّىٰ بالمعجزة، ومعجزة نبيِّنا الأكرم هو القرآن الكريم. إنَّ إعجازه الأوَّل والأشهر كان في بلاغته التي عجز عن مجاراتها بلغاء العرب، بل اعترفوا بعجزهم عن الإتيان بآية واحدة مثله، لأنَّ الناس في ذلك الوقت كانوا يتبارون ويتسابقون بالتعبير البلاغي الأرقىٰ. فقد ورد عن أبي يعقوب البغدادي، قال: قال ابن السكّيت لأبي الحسن: لماذا بعث الله موسىٰ بن عمران بالعصا ويده البيضاء وآلة السحر؟ وبعث عيسىٰ بآلة الطبِّ؟ وبعث محمّداً صلّىٰ الله عليه وآله وعلىٰ جميع الأنبياء بالكلام والخُطَب؟ فقال أبو الحسن: «إنَّ الله لـمَّا بعث موسىٰ كان الغالب علىٰ أهل عصـره السحر، فأتاهم من عند الله بما لم يكن في وسعهم مثله، وما أبطل به سحرهم، وأثبت به الحجَّة عليهم. وإنَّ الله بعث عيسىٰ في وقت قد ظهرت فيه الزمانات(١) واحتاج الناس إلىٰ الطبِّ، فأتاهم من عند الله بما لم يكن عندهم مثله، وبما أحيىٰ لهم الموتىٰ، وأبرء الأكمه والأبرص بإذن الله، وأثبت به الحجَّة عليهم. وإنَّ الله بعث محمّداً في وقت كان الغالب علىٰ أهل عصـره الخُطَب والكلام - وأظنُّه قال: الشعر -، فأتاهم من عند الله من مواعظه وحكمه ما أبطل به قولهم، وأثبت به الحجَّة عليهم». قال: فقال ابن السكّيت: تالله ما رأيت مثلك قطُّ...(٢). إنَّ أعظم بلغاء العرب، عندما كان يتأمَّل في آيات القرآن الكريم كان يقف عاجزاً، ويعترف بأنَّه فوق المستوىٰ الطبيعي للبشر. عن هشام بن الحكم، قال: اجتمع ابن أبي العوجاء، وأبو شاكر الديصاني الزنديق، وعبد الملك البصـري، وابن المقفَّع، عند بيت الله الحرام، يستهزؤن بالحاجِّ ويطعنون بالقرآن. فقال ابن أبي العوجاء: تعالَوا ننقض كلُّ واحد منّا ربع القرآن، وميعادنا من قابل في هذا الموضع، نجتمع فيه وقد نقضنا القرآن كلَّه، فإنَّ في نقض القرآن إبطال نبوَّة محمّد، وفي إبطال نبوَّته إبطال الإسلام، وإثبات ما نحن فيه، فاتَّفقوا علىٰ ذلك وافترقوا، فلمَّا كان من قابل اجتمعوا عند بيت الله الحرام، فقال ابن أبي العوجاء: أمَّا أنا فمفكِّر منذ افترقنا في هذه الآية: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا [يوسف: 80]، فما أقدر أن أضمَّ إليها في فصاحتها وجميع معانيها شيئاً، فشغلتني هذه الآية عن التفكُّر في ما سواها. فقال عبد الملك: وأنا منذ فارقتكم مفكِّر في هذه الآية: يا أَيـُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحجّ: 73]، ولم أقدر علىٰ الإتيان بمثلها. فقال أبو شاكر: وأنا منذ فارقتكم مفكِّر في هذه الآية: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: 22]، لم أقدر علىٰ الإتيان بمثلها. فقال ابن المقفَّع: يا قوم، إن هذا القرآن ليس من جنس كلام البشـر، وأنا منذ فارقتكم مفكِّر في هذه الآية: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِـيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَىٰ الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [هود: 44]، لم أبلغ غاية المعرفة بها، ولم أقدر علىٰ الإتيان بمثلها. قال هشام بن الحكم: فبينما هم في ذلك، إذ مرَّ بهم جعفر بن محمّد الصادق، فقال: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء: 88]، فنظر القوم بعضهم إلىٰ بعض وقالوا: لئن كان للإسلام حقيقة لما انتهت أمر وصيَّة محمّد إلَّا إلىٰ جعفر بن محمّد، والله ما رأيناه قطُّ إلَّا هبناه واقشعرَّت جلودنا لهيبته، ثمّ تفرَّقوا مقرّين بالعجز( ). ________________ (١) الزمانات: الآفات الواردة علىٰ بعض الأعضاء فيمنعها عن الحركة كالفالج واللقوة، ويُطلَق المزمن علىٰ مرض طال زمانه. (من المصدر). (٢) الكافي للكليني 1: 24 و25/ كتاب العقل والجهل/ ح 20. (٣) الاحتجاج للطبرسي 2: 142 و143. من كتاب قطاف شهر رمضان/ صفحة (93-96) الشيخ حسين عبدالرضا الاسدي

اخرى
منذ سنتين
939

المطالبة بفدك

الشبهـــة : المطالبة بالحق وإن كان لا إشكال فيه إلا إن مطالبة السيدة الزهراء (عليها السلام) بفدك والإصرار على تحصيلها ممن نزعها منها لا يتناسب وزهدها (صلوات الله عليها) بالدنيا وعدم اعتدادها بنعيمها ولذاتها؟؟ الرد : للرد على ما تقدم نقول : لا منافاة بين مطالبتها (عليها السلام) بفدك وبين زهدها بالدنيا وزخارفها وذلك للأسباب التالية : أولاً : فدك لم تكن حقاً مخصوصاً للسيدة الزهراء (عليها السلام) فقط، بل كان لأولادها الكرام (عليهم السلام) الحق فيها أيضاً، ولذا لم تتساهل في المطالبة فيها لئلا تتسبب في تضييع حقوق الأئمة الكرام (عليهم أفضل الصلاة والسلام) . ثانياً : استولت الحكومة الغاصبة آنذاك على جميع الحقوق السياسية والاقتصادية لبني هاشم، وجردوهم من جميع امتيازاتهم وحقوقهم المادية والمعنوية، إذ لم يصادروا فدكاً وحسب بل والميراث والخمس ـ أي سهم ذوي القربى ـ واعتبروهم كسائر الناس. ومن البديهي أن لا يتمكن بنو هاشم وفي مقدمتهم أمير المؤمنين علي (عليه السلام) من المطالبة بحقوقهم التي غُصبت لاسيما في تلك الظروف، ومن هنا تصدت السيدة الزهراء بنفسها للمطالبة بتلك الحقوق المسلوبة يسندها في ذلك ما تتمتع به من فضل وشرف وقرب من رسول الله (صلى الله عليه وآله) من جهة، واستناداً إلى أنوثتها وذلك لأن النساء يتمتعن بحرية أكبر من الرجال في مثل هذه المواقف من جهة أخرى.. ثالثاً: أرادت السيدة الزهراء (عليها السلام) أن تكشف الحقيقة البائسة لمن غصب الخلافة وأن تظهر معدنهم الخبيث للناس أجمع ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي على بينة، وأقصر طريق لذلك مطالبتها بفدك، وإلا فهي أجل قدراً وأعلى شأناً من أن تحرص على الدنيا، لا سيما وأنها تعلم بقرب وفاتها.. رابعاً ـ كانت مطالبتها (عليها السلام) بفدك فرصة سانحة للإدلاء برأيها حول الحكومة القائمة، والتصريح به أمام الجماهير ، فقد حضرت دار الحكومة في المسجد النبوي (صلى الله عليه وآله)، وألقت بتصريحاتها الواضحة أمام الجميع وفضحت تلك الحكومة الغاصبة في مركزها وعرّتها من أي شرعية ، مبينة أحقية الامام علي في قيادة الأمة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله)، حيث قالت في خطبتها: " أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟ " (1) وقولها: " وأبعدتم من هو أحق بالبسط والقبض "(2).... خامساً : كانت مطالبتها (عليها السلام) بفدك مقدمة للمطالبة بحق الخلافة لزوجها (عليه السلام) ، يشهد على ذلك ما ضمنت خطبتها (عليها السلام) من إشادة ببعلها وتذكير بمواقفه البطولية الفريدة، حيث قالت : " فأنقذكم الله بأبي محمد بعد اللتيا والتي، وبعد أن مني ببهم الرجال وذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب، كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله أو نجم قرن للشيطان، أو فغرت فاغرة من المشركين، قذف أخاه (أي علياً) في لهواتها، فلا ينكفي حتى يطأ صماخها بأخمصه، ويخمد لهبها بسيفه، مكدوداً في ذات الله، مجتهداً في أمر الله، قريباً من رسول الله، سيد أولياء الله، مشمراً ناصحاً، مجداً كادحاً، وأنتم في رفاهية من العيش وادعون فاكهون آمنون، تتربصون بنا الدوائر وتتوكفون الأخبار، وتنكصون عن النزال، وتفرون من القتال "(3). ولذا أضحت فدك ليست مجرد قرية بل أمست عنواناً للخلافة وللرقعة الاسلامية بأكملها .. وقد أكد هذا المعنى الإمام الكاظم (عليه السلام) عندما حدها لهارون العباسي بعد أن ألحّ عليه أن يأخذ فدكاً، فقال له الإمام: " ما آخذها إلا بحدودها. قال هارون وما حدودها؟ قال: الحد الأول عدن، والحد الثاني سمرقند، والحد الثالث أفريقية، والحد الرابع سيف البحر مما يلي الخزر وأرمينية! فقال له هارون: فلم يبق لنا شيء فتحول في مجلسي "(4)! أي إنك طالبت بالرقعة الإسلامية بأكملها ولم تبقِ منها شيئاً . فقال الإمام: قد أعلمتك أني إن حدّدتها لم تردها. إذن فمطالبتها بفدك كانت في جوهرها مطالبة بإرجاع الخلافة لأصحابها الشرعيين وهم أمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمة البررة ، وبالتالي فهي مطالبة بحفظ الشريعة السمحاء وصون رسالة السماء والنأي بها عن أن تطالها يد التحريف والتزوير.. ولأن هدفها (سلام الله عليها ) عظيمٌ، فقد أبت إلا أن تنقش على الحجر، مطالبتها بتحقيقه لئلا تُموه حقيقته أو يُعفَى أثره ، ولذا فهي لم تتوجه الى دار أبي بكر، بل اختارت التوجه نحو مسجد أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو المركز الإسلامي يومئذ ومجمع المسلمين كافة. كما اختارت بدقة الزمان المناسب بحيث يكون المسجد غاصاً بالناس على اختلاف طبقاتهم من المهاجرين والأنصار. كما إنها اختارت أن تخرج في جماعة من النساء لتثبت أنها في تظاهرة حقيقية للمطالبة بالحقوق المسلوبة. أضف الى ذلك اختيارها موضع من المسجد لتجلس فيه ، فضرب بينهم وبينها سترٌ، إذ هي فخر المخدرات، وسيدة المحجبات ، عندئذ ألقت خطبتها الارتجالية الاحتجاجية التي ظلّت على مر العصور والأزمان وثيقة إدانة بحق الظالمين ودليل نفاقهم، ومرجعاً يرجع اليه الحائرون لمعرفة الحق وأهله من الباطل وأهله.. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) بحار الانوار ج29 ص227 (2) المصدر السابق ص229 (3) المصدر نفسه ص237 (4) أعيان الشيعة ،ج4 ، ص47 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
1691

ولادة المجتبى... فاتحة الخلود

هناك من إذا وَلجَ الحياة دعت عليه بالويل والثبور، وإذا غادرها تستبشر فرحاً وتتمنى أنه لم يولد، فقد يكون بلاءً على الدنيا! يقول أحدهم: فكم من وليدٍ وَددنا لو أنه يموتُ بأيدي القابلاتِ صَريعا تبشُ اليهِ الامهاتُ ولو دَرتْ بما سوف يَجنيه لطمنَ النواصيا! وعلى النقيض هناكَ من يأتي إلى الدنيا ليثريها، فإذا خرجَ منها ترك فراغاً روحياً كبيراً.. وليس المقصود بالثراء هنا المعنى المادي أبداً، فكم هم الذين تركوا آثاراً مادية فهل بقي ما تركوه وهل بقي من تركوا له؟! ..أين هو قارون وكنوزه التي كانت تنوء بالعصبة؟! وأين رؤساء قريش! وآل امية وبنو العباس؟! فما مات عيسى وهو يفترش الثرى ولا عـاش قـارون وأبـوابـهُ تِـبـرُ تلك هي قصورهم خاوية على عروشها! فالذي تخلد ذكراه هو من يترك آثاراً فكرية ومعنوية . إننا نستذكر العلماء والمفكرين ونحتفل ونحتفي بهم و نخلد ذكراهم لأنهم صنعوا ما يخلدهم. والإمام الحسن (عليه السلام) من هذا النوع الذي أغنى الحياة بعلمه من أول يوم ولد فيه، حتى رأينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يحمله ذات يوم ووجهه يتهلل فرحاً بأول وليد يربط بين طرفي النبوة والامامة.. وقال في حقه القول المشهور "إنّ ابني هذا سيد" فكان يحمله ولا يكاد يفارقه لحظة حتى في سجوده؛ لذا يروى إن أحدهم قال: "يا رسول الله نراك اطلت السجود فهل هبط عليك الوحي قال لا وإنما ولدي ارتحلني فكرهت أن أعجله!" ونقل لنا التأريخ أن الإمام الحسن كان ينادي رسول الله " أبه " وبالمثل فقد كان الرسول يقول في حقه هو وحق أخيه الحسين (عليهم السلام):" هذان ابناي وابنا ابنتي " ولا غرو فالإمام الحسن (عليه اسلام) منذ ولادته كان ينهل من نمير ذلك البيت الذي أبعد الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، ذلك لأنه قد أبى الرجس في عقيدته وفكره وخُلُقه ..كان تجسيداً ومصداقاً جلياً لآية التطهير فكان الطهر الطاهر بالقول والفعل.. فهو نموذج متكامل روحاً وجسداً للعطاء، والخلق الفاضل. وعلى العكس فإنا نرى فرعون زمانه "معاوية" يتشبث بكل ما يمكنه أن يرفع شأنه وشأن عائلته، وما يحط من شؤون آل علي (عليهم السلام) فمنذ تسنمه الخلافة المزعومة في بضع سنين عجاف.. بدأ ينشر ثقافة التسقيط بلعن أمير المؤمنين من على المنابر حتى عَدّ التاريخ أكثر من مائة منبر لعن من فوقه الإمام علي وأولاده (عليهم السلام) ولكن هل ضرتهم تلك اللعنات؟ - كلا والف كلا، فهذا الإمام الحسن (عليه السلام) بعد أكثر من ألف سنة يحتفل العالم بذكرى ولادته في حين أن معاوية أينما ذُكِـر أُلـحِق ذِكره بـ "لعنه الله"! لكنه الحسن بن أبيه (عليهم السلام) يستنزل الأحداث ليرويها دروس فتح يستنشقها التأريخ عبق "نصر من الله وفتح قريب" فأين لمعاوية أن يبلغ شأو قدسه النوري ..؟ وأين لقلوب ملئت حقداً وضغينة أن ترى اللجين؟! فهذا الحسن (عليه السلام) يرث حديـبية محمد! تمثلته فيها بحراً هائجاً محملاً بهموم مشروع السماء! كيف سيوصله إلى النصف الثاني من الأمة وهي التي لم تقف عند حالة كونها جاحدة بعلي. بل تعدت إلى اعتقادها الزائف بأن معاوية إمام تجب طاعته! والحسن خارج عليه وتجب البراءة منه! ولم تقف عند عقيدتها بذلك بل تحولت إلى جيش همه قطع نسل آل علي واقصائهم من الوجود! ومع ذلك قَبِـل الصلح حقناً لدماء المسلمين. ولاشك في حكمته إذ أن محمداً النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال عنه وأخاه :(الحسن والحسين إمامان إن قاما أو قعدا) وهو مع ذلك لم يسلم من جور معاوية كما لم يسلم منها أخوه الحسين. فآل امية مخادعون اينما ثقفوا! لا من يصالحهم يسلم ولا من يخرج ضدهم يسلم! هو تاريخهم المشهود يستقصيهم فلا يجد فيهم إلا الشنآنَ والنفاق! نرجس ابراهيم محمد صافي

اخرى
منذ سنتين
1638

كيف نُحبّب المهدي إلى الناس؟

عندما نستقرئ أفكار الناس تجاه الإمام المهدي، نجد أنَّ هناك تبايناً بينهم في الصورة التي رسموها للإمام، هناك من لا يرىٰ إلَّا الجنبة الدموية لظهور الإمام، وذلك بسبب قراءته لبعض الروايات التي تذكر القتل، أو الشبهات التي تثار من قِبَل المغرضين تجاه قضيَّة الإمام المهدي ليُبعِدوا الناس عنه. ونحن كمنتظرين وممهِّدين، علينا أن نتذكَّر قول الإمام الصادق: «رحم الله عبداً حبَّبنا إلىٰ الناس ولم يُبغِّضنا إليهم...»(١). فعلينا أن نُحبِّب الإمام للناس، وهذا يقتضـي عدَّة أُمور، منها التالي: أوَّلاً: علينا أن نُركِّز علىٰ ذكر صفات الإمام التي وردت في الروايات المعتبرة، والتي تصفه بأنَّه «رحمةً للعالمين»(٢)، وأنَّه شفيق جدّاً علىٰ رعيَّته(٣). ثانياً: التركيز علىٰ أنَّ الإمام سوف لن يغلق باباً فتحه الله تعالىٰ، وهو باب التوبة. ثالثاً: التركيز علىٰ الجوانب الإنسانية من دعوة الإمام المهدي، الأمر الذي سيصل بالإمام إلىٰ قبول التوبة حتَّىٰ من أعدائه (كما ورد هذا المعنىٰ في السفياني)، وإلىٰ أن يُرسِل الرسل لفتح المدن بطريقة سلمية (كما ورد هذا المعنىٰ في فتح القسطنطينية)(٤). رابعاً: أنَّ أكثر الخوف من الإمام جاء بسبب الجهل بقضيَّته، لذلك علينا أن نُركِّز علىٰ ضرورة أن يزيد الفرد من معرفته بالإمام، من خلال القراءة، واستماع المحاضرات من المتخصّصين والعارفين بهذا الشأن. خامساً: عندما يذكر بعضنا الروايات الواردة في حروب الإمام، فعليه أيضاً أن يُبيِّن المبرّرات الشـرعية والإنسانية لحصولها، وأنَّ الإمام لن يخرج عن الخطِّ الإسلامي العامّ فيها، لأنَّه إنَّما يقوم من أجل إحياء الإسلام بتمام معنىٰ الكلمة. تنبيه: لا يعني كلُّ هذا أن ينظر أحدنا إلىٰ القضيَّة بعين التهاون والتسامح اللامسؤول، ولا يعني هذا الاستخفاف بالأوامر والنواهي، كلَّا، فإنَّ الإمام المهدي وإن كان رحمةً للعالمين كجدِّه المصطفىٰ، لكنَّه في نفس الوقت الذي يخرج منتقماً من أعداء الدين، وقد جُعِلَ آخر الدواء الكيّ! _____________________________________ ( ) الكافي للكليني 8: 229/ ح 293. ( ) كمال الدين للصدوق: 310 / باب 28/ ح 1. ( ) في الغيبة للنعماني: 222/ باب 13/ ح 1، ورد عن أمير المؤمنين  في وصف المهدي : «... أوسعكم كهفاً، وأكثركم علماً، وأوصلكم رحماً، اللّهمّ فاجعل بعثه خروجاً من الغمَّة، واجمع به شمل الأُمَّة...». ( ) الغيبة للنعماني: 334 و335/ باب 21/ ح 8. من كتاب على ضفاف الانتظار/ صفحة (18-21) الشيخ حسين عبدالرضا الاسدي

اخرى
منذ سنتين
3349

للغزو عنوان آخر

يغزو شبابنا في هذه الأيام فكر ماكر وخفي يستهدفهم خاصة، والجيل الجديد بشكل عام. ألا وهو «الاستهزاء بالعادات والتقاليد». كثر في الآونة الاخيرة انتشار الانتقاد والتقليل من شأن العادات والتقاليد العرفية ومحاربتها بالأساليب الملتوية والخادعة. وأتخذ المروج «المهرج» لهذا الفكر الساذج، الغريب منها وغير المنطقي ليطرحه بطريقة النقد الساخر الكوميدي صعوداً إلى الجيد والضروري، ليألف المتلقي وخاصة المراهقين لما ينشر ويذاع بداية ولا يلتفت إلى ما هي الغاية المرجوة فعلاً وحقاً، ويعتاد على قبول ذمها والتنقيص من شأنها. لذا ينبغي مواجهة كل من يحاول المساس بها وصده وكشف نواياه الخبيثة والتنبيه من مخاطره، لئلا يقع أبناؤنا في الفخ تحت أنظارنا ونحن لا نحرك ساكناً. ومما يؤكد ما أقول الانتشار الواسع لهذه الحملة في مدة قصيرة من الزمن والتفنن في العمل الذي يؤديه أصحاب هذا المجال للنيل من شبابنا. لذا وجب على الجميع وبالخصوص "الأهل" توضيح مفهوم التقاليد لأبنائهم ولا يتركون تَعَرفهم عليها للصدفة، لأنهم أمانة في أعناقهم. ونحن بدورنا نبين بعض النقاط المهمة في هذا الموضوع علّنا نستطيع المساعدة. من أهم مقتضيات الالتزام بالتقاليد العرفية هو التالي: 1_لو لم نتبع التقاليد التي تربينا عليها وجب علينا البدء من الصفر وهذا مستحيل(1). 2_أغلب الأحيان تكون العادات والتقاليد مستمدة من الدين(2) والتاريخ والحضارة. 3_ كثير منها تكون نتاج لحكمة الحكماء(3) وحصيلة تجارب العلماء العملية(4) على أرض الواقع. 4_بكل تأكيد يلزم اجتناب «هذا ما وجدنا عليه اباؤنا» والعمل بالأفضل(5). 5_راجع حياة الناجحين من الماضين في مجتمعك والمجتمعات الأُخرى، هل كانت التقاليد حجر عثرة في طريقهم للنجاح؟! ها نحن سنقرأ معاً اخبار الماضين والحاضرين، ونرى أن الناجحين منهم لم يركنوا عاداتهم وتقاليده جنبا، ولم يستهزئوا بها. لكل قوم عاداتهم وتقاليدهم التي ينفردون بها، فهي السمة البارزة التي تميزهم عن غيرهم، باعتبار أنها مجموعة قيم تربوية تتمسك بها المجتمعات اعتزازاً بأصالتها وتأريخها، وكل منهم يراعي هذه الضوابط ويحترم القوانين ويقدس العادات حفاظا منه على نفسه خاصة ومجتمعه بشكل عام. فلماذا نحن الآن لا نحترم هذه العادات والتقاليد. ولم يعد للفرد أي شيء يهذبه ويحكمه سوى القوانين الموضوعة من قبل الدولة(6) التي يعيش فيها، فأغلب الشباب في وقتنا الحالي يعتبرون العادات والتقاليد التي يلتزم بها مجتمعهم هي مجرد قيود تمنع الفرد من فعل ما يشاء ويتمنى، وخرافات زائفة لا نفع منها، والسبب في هذا هو عدم الوعي الكامل لما يحيط به، بني، لا تدع للمغرضين فرصة للنيل منك... ولا تدع هذه الاوهام تسيطر على ذهنك... ولا تجعل كما الآخرين هذه الأمور شماعة لأخطائه، راجع نفسك فكّر تحرّ وابحث... هل لهذه العادة ذنب فيما أنا فيه حقاً؟! هل هذه التقاليد هي قيود موضوعة لتقييدي فعلاً! ولا استطيع بوجودها تحقيق النجاح والوصول إلى ما أبغي الوصول إليه؟! ولا تلم الزمان على شيء لم يفعله ولا ذنب له فيه. اجعل لكل خطوة من خطواتك دراسة مسبقة، ولا بد أن ندرك أنّ كل ما نواجهه من سوء هو من فعل أيدينا ولا ذنب لغيرنا فيه بل نحن السبب فيه. قال الشاعر نعيب زماننا والعيب فينا .. وما لزماننا عيب سوانا .. ونهجوا ذا الزمان بغير ذنب .. ولو نطق زماننا هجانا.. ألم يكن الماضون ناجحين في حياتهم والحفاظ على هويتهم؟! لو لم نضيّع تراث آبائنا وأجدادنا واحتفظنا بتلك الكنوز النفيسة لم يكن هذا هو حالنا ولم تسبقنا باقي الأمم. ................................................................................. 1- فمن أراد أن يكون طبيباً اتّبع خطى الأطباء من السالفين، وطور ما يستطيع تطويره ولم يستغن عن خبرات السابقين. وكذا المهندس والمعلم والفلاح وغيرهم، فكل منهم اعتماده مبتدئاً على الذي بني قبله. 2- إكرام الضيف، حسن الجوار، مراعاة واحترام كبار السن، مواساة الآخرين في احزانهم، الحشمة، عدم الخضوع في القول، الحياء، الانصاف...، كل هذه الأمور اوصى بها نبي الرحمة (صلى الله عليه واله ) 3- الصّبر عند الشدائد، التّواضع والنّهي عن التكبّر. 4- « لو اعتبرنا القراءة تقليداً» مثلاً. حسب الدراسات لجامعة ساسكس البريطانية ثبت أن القراءة أفضل وسائل الاسترخاء علمياً. 5-بكل تأكيد توجد عادات وتقاليد خاطئة ولم ينزل الله بها من سلطان. 6-الطبيعي أن الذي يحكم المسلم هو ضميره الحي أولاً والأحكام الإسلامية ثانياً، وقوانين الدول لا تستطيع السيطرة كاملاً فنفعها قليل. ولاية علي حصني

اخرى
منذ سنتين
1422

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
61020

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
39828

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
36344

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
31279

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
30952

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
29523