قلمٌ وقرطاسٌ وسم

بقلم: نرجس مهدي بين ظُلُماتِ دهاليزِ السنين جلس القرطاسُ يندبُ آهاتِ يومٍ فجّرَ الكونَ أنينًا.. أتذكُرُ أيُّها القرطاسُ ما جرى له في مجالسِ الطاغيةِ ابنِ زيادٍ، والزنيمُ يستنطقُه: من أنت؟! تأوّهَ القلمُ ونادى بصوتِ الجراح: إنّها حقًا تجلياتُ العنايةِ الإلهيةِ التي حفظتْ لنا مولانا زينَ العابدين (عليه السلام) من أيدي المنية.. لقد كانتْ حواريةٌ بين غذي البيتِ الطاهر وبينَ ركاكةِ العقلِ ومُنتهى الغلظةِ والفسوق.. ولقد صانَ رسالةَ أبيه وحملَها بين أضلاعِه كما كانَ يحملُ قلبًا توأمًا لقلبِ أبيه الذي شقَّه السهمُ نصفين.. وبالرغمِ من كُلِّ النوائبِ ضحّى ليربحَ الإسلامُ مجدَه.. وبدأ ضبابُ الظلامِ ينقشعُ وبالرغمِ من كُلِّ الأعاصيرِ التي كانتْ تُحيطه وتحاولُ أن تثني عنفوانَه، مضى بقدمٍ ثابتٍ مع عمّته زينب (عليها السلام) في طريق الحقِّ الذي لا يتزحزح.. سأكتبُ أيُّها القرطاسُ حقيقةَ الألمِ الذي نطقتْ به الجامعةُ وهي تستغيثُ برقبةِ العزِّ والشمم، وتحزُّ منحرَ الدينِ لتنال من زينِ العابدين (عليه السلام)، ولكن هيهاتَ أنْ ينالوا ممَن سَنام المجد رداؤه، وتلك الكلماتُ وبحروفِها الدامية ألتي نطقت بها شفاهُ العليل.. "ما ظنك برسول الله لو رآنا على هذه الحال؟!"(1) هنا كانَ للضجيجِ صدى حتى جدران القصرِ وأعوادها نشجتْ نشيجَ المُتأوهين.. وزادَ دمعُ الحنين، وعلا شجونُ القرطاسِ وصارَ يلوي أطرافَه ليبينَ مشاهدَ الأحزان.. وهناك كانتِ التفاتةُ القرطاسِ إلى العصا التي اتكأت على أحزانِها ولبستْ السكونَ جلبابًا لمرارتها: تحدّثي أيّتُها العصا، ما بالكِ قد وجمتْ أوصالكِ! ماذا تقولين؟ أراكِ في السرِّ تندبين! أجابتِ العصا: ماذا أقولُ وقد تأجّجَتْ نيرانُ أعوادي؟ ليتني أحترقُ بنارِ فراقِ سيّدي ولا يبقى لي من أثر.. اختنقَ صوتُ العصا بدُخانِ تلك الخيام، وتجرّعِتِ الحسراتِ لمنظر الأيتام.. في ذلك اليوم الذي قد خطَّ بالقلم، لم يكنْ لي خيارٌ سوى أنْ أرتمىَ بيدِ سيدي العليل حتى يتكِئُ عليّ، وبالأخرى أرادَ أنْ يحملَ السيفَ ليُدافعَ عن الدين والعقيدةِ ضدَّ الطاغوت. ومنذُ ذلك اليومِ كنتُ لا أفارقه، لقد انحنى مولاي، يوم انحنى ظهرُ سيِّد الشهداء (عليه السلام) بعد رجوعِه من نهرِ العلقمي، فهو في ركوعٍ دائم! ثم سكتتِ العصا ونادتْ: اتركوني أنعَ سيّدي وأحرق ما بقيّ من عودي. استكملَ القرطاسُ الحديثَ: وهل كتبتَ كُلَّ ما قيلَ أيُّها القلم؟ أجابَ والكلماتُ تميلُ وتميلُ تريدُ أنْ تصلَ إلى نهايةِ القرطاسِ؛ لتهدأ نبضاتُ قلبِه... تحدّثَ القرطاسُ: لا يا أيُّها القلم، انتظر لا تُلملِمْ أطرافَ الحديث، دعْنا نسألُ تلك القراطيس التي تتكئُ على بعضها، وأراهنُّ مكلوماتٍ، وأسمعُ من إحداهِن آهاتٍ ودموعها مداد! التفتَ القرطاسُ إلى تلك التي تنوحُ وبدموعِ العينِ خطّت كلماتِها بتناسقٍ وإتقانٍ: تحدّثي أيتُها الباكيةُ جزعًا.. فأجابت: نحنُ قراطيسُ، كُنّا نأنسُ بيدِ سيّدي ومولاي علي ابنِ الحسين (عليه السلام)، فكان عندما يجنُّ عليه الليلُ كان يدأبُ في الكتابة، مناجاة بعد مناجاة، دعاء يتبعُه دعاءٌ، وحق يتبعُه حقٌّ، وكُنّا نتألمُ لدموعِ عينيه وآهاتِ قلبِه وشجونه.. فتلك العبراتُ مُتكسرةٌ في صدورِنا نحتفظُ بها ليقرأها المؤمنون.. التفتَ القرطاسُ مرةً أخرى فرأى قارورةَ الغدرِ هناك تُغطّي وجهها بقناعٍ أصفر فقال: تعالَ يا قلم، فلنسالْ تلكَ القارورةَ التي حوتْ خنجرَ الغدرِ، ورمتْ به كبد الإمام... تحدّثْ أيُّها السمُ، وقُلْ ما بالكَ وقلب مولاي ومهجته؟ ألا يكفيكَ ما لاقاهُ من سيِّدِك الزنيم ؟! أيُّها القلمُ: سجِّلْ ما يقولُه الملعون.. تلعثمَ السمُّ وفاضَ من قارورتِه وصارَ ينزفُ ندمَ مرارتِه وكادتْ أن تخنقه: لقد دخلَ جزءٌ مني في ذلكَ الجسدِ الطاهر، فرأيتُ عالمَ الملكوتِ يسبحُ في قلبِه الشريف! وأنوارُ ربّي تسطعُ من جبينِه إلى مشاشِ قدميه! لم يكُ يأبهُ بي! ولم يكُ يتألمُ من تفتيتِ قلبِه وكبده! لقد رأيتُ كبدَه وقلبَه قد تصدّعا من يومِ عاشوراء، يومَ رأى قلبَ السبطِ الطاهرِ قد اخترقهَ ذلك السهمُ المُثلثُ المسموم.. ماذا عساي أنْ أقول؟ وأيُّ عذرٍ أقدِّم؟ لقد جنيتُ جنايةً عظمى. قاطعه القرطاسُ أن أسكُتْ أيُّها الملعون؛ لقد مزّقتَ أركاني وأنا أتخيّلُ ذلك الجسد النحيل قد سكنتْ حركاتُه وسكتتْ أنفاسُه، وصعدتْ روحُه الطاهرةُ مُجلّلَةً بالقداسةِ والنور، ترجعُ إلى ربِّها راضيةً مرضيةً، تلتحقُ بأحبتِها وأعزتِها لتستريحَ من دُنياكم الغرور. انطوى القرطاسُ ألمًا وتلوّى، فكانتْ صفحة للأحزانِ روتْ مصيبةَ زينِ العبادِ، السجاد (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الاحتجاج للطبرسي (24..25)

اخرى
منذ شهر
141

الدعوةُ إلى الحجابِ/ نظرةٌ معاصرةٌ السيدةُ زينبُ (عليها السلام) أنموذجًا (2)

بقلم: فريال ياسر الأسدي 3ـ الحجابُ والفطرة للحجابِ علاقةٌ بالعفَّةِ؛ فهو دلالةٌ وعلامةٌ عليها، يقول الشهيدُ مطهري في هذا الأمر: "الحجابُ هو إحدى علاماتِ العفَّةِ، حيثُ لا يُمكِنُ تصور العفةِ من دونِ الحجاب، إنَّ المرأةَ والرجلَ اللذين يظهران عاريين أو نصف عاريين أمام النُظَّار لا يستحقان وصفَ العِّفة، فالحجابُ يُعَدُّ أحد الدلالاتِ البارزةِ للعفَّة". إنَّ الوقارَ في السلوكِ الظاهري وفي انتخابِ الحجابِ يُنبئُ، ويُبيّنُ العفافَ الباطني نتيجةَ العلاقةِ الوثيقة بين الحجابِ والعفافِ التي لا يُمكِنُ فصلهما عن بعض، فمن غيرِ المُمكن أنْ يكونَ الإنسانُ منحازًا للعفافِ والحياءِ، ومخالفًا للحجاب. ويُمكِنُ توضيحُ فلسفةِ العفة بالنقاط الآتية: 1. الإنسانُ موجودٌ حُرٌّ ومُختارٌ، يستطيعُ أنْ يُبادِرَ ويتوجّه إلى الله (تعالى) ويُلامِس الفطرةَ والحسَّ الأخلاقي، ولكن هذا الموجود الحُر واقعٌ تحتَ مجموعةٍ من القوى ومنها القوة الشهوية، وهذه القوى لها دورٌ أساسٌ في قراراتِه. 2. يُعَدُّ العفافُ أذكى حالةٍ للسيطرةِ على النفس، وأفضل إطارٍ لاستعمالِ القدرةِ في نطاقِ الدائرةِ الشخصيةِ من خلالِ الدورِ الذي ينهضُ به في إبراز إنسانية الإنسان، والحيلولة دون التبرج والتهتك الجنسي. 3. يجبُ الحفاظُ على العفافِ بوصفه خصلةً إنسانية، فالعفافُ يهبُ طاقةً روحيةً مُتميزةً لكي يثبتَ في مواجهةِ كُلِّ ما يُبعده عن تكاملهِ ويقويهِ إمام الميول الهابطة، وبواسطةِ العفافِ يُمكِنُ الحفاظُ على الصحةِ النفسية، وبالعفاف تتم صيانة المُثل والقيم. 4ـ فلسفـة الحجاب. من مُقدماتِ التشجيعِ على العودةِ إلى الحجاب الشرعي وربطِه بالعفة هو توعيةُ وتثقيفُ الأفرادِ وترسيخُ القيمِ بحيث يحوزُ الحجابُ والعِفّةُ على مرتبةٍ عاليةٍ من التقدير عندهم؛ وذلك بتوضيحِ فلسفةِ الحجاب، يقولُ السيد الخميني (قُدِّس سرُّه): "عدمُ توضيحِ وإدراكِ الفلسفة الحقيقة لكثيرٍ من الأحكامِ الإسلامية من أكبرِ الأمراضِ التي أصابت المجتمعات الإسلامية". يرى الإسلامُ فلسفةً خاصّةً ومتميزةً لتشريعِ الحجابِ الإسلامي، بحيث تُوجِّهُ الحجابَ وتُبرره عقليًا، إذ إنَّ الحجابَ فيها تعدّى كونَه أمرًا دينيًا بل اجتماعيًا أيضًا، فالحجابُ ليس مُجرّدِ قطعةِ قماشٍ ترتديها المرأةُ، بل هو مقوماتُ شخصيةٍ مرتديةٍ هذا الزي الذي يحكي شخصها وفكرها، يحكي قصةَ عفتِها أيضًا، وأنّها بعيدةٌ عن الابتذال. يقول الشهيدُ مطهري: "إنَّ قضيةَ الحجابِ ليستْ في البحثِ عمّا إذا كان الأفضلُ للمرأةِ أنْ تظهرَ في المجتمع مُتسترةً أم عاريةً، إنّ روحَ القضيةِ تتلخصُ في هذا السؤال، هل ينبغي أنْ تكونَ المرأةُ والتمتع بها مُباحًا للرجل؟ هل يجوزُ لكُلِّ رجلٍ في المجتمع أنْ يتمتعَ بكُلِّ امرأةٍ إلى الحدِّ الأقصى عدا الزنا أم لا؟". أيّ أنّ ضاهر القضية شيء، وروحَ القضيةِ وباطنَها شيءٌ آخر، فالمسألةُ تتعدى المرأةَ وحجابَها لتشملَ الصحةَ النفسية للمُجتمعِ بشكلٍ عام، حيثُ يرى الإسلامُ أهميةَ اقتصارِ العلاقةِ الجنسية والتمتُّعِ بين الرجلِ والمرأةِ في حياةٍ عائليةٍ مُستقرةٍ ومشروعة ووطيدةٍ بين الزوجين. وهذا الأمرُ يُفيدُ اجتماعيًا في الحفاظِ على المُجتمعِ ونشاطِه، وله فائدةٌ أخرى وهي رفعُ قيمةِ المرأةِ في عينِ الرجل. وهناك فلسفةٌ أخرى للحجاب وهي: أنَّ الحجابَ لم يُشرّع من أجلِ تقييدِ المرأةِ وحبسِها في بيتِها بل هو وقارٌ وسمو للمرأةِ وتعالٍ عن الرذائل، فهو يُحافِظُ على إنسانيةِ المرأة ويُريدُ لها الحضورَ الفاعِل في المُجتمعِ الإنساني كإنسانة، فهل كرامةُ المرأةِ في حضورِها الأُنثوي أمامَ الرجلِ عن طريقِ التبرُّجِ وإظهارِ المفاتنِ الجسدية؟! وهل هذا الظهورُ يكونُ باعثًا لحفظِ إنسانيتها؟! وهل سعيُ المرأةِ لإبرازِ مفاتنِها وجمالِها أمامَ نظراتِ الرجالِ يُشيرُ إلى سموها؟! كل من يقولُ: إنَّ حضورًا كهذا يُحافظُ على سموِ المرأةِ وكرامتِها وعفتِها، ويُحافِظُ على حضورِها الإنساني، فإنَّ رأيَه أقربُ إلى السُخريةِ منه إلى العقل، فلا يُمكِنُ للمرأةِ أنْ تُبرِزَ مفاتنها ومحاسنها ثم تطلبَ من المجتمعِ أنْ لا يلتفتَ لظاهرِها ويُركِّزَ على باطنِها وشخصيتِها الإنسانية العفيفة. ولو تأمّلتَ سلوكَها لاستنتجتَ أنّها تَعرضُ نفسَها كسلعةٍ رخيصةٍ، وتُسهِمُ في انحطاطِ المجتمع الإنساني.

اخرى
منذ شهر
148

ماذا تعلمت من الحُسين (عليه السلام)؟ (٢)

تَعلّمتُ أنّ الحُبَّ للهِ، وفي اللهِ، ولأجل الله وأنَّ أسمى أنواعِ الحُبِّ هو حُبُّ الإنسانِ لخالقِه، وأنَّ المُحبَّ يبذلُ كُلَّ غالٍ ونفيس؛ لأجلِ رضا محبوبه، ولو لم يطلبْ محبوبه منه ذلك ولكنّه رأى أنَّ التضحيةَ بما يملكُ ستُقرِّبُه لمحبوبِه أكثر وبحثتُ عن أروعِ ما كُتِبَ وقيلَ في الحُب فلم أجدْ أروع من قول الشاعر واصفًا لسان حال الإمام الحسين (عليه السلام):] إلهي تركتُ الخلقَ طُرًا في هواكا وأيتمتُ العيالَ لكي أراكا فلو قطّعتَني بالحُبِّ إربًا لما مال الفؤادُ إلى سواكا.

اخرى
منذ شهر
175

سِرُّ الوجودِ

بقلم: أم باقر الربيعي قال (تعالى) في محكم كتابه الكريم: "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ"(1). كُلُّ الموجوداتِ من الإنسانِ والحيوانِ والنباتِ تحيا به، ولا تستطيعُ الاستغناءَ عنه لفترةٍ طويلة، وتذبلُ وتموتُ إذا فقدتْه، فهو أوكسجين الحياة في كُلِّ الأوقات، وتشتدُّ الحاجة إليه وتزدادُ في أيامِ الهجيرِ الحار؛ حيث لا يروي عطش الظمآن إلا هو.. وقد فجّر اللهُ ( جلَّ وعلا) منه لخلقهِ عيونًا وينابيعَ وأنهارًا تجري في الأرض، وسخّرَها لبني البشر على وجهِ الخصوص، ليستعينوا به على حوائجهم، فتارةً يُستخدمُ للتطهير من النجاساتِ المادية والمعنوية، وتارةً يستعينون به في تهيئةِ بقعةٍ من الأرض للزراعة، ويبذلون قُصارى جهدهم في الحرثِ والتسميدِ ونثرِ البذور وتوفيرِ الماء الصالح للنبات؛ حتى يكبرَ ويعطي ثمارًا ناضجةً، وتارةً يُذلِّلُ اللهُ (جلَّ وعلا) البحرَ لهم ليستخرجوا منه لحمًا طريًا ولؤلؤًا من أعماقه لتُصاغ منه حليةٌ تُزيّنُ تيجانَ الملوك والأمراء وتتجمّلُ بها النساء.. ولعلَّ الخاصية الأهمُ للماء هي الإحياءُ ورفعُ العطش عن الموجودات، فنرى الإنسانَ في أيامِ الصيفِ الحار لا يُطفِئُ لهيبَ قلبهِ إلا الماء، وفي شهرِ رمضان رغم أنّ المائدةَ عامرةٌ بنعمِ اللهِ (جلَّ وعلا) نجدُ الصائمَ لا يهفو قلبُه إلا للماءِ ليسدَّ احتياجَه ويُبرِّدَ غليلَ قلبِه فينتعشَ وتسكنَ روحه، فالماءُ يُحيي الأرضَ ومن عليها وهذا هو الإحياءُ المادي. والإمامُ المهدي (صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه) هو سِرُّ الوجودِ وماءُ الحياةِ وسِرٌّ من أسرارِ اللهِ (جلَّ وعلا)، وهو الماءُ المعينُ في قول الله (تعالى): "قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ"(2). فقد جاءَ في حديثٍ عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "نزلت في الإمامِ القائمِ (عليه السلام)، يقولُ: إنْ أصبحَ إمامُكم غائبًا عنكم، لا تدرون أينَ هو؟ فمن يأتيكم بإمامٍ ظاهرٍ يأتيكم بأخبارِ السماوات والأرض، وحلالِ اللهِ وحرامه؟ ثم قال: واللهِ ما جاءَ تأويلُ هذه الآية، ولابُدَّ أنْ يجئَ تأويلُها "(3). فالإمامُ المهدي (عليه السلام) وإنْ كان غائبًا فالعبادُ تنتفعُ به كانتفاعِهم بالشمس وإن غطّاها السحاب، لكن بحضوره المبارك يكونُ النفعُ أكثر والفائدةُ أعم؛ فهو (صلواتُ الله وسلامُه عليه) يُحيي البلادَ والعبادَ، وهذا هو الإحياءُ المعنوي الروحي، وهو أهمُّ بكثيرٍ من الإحياءِ المادي، فكم نُردِّدُ على ألسنتنا الدعاء له بالفرج، وكم نتمنى سُرورَ العيشِ في دولته الكريمة، وكم أنّنا مُحتاجون إليه، لكن هل دعونا له فعلًا بالفرج كاحتياجنا إلى الماء؟! وأنّه الرافعُ لظمأ أرواحنا المُتعبة بحنينِ الاشتياق إليه؛ التي ترجو وتأملُ ظهوره المبارك وتتوقُ للنظرِ إليه، وأنّه الرحمةُ المُهداةُ لقلوبِنا، واليدُ الماسحةُ لأوجاعِنا، والوجودُ الراعي لنا؟! فلنتوجهْ إلى الله (تعالى) بنيّاتٍ خالصةٍ وقلوبٍ صادقةٍ أنْ يُعجِّلَ في فرجه (عليه السلام). اللهم عجل لوليك الفرج، وفرِّجْ عنّا بفرجه يا كريم.. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1- سورة الأنبياء : آية 30 : الصفحة 324. 2- سورة الملك : آية 30 : الصفحة 564. 3- الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - الشيخ ناصر مكارم الشيرازي - ج 18 - الصفحة 513.

اخرى
منذ شهر
179

ماذا تعلمتَ من عاشوراء الحسين؟ (١)

تعلّمتُ أنَّ الصلاةَ هي أهمُّ دعائمِ الدين، وأنّها وسيلة الاتصالِ بين العاشقِ والمعشوق، بين الخالقِ والمخلوق، بين العبد وربه، وأنّها حصنُ المؤمنِ في مواجهةِ مُغرياتِ الحياةِ؛ فهي كما وصفَها اللهُ (تعالى): "إنَّ الصلاةَ تنهى عنِ الفحشاءِ والمنكر" وهي علامةٌ للتمييزِ بين المؤمنِ والفاسق فها هو الحسينُ (عليه السلام) في يومِ عاشوراءِ بين صليلِ السيوفِ، وطعنِ الرماحِ، ورمي السهامِ صلّى بأصحابِه صلاةَ الخوفِ بوقتِها، ولم يتوانَ لحظةً في تأخيرها.

اخرى
منذ شهر
136

شغف الورد

بقلم: زهراء المتغوي من أولِ العمرِ حتى ساعــة اللحدِ أراك في شغفِ الأرواحِ للوعــــــدِ أراكَ حيـن سفين الشوقِ يأخذني والموجُ ينثـــــالُ بين الجزرِ والمدّ أراك أجمــلَ إحساسٍ يخالجـني كالزهرِ والعطر والأنســام والوردِ أراك مثل صـــلاةٍ في تبتلهــــــا وأنت أنت إليهــا سورة الحمدِ هواك يقطرُ ما بين الدموع ندى والغيمُ يرسمُ لون الحزن في خدّي يا فكرةَ الصبح بالجمعاتِ تجذبني وتشعــلُ النبضَ بين المسك والندِّ والضوءُ يصقلُ بالندبات جوهـرةً وأنت أثمنُ ما تبقي الرؤى عندي أستوقفُ العمـرَ في أبهى محطته للانتظـــارات ما أخفي وما أبدي وأنت في مهجتي يـــا من أخبّئـــهُ لعتمــةِ العمر كنز النورِ يا مهــدي جمعة والهة

اخرى
منذ شهر
190

نظــــرةٌ

بقلم: غيداء عبد الأمير بكُلِّ ما تحمله من الألم، رأيتُها تنظرُ إليه بتلك النظرةِ، نعم إنّها عمتي زينب العالمةُ غيرُ المُعلَّمة.. كنا قد أنهَكَتْ أبدانَنا وأرواحَنا الآلامُ من شدِّةِ ما مررنا به من شدائد، فأقدامُنا لا تكادُ تحملُنا؛ لأنّها متورمةٌ من المشي، وبعضُ النساء اللاتي معنا انهارت قواهن وقررنَ الجلوس إلا أنا كُنتُ ملازمةً لعمتي زينب ألوذُ بها وأستمدُ العزيمةَ منها فهي كانتْ امرأةً لم أرَ مثيلةً لها ولن أرى بعدها أبدًا.. بعدَ استشهادِ أبي الإمام الحسين (صلوات الله عليه) أُخِذنا سبايا يحدو بنا العدو من بلدٍ إلى بلد، حتى تقشّرت وجوهُ عماتي من حرارةِ الشمس، ولوِّعْنا بسياطِ الرجسِ، وكان حداءُ العدو بنا وكلامهم يكشفُ عن حقدِهم الذي ملأ صدورهم علينا ونحنُ عترةُ خاتم الأنبياء والمرسلين أشدَّ إيلامًا من سياطهم. وصلنا إلى الشام وآهٍ آهٍ من الشام، معقلُ آلِ أميّة (لعنهم الله)، كانوا قد علّقوا الزينةَ، ويضربون بالدفوف، وكأنّما عندهم عيد محتفلين بقتلِ ابنِ بنتِ نبيهم! بعضُهم لم يكُ يعلمُ من المقتول؛ فالإعلامُ المُضلِّلُ لبني أمية أخفى حقيقةَ جرمهم وأقنعوا الناسَ بأننا خوارج! كانت تلك الساعاتُ التي مرّتْ علينا قاسيةً جدًا، وأنا أتساءلُ هل يُعقلُ هذا؟! هل هؤلاءِ الناسُ مُدركون عِظمِ الجُرمِ الذي قام به بنو أمية؟! هل يحتفلون بقتلِ سبطِ رسولِ الله (تعالى) وريحانته وسبي ذراريه؟! إلى أنْ أُدخِلنا في مجلس يزيد بن معاوية (عليهما لعائن الله والناسُ أجمعين) كانت تمرُّ تلك الدقائق ببُطءٍ شديدٍ، كان زهوُ النصرِ المُزيف الذي يتبخترُ به يزيدُ أمامَ أنظارِنا كفيلاً في أنْ يُفهِمَنا كمية الخسةِ التي يحملها هذا اللعين.. لكن سُرعانَ ما انقلبتِ الأحداثُ وإذا بي أرى عمّتي زينب تخطبُ تلكَ الخُطبة الشمّاء وتهينُ وتسحقُ تحتَ أقدامها كُلَّ جبروتِ يزيد، لكنّها لم يشفَ غليلها إلا بعد أنْ تخطّى أخي الإمامُ علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) الأعناقَ وصعدَ منبرَ يزيد. من كان يُصدِّقُ أنّ هذا المنبرَ الذي لطالما يرتقيه أهلُ الحنقِ والحقدِ على آلِ البيتِ يدورُ الزمان ُويرتقيه أمامٌ من أئمةِ أهل البيت (عليهم السلام) ويفضحُ حكومةَ آلِ بني أمية وابنِ آكلة الأكباد؟! إنّه نفسُ المنبرِ الذي شُتِمَ عليه أميرُ المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وإذا بالإمام علي بن الحسين (عليه السلام) يهتفُ بأعلى صوتِه بخُطبةٍ لله فيها رضا، ويُصرّحُ بمناقبِ وخصالِ أميرِ المؤمنين علي بن أبي طالب (صلوات الله عليه) بعد سماعي خُطبةَ أخي الإمام زين العابدين (عليه السلام) أدركتُ معنى تلك النظرة التي نظرتْ له بها عمّتي زينب وكأنّما لسانَ حالِها الآن انتصرتَ أخي أبو عبد الله الحسين، الآن أثمرتْ تضحياتُك.. وبقيت عيناها تربو له وهو يخطبُ إلى أنْ أدرك يزيدُ أنّه افتُضحَ، فقطع على أخي الإمام زين العابدين (عليه السلام) خطابه بالأذان، وكانت تلك اللحظةُ هي التي كُشِفتْ فيها كُلُّ الحقيقةِ المخفيةِ عن أهلِ الشام وعن الأجيال اللاحقة حيث عندما قال المؤذن: أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله، التفت أخي الإمام زين العابدين (عليه السلام) إلى يزيد وقال: مُحمدٌ هذا جدّي أم جدُّك يا يزيد؟ فإنْ زعمتَ أنّه جدُّك فقد كذبت وكفرت، وإن زعمت أنّه جدي فلم قتلتَ عترته؟!)(١) ---‐------------------------------------ (1) بحار الانوار – العلامة المجلسي-ج٤٥ -ص١٦٢

اخرى
منذ شهر
144

من أقوالِ سيدِ الشُّهداءِ "عليه السلام" (6)

بقلم: شيماء المياحي روي عن الإمام الحسين (عليه السلام) أنه قال: "ما أخذَ اللهُ طاقةَ أحدٍ إلّا وضعَ عندَه طاعته، ولا أخذَ قدرتَه إلّا وضعَ عنه كلفته)(١) اتبعَ أهلُ بيتِ العصمة (عليهم السلام) أفضلَ وأنجعَ السّبُل؛ لترسيخ الرسالة الإسلامية في أذهانِ أتباعهم ومواليهم، فأخذوا على عاتقهم بيان مِلاك واعتباريةِ التكاليفِ الشرعية التي فرضها الله (تعالى) على عباده، بخلافِ غيرهم، ممن أرادوا ترسيخ عقائدهم -وتتبعها أحكامهم- المُزيفة؛ بالجبّر والقوّة وسفك الدِّماء؛ لعدم وجود ما يثبت الباطل إلّا بالباطل، سواء كان يرتدي لباسَ الحقِّ أو كان واضحَ البطلان، ففعلوا ما فعلوا بمن تخلّفَ عن حكمهم ومنهجهم المنحرف. أما الإمامُ الحسينُ (عليه السلام) وأهلُ بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد حدّثوا أصحابَهم بمِلاكِ توجيه التكاليف الشرعية الموجه للمكلف، ليتيسّرَ للمكلف تقبُّلها والخضوع لها؛ فالإنسانُ بطبعه يتقبَّلُ ما يتناسبُ مع فطرتِه، وقابليتِه الجسدية والعقلية والمادية، وغيرها مما يحتاجه في الامتثالِ للأوامرِ الإلهية، فقد بيّنَ الإمامُ الحسينُ (عليه السلام) أنَّ اللهَ (تعالى) كلّف عباده بحسب قابلياتهم، فلم يُكلّفِ الطفلَ أو الصبيّ إلّا بعد أن يبلغَ العمرَ الذي يفقه فيه التكاليف الشرعية، وصانع الشيء أعلم به، مع وجود العقل والصحة -على تفصيلٍ في الرسائل العملية- والمالُ في بعض التكاليف، مع وصولِ التكليف للمكلّف وعلمه به، فليس من العدل - عقلًا وشرعًا- عقابَ الجاهلِ بالحكم -على تفصيل-* وقد جاء في الكتاب العزيز في قوله (تعالى): "وَمَا كُنَّا مُعَذَّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولَا"[الاسراء: ١٥]. كُلُّ ذلك يرتبطُ بوجوبِ التكاليفِ، وإلّا فيسقطُ وجوبها عن الإنسان، وهذا ما جاء في كتاب الله العزيز: "لَا يُكَلّفُ اللهُ نَفساً إِلَّا وُسعَهَا"[البقرة:٢٨٦] وفي الجانبِ التكويني أيضًا لم يُكلّفِ الله (تعالى) الإنسانَ بما لا يقدر عليه في حفظ النفس والصحة لنفسه أو لمن هو تحتَ ولايتِه ورعايته، فلم يُكلَّفِ الأبوين بحفظِ سلامةِ أولادهما من المرض والموت؛ إلّا بما هو مُمكنٌ ومُتيسّرٌ لهم، ولم يُعاقبِ الأُمَّ على الإضرارِ بالجنين في بطنِها؛ إلَّا إذا كانَ بفعلِها وعن قصدٍ منها، وأما ما يُبتلى به الإنسانُ من فقدِ الأحبة، ومرضهم؛ فيُجازيه الله (تعالى) عليه بالجزاء العظيم؛ إذا ما صبر واحتسب صبرَه عند الله (تعالى). وفي الجانب التربوي أيضًا، لم يُعاقبِ الإنسانَ بما هو فوق مقدوره، فالإنسانُ مُكلّفٌ بتربية من هم تحت ولايته، بحسب قواعد التربية التي وردتنا من الكتاب العزيز وأئمةِ الحقِّ (عليهم السلام)، والأعرافِ المطابقةِ لمبادئ الدين الحنيف، مع السعي الجادِّ لتوفيرِ المقدمات الصحيحة لها، ولكن قد لا تُجدي نفعًا -لأسبابٍ غيبية- فلا يُحاسَبُ الإنسانُ ولا يُعاقَبُ على سوء خُلق ولده في هذه الحالة، فحتى أولاد الأنبياء منهم من كان على غير هُدًى، مع الالتفات إلى أنَّ هذا ليس مُبرّرًا للتهاونِ بالتربية، بل على الوالدين والمُربين أن يسعوا لها ويطلبوا العونَ من الله (تعالى) بنيةٍ صادقةٍ فهو خيرُ مُعين، روي عن الإمامِ الصادقِ (عليه السلام): "إنّما قدَّرَ اللهُ عونَ العبادِ على قدرِ نيّاتهم، فمن صحَّتْ نيَّته تمَّ عونُ اللهِ له، ومن قصُرتْ نيَّته قصُرَ عنه العونُ بقدرِ الذي قصَّر"(٢) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (١) تحف العقول: ص١٧٥ * لمعرفة أقسام الجهل يمكن الرجوع إلى كتاب المنطق وأخذ أحكامها من الرسائل العملية. (٢) أمالي الشيخ المفيد: ص٥٦ و٦٦

اخرى
منذ شهر
119

بابٌ للحوائجِ هو

بقلم: أم باقر الربيعي تزاحمتِ الابتلاءات عليّ؛ حتى لم أكدْ أنفكُّ من بلاءٍ حتى أُمتَحَن بآخر، وفي كُلِّ بلاءٍ يمرُّ عليّ أحمدُ اللهَ (تعالى) على حسن بلائه وصنيعه فيّ؛ فالابتلاءاتُ أيضًا نعمةٌ من الله (تعالى)، فهي إما تخفيفٌ للذنوب أو غربلةٌ وتمحيصٌ لأستحقَّ أن أكونَ في قِرى الله تعالى وتحتَ عينيه، أناجيه وأدعوه بمن خلقَ الأفلاكَ لأجلهم، فربي لا يُكلِّفُني بأكثر من وسعي وطاقتي حاشاه تعالى وهو القائل: "لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا"(1). وفي إحدى الشدائد؛ التي مرّتْ عليّ وقد ضاقتْ عليّ الأرضُ برحبِها، أعددتُ زادَ سفري، ولملمتُ أطرافَ ثوبي، وتوجّهتُ إلى كربلاء، حيثُ محطة العشاق وإجابة الدعوات وقضاء الحاجات تحتَ قباب النور، وأنا مُعتقدةٌ أنّ اللهَ (تعالى) لا يردّني خاليةَ الوفاض، فقلبي مُطمئنٌ وكأنّ ماءً زلالًا نزلَ عليه، وقد سمعتُ من جدّتي أنّ أبا الفضل العباس (عليه السلام) هو بابُ الحسين (عليه السلام)، فمن أرادَ قضاءَ حوائجه وإجابةَ دعواتِه فليلج من بابِ الحسين (عليه السلام) الذي تميّزَ بأنّه بابٌ للحوائج... وصلتُ كربلاءَ، وشممْتُ عطر أريجها الفوّاح الذي يشرحُ النفوس ويُزيل تعبها، ترقرقتْ دمعةٌ في عيني، هي دمعةُ الاشتياقِ لمن تهفو لهم الأرواحُ قبلَ القلوب، وهاتيك الدمعة نفسها دمعةُ التوسل والإلحاح وإجابةِ الدعاء ببابِ الحسين (عليه السلام)، قصدتُ القبرَ الشريفَ ولم أنفضْ ترابَ السفرِ بعد، مُتوجهةً له وألتمسُ منه القبول في حضرته، قبّلتُ أعتابَ بابِه، تذكرتُ كربلاء وما جرى فيها من لوعةِ النساءِ وبكاء الأطفال، وحرق الخيام وفرارهم من خيمةٍ لخيمةٍ بعد مصارع الأبطال، انهمرتِ الدموعُ من عينيّ وأجهشت بالبكاء.. سيّدي يامن تكفّلتَ بزينب الحوراء والعيال والأطفال تكفّل بقضاء حاجتي، يا من كشفتَ الكربَ عن وجهِ أخيك الحسين اكشف عني الكربَ بحقِّ أخيك الحسين، طفتُ حولَ قبرهِ وكأنّي أطوفُ بحياض الجنة وارتوي من عذبِ مائها، أمسكتُ بكتاب الزيارة وزرتُ زيارته المعروفة، ولمّا وصلتُ إلى (فنعمَ الأخُ المواسي)، قلتُ في نفسي: وأيُّ مواساةٍ وفداءٍ عظيمٍ قدمتَه لدينِ الله تعالى ونصرةِ الحقِّ ومواساةً للإمام المعصوم؛ حتى تكونَ بابًا للحوائجِ؟! أكملت الزيارة ثم صليت ركعتين، وقد قدّمتُ حوائجي بين يدي بابِ الحسين (عليه السلام)، وبقيتُ أُخاطبُ من في القبر الشريف، وكُلّي أملٌ أن لا أرجعَ عن بابه مُنكسرةً خائبةً، وما هي إلا لحظاتٌ قليلةٌ ورنّ هاتفي المحمول، قد فرّجَ اللهُ عنكِ كربكِ وقُضيتِ الحاجة! أُصِبْتُ بالذهول والحيرة والفرح والسرور في آنٍ واحد، تلجلجَ لساني عن الكلام، وأطرقتُ رأسي خَجِلَةً والدموعُ قد ملأت عينيّ، أيُّ منزلةٍ عظيمةٍ هي لك عند الله تعالى حتى تُقضى الحاجة وتُجاب الدعوة بهذه السرعة؟! فأيقنتُ تمامَ اليقين وكُلَّ اليقين بأنّك بابُ الحسين (عليه السلام) وبابُ حوائجِ شيعته ومحبيه، وعلمتُ أنّ من يقصده بإخلاصٍ لم ولن يخيب أبدًا... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1-سورة البقرة: آية 286.

اخرى
منذ شهر
159

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
61925

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
40034

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
37579

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
31347

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
30986

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
30062