شغف الورد

بقلم: زهراء المتغوي من أولِ العمرِ حتى ساعــة اللحدِ أراك في شغفِ الأرواحِ للوعــــــدِ أراكَ حيـن سفين الشوقِ يأخذني والموجُ ينثـــــالُ بين الجزرِ والمدّ أراك أجمــلَ إحساسٍ يخالجـني كالزهرِ والعطر والأنســام والوردِ أراك مثل صـــلاةٍ في تبتلهــــــا وأنت أنت إليهــا سورة الحمدِ هواك يقطرُ ما بين الدموع ندى والغيمُ يرسمُ لون الحزن في خدّي يا فكرةَ الصبح بالجمعاتِ تجذبني وتشعــلُ النبضَ بين المسك والندِّ والضوءُ يصقلُ بالندبات جوهـرةً وأنت أثمنُ ما تبقي الرؤى عندي أستوقفُ العمـرَ في أبهى محطته للانتظـــارات ما أخفي وما أبدي وأنت في مهجتي يـــا من أخبّئـــهُ لعتمــةِ العمر كنز النورِ يا مهــدي جمعة والهة

اخرى
منذ شهرين
203

نظــــرةٌ

بقلم: غيداء عبد الأمير بكُلِّ ما تحمله من الألم، رأيتُها تنظرُ إليه بتلك النظرةِ، نعم إنّها عمتي زينب العالمةُ غيرُ المُعلَّمة.. كنا قد أنهَكَتْ أبدانَنا وأرواحَنا الآلامُ من شدِّةِ ما مررنا به من شدائد، فأقدامُنا لا تكادُ تحملُنا؛ لأنّها متورمةٌ من المشي، وبعضُ النساء اللاتي معنا انهارت قواهن وقررنَ الجلوس إلا أنا كُنتُ ملازمةً لعمتي زينب ألوذُ بها وأستمدُ العزيمةَ منها فهي كانتْ امرأةً لم أرَ مثيلةً لها ولن أرى بعدها أبدًا.. بعدَ استشهادِ أبي الإمام الحسين (صلوات الله عليه) أُخِذنا سبايا يحدو بنا العدو من بلدٍ إلى بلد، حتى تقشّرت وجوهُ عماتي من حرارةِ الشمس، ولوِّعْنا بسياطِ الرجسِ، وكان حداءُ العدو بنا وكلامهم يكشفُ عن حقدِهم الذي ملأ صدورهم علينا ونحنُ عترةُ خاتم الأنبياء والمرسلين أشدَّ إيلامًا من سياطهم. وصلنا إلى الشام وآهٍ آهٍ من الشام، معقلُ آلِ أميّة (لعنهم الله)، كانوا قد علّقوا الزينةَ، ويضربون بالدفوف، وكأنّما عندهم عيد محتفلين بقتلِ ابنِ بنتِ نبيهم! بعضُهم لم يكُ يعلمُ من المقتول؛ فالإعلامُ المُضلِّلُ لبني أمية أخفى حقيقةَ جرمهم وأقنعوا الناسَ بأننا خوارج! كانت تلك الساعاتُ التي مرّتْ علينا قاسيةً جدًا، وأنا أتساءلُ هل يُعقلُ هذا؟! هل هؤلاءِ الناسُ مُدركون عِظمِ الجُرمِ الذي قام به بنو أمية؟! هل يحتفلون بقتلِ سبطِ رسولِ الله (تعالى) وريحانته وسبي ذراريه؟! إلى أنْ أُدخِلنا في مجلس يزيد بن معاوية (عليهما لعائن الله والناسُ أجمعين) كانت تمرُّ تلك الدقائق ببُطءٍ شديدٍ، كان زهوُ النصرِ المُزيف الذي يتبخترُ به يزيدُ أمامَ أنظارِنا كفيلاً في أنْ يُفهِمَنا كمية الخسةِ التي يحملها هذا اللعين.. لكن سُرعانَ ما انقلبتِ الأحداثُ وإذا بي أرى عمّتي زينب تخطبُ تلكَ الخُطبة الشمّاء وتهينُ وتسحقُ تحتَ أقدامها كُلَّ جبروتِ يزيد، لكنّها لم يشفَ غليلها إلا بعد أنْ تخطّى أخي الإمامُ علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) الأعناقَ وصعدَ منبرَ يزيد. من كان يُصدِّقُ أنّ هذا المنبرَ الذي لطالما يرتقيه أهلُ الحنقِ والحقدِ على آلِ البيتِ يدورُ الزمان ُويرتقيه أمامٌ من أئمةِ أهل البيت (عليهم السلام) ويفضحُ حكومةَ آلِ بني أمية وابنِ آكلة الأكباد؟! إنّه نفسُ المنبرِ الذي شُتِمَ عليه أميرُ المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وإذا بالإمام علي بن الحسين (عليه السلام) يهتفُ بأعلى صوتِه بخُطبةٍ لله فيها رضا، ويُصرّحُ بمناقبِ وخصالِ أميرِ المؤمنين علي بن أبي طالب (صلوات الله عليه) بعد سماعي خُطبةَ أخي الإمام زين العابدين (عليه السلام) أدركتُ معنى تلك النظرة التي نظرتْ له بها عمّتي زينب وكأنّما لسانَ حالِها الآن انتصرتَ أخي أبو عبد الله الحسين، الآن أثمرتْ تضحياتُك.. وبقيت عيناها تربو له وهو يخطبُ إلى أنْ أدرك يزيدُ أنّه افتُضحَ، فقطع على أخي الإمام زين العابدين (عليه السلام) خطابه بالأذان، وكانت تلك اللحظةُ هي التي كُشِفتْ فيها كُلُّ الحقيقةِ المخفيةِ عن أهلِ الشام وعن الأجيال اللاحقة حيث عندما قال المؤذن: أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله، التفت أخي الإمام زين العابدين (عليه السلام) إلى يزيد وقال: مُحمدٌ هذا جدّي أم جدُّك يا يزيد؟ فإنْ زعمتَ أنّه جدُّك فقد كذبت وكفرت، وإن زعمت أنّه جدي فلم قتلتَ عترته؟!)(١) ---‐------------------------------------ (1) بحار الانوار – العلامة المجلسي-ج٤٥ -ص١٦٢

اخرى
منذ شهرين
152

من أقوالِ سيدِ الشُّهداءِ "عليه السلام" (6)

بقلم: شيماء المياحي روي عن الإمام الحسين (عليه السلام) أنه قال: "ما أخذَ اللهُ طاقةَ أحدٍ إلّا وضعَ عندَه طاعته، ولا أخذَ قدرتَه إلّا وضعَ عنه كلفته)(١) اتبعَ أهلُ بيتِ العصمة (عليهم السلام) أفضلَ وأنجعَ السّبُل؛ لترسيخ الرسالة الإسلامية في أذهانِ أتباعهم ومواليهم، فأخذوا على عاتقهم بيان مِلاك واعتباريةِ التكاليفِ الشرعية التي فرضها الله (تعالى) على عباده، بخلافِ غيرهم، ممن أرادوا ترسيخ عقائدهم -وتتبعها أحكامهم- المُزيفة؛ بالجبّر والقوّة وسفك الدِّماء؛ لعدم وجود ما يثبت الباطل إلّا بالباطل، سواء كان يرتدي لباسَ الحقِّ أو كان واضحَ البطلان، ففعلوا ما فعلوا بمن تخلّفَ عن حكمهم ومنهجهم المنحرف. أما الإمامُ الحسينُ (عليه السلام) وأهلُ بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد حدّثوا أصحابَهم بمِلاكِ توجيه التكاليف الشرعية الموجه للمكلف، ليتيسّرَ للمكلف تقبُّلها والخضوع لها؛ فالإنسانُ بطبعه يتقبَّلُ ما يتناسبُ مع فطرتِه، وقابليتِه الجسدية والعقلية والمادية، وغيرها مما يحتاجه في الامتثالِ للأوامرِ الإلهية، فقد بيّنَ الإمامُ الحسينُ (عليه السلام) أنَّ اللهَ (تعالى) كلّف عباده بحسب قابلياتهم، فلم يُكلّفِ الطفلَ أو الصبيّ إلّا بعد أن يبلغَ العمرَ الذي يفقه فيه التكاليف الشرعية، وصانع الشيء أعلم به، مع وجود العقل والصحة -على تفصيلٍ في الرسائل العملية- والمالُ في بعض التكاليف، مع وصولِ التكليف للمكلّف وعلمه به، فليس من العدل - عقلًا وشرعًا- عقابَ الجاهلِ بالحكم -على تفصيل-* وقد جاء في الكتاب العزيز في قوله (تعالى): "وَمَا كُنَّا مُعَذَّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولَا"[الاسراء: ١٥]. كُلُّ ذلك يرتبطُ بوجوبِ التكاليفِ، وإلّا فيسقطُ وجوبها عن الإنسان، وهذا ما جاء في كتاب الله العزيز: "لَا يُكَلّفُ اللهُ نَفساً إِلَّا وُسعَهَا"[البقرة:٢٨٦] وفي الجانبِ التكويني أيضًا لم يُكلّفِ الله (تعالى) الإنسانَ بما لا يقدر عليه في حفظ النفس والصحة لنفسه أو لمن هو تحتَ ولايتِه ورعايته، فلم يُكلَّفِ الأبوين بحفظِ سلامةِ أولادهما من المرض والموت؛ إلّا بما هو مُمكنٌ ومُتيسّرٌ لهم، ولم يُعاقبِ الأُمَّ على الإضرارِ بالجنين في بطنِها؛ إلَّا إذا كانَ بفعلِها وعن قصدٍ منها، وأما ما يُبتلى به الإنسانُ من فقدِ الأحبة، ومرضهم؛ فيُجازيه الله (تعالى) عليه بالجزاء العظيم؛ إذا ما صبر واحتسب صبرَه عند الله (تعالى). وفي الجانب التربوي أيضًا، لم يُعاقبِ الإنسانَ بما هو فوق مقدوره، فالإنسانُ مُكلّفٌ بتربية من هم تحت ولايته، بحسب قواعد التربية التي وردتنا من الكتاب العزيز وأئمةِ الحقِّ (عليهم السلام)، والأعرافِ المطابقةِ لمبادئ الدين الحنيف، مع السعي الجادِّ لتوفيرِ المقدمات الصحيحة لها، ولكن قد لا تُجدي نفعًا -لأسبابٍ غيبية- فلا يُحاسَبُ الإنسانُ ولا يُعاقَبُ على سوء خُلق ولده في هذه الحالة، فحتى أولاد الأنبياء منهم من كان على غير هُدًى، مع الالتفات إلى أنَّ هذا ليس مُبرّرًا للتهاونِ بالتربية، بل على الوالدين والمُربين أن يسعوا لها ويطلبوا العونَ من الله (تعالى) بنيةٍ صادقةٍ فهو خيرُ مُعين، روي عن الإمامِ الصادقِ (عليه السلام): "إنّما قدَّرَ اللهُ عونَ العبادِ على قدرِ نيّاتهم، فمن صحَّتْ نيَّته تمَّ عونُ اللهِ له، ومن قصُرتْ نيَّته قصُرَ عنه العونُ بقدرِ الذي قصَّر"(٢) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (١) تحف العقول: ص١٧٥ * لمعرفة أقسام الجهل يمكن الرجوع إلى كتاب المنطق وأخذ أحكامها من الرسائل العملية. (٢) أمالي الشيخ المفيد: ص٥٦ و٦٦

اخرى
منذ شهرين
126

بابٌ للحوائجِ هو

بقلم: أم باقر الربيعي تزاحمتِ الابتلاءات عليّ؛ حتى لم أكدْ أنفكُّ من بلاءٍ حتى أُمتَحَن بآخر، وفي كُلِّ بلاءٍ يمرُّ عليّ أحمدُ اللهَ (تعالى) على حسن بلائه وصنيعه فيّ؛ فالابتلاءاتُ أيضًا نعمةٌ من الله (تعالى)، فهي إما تخفيفٌ للذنوب أو غربلةٌ وتمحيصٌ لأستحقَّ أن أكونَ في قِرى الله تعالى وتحتَ عينيه، أناجيه وأدعوه بمن خلقَ الأفلاكَ لأجلهم، فربي لا يُكلِّفُني بأكثر من وسعي وطاقتي حاشاه تعالى وهو القائل: "لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا"(1). وفي إحدى الشدائد؛ التي مرّتْ عليّ وقد ضاقتْ عليّ الأرضُ برحبِها، أعددتُ زادَ سفري، ولملمتُ أطرافَ ثوبي، وتوجّهتُ إلى كربلاء، حيثُ محطة العشاق وإجابة الدعوات وقضاء الحاجات تحتَ قباب النور، وأنا مُعتقدةٌ أنّ اللهَ (تعالى) لا يردّني خاليةَ الوفاض، فقلبي مُطمئنٌ وكأنّ ماءً زلالًا نزلَ عليه، وقد سمعتُ من جدّتي أنّ أبا الفضل العباس (عليه السلام) هو بابُ الحسين (عليه السلام)، فمن أرادَ قضاءَ حوائجه وإجابةَ دعواتِه فليلج من بابِ الحسين (عليه السلام) الذي تميّزَ بأنّه بابٌ للحوائج... وصلتُ كربلاءَ، وشممْتُ عطر أريجها الفوّاح الذي يشرحُ النفوس ويُزيل تعبها، ترقرقتْ دمعةٌ في عيني، هي دمعةُ الاشتياقِ لمن تهفو لهم الأرواحُ قبلَ القلوب، وهاتيك الدمعة نفسها دمعةُ التوسل والإلحاح وإجابةِ الدعاء ببابِ الحسين (عليه السلام)، قصدتُ القبرَ الشريفَ ولم أنفضْ ترابَ السفرِ بعد، مُتوجهةً له وألتمسُ منه القبول في حضرته، قبّلتُ أعتابَ بابِه، تذكرتُ كربلاء وما جرى فيها من لوعةِ النساءِ وبكاء الأطفال، وحرق الخيام وفرارهم من خيمةٍ لخيمةٍ بعد مصارع الأبطال، انهمرتِ الدموعُ من عينيّ وأجهشت بالبكاء.. سيّدي يامن تكفّلتَ بزينب الحوراء والعيال والأطفال تكفّل بقضاء حاجتي، يا من كشفتَ الكربَ عن وجهِ أخيك الحسين اكشف عني الكربَ بحقِّ أخيك الحسين، طفتُ حولَ قبرهِ وكأنّي أطوفُ بحياض الجنة وارتوي من عذبِ مائها، أمسكتُ بكتاب الزيارة وزرتُ زيارته المعروفة، ولمّا وصلتُ إلى (فنعمَ الأخُ المواسي)، قلتُ في نفسي: وأيُّ مواساةٍ وفداءٍ عظيمٍ قدمتَه لدينِ الله تعالى ونصرةِ الحقِّ ومواساةً للإمام المعصوم؛ حتى تكونَ بابًا للحوائجِ؟! أكملت الزيارة ثم صليت ركعتين، وقد قدّمتُ حوائجي بين يدي بابِ الحسين (عليه السلام)، وبقيتُ أُخاطبُ من في القبر الشريف، وكُلّي أملٌ أن لا أرجعَ عن بابه مُنكسرةً خائبةً، وما هي إلا لحظاتٌ قليلةٌ ورنّ هاتفي المحمول، قد فرّجَ اللهُ عنكِ كربكِ وقُضيتِ الحاجة! أُصِبْتُ بالذهول والحيرة والفرح والسرور في آنٍ واحد، تلجلجَ لساني عن الكلام، وأطرقتُ رأسي خَجِلَةً والدموعُ قد ملأت عينيّ، أيُّ منزلةٍ عظيمةٍ هي لك عند الله تعالى حتى تُقضى الحاجة وتُجاب الدعوة بهذه السرعة؟! فأيقنتُ تمامَ اليقين وكُلَّ اليقين بأنّك بابُ الحسين (عليه السلام) وبابُ حوائجِ شيعته ومحبيه، وعلمتُ أنّ من يقصده بإخلاصٍ لم ولن يخيب أبدًا... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1-سورة البقرة: آية 286.

اخرى
منذ شهرين
165

السجادُ مقاتلٌ في ميدان الطف

بقلم: جنان حازم الشاهين حدثَ في التاريخِ أنَّ رجلًا هاشميًا وَفَدَ إلى كربلاء؛ لكي يقومَ بالنهضةِ العالميةِ الكبرى؛ فـيُنقذَ البشريةِ ويُعيدَ لها كراماتها! وقد اصطحبَ معه أسرتَه.. وكان يتخلّلُ ذلك الركبَ السماويَ نجمٌ ساطعٌ، حاولتِ الأقلامُ المأجورةُ أنْ تؤفلَ ضوءَ ذلك الشابِ العلوي، فيما يتعلّقُ بكونِه مُقاتلًا؛ ورفعتْ كُلَّ الملفاتِ التي تدلُّ على كونِه كان قائدًا ومقاتلًا في ميدانِ الطفِّ في اليومِ العاشرِ من المحرم، حيثُ ورد في المصادرِ التاريخيةِ المعتبرةِ عن أهل البيت (عليهم السلام) في ذكرِ أسماءِ من حضرَ مع الإمامِ الحسين (عليه السلام)، أنّ الإمامَ السجاد (عليه السلام) قد قاتلَ في ذلكَ اليومِ وقد جُرِح.. وما يؤكّدُ ذلك ما أوردَه الفضلُ بن الزبير الأسدي في كتابه (تسميةُ من قُتِلَ مع الحسين (عليه السلام))/ ص ٢٨ ما نصّه: «وكان عليُ بن الحسين عليلًا، وارتُثَّ يومئذٍ، وقد حضرَ بعض القتالِ، فدفعَ اللهُ عنه وأُخِذَ مع النساء» وعندما نعودُ لمعاجمِ اللغةِ نلاحظُ أنَّ كلمةَ (ارتُثَّ) الواردة في نص الأسدي، تدلُّ على اشتراكه في القتال؛ لأنّها تُقالُ لمن حُمِلَ من المعركةِ بعدَ أنْ قاتلَ وأُثخِنَ بالجراح، فأُخرِجَ من أرضِها وبه رمق، كما يقول اللغويّون، أو أصحابُ فقهِ اللغة، هذا ما نقله ابن منظور في الجزء الثاني ص ١٥٢ والفيروز آبادي في قاموسه في الجزء الأول في ص ١٦٧ وهذه قراءةٌ أخرى لواقعةِ المرضِ المعهودةِ التي تواترت ذاكرتُنا عن تصوّرِها، فقد خيلَ لنا وعلى مرِّ الأيامِ فالسنين صورة ذلك العلوي العاجزِ والمُقعدِ الذي يقطُنُ في زاويةِ تلك الخيمةِ ولا يُحرِّكُ جانبًا...!؟ للأسف فقد ترَسِّخَت في أذهانِنا تلك الصورةَ لا غير!

اخرى
منذ شهرين
293

قصّتي مع المجالسِ الحسينيّة

بقلم: المستبصرة غفران سعد كلية الطب/ جامعة بغداد في ظلِّ مثلِ هذهِ الظروف من البلاء الذي حلَّ علينا مع كورونا -نسألُ اللهَ الفرجَ العاجلَ القريب بحقِّ حرمةِ أيامِ سيّدِ الشهداء (صلوات الله عليه)- ربما ستكونُ نسبةُ حضورِنا المجالس النسائية بنسبةٍ أقل، ونُحرَمُ من الكثيرِ منها، وستقلُّ أعدادُنا ونُحرَمُ من لقاءِ الكثير من الأحبّةِ الذين تعوّدْنا أنْ نراهم ونزدحم معهم كُلَّ عامٍ على المجالسِ الحسينية في مثلِ هذه الأيام؛ بسببِ الظروفِ الصحية، وتوصياتِ المراجعِ العظامِ بضرورةِ الالتزام بالإجراءات الوقائية الصارمة، أو قد أُحرَمُ منها أنا خصوصًا؛ بسبب ظروفٍ خاصة.. دفعتني الحسرةُ والألمُ والاشتياقُ ولهيبُ الفراق على أنْ أستذكِرَ قصتّي مع هذهِ المجالسِ المُقدّسة، كيف كانتْ؟ وكيف بدأتْ؟ وأين وصلت؟! وبعض المواقفِ التي حصلتْ معي فيها. قبل سنواتٍ كُنتُ كغيري من الناسِ البعيدين عن الوسطِ الشيعي والجاهلين به وبحقيقته، أعتقدُ أنَّ هذه المجالسَ كُلَّها كفرٌ وإشراكٌ، وأنَّ هذا النواحَ واللطم والعزاءَ هو سببُ كلّ بلاءٍ وغضبٍ وفقرٍ يحلُّ علينا! وأنَّ صاحبَه أصلًا لا يُريده، ولا يستفيدُ منه، بل لو رجعَ للحياة لقتلهم! كما قتلَ عليٌ ابنُ أبي طالب المُغالين فيه، وكُنتُ ادّعي أنني أحِبُّهُ وأعرفه أكثرَ منهم من دون هذا اللطمِ والبكاء! بالأخلاقِ والاقتداءِ والعمل فقط.. وكانتْ بنظري هذه المجالس مصدرًا للإزعاجِ، وتعطيلًا للحياة، ومزاحمةً وخرابًا، إضافةً إلى نظرةِ الانتقاصِ لمؤديها. منطقتُنا التي نسكنُ فيها شيعيّة، وكُلُّ سنةٍ تؤدّى فيها الشعائر؛ المواكبُ منصوبةٌ، والمجالسُ قائمةٌ، وزادُ أبي عبدِ الله (عليه السلام) في بيتِنا لا ينتهي حتى حلولِ شهرِ مُحرّم التالي! ووسطُنا في المدرسةِ والشارعِ والجيرانِ أغلبُه شيعيٌّ، وكانوا يدعوننا لحضورِ هذه المجالس، ولكنّي لا أحضر، أمي فقط كانتْ تحضر من بابِ التلبيةِ لدعواتِ صديقاتِها والجيران. لا تُغادرُ بالي صورتي وأنا واقفةٌ في يومٍ من الأيامِ لأمّي على بابِ المنزلِ؛ لأمنعها من حضور تلك المجالس، قائلةً: (لا تخرجي، فأنت ذاهبة لمكان كله كفر)! أولُ مجلسٍ حضرتُه من بابِ الفضول؛ لأطلع على ما يفعلون في هذهِ المجالس، ولأساعدَ صاحبته وهي مُدرِّسةٌ لي في الإعدادية، كان قلبي مُتعلِّقًا بها؛ فقد جذبتني بأخلاقِها والتزامِها وإخلاصِها في العمل، وعندما علمتُ أنّها شيعيةٌ صُدِمت! فحضرتُ المجلسَ وقدّمتُ لهم المساعدةَ في إعداد الشاي وتقديمهِ للمُعزّين، وتضييفهم حتى انتهى المجلس، لم أكنْ أعلمُ ساعتَها أنني أعِدُّ الزادَ لسفينةِ نجاتي التي أخذتْ بيدي للحقِّ، وأبصرتُ بها جانبَ النور! وقفتُ قليلًا على بابِ الغرفةِ التي فيها المجلس، أنظرُ تارةً إلى قارئة العزاء، وتارةً إلى المُعزّين وهم يلطمون ويبكون، أمسكتُ نفسي بصعوبةٍ عن التأثُّرِ بهم وعدم البكاء.. ولكن أخيرًا لم أتمالك نفسي عندَ تصويرِ حالةِ الخطابِ بين السيدة زينب والعباس (عليهما السلام)، وغربة الإمام الحُسين (عليه السلام)، ففاضت عينايَ بالدموع، ولم أكنْ أعلمُ أنَّ هذه الدموع ستغسلُ الغشاوةَ عن بصيرتي، وستُصيّرني في بضعِ سنينٍ من الذين يُصلّي عليهم اللهُ؛ لأنّهم من شيعة الحُسين الباكين. كالمغشي عليه من الموتِ، أختنقُ تارةً فأخرجُ من المنزل لباحتِه، حتى لا أتحمّل إثمَ هذا الكفرِ والغضبِ الإلهي الذي سيحلُّ علينا في الداخل بسببِ أفعالهم، وبنفسِ الوقتِ ثمةَ نور في الداخلِ يجذبُني؛ لأعود تارةً أخرى، فأقفُ على البابِ، وأستمع للنعي، وأنظر ماذا يفعلون. كنتُ أنظرُ إلى مُدرِّستي وأراها بحالةٍ عجيبة، تبكي وتلطمُ وفي عالمٍ آخر، أُكذِّبُ الكونَ كُلَّه ولا أُكذِّبُها فيما تفعلُ وتعتقدُ ولا أشكُّ في صدقِها قيدَ أنمُلة. مضت أيامُ هذا المجلس، وأنا بين المُصدِّقةِ لقلبي ونفسي وروحي فيما حصدتُه منه، وبين المُكذِّبةِ المُعانِدة المُنغلِقة على أفكارها المُتمسكة بما وجدت عليه آباءها... مضتِ الأيامُ وانقضت، ومُحرّمُ التالي ليس كما قبله؛ فلم أقفْ لأمّي على البابِ؛ لأمنعها من الذهاب للمجلس، بل كانت في نفسي راغبةٌ في أن أذهب! لم أمنعْها من لبسِ السواد تماشيًا مع أهواءِ منطقتِنا، ولم أُطفئُ التلفازَ عن صوتِ القصيدةِ الحسينية التي تظهرُ صدفة... لم أستهزئُ باللطم... ولم أنطقْ عبارات التكفير والاتهام بالشرك من دون دليلٍ ومعرفة. لم أتذمّرْ من صوتِ الموكب! بل أظهرتُ عدمَ الرضا على أفعالِ أهلي في البيتِ من الاستهزاءِ بالقصيدةِ التي ظهرت، وطلبتُ منهم أنْ يكتفوا بخفضِ الصوت! وقمتُ بتسجيل فيديو لأختي الصغيرة، وهي تلطمُ على قصيدةِ "براءة العشق"! وحزَّ في نفسي بهذا العام أنَّ مدرستي لم تدعُني إلى مجلسِها؛ احترامًا لمشاعري أو لنقُل لتُجنبني الإحراج؛ لاختلاف اعتقادي وأفكاري! وشعرتُ بداخلي أنّني حُرِمتُ، وتمتمتُ في نفسي: نحنُ أيضًا نُحِبُّ الحُسين (عليه السلام) ونرغبُ بحضور مجلسه. ومضتِ الأيامُ ولم يكنْ شيء كما كان! الباطِنُ يُنذِرُ بتغيير، والأفكارُ بدأتْ تتضاربُ وتتحرّكُ وتبحثُ عن الأجوبةِ والحلول، إلى أنْ أذِنَ اللهُ (تعالى) واُتيحتِ الفرصة؛ ولأنني أعلمُ أنّ فرصَ الخيرِ تمرُّ مرَّ السحاب، تحمّلتُ كُلَّ شيءٍ وانتهزتُها.. فرصةُ أنَّ هناك مَن يُجيبُني عن كُلِّ أسئلتي ونقاشاتي، مَن يُعينني على معرفةِ الحقِّ والحقيقة، فرصةُ أنْ أخضعَ لما يتوضَّحُ لي من الحقِّ في أمرِ الدين، وأطبِّقُه وأعملُ به.. والحمدُ لله أنّني لم أُقصِّرْ في ذلك، وشكرتُ النعمةَ حقَّ شُكرِها، حتى وفّقَني الله (تبارك وتعالى) والتزمتُ بطريقِ المعرفةِ وطلبِ الحقِّ حتى آخرِ الأنفاس! وحتى وصلتُ لما وصلتُ له من العقيدةِ والولاءِ لأهلِ بيت محمّدٍ (صلواتُ اللهِ عليهم أجمعين).. إلى أنْ جاء مُحرّمُ بعدَ سنتين وبدأتُ أحضرُ المجالسَ وأنا بعقيدةٍ جديدةٍ وفكرٍ جديد. كان أولُ محرّمٍ لي هو مُحرّم التعرُّفِ والمعرفةِ، أقرأُ ما جرى في كربلاء وأعيشُه في المجالس، وبنفسِ الوقتِ أبحثُ عن أجوبةٍ عقائدية: لِمَ البُكاء؟ لِمَ اللطم؟ لِمَ العزاء؟! وعندما أحصلُ على الجواب أطبِّق.. لا يملكُ الإنسانُ السببَ حتى يبكي عندما يسمعُ المقتلَ والرثاء، لكنّه قد يُمسِكُ نفسَه عن اللطمِ إنْ لم يكنْ مقتنعًا بذلك! وأنا في أولِ مجالس حضرتُها حاولتُ ذلك؛ لأنني لم أكن قد وصلتُ إلى قناعةٍ وحجةٍ أنَّ اللطمَ جائزٌ بعد، ولم أُكمِلْ هذا الـ chapter من الكتابِ بعد! حيثُ كُنتُ مُعتادةً أنْ أقرأ كُلَّ شيءٍ على مهلٍ وأبحثُ عنه وأسأل، وعندما أقتنعُ أطبِّقُ على الفور! فـ"من عمِلَ بما يعلمُ علّمَه اللهُ ما لم يعلمْ!". كانت هذه الرواية وتطبيقُها مصدرَ كُلِّ التوفيقات في حياتي وسببَ سرعتي في الوصول.. ومع ذلك لم أكنْ أصمدُ في المجالسِ حتى أنتهي من قراءةِ البحثِ لألطمَ على مصائبِ الحُسين! وكان هذا الردُّ عفويًا: "الما يلطم على احسين مو شيعي يسمونه" سمعتُ هذهِ العبارةَ بأحدِ المجالس، فقمت باللاوعي باللطمِ معهم، وفتّتَتِ المعرفةُ المكتومةُ في باطني للحُسين كُلَّ هذا العناد وأزالتْ عمى البصيرة.. فعُلِّمتُ ما لم أعلمْ حينَها وقمتُ لألطمَ عن معرفةٍ وعقيدةٍ ووعيٍ وقناعةٍ وعاطفةٍ ووجدان.. صرختُ بداخلي: "كيف لا أُعتبَرُ شيعيةً وأنا كُلُّ ذرةٍ من ذراتِ وجودي تصرخُ: أشهدُ أنَّ عليًّا ولي الله"؟! بعدئذٍ ما إنْ سمعتُ نفسَ هذه العبارة على قناة كربلاء، في يوم العاشر، حتى بدأتُ باللطمِ معهم.. كنتُ عندما أحضرُ المجالسَ لا أعرف كيف ألطم، فأنظرُ إليهم وأتعلمُ منهم.. والشيءُ الوحيدُ الذي كنتُ أُجيدُه هو البكاء، والبكاءُ بصمتٍ وهدوءٍ لا يُسمَعُ لي فيه أي صوت! أولُ المجالسِ التي كُنتُ أحضرُها، كانت قارئة العزاء بعد الانتهاءِ كُلَّ مرةٍ تُناديني، وتسألُ عني وتتعرفُ عليّ: (من هذه الفتاة التي تبكي بحرقة مع هدوء؟) فتنتبهُ إليَّ جميعُ من في المجلسِ دون أنْ أشعر، ويغبِطنني قائلاتٍ: هنيئًا لكِ، وأمّا قارئة العزاء فكانت تدعو لي بالتوفيق والثبات وتُهنئني، وهي لا تعلمُ بقصتي أصلًا ولا تعرفني من أنا! كُنتُ أشعرُ أنَّ هذه المواقف من تدبيرِ يدِ الغيب، وأنَّها أمارةُ قبولٍ تشدُّ الأزرَ وتثبتني على هذا الصراط، كُنتُ أشعر أنّها علامةُ القبول من الزهراء (صلوات الله عليها) لهذه التعزية والمواساة؛ لأنّني كنتُ أقرأُ حينَها أنَّها (صلوات الله عليها) تحضرُ وتفعلُ ذلك... وبعدَ كُلِّ مجلسٍ أحضره يتكرّرُ هذا الشعور، حتى صرتُ معروفةً به، وجيراننا في كُلِّ مرةٍ يطلبونَ حضوري بالخصوص، وإذا كانتْ أمّي لا تستطيعُ الحضور فيأتونَ هم ويأخذونني معهم! والبعض منهم يأتي ويجلسُ بجانبي، مُعللين ذلك بقولهم: "الزهراء تحضر عندك!"، وفي كُلِّ مرةٍ يأتونَ لدعوتِنا يقولون لأهلي: "وغفران هل تأتي" فضلُ هذه المنطقة والجيران عليّ عظيمٌ، وحتى مجالسهم وناسهم، وعلى الرغمِ من السلبيات التي توجد لكن لهم عظيمَ الأثرِ في طريق تكاملي وتعلَّمْتُ منهم الكثير وأهمها الولاء. حتى أنّهم عندما يأتون بـ(الثواب والتوزيعات)، فإنَّ لي عندهم الحصة الخاصة، وأحيانًا يخصونني بحصةٍ مماثلة لحصةِ أهلي أجمعهم قائلين: "هذه لغفران فقط" ولأننا لا نخرج في منطقتنا كثيرًا، ولا تربطني بالجيران علاقة غير المجالس، فإنّهم يأتون في المناسبات والأعياد ويُسلِّمون عليّ، ويخصونني بالمعايدة، كما واسوني بطريقةٍ عجيبة، وأخذوا بيدي دون شعورٍ وعلموني الكثير واستفدت منهم، رغم لقاءاتنا القليلة، وهذه المعنويات يحتاجُها كُلُّ شخصٍ في بدايةِ طريقه.. في أولِ زيارةِ أربعين لي في العام نفسه، كانتْ موافقةُ أهلي مستحيلةً؛ فالزيارةُ والمشي والمبيتُ خارج البيت بمثل هكذا أماكن لا توجد في قاموسنا.. فبقيتُ أيامًا أبكي وأتحسّرُ وتقطّع قلبي أوصالًا، رغم أنَّ الحُسينَ (عليه السلام) أعطاني إشارةَ المواساةِ والقبولِ ولكنَّ القلبَ لا يقتنع.. فوقفوا معي حتى أنَّ جارتنا قالت: لن أذهبَ هذهِ السنةَ للأربعينيةِ إلا وغفرانُ معنا! ولأنًّ والدهم صديقُ والدي، فقد استجاب لطلبهم ووافق حياءً منهم، فذهبنا أنا وأمّي معهم.. وبعد ذلك صارت سُنّةً في أغلبِ الأحيان؛ تتسابق عليها أمّي -إنْ هداها اللهُ- قبلَ أنْ أطلب منها إنْ كانتْ الظروفُ مناسبةً.. وفي إحدى السنوات -وكانت هذه السنة الوحيدة التي خرجت فيها لمجالس في ليلة العاشر- طرقت جارتنا بابنا وقالت: "أأتوا غفران معنا لتحج"، فأخذتني معها، وذهبنا مع (قارئة العزاء) لكُلِّ المجالس التي تُقيمها في المنطقة حتى الفجر، وهي التي يسمونها "الحجة". عندَ عودتِنا للمنزل، وقريبًا من وقتِ صلاة الفجر، وأنا أسيرُ معهم في الشارع المظلم لوحدنا، وضعت طرف حجابها على وجهها وقالت: ليت عيني تعمى لأجلك مولاتي يا زينب، كيف تحملت كل أنواع الغربة والسبي والظلم والظلام!... وأجهش الجميعُ بالبكاء وأبكوني معهم. أمّا أنا وخصوص مجالس العباس (عليه السلام) فهي قصة خاصة؛ فمن فروضي أنْ أحضرَ مجلسًا في ليلته كل عام، حتى وإنْ لم يدعنا أحدٌ، فإنّي أبحثُ عن مجلسه وأذهبُ دون دعوة! وكم أتفاعل مع (قارئة العزاء) التي تأتي العزاء بالرايات والأهازيج العباسية، وقصائد الحماس، ومن ثم العتاب بين الإخوة، والحوار بينه وبين زينبه (صلوات الله عليهما)، وكذلك كيف أن استشهاده كسر ظهر أخيه الحسين (عليه السلام)، كُلُّ ذلك ألوانُ عشقٍ ومواساةٍ لا تُترجَمُ إلا بحرِّ الدموع ولطمِ الصدور! فكيف بالصبرِ على الفراق؟! أمّا ازدحامُ المجالسِ والصلوات فهذه قصةٌ أخرى، كُلّما يزدادُ عددُ الحضور ترتفعُ الصلوات ليتوسَّعَ المجلس! وبالفعلِ يتوسعُ لأضعافه! وعبارةُ (الزهراء توسِّعُ المجلس) لا تُفارقُ ألسنتهم.. أمّا أنا فلو بقيتْ لي زاويةٌ تكفي لإصبع فقط فإنّي أحشرُ نفسي فيها، وأوسِّعُ المجلس، ولا يهمني، وأنظرُ عليهم جميعًا كأنّهم معجزة؛ فرؤيتهم وهم يتوافدون ويتحاورون ويتواسون، بل حتى حديثهم العادي، يُبكيني، فأُردِّدُ: لبيكَ يا حُسين. لا أنسى نظراتِ صاحبةِ إحدى المجالس، عندما تأخرتِ (قارئة العزاء) عن مجلسها لفترةٍ طويلةٍ، فاضطروا لتبديلها لظرفٍ طارئ، فإنّها لم تُبقِ شيئًا في منزلِها لم تُخرِجْه لنا وتُضيّفنا به، وكُلّما غادر أحدٌ المجلسَ بسببِ طولِ الانتظارِ فإنَّ دموعها تنهمرُ على خديها، وكأنّها تتوسلُ بالمعزين قائلةً: (أرجوكم انتظروا قليلاً لتواسوا الزهراء) وهي تبكي وأنا أبكي معها، ملتمسةً منهم الانتظار. من عادتي أنني لا أتذمرُ مُطلقًا بسبب التأخير في المجالس، بل أنتظر ولو لساعات، واستثمرُ الوقتَ بما يُعينني على الخشوع وحضور القلب والتأمُّل في المُعزّين والتعلُّم منهم ومن كلامهم وعاداتهم وتصرفاتهم، حتى أنَّ أُمّي أحيانًا تتركني وتذهب، وأنا أواصلُ الانتظار، ولا أخرجُ إلا بعد أن ينتهي المجلس. لا يفرقُ عندي إنْ كان المجلسُ فيه محاضرةٌ دينيةٌ أو مجلسُ عزاءٍ فقط، ولا أُحِبُّ أنْ أنتقيَ المجالس، فإنْ حدَّثتني نفسي بالانتقاء ألومها؛ فالحُسينُ عَبرةٌ وعِبرةٌ، والعزاءُ في أيامِ المحرّمِ هو الأساسُ والمُنطلقُ والشعارُ كما قال مرجعُنا الأعلى. روحي دائمًا تتعلقُ بالبيتِ الذي أحضرُ مجلسَه، وأشعر انّي لا أرغب بأنْ أُفارقَ المجلسَ، حتى أُكمِلَ كُلَّ دعواتي وطقوسي، وجولتي على الصورِ والراياتِ المُعلّقة عليه لأمسح بها وجهي ودموعي.. وكم أحرصُ على أنْ أساهمَ في تنظيفِ المحلِّ الذي يُقامُ فيه المجلسُ بعد انتهائه، فأحمل ما يُمكنني حمله مما تركه المعزون، وأتمنى لو يمكنني البقاء لانتهاء كل التنظيف. كانتْ مُدرِّستي دائمًا ما تمنحني هذه الفرصة؛ لأنال هذا الشرف العظيم، وأخدم ولو بالشيء القليل أبا عبد الله (عليه السلام) ومُعزيه ومجلسه، كنتُ أذهبُ معها قبلَ الجميع وأمدُّ لها يد العون، وبعدَ انتهاء المجلس أبقى معها؛ لننظف المكان معًا.. وقد دفعني حبي للمجالس الحسينية إلى أن أتمسك بمنطقتي التي أسكنها، حتى أنّ أهلي كُلّما كانوا يتناقشون في موضوعِ تركِ المنطقة وشراء بيتٍ في مكانٍ آخر، كُنتُ أولَ من يعترض، ولا أقبلُ بذلك أبدًا ولا أرضى؛ خوفًا من أنْ أُحرَمَ من هذهِ المجالسِ ومن الشعائر ومن رؤيةِ هذه المواكب وحتى زاد أبي عبد الله (عليه السلام). كما لا أقوى على فراق هؤلاءِ الموالين الذين بفضلِهم تعلّمْتُ بعضَ أبجدياتِ الولاء، وكيفَ يُطبَّقُ الولاء والمحبة والعقيدة في الواقع، وكيف تكونُ حياةُ الموالين، ولو كان اللقاءُ والاجتماعُ لدقائقَ قليلةٍ. كُنتُ وما زلتُ دائمًا أحلمُ وأخطِّطُ لليومِ الذي سيكونُ لي بيتي الخاص، وأقيم فيه مجالس العزاء، ومجالس مناسبات أهل البيت (صلوات الله عليهم)، وأخدم فيه شيعتهم ومُعزيهم.. هذه المجالسُ كانتْ وسيلتي الوحيدة للصلةِ الواقعيةِ مع أهلِ البيت (صلوات الله عليهم) ومناسبتهم ومواساتهم، والنهل من فيوضاتهم المعنوية والروحية في ظلِّ حرماني من الزياراتِ والغربة.. ثم حلَّتْ علينا كورونا ضيفةً ثقيلةً، وجُلّ ما أخشاهُ أنْ تحرمني حتى من هذه المجالس، فلله (تعالى) الأمر وله حكمةٌ هو بالغها، وللحُسين (عليه السلام) نشكو الحال، وضاقت فلمّا استحكمت حلقاتها، ستُفرجُ وكنتُ أظُنُّها لا تُفرجُ. كنتُ أحترقُ من الداخل وأنا أزورُ عن بُعد، أو أسجل اسمي في زيارةِ الإنابة، والآنَ كيف بي وأنا أحضر المجالس عن بعد؟! لكنّما هو اختبارٌ جديد، ومحكٌ جديد، وللولاء تعبيراتٌ وآفاقٌ عجيبةٌ، كما قالت المرجعية العليا.. لوهلةٍ كنتُ أظنُّ نفسي العالمةَ العارفةَ بأهلِ الخدمةِ والولاءِ والمواكبِ والشعائرِ والمجالسِ، المُحسِنةَ التعامُلَ والفهمَ والتعبيرَ، المُطلعةَ على فيضِ القلوبِ وصفائها ونقائها وصدقها، المؤمنةَ بكلامِ العقيلةِ زينب (عليها السلام) عندما صدَحَتْ بالوعدِ الإلهي ببقاءِ هذه الشعائر أثرًا لا يُدرَسُ على كرورِ الليالي والأيام.. وبدأتُ أقولُ: الأمرُ مع كورونا مستحيلٌ مستحيلٌ، فكيف بنا؟! وإذا بهم يُفاجئوننا، ويُبدعون من جديد، وتظهرُ آفاقُ خدمتِهم وتمسُكِهِم بشعائرهم وعشقهم للحُسين (عليه السلام) من عجائبِ الدنيا، ويبقى هذا السِرُّ يُحيّرُ العقولَ والأفهام؟! وحتى صدمني أحدُ كبارِ علماءِ الحوزة وأساتذتها بعبارةٍ وقفتُ مُتحيّرةً أمامَها لساعاتٍ، في أيّ عقلٍ أحملها؟ وبأيّ قلبٍ أحتويها؟ وعلى أيّ صفحةٍ في روحي أكتبها؟ كي لا أنسى هذا الدرسَ الجديدَ في الولاءِ والعزاءِ والإحياء الذي تعلّمته.. السيدُ الأشكوري، أستاذٌ بحجمه الكبير في الحوزة العلمية، يتحدثُ عن خَدَمَةِ الإمام الحسين (عليه السلام) قائلًا: قولوا للخدام: أنتم أخذتم بيدنا إلى هذا المنهج، وطريق الخدمة الحسينية والمأتم، والآن أنتم على المحك وفي تحدٍ جديد. الله أكبر! كما تعلّمتُ وصبرتُ لسنواتٍ وسأظلُّ أصبرُ حتى يعجز الصبرُ عن صبري، وينظرُ الرحمن في أمري.. سيبقى أهمُّ ما عندي أنْ أرى المجالسَ والشعائرَ والزيارات تُقامُ وبأروعِ صورةٍ تعكسُ للعالمِ من هُم شيعةُ الحُسين وعُشّاقه ومُحبوه وخُدّامه. هم الملتزمون بتوصيات مراجعهم العظام التي تعكسُ تعاليمَ الدين الإسلامي الحنيف، سواء أكنت من الحاضرين أم لا. عظّمَ اللهُ أجوركم وأحسنَ عزاءكم بمصابنا بأبي عبد الله الحُسين (عليه السلام)، وجعلنا الله وإيّاكم من الطالبين بثأرهم مع الحجة المنتظر (عجل الله فرجه).

اخرى
منذ شهرين
341

كيف تمدحُ أبناءَك دونَ أنْ تُفسدَهم؟

بقلم: قاسم سالم المشرفاوي أنتَ أذكى طفلٍ رأيتُه في حياتي؟ أنتَ أكثرُ عبقريةً من أينشتاين؟ أنتِ أجملُ فتاةٍ رأيتُها في العالم؟ أنتَ بطلٌ؟ عباراتٌ كثيرًا ما نجدُها مُنتشرةً هنا وهناك، بين أروقةِ الصفحاتِ التربوية بكثرة، في ظاهرها حسنةٌ وجميلةٌ، ولكنّها لا تخلو من سلبياتٍ عديدةٍ تؤثرُ بشكلٍ سيءٍ وسلبيٍ في تكوينِ شخصيةِ الأبناءِ بشكلٍ غير واقعي وغير موزون. ونرى العديد من الإخوةِ الآباء والأمهات يستعملون أسلوب المديح هذا ويعدّونه من الأساليبِ الذكيةِ في التربية، بل إنّ بعضَ المدربين يستخدمونه في التدريبِ للأسفِ الشديد دونَ معرفةِ نتائجه! إن استخدام تلك العبارات وبكثرةٍ تجعلُ الأطفالَ غيرَ واقعيين وغيرَ منطقيين إذا كانتْ تتناقضُ مع صفاتِ الطفلِ الحقيقية والواقعية، ومن الممكن أنْ تُسبِّبَ له انتكاساتٍ عكسيةً في حياته. فلو سألَنَا شخصٌ عن سلبياتِ هذه الكلماتِ وتأثيرها العكسي فإن بإمكاننا أنْ نوضِّحَ سيناريو معينًا ونقوم بتحليلهِ لزيادةِ عمليةِ الإقناعِ لدى السائل.. فلنأخذْ سيناريو (أنتَ ولدٌ ذكي)، فأنتَ تعني: ذاتك، كيانك ككل، وإطلاقُ صفةِ الذكاءِ على ولدِك بالمطلق تعني أنّ كلَّ ما يصدر منه هو ذكاء! إذن السؤال: كيف ينظرُ هذا الطفلُ ذو العشر سنواتٍ مثلًا لنفسه إذا لم يستطِعْ حلَّ مسألةٍ معينةٍ في مادةٍ معينةٍ أو جاء بنتيجةٍ متدنيةٍ في إحدى المواد؟ كيف سيُفسِّرُ ذلك الأمر يا ترى؟! فالطفلُ هنا سيُصيبُه الإحباطُ ويفقدُ الثقةَ في نفسِه مؤقتًا هذا إنْ لم يستمر في فقدان ثقتِه بنفسِه أو استمرَّ لديه الإحباط لأيام. إذن سيفهم أنّ إطلاقَ هذه الصفات تكونُ خدعةً من والديه، وإشارةً إلى عدمِ جدارته، أو أنّها مجاملةٌ له فقط لا أكثر! لنُكمِلِ السيناريو المُفترض.. جاءك ولدُك وهو مُصابٌ بالإحباطِ ويشعرُ بخيبةِ الأمل وقال لك: -أبي، أنا لستُ عبقريًا، ولست أذكى من في الصفِّ كما تقول! وهنا سيكونُ جوابُك: - لا يا عزيزي، فأنت عبقريٌ وما هذه إلا أزمةٌ مؤقتةٌ وستنتهي، والجميعُ يمرُّ بها. وهنا أُريدُ أنْ أقولَ: إنّ استمرارَ الوالدين في الكذبِ على ولدهِما وتوصيفِه بأوصافٍ مُبالغ بها ومطلقة في معناها ستوقعهُما في أخطاءٍ كارثيةٍ من شأنِها فقدان الطفل الثقة في كلامِ والديه وعدم تصديقهما فيما يقولان له. فعدمُ قولِ الحقيقةِ للأبناءِ، وعدمُ التعاملِ باتزانٍ في كُلِّ شيءٍ يؤدي إلى تحطيمِ الطفلِ من حيثُ لا يشعران.. إذن لماذا لا يُعدُّ هذا المديحُ مقبولًا وصحيحًا؟ لأنّه: *يُعطي الطفلَ انطباعًا غيرَ واقعي عن نفسه، ولا يتطابقُ مع قدرتِه الفعلية. *يُعرِّضُ الطفلَ للإصابةِ بالإحباط وخيبةِ الأمل عند أول إخفاقٍ يمرُّ به. *يُركِّزُ على النتيجةِ دونَ التركيز على الجُهدِ المبذول. والحلُّ المقبول والصحيح هو أنْ نجعلَ الأطفالَ يُفكّرون بشكلٍ واقعي بعيدًا عن المبالغة. *والمديحُ المبالغُ فيه يجعلُ الطفلَ لا يعرفُ قدرتَه الحقيقية. *إضافةً إلى خلق حالةٍ من العطش للمديح، فلو لم تمدحْه يومًا فإنّه سيُصابُ بالإحباطِ مما يؤدي إلى تكوين شخصيةٍ فارغةٍ وغيرِ واثقةٍ بنفسها.. *والسؤال: إذن كيف نمدحُ ومتى؟ أنت تشاهدُ ولدَك يمضي ساعاتٍ وهو يدرسُ ويثابر على إكمالِ مواده الدراسية، باستطاعتك أنْ تقول له: أنت تُبلي بلاءً حسنًا، وقد بذلت مزيدًا من الجهد والمثابرة. فهنا ركّزتَ على مقدارِ الجهدِ الذي يبذلُه ولدُك ولم تُركّزْ على النتيجة، فالتركيزُ على الجُهدِ يدفعُ بولدِك إلى أنْ يفهمَ أنّه بمقدار ما يبذلُ سوف يحصلُ على نتيجة، وهذا هو المطلوب. من جهة أخرى أنت لم تُطلقْ عليه شيئًا غيرَ واقعي، فلو جاءت نتيجةُ الامتحانِ مقبولةً فمن الممكن أنْ تقولَ له: باستطاعتك أنْ تبذلَ مجهودًا أكبر لتحصلَ على نتيجةٍ أفضل.

اخرى
منذ شهرين
280

من أقوالِ سيدِ الشُّهداءِ (عليه السلام) (5)

بقلم: شيماء المياحي روي عن الإمام الحسين (عليه السلام) أنّه قال: "الاستدراجُ من اللهِ (سبحانه) لعبدِه أنْ يُسبِغَ عليه النعم، ويسلبُه الشكر"(١) ينعمُ الإنسانُ في حياتِه بكثيرٍ من النعمِ، منها: حاصلةٌ يعلمُ بها، وأُخرى ينتظرُها، والكثيرُ الكثيرُ منها: هو فيها ولا يشعرُ بذلك، ويبقى يتضرّعُ إلى الله (تعالى) ويسألُه المزيدَ من النعم، طمعًا في رحمة الباري (جلّ وعلا) الذي قال في كتابه العزيز: "ادعُونِي أستَجِب لَكُم"[غافر:٦٠]. ومن العبوديةِ أنْ يطلبَ العبدُ النعمَ من خالقه والمنعم عليه، ويدعوه ويناجيه للحصول عليها.. كما توجدُ أمورٌ تُساعدُ على الحصول عليها ودوامها على العبد إذا ما سعى لها والتزم بها، وهي واضحةٌ وجليّةٌ نوردُها باختصار: ١ - العلمُ بأنَّ هذه النعم من اللهِ (تعالى)، وكُلُّ ما سواه سببٌ للحصول عليها. ٢ - شكرُه (تعالى) باستخدامِ هذه النعم في طاعته واجتناب معصيته. ٣ - إظهارُ النعمةِ مع التواضعِ لمن حُرِمَ منها، فإنَّ اللهَ (تعالى) يُحِبُّ أنْ يرى أثرَ نعمته على عبده. والعكسُ بالعكسِ تمامًا؛ فإنّ خلافَ ذلك كفيلٌ بزوالِ النعم، والحرمان من الحصولِ عليها، وهذا ما ذكرته الروايات الشريفة، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: "ما أنعم اللهُ على عبدٍ نعمةً فظلمَ فيها؛ إلا كان حقيقًا أنْ يُزيلَها عنه"(٢) ولكن أحيانًا يحصل ما هو خلافُ ذلك؛ أي إنَّ العبدَ يعصي ويتمادى في المعصية، واللهُ (تعالى) يُنعِمُ عليه ويُجزِلُ له بالعطاء؟! وكثيرًا ما يردُ هذا التساؤل على أذهانِ البعض، عندَما يُشاهدون أهلَ الفسقِ والمعاصي يتنعّمون بما حُرِمَ منه أهلُ طاعةِ الله (تعالى)، فيتخذُ البعضُ من ذلك ذريعةً للابتعادِ عن الطاعةِ، والانجرارِ وراءَ المعصية. والصحيح أنه لا ينبغي للعبدِ المؤمنِ أنْ يُقارنَ نفسَه بأهلِ المعاصي والفجور، مُتجاهلًا مكانته ومنزلته عندَ اللهِ (تعالى)، وأنّه (تعالى) كرّمه على خلقه؛ بما أنعمَ عليه من نعمةِ الإيمانِ وغيرها وما كلّفَه به. والبلاءُ سُنّةٌ من سُننِ الحياة، وله أسبابٌ مُتعددةٌ، يختلفُ سببه عند كُلِّ مبتلى، بحسب مكانته وقربه لله(تعالى)، فقد يكونُ تحذيرًا له من الغفلةِ إذا ما وقع فيها، أو تنبيهًا من معصيةٍ سقط في شباكها، وعلى العكس من البلاء هنا فإنَّ توالي النعم ودوامها عليه رغم غفلته ومعصيته ما هو إلا استدراجٌ له من الله (تعالى)؛ لذا لا ينبغي للمؤمن أنْ يغترّ بها، فقد وردَ عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: "يا بن آدمَ، إذا رأيتَ ربَّك (سبحانه) يُتابعُ عليكَ النعمَ وأنتَ تعصيه فاحذره"(٣)، وقال (تعالى): "وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَستَدرِجُهُم مَّن حَيثُ لَا يَعلَمُونَ"[الاعراف:١٨٢] فيفتحُ لهم أبوابَ الرزقِ والعافيةِ ورفاهيةِ العيش إلى أنْ يأخذَهم بغتةً وهم لا يشعرون، وهذا ما جاء في الكتاب العزيز: "فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّروُا بِهِ فَتَحنَا عَلَيهِم أَبوَابَ كُلِّ شَئٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُتُوا أَخَذنَهُم بَغتَةً فَإذَا هُم مُّبلِسُونَ"[الانعام:٤٤] ومما ينبغي الالتفات إليه: أنّ ما تقدّم ليس مُبرِّرًا للمؤمن بأنْ يحكمَ على الآخرين بالاستدراج إذا ما توالت النعم عليهم، وهم في معصية، فقد يعصي العبدُ ربَّه في العَلَنِ ويتوبُ في الخفاء. مثلما ليس للعبدِ أنْ يُزكّيَ نفسه، فينبغي أن يكونَ في حالةٍ بين الخوفِ من توالي النعم وهو على المعصية، والرجاء للُطفِ الباري ومغفرتِه، مع السعي الحثيثِ إلى طلبِ التوبةِ والإنابةِ للهِ (تعالى)؛ حتى يُؤمّنَ نفسَه من سخطِ اللهِ (تعالى). .............................. (١) تحف العقول (٢) غرر الحكم (٣) نهج البلاغة

اخرى
منذ شهرين
145

خاطــــرة

بقلم: عباس قاسم المرياني المصائبُ والويلاتُ التي أحاطتْ بزينبَ (عليها السلام) تعصفُ بالصبرِ نفسِه ولا ينهضُ بها إلا أولو العزم ولو مرّتْ هذهِ المصائبُ على دِولٍ لأسقطتْها، لكنَّها قوة ذلك الإيمانِ ورسوخه في قلبِها الذي كان مُحمديَّ الرسالة علويَ الإيمانِ فاطميَ الصبر لذا بقيتِ السيدةُ زينبُ (عليها السلام) منارةً شامخةً، ومضربًا للأمثالِ

اخرى
منذ شهرين
193

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
62841

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
40294

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
39117

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
31412

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
31025

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
30662